كتاب التوحيد - الباب التاسع: توحيد التشريع والحاكمية

الفهرس

 

القسم الثاني: التوحيد – القواعد والأصول

الباب التاسع: توحيد التشريع والحاكمية

فصل: ما هو (الحُكْم)، وما معنى لفظة (حَكَم)؟!

فصل: مفهوم «السيادة»

فصل: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾

فصل: التشريع من دون الله طغيان، ومنازعة لله في الربوبية

فصل: التحاكم إلى الطاغوت شرك وكفر

فصل: وجوب الرد إلى الله ورسوله، وطاعتهما طاعة مطلقة

فصل: آيات الحكم: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾

فصل: من هو المستحق لألقاب (الكفر)، و(الفسق)، و(الظلم)؛ ومتى يكون الاستحقاق؟!

فصل: ما هي حقيقة القائلين بـ(كفر دون كفر)؟!

فصل: بطلان وسقوط ولاية الفاسق

فصل: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»

فصل: مشروعية منازعة الحاكم بالسلاح

فصل: الشرع مهيمن حتى على العلاقات الدولية

فصل: وجوه دلالة القرآن والسنة على حصر السيادة في الشرع مطلقاً

فصل: إشكالية (التحاكم) في دار الكفر

فصل: انعقاد الإجماع على سيادة الشرع

فصل: الدليل العقلي على سيادة الشرع

فصل: ما هي حقيقة شرك قوم لوط؟!

 

الباب التاسع: توحيد التشريع والحاكمية

 

«توحيد التشريع والحاكمية»: هو الاعتقاد الجازم بأن لله وحده لا شريك له حق التشريع ابتداء واستقلالا؛ وسلطة الأمر والنهي الذاتية النهائية العليا، وهو المتفرد بالحكم، المستأثر به، فلا يفوضه لغيره أصلاً: لا إلى ملك مقرّب، أو نبي مرسل، وله وحده لا شريك له حق الطاعة لذاته، وليس لغيره أن يأمر وينهى، أو أن يستحق الطاعة إلا بإذنه، جل وعز، مع قيام الدليل الشرعي القاطع على وجود هذا الإذن، فهو وحده الحكم، لا حكم غيره.

 

فالله وحده هو الرب ذاتي الربوبية والسيادة، بموجب كونه، وحده، الإله الحق، ليس في الوجود إله غيره؛ فهو وحده المتصف بجميع صفات «الألوهيّة»، أي بالقدرة الذاتية على الفعل، قدرة ًمستقلّة استقلالاً مطلقاً عن الغير: وبخاصة القدرة على أفعال الخلق من عدم؛ والتّصوير، والتّكوين، والتّدبير؛ والعلو والقهر، والأمر والنّهي، فعلاً بالاختيار والإرادة الذاتية المستقلة، الحرة الطليقة، المنزّهة عن كلّ قيد أو شرط، ليس فعلاً بالضرورة والاضطرار؛ وبما تقتضيه ضرورة العقل في حق (الإله الحق) من الاتصاف بـ«القيّوميّة» أي «وجوب الوجود»، أي القيام بالنّفس والغنى عن الغير؛ والعلم الكشفي الضروري الشامل المحيط لما كان، وما يكون، وما يمكن أن يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون.

 

وهو وحده واجب الوجود الأزلي الأبدي، الإله الواحد الأحد، هو الذي يحدد الحرام والحلال، والحسن والقبيح، والمصلحة والمفسدة، ويضع موازين الأخلاق والقيم. وهو صاحب الربوبية العليا، والسيادة النهائية، فلا توجد سلطة فوق سلطته، ولا مرجعية بعده، لا من عقل أو غيره. فهو: ﴿يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، (الرعد؛ 13: 41)، وهو: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، (الأنبياء؛ 21: 23)!

 

ولعلنا نلاحظ ها هنا أن (الحاكمية)، أي انفراد الله بالتشريع، إنما هي صفة استحقاق، بخلاف (الخالقية)، مثلاً، أي اتصاف الله جل جلاله بالقدرة على الخلق من العدم، ذاتياً على وجه الاستقلال، التي هي صفة وجود. فلا يوجد خالق ذاتي القدرة على وجه الاستقلال إلا الله، وما نسب من ذلك لغيره تخريف وباطل، يوجد في الأذهان افتراضاً وتقديراً، كما يقدر الذهن المستحيلات، ولكن لا وجود له حقيقةً في الأعيان أصلاً. ولكن هناك في الواقع مشرعون كثيرون، موجودون في الواقع خارج الذهن، وهم مشرعون على الحقيقة، إلا أنهم متجاوزون لحدودهم، معتدون على حق الله في الانفراد بالتشريع، وهم بذلك (طواغيت) فجرة.

 

هذه الحقيقة يعبر عنها أحيانا بلفظ: «توحيد الحاكمية» أي أن حق الحكم والتشريع لله سبحانه وتعالى، منفرداً به، وحده لا شريك له، وربما عبر عنها بمبدأ: «السيادة للشرع» أي أن الشرع المنزل من الله تعالى له وحده السيادة النهائية، والهيمنة العليا على جميع تصرفات العباد. وهذا التعبير الثاني، أي «سيادة الشرع»، أفضل من الناحية العملية لأنه يبين الكيفية العملية لتحقيق هذا القسم من التوحيد ألا وهى: الرجوع إلى الوحي، أي الشرع المنزل، المتمثل في نصوص الكتاب والسنّة، وما دلاّ عليه دلالة قاطعة من الأدلة التفصيلية الفرعية التبعية كالإجماع، والقياس المبني على علة شرعية، أي على علة منصوص عليها أو مستنبطة من النصوص استنباطاً صحيحاً، ونحو ذلك مما قامت عليه قواطع الأدلة.

 

فصل: ما هو (الحُكْم)، وما معنى لفظة (حَكَم)؟!

الحُكْم عموماً هو نسبة شيء لشيء آخر:

فإذا قلنا: هذه الوردة جميلة أو زكية الرائحة، فإن هذا هو نسبة شيء هو (الجمال) أو (طيب الرائحة)، وهي مفاهيم أو (تصورات) ذوقية جمالية تدرك بالحس والذوق والعقل، إلى شيء آخر هو (الوردة)، وهو شيء مادي ملموس محسوس؛

وإذا قلنا: السرقة حرام، فنكون قد نسبنا (الحرمة)، وهي حكم شرعي يستنبط بطريقة معينة، إلى (السرقة)، وهي فعل إنساني محسوس، وليس بملموس؛

وإذا اعترف إنسان معين، فلنسمه: زيداً بن عمرو، بالسرقة عند قاض ذي صلاحية، في مجلس قضاء معتبر، وظهر للقاضي تحقق جميع الشروط، وانتفاء جميع الموانع فإنه (يحكم) بـ(قطع يده) بكيفية مخصوصة: فالقاضي نسب (وجوب قطع اليد) إلى هذا الإنسان المعين: (زيد بن عمرو). أما عملية القطع نفسها فربما قام بها جلاد، أو جراح متخصص سبق له قطع أيادي أخرى لأنها مصابة بالسرطان، ولعل ذلك إنما كان بقرار (أي: حُكْم) من مجموعة من الأطباء أهل الخبرة بضرورة القطع إنقاذاً لحياة المريض قبل انتشار السرطان؛

وقولنا: (الكذب قبيح)، حكم عقلي عملي، أي: حكم أخلاقي قِيَمي، ولكن قولنا: (الكذب حرام، إلا في ثلاثة أحوال)، حكم شرعي.

فلعلنا نلاحظ من الأمثلة السابقة، ومما شئت من غيرها، أن (الحُكْم) من جنس (الأقاويل) و(الإقرارات) و(المعتقدات)، وليس هو من جنس الأفعال أصلاً.

 

ومادة (حَ كَ م) تأتي في اللغة العربية، وكذا في القرآن، والسنّة بمعاني عدة، منها:

(1) وضع الأمور في مواضعها، وهي (الحِكْمة)، وفاعل ذلك أو المتصف به: (حكيم).

(2) إتقان الصنعة، وبلوغ الفعل إلى غايته، وهو (الإحكام)، وفاعل ذلك (مُحْكِم)، وربما أيضاً (حكيم).

(3) الحكم على أفعال الناس يوم القيامة، وتصفية نزاعاتهم بصفة نهائية أبدية. وهذا إنما هو لله وحده، والآيات في ذلك كثيرة مشهورة.

(4) الفتيا، وإبداء الرأي الذي يعتقد قائله صحته، أي الحكم على القضايا الدينية، والحسية، والعقلية، والجمالية، والأخلاقية، وغيرها. فنحن (نحكم) ببطلان التناسخ، وبطلان التثليث، وقبح الكذب عقلاً، وحرمته شرعاً، إلا في أحوال قليلة منصوص عليها،... إلخ. ومنه قوله، جل وعلا: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ.

(5) فض النزاع، والفصل في الخصومات، على وجه الإلزام. أي القضاء، وهو إحدى سلطات الدولة الرئيسية (السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية). ويسمى القاضي أيضاً (حاكما)، وما يتلفظ به: (حُكْماً).

(6) رعاية الشؤون، والإدارة، والتنفيذ، أي السلطة التنفيذية في الدولة، ويسمى القائم بذلك: (حاكماً)، كما قد يسمى (والياً)، أو (ولي أمر)، أو (سلطاناً). وقد شاع في العصور المتأخرة استخدام لفظ (حكومة) لقمة السلطة التنفيذية، أي لمجلس الوزراء، وكذلك بمعنى جهاز الحكم في الدولة، وهو إطلاق صحيح، كما سنبينه بعد قليل. وهناك إشكالات وفروق دقيقة بين من يستحق أن يسمَّى حاكمًا، أي صاحب قرار وسلطان، ومن هو إداري تنفيذي محض، وليس من أهل (الحُكْم)، ولكن ليس هذا موضوعنا ها هنا.

(7) التشريع وسن الدساتير والقوانين والأنظمة واللوائح، أي ما تقوم به السلطة التشريعية في الدولة. بل ويندرج تحت هذا الفرع السابع حتى وضع مبادئ الأخلاق والسلوك والآداب والأعراف الاجتماعية، لأنه في حقيقته تشريع وتحديد للقيم. وإن كانت السلطات الدنيوية في الدول والحكومات لا تمارس هذا عادة، وإنما قد يمارسه الناس بمجموعهم بوصفهم مجتمعا، أي جماعة تقوم بين أفرادها علاقات دائمية.

 

أما كون التنفيذ، أي رعاية الشؤون وسياسة الناس، نوعاً من أنواع الحكم، والمباشر لها يستحق أن يسمَّى حاكماً، بالرغم من أن كلام العرب، ونصوص الشرع جرت على استخدام لفظة: (ولاية الأمر)، أو (السلطان)، أو (السياسة)، أو حتى (المُلْك)، فيستفاد من قوله جل جلاله، وسما مقامه: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، (المائدة؛ 5 : 44)، فأنبياء بني إسرائيل – في عهدهم الأول – كانوا يحكمون؛ إذا ضم إلى قوله عليه وعلى آله الصلاة والسلام: (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون)، قالوا: (فما تأمرنا؟!)، قال: (فُوا ببيعة الأول فالأول، أعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم)؛ أخرجه الأئمة: البخاري في صحيحه (ج3/ص1274/ح3268): [حدثني محمّد بن بشار حدثنا محمّد بن جعفر حدثنا شعبة عن فرات القزاز قال: سمعت أبا حازم قال: قاعدتُ أبا هريرة خمس سنين فسمعته يحدث عن النبي، قاله]؛ وأخرجه مسلم في صحيحه (ج3/ص1471/ح1842)؛ وابن حبان في صحيحه (ج10/ص420/ح4555)، (ج14/ص142/ح6249)؛ وابن ماجه في سننه (ج2/ص959/ح2871)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج2/ص297/ح7947)؛ وابن راهويه في مسنده (ج1/ص257/ح222)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج8/ص145/ح20325)؛ وأبو يعلى في مسنده (ج11/ص76/ح6211)؛ والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج7/ص464/ح37260)؛ وغيرهم؛ فأنبياء بني إسرائيل – في عهدهم الأول – كانوا يسوسون، فالسائس إذاً حاكم، ولا بد. قلنا في عهدهم الأول قبل أن يطالبوا بالملكية الوراثية الملعونة التي انقلبت عليهم وبالاً كما فصلناه في غير هذا الموضع.

 

ويشهد أيضاً لكون التنفيذ والسياسة، أي (ولاية الأمر) أو (السلطان) من أنواع الحكم قوله تعالى مجده: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، (البقرة؛ 2 : 188)، لأن الحكام ها هنا أعم من القضاة، إذ أن الناس كانوا – وما زالوا – يترافعون لولاة الأمور والمتنفذين أيضاُ في شتى أنواع التنازع، وليس فقط إلى القضاة. على أن القضاء والتنفيذ ما كانا منفصلين في سابق الأزمنة، وإلى زمن نزول القرآن، وإنما جرى الفصل بينهما في الأزمنة الحديثة كأسلوب إجرائي دستوري لضمان استقلالية القضاء وحياديته، وإبعاده عن حلبة السياسة اليومية، وصراعات المصالح، التي ينغمس فيها المتنفذون في أغلب الأحايين.

 

فهذه المعاني، أو الأنواع، الأربعة الأخيرة آنفة الذكر، وهي: الفتيا، والقضاء، والتنفيذ، والتشريع، هي التي تعنينا في هذا البحث. وهي كذلك التي يجب حمل النصوص الشرعية عليها كلها، إلا إذا وردت قرينة مخصصة. فإذا قال عليه الصلاة والسلام: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران،... إلخ» فلا يجوز أن يقال: هذا خاص بالقاضي، أو ولي الأمر ذي السلطان، بل هو عام لكل من طلب حكم الله في القضية لمعرفته مجرداً:

ــ (1)- كالمجتهد والمفتي، فهذا حاكم؛ أو

ــ (2)- لتطبيقه في نزاع كالقاضي، فهذا كذلك حاكم؛ أو

ــ (3)- لرعاية الشؤون كالإمام:

(أ)- إما تنفيذاً في حالة أو أحوال عينية مشخصة، فهو بهذه الصفة حاكم؛

(ب)- وإما تشريعاً، أي: تبنياً لحكم شرعي في مسألة خلافية، وسنها نظاما عاما ملزما للكافة، وهو بهذه الصفة كذلك حاكم.

 

والاحتكام، أو التحاكم هو: طلب الحكم من أي نوع كان، من نوع: الفتيا، أو القضاء، أو التنفيذ، أو التشريع.

 

ولفظ (الحاكميّة) من الألفاظ المولّدة القائمة على غير مثال سابق في اللغة العربية، تماماً كألفاظ (الخالقية) و(الرازقية)، وأول من استخدمها في خطابه السياسي، المبني على العقيدة الإسلامية، هو العلامة الشهير أبو الأعلى المودودي، رحمه الله، مؤسس (الجماعة الإسلامية) في الديار الهندية، ثم أخذها عنه الأستاذ الإمام الشهيد سيد قطب، فبثها في كتاباته كمَعْلَم من معالم العمل الإسلامي الذي جاد بنفسه في الدعوة إليه، والتركيز عليه، حتى نال الشهادة، وحظي بالكرامة، رضي الله عنه، ورفع درجته. فـ(الحاكمية) إذاً هي كون الله، جل جلاله، وسما مقامه، هو الحاكم، تماماً مثل (الخالقية) كون الله خالقاً، جل جلاله، وسما مقامه!

 

و«شرك التشريع والحاكمية» هو إذاً، بداهة، كل قول أو اعتقاد مناقض لـ«توحيد التشريع والحاكمية». هذا الشرك، أي «شرك التشريع والحاكمية»، هو الأكثر انتشارا في العالم الغربي اليوم لتبنيه «الدنيوية»، أو «الزمنية»، (Secularism) التي تسمّى خطأً: «العلمانية»، والتي تجعل حق التشريع للإنسان، والسيادة، بزعمها للشعب.

 

ولما كان العالم الغربي، الآن في هذا العصر، هو الأكثر تقدما في مجالات العلوم والتقنية، وهو المهيمن على مصائر الأمم والشعوب؛ وحضارته، ومعها ثقافته، هي السائدة، والمعتبرة مقياساً لجميع الحضارات والثقافات؛ ولسقوط العالم الإسلامي عن مرتبة الصدارة فكرياً وحضارياً وسياسياً، منذ عدة قرون، وانحطاطه انحطاطاً فظيعاً، حتى بلغ الحضيض بهدم آخر دول الخلافة الإسلامية في إسطنبول؛ ولهزيمة جماهير المسلمين، بل وخاصتهم، هزيمة نفسية منكرة، أمام الزحف الغربي؛ لذلك كله، انتشر هذا الفكر الوثني الشركي الكفري بين المسلمين، وبالأخص المثقفين منهم ثقافة غربية، فارتد الكثير منهم عن الإسلام، ونبذوا حضارته وثقافته، وأصبحوا كفاراً مرتدين «لا دينيين»، «دنيويين»، «علمانيين».

 

وعندما نقول: (ارتد الكثير من مثقفي المسلمين عن الإسلام) فنحن لا نقول ذلك على وجه المجاز، أو المبالغة لغرض من أغراض البلاغة والبديع، كلا والله، بل نعنيه بالمعنى الشرعي المحدد: ردة حقيقية عن الإسلام أصبحوا بها كفاراً مشركين، تركوا الملة، وفارقوا الجماعة والأمة.

 

هذه الردة العمياء، والخطر المميت، مع الأهمية الخاصة لمبدأ «السيادة للشرع» من الناحية الاعتقادية لكل فرد مسلم، ومن الناحية الدستورية للجماعة، أي للأمة والدولة الإسلامية، تحتم علينا إشباع القول فيه إشباعاً تاماً، ودحض الشبهات التي أثارها حوله أعداء الله من فقهاء السلاطين الخونة، عليهم سخط الله، ولعائنه متتابعة إلى يوم الدين، دحضاً نهائياً وكاملاً. كل ذلك لا تكفي فيه كتب التوحيد و(العقيدة) العامة، بل يحتاج إنجازه، إلى كتاب مستقل، هو كتابنا: (الحاكمية، وسيادة الشرع) الذي تفرغ لهذه المهمة باباً، باباً، وفصلاً فصلاً.

 

 

فصل: مفهوم «السيادة»

كلمة السيادة، اصطلاح غربي، والمراد بها في الواقع من خلال استقراء وجهات نظر رجال القانون الوضعي، أنها: الممارس للإرادة والمسُيِر لها، في العلاقات جميعها، وحتى في الأشياء.

 

ومن هذا المنطلق، فإن أدق تعبير يصف واقع السيادة وفق هذا المفهوم، من وجهة نظر الشرع الإسلامي أنها: (سلطة عُليا مطلقة، لها وحدها حق اصدار الحكم على الأشياء والأفعال)، أو بلفظ آخر: (سلطة أصلية، مطلقة، عامة، متفردة، غير محدودة، تهيمن على الأفراد والجماعات)، فالمقصود بسيادة الأمة مثلاً، أن الأمة وحدها لها حق ممارسة الإرادة، والمسير لها في الحكم على الأشياء والأفعال، في صورة سن القوانين لتنظيم الحياة، وفق ما يمليه العقل.

 

وأياً كان الجدل القانوني أو الفقهي حول تعريف السيادة، فإن من المسلّم به أن هناك جملة من السمات والخصائص قد يتفق الجميع على تحقيقها في السيادة، وتمثل قاسماً مشتركاً بينهم جميعاً بخصوص نظرتهم إلى السيادة.

فالسيادة: إرادة عليا، تتميز بخصائص لا توجد في غيرها من الإرادات، وجماع هذه الخصائص أنها الإرادة التي تحدد نفسها بنفسها، فصاحب السيادة لا يمكن أن تلزمه إرادة أجنبية عنه بالتصرف على نحو معين، وهو لا يلتزم بالتصرف على نحو معين إلا إذا أراد هو ذلك. وهذا يعني أن هذه السلطة مطلقة لأنها لو لم تكن كذلك، فسوف تعتمد على إرادة أخرى تقوم بتحديدها، مما يتعارض مع ما تقرر لها من أنها سلطة أصلية، بمعنى أنها لا تتلقى هذه الخاصية من إرادة سابقة عليها أو من إرادة أعلى، فهي تتميز بالخصائص التالية:

* الإطلاق: فصاحب السيادة لا يفرض عليه قانون، بل القانون هو التعبير عن إرادته، وليس لإرادة أجنبية عنه أن تُلزِمه بالتصرف على نحو معين، لأنه لا توجد إرادة تساميه أو تساويه، إرادته آمره دائماً،

وليس لأحد قبله حقوق، وعلاقته بغيره علاقة السيد بالعبد، أو المتبوع بالتابع، وعلى العبد أو التابع تنفيذ ما يصدر عنه من أوامر: ليس بسبب مضمونها أو فحواها، ولكن لأنها صادرة عن إرادة هي بطبيعتها أعلى من إرادتهم.

* السمو: فهي في مجالها إرادة تعلو جميع الإرادات، وسلطة تعلو كافة السلطات، لا توجد، فيما تنظمه من علاقات، سلطة أعلى منها ولا سلطة مساوية لها.

* الوحدانية والتفرّد: فلا يوجد على المجال الواحد إلا سيادة واحدة، إذ لو وجدت سيادتان على مجال واحد لفسدت أحواله. ووجه ذلك أنه لو صدر من كل منهما تكليف يناقض ما أصدرته الأخرى فلا يخلو الأمر من أحد هذه الأحوال:

(1) ــ تنفيذ التكليفين معاً وهو محال.

(2) ــ أو الامتناع عنهما معاً، وفي ذلك إبطال لسيادتهما معاً.

(3) ــ أو إنفاذ واحد منهما فقط، فيكون صاحبه هو الأحق بالسيادة، وتبطل سيادة ما سواه.

ويمكن للقارئ الفطن استكمال البرهان استكمالاً تاماً إذا حذا حذو برهان (التمانع) على وحدانية الله، جل جلاله، كما أشبعناه تفصيلاً وتفريعاً في باب سابق.

* الأصالة: فهي قائمة بذاتها لم تتلق هذا العلو من إرادة سابقة عليها، أو من إرادة أعلى منها.

* العصمة من الخطأ: فنظرية السيادة تميل إلى اعتبار إرادة السيد إرادة مشروعة، وأن القانون يعد مطابقاً لقواعد الحق والعدل، لا لسبب إلا لأنه صادر عن إرادة السيد، ولذلك فإن هذه النظرية تنسب إلى السيد صفة العصمة من الخطأ.

 

هذه هي «السيادة»: فهي سلطة عليا آمرة:

* تفردت بالحكم فلا تشرك في حكمها أحداً، إرادتها هي القانون، وتوجيهاتها هي الشريعة المُلزمة.

* تفردت بالعلو، فلا تعرف سلطة أخرى تعلو عنها أو تساويها.

* قائمة بذاتها، فلم تكتسب سلطانها من إرادة أخرى.

* حقوقها مقدسة، لا تقبل التنازل ولا يسقطها التقادم.

* معصومة من الخطأ، فكل ما يصدر عنها هو الحق والعدل.

 

فهل يشك مسلم أن هذه الصفات لا تليق أصلاً إلا بالله عز وجل، وأن لفظة «السيادة» إنما تعني في الحقيقة بالضبط بعض ما تعنيه لفظة «الربوبية»؟!

 

وقد نص جمهور مفكري الإسلام من علماء الأصول وغيرهم، صراحة على كون السيادة محصورة في الشرع وحده حصراً تاماً مطلقاً. كما نص بعضهم أنه لا حكم قبل ورود الشرع، وأن العقل لا حكم له مطلقا. وهو الحق، الذي قامت عليه البراهين العقلية والشرعية اليقينية القاطعة، فلا يجوز اعتقاد غيره. ومن هؤلاء، من المتقدمين: ابن حزم، (راجع: «الإحكام في أصول الأحكام»، للإمام الحجة الكبير ابن حزم)، والآمدي، وأبو بكر المعروف بابن العربي، والأسنوي، والشوكاني، وابن القيم؛ ومن المعاصرين: الشيخ الإمام تقي الدين النبهاني، مؤسس حزب التحرير (راجع: «الشخصية الإسلامية»، الجزء الثالث، للشيخ الإمام تقي الدين النبهاني).

 

وقد سبق لنا إقامة قواطع الأدلة على توحيد التشريع والحاكمية، أي على كون «السيادة النهائية العليا» للشرع. ومع ذلك فهناك مزيد أدلة تزيد ثبوت هذا يقينية وقطعية، وتلقي المزيد من الضوء على تفاصيله وجزئياته العميقة.

 

 

فصل: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ

نعم: لقد قامت الأدلة القطعية من القرآن، والسنّة، واجماع الصحابة، بل ومن العقل، على أن السيادة للشرع وحده مطلقاً. ففي القرآن نصوص كثيرة جداَ تدل على أن الشرع وحده هو صاحب السيادة المطلقة، في الكون والحياة والإنسان، فمن هذه النصوص:

* قال، تباركت أسماؤه، وتقدست صفاته، رواية لمقولة يوسف، المعصومة، الجامعة، المانعة: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، (يوسف؛ 12: 40). فإن كان المقصود بجملة ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ معناها المحدود الضيق: [لا تصرفوا شيئاً من (العبادات)، أو الشعائر التعبدية، إلا لله]، كما يتوقع أن يكون الفهم البدائي المتخلف المحدود لصاحبي يوسف في السجن (وكذلك هو الفهم البدائي المنحط للفرقة الوهابية التي أحالت عقولها إلى التقاعد) للفظة (عبادة)، أنها مجموعة من الأفعال: ركوع، وسجود، وصلاة وصيام، ونصب محاريب، وتقديم ذبائح وقرابين، وإشعال شموع، وإطلاق مجامر وبخور، وتقديم صدقات ونذور، ونحوه، فهذه لا تصرف إلا لله وحده لا شريك له، ولا تصرف لغيره، لأنه أمر بذلك، بوصفه المتفرد بالحكم، أي بوصفه صاحب السيادة، المتفرد بها: ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، فعبادته بهذا المعنى الضيق، أي صرف تلك الشعائر والطقوس والأفعال التعبدية له، وتوحيده، أي قصر تلك الأفعال عليه، ليست أصلاً، بل هي فرع: لتفرده بالسيادة والحكم. ولو أمر بصرف شيء من تلك الأفعال لغيره، من حيث هي أفعال مجردة، لوجبت طاعته، وقد وقع بعض ذلك فعلاً حيث أمر الملائكة بالسجود لآدم.

 

فالطاعة هي الأصل، والأفعال والشعائر التعبدية، أو التي تسمّى تعبدية، وإفراد الله بها هو الفرع. فليس توجيه تلك الأفعال إليه، وإفراده بها بضرورة حس أو عقل، بل هو طاعة للأمر؛ ولو لم يصدر أمره بذلك لما وجب من ذلك شيء، ولو أمر بصرف شيء من ذلك لغيره، لوجبت طاعته، ولو أذن بصرف شيء من ذلك لغيره، لما حرم منه شيء. وحينئذ فلا تكون تلك الأفعال عبادة، ولا يجوز أصلاَ أن تسمَّى عبادة لذلك الغير، بل هي بالقطع شيء آخر: كأن يكون أمر أو أذن بالسجود لغيره، فهذا سجود تكريم أو تحية. هذا هو الحق الذي تدل عليه الآية، ولا يمكن فهم غير ذلك منها مطلقاً، كما فصّلناه في صلب كتابنا هذا، عن «التوحيد: أساس الإسلام، وحقيقة التوحيد»، فليراجع في مواضعه.

 

وإن كان المقصود بالعبادة معناها الشامل الواسع، ألا وهو: الطاعة، والاستسلام، والتذلل، والخضوع، فتكون جملة ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ:

أولاً: تفريع وتطبيق وبيان للجانب العملي التطبيقي لجملة: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ، التي هي الجانب المعرفي النظري، لأن (الطاعة) هي رد الفعل الطبيعي، الذي يكاد أن يكون انعكاسياً آلياً، على اعتقاد: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ؛

ثانياً: تحويل لوجوب طاعة الله، جل جلاله، من كونه ضرورة عقلية مفاهيمية، سابقة لكل أمر أو نهي، إلى حكم شرعي يترتب على الالتزام به أو عدم الالتزام: حساب، ثم ثواب أو عقاب.

 

فطاعة الله ليست فقط واجبة بضرورة العقل، حسنة بحكم العقل، بل هي كذلك واجبة بخطاب الشارع وسوف يترتب عليها ثناء من الله واستحقاق ثواب، أو ذم من الله واستحقاق عقاب.

 

فقوله تعالى: ﴿أطيعوا الله، في مواضع كثيرة من القرآن، وإن جاء على صيغة الأمر، إلا أنه ليس أمراً حقيقياً، وإلا لقال قائل: كيف أعرف أن طاعة الله واجبة؟! ألأمر سابق منه؟! فهذا يحتاج إلى أمر سابق آخر منه، وهكذا إلى لا نهاية. والحق أن هذا اللفظ يتضمن خبرين، فكأنه، جل جلاله، وسما مقامه، قال:

(1)- قد علمتم بضرورة العقل أن طاعتي، طاعة مطلقة بدون قيد أو شرط، واجبة عقلاً، حسنة عقلاً، كما هو لائق بالعقلاء، وها أنا أذكركم بذلك؛

(2)- وها أنا أعلمكم أني، علاوة على ذلك، أطلب منكم تلك الطاعة، فأنا إنما خلقتكم لها، وسأحاسبكم عليها، وسيكون:

(أ)- ثناء ورضوان، وثواب على الطاعة من السعادة المطلقة، والنعيم الدائم، والملذات الأبدية، التي يطلبها كل عاقل؛

(ب)- ذم وتوبيخ، وعقاب على المعصية، لا محيص عنه، ولا إفلات منه، في نار أبدية، وتعاسة سرمدية، ينبغي على كل عاقل التشمير للإفلات منها.

 

فالحقيقة الأصلية العليا المطلقة هي تفرد الرب، جل جلاله، بالحكم، وانفراده بالسيادة، أي اتصافه: بـ(الحاكمية)؛ ويترتب على ذلك بضرورة الحس والعقل على كل عبد، أيقن ذلك وأقر بذلك، أي: أقر بـ(الحاكمية): إفراده بالعبادة بمعناها الشامل، أي بالتسليم والاستسلام؛ وإن شئت فقل بالطاعة والخضوع، لأن ذلك هو رأس العبودية، وجوهرها، وحقيقة معناها. ثم جاء الشرع فجعل ذلك واجباً شرعياً لا هوادة فيه، بل هو رأس الواجبات وقطب رحاها. وقد سبقت البرهنة على المعادلة الخطيرة:

 

(م3)- (عبادة الله) = (الشهادة بالحاكمية لله) = (طاعة الله)

 

فـ(عبادة الله) بالمعنى الواسع، ألا وهي: الطاعة والخضوع، المبنية على المحبة والتوقير والتعظيم؛ ترجع كلها إلى رأس ذلك وأصله: الإقرار والتسليم والاستسلام لله بـ(الحاكمية)، أو بلفظ آخر: الشهادة لله بـ(الحاكمية)؛ وهذه بدورها هي المظهر الطبيعي الوحيد المقبول والمعقول من العبد المخلوق تجاه الرب الخالق، أي تجاه الحقيقة الوجودية المطلقة العليا: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ، أو إن شئت فقل: (لا إله إلا الله)، لا فرق بين تعبير وتعبير، إذ كل ذلك مترادف يبين بعضه بعضاً، ويترتب بعضه على بعض بالضرورة العقلية والشرعية القاطعة.

 

* وقال الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ، (الأنعام؛ 6: 57). وهذه صيغة حصر، فالحكم له وحده، لا شريك له، حصراً. وخبره، كما هو في قصصه، هو الحق المطابق للواقع يقيناً، وهو الذي يفصل في كل نزاع، ويحكم في كل خلاف، حكماً فصلاً نهائياً، لا تعقيب عليه، ولا مسائلة له: في الدنيا بتعريف الحلال والحرام، والخير والشر، وتحديد القيم الأخلاقية والمعنوية؛ وفي الاخرة بالفصل النهائي العادل المطلق بين العباد. كما أنه لا خير، ولا عدل، ولا حق إلا في حكمه، لا إله إلا هو، ولا رب سواه.

وهذه الأخبار الثلاثة:

(1) كون الحكم حصراً لله بدون ند أو شريك؛

(2) وكونه يقص الحق؛

(3) وكونه يفصل في كل نزاع، بل هو خير الفاصلين؛

أخبار صادقة أزلاً وأبداً عن الله تبارك وتعالى، يستحيل أن يتصور العقل خلافها، ولا يجوز أو يمكن نسخها، لأن الأخبار لا تنسخ.

 

ولعلنا نلاحظ أن الآية نصت على أن: (الحكم لله حصراً، بدون ند أو شريك) عندما قالت: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ، وهو عين اللفظ المستخدم في سورة يوسف التي روت مقولة يوسف بن يعقوب، صلوات الله عليه وعلى والده، تلك المقولة الرائعة الجامعة المانعة، كما سبق إيراده ومناقشته؛ ولكن القصص الحق، والخبر الحق، قد يأتي من غيره. فالإخبار بالحق والصدق ليس محصوراً في الله، جل جلاله، بل قد يأتي من غيره. طبعاً ما يأتي من الغير من حق وصدق إنما هو محدود، منشؤه علم محدود مخلوق مكتسب، بخلاف علم الله الذاتي المطلق؛ فشتان بين خبر صادق، وخبر صادق، وبين علم وعلم!

 

وهناك غير الله من يفصل في الخلافات والمنازعات، ولكن شتان بين فاصل مخلوق حادث محدود نهائي، وفاصل أزلي أبدي لانهائي هو (خير الفاصلين)!

 

ولكن ما هي طبيعة كون (الحكم لله حصراً، بدون ند أو شريك)، أي ما هي ماهية هذا الحصر؟! أهو خبر عن واقع فعلي، أو إخبار عن استحقاق، أي إخبار عما ينبغي أن يكون، بغض النظر عما كان أو سيكون واقعاً فعلياً؟!

 

وبتأمل الواقع الحسي المعلوم بالمشاهدة المباشرة، والنقل التاريخي المقطوع بصحته، نجد أن الحكم (بكل معانيه الأربعة التي تعنينا ها هنا، والتي سبق ذكرها) قد وقع فعلاً من غير الله تبارك وتعالى، ويقع كذلك الآن. فمن المحال الممتنع أن تكون هذه اللفظة: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ من عند الله خبراً صادقاً، وتكون في نفس الوقت إخباراً عما هو واقع فعلياً.

 

فاللفظة: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ إذاً هي، ضرورة، إخبار عما ينبغي أن يكون، وليس عما وقع بالفعل، أو هو واقع الآن، أو سيقع في مستقبل الأيام؛ وتقديرها هو إذاً: (أن الحكم ينبغي أن يكون لله حصراً، بدون ند أو شريك، حتى لو وقع فعلاً خلاف ذلك)، أو بلفظ آخر: (إن الحكم من خصائص الله، وهو مما ينبغي أن يتفرد به، وحده لا شريك له، حتى لو وقع عدوان من غير الله على هذه الخصوصية الإلاهية). ويترتب على ذلك أن من استأثر لنفسه بالحكم، ولو في مسألة واحدة، قد ارتكب جريمة الاعتداء على خصوصيات الذات الإلاهية، وتجاوز على حمى الربوبية والسيادة الربانية، أي: أنه جعل نفسه رباً وإلاهاً من دون الله، بغض النظر عن تصريحه بذلك، وجهره به، بأن يقول مثلاً: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾، أو عدم تصريحه به.

 

فإن كان الأمر كذلك، وهو قطعاً كذلك إذا كان القرآن حقاً من عند الله، فإن من أقر له بذلك قد جعله رباً وإلاهاً من دون الله لا محالة، وهو بذلك مشرك كافر، قد ارتد عن الإسلام، إن كان قد صح له عقد الإسلام من قبل، ولا يمكن أن يكون الأمر خلاف ذلك. هذا من ناحية.

 

ومن ناحية أخرى تحتاج اللفظة إلى تحرير من حيث معنى (الحكم) الذي هو مستحق قصراً لله جل جلاله: أهو كل المعاني الأربعة آنفة الذكر أم بعضها فقط؟!

 

وباستقراء آي الذكر الحكيم، والمتواتر من السنّة والسيرة النبوية، بل ومن أخبار الأنبياء السابقين، نجد أن النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، قد مارس (الحكم) بمعنى رعاية الشؤون، وبمعنى القضاء، وبمعنى الفتيا أي الإخبار عن الحكم من غير إلزام بقوة السلطان؛ ومارسه أصحابه، رضوان الله عليهم، بأمره، وتحت إشرافه، وكل ذلك كان قطعاً بأمر الله وإذنه، فمن المحال أن يكون في ذلك أدنى اعتداء أو تجاوز على حق الله في التفرد والاختصاص بالحكم.

 

لذلك وجب أن يكون (الحكم) الذي قصدته الآيات، وجعلته حصراً لله جل جلاله، إنما هو فقط: التشريع في جوهره ومعانيه على وجه الابتداء والإنشاء.

 

قلنا: (في جوهره ومعانيه) تحسباً لما قد ينقدح في بعض الأذهان الكليلة، والأفهام السطحية السقيمة، من الخلط بين (التشريع في جوهره ومعانيه) وبين التعبير عن التشريع، أو صياغة التشريع، أو التبليغ بالتشريع. ونزيد هذا وضوحاً بالتنبيه على أن أقوال النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، وأفعاله وأقاريره، وحي معصوم من عند الله. فالتشريع في جوهره ومعناه من الله حصراً، ولكن التعبير جاء بقول النبي ولفظه، أو بفعله، أو إقراره، وكل ذلك ضرورة هو من النبي، وليس هو من الله: هذا هو معنى قولنا أن السنّة وحي معصوم من الله، عبَّر عنه النبي بقوله أو فعله أو إقراره.

 

وكذلك كتب الفقهاء ما هي إلا محاولات مشكورة لصياغة التشريع الإلاهي في حدود اجتهاد وعلم مؤلفها. وإنما تختلف مصنفات الفقهاء عن نصوص السنّة النبوية من حيث كون هذه، أي السنّة النبوية، معصومة، وتلك ليست بالمعصومة، فلا ضمان لكون ما فيها من التشريع في جوهره ومعناه هو حقاً من عند الله، على مراد الله.

 

وكذلك يكون الأمر بالنسبة لما تسنه الدول من دساتير وقوانين ولوائح، فقد يكون ذلك مجرد تّبّنٍ لتشريع إلاهي في جوهره، وإنما تمت صياغته في صورة دساتير ولوائح وقوانين، كما هو الحال في الدولة الإسلامية، التي هي إسلامية بحق، فيكون هذا في حقيقة الأمر من باب (رعاية الشؤون)، وليس (تشريعاً على وجه الابتداء والإنشاء)، ولا يكون من ثمَّ تعدياً على حق الله في التفرد بالحكم، حتى ولو لم تكن تلك التبنيات معصومة، كما هو مشبع بياناً في الباب المعنون: (تبني الدولة للأحكام الشرعية)، من كتابنا: (الحاكمية، وسيادة الشرع).

 

وقد يكون سن الدول والأمم للدساتير والقوانين واللوائح تشريعاً على وجه الإنشاء والابتداء، فيكون تعدياً على ربوبية الله وسيادته، وانتهاكاً لـ(حرم) الألوهية السامية الرفيعة، وفاعله (طاغوت) متكبر كافر، ملعون في الدنيا والآخرة. ويكون المقر له بذلك، أو المسلِّم له بذلك، مشركاً كافراً، ويكون النظام نفسه نظام كفر، وليس نظاماً إسلامياً.

