كتاب التوحيد - الباب الثامن: أقسام (أو أنواع) التوحيد

الفهرس

 

القسم الثاني: التوحيد – القواعد والأصول

الباب الثامن: أقسام (أو أنواع) التوحيد

فصل: تجويز أن تكون (الألوهية) جنساً تتعدد أفراده هو أصل شرك العالم

فصل: توحيد الذات

فصل: حقيقة قول مشركي العرب: (لبيك لا شريك لك، ، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك)

فصل: توحيد الخالقية

فصل: توحيد الملك والتدبير والتصرف التكويني

فصل: توحيد الحاكمية والتشريع (= توحيد الملك والتدبير والتصرف التشريعي)

فصل ملحق: بعض ما يتعلق بالأسماء الحسنى

فصل: فضل التوحيد

فصل: خطر الشرك بالله

فصل: فضل الدعوة إلى الإسلام والتوحيد

 

الباب الثامن: أقسام (أو أنواع) التوحيد

 

قررنا في باب سابق أن التوحيد الإسلامي في حقيقته شيء واحد بسيط، ألا وهو: (شهادة أن لا إله إلاّ الله)، أي: إثبات كل خصائص (الألوهية) لله تعالى مجده، وتقدست أسماؤه؛ مع نفي لأي شيء من اعتبارات (الألوهية) عن غير الله نفياً باتًّا قاطعاً مطلقاً.

 

ولكن خرافات المشركين متعددة متداخلة مركبة، وهي مع ذلك مضطربة متناقضة، لذلك ربما احتاج أهل العلم إلى تقسم التوحيد إلى أقسام أو أنواع لمعالجة أنواع الشرك المختلفة، ولإخراج الناس من (ظلمات) الشرك الكثيرة المتداخلة، إلى (نور) التوحيد الواحد. وعليه فلعلنا نقسم التوحيد إلى الأنواع التالية:

1. توحيد الذاتية الإلهيّة، وربما أسماه البعض: توحيد (الإِنِّيَّة)؛

2. توحيد الخالقيّة (الخلق، والتكوين، والتصوير، والإيجاد من عدم

3. توحيد الربوبية:

(أ)- توحيد الملك والتدبير والتصرف التكويني (أو: الكوني).

(ب)- توحيد الحاكمية والتشريع (= توحيد الملك والتدبير والتصرف التشريعي)؛

 

فصل: تجويز أن تكون (الألوهية) جنساً تتعدد أفراده هو أصل شرك العالم

أسلفنا أن الاعتقاد بـ(أن الألوهية، كالإنسانية، اسم جنس تتعدد أفراده ويجوز عليهم التناسل والتوالد، كما تختلف مراتب أولئك الأفراد ودرجاتهم. فهذا رئيس، وذاك مرؤوس، وهذا كبير، وذاك صغير، بل هذا ملك، وهذا سوقة، وهذا مالك حر، وذاك رقيق مملوك، كالبشر سواء بسواء)، أسلفنا أن هذا هو اعتقاد جمهور بسطاء المشركين كالمصريين القدماء، واليونان، وأكثر مشركي العرب، وعوام الهنود، وغيرهم.

 

ونسبة الولد إلى الله داء عضال فشا في شتى طوائف الشرك، وكذلك عامة النصارى، وفئام من اليهود، وقد أبطله الله، جل جلاله، بشتى صنوف الحجج العقلية والنقلية، واشتد نكيره له في آيات كثيرة، منها قوله، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، (الأنعام؛ 6: 100 ــ 101)، وآيات أخر في أزيد من عشرين موضع، منها:

 ــ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ؛ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ؛ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾، (النساء؛ 4: 171)؛

ــ ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، (مريم؛ 19: 34 ــ 35)؛ فهذه الآية وسابقتها في المسيح عيسى بن مريم، صلوات الله عليه وعلى والدته، خاصة.

ــ ﴿وَقَالُوا: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً، سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾، (البقرة؛ 2: 120)؛

ــ ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ، فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾، (الاسراء؛ 17: 111).

ــ ﴿قَالُوا: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً، سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾، (يونس؛ 10: 68)؛

ــ ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً، (الكهف؛ 18: 4).

ــ ﴿وَقَالُوا: اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾، (مريم؛ 19: 89 ــ 93)؛

ــ ﴿وَقَالُوا: اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً، سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾، (الانبياء؛ 21: 26)؛

ــ ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ، وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، (المؤمنون؛ 23: 91)؛

ــ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾، (الفرقان؛ 25: 2)؛

ــ ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾، (الزخرف؛ 43: 81).

ــ ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾، (الزمر؛ 39: 4)؛ فهذه الآية، والتسع السابقة، عامة في كل من نسب إلى الله جنس الولد: النصارى القائلين بتولد المسيح من الله وبانبثاق الروح القدس من الله؛ ومشركي العرب القائلين: (الملائكة بنات الله)؛ والفلاسفة القائلين بـ(تولُّد) أو بـ(فيض) أو بـ(انبثاق) العقول والنفوس من (العقل الأول) دفعة واحدة، أو درجة بعد درجة، بواسطة أو بدونها.

 

ــ ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً﴾، (الاسراء؛ 17: 40)؛

ــ ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ * أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، (الصافات؛ 37: 150 ــ 152)؛

ــ ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾، (الزخرف؛ 43: 20)؛

ــ ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ﴾، (الزخرف؛ 43: 19)؛

ــ ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾، (الصافات؛ 37: 158)؛

ــ ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً، (الجـن؛ 72: 3)؛ وهذه الست كأنها في مشركي العرب القائلين: (الملائكة بنات الله)، وأمهاتهم: (بنات سروات الجن)، كما هو في الباب المخصص للواقع التاريخي لشرك العرب.

 

ومن العجيب أن الإمام ابن تيمية قل أن يورد هذه الآيات عند (استقرائه التام) المزعوم لتأسيس قسمته الثلاثية المكذوبة الساقطة: «توحيد الربوبية»، «توحيد الألوهية»، و«توحيد الأسماء والصفات»؛ فلعل هذه الآيات سقطت من مصحفه؟!