 

ومما سلف بيانه يتضح عظم الجناية التي ارتكبها الخوارج الحرورية على دين الله عندما رفضوا التحكيم بين إمام الهدى أمير المؤمنين على بن أبي طالب، رضوان الله وسلامه عليه، ومعاوية بن أبي سفيان، بزعم أن ذلك مناقض لقوله جل جلاله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ، زاعمين أن علياً، وهو إمام الهدى، وباب مدينة العلم النبوي، قد (حكَّم الرجال في دين الله): هكذا تكون الأفهام الضحلة السقيمة، والعقول المنحطة البليدة، كما تراها في أيامنا هذه – عياناً – عند منسوبي الفرقة الوهابية!

 

* وقال الله تعالى، مؤكداً لما أسلفناه: ﴿... أَلَا لَهُ الْحُكْمُ؛ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (الأنعام؛ 6: 62). وهذه صيغة حصر أخرى، لأن لفظة (الحكم) جاءت محلاة بألف ولام التعريف، فتشمل جنس الحكم، أي كل حكم. وقد تم تأكيد خصوصيته وتفرده، جل وعلا، بذلك بتقديم شبه الجملة الخبرية (لــه) على المبتدأ، واستخدام آلة التأكيد: (ألا). ولكن الحاسبين كثيرون، وهو، جل جلاله، خيرهم وأحكمهم وأسرعهم.

* وقال الله تعالى: ﴿... أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ: تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (الأعراف؛ 7: 54). وهذه صيغة حصر أيضاً، كما سلف. فكما أنه هو وحده الخالق الرازق على وجه الحقيقة والابتداء والاستقلال، فهو وحده الآمر الناهي، أي أنه هو وحده السيد المتفرد بأحقية الحكم، أي: بأحقية التشريع، في جوهره ومعانيه، على وجه الابتداء والإنشاء.

 

* وقال الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (الشورى؛ 42: 10). وليس هذا حصراً لأحقية الله في الحكم فقط فيما اختلف فيه الناس. بل هو الحاكم مطلقاً. والناس إنما أجمعوا فقط على ضروريات العقل الأولية، وهذه مغروسة في طبيعة العقل وبنيته، وإن شئت أن تقول هي جزء من العقل بوصفه عقلاً. والله جل جلاله هو الذي خلقه هكذا، بعد أن قضى وحكم، قضاءً تقديرياً كونياً، بأن يكون الحال هكذا. فليس وراء الله شيء، بل هو الأول والآخر، والظاهر، والباطن، وإليه المنتهى!!

 

* وقال: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ؛ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ، (الرعد؛ 13: 41). وكيف يتصور أن يكون في الوجود من يعقب على حكم الله؟! أليس هو الأول والآخر؟! أليس منه المبدأ؟! أليس إليه المنتهى؟! فلو اعترض معترض على حكم الله بدعوى مخالفته لـ«العقل»، بزعمه الكاذب الداحض، قيل له: ألست أدركت بالعقل أنك محدود: لست لانهائياً، ممكن الوجود: لست واجباً ضرورياً مستغنياً بذاتك، حادثاً: لست أولاً قديماً أزلياً، وأن عقلك من خلق الله، وليس عقلاً مستقلاً مطلقاً، وعلمك مكتسب حادث محدود، وليس ذاتياً مطلقاً أزلياً غير محدود؟!

فما عند الله من علم ذاتي مطلق، وإحاطة تامة بمخلوقاته، وقدرة شاملة على الإدراك والحكم تجعل حكمه ضرورة مقدم على حكمك.

فظنك أن حكم الله مناقض للعقل ظن باطل، وهو من «خداع البصيرة»، تماماً كـ«خداع البصر»، لا محالة، يبقى البصر منخدعاً مهما كررت النظر، ولكنك تدرك بدليل العقل وشهادته أن ذلك خداع ووهم.

فكذلك ها هنا: يجب على العقل أن يحكم بأن ظنه ذلك باطل، وأنه وهم، لأن خلاف ذلك محال. ذلك «خداع البصيرة»، وهو من وساوس الشيطان، لأن الشيطان، لعنه الله، يعلم تماماً أنك محدود، وعندك قابلية الانخداع، فيقوم بلعبته، آملاً الإفلات بجريمته.

 

والعقل الإنساني، ذلك المخلوق الرائع، قادر، بإقدار الله له، وتكريمه إياه، على فضح هذه الوساوس الشيطانية، واكتشاف «خداع البصيرة»، فلله الحمد والمنة.

 

فأصل عقلك من عند الله خلقاً وإيجاداً وتركيباً، فكيف يعود الفرع على أصله بالإبطال؟! لأن الأصل إذا بطل، بطل كل ما تفرع منه، فبطلت أنت ووقع عقلك باطلاً، وانعدمت الثقة به أصلاً، فكيف تقبل بحكمه ذلك المبني على «خداع البصيرة» ابتداءً؟! تماماً كذلك الأحمق السفيه الذي كان يجلس على فرع شجرة عالية باسقة، ثم أمر أحد المارة بقطع ساق تلك الشجرة نفسها، فسقط به الفرع، ودُقَّت عنقه: كيف يبقى الفرع، إذا ذهب الأصل؟!

 

* وقال، تباركت أسماؤه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، (الأنبياء؛ 21: 23). والسؤال تعقيب ومراجعة، وقد أثبتنا آنفاً أنه من المحال الممتنع أن يكون على حكم الله تعقيب، لأن ذلك يؤدي إلى انهيار العقل نفسه وتحطمه، وبطلان أحكامه، واستحالة النطق واللغات. فمن بلغ هذه الحالة «المرضية»، حالة السفسطة المطلقة، فليصبر حتى تزول، لأنها لا تدوم، وإلا فليمت، فيريح ويستريح!

 

* وقال الله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ؛ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (الكهف؛ 18: 26). فليس له الحكم والسيادة ذاتياً فحسب بموجب كونه «واجب الوجود» الأزلي بغير ابتداء، الأبدي بغير انتهاء، بل هو: (لا يأذن لغيره، مطلقاً وبتاتاً، بمشاركته في الحكم، أي: في التشريع في جوهره ومعانيه على وجه الابتداء والإنشاء).

ففي هذه الآية وحدها أبلغ رد على مزاعم «العلمانية»، التي تجعل «الخلق» لله، وتنكر أن يكون له الأمر. فهو، تقدست أسماؤه وسما مقامه، لا يشرك في حكمه وأمره ونهيه أحداً، ولم يفوض ذلك إلى أحد، ولم يأذن بشيء من ذلك لأحد.

 

هكذا قرأ الجمهور، وقرأ ابن عامر الشامي: ﴿ولا تشركْ في حكمه أحداً﴾، بصيغة النهي: لا تشركْ في حكم الله أحداً، أي لا تجعل لله شريكا في الحكم، وهذا بعض ما تضمنته قراءة الجمهور، التي هي، أي: قراءة الجمهور، قرآن متواتر مقطوع بصحته: فإن كان هو، تباركت أسماؤه، لا يشرك في حكمه أحداً، ولم يفوض شيئاً من الحكم إلى أحد، ولم يأذن في شيء من الحكم لأحد، فمن باب أولى لن يأذن لأحد أن يجعل له شريكاً في الحكم.

 

والحق أن أكثر العلمانيين، وبخاصة رؤوسهم، إنما يقولون ذلك سياسة ونفاقاً، وتضليلاً لعوام الناس، وإلا فأكثرهم ملحدون دهريون: ينكرون وجود الخالق، أو يشكُّون فيه، أو هم فيه متوقفون، ولكنهم أجبن من المجاهرة بذلك، والدعوة إليه صراحة، خوفا من نقمة الجماهير الساذجة، المؤمنة بوجود الله، واحتراساً من بطشتها!

 

فصل: التشريع من دون الله طغيان، ومنازعة لله في الربوبية

* وقال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ (الشورى؛ 42: 21). ومعلوم أن المشركين الذين يعتقدون الألوهية في معبوداتهم، أي الذين جعلوا مع الله آلهة أخرى، يعتقدون أن لتلك الآلهة، بالضرورة، حق السيادة، أي: حق الأمر والنهي، ولو في بعض الأمور. فمن المحال أن يكون هذا هو مقصود الآية الوحيد، لأنه تحصيل حاصل، حاشا لكلام الله عن مثل هذا الهذر واللغو الفارغ: فالآية إذاً، وهي استفهام استنكاري تنكر عليهم في الحقيقة أنهم قبلوا التشريع في الدين من عند غير الله، فجعلوهم، بذلك القبول والإقرار، شركاء لله؛ حتى ولو لم يعتقدوا فيهم غير هذه الجزئية مطلقاً، وحتى لو أنكروا بكل شدة وحرارة أنهم جعلوهم شركاء مع الله، نظراً لعقليتهم البدائية، وبسبب نظرهم المحدود. وسيأتي نموذج لذلك في قصة عدي بن حاتم، رضي الله عنه.

 

فالتشريع من دون الله طغيان، وفاعله منازع لله في الربوبية، أي في السيادة والحاكمية، منصباً لنفسه رباً، ونداً، وإلهاً، وشريكاً، وحكماً من دون الله، بالضرورة لا محالة، مهما حاول التملص أو الدفاع عن نفسه. فمن شرع شيئاً من الدين من عند نفسه فقد جعل نفسه شريكاً لله سبحانه وتعالى، فهو إذاً قد تجاوز حده فأصبح من ثم طاغوتاً، متمرداً على الله في ربوبيته وحاكميته، منازعاً له في كبريائه وعظمته.

 

ومن أقر بحق التشريع لغير الله، أو قبل التشريع من غير الله، فقد جعل ذلك الغير شريكاً لله،

واتخذه إلاهاً ورباً وحكماً من دون الله. وهو بذلك مشرك كافر قد ارتد عن الإسلام، إن كان قد صح له عقد الإسلام من قبل.

 

ونسارع فنؤكد ونذكر بأن (الدِّينِ)، ها هنا في هذه الآية، هو، قطعاً، الشريعة العامة، أي الطريق المعينة للعيش الشاملة للحضارة والثقافة، كما أسلفنا، وليس هو فقط أحكام الروحانيات والشعائر التعبدية والأخلاق.

 

* وقال، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. (التوبة؛ 9: 31). وقد جاء في تفسير هذه الآية عن عدي بن حاتم ــ رضى الله عنه ــ قال: [أتيت رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: «يا عدي، اطرح هذا الوثن من عنقك!»، قال: فطرحته؛ وانتهيت إليه وهو يقرأ في سورة «براءة» فقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، قال: قلت: (يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم!)، قال: «أليس يحرّمون ما أحل الله فتحرّمونه؟ ويحلّون ما حرم الله فتحلّونه؟» قال قلت: بلى، قال: «فتلك عبادتهم»]، رواه الطبري في «التفسير»، (14/210/20632)، حيث قال: [حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا: حدثنا مالك بن إسماعيل (ح) وحدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد، جميعًا، عن عبد السلام بن حرب قال: حدثنا غطيف بن أعين، عن مصعب بن سعد، عن عدي بن حاتم قاله]، واللفظ لحديث الإمام أبي كريب محمّد بن العلاء الهمداني، وله طرق أخرى عنده بطوله ومختصراً، وذكره البخاري في التاريخ الكبير، (4/1/106)، من طريق مالك بن إسماعيل، بلفظه، كما رواه الطبراني في «الكبير»، والبيهقي في سننه، وكذلك الترمذي في سننه وقال: (هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث)، وجاء في بعض النسخ: (هذا حديث حسن غريب)، وأخرجه ابن حزم وحكم بصحته، على تعنته وتشدده.

ومن ضعَّف غطيف بن أعين، مثل الإمام الدارقطني، فقد أخطأ لأنه خلط بينه وبين روح بن غطيف بن أعين المتروك الساقط، وقد تابعه الإمام الحافظ ابن حجر على هذا الخطأ الشنيع. والحق أن هذا الإسناد حسن لذاته، ومتن الحديث نظيف مستقيم، موافق للواقع التاريخي المقطوع به، وهو على كل حال صحيح على شرط ابن حبان. فالحديث حسن تقوم به الحجة، كما فصلناه في الملحق. وهو صحيح قطعاً بشواهده التالية، ومنها:

ـ ما أخرج الطبري في «التفسير»، (14/211/20634)، بإسناد رجاله أئمة أثبات مشاهير من كلام حذيفة بن اليمان، رضي الله عنه: [حدثنا محمّد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدثنا سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي البختري، عن حذيفة: أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، أكانوا يعبدونهم؟! قال: لا، (وفي رواية: أما إنهم لم يكونوا يصومون لهم، ولا يصلون لهم، ولكنهم) كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرّموا عليهم شيئاً حرّموه]، والإسناد في غاية الصحة إن كان أبو البختري سمعه من حذيفة، وهذا هو الذي نرجحه، وهو الذي ينبغي القطع به ما لم يقم برهان على خلاف ذلك؛ أو أخذه من ثقات أصحاب حذيفة، وهو المتوقع من مثل أبي البختري في جلالته وإتقانه وتقدمه، لأن عامة شيوخه من الصحابة وكبار التابعين، وستجد تمام مناقشة سماع أبي البختري من حذيفة في الملحق، فليراجع.

 

وقد أخرج الطبري هذا الحديث بطوله من طرق عدة صحاح وحسان عن حبيب بن أبي ثابت، وروى مثله البيهقي، كما أخرجه الطبري من طريق أخرى عن حذيفة مختصراً بلفظ: (لم يعبدوهم، ولكنهم أطاعوهم في المعاصي!).

ــ وأخرج الطبري بسنده عن ابن عباس في تفسير الآية، قال: (زينوا لهم طاعتهم).

ــ وأخرج بسند آخر عن السدي، قال: قال عبد الله بن عباس: (لم يأمروهم أن يسجدوا لهم، ولكن أمروهم بمعصية الله فأطاعوهم، فسماهم الله بذلك أرباباً).

ــ وأخرج بسنده عن الحسن البصري في تفسيرها، قال: (في الطاعة).

ــ وأخرج بسنده عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في تفسير هذه الآية، قال: قلت لأبي العالية: كيف كانت الربوبية التي كانت في بني إسرائيل؟! قال: ([لم يسبوا أحبارنا بشيء مضى] ما أمرونا به ائتمرنا، وما نهونا عنه انتهينا لقولهم، وهم يجدون في كتاب الله ما أمروا به وما نهوا عنه، فاستنصحوا الرجال، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم)؛ كذا بهذه الجملة الغامضة: [لم يسبوا أحبارنا بشيء مضى] في المخطوطة، ولعلها تحريف لجملة: (لن نسبق أحبارنا بشيء)، والله أعلم.

ولم يجد الإمام الطبري لهذه الجملة: ﴿أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ إلا تفسيراً واحداً أجمع عليه المفسرون السابقون، ولم يجد هو محيصاً عن القول به، ألا وهو: [﴿أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، يعني: سادةً لهم من دون الله، يطيعونهم في معاصي الله، فيحلون ما أحلُّوه لهم مما قد حرَّمه الله عليهم، ويحرِّمون ما يحرِّمونه عليهم مما قد أحلَّه الله لهم]؛ كما هو في تفسير الطبري (ج14/ص209).

 

تأمَّل قوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «أليس يحرّمون ما أحل الله فتحرّمونه؟ ويحلّون ما حرم الله فتحلّونه؟»: فلفظة (فتحرّمونه)، لا يمكن، ضرورة، أن تعني في هذا السياق أي شيء سوى: (تعتقدون حرمته)؛ وكذلك، سواء بسواء: (فتحلّونه) = (تعتقدون حِلَّه). وهذا الاعتقاد لا يتصور وجوده عند هؤلاء إلا لاعتقادهم أن الأحبار والرهبان لهم حق التحريم والتحليل، أي حق التشريع؛ أو بلفظ آخر: لنسبتهم (الحاكمية) (أو الربوبية، أو السيادة النهائية العليا، أو سمها ما شئت) إلى الأحبار والرهبان. ثم تأمل قوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «فتلك عبادتهم»: فنسبة (الحاكمية) إلى الأحبار والرهبان هي عين (العبادة) لهم.

 

وقد فهم عدي، رضي الله عنه، (العبادة)، بالفهم البدائي المتخلف الذي يجعلها متطابقة مع (العبادات) (أي شعائر التذلل والخضوع، وأفعال التقديس المحض: من دعاء واستغاثة ونداء؛ وركوع، وسجود، وصلاة وصيام؛ ونصب محاريب؛ وتقديم ذبائح وقرابين،؛ وإشعال شموع، وإطلاق مجامر وبخور؛ وتقديم صدقات ونذور!)، تماما كفهم الفرقة الوهابية المتخلف لها بعد أربعة عشر قرنا من نزول القرآن. كذا كان فهم عدي، رضي الله عنه، فعلّمه النبي الأمي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أن نسبة (الحاكمية) للأحبار والرهبان، أي: الإقرار لهم بحق التشريع، إنما هو جعل لهم أرباباً لهم السيادة، وهذه هي (العبادة) لهم بحق؛ وإن شئت فقل: اعتقدوا أن لهم (الحاكمية)، لا أنهم صلوا لهم أو صاموا لهم، أو سجدوا لهم، أو ذبحوا لهم القرابين، أو طلبوا منهم جلب منفعة، أو دفع ضرر.

 

وأنت لو سألت الأحبار والرهبان: هل أنتم أرباب من دون الله لقفزوا فزعاً، وأنكروا عليك أشد الإنكار، واتّهموك بإشاعة قالة السوء عنهم، وتضليل الجماهير وتنفيرهم من مرجعيتهم، وقياداتهم الدينية. وكل ذلك لا يجدي، ولا يغني عنهم شيئاً: فهم بمنازعتهم الله في التشريع والحكم جعلوا أنفسهم أرباباً من دون الله في حقيقة الأمر، فأصبحوا طواغيت كفرة، أعداءً لله، يجب الكفر بهم ومفاصلتهم، مهما صاحوا واعتذروا واحتجوا، ومن أعطاهم هذا الحق فهو مشرك كافر، مهما اعتذر وبرر: فالقضية ليست قضية أسماء ومسميات وألفاظ، وإنما هي قضية حقائق الأقوال، وجوهر التصورات والمعتقدات.

 

وكذلك لا يجدي القوم شيئاً زعمهم أن الله فوَّض إليهم (حق التشريع)، كما يزعمون متأولين القول المنسوب إلى السيد المسيح عيسى بن مريم، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى والدته، لشمعون (بطرس): (أنت صخرتي الصلبة، وعليك سأقيم كنيستي: ما عقدته في الأرض فهو معقود في السماء، وما حللته في الأرض فهو محلول في السماء)، أو نحواً من هذا الكلام، على فرض ثبوته أصلاً. وغاية هذا الاعتذار أن يمنع تكفير القائلين بذلك بأعيانهم، لأنهم معذورون بالتأويل قبل مجيء الرسالة المحمّدية، مع بقاء المقولة نفسها، وفي ذاتها، من مقولات الكفر، ولا جدال.

 

فهذا الفهم هو قطعاً الفهم الصحيح، وهو نفسه فهم حذيفة رضي الله عنه لهذه الآية، وهو كذلك تفسير ابن عباس، والحسن البصري، وأبي العالية. لذلك قال الألوسي في التفسير: الأكثرون من المفسرين قالوا: (ليس المراد من الأرباب أنهم اعتقدوا أنهم آلهة العالم، بل المراد أنهم أطاعوهم في أوامرهم ونواهيهم). كما تشهد بذلك الآيات التالية أيضاً:

(1)- الشاهد الأول: قال. جل جلاله، وسما مقامه: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ، (آل عمران؛ 3: 64). ومعلوم بضرورة الحس من واقع الناس، وبخاصة من واقع أهل الكتاب، الآن، وكذلك بالمعلوم ضرورة من روايات التاريخ المتواترة عن سابق الأزمنة، أنهم لم يكونوا يعتقدون في أنفسهم، ولا في بعضهم (الألوهية) بمعنى: أنهم خالدون أبديون لا ينالهم الموت، أو أنهم من عنصر أو مادة أو جوهر إلاهي (كما هو معتقد النصارى المثلثين في المسيح بن مريم)،أو أنهم خالقون على وجه الاستقلال، أو أنهم مدبرون متصرفون في الأكوان من غير إذن الله ومشيئته، أو أنهم يفلتون من الله أو يعجزونه هرباً، أو ما شابه ذلك. فما هي إذاً (الربوبية) التي أُمِروا بعدم نسبتها بعضهم لبعض؟! هذه (الربوبية) هي إذاً، قطعاً، وحصراً: (التسليم لهم بحق التشريع، في جوهره ومعانيه على وجه الابتداء والإنشاء، أي بـ«السيادة»، بحيث يكون لهم بناءً على ذلك، حق الطاعة).

 

(2)- الشاهد الثاني: وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ(الأنعام؛ 6: 121)، أي إن أطعتموهم واتبعتموهم في تحليل الميتة، أصبحتم كفاراً مشركين بالله مقرين لغيره بحق السيادة والحاكمية والتشريع. وهذه الآية مكية بالإجماع، حيث كان الشرك لا يقال إلا على شرك الكفر، الشرك الأكبر، المخرج من الملة، والمناقض للإسلام كل المناقضة. وإنما جاءت أحكام الشرك الأصغر، والشرك الخفي، وآداب التوحيد من مثل النهي عن الحلف بالآباء، والنهي عن قول: (ما شاء الله، وشئت) ونحوه، في المدينة بلا خلاف.

 

ولما كان الشرك، شرك الكفر، الشرك الأكبر المناقض للإسلام كل المناقضة، المخرج من الملة الإسلامية لمن كان قد دخل فيها من قبل، هو حصراً: (أن تجعل مع الله إلاهاً آخر)، بنص القرآن: ﴿لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَـهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً﴾، (الإسراء؛ 17: 22)، وتأكيده: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ، وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً﴾، (الإسراء؛ 17: 39)، وبيان عاقبته: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾، (ق؛ 50: 24 - 27)؛ وبشهادة أبي بكر الصديق، رضوان الله وسلامه عليه، بحضرة النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: (وهل الشرك إلا من جعل مع الله إلاهاً آخر؟!)؛ وشهادة عبد الله بن عمر، رضوان الله وسلامه عليهما، عندما سأله رجل (من الخوارج فيما يظهر) فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ: (مَا الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ؟)، قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ»، فَقَالَ أَيْضًا: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ: (مَا الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ؟)، قَالَ: «أَنْ تَتَّخِذَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا»، فَقَالَ أَيْضًا: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ: (مَا الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ؟)، فَقَالَ: «أُحَرِّجُ عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ مُسْلِمًا لَمَا خَرَجْتَ عَنِّي»، فَخَرَجَ الرَّجُلُ، وَغَضِبَ ابْنُ عُمَرَ غَضَبًا شَدِيدًا؛

 

إذاً: لما كان «المطيع» في التحليل والتحريم مشركاً، شرك الكفر المخرج من الملة: فلا بد إذاً أن يكون «المطاع» قد اتُّخِذ رباً، وإلهاً من دون الله، أو ندَّاً لله، ضرورة ولا بد، كما بينته أيضاً، على سبيل المثال، قصة عدي بن حاتم، وأظهرته بما لا خفاء فيه!

 

(3)- الشاهد الثالث: حيث قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ(البقرة؛ 2: 205). الأنداد: هم الرؤساء المتبعون، يطيعونهم في معاصي الله؛ قاله ابن عباس وابن مسعود والسدي عن ناس من أصحاب النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما جاء في تفسير الطبري (ج1/ص368 – 373/482) عند (القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾): [حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ، في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾، قال: أكفاءً من الرجال تطيعونهم في معصية الله]؛ فهذه الآية إذاً، بتفسير ابن عباس وابن مسعود والسدي عن ناس من أصحاب النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ليست بعيدة في المعنى عن سابقتها. وهذا التفسير هو الصحيح، ولا بد، إذ أن السياق بتمامه يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (205) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (206) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (207)﴾، (البقرة؛ 2: 205 – 207).

 

وكما أسلفنا فالقضية ليست (الطاعة المجردة)، بل هي (التسليم لهم بحق التشريع) في جوهره ومعانيه على وجه الابتداء والإنشاء، أي بـ«السيادة»، أو بلفظ آخر: «الربوبية»، بحيث تكون لهم، بناءً على ذلك، حق الطاعة؛

 

(4)- الشاهد الرابع: ولعل قوله، جل جلاله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً: أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، (آل عمران؛ 3: 79-80)، من هذا الباب أيضاً، لأن الرب هو:

(1) السيد المطاع، الحاكم المشرع، الآمر الناهي، ذي (السيادة) النهائية العليا؛ أي الذي له حق التشريع في جوهره ومعناه؛ إما لأنه:

            (أ)- من جنس أو عنصر أو نسب إلاهي رفيع. وهذا محال: فليس في الوجود إلا كائن إلاهي واحد أحد؛

            (ب)- أو مخلوق مربوب حادث، إلا أن الله قد فوض إليه (الحاكمية)، أي: جعل له (السيادة) النهائية العليا. وهذ كذب لم يقع قط لأن الله: ﴿لَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (الكهف؛ 18: 26)؛

(2) المتصرف، المدبر، راعي الشؤون، ومصلح الأحوال؛ وهذا محال: فليس في الوجود متصرف مدبر، يرعى الشؤون بقدرته الذاتية، على وجه الاستقلال، إلا الله؛

(3) المالك: أي مالك العين أو الشيء، ملكية تعطيه حق التصرف في العين باستهلاكها كأكل الخبز، أو لحم الشاة بعد ذبحها، أو التمتع بمنفعتها كركوب الدابة، وكذلك حق البيع أو الهبة أو التأجير للعين أو المنفعة بحسبها؛ فالمالك له، بموجب الملكية، حقوق التصرف والتدبير والرعاية، فالمالك إذاً ضرورة: متصرف مدبر. وهذا محال: فليس ثمة في الوجود مالك ملكاً مستقلاً حقيقياً إلا الله.

 

فمن المحال الممتنع أن يصدر عن نبي صادق، معصوم بعصمة الله، أمر باعتقاد شيء من ذلك في الملائكة والنبيين لأن ذلك يستلزم ضرورة أن يخبر الله عنهم، أي عن الملائكة والنبيين، أنهم في حقيقة الأمر (أرباب) ببعض أو كل المعاني آنفة الذكر. ولكن الخبر بذلك يكون كذباً خلافاً للواقع. والله جل جلاله منزه عن الكذب بضرورة العقل، ونسبة الكذب إلى الله هدم للعقل، وكفر صريح بضرورة الشرع: فإن نسب ذلك لنبي صادق، فهو قطعاً كذب عليه؛ وإن ثبت قطعاً عن من يدعي النبوة فهو برهان يقيني على أنه دجال متنبئ كاذب

 

وعليه فإن تسميتنا محمّداً، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مشرعاً، أو موسى، صلى الله عليه وسلم، مشرعاً، وقولنا: الشريعة الموسوية أو الشريعة المحمّدية، إنما هو مجاز واختصار للقول؛ وحقيقة الأمر أنهما فقط مبلغان للتشريع، ونسبة التشريع إليهما، ولغيرهما من الرسل، إنما هي نسبة تبليغ وأداء، وليست نسبة إنشاء وابتداء.

(5)- الشاهد الخامس: وقال جل جلاله، وسما مقامه: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾، (الفرقان؛ 25 :43)، ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾، (الجاثـية؛ 45 :23). هذا لا يتصوَّر، ولا يعقل إلا لأن هذا جعل رأيه وهواه مشرعاً وحاكماً، فالواجب عنده ما رآه هو واجباً، وليس ما نص الشرع المنزل على أنه واجب، وكذلك المستحب، والحلال، والمكروه، والحرام، كلها وفق عقله ورأيه، أو شهوته وهواه. فهو يعتبر نفسه أو عقله صاحب السيادة والحاكمية، فهو المشرع لنفسه، وهو الذي يعرّف الحسن والقبيح، والطيب والخبيث. فهو قد جعل هواه سيداً ورباً ذا سيادة وحاكمية، والسيادة والحاكمية من خصائص الألوهية واستحقاقاتها، بل هي أخص خصائص الألوهية، وذروة سنامها. فهذا إذاً هو، ضرورة، معنى اتخاذه إلهه هواه، وهو بذلك مشرك كافر، لم يدخل الإسلام قط، أو ارتد عنه بعد دخوله فيه. ولم نسمع عن إنسان، ولم يبلغنا قط خبر عن إنسان، ينصب لنفسه المحاريب، ويقدم لها الذبائح والقرابين، ويوقد لها الشموع، ويستقبل المرآة ثم ينحني لذاته بالركوع والسجود: فليس ثمة هاهنا (شعيرة) أو (عبادة) إلا (الطاعة)؛ فـ(العبادة) إذا ها هنا، هي ضرورة، نسبة (استحقاق الطاعة)، أي: (الحاكمية)، أو (السيادة النهائية العليا)؛ لأن (الإله) هو الكائن المعبود، في العادة.

 

(6)- الشاهد السادس: وقال جل وعز: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلّاً كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾، (يّـس؛ 36 :60-62). هذا خطاب من الله، جل جلاله، وسما مقامه، خطاب توبيخ لبني آدم كافة، أولهم عن آخرهم، يوم القيامة، بعد انكشاف الحجاب، وظهور الحقائق كما هي عياناً بعد أن كانت في غيب. ونحن نعلم ضرورة أن جمهور بنى آدم لم يقدموا للشيطان شعائر تعبدية من سجود وركوع، ونصب محاريب، وتقديم الذبائح والقرابين، وإطلاق مجامر، وإيقاد شموع، وغير ذلك، بل إن منهم أعداداً لا يستهان بها تنكر الغيب جملة وتفصيلاً، بما في ذلك وجود الشيطان، أصلاً. كما نعلم ضرورة أن خطاب الله حق وصدق، أزلاً وأبداً، فوجب ضرورة أن تكون العبادة هي الطاعة: عبادة الشيطان هي طاعته، وعبادة الله هي طاعته. والمقصود بـ(الطاعة) هنا تلك المرتبطة ضرورة بنسبة (الحاكمية) أو (السيادة النهائية العليا).

 

فصل: التحاكم إلى الطاغوت شرك وكفر

 * قال تعالى مجده: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، (النساء؛ 4: 60).

ــ جاء في تفسير الطبري [جامع البيان في تأويل القرآن (8/508/9891)]: [حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود، عن عامر في هذه الآية: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت﴾، قال: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فكان المنافق يدعو إلى اليهود، لأنه يعلم أنهم يقبلون الرشوة، وكان اليهودي يدعو إلى المسلمين، لأنه يعلم أنهم لا يقبلون الرشوة. فاصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن من جُهَيْنة، فأنزل الله فيه هذه الآية: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك﴾ حتى بلغ ﴿ويسلموا تسليمًا﴾]؛

ــ وجاء في تفسير الطبري [جامع البيان في تأويل القرآن (8/508/9892)]: [حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن عامر في هذه الآية: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك﴾، فذكر نحوه؛ وزاد فيه: فأنزل الله: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك﴾، يعني المنافقين، ﴿وما أنزل من قبلك﴾، يعني اليهود، ﴿يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت﴾، يقول: إلى الكاهن، ﴿وقد أمروا أن يكفروا به﴾، أمر هذا في كتابه، وأمر هذا في كتابه، أن يكفر بالكاهن]؛

ــ وجاء في تفسير الطبري [جامع البيان في تأويل القرآن (8/508/9893)]: [حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن داود، عن الشعبي قال: كانت بين رجل ممن يزعم أنه مسلم، وبين رجل من اليهود، خصومة، فقال اليهودي: أحاكمك إلى أهل دينك، أو قال: إلى النبي، لأنه قد علم أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لا يأخذ الرشوة في الحكم، فاختلفا، فاتفقا على أن يأتيا كاهنًا في جهينة، قال: فنزلت: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك﴾، يعنى: الذي من الأنصار، ﴿وما أنزل من قبلك﴾، يعني: اليهوديّ، ﴿يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت﴾، إلى الكاهن، ﴿وقد أمروا أن يكفروا به﴾، يعني: أمر هذا في كتابه، وأمر هذا في كتابه. وتلا: ﴿ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدًا﴾، وقرأ: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾، إلى: ﴿ويسلموا تسليما﴾]؛

ــ وقال القرطبي: [روى يزيد بن زريع عن داود بن أبي هند عن الشعبي قال: كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة، فدعا اليهوديُ المنافقَ إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، لأنه علم أنه لا يقبل الرشوة. ودعا المنافق اليهودي إلى حكامهم لأنه علم أنهم يأخذون الرشوة في أحكامهم فلما اجتمعا على أن يحكما كاهنا في جهينة، فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ،يعني المنافق، ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ، يعني اليهودي، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ، إلى قوله: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وقال الضحاك: دعا اليهودي المنافق إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف وهو «الطاغوت»]؛

قلت: هذه أسانيد قوية جياد إلى منتهاها، ولكنها مراسيل، ولا تقوم الحجة القاطعة بمرسل، وإنما نستأنس بها استئناساً، لا غير، وإن كانت مراسيل الشعبي قريبة من مرتبة الصحاح التي تصلح للاحتجاج.

 

ــ ولكن روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: [كان بين رجل من المنافقين ـ يقال له بشر ـ وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي: انطلق بنا إلى محمّد، وقال المنافق: بل إلى كعب بن الأشرف ـ وهو الذي سماه الله «الطاغوت» أي ذو الطغيان ـ فأبى اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلما رأى ذلك المنافق أتى معه إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقضى لليهودي. فلما خرجا قال المنافق: لا أرضى، انطلق بنا إلى أبي بكر، فحكم لليهودي فلم يرض، وقال: انطلق بنا إلى عمر فأقبلا على عمر فقال اليهودي: إنا صرنا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثم إلى أبي بكر فلم يرض؛ فقال عمر للمنافق: أكذلك هو؟ قال: نعم. قال: رويدكما حتى أخرج إليكما. فدخل وأخذ السيف ثم ضرب به المنافق حتى برد، وقال: هكذا أقضي على من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله، وهرب اليهودي، ونزلت الآية، وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (أنت الفاروق). ونزل جبريل وقال: إن عمر فرّق بين الحق والباطل، فسمي الفاروق. وفي ذلك نزلت الآيات كلهـا إلى قولـه: ﴿ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾]، قلت: هذه قصة مكذوبة منكرة، ولو وقعت لسارت بها الركبان، ولرواها الثقات الأثبات عن أمثالهم، بل لتناقلتها الكافة عن الكافة!

 

والكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، من أضعف أسانيد الدنيا، بل هو الكذب أو التدليس بعينه: فقد ثبت بالإسناد الصحيح عن الإمام الحافظ الحجة الكبير سفيان الثوري، وهو والله الثقة المأمون القدوة، أن الكلبي قال له: قال لي أبو صالح: (كل ما حدثتك عن بن عباس كذب، فلا تحدث به)، فإن كان الكلبي صادقاً في هذه الرواية فأبو صالح، لا شك، كذاب، كذب على ابن عباس، وإن كان الكلبي كاذباً مفترياً على أبي صالح فهو نفسه، والله المفتري الكاذب، الخليق بالترك والاطراح.

نعم: هناك احتمال ثالث: وهو أن كلاهما صادق، وإنما قصد أبو صالح بالكذب أنه دلَّس كل أو أكثرها مروياته عن ابن عباس بإسقاط الوسائط، لأن المرجح أنه لم يسمع من ابن عباس إلا شيئاً يسيراً. فعلى كل حال يكون هذا الإسناد: الكلبي عن أبي صالح، ساقطاً لا يحل الاحتجاج به، ولا روايته إلا على وجه التكذيب والتعجب، أو بيان سقوطه وتحذير الناس منه، كما هو فعلنا ها هنا!!

 

ــ وقال ابن كثير، شارحاً للآية الكريمة: [هذا إنكار من الله عز وجل على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنّة رسوله، كما ذكر في سبب نزول هذه الآية أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما فجعل اليهودي يقول بيني وبينك محمّد، وذاك يقول بيني وبينك كعب بن الأشرف. وقيل في جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإسلام أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية. وقيل غير ذلك، والآية أعم من ذلك كله فإنها ذامّة لمن عدل عن الكتاب والسنّة وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل وهو المراد بالطاغوت هنا ولهذا قال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ، (النساء؛ 4: 61)، إلى آخرها].

 

 

 

فصل: وجوب الرد إلى الله ورسوله، وطاعتهما طاعة مطلقة

والآيات في هذا أكثر من أن تحصى، ومنها:

* قوله، تعالى ذكره، وجل جلاله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجً(المائدة؛ 5: 48). فإذا كان هذا الكتاب المبارك الخاتم، مهيمناً وناسخاً، لما قبله من الشرائع، وهي في أصلها من عند الله، فمن باب أولى أن يكون مهيمناً على كل تشريع وحكم سواه.

 

* وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ، (البقرة؛ 2: 120).

 

* وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(النور؛ 24: 51).

 

* وقال الله، تعالى ذكره: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا، (النساء؛ 4: 115).

 

* وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، (النور؛ 24: 63). قال الإمام أحمد: (عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون الى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أتدري ما الفتنة؟، الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك). وقد اشتهر قول ابن عباس: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وتقولون قال أبو بكر وعمر؟!)، وقد جاء بلفظ مختلف في أحكام القرآن للطحاوي (2/65/1249)، وهو بعينه في شرح معاني الآثار له (2/189/3589) بإسناد صحيح: [حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ المُؤَذِّنُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسَدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ عُرْوَةَ، قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَضْلَلْتَ النَّاسَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ وَمَا ذَلِكَ يَا عُرْوَةُ؟ قَالَ: تُفْتِي النَّاسَ أَنَّهُمْ إِذَا طَافُوا بِالْبَيْتِ فَقَدْ حَلُّوا، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يَجِيئَانِ مُلَبِّيَيْنِ بِالْحَجِّ، فَلَا يَزَالَانِ مُحْرِمَيْنِ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (بِهَذَا ضَلَلْتُمْ، أُحَدِّثُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، وَتُحَدِّثُونِي عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ؟)، فَقَالَ عُرْوَةُ: (إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، كَانَا أَعْلَمَ بِرَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، مِنْكَ)]؛ وهو من طريق ثانية بنحوه في المعجم الأوسط للطبراني (ج1/ص11/ح21)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، (3/296): (رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن).

ــ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج1/ص337/ح3121) بلفظ ثالث: [حدثنا حجاج حدثنا شريك عن الأعمش عن الفضيل بن عمرو قال أراه عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال: (تمتع النبي، صلى الله عليه وسلم)؛ فقال عروة بن الزبير: (نهى أبو بكر وعمر عن المتعة!)؛ فقال بن عباس: (ما يقول عروة؟!)، قال: يقول: (نهى أبو بكر وعمر عن المتعة!)، فقال بن عباس: (أراهم سيهلكون، أقول قال النبي، صلى الله عليه وسلم، ويقول: نهى أبو بكر وعمر!)]، وإسناده حسن؛ والكلام هنا عن متعة الحج، والحق مع ابن عباس؛ وكلام عروة آنفاً: (إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، كَانَا أَعْلَمَ بِرَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، مِنْكَ) نموذج مؤسف لعقلية التقليد، ونبذ التفكير المستقل، الذي بدأ يتسرب إلى الأمة في ذلك الوقت المبكر؛ أو هي من عروة بن الزبير حمية وعصبية لأخيه عبد الله بن الزبير، الذي كان بينه وبين عبد الله بن العباس مخاشنة وشر، والعصبية ما هي إلا نخسة واستزلال من الشيطان.

 

* وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا، (النساء؛ 4: 59).

 

* وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا، (النساء؛ 4: 65).

 

* قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا، (النساء؛ 4: 105).

 

* قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا، (الأحزاب؛ 33: 36).

* وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، (الحجرات؛ 49: 1)

 

* وقال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ، (المائدة؛ 5: 50).

 

* قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، (النساء؛ 4: 80).

 

* قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ، (آل عمران؛ 2: 31-32).

 

* قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ، (الحشر؛ 59: 7).

 

* وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا، (الجن؛ 72 : 23).

 

* وقال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ، (النساء؛ 4: 13-14).

 

فصل: آيات الحكم: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾

* قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ؛ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً: أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ * وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ * وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، (المائدة؛ 5: 41 - 50)، هذه هي آيات «الحُكْم» الشهيرة، من سورة المائدة. وقد وردت عدة أحاديث في أسباب نزولها، وآثار في فهمها، ومعنى لفظة «الكافرون» فيها، تحتاج إلى نقاش مستفيض تجده في الباب المسمَّى: (شبهات حول تكفير من لم يحكم بما أنزل الله)، من كتابنا: (الحاكمية، وسيادة الشرع)، فليراجع هناك.

 

ولما كان الكلام هنا عن (الحكم بما أنزل الله)، بطل أن يكون المقصود بالحكم ما هو حصراً لله تبارك وتعالى، وهو (التشريع في جوهره ومعانيه على وجه الابتداء والإنشاء)، فهذا الحكم هو بعينه (ما أنزل الله)، ولزم أن يكون المقصود بلفظة (الحكم) ها هنا باقي المعاني الأربعة آنفة الذكر، وهي:

 (1) ــ الفتيا، أي إبداء الرأي الذي يعتقد قائله صحته من غير إلزام، أي الحكم على القضايا الدينية. فلا تجوز الفتيا إلا بما أنزل الله، ومن لم يفعل ذلك فقد كفر بالله!

 

(2) ــ القضاء، أي فض النزاع، والفصل في الخصومات، على وجه الإلزام. وهو إحدى سلطات الدولة الرئيسية (السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية).ويسمى القاضي أيضاً (حاكما)، وما يتلفظ به: (حُكْماً). فلا يجوز القضاء إلا بما أنزل الله، ومن لم يفعل ذلك فقد كفر بالله!

 

(3) ــ رعاية الشؤون، بالإدارة، والتنفيذ، أي السلطة التنفيذية في الدولة، ويسمى القائم بذلك: (حاكماً)، كما قد يسمى (والياً)، أو (ولي أمر)، أو (سلطاناً). وقد شاع في العصور المتأخرة استخدام لفظ (حكومة) لقمة السلطة التنفيذية، أي لمجلس الوزراء، وكذلك بمعنى جهاز الحكم في الدولة. فلا تجوز رعاية الشؤون، بالإدارة، والتنفيذ إلا بما أنزل الله، ومن لم يفعل ذلك فقد كفر بالله!

 

(4) ــ رعاية الشؤون، بتبني الأحكام، وسن الدساتير، والقوانين، والأنظمة، واللوائح، أي ما تقوم به السلطة التشريعية في الدولة، ليس بمعنى التشريع في جوهره ومعانيه على وجه الابتداء والإنشاء، فهذا قد فرغ منه، وهو نفسه عين (ما أنزل الله)، ولكن بمعنى: الاجتهاد، ثم التبني، فصياغة الأنظمة بمراتبها المختلفة، ثم إعلامها للكافة، ونحو ذلك. فلا تجوز رعاية الشؤون، بتبني الأحكام، وسن الدساتير، والقوانين، والأنظمة، واللوائح، إلا بما أنزل الله، ومن لم يفعل ذلك فقد كفر بالله!

 

فليست لفظة (الحكم) في الآيات الكريمات مقصورة على معنى (القضاء) فقط، كما ظنه البعض، بل هي بكل معانيها وعمومها وإطلاقها، إلا إذا جاء برهان من الله على تخصيص أو تقييد، وما ثمة برهان على تخصيص أو تقييد، فيما أعلم، مطلقاً.

 

* وجاء في «مسند أبي يعلى»، (ج9/ص173/ح5266): [حدثني محمّد حدثنا عثمان بن عمر حدثنا فطر بن خليفة عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن مسروق قال: [كنت جالسا عند عبد الله، فقال له رجل: (ما السحت؟!)، قال: (الرشا!)، فقال: (في الحكم؟!)، قال: (ذاك الكفر!)، ثم قرأ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ]، وقال الشيخ حسين أسد: (إسناده صحيح)، وهو كما قال، فالأثر عن ابن مسعود ثابت صحيح يقيناً، خصوصا مع المتابعات، والطرق، والشواهد المفصلة في الملحق، ومنها:

ــ ما أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (ج9/ص226/ح9098) بإسناد حسن: [حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا أبو نعيم حدثنا شريك عن السدي عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله أنه سئل عن السحت قال: الرشا، قيل: في الحكم؟ قال: ذاك الكفر].

ــ ما جاء في تفسير الطبري، (10/357/12061)، عند تفسير قوله، تبارك وتعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ... ﴾ الآية، بإسناد صحيح عن مسروق وعلقة، كليهما: [حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن سلمة بن كهيل، عن علقمة ومسروق أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة، فقال: من السحت. قال: فقالا أفي الحكم؟ قال: ذاك الكُفْر! ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ]؛ وهو في تفسير الطبري في موضع آخر: [حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثنا هشيم... بنحوه إلى منتهاه].

ــ قول مسروق، وفعله، كما هو مرويٌّ في «الطبقات الكبرى»، (6/81)، بإسناد صحيح: [أن مسروقا شفع لرجل بشفاعة فأهدى له جارية فغضب وقال: [لو علمت أن هذا في نفسك ما تكلمت فيها ولا أتكلم فيما بقي منها أبدا! سمعت عبد الله بن مسعود يقول: (من شفع شفاعة ليرد بها حقاً، أو يدفع بها ظلماً، فأهدي له، فقبل: فذلك السحت)، قالوا: ما كنا نرى السحت إلا الأخذ على الحكم؟! قال: (الأخذ على الحكم كفر!)].

* وجاء مثل هذا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، في الدعاء للطبراني (5/310/1987) بإسناد لا بأس به: [حدثنا أبو يزيد، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا يزيد بن عطاء، عن أبان، عن سعيد بن جبير، عن مسروق، أنه سأل عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فقال: (يا أمير المؤمنين السحت: الرشوة في الحكم؟)، فقال: «ويلك: ذلك كفر»، قال: قلت: يا أمير المؤمنين فما السحت؟ قال: «أن تطلب الحاجة للرجل إلى ذي سلطان ثم تأكل ماله»]

 

فصل: من هو المستحق لألقاب (الكفر)، و(الفسق)، و(الظلم)؛ ومتى يكون الاستحقاق؟!

ولا ينبغي أن نترك آيات (الحكم) للانتقال إلى موضوع آخر إلا بعد التنبيه على أن استحقاق ألقاب الكفر أو الظلم أو الفسق، (بعضها أو كلها، على اختلاف بين العلماء)، يحصل بمجرد ترك الحكم بما أنزل الله، ولو لم يحكم بغير ما أنزل الله، لأن الله، جل جلاله يقول: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله﴾. لا يقال أن ترك الحكم بما أنزل الله يستلزم ضرورة أن يحكم الحاكم بغير ما أنزل الله، كما يظهر ذلك بجلاء من مثال القاضي الذي تبين بيقين أن حكم الله في ذلك النزاع المعين الذي ينظر فيه هو «كذا وكذا»، بعد استكمال النظر في القضية، ووجوب النطق بالحكم فيها، ولكنه يمتنع عن النطق بالحكم عند تعيّنه، بدافع من الهوى، حتى يمكّن طرف القضية الذي عليه الحق ـ من مال أو قصاص مثلاً ـ من إخفاء المال، أو الفرار من قبضة السلطان، أو يعزل، أي القاضي، نفسه عن القضية بعد تبيّن الحق له، وبعد توجب النطق بالحكم فيها، هروباً من النطق بالحق المخالف لشهوته وهواه. فمثل هذا القاضي قد ارتكب، بمجرد امتناعه عن النطق بالحكم، بعد توجّبه ولزومه له، جريمة ترك الحكم بما أنزل الله، فهو ﴿لم يحكم بما أنزل الله﴾ في تلك القضية العينية وأصبح مستحقاً لألقاب الكفر أو الظلم أو الفسق، (بعضها أو كلها على اختلاف بين العلماء)، مع أنه تهرب من النطق بالحكم، ولم يحكم بشيء أصلاً.

وقريب من هذا، بل هو شر منه، القاضي الذي تبين بيقين أن حكم الله في ذلك النزاع المعين الذي ينظر فيه هو «كذا وكذا»، أثناء النظر في القضية، بموجب واقع النزاع الذي تدل عليه الأدلة، فيقوم بالتلاعب بالأدلة بإخفاء بعضها، أو صرف النظر عنها، أو الطعن فيها بما لا يعتبر حتى يتغير الواقع تغيراً يمكنه من النطق بحكم آخر يوافق هواه. وهذا قليل في العادة عند القضاة، ويكثر جداً عند المتنفذين الذين يستطيعون تلفيق التهم للمعارضين والخصوم السياسيين، وترتيب شهود الزور، ثم البطش بهم بدعاوى الإرهاب والخروج والبغي وإثارة الفتنة، وما شابه ذلك.

 

ولعل هذا المثال وأضرابه هو الذي خطر في بال من قال: «كفر دون كفر»، أو من امتنع من إطلاق مسمَّى (الكفر) على هذا الفعل، واكتفى بأسماء الفسق والظلم، لشدة شبه هذا للذنوب والمعاصي الأخرى التي يرتكبها المسلم، مدفوعاً بشهوته من غير استحلال لحرام أو جحد لواجب أو تكذيب لله أو لرسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومن غير استهزاء أو استخفاف أو كراهية أو إعراض تام عن الله ورسوله وآياته. ولكن من ناحية أخرى له شبه أقوى بمن امتنع عن التلفظ بكلمة التوحيد، مع وجود الاستطاعة المعتبرة، وعدم وجود إكراه ملجئ. وكفر هذا لا يشك فيه مسلم، وعليه إجماع العلماء. بل إن إقرار الكافر بنبوة سيدنا محمّد، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، وتلفظه بذلك (لا يدخله في الإسلام حتى يلتزم أحكام الإسلام)، هكذا حرفياً. قال الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني في «الفتح»، بعد شرحه لحديث نُكُول العاقب والسيد، صاحبَيْ نجران، عن مباهلة رسول الله، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، وتكلمهما بما يفيد بإقرارهم بنبوته، ولكنهم لم يدخلوا في الإسلام، ولم يلتزموا - من حيث المبدأ - بالأحكام، فبقوا على كفرهم. وكذلك بدلالة إقرار بعض أحبار اليهود بنبوته، في أكثر من قصة ثابتة، مع بقائهم على يهوديتهم ورفضهم اتباعه، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله. ومعلوم أن هؤلاء كلهم إنما منعتهم شهوات الدنيا من حب رئاسة، وخوف مقاطعة الأهل والأحبة، وكسل عن الهجرة، وغيرها؛ كل ذلك لم يكن عذراً لهم، ولا مخرجاً لهم من الكفر. إذ لا عذر في شيء من ذلك، إلا إكراه ملجئ، أو عدم استطاعة بيقين، لا غير.

 

وهذا الحكم لا يقتصر على شهادة التوحيد فحسب، بل ينسحب على كل مقولة حق، ترتبط ارتباطا حتمياً بالشهادة، فتكون بذلك من لوازمها. لا فرق بين قول إنسان: (لا إله إلا الله)، وقوله: (مريم بنت عمران، برأها الله من الفاحشة، وفضلها على نساء العالمين)، وقوله: (إن الله على كل شيء قدير، وإن الله قد أحاط بكل شيء علماً)، وقوله: (هذا هو حكم الله في هذه المسألة المعينة). كل ذلك تلفظ وإخبار بالحق الذي يعتقده المخبر، ويدين الله به. وكله يجب الإقرار به وإعلانه، والخضوع له والتسليم به، واتخاذه ديناً يدان الله به، حاشا حالة عدم الاستطاعة المعتبرة، أو إكراه ملجئ.

 

فإن كان هذا المثال، وفقط هذا المثال، فيه شبه من حال المذنب العاصي، ففيه كذلك شبه أقوى وقرابة أشد، من حال الكافر المعرض أو الجاحد أو المتكبر: فليحذر كل عاقل لنفسه!

 

كما يظهر ذلك أيضاً، على نحو مختلف، من مثال الرجل المسلم الذي ضبط في حالة سكر بيِّن، وأحضر هذا الرجل إلى القاضي الحاكم بالقانون الوضعي فأخلى سبيله ولم يحكم بشيء، لأنه بموجب القانون الوضعي لم يرتكب الرجل جريمة ولن يعاقب بشيء، بل ليس هناك ما يتوجب به النظر القضائي أصلاً. في حين أن الشرع يوجب إقامة حد شرب الخمر عليه، بجلده أربعين أو ثمانين جلدة، على اختلاف في المذاهب، وحسب اجتهاد الإمام أو القاضي.

 

وترك الحكم بما أنزل الله في هذا المثال، وما كان من جنسه وعلى منواله، لا علاقة له بغلبة الشهوة، والضعف أمام وساوس الشيطان، أو محاباة صديق أو قريب، وإنما هو تطبيق لنظام كفري، يتناقض مع الإسلام كل المناقضة. وهو، في أدنى مراتبه، إعراض عن الشرع وعدم مبالاة به؛ والإعراض عن الشرع كفر ينقل عن الملة. وقد يكون أنكر من ذلك وأقبح، فيكون شكاً في الشرع، أو تكذيباً للشرع، أو جحداً للشرع، أو استكباراً وإباءً ورفضاً للشرع (على طريقة إبليس، لعنه الله)، أو احتقاراً وسخريةً من الشرع، أو بغضاً وكراهيةً وعداوةً للشرع؛ وكل ذلك كفر بالشرع، وهو من أنواع الكفر الناقلة عن الملة. فهل يشك عاقل، في قلبه ذرة من إسلام وإيمان وتعظيم، وحب لله ولرسوله ولدينه، أن مثل هذا القاضي قد فارق الملة وبرئت منه الذمة؟!

 

أما لو ضبط رجل مسلم يسوق سيارته سكراناً في الشارع العام، فإن القاضي الوضعي سيحكم عليه بالحبس لمدة ستة أشهر مثلاً. فهنا ترك القاضي الحكم الشرعي وهو الجلد وبذلك لم يحكم بما أنزل الله.

أما الحكم بالحبس لمدة ستة أشهر فقد يكون عقوبة تعزيرية، على مخالفة النظام العام بقيادة السيارة في حالة سكر، تطبق على كل مخالف، مسلما كان أو غير مسلم، فهذا لا بأس به، إذا كان قد سنَّه ولي أمر شرعي، أي حاكم يحكم بما أنزل الله، بالطريقة الشرعية وفق الإجراءات الدستورية المرعية.

وقد يكون الحكم بالحبس لمدة ستة أشهر عقوبة على شرب الخمر، من حيث هو شرب لمحرم، بديلاً عن عقوبة الجلد (الهمجية كما يؤكد «المتمدنون»؟!) لا تطبق على غير المسلم لأن الخمر حلال في دينه، له شربها في إطار النظام العام، فتكون حينئذ حكماً بغير ما أنزل الله سبحانه وتعالى، ويكون القاضي قد ارتكب بذلك فعلين مكفّرين وليس فعلاً مكفرا واحدا واستحق كذلك، من باب أولى، أن يُسمّى كافرا وظالما وفاسقا، وهو بدون شك شرٌّ من مثيله في الأمثلة السابقة، وأوغل في الكفر، وأضلّ عن سواء السبيل!

 

وقريب من ذلك في الشر والإثم والكفر، طاعة المتشرعين بغير شرع الله، الحاكمين بغير ما أنزل الله لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ أي إن أطعتموهم واتبعتموهم في تحليل الميتة، أصبحتم كفاراً مشركين بالله مقرين لغيره بحق السيادة والحاكمية والتشريع.

 

وهذه الآية، كما أسلفنا، مكية بالإجماع، حيث كان الشرك لا يقال إلا على شرك الكفر، الشرك الأكبر، المخرج من الملة، والمناقض للإسلام كل المناقضة. وإنما جاءت أحكام الشرك الأصغر، والشرك الخفي، وآداب التوحيد من مثل النهي عن الحلف بالآباء، والنهي عن قول: (ما شاء الله، وشئت)، ونحوه في المدينة، بلا خلاف، كما تفرّدت بها السنّة الشريفة فقط، وليست هي من معهود استخدام القرآن.

ولما كان «المطيع» في التحليل والتحريم مشركاً، شرك الكفر المخرج من الملة، فلا بد أن يكون «المطاع» رباً، وإلاهاً من دون الله، ضرورة، كما بيّنته قصة عدي بن حاتم، وأظهرته بما لا خفاء فيه!

 

وشرٌّ من كل ما سبق وأشنع، وأوغل في الكفر والشرك، من باب أولى، بداهة بلا شك أو جدال، السلطة التي تشرّع الدساتير والقوانين والأنظمة واللوائح المناقضة للشرع أو التي لم تستنبط استنباطاً شرعياً صحيحاً، فهذا فوق ذلك نوع آخر من الشرك، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، (الشورى؛ 42: 21). فالمشرّع، بمجرد قيامه بالتشريع، أصبح منازعاً لله في سيادته وربوبيته، منازعاً للعزيز الجبار المتكبر الذي قال، كما رواه عنه نبيه المعصوم الخاتم في الحديث القدسي: ﴿العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني فيهما قصمته﴾!!

 

هذا المشرّع يقول بلسان الحال، إن لم يكن صراحة بلسان المقال: (أنا ربكم الأعلى)، داعيا الناس إلى عبادته: عبادة طاعة واتباع، فيصبح بذلك من الطواغيت، بل من رؤوسها؛ ومن أقر له بذلك فقد جعله رباً وإلاهاً، وحكماً من دون الله، ومن ثم شريكاً لله سبحانه وتعالى. فويل لهؤلاء جميعاً من النقمة القاصمة المدمرة للعزيز الجبار!

 

 

فصل: ما هي حقيقة القائلين بـ(كفر دون كفر!

وكذلك لا ينبغي أن نترك آيات (الحكم) للانتقال إلى موضوع آخر إلا بعد التنبيه على إن أكثر القائلين بـ(كفر دون كفر) أو المقتصرين على ألقاب الفسق والظلم في حالة انعدام موجب إضافي للتكفير، كما شرحناه أعلاه، هم فيما يظهر من المدافعين عن الولاة والسلاطين الحاكمين بغير بما أنزل الله، وهم يحاولون إخراجهم من حمأة الردة والكفر، ويجادلون عنهم بالباطل في محاولة يائسة لتثبيت عروشهم، وتقرير شرعيتهم، وقفل الباب في وجه أي محاولة لخلعهم.

 

نعم: هناك قلة من العلماء المخلصين الذين يريدون الحق، ويتخوّفون من الحكم بالكفر، إلا ببرهان قاطع، قد قالت بمثل هذا؛ ولكن غالبية المجادلين، في عصرنا هذا، هم من النوع الأول: من فقهاء السلاطين الخونة. فإن كان كذلك، فنبشرهم بأن ذلك لا يغني عنهم شيئاً، وأن ولاية «ساداتهم» و«كبرائهم» من السلاطين ساقطة، ومنابذتهم بالسيف مشروعة على كل حال، بغض النظر عن (كفر دون كفر)، وبغض النظر عن استحقاق ألقاب (الفسق والظلم) فقط؛ وذلك لأن الله، تباركت أسماؤه، قد كفانا مؤنة ذلك عندما أنطق نبيه محمّدا، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، بفصل الخطاب في هذه المسألة، حين وجه أصحابه إلى عدم منازعة أولي الأمر: «إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان»:

* كما جاء في صحيح البخاري [م م (9/47/7055)]: [حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرٍو عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَهُوَ مَرِيضٌ قُلْنَا أَصْلَحَكَ اللَّهُ حَدِّثْ بِحَدِيثٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِ سَمِعْتَهُ مِنْ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ دَعَانَا النَّبِيُّ، صلى الله عليه وسلم، فَبَايَعْنَاهُ فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةً عَلَيْنَا وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ: إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنْ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ

 

* وجاء في مسند أحمد [مخرجا (37/404/22737)]: [حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ ثَوْبَانَ لَعَلَّهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ حَدَّثَهُ: عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، مِثْلَ ذَلِكَ قَالَ: «مَا لَمْ يَأْمُرُوكَ بِإِثْمٍ بَوَاحًا»]؛ وكان قد ساق قبله ما جاء في مسند أحمد [مخرجا (37/403/22735)]: [حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ أَنَّهُ حَدَّثَ، عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ، وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ، وَلَا تُنَازِعِ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَإِنْ رَأَيْتَ أَنَّ لَكَ»]؛ وأيضاً ما جاء في مسند أحمد [مخرجا (37/403/22736)]: [حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ حَيَّانَ أَبِي النَّضْرِ أَنَّهُ: سَمِعَهُ مِنْ جُنَادَةَ يُحَدِّثُهُ، عَنْ عُبَادَةَ بِمِثْلِه]؛

 

* وجاء في مسند الشاميين للطبراني (1/141/225): [حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيِّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ دُحَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَا: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْبَانَ، حَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ، عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (عَلَيْكَ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ، وَلَا تُنَازِعِ الْأَمْرَ أَهْلَهَ وَإِنْ رَأَيْتَ أَنَّهَ لَكَ)؛ قَالَ عُمَيْرٌ: فَحَدَّثَنِي خُضَيْرٌ أَوْ حُضَيْرٌ السُّلَمِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ مِنَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، وَزَادَ «إِلَّا أَنْ يَأْمُرَكَ بِإِثْمٍ بَوَاحًا عِنْدَكَ تَأْوِيلُهُ مِنَ الْكِتَابِ» قَالَ: خُضَيْرٌ أَوْ حُضَيْرٌ قُلْتُ لِعُبَادَةَ: (فَإِنْ أَنَا أَطَعْتُهُ؟!)، قَالَ: (يُؤْخَذُ بِقَوَائِمِكَ فَتُلْقَى فِي النَّارِ، وَلْيَجِئْ هُوَ فَلْيُنْقِذْكَ!)]؛

 

* وجاء في صحيح ابن حبان [مخرجا (10/428/4566)]: [أَخْبَرَنَا الصُّوفِيُّ، بِبَغْدَادَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ خَارِجَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُدْرِكُ بْنُ سَعْدٍ الْفَزَارِيُّ أَبُو سَعْدٍ، عَنْ حَيَّانَ أَبِي النَّضْرِ، سَمِعَ جُنَادَةَ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ، سَمِعَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «يَا عُبَادَةَ»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ، قَالَ: «اسْمَعْ وَأَطِعْ فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، وَمَكْرَهِكَ، وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ، وَإِنْ أَكَلُوا مَالَكَ، وَضَرَبُوا ظَهْرَكَ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ مَعْصِيَةً لِلَّهِ بَوَاحًا»].

 

كان الأمر هكذا أولاً في بيعة العقبة، عندما بايعوا النبي، عليه وعلى آله صلوات وتبريكات من الله، على نصرته كما ينصرون نسائهم وأبنائهم ولو بالحرب. ثم وسَّع النبي هذا، فنهى عن المنازعة، فقال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة»؛ كما هو:

(1) - عن عوف بن مالك، رضي الله عنه، في «صحيح مسلم»، بأتم لفظ وأحسنه: [حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي أخبرنا عيسى بن يونس حدثنا الأوزاعي عن يزيد بن يزيد بن جابر عن رزيق بن حيان عن مسلم بن قرظة عن عوف بن مالك عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم، ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم»، قيل: (يا رسول الله: أفلا ننابذهم بالسيف؟!)، فقال: «لا ما أقاموا فيكم الصلاة. وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه: فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يدا من طاعة!»]؛

 

(2) - وعن أم المؤمنين، أم سلمة هند بنت أبي أمية المخزومية، رضوان الله وسلامه عليها:

(أ) - كما أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج6/ص295/ح26571) بإسناد غاية في الصحة: [حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ ضَبَّةَ بْنِ مُحْصِنٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهُ سَتَكُونُ أُمَرَاءُ تَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ أَنْكَرَ، فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ كَرِهَ، فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ»؛ قَالُوا: (يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ؟)؛ قَالَ: (لَا، مَا صَلَّوْا لَكُمُ الْخَمْسَ)]؛ وأخرجه أبو يعلى في مسنده (ج12/ص420/ح6980): [حَدَّثَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بعينه وتمامه سنداً، ومتناً]؛ وقال الشيخ حسين سليم أسد: (إسناده صحيح)؛ وهو في «صحيح مسلم» باختصار مخل، للأسف الشديد، هكذا: (لَا، مَا صَلَّوْا

(ب) - وكما أخرجه الإمام الطبراني في معجمه الأوسط (ج5/ص85/ح4745) بإسناد صحيح: [حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلْمٍ قَالَ: حدثنا زُنَيْجٌ أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُعَلَّى الرَّازِيُّ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ عَبْدِ الْمَلَكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ ضَبَّةَ بْنِ مِحْصَنٍ الْأَسَدِيِّ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «إِنَّهُ سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أَئِمَّةٌ، تَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ أَوْ تَابَعَ». قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَلَا نَقْتُلُهُمْ؟ قَالَ: «لَا، مَا أَقَامُوا الصَّلَاةَ»]؛ ثم قال الإمام الطبراني: (لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَّا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُعَلَّى)؛ وهذا صحيح غاية، كما أقمنا عليه البرهان في الملحق.

 

(3) - وعن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، كما هو في مسند أحمد [مخرجا (17/321/11224)]: [حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا أَبِي، وَعَفَّانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْبَهِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «يَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ تَطْمَئِنُّ إِلَيْهِمُ الْقُلُوبُ، وَتَلِينُ لَهُمُ الْجُلُودُ، ثُمَّ يَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ تَشْمَئِزُّ مِنْهُمُ الْقُلُوبُ، وَتَقْشَعِرُّ مِنْهُمُ الْجُلُودُ» فَقَالَ رَجُلٌ: أَنُقَاتِلُهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لَا مَا أَقَامُوا الصَّلَاةَ»]؛ وهو في السنة لابن أبي عاصم (2/512/1077)؛ زفي (تعظيم قدر الصلاة) لمحمد بن نصر المروزي (2/911/954)؛ وفي ترتيب الأمالي الخميسية للشجري (2/380/2831)؛ وربما غيرهم؛

 

(4) - وعن خباب بن الأرت، رضي الله عنه، كما هو في مسند البزار [البحر الزخار (6/61/2123)] بإسناد صحيح: [حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، قَالَ: حدثنا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، قَالَ: حدثنا أَبُو يُونُسَ وَاسْمُهُ حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «تَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يَكْذِبُونَ وَيَظْلِمُونَ فَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ» قَالُوا: أَفَلَا نَقْتُلُهُمْ؟ قَالَ: «لَا مَا أَقَامُوا الصَّلَاةَ»]؛ وقال البزار: (وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا نَعْلَمُ لَهُ طَرِيقًا عَنْ خَبَّابٍ إِلَّا هَذَا الطَّرِيقَ)؛

 

(5) - وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي، رضي الله عنه، كما هو في مجموع فيه مصنفات أبي العباس الأصم وإسماعيل الصفار (ص: 89/118): [حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بن يوسف حدثنا عمر بن المغيرة المصيصي حدثنا هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، مثله. كذا كان في نسخة شيخنا]، والحديث السابق هو برقم (117): حدثنا بكر بن سهل الدمياطي حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ هِشَامٍ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ ضَبَّةَ بْنِ مِحْصَنٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (يَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ تَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ فَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ بَرِئَ وَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ سَلِمَ وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ قَالُوا أفَلا نَقْتُلُهُمْ قَالَ: (لا مَا صَلُّوا لا مَا صَلُّوا)]؛ وهو بعينه في الإيماء إلى زوائد الأمالي والأجزاء (4/388/3811)؛

 

(6) - وعن عقبة بن عامر، رضي الله عنه، كما هو في معجم الطبراني مشكولا (15/323/14225): [حدثنا مُحَمَّدُ بن يَحْيَى بن مِنْدَهٍ الأَصْبَهَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بن يُونُسَ بن بُكَيْرٍ، عَنْ مُوسَى بن عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُقْبَةَ بن عَامِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخِيَارِ عُمَّالِكُمْ وَشِرَارِهِمْ؟)؛ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (فَإِنَّ خِيَارَهُمْ لَكُمْ مَنْ تُحِبُّونَهُ وَيُحِبُّكُمْ وَتَدْعُونَ اللَّهَ لَهُمْ وَيَدْعُونَ اللَّهَ لَكُمْ، وَشِرَارُهُمْ شِرَارُهُمْ لَكُمْ مَنْ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَدْعُونَ اللَّهَ عَلَيْهِمْ وَيَدْعُونَ اللَّهَ عَلَيْكُمْ)؛ فَقَالُوا: أَفَلا نُقَاتِلُهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (لا، دَعُوهُمْ مَا صَامُوا وَصَلَّوْا)]؛ وهو في المعجم الأوسط (7/189/7238) بعينه ثم قال الإمام الطبراني: (لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مُوسَى بْنِ عَلِيٍّ إِلَّا بَكْرُ بْنُ يُونُسَ، تَفَرَّدَ بِهِ: أَبُو كُرَيْبٍ، وَلَا يُرْوَى عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ)؛

 

(7) - وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، شاهد لبعضه، كما هو في صحيح ابن حبان [محققا (15/43/6660)] بإسناد صحيح على شرط الشيخين: [أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: (سَيَكُونُ بَعْدِي خُلَفَاءُ يَعْمَلُونَ بِمَا يَعْلَمُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ، ثُمَّ يَكُونُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلَفَاءُ يَعْمَلُونَ بِمَا لَا يَعْلَمُونَ، وَيَفْعَلُونَ مالا يؤمرون، فمن أنكر عليهم فقد بريء، (وَمَنْ أَمْسَكَ سَلِمَ)، ولكن من رضي وتابع)]؛

 

(8) - وعن عبد الله بن عباس، رضي الله تعالى عنهما، شاهد آخر، كما هو في مصنف الإمام أبي بكر بن أبي شيبة (ج7/ص530/ح37743): [حدثنا يحيى بن أبي بكير قال حدثنا الهياج بن بسطام الحنظلي قال حدثنا ليث بن أبي سليم عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (إنها ستكون أمراء تعرفون وتنكرون: فمن ناوأهم نجا، ومن اعتزلهم سلم أو كاد، ومن خالطهم هلك)]؛ وأخرجه الطبراني في معجمه الكبير (ج11/ص40/ح10973): [حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة حدثنا أبي حدثنا يحيى بن أبي بكير بتمامه، إلا أنه قال: (فمن نابذهم نجا)]؛

 

(9) - وعن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، شاهد آخر، كما هو في سنن الترمذي [ت بشار (4/98/2264)]: [حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، عَنِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِخِيَارِ أُمَرَائِكُمْ وَشِرَارِهِمْ؟ خِيَارُهُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَتَدْعُونَ لَهُمْ وَيَدْعُونَ لَكُمْ، وَشِرَارُ أُمَرَائِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ]؛ ثم قال الإمام الترمذي: (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ، وَمُحَمَّدٌ يُضَعَّفُ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ).

 

وإقامة الصلاة ها هنا تعني إقامة الدين، كما يشهد لذلك ويقويه:        

(1) - حديث أم الحصين، رضي الله عنها، في السمع والطاعة ولو لعبد حبشي مجدع ما دام يقودنا بكتاب الله، كما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (ج3/ص1468/ح1838): [حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ يَحْيَى بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ سَمِعْتُ جَدَّتِى تُحَدِّثُ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، يَخْطُبُ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ يَقُولُ «وَلَوِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا»]، وأخرجه جمهور الأئمة بأصح أسانيد الدنيا؛

 

(2) - والحديث الخطير في الأمر بقتال قريش، وإبادة خضراءها، إذا لم تستقم:

(أ) - جاء عن ثوبان، رضي الله عنه، كما أخرجه الطبراني في معجمه الصغير (ج1/ص134/ح201) بإسناد صحيح: [حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُور الْمُعَدِّلُ الْأَصْبَهَانِيُّ الْمَدِينِيُّ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، (ومنصور)، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ ثَوْبَانَ قال: قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «اسْتَقِيمُوا لِقُرَيْشٍ مَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ، فَإِن لَمْ يَفْعَلُوا: فَضَعُوا سُيُوفَكُمْ عَلَى عَوَاتِقِكُمْ فَأَبِيدُوا خَضْرَاءَهُمْ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَكُونُوا حِينَئِذٍ زَارِعِينَ أَشْقِيَاءَ تَأْكُلُوا مِنْ كَدِّ أَيْدِيكُمْ»]؛ وصحة هذا الإسناد بذاته، مع دحر كل المزاعم بضعفه، أو انقطاعه، أو نكارته، تجدها في الملحق؛

(ب) - وجاء عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، كما هو في تاريخ واسط (ص: 63): [حدثنا أسلم، قال: حدثنا محمد بن عبد الملك، قال: حدثنا مُعَلَّى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حدثنا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَنَحْنُ فِي بَيْتٍ مُجْتَمِعُونَ»، فَنَهَانَا أَنْ نُوَسِّعَ لَهُ. فَقَالَ وَهُوَ قَائِمٌ: «الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ (ثلاثا): الا وَلِي عَلَيْكُمْ حَقٌّ وَلَهُمْ مِثْلُهُ: مَا اسْتُرْحِمُوا فَرَحِمُوا، وَعَاهَدُوا فَوَفَّوْا، وَحَكَمُوا فَعَدَلُوا؛ فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس جمعين»]؛ وجاء بعد ذلك مباشرة في تاريخ واسط (ص: 63): [حدثنا أسلم، قال: حدثنا سعيد بن يحيى، قال: حدثنا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حدثنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، (وَزَادَ فِيهِ: «لا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلا عَدْلاً؛ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا: فَضَعُوا سُيُوفَكُمْ عَلَى عَوَاتِقِكُمْ ثُمَّ أَبِيدُوا خَضْرَاءَهُمْ: وَلا تَكُونُوا حَرَّاثِينَ أَشْقِيَاءَ»]؛

(ج) - وجاء عن أم هانئ بنت أبي طالب، رضي الله عنها؛ كما هو في السنة لأبي بكر بن الخلال (1/127/82): [قال (المتكلم هو مهنى): وَسَأَلْتُ أَحْمَدَ: عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَابِسٍ، يُحَدِّثُ عَنْهُ الْحِمَّانِيُّ، عَنْ أَبِي فَزَارَةَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، مِثْلَ حَدِيثِ ثَوْبَانَ «اسْتَقِيمُوا لِقُرَيْشٍ»، فَقَالَ: لَيْسَ بِصَحِيحٍ، هُوَ مُنْكَرٌ]، وفي الملحق إثبات بطلان كلام الإمام أحمد عندما قال: (لَيْسَ بِصَحِيحٍ، هُوَ مُنْكَرٌ)؛ والإسناد حسن، لا بأس به؛

(د) - وجاء عن النعمانَ ابنَ بَشيرٍ، رضي الله عنهما، كما هو في المعجم الكبير للطبراني (21/118/141): [حدَّثنا محمدُ بنُ خالدٍ الراسبيُّ، حدثنا مُهلَّبُ بنُ العلاءِ، حدثنا شُعيبُ بنُ بَيَانٍ، حدثنا شعبةُ، قال: سمعتُ سِمَاكًا يقولُ: سمعتُ النعمانَ ابنَ بَشيرٍ يقولُ: سَمعتُ رسولَ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، يقولُ: «اسْتَقِيمُوا لِقُرَيْشٍ مَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَقِيمُوا لَكُمْ: فَضَعُوا سُيُوفَكُمْ عَلَى عَوَاتِقِكُمْ فَأَبِيدُوا خَضْرَاءَهُمْ»]؛

 

هذا بلاغ من الله، بلسان أفصح خلق الله، المعصوم بعصمة الله، الذي أوتيَ جوامع الكلم، ولكنه يحتاج إلى تفصيل ومناقشة مدققة، تستنير بكافة نصوص الوحيين: الكتاب والسنّة، من غير تحريف للكلم عن مواضعه، أو جعل القرآن «عضين»، أي أجزاء وتفاريق، أو ما هو شر من ذلك: إيمان ببعض وكفر ببعض، كما هي طريقة فقهاء السلاطين الملومين المخذولين. هذه المناقشة المستفيضة تحتاج إلى باب مستقل، هو المسمَّى: (منابذة الحكام) في كتابنا: (الحاكمية، وسيادة الشرع)، فليراجع!

 

على أن النص القرآني قد استخدم في حق «من لم يحكم بما أنزل الله» أسماء «الكافر»، أو «الظالم»، أو «الفاسق» كما استخدمها في مواطن أخرى سواء بسواء. ومن تلك المواطن قوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾، (النساء؛ 4: 141)، القاطعة بسقوط ولاية الكافر على المؤمن، والحرمة القطعية المؤكدة الأبدية لإمامته على المسلمين، أو رئاسته لدولتهم، وذلك بإجماع المسلمين المتيقن على ذلك. ومن تلك المواطن قوله تعالى: ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾، (البقرة؛ 2: 124)، المسقطة لولاية الفاسق، وهو القول الصحيح لجمهور العلماء، كما فصلناه في باب (بطلان ولاية الفاسق) من كتابنا: (طاعة أولي الأمر، حدودها وقيودها)؛ تجده هناك مفصلاً مشبعاً، وهو يطول جداً، لذلك سنلخصه على وجه الإجمال في فصل لاحق

 

والمقطوع به أن «من لم يحكم بما أنزل الله» كافر أو فاسق أو ظالم بيقين، بنص القرآن، وبالإجماع اليقيني القاطع، فولايته ساقطة بيقين كذلك، على وجه الإطلاق، بغض النظر عن أنه كان:

(1) - مستحقاً فقط لأسماء الظلم والفسق، وأسارع فأقول: هذا قول باطل، مخالف لإجماع الصحابة كما هو مبرهن عليه في الباب: (شبهات حول تكفير من لم يحكم بما أنزل الله)، في كتابنا: (الحاكمية، وسيادة الشرع

(2) - مستحقاً لاسم «الكفر» مع كون كفره (كفراً دون كفر)، (وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله)، أو (كفراً لا يخرج عن الملة)، إذا سلمنا جدلاً بصحة ذلك كله، مع أننا أبطلنا نسبة ذلك لإمام الهدى، ترجمان القرآن عبد الله بن عباس، في الباب المذكور؛

 

لذلك نقول لأعداء الله، فقهاء السلاطين: لا تفرحوا: إن حجتكم داحضة، وحدَّكم كليل، ولم تبق لكم شبهة أو دليل، فسارعوا إلى التوبة قبل الموت والرحيل، وهو رحيل إن لم تسبقه توبة، لا محالة سقوط على أم رؤوسكم في الهاوية: ﴿وما أدراك ما هيه * نار حامية﴾، (القارعة؛ 101: 10 - 11).

 

وعلى كل حال فنحن نحيل إلى الباب المعنون بـ(شبهات حول تكفير من لم يحكم بما أنزل الله)، من كتابنا: (الحاكمية وسيادة الشـرع) لاستكمال دراسة هذه المسائل الشائكة.