 

أما العرب العدنانية - عرب الشمال - وقريشا بالأخص، فقد كانت لهم جملة من الآلهة أكثرها إناث - كاللات والعزى ومناة وغيرها - يعتقدون أنها ملائكة، وأن الملائكة بنات الله، وربما اعتقدوا أن بين الله - تعالى عن ذلك - وبين الجن نسب ومصاهرة. ولكنهم لقرب عهدهم بالتوحيد، في ملة ابراهيم، يؤمنون بإله مركزي أعلى، هو الله، تبارك وتعالى: فكانوا ينسبون أكثر الخلق، والتصرف في الكون إلى الله تبارك وتعالى، كبير الآلهة، أو رئيس قبيلة الآلهة، أو والد الآلهة؛ أو بوصفه أكثر الآلهة اقتداراً، أو أكرمهم صفاتاً؛ كما هو ظاهر من مناقشة القرآن لهم، وإيقاعه إياهم في التناقض بسبب ذلك.

 

فهم كسائر عوام المشركين في شتى أنحاء الدنيا، إلا أن الله، تبارك وتقدس، الإله المركزي الأعلى: بوصفه رئيس الآلهة وكبيرهم، ووالد نفر منهم، أعظم مكانة، وأوسع سلطاناً مما تجده عند غيرهم من مشركي الأمم الأخرى التي يكون رئيس الآلهة، إن وجد أصلاً، أقل سلطة، وأضعف نفوذاً!

 

قلنا: (ينسبون أكثر الخلق، والتصرف في الكون إلى الله تبارك وتعالى)، وليس كل ذلك، أو التفرد به إلى الله، جل جلاله، كما أقمنا، عليه قواطع الأدلة في هذه الرسالة.

 

وقد أدى الفهم المبتور المتعجل لهذا، وعدم ملاحظة جميع النصوص والروايات والأخبار في نفس الوقت، مع الحدة في المناظرة التي قد تنحرف بالإنسان إلى المراء المذموم، المؤدي إلى غلبة الهوى وعمى البصيرة: أدى ذلك ببعض الأكابر، مثل الإمام ابن تيمية، رحمه الله، وقلده في ذلك الجاهل المركب، الخارجي المارق بن عبد الوهاب، إلى توهّم أنهم كانوا يقرّون بما أسماه ابن تيمية: «توحيد الربوبية»، الذي أساء أيضاً في تعريفه؛ وأن شركهم يقتصر على شرك في ما أسمياه، إفكاً وزورا: «الألوهية». هذه زلة مميتة شنعاء، وخطأ فادح جسيم أدى إلى تخليط كبير، وتقاسيم باطلة، ما أنزل الله بها من سلطان، وإرباك وقصور في مفهوم «العبودية» التي إنما خلق الخلق لها، ومسخٌ وبترٌ لمفهوم «التوحيد»، الذي تحوّل إلى «توحيد» مبتور ممسوخ مشوه: مجموعة من مباحث ثانوية، بعضها طريف مضحك، عن «التوسل»، و(سماع الأموات للأحياء)؛ وبعضها مهووس شاطح: عن «القباب»، و«القبور»، و«الأشجار»، و«الأحجار»، و«الرمال»، و«الآثار»، و«المزارات»، و«المقامات»، ... إلخ، وإلى نتائج أخرى مخيفة مرعبة، من أشنعها نسبة جمهور أهل القبلة إلى الشرك والكفر، والخروج من الإسلام، وسل السيف عليهم، وسفك دمائهم، وهو من أفعال الكفر، لأن (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)؛ ذكرنا معظمها، وسنأتي على ذكر باقيها في مواضعه أولاً فأول، وما كتبنا هذه الرسالة إلا لإزالة هذه الالتباسات الجسيمة، والإشكالات الكبيرة، نسأل الله التوفيق، لا إله إلا هو: عليه نتوكل، وبه نتأيد.

 

فصل: توحيد الذات:

«توحيد الذات» هو رأس أقسام التوحيد، وهو الاعتقاد الجازم بأن الله سبحانه وتعالى هو وحده واجب الوجود، الغنى بذاته؛ وهو الأول والآخر والظاهر والباطن؛ فهو وحده الأول، فليس قبله شيء، الأول الأزلي القديم، الموجود بغير ابتداء قبل جميع الأزمنة والدهور، وهو الآخر فليس بعده شيء؛ الآخر الدائم الباقي بغير انتهاء. لم يتولّد من شيء، ولا يتولّد منه شيء. ليس فرداً من نوع أو جنس: فلا يوجد نوع أو جنس إلهي: إنما هو كائن إلاهي واحد. فهو الحي القيوم، وهو الحق المبين، وهو «كلي القدرة» أي أنه على كل شيء قدير، وهو «كلي العلم» أي أنه بكل شيء عليم، يعلم ما كان، وما هو كائن، وما يمكن أن يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون. فعّال لما يريد، يفعل ما يشاء ويختار بالإرادة الحرة الطليقة، المنزهة عن كل قيد أو شرط، إلا ما أوجبه على نفسه، أو شرطه عليها؛ خلق كل شيء فقدره تقديرًا، رب كل شيء ومليكه. السيد المطلق السيادة، المتصرف في جميع الخلائق بالأمر والنهي، الموصوف بكل صفات الكمال والجمال والجلال، لا رب غيره ولا إله سواه.

 

وكل ذلك حق ثابت في ذاته، يجب التصديق به تصديقاً جازماً لا شك فيه، ولكن هذا لا يكفي، بل تجب إضافة الإقرار به، والتلفظ بذلك الإقرار، والتسليم، والاستسلام، أي: الالتزام بمقتضى ذلك، ليس فقط لأنه حق في ذاته، وهو وايم الله كذلك، بل تدينا وتقرباً إلى الله.

 

نعم، تجب إضافة ذلك كله، أي الإقرار به، والتلفظ بذلك الإقرار، والالتزام بمقتضى ذلك تديناً وتقرباً وتعبداً لله، حتى يتحوّل ذلك اليقين من مجرّد يقين، وتصديق جازم بمجموعة من الحقائق الخبرية، أو المقولات النظرية الفلسفية، أي: اعتقاد نظري، أو وجهة نظر فلسفية محضة، لا علاقة له بالدّين أو التدين، ولا قيمة لها في الآخرة، إلى إيمان ديني شرعي، أي إلى (عبادة): فتترتب على هذا الإيمان التزامات معينة، تحدّدها تلك العقيدة. وهذا الإيمان الديني الشرعي هو المطلوب، وهو الذي يعطي للوجود الإنساني معناه، فضلا عن كونه سبيل النجاة في الآخرة؛ وإلا فوجود عديم المعنى في حياة خاوية، ثم سقوط في الهاوية: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ (11)﴾، (القارعة؛101 : 10، 11)..

 

وكل ذلك ثابت بالضرورة، وبالبراهين العقلية والفطرية القاطعة، قبل ورود الشرع، ذكرنا منها طرفاً يسيراً في ما مضى، أي أنه قضية عقلية برهانية، لا شك فيها، ثم جاء الشرع مؤيداً ومذكرا بها، ومفصّلا لمعانيها، ومحوّلاً لها من مجرد تقرير لواقع، أي من مجرّد قضية وجودية فلسفية أو عقلية، أو ضرورة منطقية، إلى عقيدة دينية شرعية، يُتقرب إلى الله بالإيمان بها، والعمل بمقتضاها:

* وذلك في مثل قوله، تعالى، مفصلاً مبيناً: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ، (الإخلاص؛ 112: 1 - 4).

 

* وقوله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، (الحديد؛ 57: 3).

 

* وقوله: ﴿اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، (آل عمران؛ 3: 2).

 

* وقوله، جل جلاله، آمراً موجباً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ: آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً﴾، (النساء؛ 4: 136).

 

وكل أنواع التوحيد تتفرع في الحقيقة من هذا الأساس، وإنما جرى فصلها في أقسام متميزة، لتسهيل دراستها، ولوقوع أنواع متميزة من (الشرك) في كل قسم منها. وهذا التفريع، الذي هو الموضوع الرئيس لهذا الباب، لم ينشأ من قسمة متخيَّلة، أو تعريفات موهومة تستند إلى ألفاظ لم يتم تعريفها بدقة، أو مزاعم مرسلة مجردة عارية عن البرهان، ولكنه إنما نشأ:

أولاً: من استقراء آي الذّكر الحكيم، مدعومة بنصوص صحيحة ثابتة من السنّة النبوية الشريفة؛

وثانياً: من النظرة الفاحصة المدققة إلى عقائد العرب قبل الإسلام، وعقائد وأديان غيرهم من الأمم والشعوب في المرتبة الثانية، لا سيما زمن نزول القرآن الذي جاء مخاطباً لها، كما فصلناه من قبل، وسنفصّله في باقي هذه الرسالة إلى درجة الإشباع.

 

«توحيد الذات» هذا هو (الذاتية) أو (الإنية)، كما هو اصطلاح ابن بطة العكبري، الذي بهتته الفرقة الوهابية وزعمت أنه سلف لابن تيمية في القسمة الضيزى الثلاثية المشؤومة، أي: أن (الإله) موضع البحث موجود: واجب الوجود قيوم، واحد أحد: فهو ليس فرداً من (نوع) أو (جنس) إلاهي: فليس ثمة (عنصر) أو (جوهر) أو (مادة) أو (نوع) أو (جنس) أو (قبيل) إلاهي أصلاً: إنما هو إله واحد أحد، فرد صمد. وهو موصوف بالذي أسلفنا ذكره من الصفات.

ولكن ابن بطة العكبري في قسمته الثلاثية للإيمان (وليس للتوحيد: فانتبه) أدخل (الخالقية) في (الإنية):

ــ وذلك لأن (الخالقية) من أخص خصائص الألوهية؛

ــ ولأنه لم ينتبه لوجود معتقدات شركية تجعل لله ولداً، أي: بنين وبنات من (عنصر) أو (جوهر) إلاهي، ولكن ليست لهم خالقية مستقلة أصلاً.

 

ويناقض هذا القسم من التوحيد أنواع من الشرك الاعتقادي منها:

(أ)- اعتقاد تعدد الذوات الإلهية في مذاهب مختلفة منها الفلسفي المتنطّع المعقّد، ومنها العامي الساذج، ومن أمثلة ذلك:

ــ قول بعض الفلاسفة بتعدد القدماء، كقول أرسطو بقدم العالم وأزليته، مع قدم الله، وقول آخرين بقدم المادة الخام غير المصوّرة، المسماة بالهيولي؛ فهذا شرك في الذات حيث جعلوا مع الله ذوات قديمة، واجبة الوجود، غنية بذاتها، لم يخلقها الله تبارك وتعالى، بالرغم من قولهم أنه وحده (الإله) المستحق للعبادة فهم – بزعمهم - يجمعون بين شرك وتوحيد، شرك في الذات، وتوحيد في العبادة، فلم يقل أحد منهم قط، فيما نعلم، بأن «الهيولي» تستحق العبادة.

 

والحق أن زعمهم أنهم موحدون، أو موحدون في العبادة، باطل، لأن الأزلية، أو وجوب الوجود، أو القدم، أو سمها ما شئت، هي نسبة حصرية لله، تقتضيها كونه (الإله) الحق، المتفرد ببدء الخلق. فعليه، إذاً، تكون نسبة الأزلية إلى كائن غير الله، في حقيقتها نسبة شيء من لوازم (الألوهية) لذلك، أي: جعله مع الله إلاها آخر، أو بلفظ آخر: جعله نداً لله: وهذا هو (الشرك) بعينه. و(عبادة الله) محال أن تكون موجودة أصلاً مع (الشرك)، كما سبق إشباع البرهنة عليه: فكيف يقال أن ثمة (توحيد في العبادة)؟! معاذ الله: هذه سفسطة مفضوحة، لا تنطلي إلا على من تورط في التعريف الوهابي الباطل لـ(العبادة).