 

فصل: بطلان وسقوط ولاية الفاسق

* جاء عن عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «سيلي أموركم بعدي رجال يطفئون السنّة، ويعملون بالبدعة، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها»، قلت: يا رسول الله! إن أدركتهم كيف أفعل؟ قال: «تسألني يا ابن أم عبد كيف تفعل؟ لا طاعة لمن عصى الله»، رواه ابن ماجه (في سننه ج2/ص956/ح2865)، واللفظ السابق له، وأحمد في مسنده (ج1/ص400/ح3790)، (ج1/ص409/ح3889)، والطبراني في الكبير (ج10/ص173/ح10361)، والبيهقي في سنن البيهقي الكبرى (ج3/ص124/ح5097).

ــ وأما لفظ احمد فقد أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج1/ص399/ح3790): [حدثنا محمد بن الصباح حدثنا إسماعيل بن زكريا عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إنه سيلي أمركم من بعدي رجال يطفؤون السنّة، ويحدثون بدعة، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها»، قال بن مسعود: (يا رسول الله: كيف بي إذا أدركتهم؟!)، قال: «ليس ــ يا ابن أم عبد ــ طاعة لمن عصى الله، قالها ثلاث مرات»، وقال عبد الله بن احمد: وسمعت أنا من محمّد بن الصباح مثله]؛ ومن طريق محمّد بن الصباح اخرجه البيهقي في «السنن الكبرى»، (ج3/ص127/ح5119)، و«دلائل النبوة» بمثله؛ وهذا حديث صحيح تقوم به الحجة القاطعة، وقد صححه الشيخ أحمد شاكر، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة: (إسناده جيد على شرط مسلم)؛ ولن نناقش، ها هنا في هذ البحث، الأسانيد بالتفصيل، ونحيل في ذلك إلى الملحق الموسوم بـ «دراسة الأسانيد»، من كتابنا هذا، حيث أشبعنا فيها، بحمد الله، مراجعة أقوال العلماء، ونقد الأسانيد!

قوله عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن مسعود هذا: «لا طاعة لمن عصى الله» قطعي الدلالة في سقوط طاعة «من عصى الله»، لأن:

(1) لفظة «طاعة» نكرة في سياق النفي تعمّ، بإجماع الأصوليين، كل أنواع الطاعة التي يشملها هذا اللفظ في اللغة العربية التي نزل بها القرآن، أي سقوط كل الطاعة، أي طاعة، في المعروف وغيره، في كبير الأمر وصغيره، إلا ما قام عليه الدليل الشرعي أنه مستثنى، كما هو مفصل في مواضعه.

(2) «من عصى الله» عامة في حق كل من عصى الله لأنها مصدَّرة بـ [من] الشرطية، وهي أبلغ صيغ العموم على الإطلاق كما حرره الأصوليون، وكما قاله الإمام ابن تيمية رحمه الله (في مجموع الفتاوى: ج15 ص 82، وكذلك في ج24). ولولا وروود النصوص القطعية التي تستثني أهل الصغائر من غير المجاهرين من المؤاخذة، وتعد بالمغفرة العامة، وتكفير السيئات، حال اجتناب الكبائر، لولا ذلك لوجب صرفها حتى إلى أهل كل معصية، لا فرق بين صغيرة وكبيرة، وكذلك النصوص الدالة على قبول توبة التائبين، وعودتهم عدولاً، تقبل شهادتهم، وتجوز إمارتهم وولايتهم، بعد اتصافهم بالفسق، بل وحتى بالكفر!

 

فالنص إذن قطعي الدلالة على سقوط الطاعة لكل فاسق، أي سقوط ولايته بالضرورة، وليس هو في قصر الطاعة على المعروف في مثل قوله: «إنما الطاعة في المعروف»، أو مثل قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، فتلك الأحاديث الصحيحة ونحوها، وهي متواترة، سنأتي بطرف منها قريباً أدناه، تحرم الطاعة في كل أمر بمعصية، أي أمر بفعل حرام، أو ترك واجب، بغض النظر عن حال الآمر: أهو إمام عدل، أم إمام جور، أو هو أمير ورِع، أو أمير فاسق، أو غير ذلك من الاعتبارات، بل هي صحيحة، واجبة التطبيق في حق الوالدين، والزوج، ونحوهم ممن له حق الطاعة، فكلها تحرم الطاعة في كل أمر معين جاء خلافاً «للمعروف»؛ أما حديثنا هذا يسقط حق الطاعة للفاسق، أي يبطل ولاية الفاسق، وشتان بين المسألتين، ولو كره «منافقة القراء»، أدعياء العلم، من فقهاء السلاطين!       

 

* وأخرج الإمام عبد الله بن أحمد بن حنبل في زوائد مسند والده (ج 5/ص329/ح22838): [حدثنا عبد الله حدثنا سويد بن سعيد الهروي حدثنا يحيى بن سليم عن بن خثيم عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه عبيد عن عبادة بن الصامت قال: سمعت أبا القاسم، صلى الله عليه وسلم، يقول: (سيلي أموركم من بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون، وينكرونكم ما تعرفون: فلا طاعة لمن عصى الله تعالى، فلا تعتلوا بربكم)]؛ وأخرجه، مطولاً ومختصراً، الإمام الحاكم في مستدركه (ج3/ص402/ح5528)، (ج3/ص402/ح5530)؛ والطبراني في معجمه الأوسط (ج3/ص190/ح2894)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج 5/ص325/ح22821)، وأبو بكر البزار، والعقيلي؛ وكذلك ابن أبي شيبة في مصنفه (ج7/ص526/ح37721)، من طريق أخرى مستقلة عن سابقاتها، في قصة مع عثمان بن عفان؛ ومن نفس طريق ابن أبي شيبة أخرجه كذلك البخاري في «التاريخ الكبير»، وأخرجه الحاكم في المستدرك (ج3/ص403/ح5531)؛ والشاشي في مسنده (ج3/ص223/ح1326)؛ وغيرهم.

وإسناد الإمام احمد حسن جيد بذاته، قوي، صالح للاحتجاج، بمتابعاته عند عبد الله بن أحمد في زوائده، والحافظ الشاشي في مسنده، والإمام الحافظ البزار في مسنده، والإمام الحاكم في «مستدركه» بأكثر من طريق. ومقالة عبادة بن الصامت، رضي الله عنه، والمناسبة التي روى فيها كلام النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، جاءت من طرق كثيرة، كما هو في الملحق؛ فالحديث، حديث عبادة، بن الصامت حسن صحيح، تقوم به الحجة، قطعاً، بشواهده ومتابعاته. وقد صححه الألباني في صحيح الجامع الصغير، وكذلك في سلسلة الاحاديث الصحيحة.

 

قوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، في حديث عبادة بن الصامت هذا: «لا طاعة لمن عصى الله عز وجل» قطعي الدلالة كذلك في سقوط طاعة «من عصى الله»، أي سقوط ولاية الفاسق، وتحريم طاعته، كما ذكرناه سابقاً في حديث عبد الله بن مسعود، وحررناه في غير هذا الموضع.

ــ وقد جاء حديث عبادة بن الصامت، رضي الله عنه، بلفظ: [قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «سيكون أمراء من بعدى يأمرونكم بما تعرفون، ويعملون ما تنكرون، فليس أولئك عليكم بأئمة»]، رواه الطبراني بإسناد صحيح على شرط ابن حبان؛ وقال الهيثمي: (رواه الطبراني، وفيه الأعشى بن عبد الرحمن ولم اعرفه، وبقية رجاله ثقات)؛ قلت: الأعشى بن عبد الرحمن بن مكمَل يروي عن: الأزهر بن عبد الله عن عبادة بن الصامت وعثمان بن عفان. روى عنه: شريك بن أبي نمر؛ وترجم له ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ((2/339))، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا؛ وذكره ابن حبان في "الثقات" ((6/80))؛ وترجم له أبو الفداء زين الدين قاسم بن قُطْلُوْبَغَا في "الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة" (2/437/1724).

وهذا الحديث قطعي الدلالة كذلك على بطلان إمامة الفاسق، بل هو أظهر وأبين في الدلالة على ذلك من الألفاظ السابقة!

 

* وجاء في مسند الإمام أحمد [مخرجا (20/441/13225)]: [حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ (بَصْرِيٌّ)، حَدَّثَنَا يَحْيَى (يَعْنِي ابْنَ أَبِي كَثِيرٍ)، قَالَ عَمْرُو بْنُ زُنَيْبٍ الْعَنْبَرِيُّ: إِنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ مُعَاذًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ لَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِكَ، وَلَا يَأْخُذُونَ بِأَمْرِكَ، فَمَا تَأْمُرُ فِي أَمْرِهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «لَا طَاعَةَ لِمَنْ لَمْ يُطِعِ اللَّهَ»]؛

ــ وبهذا الاسناد اخرجه أبو يعلى في مسنده (ج 7/ص102/ح4046)، حيث قال: [حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَرْبٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُنَيْبٍ، قَالَ: إِنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، حَدَّثَهُ، أَنَّ مُعَاذًا رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ لاَ يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِكَ، وَلاَ يَأْخُذُونَ بِأَمْرِكَ، فَمَا تَأْمُرُنَا فِيهِمْ؟ قَالَ: (لاَ طَاعَةَ لِمَنْ لَمْ يُطِعِ اللَّهَ)]؛ وكذا منسوباً بعينه إلى أبي يعلى في المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية (2/313/2202)؛

ــ وهو في التاريخ الكبير للبخاري [بحواشي محمود خليل (6/332/2558)]: [(عَمرو بْن زَينَب) - قَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبي عَمرو: حدَّثنا أَبي، سَمِعَ إِبراهيم، عَنْ حَجّاج بن حَجّاج، عن عَمرو ابن زَينَب، سَمِعَ أَنَسًا، رضي الله عَنْهُ، قَالَ النَّبيُّ، صلى الله عليه وسلم: (لاَ طاعَةَ لِمَن عَصَى اللهَ، عَزَّ وجَلَّ)]، كذا (زَينَب)، وهو تصحيف لـ(زُنَيْب

ــ وهو في التاريخ الكبير للبخاري [بحواشي محمود خليل (6/332/2558)]: [(عَمرو بْن زَينَب) - وَقَالَ ابْن مَنصور: حدَّثنا عَبد الصَّمد، حدَّثنا حَرب، حدَّثنا يَحيى بْن أَبي كَثِير، حدَّثني عَمرو بْن زَينَب العَنبَريّ، سَمِعَ أَنَسًا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبيِّ، صلى الله عليه وسلم]،

ــ وهو في التاريخ الكبير للبخاري [بحواشي محمود خليل (6/332/2558)]: [(عَمرو بْن زَينَب) - وَقَالَ ابن أَبي هَاشِمٍ: حدَّثنا ابْنُ عُلَيَّة، عَنْ عَلِيِّ بْن المُبارك، حدَّثنا يَحيى بْن أَبي كَثِير، سَمِعَ عَمرو بْن فُلان العَنبَريّ، حَدَّثَهُ، سَمِعَ أَنَسًا، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبيِّ، صلى الله عليه وسلم]؛

ــ وهو في التاريخ الكبير للبخاري[بحواشي محمود خليل (6/332/2558)]: [(عَمرو بْن زَينَب) - وَقَالَ حَجّاج: حدَّثنا عَبد الصَّمد، حدَّثنا حَرب، حدَّثنا يَحيى، حدَّثنا عَمرو بْن زَينَب]؛

 

وذكر البخاري لعمرو بن زنيب في الكبير، وعدم ذكره في (الضعفاء الصغير) توثيق للرجل، كما لا يخفى على أهل هذا الفن، وذكره ابن حبان في الثقات (5/174/4432)؛ وهو في الثقات ممن لم يقع في الكتب الستة (7/344/8396): [(عمرو بن زُنَيْب - يروي عن أنس بن مالك، روى عنه الحجاج بن الحجاج الأسلمي، وهو الذي يروي عنه يحيى بن أبي كثير ويقول: عمرو بن بلال الغنوي]؛ كذا في المطبوعة: (بن بلال الغنوي)، والصحيح: (بْن فُلان العَنبَريّ)؛ وجاء في الجرح والتعديل (3/232/1290): [عمرو بن زنيب روى عن انس ان النبي، صلى الله عليه وسلم، قال لا طاعة لمن عصى الله عز وجل، واختلفوا فيه سمعت ابى يقول ذلك]، قوله: (واختلفوا فيه) يعني في اسمه، لأن بعضهم قال: (زبيب)، مثل زبيب العنب؛ وبعضهم قال: (زينب)، اسم امرأة؛ وقيل أيضاً في نسبته: الغنوي والغبري: فالحديث بهذا الإسناد حسن بذاته، صحيح على شرط ابن حبان، ومتنه نظيف مستقيم، فهو قطعاً صحيح، تقوم به الحجة، بشواهده، ومتابعاته، وقد صححه الألباني في «صحيح الجامع الصغير)؛ وقد فصلنا ذلك في الملحق.

 

قوله عليه الصلاة والسلام في حديثنا هذا: «لا طاعة لمن لم يطع الله عز وجل» قطعي الدلالة كذلك في سقوط طاعة «من لم يطع الله» أي سقوط ولاية الفاسق، وحرمة طاعته، كما هو الحال في حديث عبد الله بن مسعود، وعبادة بن الصامت.

 

* وعن ابى عِنَبة الخولاني، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا تحرجوا أمتي، (قالها ثلاث مرات)! اللهم من أمر أمتي بما لم تأمرهم به، فإنهم منه في حل». أخرجه الطبراني في «مسند الشاميين (ج2/ص19/ح841)، والحارث/الهيثمي في مسنده (الزوائد) (ج2/ص639/ح610)، والخطيب في تاريخ بغداد، وابن عساكر في تاريخ دمشق، وهو حديث حسن، صحيح على شرط ابن حبان، قوي صحيح تقوم به الحجة بشهادة الأحاديث السابقة.

 

قوله عليه الصلاة والسلام: «...، فأنهم منه في حل» قطعي الدلالة كذلك في سقوط إمارة الفاسق، لأن المقصود هو أنهم في حل من طاعته، أو في حل من إمارته، أو في حل من بيعته، أو نحو ذلك مما لا يحتمل سوى سقوط الولاية، لأن الكلام متعلق بذات الأمير، الذي يعود إليه الضمير في «منه»، وليس هو عائد إلى الأمر، كما هو في نحو قوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة»، الذي سوف يأتي قريباً.

 

* وقال الإمام العقيلي في الضعفاء الكبير: [حدثنا جعفر بن أحمد بن عاصم الأنطاكي قال: حدثنا هشام بن عمار قال: حدثنا اسماعيل بن عياش، قال: حدثنا عبد العزيز بن عبيد الله بن حمزة بن صهيب عن شهر بن حوشب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (إنه سيكون بعدي أمراء يعرفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لهم عليكم»].

ــ وأخرجه بنحوه الإمام الطبراني في مسند الشاميين (ج2/ص282/ح1344): [حدثنا أحمد بن المعلى الدمشقي حدثنا هشام بن عمار حدثنا إسماعيل بن عياش عن عبد العزيز بن عبيد الله عن شهر بن حوشب عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (إنه كائن بعدي أمراء يعرفون فيكم ما تنكرون وينكرون ما تعرفون، فلا طاعة لهم)]؛ ولكن عبد العزيز بن عبيد الله بن حمزة بن صهيب، قال عنه في «التقريب»: (ضعيف، لم يروِ عنه غير اسماعيل بن عياش)، وهو كالمجمع على ضعفه من ناحية حفظه، ولكن المتن مستقيم تشهد له متون الأحاديث الثابتة السابقة، وكذلك جمهور نصوص الكتاب والسنّة، فلعل عبد العزيز بن عبيد الله قد حفظ ها هنا، فالحديث إذن حسن لغيره. وهو قطعي الدلالة كذلك في سقوط إمارة الفاسق.

 

* وجاء في التفسير من سنن سعيد بن منصور [مخرجا - (4/1286/651)] بإسناد صحيح: [حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَلِمَاتٍ أَصَابَ فِيهِنَّ: «حَقٌّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنْ يُؤَدِّيَ الْأَمَانَةَ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَحَقٌّ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَسْمَعُوا لَهُ، وَأَنْ يُطِيعُوا، وَأَنْ يُجِيبُوا إِذَا دُعُوا»]؛ وهو في طبعة الشاملة لسنن سعيد بن منصور (2/285/620 ، بترقيم الشاملة آليا)؛ وهو في تفسير ابن المنذر (2/763/1922) من طريق سَعِيدٌ بن منصور بعينه؛ وفي مصنف ابن أبي شيبة (6/418/32532)؛ وفي مصنف ابن أبي شيبة (235) (12/213/33199)؛ وفي السنة لأبي بكر بن الخلال (1/57/51، بترقيم الشاملة آليا)؛ والأموال لابن زنجويه (1/74/31)؛ وتفسير الطبري [جامع البيان ت شاكر (8/490/9841)]؛ وتفسير ابن أبي حاتم (4/217/5557)؛ وتفسير ابن أبي حاتم [محققا (3/986/5520)]؛ وفي الاستذكار لابن عبد البر (7/298)؛ ولعله في غيرها.

ــ وكذا بأحرفه في عامة كتب الإمامية، فهو – مثلاً - في ميزان الحكمة (1/232): [الإمام علي (عليه السلام): حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، وأن يؤدي الأمانة، فإذا فعل: فحق على الناس أن يسمعوا له وأن يطيعوا وأن يجيبوا إذا دعوا]؛

ــ وهو في مسند زيد بن علي (2/137) بإسناد آخر، وبلفظ فيه زيادات: [حدثني زيد بن علي عن ابيه عن جده عن علي (ع م) قال: (حق على الامام ان يحكم بما انزل الله وان يعدل في الرعية فإذا فعل ذلك: فحق عليهم ان يسمعوا وان يطيعوا وان يجيبوا إذا دعوا؛ وايما امام لم يحكم بما انزل الله فلا طاعة له)]؛

قلت: مفهوم هذا أنه إنما يجب على الناس طاعة هذا الإمام محل النظر فقط إذا حكم بما أنزل الله، وأدى الأمانة: فإن لم يفعل فليس مستحقاً للطاعة (بشخصه)، وهذا يقتضي سقوط الولاية: فهذ إذاً هو فهم إمام الهدي، الخليفة الراشد، أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب، رضوان الله وسلامه عليه.

 

فصل: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»

أما أحاديث «إنما الطاعة في المعروف»، وكذلك: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، وما هو في معناها فكثيرة متواترة، منها:

* ما أخرج أبو داود في سننه (ج3/ص40/ح2625) عن علي بن أبي طالب، رضوان الله وسلامه عليه: [حدثنا عمرو بن مرزوق أخبرنا شعبة عن زبيد عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعث جيشاً وأمَّر عليهم رجلاً، وأمرهم أن يسمعوا ويطيعوا، فأجج ناراً وأمرهم أن يقتحموا فيها، فأبى قوم أن يدخلوها، وقالوا: (انما فررنا من النار). واراد قوم أن يدخلوها، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: «لو دخلوها، أو دخلوا فيها، لم يزالوا فيها»، وقال: «لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف»، حديث صحيح، غاية في الصحة، أخرجه بنحوه الإمام البخاري في صحيحه ج4/ص1578/ح4085، ج6/ص2613/ح6726، ج6/ص2650/ح6830؛ ومسلم في صحيحه ج3/ص1469/ح1840، ج3/ص1470/ح1840؛ والنسائي في سننه ج7/ص200/ح4205؛ والنسائي في سننه الكبرى ج4/ص434/ح7828، ج5/ص221/ح8721؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج1/ص82/ح622، ج1/ص94/ح724، ج1/ص124/ح1018؛ والبيهقي في سننه الكبرى ج8/ص156/ح20386؛ وأبو يعلى في مسنده ج1/ص309/ح378، ج1/ص455/ح611؛ وابن الجعد في مسنده ج1/ص140/ح894؛ والطيالسي في مسنده ج1/ص17/ح109، إلا أن الطيالسي زاد: «لا طاعة [لبشر] في معصية الله،... إلخ».

 

* وأخرج البخاري في صحيحه (ج3/ص1080/ح2796) عن بن عمر رضي الله عنهما، بأصح أسانيد الدنيا: [حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن عبيد الله قال: حدثني نافع عن بن عمر رضي الله عنهما عن النبي، صلى الله عليه وسلم، وحدثني محمّد بن صباح حدثنا إسماعيل بن زكريا عن عبيد الله عن نافع عن بن عمر رضي الله عنهما عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (السمع والطاعة حق ما لم يؤمر بالمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)]؛ وأخرجه البخاري في صحيحه ج6/ص2612/ح6725؛ ومسلم في صحيحه ج3/ص1469/ح1839؛ والنسائي في سننه ج7/ص200/ح4206؛ والترمذي في سننه ج4/ص210/ح1707؛ وابن ماجه في سننه ج2/ص956/ح2864؛ وأبو داود في سننه ج3/ص41/ح2626؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج2/ص17/ح4668، ج2/ص142/ح6278؛ والنسائي في سننه الكبرى ج4/ص434/ح7829، ج5/ص221/ح8720؛ والبيهقي في سننه الكبرى ج3/ص127/ح5117، ج8/ص156/ح20385؛ وعبد بن حميد في مسنده ج1/ص244/ح752؛ وابن الجارود في المنتقى ج1/ص260/ح1041؛ والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه ج6/ص543/ح33707؛ وغيرهم؛ وأكثرهم ذكره بلفظ: (على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة).

 

* وأخرج ابن ماجه في سننه (ج2/ص955/ح2863) عن أبي سعيد الخدري: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا يزيد بن هارون حدثنا محمّد بن عمرو عن عمر بن الحكم بن ثوبان عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعث علقمة بن مجزز على بعث، وأنا فيهم. فلما انتهى إلى رأس غزاته، أو كان ببعض الطريق، استأذنه طائفة من الجيش، فأذن لهم، وأمَّر عليهم، عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي، فكنت فيمن غزا معه. فلما كان ببعض الطريق أوقد القوم ناراً ليصطلوا أو ليصنعوا عليها صنيعاً: فقال عبد الله، وكانت فيه دعابة: (أليس لي عليكم السمع والطاعة؟) قالوا: (بلى). قال: (فما أنا بآمركم بشيء إلا صنعتموه؟) قالوا: (نعم). قال: (فأني أعزم عليكم إلا تواثبتم في هذه النار!). فقام ناس فتحجزوا، فلما ظن أنهم واثبون، قال: (أمسكوا على أنفسكم! فإنما كنت أمزح معكم!)، فلما قدمنا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من أمركم منهم بمعصية الله فلا تطيعوه»]، حديث صحيح وأخرجه ابن حبان في صحيحه (ج10/ص422/ح4558)؛ والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج6/ص543/ح33708)، (ج7/ص348/ح36632)؛ وغيرهم.

قلت: هذا يتعلق بالأمر، وليس بذات الأمير، فقوله: «فلا تطيعوه»»، يعني في ذلك الأمر المعين على كل حال، بغض النظر عن بقاء ولايته أو سقوطها، وهذا هو كذلك معنى الأحاديث التالية.

* أخرج تمام في «الفوائد» عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «طاعة الإمام حق على المرء المسلم، ما لم يأمر بمعصية الله عز وجل، فإذا أمر بمعصية الله، فلا طاعة له»، وهذا حديث صحيح أيضاً، استوفينا دراسة إسناده في الملحق.

 

* وأخرج الإمام الحاكم في مستدركه (ج3/ص501/ح5870): [حدثنا الشيخ أبو بكر أحمد بن إسحاق أخبرنا علي بن عبد العزيز حدثنا حجاج بن منهال أخبرنا حماد بن سلمة حدثنا حميد ويونس وحبيب بن الشهيد عن الحسن أن زيادا استعمل الحكم بن عمرو الغفاري على جيش فلقيه عمران بن حصين في دار الإمارة فيما بين الناس فقال له: (أتدري في ما جئتك؟! أما تذكر أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لما بلغه الذي قال له أميره قم فقع في النار فقام الرجل ليقع فيها فأدركه فأمسكه، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم، لو وقع فيها لدخل النار: لا طاعة في معصية الله)، قال الحكم: (بلى)، قال عمران: (إنما أردت أن أذكرك هذا الحديث)]؛ ثم قال الإمام الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)، وهو كما قال في غاية الصحة، لا سيما بالمتابعات والطرق الأخرى الصحيحة؛ وأخرجه الطبراني في معجمه الكبير (ج18/ص150/ح324)، (ج18/ص171/ح385)، (ج3/ص211/ح3159)؛ وغيرهم.

ــ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج5/ص66/ح20672): [حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن محمّد قال: استعمل الحكم بن عمرو الغفاري على خراسان قال: فتمناه عمران بن حصين حتى قيل له: (يا أبا نجيد ألا ندعوه لك؟!)، قال: (لا)، فقام عمران بن حصين فلقيه بين الناس، قال: (تذكروا يوم قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لا طاعة لمخلوق في معصية الله؟!)، قال: (نعم!)، قال عمران: (الله أكبر!)]؛ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج4/ص432/ح19893، ج5/ص66/ح20675، ج5/ص67/ح20678؛ والطيالسي في مسنده ج1/ص115/ح856؛ والطبراني في معجمه الكبير ج3/ص211/ح3200، ج18/ص184/ح432، ج18/ص184/ح433، ج18/ص185/ح434، ج18/ص185/ح438؛ وابن أبي عاصم عمرو الشيباني في الآحاد والمثاني ج2/ص263/ح1017؛ وغيرهم.

ــ وأخرجه الإمام أبو داود الطيالسي في مسنده (ج1/ص114/ح850): [حدثنا شعبة عن قتادة سمع أبا مراية عن عمران بن حصين أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (لا طاعة في معصية الله عز وجل)]؛ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج4/ص426/ح19837، ج4/ص427/ح19845، ج4/ص436/ح19918؛ والطبراني في معجمه الكبير ج18/ص229/ح570؛ وغيرهم.

ــ فهذا نقل تواتر عن عمران بن حصين، رضي الله عنه؛ وقد نفع الله الحكم بن عمرو الغفاري، رضي الله عنه، بهذا التذكير حيث أخرج الحارث/الهيثمي في مسنده (الزوائد) (ج2/ص689/ح673): [حدثنا سعيد بن عامر عن هشام عن محمّد بن سيرين أن زيادا استعمل الحكم بن عمرو الغفاري على خراسان ففتح الله عليه فجاء كتاب زياد: (أما بعد فان أمير المؤمنين كتب أن يصطفى له الصفراء والبيضاء)، قال: فكتب اليه جاءني كتابك يذكر أن أمير المؤمنين كتب أن يصطفى له الصفراء والبيضاء، واني وجدت كتاب الله قبل كتاب أمير المؤمنين وإنه والله لو كانت السماوات والأرض على عبد ثم أتقى الله لجعل له منها مخرجا والسلام عليك ثم قال للناس: اغدوا على فيكم فقسمه بينهم].

 

* وأخرج الإمام النسائي في سننه (ج7/ص111/ح4077)، في سننه الكبرى (ج2/ص306/ح3540)، بإسناد صحيح: [أخبرني أبو داود قال: حدثنا عفان قال: حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا يونس بن عبيد عن حميد بن هلال عن عبد الله بن مطرف بن الشخير عن أبي برزة الأسلمي أنه قال: كنا عند أبي بكر الصديق فغضب على رجل من المسلمين فاشتد غضبه عليه جداً فلما رأيت ذلك قلت: يا خليفة رسول الله أضرب عنقه فلما ذكرت القتل أضرب عن ذلك الحديث أجمع إلى غير ذلك من النحو؛ فلما تفرقنا أرسل إلي فقال: (يا أبا برزة: ما قلت؟!)، ونسيت الذي قلت، قلت: (ذكرنيه!)، قال: (أما تذكر ما قلت؟!)، قلت: (لا والله!)، قال: (أرأيت حين رأيتني غضبت على رجل فقلت أضرب عنقه يا خليفة رسول الله أما تذكر ذلك، أو كنت فاعلا ذلك؟!)، قلت: (نعم والله، والآن إن أمرتني فعلت!)، قال: (والله ما هي لأحد بعد محمّد، صلى الله عليه وسلم)]؛ وقال الإمام أبو عبد الرحمن النسائي: (هذا الحديث أحسن الأحاديث وأجودها والله تعالى أعلم)؛ وأخرجه أبو داود في سننه ج4/ص130/ح4363؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج1/ص10/ح61؛ وأبو يعلى في مسنده ج1/ص83/ح79؛ وغيرهم.

ــ وأخرجه الإمام النسائي في سننه (ج7/ص110/ح4075)، وفي سننه الكبرى (ج2/ص305/ح3538) مختصراً، مع تقصير في الإسناد: [أخبرنا معاوية بن صالح الأشعري قال: حدثنا عبد الله بن جعفر قال: حدثنا عبيد الله عن زيد عن عمرو بن مرة عن أبي نضرة عن أبي برزة قال: [غضب أبو بكر على رجل غضبا شديداً حتى تغير لونه. قلت: (يا خليفة رسول الله! والله، لئن أمرتني لأضربن عنقه!)، فكأنما صب عليه ماء بارد فذهب غضبه عن الرجل؛ قال: (ثكلتك أمك أبا برزة! وإنها لم تكن لأحد بعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم!)]. ولكن قال الإمام أبو عبد الرحمن النسائي: (هذا خطأ: والصواب أبو نصر واسمه حميد بن هلال، خالفه شعبة)]؛ أخرجه النسائي في سننه ج7/ص110/ح4076؛ والنسائي في سننه الكبرى ج2/ص306/ح3539؛ وأبو يعلى في مسنده ج1/ص84/ح80؛ والطبراني في معجمه الأوسط ج2/ص29/ح1129؛ وغيرهم.

ــ وأخرجه الإمام الطيالسي في مسنده (ج1/ص3/ح4) مختصراً، من طريق أخرى بإسناد صحيح: [حدثنا شعبة عن توبة العنبري قال: سمعت أبا السوار العدوي يحدث عن أبي برزة قال: كنت عند أبي بكر رضي الله عنه وهو يوعد رجلا فأغلظ له فقلت ألا أضرب عنقه فقال أبو بكر: إنها ليست لأحد بعد النبي، صلى الله عليه وسلم]؛ وأخرجه البيهقي في سننه الكبرى ج7/ص60/ح13155؛ وأبو يعلى في مسنده ج1/ص84/ح82؛ وغيرهم.

ــ وأخرجه الإمام الطبراني في معجمه الأوسط (ج5/ص307/ح5392) من طريق ثالثة: [حدثنا محمّد بن احمد بن أبي خيثمة قال: حدثنا محمد بن يوسف بن ابي معمر قال: حدثنا عبدالله بن محمّد بن المغيرة قال: حدثنا مالك بن مغول عن عمرو بن مرة عن ابي البختري عن ابي برزة الاسلمي قال: غضب ابو بكر رضى الله عنه على رجل فقلت: اضرب عنقه، فقال: ما كانت لاحد بعد محمّد، صلى الله عليه وسلم].

 

* وأخرج الحاكم في مستدركه (ج4/ص564/ح8584): [حدثنا أبو حفص أحمد بن حنبل الفقيه ببخارى حدثنا صالح بن محمّد بن حبيب الحافظ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة قال: سمعت سفيان بن سعيد يقول: أنبأ الأعمش أنبأ أبو عمار عن صلة بن زفر عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، قال: «يكون عليكم أمراء يتركون من السنّة مثل هذا (وأشار إلى أصل إصبعه، يريد التقليل)، وإن تركتموهم جاؤوا بالطامة الكبرى! وإنها لم تكن أمة إلا كان أول ما يتركون من دينهم السنّة، وآخر ما يدعون الصلاة، ولولا أنهم يستحيون ما صلّوا»، هذا حديث صحيح، وقال الحاكم: (على شرط الشيخين، ولم يخرجاه)، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.

ــ وأخرجه الطبراني في معجمه الكبير (ج9/ص299/ح9497): [حدثنا الحسين بن جعفر القتات حدثنا منجاب بن الحارث حدثنا علي بن مسهر عن الأعمش عن أبي عمار عن صلة بن زفر عن عبد الله قال: (إنه سيكون أمراء يدعون من السنة مثل هذه، فإن تركتموها جعلوها مثل هذه، فإن تركتموها جاؤوا بالطامة الكبرى)]

والحديث، وإن كان ظاهره الوقف، إلا أنه في حكم المرفوع قطعاً، وإلا لكان عبد الله بن مسعود مدعياً للنبوة أو لعلم الغيب، حاشاه، وفيه الحث، صراحة، على الأخذ على يد الحكام عند أدنى انحراف، فلا يجوز تركه وشأنه، وإقراره على ولايته، وإلا فالطامة الكبرى. وصدق الله ورسوله: لما تقاعست الأمة عن ذلك: َضُرِبَتْ عَلَيْهِا الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ، وأصابها في ماضيها، وحاضرها ما ترى بعيني رأسك، لا ما تسمعه رواية، أو يصلك بلاغاً، فحسب؛ والأمل في الله كبير أن لا تكون قد َباءَتْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ، معاذ الله، معاذ الله، معاذ الله!

وهناك أحاديث أخرى، ولعل فيما أوردناه غنية، وفي هذه الأدلة تقييد للنصوص الأخرى المطلقة التي أمرت بطاعة الأمراء والحكام بإطلاق.

 

فصل: مشروعية منازعة الحاكم بالسلاح

أما مشروعية منازعة الحاكم بالسلاح ، حال إظهاره الكفر البواح، أو تركه إقامة الصلاة، أي: إقامة الدين، فلها باب مستقل في كتابنا: (الحاكمية، وسيادة الشرع)، فلتراجع، ورأسها حديث (الكفر البواح):

* عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ــ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم». حديث غاية في الصحة، مجمع على صحته، أخرجه البخاري، ومسلم، وأحمد، والطبراني، وغيرهم، من طرق كثيرة، تفيد القطع واليقين.

البواح: الظاهر، البادي، الذي لا خفاء فيه. من قولهم: باح بالشيء، يبوح به، بوحاً، وبواحاً، إذا أظهره، وأذاعه، وجاهر به. ووقع في رواية للطبراني: «كفراً صراحاً»، وهو بنفس المعنى.

ووقع في روايات أخرى صحاح: «إلا أن يكون معصية الله بواحاً»، أو «ما لم يأمروك بإثم بواحاً».

وقال النووي: (المراد بالكفر هنا المعصية، ومعنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم، إلا أن تروا منهم منكراً محققا تعلمونه من قواعد الإسلام)، واستدرك عليه الحافظ في «الفتح»، عند شرح الحديث في «كتاب الفتن» من الجامع الصحيح، وأورد أقوالاً أخرى في الخروج على الحاكم، كما ناقش سقوط ولاية الفاسق، وقد أشبعنا ذلك بحمد الله بحثاً في كتابنا: «طاعة أولي الأمر: حدودها وقيودها»، وحررناه للغاية، ولله الحمد والمنة، فليراجع!

 

* وجاء حديث عبادة بن الصامت في «مسند الشاميين» من طريق أخرى بزيادات مفيدة: [حدثنا محمّد بن أبي زرعة الدمشقي حدثنا هشام بن عمار (ح) وحدثنا بن دحيم حدثنا أبي قالا: حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا بن ثوبان حدثني عمير بن هانئ عن جنادة بن أبي أمية عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «عليك بالسمع والطاعة في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك، ولا تنازع الأمر أهله، وإن رأيت أنه لك»، قال عمير: فحدثني خضير أو حضير السلمي أنه سمع من عبادة بن الصامت عن النبي، صلى الله عليه وسلم، وزاد: «إلا أن يأمرك بإثم بواحا عندك تأويله من الكتاب»، قال خضير أو حضير قلت لعبادة: (فإن أنا أطعته؟!)، قال: (يؤخذ بقوائمك فتلقى في النار، وليجيء هو فلينقذك!)]، قلت: هذا إسناد حسن جيد بذاته أيضاً، تقوم به الحجة، صحيح بشواهده ومتابعاته كما هي عند البخاري، ومسلم، وأحمد، وابن حبان وغيرهم. وخضير السلمي من كبار التابعين، ليس به بأس من ثقات ابن حبان، يروي عن عبادة بن الصامت وكعب الأحبار، وله ترجمة عند البخاري حيث سماه حضير السلمي، بالحاء المهملة.

 

فطاعة المخلوق في معصية الله إذاً جريمة كبرى، ومنكر عظيم (لما في ذلك من المفسدة الموبقة في الدارين أو أحدهما) كما قيل، والمطيع هنا له حكم الآمر فهما شريكان في الإثم، الذي ربما يصل إلى حد الردة والكفر، عياذاً بالله.

 

وهل فشا الضلال والفساد في الأرض إلا بمتابعة الضعفاء للكبراء والسادة؟ وسيتذكر هؤلاء الاتباع في الأخرة فساد هذه المتابعة العمياء، وأنهم مجرمون، كما روى الله حوارهم اليائس الأخير: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾، (سبأ؛ 34: 31 - 34). ثم الحوار بعد صدور الحكم بدخول النار: ﴿وَبَرَزُواْ لِلّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ * وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، (إبراهيم؛ 14: 21-22)، كما حكى عنهم وهم يتقلبون، بعد ذلك، في نار الجحيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لَّا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً * يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾، (الأحزاب؛ 33: 64-68)،. بل لقد قال الشوكاني في فتح القدير: (والمراد بالسادة والكبراء: الرؤساء والقادة الذين كانوا يمتثلون أمرهم في الدنيا ويقتدون بهم، وفي هذا زجر عن التقليد شديد).

 

فصل: الشرع مهيمن حتى على العلاقات الدولية

* لما وصل الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى المدينة عقد مع اليهود اتفاقاً دولياً جاء فيه: «وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يُخَاف فساده فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمّد رسول الله».

 

* ولما تم ابرام عقد الصلح بين المسلمين والكفار يوم الحديبية تبين أن الرأي العام للمسلمين كان ضد هذا الصلح، لأنهم رأوا فيه اذلالاً لهم، فأظهروا الرفض لما قام به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد عبر الفاروق عمر، رضي الله عنه، لرفض الأمة للصلح، حين وثب رضي الله عنه فأتى أبا بكر رضي الله عنه فقال: يا أبابكر أو ليس برسول الله؟ السنا بالمسلمين؟ أو ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه: الزم غرزه حيث كان فأني أشهد أنه رسول الله، فقال عمر: وأنا أشهد، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: يا رسول الله، أولسنا بالمسلمين؟ أو ليسوا بالمشركين؟ قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره ولن يضيعني» كما رواه أصحاب الصحاح كالبخاري ومسلم، وغيرهما.

 

وقد كان موقف عمر رضي الله عنه أصدق تعبير عن معارضة الأمة لرسول الله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، لأنه قبل ــ وفق نظرة المسلمين إلى ظاهر عقد الصلح ــ شروطاً مذلة من أعداء الدولة الإسلامية.

 

وقد أكد المعارضة عملياً عدم استجابتهم لأمر رسول الله عليه وعلى آله الصلاة والسلام بالامتناع عن الذبح حين أمرهم بذلك، فغضب حتى شكا إلى زوجته، أم المؤمنين، أم سلمة، رضوان الله وسلامه عليها، فقالت: (يا رسول الله اخرج وانحر واحلق فإنهم متابعوك)، فخرج ونحر وحلق رأسه. ففِعله هذا مع قوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره ولن يضيعني» يؤكد أن اتفاقية «الحديبية» لم تكن من باب المعاهدات المباحة، التي أناط الشرع بالإمام أن يعقدها باجتهاده وفق المصلحة، وبمشورة الأمة، وموافقتها، وإنما كانت بأمر الله، وفق وحي خاص جاء بها، فلا يجوز القياس عليها، ولا التعاقد على مثلها، إلا بدليل وبرهان من غيرها!

 

فصل: وجوه دلالة القرآن والسنة على حصر السيادة في الشرع مطلقاً.

ذكرنا أعلاه نصوصاً من كتاب الله قطعية الثبوت والدلالة لا مجال لإنكارها، كلها تصب في مقولة واحدة بكل جلاء، مفادها أن السيادة للشرع، لا للعقل؛ لله تبارك وتعالى، لا للإنسان.

 

وكما أرشد القرآن بنصوص كثيرة إلى أن السيادة للشرع، وليست للإنسان، ولا للشعب، ولا للعقل، فالسنّة أيضاً قد أرشدت إلى ذلك، عملاً وقولاً، كما ذكرنا طرفاً يسيرا من ذلك أعلاه. وطرق دلالة هذه الآيات والأحاديث على حصر السيادة في الشرع مطلقاً من عدة وجوه، سوف نشبعها، إن شاء الله، تفصيلاً في الفروع المستقلة الآتية.

 

فرع: الوجه الأول: وجوب طاعة الله ورسوله مطلقاً.

وذلك واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، بضرورة الحس والعقل فوجوب (طاعة الله ورسوله مطلقاً) هو (حكم العقل) الذي أكده الشرع، وزاد بأن جعله أيضاً (حكم الشرع) في مثل الآيات المستشهد بها أعلاه، مثل:

ــ قوله، تباركت أسماؤه: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾، وقوله: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم، وقوله: ﴿وما أتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا، واتقوا الله، إن الله شديد العقاب، مع الوعيد المرعب الرهيب على معصية الله ورسوله، في مثل:

ــ قوله، تباركت أسماؤه: ﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا، وقوله: ﴿تلك حدود الله، ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، وذلك الفوز العظيم، ومن يعصى الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارًا خالدًا فيها وله عذابٌ مهين.

وهو كذلك مستفاد من آية الأمراء. بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ أمر، وقد تضمن النص قرينة جازمة مؤكدة بصرف الأمر إلى الوجوب القاطع، وذلك بالوعيد المغلظ الشديد، المذكور أعلاه، وكذلك بربط الطاعة بالإيمان بالله واليوم الآخر، مما يفيد أيضاً نفي الإيمان بمفهوم المخالفة عمن لا يطيع الله ولا رسوله بقوله تعالى: ﴿إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر.

 

* يقول الإمام الشهيد سيد قطب، رضي الله عنه: [في هذا النص القصير بينّ الله سبحانه شرط الإيمان، ووحدة الإسلام، وقاعدة النظام الأساسي في الجماعة المسلمة، وقاعدة الحكم، ومصدر السلطان. وكلها تبدأ وتنتهي عند التلقي من الله وحده، والرجوع إليه فيما لم ينص عليه نصاً من جزئيات الحياة التي تعرض في حياة الناس على مدى الأجيال، مما تختلف العقول والآراء والأفهام، ليكون هنالك الميزان الثابت الذي ترجع إليه العقول والآراء والأفهام ... إن الحاكمية لله وحده في حياة البشر ما جَلَّ منها وما دق،...، والله واجب الطاعة، فشريعته واجبة التنفيذ ...، والإيمان يتعلق ــ وجوداً وعدماً ــ بهذه الطاعة، وهذا التنفيذ ــ بنص القرآن الكريم ــ ﴿إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر].

 

* وقال الإمام ابن أبي العزّ الحنفي، رحمه الله، في «شرح الطحاويّة»، (ص:200)، في معرِض ذِكرِ ما يجب على الأمّة تجاه نبيّها، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: [فنوحّده بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان، كما نوحّد المرسِلَ بالعبادة والخضوع والذلّ والإنابة والتوكّل، فهما توحيدان، لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما: توحيد المرِسل، وتوحيد متابعة الرسول، فلا نحاكم إلى غيره، ولا نرضى بحُكم غيره].

وآية الأمراء من آيات الأحكام التي تتعلق مباشرة بنظام الحكم، ذلك بأنها أمرت أيضاً بطاعة أولي الأمر، فالأمر بمطلق الطاعة يحتم بالضرورة عدم طاعة ما سوى ذلك، وطاعة الله لا تتحقق إلا بتنفيذ كل ما أمر به واجتناب كل ما نهى عنه، فيكون الشرع هو صاحب «السيادة»، أي: «الربوبية»، في الحياة، ولا سيادة لغيره مطلقاً.

 

فرع: الوجه الثاني: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق

لقد دلت النصوص المتواترة من الكتاب والسنّة على وجوب طاعة الحكام الشرعيين، وأن معصيتهم حرام، ولكن الطاعة، الواجب على الأمة التقيد بها، ليست طاعة مطلقة، إنما هي طاعة في حدود رسم الشارع دائرتها، وحدد شروطها وحدودها وقيودها، أي في حدود الشرع، كما فصلناه في كتابنا: «طاعة أولي الأمر: حدودها وقيودها».

 

وقد نصت آية الأمراء على وجوب الطاعة للحكام الشرعيين، بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً، (النساء؛ 4: 59). والطاعة أمر أساسي لوجود الانضباط في الدولة، ولصيانة وحدة الأمة. فالله سبحانه أمر بالطاعة، فيما يظهر، لأول وهلة، أنه طاعة مطلقة غير مقيدة، إلا أنه ألمح إلى إمكانية وقوع الخلاف والنزاع، وبيّن كيف يكون الرد في تلك الحالة. فطاعة أولي الأمر هذه ليست لذاتها، وإنما هي بناء على أمر الله بطاعتهم. فهي فرع لطاعة الله، وليست أصلاً.

 

ثم جاءت السنّة تؤكد ذلك وتأمر بالطاعة للحكام في أي حال من الأحوال، إلا أن يكون المأمور به معصية، فعن بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «على المرء المسلم الطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» فحدود الطاعة هي: الكتاب والسنّة، فلا يحل لمؤمن طاعة حاكم في أمر خارج عنهما، وعن أبي عتبة الخولاني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا تحرجوا أمتي، ثلاث مرات. اللهم من أمر أمتي بما لم تأمرهم به فإنهم منه في حل». فلا يجوز للحاكم أن يفرض على الأمة قانوناً لم يستنبط استنباطاً شرعياً صحيحاً، فضلاً عن كونه قانوناً من صنع البشر، وكذلك يحرم على الأمة طاعته في ذلك، إلى غير ذلك من القيود والشروط لطاعة الحكام، المفصلة في كتابنا «طاعة أولي الأمر: حدودها، وقيودها».

ولقد جاءت الآية الكريمة الآنفة الذكر وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً، بأسلوب بديع معجز، وضع هذه الطاعة في مكانها اللائق بها، كما قاله الألوسي في روح المعاني: [وأعاد الفعل وإن كانت طاعة الرسول مقترنة بطاعة الله اعتناء بشأنه عليه الصلاة والسلام، وقطعاً لتوهم أنه لا يجب امتثال ما ليس في القرآن الكريم وإيذاناً بأنه له، صلى الله عليه وسلم، استقلالا بالطاعة لم يثبت لغيره، ومن ثم لم يعد في قوله سبحانه: ﴿وأولي الأمر منكم﴾ إيذاناً بأنهم لا استقلال لهم فيها استقلال الرسول، صلى الله عليه وسلم].

 

إذن فطاعة أولي الأمر تابعة لطاعة الله ورسوله، وليست مستقلة، أما الطاعة في المعصية فقد اتفق أهل العلم على أن الطاعة في المعصية لا تجوز كما ذكر النووي إجماعهم في شرحه لصحيح مسلم.

 

وأصل هذا الاتفاق ضرورة الشرع والعقل، لأن الطاعة الواجب على الأمة التقيد بها ليست طاعة مطلقة، إنما هي طاعة في حدود رسم الشارع دائرتها، أي في حدود الشرع، كما أسلفنا.

 

وطاعة أولي الأمر هذه كذلك ليست مستقلة بذاتها ولذاتها، وإنما هي بناء على أمر الله بطاعتهم. فهي فرع لطاعة الله، وليست أصلاً. وهي أدنى، بالضرورة، مرتبة من طاعة الله، التي هي الطاعة الأصلية العليا المطلقة. والضرورة الشرعية والعقلية تقتضي وجوب اندراج أوامر الجهة السفلى الفرعية تحت أوامر الجهة العليا الأصلية، فإن حصل تناقض نفذ أمر الجهة العليا الأصلية حتماً، وبطل أمر الجهة السفلى الفرعية، ضرورة ولا بد، وإلا حصل التناقض، وهو محال.

ونزيد هذا إيضاحاً بأن نقول:

لو أن الجهة العليا قالت: أطيعوا الجهة السفلى، حتى لو أمرتكم بمعصيتي، فإنها في حقيقة الأمر إذاً تقول: أطيعوني بأن تعصوني، في نفس الوقت من نفس الجهة في نفس الموضوع، وهذا محال. وإذا كانت الجهة العليا هي أعلى الجهات على الإطلاق، أي الله سبحانه وتعالى، الذي هو واجب الوجود الأزلي، الأول بغير ابتداء، والآخر بغير انتهاء، الحي القيوم، العلي الأعلى، إليه المنتهى، فليس فوقه مرجع، لأنه غاية الغاية، ونهاية النهاية، كانت الاستحالة أعظم وأفظع، لأن الله هو خالق العقول، ومبدع الفطر، ومعلم الأسماء والمفاهيم، فإذا جوزنا عليه مثل هذا التناقض، أصبحت ذاته وصفاته متناقضة، ومن باب أولى كذلك مخلوقاته. فتنعدم الثقة بالعقل والحس، المخلوقين لله، ويتطرق الشك إلى مبادئ العقل الأولية الضرورية، فينهدم العقل ويتحطم، ويسقط التكليف، وتفقد اللغات معانيها، ويستحيل الفكر، وتنهدم الشريعة، وهذا هو الهوس المحض، والجنون الخالص، عياذاً بالله.

 

وكل نصوص الشريعة لا يجوز فهمها إلا هكذا، فإن تعذر فهم نص منقول على هذا الوجه، أو تأويله على وجه مناسب، فمن المحال أن يكون نقلاً صحيحاً، ولا بد من الحكم على ذلك النص بأنه مكذوب مفترى.

 

كل ما سلف يدل دلالة قاطعة على أن السيادة للشرع، وإلا جاز للحاكم فرض قوانين من غير الشرع، وألزم الأمة بطاعته لعموم الأدلة الواردة في وجوب الطاعة، لكن الإسلام حرم على المسلمين طاعة الحاكم إن هو أمر بمعصية، أي مخالفة شرعية في أمر جزئي معين في واقعة عينية، كما فعل علقمة بن مجزز، رضي الله عنه، عندما قال، مداعباً لأصحابه: (فأني أعزم عليكم إلا تواثبتم في هذه النار!)، فعقَّب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قائلاً: «من أمركم منهم بمعصية الله فلا تطيعوه»، ومن باب أولى تحرم الطاعة في ما هو شر من ذلك، وأفظع وأفحش: إذا شرَّع الحاكم بدون رد إلى الله ورسوله، أو بدّل الشريعة المنزلة بأن حرّم الحلال، أو أحلّ الحرام، أو أبطل الحدود.

 

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل لقد ثبت بالتواتر، المفيد للعلم اليقيني القاطع، عند المسلم والكافر على حد سواء، أنه قال: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، وكل ما سوى الله تبارك وتعالى مخلوق: فالإنسان مخلوق، والعامِّي مخلوق، والعالِم مخلوق، والشعب أفراداً وجماعات مخلوقين، فكلهم لا طاعة لهم في معصية الله الخالق تبارك وتعالى، فهذا الحديث الجليل الجميل وحده كاف لنسف فكرة الديمقراطية الليبرالية حول سيادة الأمة، وقلعها من جذورها، فيتحقق الفكر الوحيد الصائب، والحق اليقيني الثابت، في هذه المسألة مطلقاً. فيظل الحلال والحرام هما المقياس الوحيد للأعمال، فطالما أن الحاكم الشرعي لا يخرج في أوامره عن كتاب الله وسنّة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فإن طاعته فرض على جميع المسلمين.

 

ومع وضوح هذا وقطعيته فقد وجد من يدعي الإسلام، وفي نفس الوقت يصرح بخلاف ذلك، خذ - مثلاً - ما جاء في منهاج السنة النبوية (6/430): [وَأَيْضًا فَكَثِيرٌ مِنْ أَتْبَاعِ بَنِي أُمَيَّةَ - أَوْ أَكْثَرِهِمْ - كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْإِمَامَ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ وَلَا عَذَابَ، وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُؤَاخِذُهُمْ عَلَى مَا يُطِيعُونَ فِيهِ الْإِمَامَ، بَلْ تَجِبُ عَلَيْهِمْ طَاعَةُ الْإِمَامِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَاللَّهُ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ. وَكَلَامُهُمْ فِي ذَلِكَ مَعْرُوفٌ كَثِيرٌ.

وَقَدْ أَرَادَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنْ يَسِيرَ بِسِيرَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَجَاءَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ شُيُوخِهِمْ، فَحَلَفُوا لَهُ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أَنَّهُ إِذَا وَلَّى اللَّهُ عَلَى النَّاسِ إِمَامًا تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهُ الْحَسَنَاتِ وَتَجَاوَزَ عَنْهُ السَّيِّئَاتِ. وَلِهَذَا تَجِدُ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ كِبَارِهِمُ الْأَمْرَ بِطَاعَةِ وَلِيِّ الْأَمْرِ مُطْلَقًا، وَأَنَّ مَنْ أَطَاعَهُ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ. وَلِهَذَا كَانَ يُضْرَبُ بِهِمُ الْمَثَلُ، يُقَالُ: (طَاعَةٌ شَامِيَّةٌ)]

 

وكأن الإمام ابن تيمية يميل إلى الاعتذار لهم حيث قال بعد ذلك مباشرة: [وَحِينَئِذٍ فَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: إِنَّ إِمَامَهُمْ لَا يَأْمُرُهُمْ إِلَّا بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ، وَلَيْسَ فِيهِمْ شِيعَةٌ، بَلْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ يُبْغِضُ عَلِيًّا وَيَسُبُّهُ. وَمَنْ كَانَ اعْتِقَادُهُ أَنَّ كُلَّ مَا يَأْمُرُ الْإِمَامُ بِهِ فَإِنَّهُ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَأَنَّهُ تَجِبُ طَاعَتُهُ، وَأَنَّ اللَّهَ يُثِيبُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَيُعَاقِبُهُ عَلَى تَرْكِهِ - لَمْ يَحْتَجْ مَعَ ذَلِكَ إِلَى مَعْصُومٍ غَيْرَ إِمَامِهِ]، كذا نصاً من منهاج السنة النبوية (6/430)؛ ثم أفحش بتفضيل هؤلاء على الشيعة القائلين بعصمة الأئمة(!!).

فأقول: هب أننا اعتذرنا عن عوامهم بالجهل المركب، الذي تدل روايات التاريخ على أن بعضهم بلغ فيه درجة الأنعام، بل لعلهم كانوا أضل سبيلاً؛ ولكن كيف بـ(شُيُوخِهِمْ)، الذين (َحَلَفُوا لَهُ (يعني: يزيد بن عبد الملك بن مروان) بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أَنَّهُ إِذَا وَلَّى اللَّهُ عَلَى النَّاسِ إِمَامًا تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْهُ الْحَسَنَاتِ وَتَجَاوَزَ عَنْهُ السَّيِّئَاتِ)؟! وكيف بالحجاج بن يوسف الثقفي، حافظ القرآن المجرم، الذي يقول أثناء حصاره لأمير المؤمنين عبد الله بن الزبير بن العوام، في البلد الحرام، وهو يصيح بجنوده، الذين كانوا في ما يظهر مترددين: (يا أهل الشام: الله، الله، في الطاعة!)، كذا من البداية لابن كثير (8/329)؛ وكان هو نفسه مترددا في أمر الكعبة حتى أمره سيده عبد الملك بن مروان بن الحكم، عدو الله، الملحد في الحرم، بقصفها بالمنجنيق. عبد الملك بن مروان هذا قد طلب العلم حتى قورن بفقهاء المدينة السبعة؛ وهو نفسه الذي سمع (جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ يَذْكُرُونَ سِيرَةَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فقال: أنهى عن ذكر عمر فإن مرارة للأمراء مَفْسَدَةٌ لِلرَّعِيَّةِ)، كذا بأحرفه من البداية والنهاية [ط إحياء التراث (9/80)]. وإليك بعض كفريات الحجاج:

* جاء في سنن أبي داود (4/341/4645): [حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ قَالَ سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: (اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ لَيْسَ فِيهَا مَثْنَوِيَّةٌ؛ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا لَيْسَ فِيهَا مَثْنَوِيَّةٌ لأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدِ الْمَلِكِ: وَاللَّهِ لَوْ أَمَرْتُ النَّاسَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ فَخَرَجُوا مِنْ بَابٍ آخَرَ لَحَلَّتْ لِى دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ؛ وَاللَّهِ لَوْ أَخَذْتُ رَبِيعَةَ بِمُضَرَ لَكَانَ ذَلِكَ لِى مِنَ اللَّهِ حَلاَلاً؛ وَيَا عَذِيرِى مِنْ عَبْدِ هُذَيْلٍ يَزْعُمُ أَنَّ قِرَاءَتَهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا هِي إِلاَّ رَجَزٌ مِنْ رَجَزِ الأَعْرَابِ مَا أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ؛ وَعَذِيرِى مِنْ هَذِهِ الْحَمْرَاءِ يَزْعُمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَرْمِى بِالْحَجَرِ فَيَقُولُ إِلَى أَنْ يَقَعَ الْحَجَرُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ فَوَاللَّهِ لأَدَعَنَّهُمْ كَالأَمْسِ الدَّابِرِ)؛ قَالَ (أبو بكر بن عياش): فَذَكَرْتُهُ لِلأَعْمَشِ فَقَالَ أَنَا وَاللَّهِ سَمِعْتُهُ مِنْهُ]؛

ــ وجاء في سنن أبي داود (4/342/4647): [حَدَّثَنَا قَطَنُ بْنُ نُسَيْرٍ حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ يَعْنِى ابْنَ سُلَيْمَانَ (ح) حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ قَالَ جَمَّعْتُ مَعَ الْحَجَّاجِ فَخَطَبَ فَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ قَالَ فِيهَا فَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا لِخَلِيفَةِ اللَّهِ وَصَفِيِّهِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ قَالَ وَلَوْ أَخَذْتُ رَبِيعَةَ بِمُضَرَ وَلَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ الْحَمْرَاءِ]، لم يذكرها الأعمش ها هنا، ولكن ذكرها لابن إدريس؛

ــ وجاء في سنن أبي داود (4/342/4646): [حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ هَذِهِ الْحَمْرَاءُ هَبْرٌ هَبْرٌ أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ قَرَعْتُ عَصًا بِعَصًا لأَذَرَنَّهُمْ كَالأَمْسِ الذَّاهِبِ؛ يَعْنِى الْمَوَالِي]؛

 

* وجاء في سنن أبي داود (4/340/4644): [حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الطَّالْقَانِىُّ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الْمُغِيرَةِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خَالِدٍ الضَّبِّىِّ قَالَ سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ يَخْطُبُ فَقَالَ فِى خُطْبَتِهِ رَسُولُ أَحَدِكُمْ في حَاجَتِهِ أَكْرَمُ عَلَيْهِ أَمْ خَلِيفَتُهُ فِى أَهْلِهِ فَقُلْتُ فِى نَفْسِى لِلَّهِ عَلَىَّ أَلاَّ أُصَلِّىَ خَلْفَكَ صَلاَةً أَبَدًا وَإِنْ وَجَدْتُ قَوْمًا يُجَاهِدُونَكَ لأُجَاهِدَنَّكَ مَعَهُمْ. زَادَ إِسْحَاقُ فِى حَدِيثِهِ قَالَ فَقَاتَلَ فِى الْجَمَاجِمِ حَتَّى قُتِلَ]؛

 

* وجاء في سنن أبي داود (4/340/4643): [حَدَّثَنَا أَبُو ظَفَرٍ عَبْدُ السَّلاَمِ حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ عَنْ عَوْفٍ قَالَ سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ إِنَّ مَثَلَ عُثْمَانَ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ يَقْرَؤُهَا وَيَفُسِّرُهَا ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّى مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يُشِيرُ إِلَيْنَا بِيَدِهِ وَإِلَى أَهْلِ الشَّامِ]؛

 

وكان الوليد بن عبد الملك بن مروان على سنن أبيه، ومن أشبه أباه فما ظلم، فقد جاء في فتح الباري لابن حجر (13/113): [قَرَأْتُ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ لِأَبِي عَلِيٍّ الْكَرَابِيسِيِّ أَنْبَأَنَا الشَّافِعِيُّ عَنْ عَمِّهِ هُوَ مُحَمَّد بن عَليّ قَالَ دخل بن شِهَابٍ عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَسَأَلَهُ عَنْ حَدِيثِ إِنَّ اللَّهَ إِذَا اسْتَرْعَى عَبْدًا الْخِلَافَةَ كَتَبَ لَهُ الْحَسَنَاتِ وَلَمْ يَكْتُبْ لَهُ السَّيِّئَاتِ فَقَالَ لَهُ: (هَذَا كَذِبٌ!)، ثُمَّ تَلَا: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾، (ص؛ 38: 26)؛ فَقَالَ الْوَلِيدُ: (إِنَّ النَّاسَ لَيُغْرُونَنَا عَنْ دِينِنَا)]، لا يغرنك كلام الوليد بن عبد الملك فتظن أنه تراجع عن مذهبه الخبيث، كلا، والله: إنما هو الحرج، حيث لم يجد مخرجا، ولم يجرؤ على المجاهرة بتكذيب القرآن؛ أما في غيرها فهو حاضر بالتكذيب، خذ مثلاً ما جاء في العقد الفريد (1/58): [الأصمعي عن إسحاق بن يحيى عن عطاء بن يسار قال: قلت للوليد بن عبد الملك: قال عمر بن الخطاب: «وددت أني خرجت من هذا الأمر كفافا لا عليّ ولا لي». فقال: كذبت. فقلت: (أو كذّبت!)؛ فما أفلتُّ منه إلا بجريعة الذّقن!]؛

 

إن من تدين بمثل هذه (الطاعة الشامية) الملعونة حري به أن لا يلوم إلا نفسه إذا جاء يوم القيامة قد ذهب دينه، وخاب سعيه، فمُثِّل له عمله ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، أو وجد الله قد قدم من قبل إلى عمله فجعله هباءً منثوراً:

* فقد جاء في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (10/394): [حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ (هو: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أبو لشيخ الأصبهاني)، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أُسَيْدُ بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَمْرٍو (هو الْبَجَلِيُّ الْكُوفِيُّ، حدَّث بِأَصْبَهَانَ)، حَدَّثَنَا قَيْسٌ (هو: بْنُ الرَّبِيعِ)، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّهُ لَا دَيْنَ لِمَنْ دَانَ بِجُحُودِ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ؛ يَا أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّهُ لَا دَيْنَ لِمَنْ دَانَ بِفِرْيَةِ بَاطِلٍ ادَّعَاهَا عَلَى اللَّهِ؛ يَا أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّهُ لَا دَيْنَ لِمَنْ دَانَ بِطَاعَةِ مَنْ عَصَى اللَّهَ»]؛ وهو بعينه في تاريخ أصبهان [أخبار أصبهان (1/272)]؛ وأصله عند أبي الشيخ بأحرفه نصاً في طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها لأبي الشيخ الأصبهاني (3/20)، وفي نسخة الشاملة من طبقات المحدثين بأصبهان (2/327/598، بترقيم الشاملة آليا)؛ هذا متن في غاية الاستقامة، ولكن الإسناد ليس بذاك.

 

فرع: الوجه الثالث: وجوب الاحتكام إلى الشرع دائماً وأبداً، وتحريم الاحتكام إلى غيره مطلقاً

وقد أسلفنا أن مادة (ح ك م) تأتي في اللغة العربية، وكذا في القرآن، والسنّة بمعاني عدة، منها:

(1) وضع الأمور في مواضعها، وهي (الحِكْمة)، وفاعل ذلك (حكيم)،

(2) إتقان الصنعة، وبلوغ الفعل إلى غايته، وهو (الإحكام)، وفاعل ذلك (مُحْكِم)، و(حكيم)،

(3) الحكم على أفعال الخلائق يوم القيامة، وتصفية نزاعاتهم بصفة نهائية أبدية. وذلك إنما هو لله وحده، والآيات في ذلك كثيرة مشهورة.

(4) الفتيا، وإبداء الرأي الذي يعتقد قائله صحته، أي الحكم على القضايا الدينية، والحسية، والعقلية، والجمالية، والأخلاقية، وغيرها. فنحن (نحكم) ببطلان التناسخ، وبطلان التثليث، وقبح الكذب عقلاً، وحرمته شرعاً، إلا في أحوال قليلة منصوص عليها،... إلخ. ومنه قوله، جل وعلا: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ.

(5) فض النزاع، والفصل في الخصومات، على وجه الإلزام. أي القضاء، وهو إحدى سلطات الدولة الرئيسية (السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية).ويسمى القاضي أيضاً (حاكما)، وما يتلفظ به: (حُكْماً).

(6) رعاية الشؤون والإدارة والتنفيذ، أي السلطة التنفيذية في الدولة، ويسمى القائم بذلك: (حاكماً)، كما قد يسمى (والياً)، أو (ولي أمر)، أو (سلطاناً). وقد شاع في العصور المتأخرة استخدام لفظ (حكومة) لقمة السلطة التنفيذية، أي لمجلس الوزراء، وكذلك بمعنى جهاز الحكم في الدولة.

(7) التشريع وسن الدساتير والقوانين والأنظمة واللوائح، أي ما تقوم به السلطة التشريعية في الدولة، بل وحتى وضع مبادئ الأخلاق، والسلوك، والآداب، والأعراف الاجتماعية.

 

وهذه المعاني، أو الأنواع الأربعة الأخيرة هي التي تعنينا في هذا البحث: الفتيا، والقضاء، والتنفيذ، والتشريع. وهي كذلك التي يجب حمل النصوص الشرعية عليها كلها، إلا إذا وردت قرينة مخصصة. فإذا قال عليه الصلاة والسلام: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب، فله أجران،... إلخ» فلا يجوز أن يقال هذا خاص بالقاضي، أو ولي الأمر! بل هو عام لكل من طلب حكم الله في القضية لمعرفته مجرداً، كالمجتهد والمفتي، فهذا حاكم؛ أو لتطبيقه في نزاع كالقاضي، فهذا كذلك حاكم؛ أو لرعاية الشؤون كالإمام، إما تنفيذاً في حالة عينية مشخصة، فهو بهذه الصفة حاكم؛ وإما تشريعاً، أي تبنياً لحكم شرعي في مسألة خلافية، وسنِّها نظاما عاما ملزما للكافة، وهو بهذه الصفة كذلك حاكم.

 

وعليه يكون «الاحتكام»، أو «التحاكم» هو: طلب «الحكم» من أي نوع كان، من نوع الفتيا، أو القضاء، أو التنفيذ، أو التشريع، ضرورة ولا بد.

 

أما وجوب «الاحتكام» إلى الشرع مطلقاً فقد أفادته النصوص بمثل قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، وبقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ. وبقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ.

ففي الآية الأولى: حقيقة كلية من حقائق الإسلام جاءت في صورة قسم مؤكد، مطلقة من كل قيد، تنفي الإيمان عن من لم يحتكم إلى النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام. وليس هناك مجال للوهم أو الإبهام بأن تحكيم رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو تحكيم لشخصه الشريف فحسب، كما يزعم بعض دعاة «اليسار» الإسلامي (!)، أو دعاة «العلمانية» الإسلامية (!)، إنما هو، بالضرورة، تحكيم شريعته ومنهجه، لا لشخصه الشريف فحسب، كما يظهر بالبداهة من غير تأمل. وإن أبيت إلا المكابرة والتقعّر فإليك البراهين التالية:

(1) ــ الزعم بخلاف ذلك يعني أنه لم يبق لشريعة الله وسنّة رسوله مكان بعد وفاته صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أي أن الإسلام مات، أو نُسِخ بموته، صلى الله عليه وعلى آله وسلم! ويلزم من ذلك:

(أ) ــ إما أن ختم النبوة عبث، وأنه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لم يكن رحمة للعالمين، تعالى الله عن الكذب، والعبث علواً كبيراً. أو:

(ب) ــ أنه لا فرق بين مجيء النبوة وعدمها، فالتكليف وعدمه سيان، وكل ما جاء في القرآن عن التكليف والحساب، والجنّة والنار لا بد أن يكون أكاذيب وخيالات، فلا يكون القرآن من عند الله، خلافاً لقواطع الأدلة، أو يكون الله كاذباً متلاعباً، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

فإن جاز أن يكون حُكماً واحداً منسوخاً بوفاته، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو بمرور مدة زمنية معينة أو غير معينة، أو لحدوث تغيير اجتماعي، أو تطور في «علاقات الإنتاج»، جاز ذلك في كل حكم، بما في ذلك تحريم القتل، والعدوان والظلم، فتنعدم الشريعة كلية، وهم لا يقولون بذلك. بل النسخ يقتصر على الأحكام «المزعجة» التي لا توافق مزاجهم، أما ما وافق الهوى فهو مستمر ثابت، ما شاء الله كان!

وإن جاز ذلك في بعض الأحكام من غير نسخ صريح يأتي به وحي جديد، جاز ذلك بعد لحظة سنِّ الحكم نفسه مباشرة، فتكون الأحكام كلها غير مُلزمة ساعة صدورها، وتنهدم الشريعة فوراً، وللوهلة الأولى.

(2) ــ أنه معلوم بالضرورة من التاريخ، منقول نقل تواتر، أنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، لم يكن يباشر كل الحكم والقضاء والتنفيذ بنفسه. بل قد عين الأمراء، والولاة، وجُباة الزكاة، والقضاة، في مكة، والطائف، واليمن، واليمامة، والبحرين. وكان هؤلاء يرعون الشؤون، ويفصلون في القضايا، وكان الناس يرجعون إليهم. بل كان الناس يرجعون في المدينة النبوية المشرفة نفسها إلى رجال من الصحابة في الفتيا والتحكيم وفض النزاع. فصح بذلك يقيناً أن قوله تعالى: ﴿يحكموك فيما شجر بينهم، وقوله: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله، يعني ضرورة تحكيم شرع الله وشرع رسوله، وليس أشخاصاً بأعيانهم.

 

ولا يجوز أن يقال أن شرعية التحاكم إلى هؤلاء إنما كان بتعيين النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، لهم، وتنصيبه لهم في أعمالهم، فمن لم يعينه النبي نصاً لم يجز التحاكم إليه، لا يقال ذلك لأنه يناقض النصوص اليقينية من الكتاب والسنّة الآمرة بطاعة أولي الأمر، ما داموا شرعيين، والجهاد معهم، إلى قيام الساعة، وصحة قضاء القاضي إذا حكم بما أنزل الله، ولم يحابي أو يجور، واستحقاقه للثواب والجنّة على ذلك في مثل قوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «قاضيان في النار، وقاض في الجنّة»، وصحة التحكيم الاختياري في مثل قوله تعالى: ﴿فابعثوا حكماً من أهله وحكما من أهلها، وجمهور الفقهاء على أن ذلك يصح من تصرف الزوجين المتخاصمين، أو بتدخل أهلهما، ولو لم يكن بتدخل من السلطان، أو بأمر القاضي النظامي المعين من قبل السلطان. ولو كان مثل هذا القول حقاً لورد، ولو في نص واحد، عن النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، ولما لم يرد من ذلك شيء البته علمنا أنه لم يكن، ولا يتصور إلا بالطعن في نبوته، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، أو اتهامه بخيانة الرسالة، حاشاه ثم حاشاه.

 

(3) ــ والزعم بخلاف ذلك يعني تكذيب له، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في ما لا يعدّ ولا يحصى من الأحاديث التي نص فيها أنَّ كذا وكذا حرام إلى يوم القيامة، وأنَّ كذا وكذا يسري إلى أبد الأبد. وتكذيب له في أحاديث الفتن، وتحذيره من أئمة الضلالة، ومن فِرَق الخوارج الغلاة المارقين، ومن الجلاوزة (وهم شرط الجبابرة الطواغيت، المصابون بمرض «السادية»، الذين يضربون الناس بالسياط، ويستمتعون بالتعذيب)، ومن الكاسيات العاريات،... إلخ. فما فائدة ذلك كله إذا لم يتحاكم إليه، أي إذا لم يرجع إليه في الفتوى، والقضاء، وسن الأنظمة، والتنفيذ؟!

 

(4) ــ والقول بهذا تكذيب وردٌّ صريح للأحاديث المتعلقة بأمراء البدع والجور، وهي في مجموعها متواترة، حيث نص، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أنهم يأتون بعده، أي بعد وفاته، وهم على خلاف «سنّته»، وبيّن كيفية التعامل معهم. وقد ورد طرف من ذلك سابقاً: أحاديث عبادة بن الصامت، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبي عنبة الخولاني، رضوان الله وسلامه عليهم.

 

(5) ــ والقول بهذا تكذيب وردّ صريح للأحاديث التي تنص على التمسك بسنّته في كل وقت، لا سيما في أزمنة الغربة والفتنة، وهي كذلك بمجملها متواترة، يستحيل الانفلات من صحتها وثبوتها.

 

فهذا القول: (أن الرد إلى الرسول ليس هو بالضرورة، تحكيم شريعته ومنهجه، وإنما هو فقط تحكيم لشخصه الشريف) إذاً: هدم صريح للعقل والفكر، مع كونه ردة وكفر صريح، وهو شر، وأقبح من قول أشد المرتدين ارتداداً في عهد أبي بكر الصديق، رضى الله عنه، الذين أجمع الصحابة على تكفيرهم وقتالهم، وهذا كذلك منقول نقل تواتر!

 

فالآية تنفي، بقَسَم مغلظ، الإيمان عن كل إنسان يرفض الاحتكام إلى الشرع، الذي هو القرآن والسنّة، وما دل عليه القرآن والسنّة أنه دليل. بل وأكثر من ذلك فإن الآية تطلب عند الاحتكام إلى الشرع أن لا يشعر المسلم حتى بمجرد الحرج، أي ضيق الصدر، الذي قد يكون بالشك، أو بالغضب، أو الكراهية، أو النفور، أو بالاحتقار، أو الازدراء، أو أي لون من ألوان الحرج، وضيق الصدر. والآية على ظاهرها، وعمومها، لا نعلم لها مخصّصاً، أو صارفاً عن ظاهرها، فالإيمان المنفي في الآية هو أصل الإيمان، المناقض للكفر، المنجي من النار الأبدية، واللعنة السرمدية.

 

فمن لم يحكّم الله ورسوله، ويردّ إليهما، ويتحاكم ويخاصم إليهما، وكذلك من وجد أدنى حرج من حكمهما فهو: كافر خارج عن الملة، إما بكفره الأصلي لأنه ما دخل قط في الإسلام حقيقة، وإن أظهره خداعاً ونفاقاً وهو يعلم عامداً؛ أو كان مخدوعاً خدع نفسه فهو يحسب نفسه مسلماً ناجياً في الآخرة، وهو في الحقيقة ليس بمسلم، ولا هو بمستسلم لله ورسوله؛ أو بردّته بعد إسلام، وتقديمه الضلالة على الهدى، والعمى على البصيرة، والدنيا على الآخرة، نعوذ بالله من الخذلان المفضي إلى النار، دار الخزي والبوار.

 

هذا كله يتبين كذلك بوضوح من قوله، تبارك وتعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً، (النساء؛ 4: 59). فهذه آية محكمة ترشد بدقة إلى وجوب العودة إلى أحكام الشرع الواردة في القرآن والسنّة عند كل تنازع، وقوله تعالى: ﴿تنازعتم في شيء نكرة في سياق النفي تعم كل ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين دقه وجله، جليه وخفيه.

 

فهذه إذاً آية محكمة توجب علينا أن نقطع بأن في كتاب الله وسنّة رسوله بيان كل حكم متنازع فيه إلى يوم القيامة. ولو لم يكن في كتاب الله وسنّة رسوله بيان حكم ما تنازعوا فيه، أي لم يكن كل من الكتاب والسنّة كافياً، لم يأمر بالرد إليه، اذ من الممتنع شرعاً وعقلاً أن يأمر تعالى بالرد عند النزاع إلى من لا يوجد عنده فصل النزاع؛ هذا لا يكون من أحد إلا عن جهل ونقص علم، أو تضليل وخداع متعمّد، تعالى الله عن ذلك كله علواً كبيراً.

 

ثم إن الآية قد جعلت الرد إلى أحكام الشرع من لوازم الإيمان، فإذا انتفى هذا الرد انتفى الإيمان، بقوله تعالى بعد ذلك: ﴿إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وهنا تقع ضرورة انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه. وانتفاء «الإيمان» ليس هنا انتفاء لكماله الواجب أو المستحب، بل هو انتفاء لأصله، أي انتفاء له بالكلية، ومن ثمَّ الوقوع في «الكفر»، ومفارقة الإسلام، كما سيزداد وضوحاً بعد قليل.

 

فالرد إلى الله تعالى إنما هو رد للشرع، والرد إلى غير الله تبارك وتعالى إنما هو رد إلى ما يشرعه الإنسان بنفسه لنفسه كما تقول الديمقراطية الليبرالية: حكم الشعب بالشعب، أو هو حكم الأغلبية؛ عندما يقصدون بلفظة «الحكم» ها هنا: التشريع في جوهره ومعانيه على وجه الابتداء والإنشاء. وربما قيل: هذا (رد إلى العقل)، كذا في التنظير الفلسفي المجرد، ولكن الحق المرة أن الرد هو حقيقة للهوى والشهوة المجردة، والمصالح القبلية والقومية أو الطبقية أو الطائفية أو الجهوية أو العنصرية أو العرقية، وليس للعقل فيه كبير نصيب، هذا العقل المسكين المظلوم المفترى عليه!

 

فالنصوص القرآنية لا تدع مجالاً لشك في أن الشرع وحده صاحب السيادة، وأنه المرجع الوحيد لسَنِّ الدستور والقوانين والأنظمة واللوائح والتوجيهات والأوامر، من قبل السلطات العامة، كما أنه المرجع الوحيد للأذواق والآداب في أعراف الناس وعاداتهم الاجتماعية، وأنه الحَكَمُ النهائي الفصل في كل ما يقع من منازعات، فقوله تعالى: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾، (الشورى؛ 42: 10)، يعني: أن الله هو الذي يقضي بينكم ويفصل فيه الحكم، فلا يجوز شرعاً بحال من الأحوال أن يجاز الاحتكام لغير الشرع، لأن الاحتكام لغير الشرع كفر بالله ورسوله، وهذا ما لا يسقط فيه المؤمنون المفلحون، الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، (النور؛ 24: 51)، فالاحتكام إلى الشرع فرض على الأمة بجملتها، بوصفها أمة، وعلى كل قبيلة أو جماعة أو كتلة أو حركة أو تنظيم من أبنائها، وعلى كل فرد من أفرادها. وهذه الفريضة هي بعض أصل الإيمان، إن لم تكن كل أصله، فمن لم يلتزم بها فهو ليس فقط فاسقاً عاصياً، بل هو كافر مرتد، قد فارق الإسلام ولحق بالكفارِ المشركينَ، وليس له أي سهم في الإسلام والإيمان.

 

وما أسلفناه إنما هي بديهية من بديهيات الإسلام، أجمع عليها الأئمة:

* فقد قال الإمام الجصاص الحنفي، رحمه الله، في «أحكام القرآن»، (2/214).: [إن من ردّ شيئاً من أوامر الله تعالى أو أوامر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فهو خارج من الإسلام سواء رده من جهة الشك فيه، أو من جهة ترك القبول، والامتناع عن التسليم].