 

وهذا كما ترى قول فلسفي معقّد، ظاهر البطلان، كما بيناه في الباب الرابع، إذ ليس ثمة واجب وجود واحد فقط لا غير، من غير زيادة ولا نقصان؛

 

ــ القول بإلهين أزليين قديمين: إله الخير (النور أو الله)، وإله الشر (الظلمة أو الشيطان) كما هو قول طائفة من الثنوية المجوس، فهذا كذلك شرك في الذات، وقد يرى بعضهم قصْر العبادة والمحبة على الأول، أي على إله الخير، وبُغض الثاني وعداوته والكفر به. وربما رأى بعضهم قصْر المحبة على الأول، وعبادة الإثنين فيعبد الأول ويحب، ويعبد الثاني، أي يتذلل له، ويخضع لاكتفاء شره، والسلامة من ضرره ونقمته، مع الكراهية والبغضاء، وهذا كما ترى قول فلسفي، ولكن كثيرًا من عوامهم يدركه ويعتقده، وهو قول باطل، لا شك في بطلانه، بالبراهين اليقينية آنفة الذكر، وبغيرها، وهو طيب كثير، يحتاج إلى المؤلفات المستقلة، والأبحاث المتكاملة؛

 

ــ الاعتقاد بأن الألوهية، كالإنسانية، اسم جنس تتعدد أفراده ويجوز عليهم التناسل والتوالد، كما تختلف مراتب أولئك الأفراد ودرجاتهم: فهذا رئيس، وذاك مرؤوس، وهذا كبير، وذاك صغير، بل هذا ملك، وذاك رقيق مملوك، كالبشر سواء بسواء. وليس القدم أو الأزلية متطلب ضروري لمفهوم الألوهية عند هؤلاء. فالآلهة عندهم تنشأ وتولد، بعد أن كانت معدومة، ولا يستغرب أن تفنى بعد ذلك؛ ومن باب أولى لا يشترط في الإله، عندهم، الكمال أو السلامة من النقص، بل إن نصيب بعض الآلهة من المخازي والفضائح كالزنا والسرقة، وغيرها، أكثر من غيرها!

 

وهذا هو اعتقاد جمهور بسطاء المشركين كالمصريين القدماء، واليونان، وأكثر مشركي العرب، وعوام الهنود، بل هو جوهر أكثر شرك العالم. ويجوز عند أكثر هؤلاء المشركين أن يتزاوج البشر والآلهة منتجين أنصاف آلهة أو عمالقة، كما تتزاوج الآلهة والجن منتجة الملائكة، إلى غير ذلك من العجائب والمخازي!!

 

كما تختلف الآلهة المزعومة في قدراتها واختصاصاتها: فهذا إله للشمس، وآخر للحرب، وثالث للبحر، وتلك للحب، وهذه للصيد، والثالثة للموت والفناء، وهذا ينبت الزرع، والآخر يحمي التجار، بل يوجد إله متخصص في رعاية اللصوص، إلى غير ذلك من الأقوال الساقطة المتناقضة المنكرة.

 

فلا يستغرب أن يهتف أحد مشركي العرب: (لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك)، فهو يعتقد وجود آلهة أخرى، شركاء لله بمعنى أو آخر، وإن كانوا في مرتبة الرقيق المملوك مع كونهم من (جنس) أو (قبيلة) أو (صنف) الآلهة، وليس هو إقرار منه بأن الشريك المملوك مخلوق مربوب وليس من (جنس) الآلهة أصلاً، كما وهم من قرأ هذا النص، ولم يجمعه مع غيره من النصوص والمعلومات والأخبار المتضافرة فظن أن لفظة (تملكه وما ملك) تدل على اعتقاد القائل أن ذلك (المملوك) ليس إلاهاً، وإنما هو عبد مخلوق مربوب لا يملك لنفسه موتاً أو حياة أو نشوراً؛ بل لعله ميت مقبور، على قبره قبة أو ضريح مشيَّد: ومع ذلك فقد (عبده) القوم، وجعلوه من ثمّ شريكاً مع الله، كم شطح الخيال الجامح المريض بالفرقة الوهابية الغالية المارقة!

 

والحق أنه ليس في هذه العبارة بذاتها: (إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك)، ما يدل على أنهم يعتقدون أن المملوك ليس من جنس المالك ولا نوعه، فليس فيه أنهم يعتقدون (أن المالك إله ورب وسيد، والمملوك هو بالضد من ذلك، ضرورة، عبد مخلوق مربوب لا يملك لنفسه موتاً أو حياة أو نشوراً)، كما سنشبعه بحثاً في فصل مستقل، يأتي قريباً، إن شاء الله. ومن زعم أن هذا هو قطعاً وحصراً قصد مشركي العرب، ومعنى قولهم، كما هو زعم عامة مقلدة ابن تيمية، من قال ذلك فهو، بل شك، متبع للظن، متحكّم قائل بالكذب، لا سيما أن قوله جاء خلافاً لقرائن التاريخ المتضافرة ولما سبق إيراده من محكم الأدلة القرآنية؛ وجاء بالمراغمة والمضادة لنص العبارة ذاتها، الذي يقول: (إلا شريكاً هو لك)، وهو إقرار صريح بأن ذلك المنادى (شريك) لله، بمعنى من المعاني، ولا بد.

 

والغريب أن قوماً يستدلّون بهذا النص لنصرة باطلهم، ويحللون ألفاظه كأنه قرآن منزل، وهم بلا شك يعلمون أن المشركين هم في أسفل سافلين: في الحضيض، من تفاهة الفكر، وضحالة الفهم، وانعدام التدقيق، فكيف تصبح جملهم الموهمة، وألفاظهم المجملة، وعقولهم السطحية التافهة حجة؟! وكيف تهمل آيات الله البينات، التي أسلفنا دراستها في تمام سياقها في الأبواب السابقة؟! وكيف تضاع الأوقات والأعمار في مناقشة مقصود مشركي العرب من مثل هذا اللفظ السخيف؟!

 

(ب)- اعتقاد تعدد الأقانيم في ذات واحدة. وهذه أقوال معقدة متناقضة لا يقول بها إلا المتنطّعون من الفلاسفة ونحوهم من المتقعّرين الذين يحاولون الجمع بين توحيد الذات، وبين ما تورطوا فيه من شرك، فبدلاً من ترك الشرك كليةً والعودة إلى التوحيد إذا بهم يقعون في أقبح الأقوال وأكثرها تناقضًا فجعلوا الوحدة كثرة والكثرة وحدة، وهي مصادمة صريحة لضرورات العقل وبديهياته، كما نسبوا إلى الله عز وجل ما يتنزه عنه البشر ويعدونه جنونًا ومرضًا نفسيًا مثل «انفصام الشخصية» وتعددها، ومن أمثلة ذلك:

ــ تثليث النصارى: أي قولهم أن الله آلهة ثلاثة، هي الأب والابن والروح القدس، ثلاثة أقانيم أو ثلاثة أوجه لذات واحدة، فهو واحد في ثلاثة أو ثلاثة في واحد. وقد عسر ذلك حتى على الحذاق من متكلميهم ونظارهم فقالوا أن «الثالوث المبارك» سر إلهي لا يدرك، ولا يتصور، ولا يفهم، وما علينا إلا الإيمان والتسليم!!

 

ونسارع فنقول أن استخدامنا لعبارة «انفصام الشخصية» ليس هو للتّشنيع أو الإهانة، بل قد استخدمه فيلسوف وأستاذ جامعي نموذجاً لتقريب مفهوم «الثليث»، أو لتقريب معضلة وجود طبيعتين ومشيئتين للسيد المسيح في ذات واحدة، إلى أذهان القراء؟!!

 

ــ تثليث البراهمة: في قولهم أن الله الواحد له ثلاثة اوجه: «براهما» الخالق الموجد المكون، «فيشنو» المحيي الحافظ الرازق، إله الخير والرحمة، و«شيفا»/«ماهِش» المميت المدمّر، إله الموت والدمار. غير أن أقولهم مضطربة غامضة لا يدرى معها أهم ثلاث وجوه لذات واحدة، أم ثلاث ذوات مستقلة تولد بعضها من بعض؟!

 

ــ ومن ذلك قول بعض الثنوية بالقوة الكونية الخالقة ذات الجانبين: الجانب الخيّر المضيء، والجانب الشرير المظلم. واحد في اثنين، واثنين في واحد، وهناك حملة يشبه أن تكون مدبرة منظمة تقوم بها بعض دور انتاج الأفلام السينمائية، وفئات من المخرجين لترويج هذه الخرافات بإلباسها لباساً عاطفياً، وزجها في النسق الكوني العام، كما هو في مسلسل «حرب النجوم»، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

 

ولعل مقولة: (إن الله والشيطان وجهان لعملة واحدة) من هذا الباب، وهي مقولة منسوبة إلى الدكتور تركي الحمد، وهو من المقربين لكبراء آل سعود، الطواغيت الجبابرة، أهل السلطان المطلق في (دولة التوحيد)، التي نصر الله بها الحق وأهله، كما أفحش مفتيها عبد العزيز بن باز.

 

(ج)- تحول غير الإله الى إله بحلول إله فيه، أو باتحاده به: فتنشأ بذلك ذوات إلهية جديدة لم تكن موجوده من قبل، مثل اعتقاد قلة من ملاحدة «الصوفية» الكفار في سيدينا أبي القاسم محمّد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي بعض «أغواثهم»، و«أقطابهم»؛ واعتقاد جمهور النصارى في المسيح عيسى بن مريم، صلوات الله عليه وعلى والدته، الذي هو حلول الله، أو بلفظ أدق «أقنوم» الأبن، أو الكلمة، التي هي «المسيح» الإلهي، في جسد عيسى البشري، فتركب من ذلك عيسى المسيح، الذي هو بشر بوصفه عيسى المكون من لحم ودم، وكائن إلهي «سماوي»، الذي هو المسيح؛ وهذا كذلك هو، صراحة وبون مواربة، اعتقاد فرقة صغيرة بائدة من النصارى في والدته «مريم»، صلوات الله وسلامه عليها وعلى ابنها، وجمهور النصارى لا يقولون بذلك صراحة، وينكرون (ألوهية) مريم، مع كونهم يخلعون على مريم لقب (أم الله): فلا أدري كيف يستقيم هذا؟!.

 

وقد أقمنا في الباب الرابع قواطع الأدلة على استحالة أن يتخذ الله ولداً البتة؛ فليس في الإمكان أكثر من أن «يصطفي» من مخلوقاته ما يشاء اصطفاءً خاصاً، فقط لا غير. وهذا (الاصطفاء) الخاص ربما سماه البعض – مجازاً – بـ«التبني» هو وحده الممكن، وما سواه فمحال ممتنع:

(أ)- ولد للصُلْب فمحال؛

(ب)- وتبني كائنا إلاهيا آخر فيصبح ولداً متبنىً فمحال أيضاً؛ إذْ ما ثمّ إلا كائن إلاهي واحد، فقط لا غير، من غير زيادة ولا نقصان، هو الله العزيز الحكيم؛

(ج)- وتبني مخلوقاً تبنياً حقيقياً، فينقلب المخلوق إلى كائن إلاهي فخيال شاطح جامح، وهو محال أيضاً.

 

فـ(أمومة) مريم لله، حاشا لله، أو للمسيح، لا يمكن ولا بحال من الأحوال – بالتقابل المنطقي الضروري مع (البنوة) - أن تكون مجازاً إلا إذا قالوا أنها إنما ولدت عيسى البشري فقط، وإنما أصبح عيسى مسيحا بعد ذلك (ربما عندما عمده يحيى؟!) بحلول أقنوم الإبن فيه، أو اتحاده به.