 

* وفي تفسير قوله، جل جلاله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً (النساء؛ 4: 60)، يقول الإمام ابن كثير: [هذا إنكار من الله عز وجل على من يدّعى الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله، وسنّة رسوله، كما ذكر في سبب نزول هذه الآية أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما، فجعل اليهودي يقول بيني وبينك محمّد، وذاك، أي الأنصاري، يقول بيني وبينك كعب بن الأشرف. وقيل في جماعة من المنافقين ممن أظهر الإسلام، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية، وقيل غير ذلك. والآية أعم من ذلك كله فإنها ذامّة لمن عدلوا عن الكتاب والسنّة، تحاكموا إلى ما سواهما من الباطل وهو المراد بالطاغوت هنا]، انتهى كلام الإمام ابن كثير. قلت: صدق الإمام، إلا أن الآية لم تكتف بذم من تحاكم إلى الطاغوت، بل صنفت عملهم هذا على أنه:

(1) ــ إيمان بالطاغوت، مع أنهم قد أمرو بالكفر به ورفضه ومقته. فالتحاكم إلى شيء هو «إيمان» بذلك الشيء، لا محالة. وهذا «الإيمان» المذكور ها هنا هو مقابل «الكفر» ونقيضه. لذلك فإن التحاكم إلى الله ورسوله هو من أصل «الإيمان»، وعدمه هو «الكفر»، المناقض للإسلام كل المناقضة، المخرج من الملة، وليس هو مجرد فسوق أو عصيان، فحسب، كما أسلفنا؛

(2) ــ أن مراد الشيطان من تزيين ذلك لهم ليس هو مجرد إيقاعهم في ذنب، أو استنقاص من حسنات، ولكنه يريد لهم (الضلال البعيد)، والضلال البعيد لا يكون إلا بالكفر، والخروج من الإسلام، المحبط للعمل كله، أوله وآخره، عياذاً بالله تعالى.

 

* وهذا أيضاً ما ذهب إليه ابن القيم حيث يقول: (إن من تحاكم، أو حاكم، إلى غير ما جاء به الرسول، فقد حكم بالطاغوت وتحاكم إليه)، انتهى كلام ابن القيم.

 

وقد أمرنا سبحانه باجتناب الطاغوت، قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (الزمر؛ 39: 17)، فـ(الاحتكام إلى شريعة الطاغوت) هو نوع من أنواع (عبادة الطاغوت) التي أمر الله بهجرها واجتنابها، وجعل ذلك الاجتناب مقدمة وسابقة للإنابة إلى الله. نعم: كيف ينيب الإنسان إلى الله، ويقبل على ربه بوجهه، وهو لم يستدبر الطاغوت، ويدير إليه ظهره؟! أليس الله والطاغوت في جهتين متضادتين، وعلى طرف نقيض مطلق؟!

بل إن الله، جل جلاله، أمرنا بأكثر من مجرد اجتناب الطاغوت، إذ أمر بالكفر به، وهذا يعني أكثر من مجرد اجتنابه، فهو يقتضي: رفضه، ورده، وإنكاره، في جميع الأحوال؛ وإن كان الطاغوت فوق ذلك معتدياً، أي محارباً أو حربياً: فنحن مأمورون باحتقاره، ومقته، وبغضه، ومعاداته، ومحاربته وقتاله بكل وجه مشروع. هذا جلي واضح من قوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، (البقرة؛ 2: 256-257).

 

* وحتى مقلدة ابن تيمية في قسمته الثلاثية المشؤومة للتوحيد، وخصوصاً الفرقة الوهابية التي مسخت التوحيد: فأصبح (توحيد القبور)؛ وكادت أن تهدم الإسلام بتعريفها الباطل الشنيع لـ(الإله)، قد اقتربوا من الصواب في هذه المسألة:

ــ فقد قال ابن أبي العزّ الحنفي، رحمه الله، في «شرح الطحاويّة»، (ص:200)، في معرِض ذِكرِ ما يجب على الأمّة تجاه نبيّها، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: [فنوحّده بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان، كما نوحّد المرسِلَ بالعبادة والخضوع والذلّ والإنابة والتوكّل، فهما توحيدان، لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما: توحيد المرِسل، وتوحيد متابعة الرسول، فلا نحاكم إلى غيره، ولا نرضى بحُكم غيره]؛ قلت: تحكيم الرسول هو عين تحكيم الله، جل جلاله، كما أسلفنا؛ و(تحكيم الله) هو تعبير آخر لـ(الإقرار لله بـ(الحاكمية)، التي هي ذروة سنام (الألوهية)، وهذه هي عينها (عبادة الله): فليس هناك توحيدان أو ثلاثة، إنما هو توحيد واحد؛ ولكن ابن أبي العزّ، وإن كان حنفي المذهب، إلا أنه تبع ابن تيمية في قسمته الثلاثية المشؤومة للتوحيد، فصار يتخبط، ولا يهتدي سبيلاً.

ــ وقال الشيخ عبدالرحمن بن حسن آل الشيخ، في «فتح المجيد»: [من دعا إلى تحكيم غير الله ورسوله فقد ترك ما جاء به الرسول، صلى الله عليه وسلم، ورغب عنه وجعل لله شريكاً في الطاعة وخالف ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيما أمره الله تعالى به في قوله: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم، واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك، وقوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً].

ــ وقال الشيخ محمّد ابن إبراهيم آل الشيخ، رحمه الله: [وتحكيم شرع الله وحده دون كل ما سواه، شقيق عبادة الله وحده دون ما سواه، إذ مضمون الشهادتين أن الله هو المعبود وحده لا شريك له، وأن يكون رسوله هو المتبع المحكم ما جاء به فقط. ولا جُردت سيوف الجهاد إلا من أجل ذلك، والقيام به، فعلاً وتركاً وتحكيماً عند النزاع]، (عن فتاوى الشيخ:12/251). والشيخ خلط هنا بين (العبادة) و(العبادات)، أي مجموع الشعائر التعبدية والمناسك، على الطريقة البدائية المنحطة للفرقة الوهابية المتخلفة فكرياً وحضارياً، وإلا فتحكيم شرع الله، والخضوع له، مع تمام التسليم وانشراح الصدر، هو جوهر (العبادة)، وقطب رحاها!

ــ ويقول الشيخ محمّد بن إبراهيم آل الشيخ، رحمه الله، في تفسير هذه الآية: [وقد نفى الله الإيمان عمن أراد التحاكم إلى غير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم من المنافقين كما قال تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً]، (رسالة تحكيم القوانين).

 

* وروى عن الإمام جعفر الصادق أنه قال: [لو أن قوماً عبدوا الله وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وصاموا شهر رمضان وحجوا البيت ثم قالوا لشيء صنعه رسول الله ألا صنع خلاف ما صنع؟!، أو وجدوا في ذلك حرجاً في أنفسهم، لكانوا مشركين]، لأن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنما شُرع من الله تبارك وتعالى، ولأن الأمر بطاعة الله ورسوله، هو أمر بوجوب اتباع الكتاب والسنّة لذلك فإن القاعدة العقائدية، الأصولية، الشرعية تقول بأن: (كل من اتهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في الحكم فهو كافر).

 

لذلك فإن الشرع وحده هو صاحب السيادة المطلقة لكل ما في الحياة من علاقات بين الناس، فلا يجوز شرعاً رفض جزئية من كل الإسلام قام عليها الدليل.

 

فرع: الوجه الرابع: كل شرع غير شرع الله كفر، وكل حاكم بغير شرع الله طاغوت

لم تكتف النصوص القرآنية ببيان:

(1) ــ وجوب طاعة الله، وطاعة الرسول، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والاستسلام لهما مطلقاً، من غير قيد أو شرط،

(2) ــ وحرمة طاعة المخلوقين في معصية الخالق تحريماً باتاً أبدياً،

(3) ــ وكذلك حرمة الاحتكام إلى أي قانون، أو نظام، أو لائحة، أو عرف وعادة، أو ذوق، أو أدب، سوى الشرع، بل وغلَّظت النصوص القول في (التحاكم إلى الطاغوت) فجعلته من أعمال الكفر، المناقضة للإيمان والإسلام كل المناقضة، المفضية إلى الضلال البعيد، ثم النار الأبدية، واللعنة السرمدية،

 

نعم: لم تكتف النصوص بتلك الوجوه فحسب، بل ودلت على أن ما عدا الشرع من قوانين وضعية إنما هي كفر صريح، لأنها ليست مما أنزله الله، ولا سنّه رسوله، ولا ما دلا عليه من دليل. بل كان العقل هو الذي يشرع، هذا إذا أحسنا الظن، ولم يكن الهوى والشهوة والطغيان المجرد هم المشرعون، وكل ما يشرعه العقل من أحكام تتعلق بأفعال الإنسان من حيث كونه يحيا في هذا الكون بحيث تترتب على أفعاله المدح أو الذم من الله في الدنيا، والحساب، ثم الثواب والعقاب من الله في الآخرة إنما هو طاغوت: أمر الله العباد أن يكفروا به حيث قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً﴾، (النساء؛ 4: 60).

ــ وفي تفسير هذه الآية يقول ابن كثير: [هذا إنكار من الله عز وجل على من يدعى الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله، وسنّة رسوله، كما ذُكِر في سبب نزول هذه الآية أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما، فجعل اليهودي يقول بيني وبينك محمّد، وذاك، أي الأنصاري، يقول بيني وبينك كعب بن الأشرف. وقيل في جماعة من المنافقين ممن أظهر الإسلام، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية، وقيل غير ذلك. والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لمن عدلوا عن الكتاب والسنّة، وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت هنا]، انتهى كلام الإمام ابن كثير.

 

والصحيح أن الطاغوت أعم من الباطل، بل هو أفحش منه بكثير، إذ الطاغوت، هاهنا، ما قابل الحكم بما أنزل الله، أي هو الحكم بالجاهلية، أي بالكفر،

ــ وهذا ما ذهب إليه ابن القيم فيقول: (إن من تحاكم، أو حاكم، إلى غير ما جاء به الرسول، فقد حكم بالطاغوت وتحاكم إليه)، انتهى كلام ابن القيم.

فطاغوت كل قوم هو ما يتحاكمون اليه غير الله سبحانه وتعالى ورسوله الكريم، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يعبدونه من دون الله، عبادة دعاء وذلة وتقديس، وركوع وسجود، وتقديم ذبائح وقرابين، وإطلاق مجامر وإيقاد شموع؛ أو عبادة خضوع وطاعة واتباع، أو عبادة انتماء وموالاة.

 

والطاغوت كذلك كل داعية باطل ورأس ضلالة: فإبليس، لعنه الله، طاغوت، بل هو رأس الطواغيت، والكاهن طاغوت، والساحر طاغوت، والحاكم بغير ما أنزل الله طاغوت، والمشرع من دون الله طاغوت، بل هو من رؤوس الطواغيت، لأنه يدعوا الناس إلى عبادته، عبادة طاعة واتباع، ومن دعا الناس لعبادة نفسه طاغوت، بل هو من رؤوس الطواغيت، ومن رضي أن يعبد من دون الله طاغوت، والمحبوب لذاته من دون الله طاغوت، والمطاع لذاته طاغوت؛ فما أكثر الطواغيت!

 

وقد أسلفنا في (الوجه الثالث) أن العبرة في المقام الأول، في قضية «التحاكم» إنما هو إلى النظام المتحاكم إليه، وليس لأشخاص الحكام، أو وظائفهم، أو مراتبهم. فإذا وصف الله ما يُتحاكم إليه، أو من يُتحاكم إليه بأنه «طاغوت»، وجب أن يكون نظامه نظام كفر، ومن المحال أن يكون نظامه إسلامياً. فكل شرع غير شرع الله إذاً كفر، وكل حاكم بغير شرع الله طاغوت، ضرورة ولا بد.

 

* وقال الإمام، ابن تيمية الحنبلي، رحمه الله تعالى: [ليس لأحد أن يحكم بين أحد من خلق الله، لا بين المسلمين ولا الكفار ولا غير ذلك، إلا بحكم الله ورسوله، ومن ابتغى غير ذلك تناوله قوله تعالى: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون﴾، (المائدة؛ 5: 50)، وقوله تعالى: ﴿فلا وربّك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾، (النساء؛ 4: 65)]. (مجموع الفتاوى: 35/407 - 408).

 

* قال ابن تيمية، رحمه الله، في «منهاج السنّة النبويّة»، (5/130): [ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر، فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلاً من غير اتّباع لما أنزل الله فهو كافر، فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما يراه أكابرهم،...، فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز لهم الحكم إلا بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك، بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار].

 

* وقال الإمام ابن تيمية أيضاً: [والإنسان متى حلّل الحرام المجمع عليه، أو حرّم الحلال المجمع عليه، أو بدّل الشرع المجمع عليه، كان مرتداً]، (مجموع الفتاوي: 3/267)، لاحظ أنه قال: (حلل،...، حرم،...، بدَّل الشرع) ولم يربط ذلك بمعتقده.

 

* وقال العلاّمة الشنقيطي، رحمه الله، وهو مالكي المذهب، في «أضواء البيان»، (7/202): [الإشراك بالله في حكمه والإشراك به في عبادته كلها بمعنى واحد، لا فرق بينهما ألبتة، فالذي يتبع نظاماً غير نظام الله، وتشريعاً غير تشريع الله، ومن كان يعبد الصنم، ويسجد للوثن لا فرق بينهم البتة؛ فهما واحد، وكلاهما مشرك بالله].

 

* وقال العلاّمة الشنقيطي، رحمه الله، أيضاً في «أضواء البيان»، (7/209): [لمَّا كان التشريع وجميع الأحكام، شرعية كانت أو كونية قدرية، من خصائص الربوبية، كما دلت عليه الآيات المذكـورة، كان كل من اتبــع تشـريعاً غير تشــريع الله قد اتخذ ذلك المشرِّع رباً، وأشركه مع الله].

 

ولأن عموم الأدلة ترشد إلى وجوب اتباع ما جاء به الرسول، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأن ما جاء به هو وحده الهدى، قال تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى، ويتبع غير سبيل المؤمنين، نوله ما تولى، ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾، (النساء؛ 4: 115)، فكل منهاج غير منهاج الهدى الذي جاء به محمّد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هو غير سبيل المؤمنين، وكل ما هو سبيل غير هذا السبيل هو الكفر بالله، لأن الكفر بالله ورسوله غير سبيل المؤمنين، وغير منهاجهم، الذي هو ضد الكفر من كل وجه.

وكذلك فإن كل من اتهم الرسول، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في الحكم فهو كافر، لأنه خالف عموم الأدلة التي ربطت بين الإيمان وبين وجوب اتباع ما جاء به الإسلام.

* وقال الإمام الشاطبي، رحمه الله تعالى، وهو مالكي المذهب أيضاً: [كل بدعة ــ وإن قلّت ــ تشريع زائد أو ناقص، أو تغيير للأصل الصحيح، وكل ذلك قد يكون ملحقاً بما هو مشروع، فيكون قادحاً في المشروع، ولو فعل أحد مثل هذا في نفس الشريعة عامداً لكفر، إذ الزيادة والنقصان فيها أو التغيير ــ قل أو كثر ــ كفر، فلا فرق بين ما قلّ أو كثر] (الاعتصام: 2/61).

 

* وقال الشيخ محمّد بن إبراهيم في رسالته إلى أمير الرياض: (واعتبار شيء من القوانين للحكم بها ولو في أقل القليل، لا شك أنه عدم رضاً بحكم الله ورسوله، ونسبة حكم الله ورسوله إلى النقص، وعدم القيام بالكفاية في حل النزاع، وإيصال الحقوق إلى أربابها، وحكم القوانين إلى الكمال، وكفاية الناس في حل مشاكلهم، واعتقاد هذا كفر ناقل عن الملة، والأمر كبير مهم، وليس من الأمور الاجتهادية) (مجموع فتاوى الشيخ). وكلام الشيخ محمّد بن إبراهيم هذا كلام جيد، إلا أن الشيخ، رحمه الله، ربط ذلك بكونه (عدم رضاً بحكم الله ورسوله)، أو (نسبة حكم الله ورسوله إلى النقص)، وهو هكذا غالباً، ولكن ليس هذا مناط الحكم، لأن مجرد التشريع من دون الله منازعة لله في الربوبية، ينصِّب فيها الفاعل نفسه رباً وإلهاً ونداً من دون الله بمجرد فعله، وهو طاغوت مشرك كافر، وكفره من أبشع أنواع الكفر، بمجرد عمله، بغض النظر عن أحواله القلبية. ونسارع إلى التنبيه بأنه قال: (واعتبار شيء من القوانين للحكم)، بدون تصريح بأنه يقصد (القوانين الوضعية)، أو تلك (القوانين التي لم تستنبط استنباطا شرعيا صحيحاً) يشعر أنه يقصد الصياغة القانونية، وهذا باطل كما أصلناه في أول أبواب هذا الكتاب، ولكن رجالات الفرقة الوهابية لا يستطيعون استخدام عقولهم التي أصابها الشلل.

 

وإلا فما هو القول في ذلك المستميت في المحافظة على منصبه أو سلطته، وذلك بسن تشريعات يعلم هو يقيناً أنها مضادة لشرع الله؟! وهو موقن في نفسه بأن ذلك خلاف شرع الله، وأن شرع الله هو الحق وهو الأفضل؟! أليس هو طاغوت كافر؟! وهل حبه للسلطة والدنيا عذر له في الكفر؟! إذاً فلنكذّب الله، ولنبرئ ساحة آل فرعون الذين: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾، (النمل؛ 27: 14)، نعم فعلوا ذلك للمحافظة على الملك والرئاسة، واستعباد بني إسرائيل: ﴿أنؤمن لبشرين مثلنا، وقومها لنا عابدون؟!﴾، (المؤمنون؛ 23: 47)، فهؤلاء الذين كانوا رؤوس الدولة الأعظم في العالم آنذاك، يمتلكون الكنوز، يعيشون في الجنات، تجري من تحتهم الأنهار، إذاً، وايم الله، أولى بالعذر!

 

* ويقول الشيخ محمّد حامد الفقي، رحمه الله، في تعليقاته على كتاب التوحيد، في شأن مُحَكِّم القوانين الوضعية: [فهو بلا شك كافر مرتد، إذا أصر عليها ولم يرجع إلى الحكم بما أنزل الله، ولا ينفعه أي اسم تسمى به، ولا أي عمل من ظواهر أعمال الصلاة والصيام والحج ونحوها]، (من فتح المجيد: شرح كتاب التوحيد).

 

* ويقول الشيخ أحمد شاكر، رحمه الله، وهو شافعي المذهب، في تحكيم القوانين الوضعية: [فهذا الفعل إعراض عن حكم الله ورغبة عن دينه، وإيثار لأحكام أهل الكفر على حكم الله سبحانه، وهذا كفر لا يشك أحد من أهل القبلة، على اختلافهم، في تكفير القائل به، والداعي إليه]، (عمدة التفسير: 4/157).

 

* ويقول الإمام ابن كثير، وهو شافعي المذهب، في تفسير قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، (المائدة؛ 5: 50): [ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعَدَل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كالذي كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيزخان الذي وضع لهم «الياسق»، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى، من اليهودية، والنصرانية، والملة الإسلامية، وغيرها. وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعاً متبعاً يقدمونها على الحكم بكتاب الله، وسنّة رسول الله. فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل أو كثير، قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ؟!﴾، (المائدة؛ 5: 50)، أي يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾، (المائدة؛ 5: 50)]، انتهى كلام الإمام ابن كثير، رضي الله عنه.

 

فأي ضلال إذاً أفحش من الحكم بغير ما أنزل الله؟! وأي هوى أحط من الاحتكام إلى الهوى؟! وأي طاغوت أكبر من جعل الإنسان المخلوق يقوم بما تكفّل الخالق بإقامته، بأن جعل الهوى الإنساني هو المشرع، وهو الحاكم؟! وأي كفر أبعد مدى من اتباع المخلوقين لمخلوقين مثلهم، وترك ما أنزله الله على رسوله محمّد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟! فالحكم بما أنزل الله اتباع للشرع، والحكم بغير ما أنزل الله اتباع للكفر؛ فالشريعة وحدها الحق، وما بعد الحق إلا الضلال، فلا يجوز لبشر أن يجعل من غير الشرع أساساً للحكم.

 

وكل ما جعل من الأهواء والضلالات مما سمى بالاشتراكية، أو الرأسمالية، أو الديمقراطية الليبرالية، أو الخصوصيات الحضارية، أو العادات والأعراف القومية والقبلية، أو الخصوصيات الاجتماعية، إنما هو حكم بغير ما أنزل الله. وليس لهذا الحكم إلا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ، (المائدة؛ 5: 44)، لأن كل دستور أو قانون أو نظام أو لائحة أو عادة أو عرف يحتكم إليه الناس غير الإسلام فهو كما ورد بصريح القرآن الكريم طاغوت، وجاهلية جهلاء، وعودة بالبشر إلى ردة ترديهم في نار جهنم. وهذا هو سبيل غير المؤمنين، أما اتباع الإسلام فهو الطريق لمن آمن، ففيه الحياة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾، (الأنفال؛ 8: 24).

 

* يقول الإمام الشهيد سيد قطب: [إن هناك شريعة واحدة هي شريعة الإسلام وما عداها فهو هوى...﴿أفحكم الجاهلية يبغون؟ ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون﴾، (المائدة؛ 5: 50)... ﴿ثم جعلناكم على شريعة من الأمر فاتبعها، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون﴾، (الجاثية؛ 45: 18)].

 

ومن مجمل هذه النصوص يتضح أن الحكم بغير شرع الله إنما هو الكفر الصراح البواح، وأن كل لائحة، أو قانون، أو نظام، أو دستور، أو قيمة أخلاقية أو روحية، أو عرف وعادة وأدب و(إتيكيت)، لا تنبثق من العقيدة الإسلامية، طاغوت يجب الكفر به وبغضه، فالإسلام هو الدين الذي أنزله الله تعالى على رسوله محمّد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو الدين الكامل الخاتم فلا يقبل من البشرية، بل ومن الجن، دين سواه، ولا شرع غيره.

 

أما الديموقراطية الليبرالية الغربية، التي تجعل السيادة للإنسان، فهي نظام سنَّه الإنسان بوحي من عقله الناقص الذي لم يحط بكل شيء علماً، فضلاً عن تعرضه للنزوات والأهواء والضلال، وخضوعه لأنانية الذات والعشيرة والقبيلة والقوم وللمصالح الفئوية، والطبقية، والعنصرية.

 

وحتى لو فرضنا، جدلاً، أن الديموقراطية الليبرالية العلمانية كاملة، حسنة، مقبولة عقلاً (وهي ليست كذلك بيقين لما فيها من القصور والتناقضات الذاتية)، فهي بالقطع ليست مما شرعه الله، فهي ليست من الإسلام، لأن الإسلام هو ما شرعه الله، لا العقل أو الإنسان، بغض النظر عن مدى كماله وموافقته للعقل، أو ملائمته للطبع أو عدم ذلك!

 

لذلك كان كل من لم يحكم بما انزل الله معتقداً عدم صلاحية الإسلام للحياة كافراً قطعاً، كفراً يخرج من الملة ويحبط العمل، بإجماع الأمة اليقيني، المبني على النصوص القطعية الصريحة. وكذلك من فعل ذلك اعتقاداً أن ترك الحكم بما أنزل الله يسعه ويجوز له، حتى لو اعتقد في هذه الحالة أن شرع الله هو الأفضل والأكمل والأولى.

 

وكذلك من لم يحكم بما أنزل الله استخفافاً بشرع الله واستهزاءً به، أو كراهية له ونفوراً منه، أو إعراضاً عنه وعدم مبالاة به، أو احتقاراً له واستنقاصاً، كل أولئك كفار قطعاً، كفراً يخرج من الملة ويحبط العمل، بإجماع الأمة اليقيني، المبني على النصوص القطعية الصريحة.

ولكن ماذا يقال في حق (من حكم بغير ما أنزل الله) أو بلفظ أدق: (من لم يحكم بما أنزل الله) أي (من ترك الحكم بما أنزل الله)، فعلاً مجرداً، وهو مقر أنه آثم مخطئ، ولكنه تبع شهوة حكم أو سلطة أو محاباة قريب أو صديق، أو أغرته مصلحة مالية أو رشوة، غير معتقد لشيء من العقائد الباطلة، أو متلبس بشيء من الأحوال الفاسدة، الآنف ذكرها: فهو لم يعتقد عدم صلاحية الإسلام للحياة، وهو لم يعتقد جواز الحكم بغير ما أنزل الله أصلاً، بل هو معتقد لحرمة ذلك القاطعة، وهو لا يشك أن شرع الله أفضل من شرع غير الله، وهو غير فاعل لجريمته تلك استخفافاً بشرع الله، ولا استهزاءً به، أو كراهية له ونفوراً منه، أو إعراضاً عنه وعدم مبالاة به، أو احتقاراً له واستنقاصاً؟!

لقد وقع في ذلك خلاف بين علماء الأمة:

(1) فمن العلماء من قال: هو مع استحقاقه للألقاب الثلاثة، أي: كافر وفاسق وظالم، بنص القرآن الكريم، إلا أنه ليس بخارج عن الملة لأن كفره: كفر دون كفر، وفسقه: فسق دون فسق، وظلمه: ظلم دون ظلم.

(2) ومن العلماء من قال: بل هو فقط مستحق لألقاب الفسق والظلم عموماً، أما لقب «الكافر»، فلا يستحقه إلا من اقترن عنده ذلك بأمر مكفر، وذلك بقرائن وأدلة ذكروها تخصص قوله تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾. وهذا القول لا يختلف في جوهره عن السابق، وهو مجرد خلاف لفظي، إلا أنه خلاف مهم، لأن إجماع الصحابة قد انعقد على استخدام لفظة (كفر) في هذا، كما سيأتي بيانه، وهذا إجماع محترم، لا يحسن تجاوزه، ولا بحال من الأحوال.

(3) ومن العلماء من قال أنه كافر وفاسق وظالم، بنص القرآن الكريم، أي أنه مستحق لتلك الأسماء والأوصاف الشرعية لنفس الشخص في نفس الوقت، وأنها على ظاهرها تعني الكفر الناقل عن الملة، فيكون الفسق هو فسق الكفر، والظلم هو ظلم الكفر، وتكون كلها حينئذ ناقلة عن الملة ضرورة.

 

وهذا هو الحق الذي نرجحه، وهو ما أشبعناه بحثاً في الباب المعنون بـ(شبهات حول تكفير من لم يحكم بما أنزل الله)، من كتابنا: (الحاكمية، وسيادة الشـرع). ومع ترجيحنا لهذا فنحن لا نقطع به، ونحن فقط نخطّئ المخالف، فلا نكفره أو نضلله أو نفسقه على أساس ذلك، معاذ الله.

 

فرع: الوجه الخامس: وجوب ترك جميع المعالجات التي لم تنبثق من العقيدة الإسلامية

ذلك لأن كل مشرّع من دون الله طاغوت، والطاغوت لا بد من اجتنابه، بل رفضه والكفر به.

* فقد قال تقدست أسماؤه: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257)﴾، (البقرة؛ 2: 256 - 257).

* وقال جل جلاله، وتباركت أسماؤه: ﴿ألم تر الى الذين يزعمون أنهم أمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وقد أمروا أن يكفروا به، ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا﴾، (النساء؛ 4: 61).

* وقال تعالى ذكره: ﴿والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها﴾،

* وعن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، أخرجه البخاري في صحيحه (ج2/ص959/ح2550) فقال: [حدثنا يعقوب حدثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن القاسم بن محمّد عن عائشة رضي الله عنها قالته]، ثم قال البخاري: (رواه عبد الله بن جعفر المخرمي وعبد الواحد بن أبي عون عن سعد بن إبراهيم)؛ وأخرجه مسلم في صحيحه (ج3/ص1343/ح1718)؛ وابن حبان في صحيحه (ج1/ص210/ح27)؛ وابن ماجه في سننه (ج1/ص7/ح14)؛ وأبو داود في سننه (ج4/ص200/ح4606)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج6/ص240/ح26075)، (ج6/ص270/ح26372)؛ والقضاعي في مسند الشهاب (ج1/ص231/ح359)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج10/ص119/ح20158)، (ج10/ص150/ح20323)، (ج10/ص252/ح20985)؛ وابن الجارود في المنتقى (ج1/ص251/ح1002)؛ وأخرجه مسلم في صحيحه (ج3/ص1344/ح1718) بلفظ: [«من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»]؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج6/ص146/ح25171)؛ وأبو يعلى في مسنده (ج8/ص71/ح4594)؛ وغيرهم.

 

فقوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه: فهو رد» يقضي بأن كل ما هو ليس من الإسلام، كأن يكون من الاشتراكية أو الرأسمالية أو الديمقراطية الليبرالية، أو الموروثات القومية والقبلية، وما يسمّى بـ«الخصوصيات الحضارية والاجتماعية»، ونحوه، فلا بد من ردّه ورفضه، ولا يجوز التقيّد به. ولمَّا كان الإسلام كله مبنياً على الرد إلى الله ورسوله، والقبول والتسليم لهما، لزم ضرورة أن يكون كل ما يجب رده، ويحرم قبوله من الكفر، المناقض للإسلام كل المناقضة.

 

وهذا الحديث الصحيح المشهور أحد الأحاديث الأركان ـ من أركان الشريعة ـ لكثرة ما يدخل تحته من الأحكام، ولأنه عمدة في جعل الإسلام هو المقياس للحلال والحرام، وكأن الإسلام مرآة تعرض عليها جميع القوانين العقلية والاجتهادات والأعمال، فما كان منها اسلاماً تقيدت به الأمة، وما كان منها خارجاً عن الإسلام كفرت الأمة به، ووجب عليها رفضه، وأثم كل من يتقيد به، وربما كفر وارتد عن الإسلام!

 

وعليه فكل المعالجات التي لم تكن العقيدة الإسلامية أساساً لها فإنها كفر لابد من ردها، وعدم التقيد بها، لأنها ليس مما جاء به محمّد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأن مقصود قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَمْرِنَا» الواردة في الحديث: «أحدث في أمرنا» هو الإسلام، أي الشرع، والذي ليس عليه أمرنا هو الضد من ذلك، وعلى طرف نقيض منه، أي هو الكفر بعينه، وهو الطاغوت، الذي أمرنا الله تعالى أن نكفر به.

 

فرع: الوجه السادس: الشرع هو الحَكَم حتى في العلاقات والسياسة الدولية

إذا كان الشرع قد قيّد أفعال الإنسان بالحلال والحرام سواء في المعاملات أو العقوبات أو الزواج أو الطلاق، فإنه كذلك جعل السياسة الخارجية للدولة الإسلامية مسيّرة بأمر الشارع، فالحرب والسلم والمعاهدات، كل ذلك جاء الشرع ببيان أحكامه، وحرم على المسلمين عقد الاتفاقات الدولية بخلاف الأحكام الشرعية، لأن السيادة للشرع في كافة شؤون المسلمين، ودليل ذلك، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، خالف الرأي العام للأمة وقام بإجراء عقد اتفاق دولي بين الدولة الإسلامية ودولة الكفر بمكة آنذاك بما عرف باسم (صلح الحديبية)، عندها رأى المسلمون أن الاتفاقيات مذلة للمسلمين وفي غير صالحهم، وتزعّم المعارضة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، محاولاً كسب الصدّيق أبي بكر رضي الله عنه إلى جانبه في الرأي، فرفض أبو بكر ذلك منحازاً للرأي الذي نفذه رئيس الدولة الإسلامية، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولكن المعارضة سرعان ما تراجعت عن موقفها، لأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم ينزل، كعادته، عند رأي الأغلبية من المسلمين، ولأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قدّم للأمة سبباً أدّى إلى توقف الأغلبية عن المعارضة بقوله لهم: «إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري».

 

بعد سماع المسلمين لهذا القول من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، سلّموا وانقادوا وتخلّوا عن موقف المعارضة للاتفاق مع قريش، لأن رئيس الدولة أخبر الأمة أن ما تمّ في الحديبية من صلح إنما هو بناء على أمر الله تبارك وتعالى، أي أن الله سبحانه وتعالى هو الذي أمر رسوله محمّد صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقبول شروط الصلح، فلم يعد أمام النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبقيّة المؤمنين سوى السمع والطاعة.

 

وكان من لطف الله ورحمته بهم وتودده إليهم، أن أخبرهم، سريعاً، أن الصلح لن يكون في صالح الدولة الكافرة، وأنه فتح مبين! ولكن لم تكن هناك مندوحة من السمع والطاعة، حتى لو كان الصلح في مصلحة الدولة الكافرة، وحتى لو كان هزيمة نكراء، فأمر الله واجب النفاذ، وحكمه واجب الطاعة؛ فهو يحكم لا معقّب لحكمه، ولا راد لمشيئته، لا إله إلا هو ولا رب سواه، عليه نتوكل، وبه نتأيد، وإليه ننيب.

 

لذلك فإنه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لما قبل شروط الكفار يوم الحديبية، كان قبوله اذعاناً لحكم الشرع، وخضوعاً للسيد المطلق السيادة، لا إله غيره، ولا رب سواه. ولما علم المسلمون ذلك أذعنوا أيضاً وسلموا بما جرى عليه الصلح، ثم جاءت البشارة بالفتح بعد ذلك، لا قبله!

لا يقال أنهم ترددوا في التحلل، وذبح الهدي، وحلق الشعر! لا يقال ذلك لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، لم يقرهم وغضب وأنكر. وحُسن الظن بأولئك السعداء الذين شهد الله لهم بالجنة والرضوان يقتضي أن نعتذر لهم بأنهم كانوا يأملون حتى اللحظة الأخيرة بمجيئ وحي ناسخ، يحقق لهم أمنية القلب: دخول المسجد الحرام وإكمال النسك!

 

وحسن الظن بالله، جل جلاله، أنه غفر لهم ذلك التردد القبيح، الذي كان بلا شك عصياناً، وتقصيراً قبيحاً في حق الله وحق رسوله!

 

وكذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما وصل المدينة وأقام الدولة، بدأ بممارسة صلاحياته كرئيس للدولة الإسلامية، فقام بعقد تحالف اتحادي (أي: اتحاد كونفيدرالي) مع اليهود عرف باسم (عقد الصحيفة) وكان مما جاء فيه: «وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله عز وجل، وإلى محمّد صلى الله عليه وسلم» أي أن أي خلاف بين اليهود سيكون الشرع هو الحكم فيه، وكذلك كل خلاف بين اليهود، ككيان، والمسلمين، سيكون الشرع هو الحكم فيه، وكذلك كل خلاف بين اليهود، ككيان، والمسلمين كدولة انما مرده إلى الشرع؛ فنصت الصحيفة على أنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة، أفراداً وجماعات ودول، من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله عز وجل، والى محمّد، رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

 

فمن هذه السنّة العملية التي تبلورت في اتفاقين دوليين ثابتين، نعلم بوجودها بنقل تواتر: الأول مع قريش والثاني مع اليهود، وما نصت عليه الاتفاقيتان ليدُل بوضوح على أن الشرع كان دوما هو صاحب السيادة في السياسة الخارجية، والعلاقات الدولية للدولة الإسلامية، فلا يجوز عقد أي اتفاقية أو معاهدة أو حلف يخالَفُ به الإسلام، ولا تجوز، مطلقاً، المشاركة في منظمة، أو حلف، أو اتحاد، أو جبهة دولية يناقض ميثاقُها قطعيات الإسلام.

 

فصل: إشكالية (التحاكم) في دار الكفر

وبالرغم من أننا قد استوعبنا – أو كدنا – موضوع (التحاكم) في مناقشة (الوجه الثالث)، إلا أنه قد بقيت قضية مهمة تقلق مضاجع المؤمنين في زمننا هذا الذي تحولت فيه الدنيا بأسرها إلى دار كفر، تسود فيها أنظمة الكفر، ولا يحكم فيها بما أنزل الله (اللهم إلا في بعض المسائل الجزئية مثل ما يسمُّونه بـ«الأحوال الشخصية»، وفي التحاكم الاختياري بين الورعين من المؤمنين)، ألا وهي الترافع والتخاصم إلى محاكم وأنظمة تقوم أساساً على الكفر، وإلى قضاة لم يتم تعيينهم بطريقة شرعية، لا سيما إذا كان أطراف النزاع في بلد أكثر أهلها من الكفار الأصليين كبريطانيا مثلاً.

 

من الواضح أن الإشكالية هنا في التحاكم بمعني القضاء والتنفيذ. أما الفتيا، أي طلب حكم الله في المسألة على وجه غير ملزم، فلا يتصور إلا بالرجوع إلى ما أنزل الله، أي إلى كتاب الله وسنّة رسوله. وكذلك التشريع، أي سن اللوائح والأنظمة والقوانين، فلا يتصور إلا من ذي سلطان، أو مشارك في السلطان. ولا يجوز لذي السلطان المسلم إلا أن يسن ما تم استنباطه بطريقة صحيحة من الكتاب والسنّة لا غير، ولا يجوز له غير ذلك إن كان متفرداً بالسلطان. كما لا يجوز له أن يقبل السلطان مشروطاً بأن يحكم بغير ما أنزل الله، ولا بحال من الأحوال. والمسلم لا يجوز له أن يشارك مختاراً في حكم الكفر بحال من الأحوال، كما سنبرهن عليه في كتابنا: (الحاكمية، وسيادة الشرع) بما لا مزيد عليه، إن شاء الله، جل وعز.

 

فالإشكالية إذاً هي: ماذا يفعل الفرد المسلم، الذي يعيش في دار الكفر، أي تحت سلطان الكفر، أو تحت حكم الكفار، إذا ادّعى عليه مُدّع وطلبه إلى القضاء، أو كان له حق على أحد ولم يستطع الوصول إليه بصلح أو تحكيم اختياري أو شفاعة أو وساطة خير، أو أصابته مظلمة من السلطة الحاكمة نفسها، أو من جهة أخرى، وعجز عن دفعها بشتى الوسائل، ولم يبقى إلا التظلم إلى القضاء المختص أو إلى جهة إدارية أعلى. فما ذا يكون العمل حينئذ؟!

 

الحق الذي تدل عليه الأدلة أعلاه أنه يجوز له ذلك بشرط أن لا يطالب بحق، أو يدفع مطالبة أو ظلم إلا فيما وافق شرع الله، كما يعلمه هو يقيناً إما باجتهاده واستنباطه هو، أو إتباعاً لغيره من المجتهدين وفق الدليل، أو تقليداً لمن يثق به من أهل الاجتهاد والفتيا. هذا ينطبق على الشكل والموضوع، فليس أحدهما أولى من الآخر بلزومية التحاكم إلى ما أنزل الله فيه. فلا يجوز له، مثلاً، الدفع في قضية من القضايا بسقوط الحق فيها بالتقادم، أو بفوات المدة الزمنية المحددة في نظام الكفر للترافع بها، حتى ولو كان في ذلك تسهيلاً وتسريعاً للترافع، لأن كل ذلك لا يجوز في شرع الله، فلا سقوط للحقوق بالتقادم، ولا أمد زمني في الترافع.