 

(د)- تحول غير الإله الى إله بـ(الارتقاء)، بغض النظر عن آلية هذا (الارتقاء). وإليك بعض النماذج العجيبة:

            ــ جاء في كتب البورانا الهندية (وهي متأخرة عن كتب الفيديا)، ما معناه: [كان هناك حكيم يدعى دورفاس، وكان صاحب (كرامات) مذهلة تحصَّل عليها بواسطة اليوغا وضبط النفس. ذهب الحكيم مرة إلى عالم الآلهة حاملاً إكليلاً من زهور ذات عبير أخَّاذ هديةً لـ(إندرا) ربِّ السماء. لكن الإله إندرا اكتفى بتعليقه بغير اكتراث على ناب فيله، بدون إبداء أيِّ إعجاب بهدية الحكيم أو تقدير لها. ثارت لذلك ثائرة الحكيم دورفاس، الذي كان معروفًا بحساسيته المفرطة، فلعن (إندرا)، والآلهة قاطبة. ومن ثَمَّ، فقد أصاب الوهنُ الآلهة تدريجيًّا، وتضاءلتْ قوتُها، حتى فقدتْ سيطرتها على العوالم الثلاثة. فوَجَدَ منافسوها من الشياطين الفرصة سانحة لبَسْطِ سلطانهم عليها. لاحظت الآلهة التغيير الحاصل، وهي مغلوبة على أمرها، حتى أحْكَمَ الشياطينُ سيطرتهم الاستبدادية على كلِّ المخلوقات الحية. ذهبت الآلهة إلى (براهما) طلبًا للنصح. فوجَّهها هذا إلى فيشنو ... إلخ]، انتهى بتصرف: فمن الواضح أن الحكيم دورفاس قادر على الذهاب إلى عالم الآلهة، وقادر على (لعن) الآلهة لعناً فعالاً مدمراً، فهو (ند) لها في هذا الخصوص، بل لعله فوقها: فهو إذا (إله) وفق تعريفنا؛

 

ــ وجاء أيضاً ما مفاده: [أن الشيطانة ماهيشي مسختها الآلهة في صورة جاموسة، فانغمست في رياضة وعبادة قاسية حتى ألزمت (براهما) بأن يجعلها عصية على الموت، إلا على يد مولود ينجبه (فيشنو) من (شيفا) (وهي تعلم جيداً أنهما من جنس واحد فمن المحال أن ينجبا). اضطر براهما للإجابة. نفذت ماهيشي مخططها الانتقامي، وضمت الشياطين تحت لوائها، فهزمت الآلهة، وحكمت العالم. ذهبت الآلهة إلى الإله الكبير (فيشنو) والإله الكبير (شيفا) للحصول على المساعدة ضد الشيطانة ماهيشي. لكن فيشنو وشيفا اعترفا بعجزهما وعدم القدرة على الوقوف في وجه الشياطين الجبارة، دون أن يخفيا غضبهما المتأجج. ومن داخل غضبهما المشترك المتفجر كالبركان، انبثقت (وُلِدَت) الإلهة (دورجا) والتي تولت مسؤولية الدخول في الحرب ضد الشيطانة ماهيشي. ولكونها مجمع واتحاد القوى الغضبية المشتركة للإلهين الكبيرين، وربما الآلهة الأخرى التي كانت حاضرة، ولأنها ولدت وفق شرط براهما، استطاعت دورجا أن تقتل الآلاف من الشياطين، ثم استكمال مهمة القضاء على الشيطانة ماهيشي في حروب ومبارزات يطول سردها]، انتهى بتصرف؛ فمن الواضح أن ماهيشي قد هزمت الآلهة، وعجز عنها كل من الإله الكبير (فيشنو) والإله الكبير (شيفا) عن إيقافها عند حدها: فهي (ند) لهما: فهي إذا (إله) وفق تعريفنا؛

 

وآلية (الارتقاء) ها هنا في قصة الحكيم دورفاس هي التعبد وضبط النفس والرياضة، وبخاصة رياضات اليوجا؛ و(الألوهية) ها هنا كسبية، يصل إليها من أجهد نفسه في الوصول إليها: وهذا لا يمكن تعقله إلا بتخيل (قوة سحرية لانهائية غامضة) تتغلل في كل شيء يمكن الاغتراف من معينها بالآليات المناسبة. ومن هذه الآليات أيضاً: الترانيم والتعاويذ المخصوصة؛ والطلاسم والنقوش السحرية: فلعل هذه (القوة السحرية اللانهائية الغامضة) هي كل ما بقي من الإله المركزي الأعلى، أعني: (الله)، أو الذي يسمونه هم: (براهمان) - و(براهمان) هذا ليس هو (براهما) فانتبه - الإله الأعظم الذي لا يمكن وصفه كما لا يمكن فهمه؛ الذي نسيه الناس بعد آلاف السنين من الشرك والسحر والشعوذة؟!

 

وكل هذه المعتقدات باطلة في ذاتها، لا وجود لواقع لها إلا في الأذهان المختلة، والعقول الخرافية للمؤمنين بها كما دلّت على ذلك البراهين اليقينية القاطعة أن واجب الوجود كائن واحد فقط، من غير زيادة ولا نقصان، فليس ثمة جنس أو نوع أو أمّة أو قبيلة من واجبات الوجود تتعدد أفرادها، بل هو واحد أحد فرد فقط، من غير زيادة ولا نقصان، كما أسلفنا برهانه عند ذكر أدلة التوحيد.