 

وإذا كان له دين على أحد لم يجز له إلا أن يطالب برأس ماله من مقتدر مليء، من غير زيادة ربوية قد ينص نظام الكفر على استحقاقه لها، كما هو حال الأغلبية الساحقة من الأنظمة الكفرية التي تعتبر الربا حقاً مشروعاً. ولا يجوز له حتى المطالبة بتلك الزيادة الربوية، على وجه المناورة و«التكتيك»، لتخويف الخصم ودفعه إلى التسليم برأس المال، وسرعة دفعه، في مقابل «التنازل» عن ذلك الربا، مثلاً. وإذا حكم له بمثل تلك الزيادة الربوية وجب عليه رفضها، وإبلاغ القاضي بذلك، وعدم استلامها ولا حيازتها، ولتترك في خزينة المحكمة أو صندوقها. فالمؤمن في كل تلك الأحوال إنما يتحاكم إلى شرع الله، لا إلى الطاغوت، ولو وجد قاضياً شرعياً، لا يحكم إلا بالشرع، قد تم تنصيبه تنصيباً صحيحاً، لما ترافع إلا إليه.

فالمطالب يحقه الشرعي في رأس المال، مثلاً، المترافع بموجب الضرورة إلى ذي سلطان أو قاضى كافر أو قاضى يحكم بنظام كفر، أو قاضى لم يعين بطريقة شرعية صحيحة، لم يتحاكم إلا إلى ما أنزل الله، وهو بذلك مسلم مؤمن.

 

في حين أن القاضي أو المتنفذ الذي يحكم له بحقه أو ينفّذ له ذلك الحق ويستحصله له لأن ذلك هو نص القانون الذي سنّه البرلمان صاحب السيادة، أو الملك صاحب الحق «الإلاهي»، أو هو العرف المتوارث الساري الذي قبله الناس على تطاول القرون، والناس هم مصدر السلطات، هو بذلك المعتقد مشرك كافر، وهو من أهل النار يوم القيامة إن كانت بلغته رسالة الله، وقامت عليه الحجة، بغض النظر عن موافقة حكمه في تلك المسألة العينية لحكم الله ورسوله مصادفة، أو عدم موافقته.

 

أما من زعم أن ذلك الترافع تحاكم إلى الطاغوت، فهو لم ينظر إلى المسألة في جوهرها بعمق ودقة؛ فاستحقاق رأس المال للدائن على المدين تتفق فيه أكثر الشرائع، إن لم يكن جميعها. فمن رد ذلك إلى أمر الله ونهيه فهو المسلم المؤمن، ومن رده إلى عرف، أو عقل، أو مصلحة، أو أمر برلمان أو مرسوم ملكي فهو مشرك كافر. فالقضية قضية اعتقاد في مرجعية معينة والرد إليها، أي أن القضية هي:

أولاً: قضية اعتقاد المتحاكم ومرجعيته؛

وثانياً: قضية نص النظام ومحتواه، في المقام الأول وليست شخصية من يطبّقه، أو إحسان هذا للتطبيق من عدمه.

 

فالطاغوت ليس شخصاً معيناً، وإنما هو اعتقاد معين، ينبثق منه نظام معين، أو هو كيان معنوي، قد يمثله أشخاص أو مؤسسات أو دول. فليست القضية إذاً هي سداد رأس المال أو عدمه، أو من له سلطة الحكم أو صلاحية تنفيذ ذلك الحكم؛ وهكذا في كافة المسائل والقضايا.

 

ومما يدل على بطلان قول هؤلاء أنهم عموماً يميزون بين الترافع إلى المحاكم، والرجوع إلى الشرطة والجهات التنفيذية، فيحرمون الأول، وربما كفَّروا بسببه، ولا يرون بأساً بالثاني.

 

والظاهر أنهم فهموا التحاكم على أنه التقاضي أو الترافع إلى المحاكم فحسب، وهذا كذلك باطل كما بيناه أعلاه، وهو تخصيص بدون مخصّص. نعم هناك فروق بين عمل القاضي وعمل الجهات التنفيذية، ولكن التحاكم هو التحاكم، وهو الرد إلى مرجعية معينة: إلى الله ورسوله عند أهل الإسلام، وإلى غيرهما أو إليهما بالشراكة مع غيرهما عند أهل الكفر، ولا ثالث لهما. لا يؤثّر في جوهر ذلك أن ما يقوم به القاضي يختلف عما يقوم به الشرطي، وهذان يختلفان ضرورة عن المفتي والمشرع، لأن البحث ليس في خصوصيات أعمالهم، وحدود صلاحيات كل واحد منهم، ولكن البحث هو في: الرد إلى الله ورسوله وحدهما، فيكون إسلاماً وإيماناً وتوحيداً، أم إلى غيرهما منفرداً أو معهما، فيكون كفراً وشركاً.

 

* ويزداد هذا وضوحاً بما جاء في مرافعة جعفر بن أبي طالب، رضي الله عنه، المشهورة أمام النجاشي، رضي الله عنه، حيث أخرج ابن إسحاق في «السيرة النبوية»،(ج:2 ص:177)، بأصح إسناد يكون في الدنيا: [حدثني محمّد بن مسلم الزهري عن ابي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي عن أم سلمة بنت ابي أمية بن المغيرة زوج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قالت: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار، النجاشي، أمِنَّا على ديننا، وعبدنا الله تعالى، لا نؤذى، ولا نسمع شيئا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا بينهم أن يبعثوا الى النجاشي فينا رجلين منهم جلدين،]، فساقت أم سلمة هند بنت أبي أمية بن المغيرة، رضوان الله وسلامه عليها، الحديث إلى أن قالت: [فلما جاءوا، وقد دعا النجاشي اساقفته فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم فقال لهم: (ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني، ولا في دين أحد من هذه الملل؟!)، قالت: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال: له أيها الملك... إلخ]، والحديث طويل جداً، وممتع، فراجعه في سيرة ابن هشام، أو في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»، حتى ترى أن جعفر إنما ترافع بالحق، وبما شرع الله، غير مداهن في دينه، ولا مبال بدين النجاشي وشرعه، بل هو قد فعل هذا مرتين: ترافع في المرة الأولى، ثم عاد رسل قريش فاستأنفوا القضية، فترافع جعفر للمرة الثانية، حتى هزم الله قريشاً وسفراءَها.

 

فهل يعقل أن يكون جعفر الطيار، وهو من كبار أولياء الله، قد تحاكم إلى غير شرع الله، وهبها كانت منه زلة، بجهل أو تأويل، أفلم تخبر به أم المؤمنين أم سلمة هند بنت ابي أمية بن المغيرة المخزومية، زوجها رسول الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، وهو الذي كان كل تسعة أيام في بيتها ، ويبيت على فراشها على مدى ستة أعوام طوال إلى أن توفاه الله؟! وهبها فاتها أن تخبره: ألم يعلمه اللطيف الخبير، الذي أحاط بكل شيء علماً، فيوحي إلى نبيه بالتحذير من العودة إلى مثله؟!

 

على أن واقع الحال في (دار الكفر) أن الكثير من الترافع إلى القضاء، ومراجعة الأجهزة التفيذية، إنما يتورط فيه المسلم مكرهاً، كأن يكون مهدداً بالترحيل وإنهاء حقه في «اللجوء السياسي»، أو يكون متهماً بدعم «الإرهاب»، أو نحو ذلك، فيحتاج المسلم إلى الدفاع عن نفسه ضرورة. وفي حالة الضرورة الملجئة هذه فمن الواضح أنه ليس على المسلم حرج في التحاكم إلى أنظمة الكفر وقضاته، حتى ولو كانت الأنظمة محل النظر مخالفة للشرع، فالمسلم حينئذ هو المضطر المكره، الذي يجوز له حتى التلفظ بالكفر أو التظاهر بالكفر.

 

وقد استشهد بعض أهل العلم أيضاً لما قلناه بثنائه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، على (حلف الفضول)، وأنه لو دعي لمثله في الإسلام لأجاب. ونحن لا نوافقهم على ذلك لأنه استشهاد في غير محله، لأسباب منها:

أولا: أن قوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «لو دعيت إليه في الإسلام لأجبت»، تقدير امتناع لامتناع، فلا هو دعي إلى مثله في الإسلام، ولا هو قد أجاب. فغاية الأمر أن يكون ذلك ثناءً على بعض مقاصد الحلف الجميلة: كالامتناع عن الظلم، ونصرة المظلوم، وحسن معاملة زوار بيت الله الحرام، ونحوه، وكل ذلك أقره الإسلام وزاده قوة. وليس في ذلك بالضرورة أي ثناء على الحلف من حيث هو حلف أي تعاقد على القتال المشترك، أو على إجراءاته من ترافع أو استعمال للقوة أو غير ذلك؛

ثانياً: أن الأحلاف كلها قد نسخت في الإسلام بعد ذلك بقوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «لا حلف في الإسلام»، فالمسلمون جميعاً أمة واحدة، وحلف واحد. وكذلك التحاكم إلى غير الشرع. فالثابت أن شكل الحلف قد نسخ، وكذلك بعض إجراءاته، فلم يعد الاستشهاد بثنائه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، على حلف الفضول وارداً، إلا فيما أقره الشرع من المعاني الجميلة آنفة الذكر؛

 

وقد أشبعنا موضوع (حلف الفضول) بحثاً، وميَّزنا ما نسخ من أحكامه، وما لم ينسخ، على وجه الاستقصاء في كتابنا: (الموالاة والمعاداة) فليراجع هناك، لا سيما أن الكثيرين من الباحثين، والمتطفلين على موائد البحث العلمي، قد جعلوا (حلف الفضول) مثل (حمار جحا) يحمل عليه كل شيء، أو (مسمار جحا) يعلق عليه كل شيء؛ وبعض ما زعموه مبرراً بحلف الفضول يصل إلى درجة الكفر البواح، عياذاً بالله، لذلك حرصنا ها هنا على التحذير من زلة بعض العلماء في استشهادهم به في موضوع (التحاكم)، وليس لهم فيه حجة مطلقاً.

 

فصل: انعقاد الإجماع على سيادة الشرع

كما انعقد اجماع الصحابة على أن السيادة للشرع، فلم يخرج أحد من الخلفاء الأربعة عن نص في كتاب الله وسنّة رسوله، وذلك في جميع شؤون الحياة، اذ كانوا يدركون أن الاحتكام إلى الشرع من لوازم الإيمان، فلا ايمان إلا به، لذا كانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأيسرها على الناس، وأكثرها فعالية لإتقان العمل، فإذا وضع الكتاب أو السنّة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، واتباعاً له.

 

وقد اشتد تمسك الخلفاء الراشدين، وغيرهم من الصحابة، بالنصوص الشرعية على ظواهرها وعمومها وإطلاقها:

ــ فقد قضى عمر بألا ترث المرأة من دية زوجها شيئاً حتى أخبره الضحاك بن سفيان الكلابي ـ وهو أعرابي من أهل البادية ـ أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كتب اليه أن يورث أمرأة أشيم الضبابي من ديته، فرجع عمر، وكما يقول الإمام الشافعي: (فلما بلغه خلاف فعله، صار إلى حكم رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وترك حكم نفسه، وهكذا كان في كل أمره، وكذلك يلزم الناس أن يكونوا).

ــ ومن المعلوم بضرورة الحس والعقل أن الأصابع تختلف في منفعتها، والدور المتميز للإبهام يدركه كل إنسان، حتى صغار الأطفال. لذلك حكم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بديَّات مختلفة لكل إصبع، كما يقتضيه العقل والمصلحة، ولكنه ضرب بـ«العقلانية»، و«المصلحة» عرض الحائط، عندما بلغه تسوية رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بينها، وقال صراحة: (لو لم يبلغنا هذا، لحكمنا بغير هذا!)، أو كلاماً نحوه. وقد ورد عن عمر من ذلك كثير!

ــ ولقد بلغت قمة الالتزام لدى الخليفة الأول أبي بكر الصديق، رضوان الله وسلامه عليه، في كونه ثبت مصراً على اتباع ما جاء به الشرع، وما أمر به رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، رغم أنه كان في المقابل رأي يبدو فيه الصلاح في ظروف خاصة تمر بالدولة الإسلامية، فإنه لما توفي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكفر من كفر من العرب، رأى أبو بكر قتال من منع الزكاة، فقال عمر: كيف تقاتل وقد قال رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها»، فقال أبو بكر: (والله لأقاتلن من فرّق بين ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم)، ثم تابعه بعد عمر. فلم يلتفت أبو بكر إلى مشورة اذ كان عنده حكم رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة، وارادوا تبديل الدين وأحكامه وامتنعوا بالقوة المسلحة.

ــ وروي أن الإمام طاوس كان يصلي ركعتين بعد العصر فانتهره ابن عباس، رضي الله عنهما، فقال طاوس، متأولاً: (إنما نهى عنهما أن يوصل ذلك إلى الغرور)، أو كلاماً نحو ذلك، فقال ابن عباس: فإن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قد نهى عن صلاة بعد العصر! وما أدري أيعذب عليه أو يؤجر؟! لأن الله تعالى يقول: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً﴾، (الأحزاب؛ 33:36). وقال الإمام الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، موافق لما قدمنا ذكره من الحث على اتباع السنّة)، وقد وافقه الذهبي على هذا التصحيح.

 

والمهم هنا موقف الإمام الحبر البحر ابن عباس، رضي الله عنهما، من أوامر الله ونواهيه من حيث المبدأ، وإلا فإن النافلة بعد العصر مختلف فيها، والأرجح أنه لا بأس بها، وإن لم تكن من السنن الرواتب، وطاوس إنما أحال إلى رأي مجرد، وتعليل لا يدعمه نص، ورجم قبيح بالغيب، وهذه إحالة باطلة على وجه الإطلاق، ولا ريب.

 

فالصحابة رضوان الله عليهم، بمجموعهم، لم يكونوا قطعاً ليسكتوا عن عمل يخالف الشرع، فضلاً عن تفانيهم في المحافظة على بقاء السيادة له، فنفّذوا أمر الخليفة في قتال مانعي الزكاة، لما ظهر لهم وجه الحق المتمثل في الاستناد إلى الدليل. وقد بلغ الصديق رضي الله عنه ذروة التقيّد بما أمر به الرسول، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حين جرى بحث وقف مسيرة جيش أسامة إلى بلاد الشام، الخاضعة للروم، ليظل في عاصمة الدولة الإسلامية، حمايةً لها، بينما جيش خالد بن الوليد في بلاد اليمامة يقاتل المرتدين، فقال قولته المشهورة: (لو لعبت الكلاب بخلاخيل نساء المدينة، ما رددت جيشاً أنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم).

 

وقد أورد الإمام ابن القيم طرفاً من أقوال الأئمة منذ عهد الصحابة، فمن بعدهم، في كتابه القيم: «إعلام الموقعين»، (ج:2 ص:281 وما بعدها)، حيث بوب قائلاً: [(أقوال العلماء في العمل بالنص)، ثم قال: [وقال الشافعي أخبرنا سفيان بن عيينة عن عبد الله بن أبي يزيد عن أبيه قال: أرسل عمر بن الخطاب إلى شيخ من زهرة كان يسكن دارنا فذهبت معه إلى عمر رضي الله عنه فسأله عن ولاد من ولاد الجاهلية فقال: أما بالحق فلفلان، وأما النطفة فلفلان، فقال عمر: صدقت ولكن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قضى بالفراش.

 

قال الشافعي: وأخبرني من لا أتهم عن ابن أبي ذئب قال: أخبرني مخلد ابن خفاف قال: ابتعت غلاما فاستغللته ثم ظهرت منه على عيب، فخاصمت فيه إلى عمر بن عبد العزيز فقضى لي برده، وقضى علي برد غلته، فأتيت عروة فأخبرته فقال: أروح إليه العشية فأخبره أن عائشة أخبرتني أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قضى في مثل هذا أن الخراج بالضمان، فجعلت إلى عمر فأخبرته بما أخبرني به عروة عن عائشة عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم؛ فقال عمر: فما أيسر هذا علي من قضاء قضيته، اللهم إنك تعلم أني لم أرد فيه إلا الحق فبلغتني فيه سنّة عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فأرد قضاء عمر وأنفذ سنّة رسول الله، صلى الله عليه وسلم. فراح إليه عروة، فقضى لي أن آخذ الخراج من الذي قضى به علي له.

 

قال الشافعي: وأخبرني من لا أتهم من أهل المدينة عن ابن أبي ذئب قال: قضى سعد بن إبراهيم على رجل بقضية برأي ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فأخبرته عن النبي، صلى الله عليه وسلم، بخلاف ما قضى به فقال سعد لربيعة: هذا ابن أبي ذئب وهو عندي ثقة يخبرني عن النبي، صلى الله عليه وسلم، بخلاف ما قضيت به، فقال له ربيعة: قد اجتهدت ومضى حكمك، فقال سعد: واعجبا، أنفذ قضاء سعد بن أم سعد وأرد قضاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟! بل أرد قضاء ابن أم سعد وأنفذ قضاء رسول الله، صلى الله عليه وسلم،؛ فدعا بكتاب القضية فشقه وقضى للمقضي عليه...

وقال أبو النضر هاشم بن القاسم: حدثنا محمّد بن راشد عن عبدة بن أبي لبابة عن هشام بن يحيى المخزومي أن رجلا من ثقيف أتى عمر بن الخطاب فسأله عن امرأة حاضت وقد كانت زارت البيت يوم النحر، ألها أن تنفر؟ فقال عمر: لا، فقال له الثقفي: إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أفتاني في مثل هذه المرأة بغير ما أفتيت به، فقام إليه عمر يضربه بالدرة ويقول له: لم تستفتيني في شيء قد أفتى فيه رسول الله، صلى الله عليه وسلم؛ ورواه أبو داود بنحوه.

وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا صالح بن عبد الله حدثنا سفيان بن عامر عن عتاب بن منصور قال: قال عمر بن عبد العزيز: لا أرى لأحد مع سنّةٍ سنّها رسول الله، صلى الله عليه وسلم.

وقال الشافعي: أجمع الناس على أن من استبانت له سنّة عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس. وتواتر عنه أنه قال: إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط. وصح عنه أنه قال: إذا رويت عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حديثا ولم آخذ به فاعلموا أن عقلي قد ذهب. وصح عنه أنه قال: لا قول لأحد مع سنّة رسول الله، صلى الله عليه وسلم.

وقال إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعد بن إياس عن ابن مسعود أن رجلا سأله عن رجل تزوج امرأة، فرأى أمها فأعجبته فطلق امرأته ليتزوج أمها، فقال: لا بأس، فتزوجها الرجل وكان عبد الله على بيت المال، فكان يبيع نفاية بيت المال يعطي الكثير ويأخذ القليل حتى قدم المدينة فسأل أصحاب محمد، صلى الله عليه وسلم، فقالوا: لا تحل لهذا الرجل هذه المرأة ولا تصلح الفضة إلا وزنا بوزن، فلما قدم عبد الله انطلق إلى الرجل فلم يجده ووجد قومه فقال: إن الذي أفتيت به صاحبكم لا يحل، وأتى الصيارفة فقال: يا معشر الصيارفة إن الذي كنت أبايعكم لا يحل، لا تحل الفضة إلا وزنا بوزن.

 

وفي صحيح مسلم من حديث الليث عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار أن أبا هريرة وابن عباس وأبا سلمة بن عبد الرحمن تذاكروا في المتوفى عنها الحامل تضع ثم وفاة زوجها، فقال ابن عباس: تعتدّ آخر الأجلين، فقال أبو سلمة: تحل حين تضع، فقال أبو هريرة: وأنا مع ابن أخي، فأرسلوا إلى أم سلمة فقالت: قد وضعت سبيعة بعد وفاة زوجها بيسير فأمرها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن تتزوج.

وقد تقدم من ذكر رجوع عمر رضي الله عنه، وأبي موسى وابن عباس عن اجتهادهم إلى السنّة ما فيه كفاية]، انتهى كلام الإمام ابن القيم، وقد حذفنا كلاماً يسيرا رمزنا له بنقاط هكذا (...).

 

من هذا كله، نستدل على أن إجماع الصحابة قام على أن السيادة للشرع، وانعقد على عدم جواز أن تكون لغيره من حاكم أو محكوم. وبقي إجماع الأمة جمعاء منعقداً على ذلك في كل العصور التالية، حتى وقع أكثر العالم الإسلامي فريسة للاستعمار الغربي الحديث في أوائل القرن الهجري الرابع عشر المنصرم.

 

فصل: الدليل العقلي على سيادة الشرع

وحتى الدليل العقلي يقطع بأن الحاكم هو الشرع، لأن الحاكم على الأشياء من حيث الحِل والحرمة، وعلى أفعال العباد من حيث كونها واجباً أو مندوباً أو مكروها أو مباحاً، وعلى الأمور والعقود من حيث كونها أسباباً أو شروطاً أو موانع أو صحيحة أو باطلة أو فاسدة أو عزيمة أو رخصة، كل ذلك ليس من قبيل ملاءمتهما للطبع أو عدم ملاءمتها، أي إحداثها للذة أو لألم، وهو يُدرك بالحس المباشر أو الذوق، ولا من قبيل الكمال والنقص، وهو يُدرك بالحس والعقل أيضاً، وإنما هو من قبيل ترتّب المدح والذم، والثواب والعقاب عليها من الله تعالى، في الدنيا والآخرة؛ أي أن محل البحث هو ما يقوم بذات الله تبارك وتعالى من غضب أو رضى، ومن ذم أو مدح، ومن إرادة العقوبة، أو إرادة المثوبة تجاه ذلك الفعل الإنساني المحدد، وهذا لا مجال للعقل أن يحكم فيه إلا بأنه ممكن من الممكنات فقط، لأمور منها:

(1) ــ أن أفعال الله التكوينية وأحكامه الشرعية، في التحليل النهائي، لا تعلل؛ أي أنها لا تعود لأسباب موجبة أوجبت على الله أن يفعل كذا أو أن يحكم بكذا، بل هي تعود (ولو بعد سلاسل طويلة من الأسباب المتوسطة) إلى الإرادة الحرة، والاختيار المحض: ﴿فعَّال لما يريد﴾، (البروج؛ 85: 20)، ﴿إن الله يحكم ما يريد﴾، (المائدة؛ 4: 1)، ﴿يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة، سبحان الله وتعالى عما يشركون﴾، (القصص؛ 28: 68)، ﴿لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون﴾، (الأنبياء؛ 21: 23)، كما هو في الفصل المسمَّى: (أفعال الله وأحكامه لا تعلل، بل هو يفعل ما يشاء ويختار، ويحكم ما يريد)، من كتابنا هذا: (كتاب التوحيد).

 

والعملية العقلية إنما هي: ربط معلولات بعللها، وربط أسباب بمسببات، وربط نتائج بمقدمات، وإذ أن أفعال الله، جلّت قدرته، لا تعلل، وكذا أحكامه (في التحليل النهائي)، لم يعد للعقل إمكانية أصلاً في الوصول إليها، وإنما يدرك العقل فقط أنها من الممكنات المحضة، ولا محيص له من انتظار الخبر بوقوعها فعلياً، إن خرجت من الإمكان إلى الوجود الفعلي، لا فرق بين الأفعال التكوينية التقديرية، والأقضية الدينية الشرعية.

 

(2) ــ أن الله، جل جلاله وسمى مقامه، لا يلزمه تحليل الطيبات والملذات، وتحريم الخبائث والمؤلمات والمضرات، وإن كان غالب أحكامه هكذا، لا سيما في هذه الشريعة المحمّدية المباركة الخاتمة، رحمة ولطفاً بالعباد، لا لأمر وجب عليه، أو سلطة تعلوه وتأمر عليه، تعالى وتقدس. فالله هو السيد المطلق السيادة، الحر التام الحرية: ﴿يخلق ما يشاء ويختار﴾، (القصص؛ 28: 68)، لا يستحيل عليه شيء، ولا يمتنع عليه شيء، إلا ما تقتضيه «الحقانية»، أي بموجب كونه (الحق) في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وما يترتب على ذلك من الضرورات المفاهيمية والمنطقية والعقلية المطلقة؛ ولا يجب عليه شيء، إلا ما أوجبه على نفسه، ولا يحرم عليه شيء إلا ما حرّمه على نفسه بموجب «القداسة»، أي بموجب كونه (القدّوس) (السّلام)، ذي الكمال المطلق، والجمال المطلق، والجلال المطلق، السالم من كل عيب ونقص. وقد أشبعنا هذا بحثاً في الفصل المسمَّى: (محمّد، صلى اله عليه وعلى آله وسلم: ﴿يحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث﴾)، من كتابنا هذا: (كتاب التوحيد)، فليراجع.

 

(3) ــ أن أفعال الله تبارك وتعالى ـ كذاته وصفاته ـ لا يقع عليها الحس في الدنيا مباشرة، لأنه جل جلاله وراء الحجاب، فلا يمكن لعقل أو حس أن يهتدي لذلك، ولا مناص من الرجوع إلى الخبر الصادق عن الله في ذلك، قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾، (النساء؛ 4: 205)، وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى؛ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15)﴾، (الإسراء؛ 17: 13-17).

 

ومادام الحكم لا يثبت إلا بأحد اثنين: إما الشرع، وإما العقل ومتعلّقاته من حس وذوق ونحوه، والعقل لا محل له هنا، لأن القضية قضية إيجاب وتحريم، أي قضية ما هو مراد الله، وأي شيء يُرضيه أو يُسخطه، وهل سيحاسب عليه ثم يثيب ويعاقب؟! والعقل لا يمكن أن يوجب أو يحرّم وفق مراد الله، ولا يعلم، بدون الخبر الصادق ما يقوم بذات الله، وليس ذلك منوطاً به، فتعيّن أن يكون الشرع هو الحاكم، فيتوقف الحكم على مجيء الرسول، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بالرسالة.

 

أما بالنسبة للرسول فظاهر من صريح الآية: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا، (النساء؛ 4: 205). لأن نفي العذاب عن الناس قبل بعثة الرسول، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يدل على عدم تكليفهم بالأحكام أو الاعتقادات. ومن هنا كان القول الصحيح هو: أن أهل الفترة ناجون، وهم الذين عاشوا بين ضياع رسالة وبعث رسالة، ويكون حكمهم حكم الذين لم تبلغهم رسالة، وذلك كمن عاشوا قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو من لم تبلغهم رسالته، لأن الله تبارك وتعالى ليس يعذب أحداً حتى يسبق إليه من الله خبر، أو يأتيه من الله بيِّنة، وليس معذباً أحداً إلا بذنبه، بعد وصول النذارة له، وقيام الحجة عليه، وتبين الحق له.

 

وعليه فقبل بعثة الرسول، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا يقال أن حكم الأشياء والأفعال حلال أو حرام شرعاً، لأنه لا حكم لها أصلاً، وإلا لوقعنا في التناقض، الذي يظهر من تأمل قولنا أن الحكم الشرعي هو «الحِل»، مثلا، كما قال البعض، أو «الحُرمة» كما زعم آخرون، ولكننا أيضاً نقول أن الشرع هو الذي ينشئ الحكم إنشاءً، ولكن الشرع لم يأت بعد، فليس ثمة حكم أصلاً؛ فيكون الحكم موجوداً ومعدوماً في آن واحد، لشيء واحد، بنفس الشروط وتحت نفس الظروف، وهذا مستحيل!

 

بل للإنسان أن يفعل ما يريد دون التقيد بحكم، ولا شيء عليه عند الله حتى يبعث إليه رسولا، وحينئذ يتقيد بأحكام الله التي بلّغه اياها الرسول حسب ما بلّغها له، تماماً كذلك، من غير زيادة ولا نقصان. وهذا حال الناس بعد بعثة محمّد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن عموم آيات الأحكام تدل على وجوب الرجوع إلى الشرع وحده مطلقاً والتقيّد به، قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾.

 

وعليه فإن الحاكم هو الشرع، ولا حكم قبل وروده، والشرع هو الذي ينشئ الأحكام إنشاءً بوروده، وهي معدومة، لا وجود لها، قبل وروده، وما يفعله الإنسان ويسنّه لنفسه، بعقله، وفق ما يسمُّونه بـ(القانون الطبيعي)، أو (الحقوق الطبيعية)، أو شهوته وهواه، قبل ورود الشرع ليس شرعاً ولا حكماً، ولكنه «عدم تكليف»، أي «عدم وجود للحكم الشرعي» فقط لا غير، والعدم ليس شيئاً!

وعليه: فإن العقل ليس حاكماً، أي ليس مشرّعاً على وجه الابتداء والإنشاء، لا قبل ورود الشرع ولا بعد وروده، ولا في حال من الأحوال.

 

وأما كون العقل هو الذي يحكم بأن الله موجود، وأنه السيد الأعلى المطلق السيادة المستحق للطاعة عقلاً، وأن هذا الرجل المعيَّن نبي صادق من عند الله، وليس متنبئاً كاذباً على الله، وأنه من ثمّ معصوم ضرورة في التبليغ الصريح عن الله، وأن الصدق حسن، والكذب قبيح، وأن الماء ضروري للحياة، وأن الماء البارد لذيذ شربه للعطشان السليم، فلأن تلك ونحوها قضايا عقلية أو قضايا منطقية أو قضايا حسية، وليست قضايا شرعية، أي ليست تشريعاً على وجه الابتداء والإنشاء. لذلك فهي منوطة بالحس والعقل، قبل مجيء الوحي، وبعد مجيئه، على حد سواء.

 

فالعقل له وظائف محددة منها: الحكم على القضايا العقلية والحسية، ومن ذلك الحكم بصحّة النقل والخبر، وفهم النصوص والمقولات، شرعية كانت أو غير شرعية، وتحليل المفاهيم والمعاني، شرعية كانت أو غير شرعية. وهو متربّع على كرسي تلك المملكة، بتشريف الله له، مطلق اليد في ذلك الاختصاص، بإذن الله له. وهذا العقل قد حكم قبل ورود الشرع أن مراد الله، لا يعرف ضرورة، إلا بالخبر الصادق عنه، فقط لا غير؛ وهو يحكم اليوم، بعد ورود الشرع، بذلك الحكم بعينه، بدون تغيير، ولا زيادة أو نقصان.

 

فلا صحة إذاً لما قاله بعض الأكابر من: [أن العقل حاكم، نصّب النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم عزل نفسه!]. نعم لا صحة لذلك، بل هذا من زلات العلماء الشنيعة، وأوهام الذهن الفظيعة، وهو هراء محض؛ فالعقل ما كان حاكماً قط، بالمعنى الشرعي المفصل أعلاه، كما أنه لم ينصّب الأنبياء، ولكنه أدرك حقيقة شخصياتهم، ومحتوى دعوتهم، وحَكَم بصدق نبوتهم، والله، تباركت أسماؤه وتقدست صفاته، هو الذي نصّبهم في مناصب النبوة، وهو كذلك الذي نصّب العقل في وظيفته.

 

فالعقل باقي في وظيفته، التي عيّنه الرب، جل وعلا، فيها على وجه التأبيد، وهو (مناط التكليف): لم يعزل نفسه، ولا ينبغي أن يعزل نفسه، ومحال أن يعزل نفسه، ويَحرُمُ شرعاً أن يعزل نفسه، وإنما عَزَلَهُ من سفَّه نفسه، وضيَّع عقله بالكلية ممن كفر بالله ورسله: من الملحدين، والماديين، والعلمانيين، والرأسماليين، والاشتراكيين، والوثنيين، والثنويين، والمثلثين، وغيرهم من ملل الكفر والضلالة. كما أساء الى العقل، وكفّ يده، ظلماً وعدواناً، وكفراً بنعمة الله، المبتدعة المنحرفون، والمقلّدة الجامدون من المسلمين، وفي مقدمتهم، في زمننا هذا، أعداء الله من فقهاء السلاطين، وأهل الجهل المركَّب المتعالمين، والمقلدة الجامدين، وكثير من الدجاجلة أو من الغلاة المارقين أتباع الفرقة الوهابية، أدعياء «السلفية»، من اتباع ابن باز وابن عثيمين والألباني؛ ومن المدخليين والجاميين، كالفوزان والسدلان (الملقب بحق: الشيطان)، ومن شابههم وتبعهم ولحق بهم، من السفلة والتافهين والسطحيين والظلاميين، بل الخونة والدجّالين!

 

وإن كنت في شك من استحقاقهم لما أسلفنا من قبيح الصفات، فعليك بكتبهم التي يوزعونها مجاناً: «طاعة الرحمن في طاعة السلطان»، «القطبية، هي الفتنة فاعرفوها!»، «الحاكمية، وفتنة التكفير»؛ ومواقعهم الإلكترونية التي لا تعدّ ولا تحصى مؤكدة أن: (جعل الحاكمية قسما رابعا هو تقسيم مبتدع لا دليل عليه)، و(القسم الرابع توحيد الحاكمية جاء به السّروريون القطبيون)، و (جناية بدعة الحاكمية على الأمّة الإسلاميّة)، وغيرها، وغيرها؛ أخزاهم الله وأبعدهم، وقاتلهم، ولعنهم، وأبادهم.

 

فصل: ما هي حقيقة شرك قوم لوط؟!

ولعل من خير ما نختتم به هذا الباب مراجعة قولنا في الباب الخامس المعنون (التوحيد: ماهيته وحقيقته) من كتابنا هذا: (كتاب التوحيد) أثناء ردّنا على ما يسمَّى (هيئة كبار العلماء) في السعودية، نصاً: (بل هناك جهل قبيح بحقيقة دعوة الأنبياء، إذ أن الظاهر أن أعضاء «الهيئة» يعتقدون أن الأنبياء كانوا يدعون الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له بالمعنى السطحي الساذج: قيام وقعود، وسجود، وذبح قرابين، وإيقاد شموع، ونحوه. وهذا كذب صريح على أنبياء الله المكرّمين، المطهرين المعصومين، يكفي لإبطاله مراجعة دعوة لوط، صلوات الله وسلامه عليه، أين هناك السجود والركوع؟! إنما كانت دعوته، في المقام الأول، إلى ترك استحلال الفواحش والمنكرات، ولم يرد فيها قط ذكر وثن أو صنم، أو آلهة يُسجد لها من دون الله، أو يستغاث بها، أو يستعاذ. بل لو زعم زاعم أن قوم لوط كانوا لا يرون ألوهية غير الله بالمعنى المحدود، كما تفهمه «الهيئة» المتخلفة عقلياً، لما كان بعيداً عن الصواب).

 

ثم استخرنا الله في مراجعة كل ما جاء في كتاب الله عن لوط وقومه، فوجدنا بترتيب المصحف:

(1)- قال الله، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ * إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ * وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾، (الأعراف؛ 7 : 80-83).

(2)- ﴿وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالَ هَـذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ * وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَـؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ * قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ * قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ * قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ * فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾، (هود ؛ 11 : 77-83).

(3)- وقال الله، تباركت أسماؤه: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُواْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ * فَلَمَّا جَاء آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ * قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ * قَالُواْ بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ * وَأَتَيْنَاكَ بَالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ * فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَامْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ * وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ * وَجَاء أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ * قَالَ إِنَّ هَؤُلاء ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُوا اللّهَ وَلاَ تُخْزُونِ * قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ *قَّالَ هَؤُلاء بَنَاتِي إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ * لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقيمٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤمِنِينَ﴾، (الحجر ؛ 15 : 57-77).

(4)- وقال الله، تعالى مجده: ﴿وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، (الأنبياء ؛ 21 : 74-75).

(5)- ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ * قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ * قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ الْقَالِينَ * رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ * فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾، (الشعراء؛ 26 : 200-175).

(6)- وقال الله، عز شأنه: ﴿وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾، (النمل؛ 28 : 54-58)؛ ثم عقَّب، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادهِ الَّذِينَ اصْطَفَى: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ * أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ * بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمِونَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (69)﴾.

(7)- وقال الله، تقدست صفاته: ﴿وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ * وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ * قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ * وَلَمَّا أَن جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ * إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، (العنكبوت ؛ 29 : 28-35).

(8)- وقال الله، تباركت أسماؤه: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ * إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ * نِعْمَةً مِّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ * وَلَقَدْ أَنذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ * وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ * فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ * وَلَقَدْ جَاء آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ * كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ * أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِي الزُّبُرِ * أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ * سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾، (القمر؛ 37: 33-46).

 

وجاء ذكر لوط، صلوات الله عليه، في معرض التأكيد على رسالته مع جملة الرسل، وعذاب قومه مع جملة المعذبين المهلكين، من مثل:

 (9)- وقال الله، جل ذكره: ﴿وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ * وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾، (هود؛ 11: 89-90).

(10)- وقال الله، جل وعز: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾، (الحج؛ 22: 42-45).

(11)- وقال الله، سبحانه، وتعالى جده: ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ * وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، (الصافات؛ 37: 133-135).

 

وليس فيما سلف ذكر إلا لفاحشة إتيان الرجال شهوة من دون النساء، وزادتنا سورة العنكبوت فقط جريمتين: قطع السبيل، وإتيان المنكر في نواديهم، أي وإتيان المنكر في مجالسهم؛ فلا يوجد ذكر لآلهة أو أرباب أو أوثان أو أنصاب، وليس ثمة جدال حول البعث والنشور البتة، ولا كلام عن ذات الله وصفاته أصلاً.

 

ولقد اختلفت أقوال المفسرين من السلف في معنى قوله، جل جلاله: ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾، وقوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ﴾، وقد استوعبها الإمام الماوردي استيعاباً حسنا:

ــ كما جاء في تفسير الماوردي المسمَّى النكت والعيون (4/281-282): [قوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ أي تنكحون الرجال. ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه قطع الطريق على المسافر، قاله ابن زيد؛ الثاني: أنهم بإتيان الفاحشة من الرجال قطعوا الناس عن الأسفار حذراً من فعلهم الخبيث، حكاه ابن شجرة؛ الثالث: أنه قطع النسل للعدول عن النساء إلى الرجال، قال وهب: استغنواْ عن النساء بالرجال.

﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيِكُمُ الْمُنكَرَ﴾ أي في مجالسكم المنكر فيه أربعة أوجه: أحدها: هو أنهم كانوا يتظارطون في مجالسهم، قالته عائشة رضي الله عنها. الثاني: أنهم كانوا يخذفون من يمر بهم ويسخرون منه روته أم هانئ عن النبي، صلى الله عليه وسلم. الثالث: أنهم كانوا يجامعون الرجال في مجالسهم، رواه منصور عن مجاهد. الرابع: هو الصفير ولعب الحمام والجلاهق والسحاق وحل أزرار القيان في المجلس؛ رواه الحاكم عن مجاهد].

قول الإمام الماوردي عن (قطع السبيل) في الوجه الأول: (أنه قطع الطريق على المسافر، قاله ابن زيد) فيه شيء من التقصير، لأنه يوهم قطع الطريق بالسلب والنهب، ونحو ذلك، وليس هذا هو قول ابن زيد، كما أتى به الإمام الطبري مفسراً: (قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ قال: السبيل: الطريق. المسافر إذا مرّ بهم، وهو ابن السبيل قَطَعوا به، وعملوا به ذلك العمل الخبيث)؛ فعلى ذلك تكون الوجوه الثلاثة كلها زيادة تفنن وتفريع لجريمتهم الكبرى: إتيان الرجال في الأدبار.

 

وأما بالنسبة لقوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيِكُمُ الْمُنكَرَ﴾، فالوجه الثاني، الذي رجّحه الإمام الطبري، إنما تفرد بروايته أبو صالح باذام مولى أم هانئ، عنها، عن النبي، صلى الله عليه وسلم. وأبو صالح باذام مولى أم هانئ، ليس بالقوي، ولكن لم يتركه أحد، وله خصوصية بأم هانئ، فقد نشأ في بيتها، وهي التي وجهته إلى طلب العلم. والوجه الرابع ساقط بالمرة، ولا تجد له طرقا إلى مجاهد أو ابن عباس إلا وهي منقطعة، أو مشحونة بالكذابين المتروكين. والوجه الأول رأي له وجاهته لأم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، والتظارط في المجالس قبيح، ولا شك، ولكنه ليس من الكبائر الموبقة، ويبعد أن يكون نبي الله لوط قد اعتنى به في أول الدعوة، حين تكون العناية بالكليات والأصول والمهمات، فترجَّح الوجه الثالث، وهو أنهم كانوا يجامعون الرجال في مجالسهم علانية، فيكون هذا زيادة تفنن وتفريع لجريمتهم الكبرى: إتيان الرجال في الأدبار، وهذا ما نرجحه، والله أعلم.