 

فصل: حقيقة قول مشركي العرب: (لبيك لا شريك لك، ، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك)

أسلفنا أنه لا يستغرب أن يهتف مشركو العرب قائلين: (لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك لأن دائهم العضال هو (التشبيه): فهم يشبهون الألوهية بالإنسانية، ويشبهون الله بخلقه، ويعتقدون وجود آلهة أخرى، من «عنصر» أو «نسب» أو «جنس» إلاهي؛ وإن كانوا في مرتبة المملوك، وهذا يتصور، عند العرب، في حالتين:

الأولى: الرقيق المملوك، تماماً كما أن العبد الرقيق المملوك إنسان، وسيده الذي يملكه إنسان أيضاً؛ لا سيما عند من يعتقد أن جنس (الألوهية) يتحقق في نوعين أو قبيلتين: قبيلة الله، قبيلة الخير والنور، وقبيلة إبليس، قبيلة الشر والظلمة، بينهما حروب مستعرة، كر وفر، وأسْر واسترقاق. وقد سبق أن ذكرنا بعض أساطيرهم في باب مستقل؛

الثانية: الأولاد، بنين وبنات، وبخاصة البنات لأن عرف عامة الشعوب البدائية، وبخاصة ذات الأديان الوثنية هو أن الأب مالك لولده، وبالتبعية فهو مالك لأموالهم وكسبهم: له حق بيعهم، بل وقتلهم. وكان هذا هو العرف المستقر في الصين إلى عهد قريب. وما زالت قبائل أفريقيا الوثنية البدائية على ذلك: الرجل (يشتري) زوجة من أبيها بكذا وكذا رأس من البقر. بل ونجد بعض ذلك في الشرائع السماوية المنسوخة: فهذا حمو موسى ينكحه ابنته على أن يأجره ثماني حجج، وهذا (ثمن) ضخم لعله يقارب الألف دينار من الذهب، كأثمان خيرة الأرقاء المستعبدين: فليس هذا مهراً، ولا هو للمرأة نحلة خالصة، بل هو لأبيها. وكما نجد بعض ذلك في اليهودية. وكون ذلك عرف العرب قبل الإسلام، ينبغي أن يكون بديهيا. وقد كان هو الشرع الإسلامي أولاً ثم نسخ شيئاً فشيئاً، وتشهد له مفردات كثيرة، منها:

(1)- وأد البنات، بل أفحش بعضهم فرجز: (وأد البنات *** من المكرمات)؛

(2)- نذر عبد المطلب إذا رزق بعشر من الذكور أن ينحر عاشرهم، والقصة معروفة مشهورة؛

(3)- قوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: (أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ)، كذا أخرجه الإمام ابن ماجه في سننه (2/769/2291): [حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي مَالًا وَوَلَدًا، وَإِنَّ أَبِي يُرِيدُ أَنْ يَجْتَاحَ مَالِي، فَقَالَ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»]؛ وهو في المعجم الأوسط (7/19/6728): [حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي زُرْعَةَ، حدثنا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حدثنا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حدثنا يُوسُفُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي مَالًا وولدًا، وَإِنَّ أَبِي يُرِيدُ أَنْ يَجْتَاحَ مَالِي؟ فَقَالَ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»]، ثم قال الطبراني: (لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ يُوسُفَ إِلَّا عِيسَى بْنُ يُونُسَ)؛ وأخرجه الطبراني مرة أخرى في معجمه الأوسط (ج4/ص31/ح3534): [حدثنا حبوش بن رزق الله المصري قال حدثنا عبد الله بن يوسف قال حدثنا عيسى بن يونس قاله]؛ وإسناد في ظاهره صحيح على شرط البخاري، وأعله بعضهم برواية آخرين – غير يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق - له مرسلاً (من غير ذكر جابر)؛ ولكن له شواهد من طرق أخرى حسان، واستنكره البعض فلم يلحظوا أنه ربما كان الأمر الأول قبل النسخ. ولكن الأرجح عندي أنه واقعة مخصوصة، وأن الأب لم يأخذ من مال وله إلا ما هو حقه من النفقة كما يظهر من الرواية المطولة الممتعة:

* فقد جاء في المعجم الصغير للطبراني (2/152/947)؛ وهو أيضاً في المعجم الأوسط (6/339/6570): [حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ الْبَرْذَعِيُّ، بِمِصْرَ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ عُبَيْدُ بْنُ خَلَصَةَ بِمَعْرَةِ النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نَافِعٍ الْمَدَنِيُّ، عَنِ الْمُنْكَدِرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبِي أَخَذَ مَالِي، فَقَالَ النَّبِيُّ، صلى الله عليه وسلم، لِلرَّجُلِ: اذْهَبْ فَأْتِنِي بِأَبِيكَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَى النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ، وَيَقُولُ: إِذَا جَاءَكَ الشَّيْخُ، فَسَلْهُ عَنْ شَيْءٍ قَالَهُ فِي نَفْسِهِ مَا سَمِعَتْهُ أُذُنَاهُ، فَلَمَّا جَاءَ الشَّيْخُ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ، صلى الله عليه وسلم: مَا بَالُ ابْنِكَ يَشْكُوكَ، أَتُرِيدُ أَنْ تَأْخُذَ مَالَهُ؟

فَقَالَ: سَلْهُ يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ أَنْفَقْتُهُ إِلَّا عَلَى عَمَّاتِهِ أَوْ خَالاتِهِ أَوْ عَلَى نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ، صلى الله عليه وسلم: إِيهِ، دَعْنَا مِنْ هَذَا أَخْبِرْنَا عَنْ شَيْءٍ قُلْتَهُ فِي نَفْسِكَ مَا سَمِعَتْهُ أُذُنَاكَ، فَقَالَ الشَّيْخُ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا يَزَالُ اللهُ يَزِيدُنَا بِكَ يَقِينًا، لَقَدْ قُلْتُ فِي نَفْسِي شَيْئًا مَا سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، فَقَالَ: قُلْ: وَأَنَا أَسْمَعُ،

قَالَ: قُلْتُ:

غَذَوْتُكَ مَوْلُودًا وَمُنْتُكَ يَافِعًا *** تُعَلُّ بِمَا أَجْنِي عَلَيْكَ وَتَنْهَلُ

إِذَا لَيْلَةٌ ضَافَتْكَ بِالسُّقْمِ لَمْ أَبِتْ *** لِسُّقْمِكَ إِلَّا سَاهِرًا أَتَمَلْمَلُ