 

وبالرغم أن دقائق تفسير قوله، جل جلاله: ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾، وقوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ﴾، لا تعنينا ها هنا، ولا تأثير لها على ما سنقرره قريباً، إلا أنه من المستحسن سرد بعض الروايات والنقول المتعلقة بذلك استكمالاً للفائدة:

ــ من مثل ما قد جاء في تفسير الطبري، جامع البيان [ت شاكر (20/28-31)]: [يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل لوط لقومه ﴿أَئِنَّكُمْ﴾ أيها القوم، ﴿لَتأْتُونَ الرّجالَ﴾ في أدبارهم ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ يقول: وتقطعون المسافرين عليكم بفعلكم الخبيث، وذلك أنهم فيما ذُكر عَنْهم كانوا يفعلون ذلك بمن مرّ عليهم من المسافرين، من ورد بلادهم من الغرباء.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: (وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ) قال: السبيل: الطريق. المسافر إذا مرّ بهم، وهو ابن السبيل قَطَعوا به، وعملوا به ذلك العمل الخبيث.

وقوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ اختلف أهل التأويل في المنكر الذي عناه الله، الذي كان هؤلاء القوم يأتونه في ناديهم، فقال بعضهم: كان ذلك أنهم كانوا يتضارطُون في مجالسهم.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عبد الرحمن بن الأسود، قال: حدثنا محمّد بن ربيعة، قال: حدثنا رَوْح بن عُطيفة الثقفيّ، عن عمرو بن مصعب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، في قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ قال: الضراط.

وقال آخرون: بل كان ذلك أنهم كانوا يحذفون من مر بهم.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كُرَيب وابن وكيع قالا: حدثنا أبو أسامة، عن حاتم بن أبي صغيرة، عن سماك بن حرب، عن أبي صالح، عن أمّ هانئ، قالت: سألت النبيّ، صلى الله عليه وسلم، عن قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ قالَ: (كانوا يَحْذِفُونَ أهْل الطَّرِيقِ وَيَسْخَرونَ مِنْهُمْ)، فهو المنكر الذي كانوا يأتون.

ــ حدثنا الربيع، قال: حدثنا أسد، قال: حدثنا أبو أُسامة، بإسناده عن النبيّ، صلى الله عليه وسلم، مثله.

ــ حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، قال: حدثنا سليم بن أخضر، قال: حدثنا أبو يونس القُشَيري، عن سِماك بن حرب، عن أبي صالح مولى أمّ هانئ، أن أمّ هانئ سُئلت عن هذه الآية ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ فقالت: سألت عنها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: (كانُوا يَحْذِفُون أهْلَ الطَّرِيقِ، وَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ).

ــ حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا عمر بن أبي زائدة، قال: سمعت عكرِمة يقول في قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ قال: كانوا يُؤذْون أهل الطريق يحذفون من مَرَّ بهم.

ــ حدثنا ابن وكيع، قال: حدثني أبي، عن عمر بن أبي زائدة، قال: سمعت عكرِمة قال: الحذف.

ــ حدثنا موسى، قال: أخبرنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ قال: كان كلّ من مرّ بهم حذفوه، فهو المنكر.

ــ حدثنا الربيع، قال: حدثنا أسد، قال: حدثنا سعيد بن زيد، قال: حدثنا حاتم بن أبي صغيرة، قال: حدثنا سماك بن حرب، عن باذام- أبي صالح - مولى أمّ هانئ - عن أمّ هانئ قالت: سألت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن هذه الآية ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ قال: "كانُوا يَجْلِسُونَ بالطَّرِيقِ، فَيَحْذِفُونَ أبْناءَ السَّبِيلِ، وَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ".

وقال بعضهم: بل كان ذلك إتيانهم الفاحشة في مجالسهم.

* ذكر من قال ذلك:

ــ حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، قال: كان يأتي بعضهم بعضا في مجالسهم، يعني قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾.

ــ حدثنا سليمان بن عبد الجبار، قال: حدثنا ثابت بن محمّد الليثيّ، قال: حدثنا فضيل بن عياض، عن منصور بن المعتمر، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ قال: كان يجامع بعضهم بعضا في المجالس.

ــ حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام، عن عمرو، عن منصور، عن مجاهد: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ قال: كان يأتي بعضهم بعضا في المجالس.

ــ حدثنا ابن وكيع، قال: حدثني أبي، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال: كانوا يجامعون الرجال في مجالسهم.

ــ حدثني محمّد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ قال: المجالس، و(المنكَرَ): إتيانهم الرجال.

ــ حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ قال: كانوا يأتون الفاحشة في ناديهم.

ــ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ قال: ناديهم: المجالس، و﴿المنكر﴾: عملهم الخبيث الذي كانوا يعملونه، كانوا يعترضون بالراكب، فيأخذونه ويركبونه. وقرأ: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾، وقرأ ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾.حدثني عليّ، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ يقول: في مجالسكم.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: وتحذفون في مجالسكم المارّة بكم، وتسخَرون منهم؛ لما ذكرنا من الرواية بذلك عن رسول، صلى الله عليه وسلم]، انتهى كلام الإمام الطبري؛

ــ وجاء في تفسير عبد الرزاق (2/482/2177): [حدثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أخبرنا فُضَيْلٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾، قَالَ: «كَانَ يُجَامِعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الْمَجَالِسِ»].

ــ وجاء في تفسير مجاهد (ص:535): [أنبأ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حدثنا إِبْرَاهِيمُ، حدثنا آدَمُ، حدثنا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾، يَعْنِي: (فِي مَجَالِسِكُمْ، وَالْمُنْكَرُ: أُتُوُّهُمُ الرِّجَالُ)].

ــ وجاء في تفسير مقاتل بن سليمان (3/381): [﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ يعني في مجالسكم المنكر يعني الحذف بالحجارة].

ــ وجاء في تفسير ابن أبي حاتم [محققا (9/3054/17271)]: [حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حدثنا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ حَاتِمِ بْنِ أَبِي صَغِيرَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ فَقَالَ: كَانُوا يَحْذِفُونَ أَهْلَ الطَّرِيقِ وَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ]، وأخرجه الترمذي في سننه (ج5/ص342/ح3190) وحسنه؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج6/ص341/ح26935)، ج6/ص424/ح27423)، والحاكم في مستدركه (ج2/ص444/ح3537)، (ج4/ص320/ح7761) زاعماً أنه صحيح، أو على شرط مسلم، فلم يوفق؛ والطيالسي في مسنده ج1/ص225/ح2017)؛ والطبراني في معجمه الكبير (ج24/ص412/ح1000)، (ج24/ص412/ح1002)؛ وغيرهم.

ــ وجاء في تفسير ابن أبي حاتم - محققا (9/3054/17272): [حَدَّثَنَا أَبِي حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الطَّبَّاعُ، حدثنا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ، حدثنا رَوْحُ بْنُ عَطِيَّةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الثَّقَفِيُّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ قَالَتِ: الضُّرَاطُ].

ــ وجاء في تفسير ابن أبي حاتم [محققا (9/3054/17273)]: [حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حدثنا بُكَيْرُ بْنُ خَلَفٍ، حدثنا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ حدثني أَبِي عَنْ يَزِيدَ بْنِ بَكْرٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ: سُئِلَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ مَا ذَاكَ الْمُنْكَرُ؟ قَالَ: كَانُوا يَتَضَارَطُونَ فِي الْمَجْلِسِ يَضْرِطُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَالنَّادِي: الْمَجْلِسُ].

ــ وجاء في تفسير ابن أبي حاتم [محققا (9/3054/17274)]: [حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الأَحْمَسِيُّ، حدثنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ قَالَ: كَانُوا يُجَامِعُونَ الرِّجَالَ فِي مَجَالِسِهِمْ].

ــ وجاء في تفسير ابن أبي حاتم [محققا (9/3055/17275)]: [حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ قَالَ: الصَّفِيرُ وَلَعِبُ الْحَمَامِ وَالْجَلاهِقُ ... وَحَلُّ أَزْرَارِ الْقُبَاءِ]؛ وهذا إسناد منقطع: كل من مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ بن أبي عطاء الثقفي الصنعاني، ومُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ العبدي لم يدرك عمراً بن قيس الملائي، والمتن منكر باطل.

 

ولعل فيما مضى كفاية، والمهم، وهو المقطوع به أن الآيات لم تنسب إلى لوط، صلوات الله عليه، أي كلام عن آلهة، أو أوثان، أو أنصاب، أو جدال حول بعث أو نشور، ولا حرفاً واحداً.

 

وكذلك فإنه من المقطوع به أن لوطاً، صلوات الله عليه، من جملة المرسلين الذين قال الله، جل جلاله، وسما مقامه، فيهم وفي أممهم: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾، (النحل؛ 20 : 36)؛ وقال أيضاً: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، (الأنبياء؛ 21 : 25)، وصيغة: (ما ... إلا) من صيغ الحصر، فما بُعِث رسول قط إلا بهذه: ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾.

 

فوجب ضرورة أن يكون قوله: (إن الله حكم بحرمة إتيان الرجال في الأدبار فلا تستحلوه)، صورة من صور قوله: (اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ)؛ أي أن استحلالهم لإتيان الرجال عبادة للطاغوت، وترك لعبادة الله وشرك به، ضرورة ولا بد.

 

ومع وضوح ذلك، كالشمس في رابعة النهار، فإن الإمام الرازي أورد شبهة حول هذا، إليك نصها:

* كما جاء في تفسير الرازي المسمَّى: مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (25/49): [وهاهنا مسائل: الْأُولَى: قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِقَوْمِهِ: اعْبُدُوا اللَّهَ، وَقَالَ عن لوط هاهنا أَنَّهُ قَالَ لِقَوْمِهِ: لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ، فَنَقُولُ لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ لُوطًا عِنْدَ ذِكْرِ إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَ لُوطٌ فِي زَمَانِ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَذْكُرْ عَنْ لوط أنه أمر قومه بِالتَّوْحِيدِ، مَعَ أَنَّ الرَّسُولَ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ؛ فَنَقُولُ: حِكَايَةُ لُوطٍ وَغَيْرُهَا هاهنا ذَكَرَهَا اللَّهُ عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِصَارِ، فَاقْتَصَرَ عَلَى مَا اخْتَصَّ بِهِ لُوطٌ وَهُوَ الْمَنْعُ مِنَ الْفَاحِشَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَنْهُ الْأَمْرَ بِالتَّوْحِيدِ، وَإِنْ كَانَ قَالَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ حَيْثُ قَالَ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرهُ﴾ [الأعراف: 59] لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَدْ أَتَى بِهِ إِبْرَاهِيمُ وَسَبَقَهُ فَصَارَ كَالْمُخْتَصِّ بِهِ، وَلُوطٌ يُبَلِّغُ ذَلِكَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ. وَأَمَّا الْمَنْعُ مِنْ عَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ كَانَ مُخْتَصًّا بِلُوطٍ، فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ فِي زَمَنِهِ وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ مِنْهُ، فَذَكَرَ كُلَّ وَاحِدٍ بِمَا اخْتَصَّ بِهِ وَسَبَقَ بِهِ غَيْرهُ].

 

قول الإمام الرازي: (وَإِنْ كَانَ قَالَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ حَيْثُ قَالَ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرهُ﴾ [الأعراف: 59])، إن كان الضمير في (قَالَهُ) يعود إلى لوط، فخطأ محض، لأن الآية المشار إليها تروي كلام نوح، والآيات المماثلة والمشابهة الأخرى، في سورة الأعراف وفي غيرها، تروي كلام أنبياء آخرين غير لوط؛ والصحيح أن القرآن لم يذكر قط عن لوط (الْأَمْرَ بِالتَّوْحِيدِ) على حد قول الرازي، أي بالمعنى البدائي الساذج: آلهة وأوثان وأنصاب، (مَعَ أَنَّ الرَّسُولَ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ).

 

وإقحام إبراهيم، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، في القصة محاولة يائسة لحل إشكالية متوهمة: فإن إبراهيم، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، لم يرسل إلى قوم لوط أصلاً، وحتى لو زعمنا جدلاً أنه أرسل لهم أولاً فأصبحوا موحدين، ثم انتكسوا في استحلال إتيان الرجال بعد أن ارتحل عنهم، فلا بد أن يكون هذا شركاً وعبادة للطاغوت لأن الله أرسل لهم رسولاً آخر هو لوط، وهو لا بد من جملة الرسل القائلين: ﴿ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾.

 

ثم قررنا مراجعة الكتب القديمة لمزيد استجلاء لغوامض هذه القضية – مع أنها واضحة بحمد الله – بالرغم من علمنا أن الكتب الأولى لحقها التبديل والتحريف، وعبث بها فسقة الأحبار والرهبان، ولكنها تبقى أحسن الموجود. فوجدنا العهد القديم (الذي يضم التوراة، وكتباً أخرى) يذكر قبائل ومدن كثيرة في الأرض المقدسة، فلسطين وما حولها، منها الوثني، ومنها غير ذلك، ولا تذكر أن إبراهيم قد أمر بدعوتها، أو أرسل إليها، مع أنه كان كثير الترحال بينها، وقد وصل إلى مصر وجزيرة العرب مراراً؛ وهي كذلك لا تذكر عن قوم لوط إلا إتيان الرجال، تماماً كما جاء في القرآن، وإليك بعض النصوص:

ــ كما جاء في السفر الأول (سفر التكوين)، الإصحاح الثالث عشر والرابع عشر: [عودة أبرام من مصر:

13

1 وغَادَرَ أَبْرَامُ مِصْرَ وَتَوَجَّهَ هُوَ وَزَوْجَتُهُ وَلُوطٌ وَكُلُّ مَا كَانَ لَهُ، نَحْوَ مِنْطَقَةِ النَّقَبِ

2 وَكَانَ أَبْرَامُ يَمْلِكُ ثَرْوَةً طَائِلَةً مِنَ الْمَوَاشِي وَالْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ.

3 وَظَلَّ يَنْتَقِلُ فِي مِنْطَقَةِ النَّقَبِ مُتَّجِهاً إِلَى بَيْتِ إِيلٍ، إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ قَدْ نَصَبَ فِيهِ خِيَامَهُ أَوَّلاً بَيْنَ بَيْتِ إِيلٍ وَعَايَ.

4 حَيْثُ كَانَ قَدْ شَيَّدَ الْمَذْبَحَ أَوَّلاً، وَدَعَا هُنَاكَ أَبْرَامُ بِاسْمِ الرَّبِّ.

افتراق أبرام ولوط:

5 وَكَانَ لِلُوطٍ الْمُرَافِقِ لأَبْرَامَ غَنَمٌ وَبَقَرٌ وَخِيَامٌ أَيْضاً.

6 فَضَاقَتْ بِهِمَا الأَرْضُ لِكَثْرَةِ أَمْلاَكِهِمَا فَلَمْ يَقْدِرَا أَنْ يَسْكُنَا مَعاً.

7 وَنَشَبَ نِزَاعٌ بَيْنَ رُعَاةِ مَوَاشِي أَبْرَامَ وَرُعَاةِ مَوَاشِي لُوطٍ، فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ فِيهِ الْكَنْعَانِيُّونَ وَالْفِرِزِّيُّونَ يُقِيمُونَ فِي الأَرْضِ.

8 فَقَالَ أَبْرَامُ لِلُوطٍ: «لاَ يَكُنْ نِزَاعٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَلاَ بَيْنَ رُعَاتِي وَرُعَاتِكَ لأَنَّنَا نَحْنُ أَخَوَانِ.

9 أَلَيْسَتِ الأَرْضُ كُلُّهَا أَمَامَكَ؟ فَاعْتَزِلْ عَنِّي. إِنِ اتَّجَهْتَ شِمَالاً، أَتَّجِهْ أَنَا يَمِيناً، وَإِنْ تَحَوَّلْتَ يَمِيناً، أَتَحَوَّلْ أَنَا شِمَالاً».

لوط يختار سدوم:

10 وَتَلَفَّتَ لُوطٌ حَوْلَهُ فَشَاهَدَ السُّهُولَ الْمُحِيطَةَ بِنَهْرِ الأُرْدُنِّ وَإِذَا بِهَا رَيَّانَةٌ كُلُّهَا، قَبْلَمَا دَمَّرَ الرَّبُّ سَدُومَ وَعَمُورَةَ، وَكَأَنَّهَا جَنَّةُ الرَّبِّ كَأَرْضِ مِصْرَ الْمُمْتَدَّةِ إِلَى صُوغَرَ.

11 فَاخْتَارَ لُوطٌ لِنَفْسِهِ حَوْضَ الأُرْدُنِّ كُلَّهُ وَارْتَحَلَ شَرْقاً. وَهَكَذَا اعْتَزَلَ أَحَدُهُمَا عَنِ الآخَرِ.

12 وَسَكَنَ أَبْرَامُ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ، وَأَقَامَ لُوطٌ فِي مُدُنِ السَّهْلِ حَيْثُ نَصَبَ خِيَامَهُ بِجُوَارِ سَدُومَ.

13 وَكَانَ أَهْلُ سَدُومَ مُتَوَرِّطِينَ فِي الشَّرِّ، وَخَاطِئِينَ جِدّاً لَدَى الرَّبِّ.

14 وَقَالَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ بَعْدَ أَنِ اعْتَزَلَ عَنْهُ لُوطٌ: «ارْفَعْ عَيْنَيْكَ وَتَلَفَّتْ حَوْلَكَ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ، شِمَالاً وَجَنُوباً، شَرْقاً وَغَرْباً،

15 فَإِنَّ هَذهِ الأَرْضَ الَّتِي تَرَاهَا، سَأُعْطِيهَا لَكَ وَلِذُرِّيَّتِكَ إِلَى الأَبَدِ.

20 وَسَأَجْعَلُ نَسْلَكَ كَتُرَابِ الأَرْضِ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَحَدٌ أَنْ يُحْصِيَ تُرَابَ الأَرْضِ يَقْدِرُ آنَئِذٍ أَنْ يُحْصِيَ نَسْلَكَ

17 قُمْ وَامْشِ فِي طُولِ الأَرْضِ وَعَرْضِهَا لأَنِّي لَكَ أُعْطِيهَا».

18 فَنَقَلَ أَبْرَامُ خِيَامَهُ ونَصَبَهَا فِي سَهْلِ مَمْرَا فِي حَبْرُونَ. وَهُنَاكَ شَيَّدَ لِلرَّبِّ مَذْبَحاً.

 

حرب الملوك:

14

وَحَدَثَ فِي زَمَانِ أَمْرَافَلَ مَلِكِ شِنْعَارَ وَأَرْيُوكَ مَلِكِ أَلاسَارَ وَكَدَرْلَعَوْمَرَ مَلِكِ عِيلاَمَ وَتِدْعَالَ مَلِكِ جُويِيمَ،

2 أَنَّ حَرْباً نَشَبَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَارَعَ مَلِكِ سَدُومَ وَبِرْشَاعَ مَلِكِ عَمُورَةَ وَشِنْآبَ مَلِكِ أَدْمَةَ وَشِمْئِيبَرَ مَلِكِ صَبُويِيمَ، وَمَلِكِ بَالَعَ الْمَعْرُوفَةِ بِصُوغَرَ.

3 هَؤُلاَءِ جَمِيعُهُمُ احْتَشَدُوا فِي وَادِي السِّدِّيمِ وَهُوَ بَحْرُ الْمِلْحِ (الْبَحْرُ الْمَيِّتُ)

4 وَكَانَ كَدَرْلَعَوْمَرُ قَدِ اسْتَعْبَدَهُمْ طَوَالَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَفِي السَّنَةِ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ تَمَرَّدُوا عَلَيْهِ.

5 وَفِي السَّنَةِ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ اجْتَمَعَ كَدَرْلَعَوْمَرُ وَحُلَفَاؤهُ الْمُلُوكُ وَقَهَرُوا الرَّفَائِيِّينَ فِي عَشْتَارُوثَ قَرْنَايِمَ، وَالزُّوزِيِّينَ فِي هَامَ، وَالإِيمِيِّينَ فِي سَهْلِ قِرْيَتَايِمَ،

6 وَالْحُورِيِّينَ فِي جَبَلِهِمْ سَعِيرَ حَتَّى بُطْمَةِ فَارَانَ عَلَى حُدُودِ الصَّحْرَاءِ.

7 ثُمَّ اسْتَدَارُوا حَتَّى أَقْبَلُوا عَلَى عَيْنِ مِشْفَاطَ، الَّتِي هِيَ قَادَشُ، فَهَزَمُوا بِلاَدَ الْعَمَالِقَةِ كُلَّهَا وَالأَمُورِيِّينَ السَّاكِنِينَ فِي حَصُّونَ تَامَارَ.

8 فَخَرجَ مَلِكُ سَدُومَ وَمَلِكُ عَمُورَةَ وَمَلِكُ أَدْمَةَ وَمَلِكُ صَبُويِيمَ وَمَلِكُ بَالَعَ، الَّتِي هِيَ صُوغَرُ، فِي عُمْقِ السِّدِّيمِ وَخَاضُوا حَرْباً

9 مَعْ كَدَرْلَعَوْمَرَ مَلِكِ عِيلاَمَ وَتِدْعَالَ مَلِكِ جُويِيمَ وَأَمْرَافَلَ مَلِكِ شِنْعَارَ وَأَرْيُوكَ مَلِكِ أَلاسَارَ، فَكَانُوا أَرْبَعَةَ مُلوكٍ ضِدَّ خَمْسَةٍ.

10 وَكَانَ وَادِي السِّدِّيمِ مَلِيئاً بِآبَارِ الزِّفْتِ، فَانْدَحَرَ مَلِكَا سَدُومَ وَعَمُورَةَ وَسَقَطَا بَيْنَهَا، أَمَّا الْبَاقُونَ فَهَرَبُوا إِلَى الْجِبَالِ.

11 فَغَنِمَ الْمُنْتَصِرُونَ جَمِيعَ مَا فِي سَدُومَ وَعَمُورَةَ مِنْ مُمْتَلَكَاتٍ وَمُؤَنٍ وَمَضَوْا.

12 وَأَسَرُوا لُوطاً ابْنَ أَخِي أَبْرَامَ الْمُقِيمَ فِي سَدُومَ، وَنَهَبُوا أَمْلاكَهُ ثُمَّ ذَهَبُوا.

 

إنقاذ لوط من الأسر:

13 وَجَاءَ أَحَدُ النَّاجِينَ إِلَى أَبْرَامَ الْعِبْرَانِيِّ الَّذِي كَانَ مَازَالَ مُقِيماً عِنْدَ بَلُّوطَاتِ مَمْرَا أَخِي أَشْكُولَ وَعَانِرَ حُلَفَاءِ أَبْرَامَ وَأَبْلَغَهُ بِمَا جَرَى.

14 فَلَمَّا سَمِعَ أَبْرَامُ أَنَّ ابْنَ أَخِيهِ قَدْ أُسِرَ، جَرَّدَ ثَلاَثَ مِئَةٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِنْ غِلْمَانِهِ الْمُدَرَّبِينَ الْمَوْلُودِينَ فِي بَيْتِهِ وَتَعَقَّبَهُمْ حَتَّى بَلَغَ دَانَ

15 وَفِي أَثْنَاءِ اللَّيْلِ قَسَّمَ رِجَالَهُ، وَهَاجَمَهُمْ وَقَهَرَهُمْ، ثُمَّ طَارَدَهُمْ حَتَّى حُوبَةَ شَمَالِيَّ دِمَشْقَ.

20 وَاسْتَرَدَّ كُلَّ الْغَنَائِمِ، وَاسْتَرْجَعَ ابْنَ أَخِيهِ لُوطاً وَأَمْلاَكَهُ، وَالنِّسَاءَ أَيْضاً وَسِوَاهُمْ مِنَ الأَسْرَى.

 

ملكي صادق يبارك إبراهيم:

17 وَجَاءَ مَلِكُ سَدُومَ لِلِقَاءِ أَبْرَامَ فِي وَادِي شَوَى الْمَعْرُوفِ بِوَادِي الْمَلِكِ، بَعْدَ عَوْدَتِهِ مِنْ كَسْرَةِ كَدَرْلَعَوْمَرَ وَالْمُلُوكِ حُلَفَائِهِ.

18 وَكَذَلِكَ حَمَلَ إِلَيْهِ مَلْكِي صَادِقُ مَلِكُ شَالِيمَ، الَّذِي كَانَ كَاهِناً لِلهِ الْعَلِيِّ، خُبْزاً وَخَمْراً،

19 وَبَارَكَهُ قَائِلاً: «لِتَكُنْ عَلَيْكَ يَا أَبْرَامُ بَرَكَةُ اللهِ الْعَلِيِّ، مَالِكِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ».

20 وَتَبَارَكَ اللهُ الْعَلِيُّ الَّذِي دَفَعَ أَعْدَاءَكَ إِلَى يَدَيْكَ». فَأَعْطَاهُ أَبْرَامُ عُشْرَ الْغَنَائِمِ كُلِّهَا.

21 وَقَالَ مَلِكُ سَدُومَ لأَبْرَامَ: «أَعْطِنِي الأَسْرَى الْمَعْتُوقِينَ أَمَّا الْغَنَائِمُ فَاحْتَفِظْ بِهَا لِنَفْسِكَ».

22 فَأَجَابَهُ أَبْرَامُ: «لَقَدْ أَقْسَمْتُ بِالرَّبِّ الإِلَهِ الْعَلِيِّ، مَالِكِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ،

23 وَعَاهَدْتُهُ أَلاَّ آخُذَ شَيْئاً مِمَّا هُوَ لَكَ، وَلَوْ كَانَ خَيْطاً أَوْ شَرِيطَ حِذَاءٍ، لِئَلاَّ تَقُولَ: أَنَا أَغْنَيْتُ أَبْرَامَ

24 لَنْ آخُذَ غَيْرَ مَا أَكَلَهُ الْغِلْمَانُ. أَمَّا نَصِيبُ الرِّجَالِ الَّذِينَ ذَهَبُوا مَعِي: عَانِرَ وَأَشْكُولَ وَمَمْرَا، فَإِنَّهُمْ يَأْخُذُونَهُ»] انتهى نص العهد القديم.

 

تأمل في ذكر هذا الملك الصديق (ملكي صادق)، ملك مدينة السلام (وهو الاسم القديم لبيت المقدس)، وكاهن معبدها، الذي ساق إليه إبراهيم عشر غنائمه أو زكاته، وقام هو بالتبريك على إبراهيم ... من هو، وما اسمه؟! لا ندري، لعله إدريس الذي لم يرد في القرآن ذكره إلا في موضعين: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً﴾، (مريم؛ 19 : 56)؛ ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ﴾، (الأنبياء؛ 21 : 85)؛ لاحظ أيضاً أن هذه الصفة العالية المميزة: ﴿ صِدِّيقاً نَّبِيّاً﴾ لم يشاركه فيها أحد في القرآن، آخر كتب الله تنزيلاً، إلا إبراهيم، فقط لا غير: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً﴾، (مريم؛ 19 : 41)؛ ولاحظ أيضاً التعامل المتعالي لإبراهيم مع ملك سدوم، ورفضه لأي منحة، مع أنه غنمها بسيفه: هكذا تكون عزة الإيمان: اللهم صل على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد!

 

وفي النص السابق جاء عرضاً أن أهل سدوم (مُتَوَرِّطِينَ فِي الشَّرِّ وَخَاطِئِينَ جِدّاً لَدَى الرَّبِّ

 

وجاء مزيد بيان في قصة وصول الملائكة إلى قرية لوط، بعد مرورهم بإبراهيم: [لوط يستضيف الملاكين:

19

وَأَقْبَلَ الْمَلاَكَانِ عَلَى سَدُومَ عِنْدَ الْمَسَاءِ. وَكَانَ لُوطٌ جَالِساً عِنْدَ بَابِ سَدُومَ، فَمَا إِنْ رَآهُمَا حَتَّى نَهَضَ لاسْتِقْبَالِهِمَا، وَسَجَدَ بِوَجْهِهِ إِلَى الأَرْضِ،

2 وَقَالَ: «يَا سَيِّدَيَّ، انْزِلاَ فِي بَيْتِ عَبْدِكُمَا لِتَقْضِيَا لَيْلَتَكُمَا، وَاغْسِلاَ أَرْجُلَكُمَا، وَفِي الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ تَمْضِيَانِ فِي طَرِيقِكُمَا». لَكِنَّهُمَا قَالاَ: «لاَ، بَلْ نَمْكُثُ اللَّيْلَةَ فِي السَّاحَةِ».

3 فَأَصَرَّ عَلَيْهِمَا جِدّاً حَتَّى قَبِلاَ الذَّهَابَ مَعَهُ وَالنُّزُولَ فِي بَيْتِهِ. فَأَعَدَّ لَهُمَا مَأْدُبَةً وَخَبَزَ فَطِيراً فَأَكَلاَ.

 

فساد أهل سدوم:

4 وَقَبْلَ أَنْ يَرْقُدَا، حَاصَرَ رِجَالُ مَدِينَةِ سَدُومَ مِنْ أَحْدَاثٍ وَشُيُوخٍ، الْبَيْتَ،

5 وَنَادُوا لُوطاً: «أَيْنَ الرَّجُلاَنِ اللَّذَانِ اسْتَضَفْتَهُمَا اللَّيْلَةَ؟ أَخْرِجْهُمَا إِلَيْنَا لِنُضَاجِعَهُمَا».

6 فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ لُوطٌ بَعْدَ أَنْ أَغْلَقَ الْبَابَ خَلْفَهُ،

7 وَقَالَ: «لاَ تَرْتَكِبُوا شَرّاً يَا إِخْوَتِي.

8 هُوَ ذَا لِي ابْنَتَانِ عَذْرَاوَانِ أُخْرِجُهُمَا إِلَيْكُمْ فَافْعَلُوا بِهِمَا مَا يَحْلُو لَكُمْ، أَمَّا هَذَانِ الرَّجُلاَنِ فَلاَ تُسِيئوا إِلَيْهِمَا لأَنَّهُمَا لَجَآ إِلَى حِمَى مَنْزِلِي».

9 فَقَالُوا: «تَنَحَّ بَعِيداً»، وَأَضَافُوا: «لَقَدْ جَاءَ هَذَا الإِنْسَانُ لِيَتَغَرَّبَ بَيْنَنَا، وَهَا هُوَ يَتَحَكَّمُ فِينَا. الآنَ نَفْعَلُ بِكَ شَرّاً أَكْثَرَ مِنْهُمَا». وَتَدَافَعُوا حَوْلَ لُوطٍ وَتَقَدَّمُوا لِيُحَطِّمُوا الْبَابَ.

10 غَيْرَ أَنَّ الرَّجُلَيْنِ مَدَّا أَيْدِيَهُمَا وَاجْتَذَبَا لُوطاً إِلَى دَاخِلِ الْبَيْتِ، وَأَغْلَقَا الْبَابَ.

11 ثُمَّ ضَرَبَا الرِّجَالَ، صَغِيرَهُمْ وَكَبِيرَهُمْ، الْوَاقِفِينَ أَمَامَ بَابِ الْبَيْتِ بِالْعَمَى، فَعَجَزُوا عَنِ الْعُثُورِ عَلَى الْبَابِ.

 

إنقاذ لوط وعائلته:

12 وَقَالَ الرَّجُلاَنِ لِلُوطٍ: «أَلَكَ أَقْرِبَاءُ فِي هَذهِ الْمَدِينَةِ؟ أَصْهَارٌ وَأَبْنَاءٌ وَبَنَاتٌ أَوْ أَيُّ شَخْصٍ آخَرَ يَمُتُّ إِلَيْكَ بِصِلَةٍ؟ أَخْرِجْهُمْ مِنْ هُنَا،

13 لأَنَّنَا عَازِمَانِ عَلَى تَدْمِيرِ هَذَا الْمَكَانِ، إِذْ أَنَّ صُرَاخَ الشَّكْوَى مِنْ شَرهِ قَدْ تَعَاظَمَ أَمَامَ الرَّبِّ، فَأَرْسَلَنَا الرَّبُّ لِنُدَمِّرهُ».

14 فَمَضَى لُوطٌ وَخَاطَبَ أَصْهَارهُ أَزْوَاجَ بَنَاتِهِ، قَائِلاً: «هَيَّا. قُومُوا وَاخْرُجُوا مِنْ هَذَا الْمَكَانِ، لأَنَّ الرَّبَّ سَيُدَمِّرُ هَذهِ الْمَدِينَةَ». فَبَدَا كَمَازِحٍ فِي أَعْيُنِ أَصْهَارهِ.

15 وَمَا إِنْ أَطَلَّ الْفَجْرُ حَتَّى طَفِقَ الْمَلاَكَانِ يَلِحَّانِ عَلَى لُوطٍ قَائِلَيْنِ: «هَيَّا انْهَضْ وَخُذْ زَوْجَتَكَ وَابْنَتَيْكَ اللَّتَيْنِ هُنَا، لِئَلاَّ تَهْلِكَ بِإِثْمِ الْمَدِينَةِ».

20 وَإِذْ تَوَانَى لُوطٌ، أَمْسَكَ الرَّجُلاَنِ بِيَدهِ وَأَيْدِي زَوْجَتِهِ وَابْنَتَيْهِ وَقَادَاهُمْ إِلَى خَارِجِ الْمَدِينَةِ، لأَنَّ الرَّبَّ أَشْفَقَ عَلَيْهِمْ.

 

لجوء لوط وعائلته إلى صوغر:

17 وَمَا إِنْ أَخْرَجَاهُمْ بَعِيداً حَتَى قَالَ أَحَدُ الْمَلاَكَيْنِ: «اُنْجُ بِحَيَاتِكَ. لاَ تَلْتَفِتْ وَرَاءَكَ وَلاَ تَتَوَقَّفْ فِي كُلِّ مِنْطَقَةِ السَّهْلِ. اهْرُبْ إِلَى الْجَبَلِ لِئَلاَّ تَهْلِكَ».

18 فَقَالَ لُوطٌ: «لَيْسَ هَكَذَا يَا سَيِّدُ.

19 هَا عَبْدُكَ قَدْ حَظِيَ بِرِضَاكَ، وَهَا أَنْتَ قَدْ عَظَّمْتَ لُطْفَكَ إِذْ أَنْقَذْتَ حَيَاتِي، وَأَنَا لاَ أَسْتَطِيعُ اللُّجُوءَ إِلَى الْجَبَلِ لِئَلاَّ يُدْرِكَنِي مَكْرُوهٌ فَأَمُوتَ.

20 هَا هِيَ الْمَدِينَةُ قَرِيبَةٌ يَسْهُلُ الْهَرَبُ إِلَيْهَا. إِنَّهَا مَدِينَةٌ صَغِيرَةٌ، فَدَعْنِي أَلْجَأُ إِلَيْهَا. أَلَيْسَتْ هِيَ مَدِينَةً صَغِيرَةً جِدّاً فَأَنْجُو فِيهَا بِحَيَاتِي؟»

21 فَقَالَ لَهُ الْمَلاَكُ: «إِنِّي قَدْ قَبِلْتُ طِلْبَتَكَ بِشَأْنِ هَذَا الأَمْرِ، وَلَنْ أُدَمِّرَ هَذهِ الْمَدِينِةَ الَّتِي ذَكَرْتَهَا

22 أَسْرِعْ، وَاهْرُبْ إِلَيْهَا، لأَنَّنِي لاَ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَصْنَعَ شَيْئاً إِلَى أَنْ تَبْلُغَهَا». لِذَلِكَ دُعِيَ اسْمُ تِلْكَ الْمَدِينَةِ صُوغَرَ (وَمَعْنَاهَا صَغِيرَةٌ).

 

إهلاك سدوم وعمورة:

23 وَمَا إِنْ أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ عَلَى الأَرْضِ حَتَّى كَانَ لُوطٌ قَدْ دَخَلَ إِلَى صُوغَرَ،

24 فَأَمْطَرَ الرَّبُّ عَلَى سَدُومَ وَعَمُورَةَ كِبْرِيتاً وَنَاراً، مِنْ عِنْدهِ مِنَ السَّمَاءِ.

25 وَقَلَبَ تِلْكَ الْمُدُنَ وَالسَّاكِنِينَ فِيهَا، وَالسَّهْلَ الْمُحِيطَ بِهَا وَكُلَّ مَزْرُوعَاتِ الأَرْضِ.

26 وَتَلَفَّتَتْ زَوْجَةُ لُوطٍ السَّائِرَةُ خَلْفَهُ وَرَاءَهَا، فَتَحَوَّلَتْ إِلَى عَمُودٍ مِنَ الْمِلْحِ.

27 وَمَضَى إِبْرَاهِيمُ مُبَكِّراً فِي الصَّبَاحِ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي وَقَفَ فِيهِ أَمَامَ الرَّبِّ.

28 وَتَطَلَّعَ نَحْوَ سَدُومَ وَعَمُورَةَ وَلِسَائِرِ أَرْضِ السَّهْلِ، فَأَبْصَرَ الدُّخَانَ يَتَصَاعَدُ مِنْهَا كَالأَتُونِ.

29 وَهَكَذَا عِنْدَمَا دَمَّرَ اللهُ مُدُنَ السَّهْلِ ذَكَرَ إِبْرَاهِيمَ، فَأَخْرَجَ لُوطاً قُبَيْلَ وُقُوعِ الْكَارِثَةِ حِينَ قَلَبَ الْمُدُنَ الَّتِي قَطَنَ فِيهَا لُوطٌ].

 

 أرأيت الإسهاب في ذكر التفاصيل، وبعضها قليل الأهمية؟! ومع ذلك فما ثمة ذكر لآلهة، أو أوثان، أو أنصاب؛ لهذا يجب القطع أن ما تورط فيه قوم لوط من الشرك والكفر إنما هو استحلال الفاحشة (وربما استحلال جرائم أخرى)، فشركهم هو شرك في (الحاكمية)، فقط لا غير، ولا يمكن أن يكون غير ذلك.

 

وهناك ملاحظة طريفة وهي ذكر أصهار لوط وسخريتهم من تحذيره من الدمار القريب لأنهم ظنوه مازحاً، فلعل هذا يلقي مزيداً من الضوء على قوله، تبارك وتعالى، عن زوج لوط: ﴿إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغَابِرِينَ﴾، (الشعراء؛ 26: 171)، (الصافات؛ 37: 135)؛ فالظاهر أنها في الأصل من أهل القرية الخبيثة، والله أعلم.

 

بقيت مسألة فرعية ما كان ينبغي أن تذكر ها هنا أصلاً، لولا أني سمعت أحد الخطباء المنتسبين إلى العلم الشرعي يزعم أن عمل قوم لوط فعل مكفر من حيث هو، خلافاً للزنا مثلاً. هذا خطأ شنيع، وإساءة بالغة في فهم النص القرآني. والصحيح أن شرك قوم لوط وكفرهم إنما هو لاستحلالهم الفعل، وليس لمجرد الفعل، كما يظهر بجلاء من قولهم للوط، رداً على عرضه لبناته: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾، (هود؛ 11: 79)؛ فهذا يعني، ضرورة أنهم يعتقدون أن لهم الحق في ضيفان لوط: أي أن هذا حق لهم، وما هو (حق) هو بالضرورة (حلال) لصاحب الحق.

حزب التجديد الإسلامي 2016