كَأَنِّي أَنَا الْمْطَرُوقُ دُونَكَ بِالَّذِي *** طُرِقْتَ بِهِ دُونِي فَعَيْنَايَ تَهْمُلُ

تَخَافُ الرَّدَى نَفْسِي عَلَيْكَ وَإِنَّهَا *** لَتَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْتَ وَقْتٌ مُؤَجَّلُ

فَلَمَّا بَلَغْتَ السِّنَّ وَالْغَايَةَ الَّتِي *** إِلَيْهَا مَدَى مَا فِيكَ كُنْتُ أُؤَمِّلُ

جَعَلْتَ جَزَائِي غِلْظَةً وَفَظَاظَةً *** كَأَنَّكَ أَنْتَ الْمُنْعِمُ الْمُتَفَضِّلُ

فَلَيْتَكَ إِذْ لَمْ تَرْعَ حَقَّ أُبُوَّتِي *** فَعَلْتَ كَمَا الْجَارُ الْمُجَاوِرُ يَفْعَلُ

تَرَاهُ مُعَدًّا لِلْخِلافِ كَأَنَّهُ *** بِرَدٍّ عَلَى أَهْلِ الصَّوَابِ مُوَكَّلُ

قَالَ: فَحِينَئِذٍ أَخَذَ النَّبِيُّ، صلى الله عليه وسلم، بِتَلابِيبِ ابْنِهِ، وَقَالَ: (أَنْتَ وَمَالُكُ لأَبِيكَ)]، وقال الإمام الطبراني: (لا يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، إِلَّا بِهَذَا التَّمَامِ وَالشِّعْرِ، إِلَّا بِهَذَا الإِسْنَادِ، تَفَرَّدَ بِهِ عُبَيْدُ بْنُ خَلَصَةَ)؛

 

وعلى كل حال فكل هؤلاء الشركاء المملوكين، الذين يصح عند المشرك العربي أن يقول في حقهم: (تملكه وما ملك) فيهم، وفق معتقده، شيء من الألوهية، ولو في جانب واحد، أو اعتبار:

(1)- إما لأنهم، ولأنهن أبناء وبنات (الله)، أي من العنصر أو الجوهر أو النسب الإلهي الخير المنير، وهذا من أهم الاعتبارات وأبرزها وأشهرها. ولعله هو المشار إليه في قوله، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3) لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (4)﴾، (الزمر؛ 39 : 3 – 5)، وسنعود لهذه الآية الخطيرة بالدرس المفصل في فصل مستقل؛

(2)- أو لأنهم ولأنهن أبناء وبنات (إبليس)، أي من العنصر أو الجوهر أو النسب الإلهي الشرير المظلم؛ وقد تم أسرهم واسترقاقهم في بعض الحروب والمواجهات بين الخير والشر؛

(3)- أو لأنهم مخلوقات حادثة شريرة، مملوكة لله، في الأصل وعند الابتداء، ملكية حقيقية، ولكنها تتمرد عليه، ويمكنها الإباق، أي الإفلات من الله وإعجازه هرباً، كما هو معتقد كثير من العرب في الجن. ولعل المشار إليهم في قوله، جل جلاله: ﴿ ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، (الروم؛ 30 : 28)، من هذا النوع!

 

واعتقاد وجود هذه الاعتبارات الإلاهية في كائن معين، عند المؤمن بها، أي اعتقاد الألوهية في ذلك الكائن المعين، هو علة الاستعانة والاستنصار والاستغاثة والاستعاذة به، وطلب جلب النفع، كالمطر والخصب والولد، أو دفع الضر من فقر ومرض وقحط، وتملقه بالشعائر: قيام وقعود، وركوع وسجود، وذبح القرابين، وإيقاد المشاعل والشموع، والإهداء إلى معابدهم، والنفقة على سدنته، والاحتفال به وبأعياده بالهتاف، والغناء، والتصفيق، والرقص؛ وليس شيئاً من تلك الأفعال هو الذي جعله (إله)، بل هو، عند المؤمن به، قبل ذلك وبدونه: (إله) بذاته وخصائصه. فكل تلك الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة ما هي إلا ثمرة لذلك الاعتقاد، وعبارة عنه. فليست القضية فقط هي المشاركة في (الملك)، أو (الربوبية)، أيا ما كان تعريفها، بل (الكينونة من عنصر أو جوهر أو نسب إلهي) أسبق وأهم وأخطر:

* فلذلك لا صحة لما جاء في درء تعارض العقل والنقل (9/369): [ولهذا قال تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [الأنبياء: 22]، فلم يقل: لو كان فيهما إلهان، بل المقدر آلهة غير الإله المعلوم أنه إله، فإنه لم ينازع أحد في أن الله إله حق، وإنما نازعوا هل يتخذ غيره إلهاً مع كونه مملوكاً له؟ ولهذا قال: ﴿ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم﴾ [الروم: 28]. وقال تعالى: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [الزمر: 3]. وقال: ﴿أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أو لو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون * قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون * وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون﴾ [الزمر: 43 - 45]، وقد بسط الكلام على هذا في موضعه]، انتهى كلام ابن تيمية. فهذه الجمل حجج عقلية على بطلان أقوال المشركين، وليست هي مجرد نقل لكلامهم، ولا هي نقل لما استندوا عليه من المقدمات الخرافية، كما زلَّت القدم بالإمام ابن تيمية تلك الزلة الشنعاء؛

 

* ولذلك أيضاً كان ما جاء في تفسير ابن كثير [ت سلامة (6/294)]: [فَكَمَا أَنَّهُ الْوَاحِدُ فِي مُلْكِهِ فَلْيَكُنِ الْوَاحِدَ فِي عِبَادَتِهِ، وَكَثِيرًا مَا يُقَرِّرُ تَعَالَى مَقَامَ الْإِلَهِيَّةِ بِالِاعْتِرَافِ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ. وَقَدْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ، كَمَا كَانُوا يَقُولُونَ فِي تَلْبِيَتِهِمْ: (لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ)]، انتهى كلام ابن كثير؛

وقد جاء كلام ابن كثير ناقصاً مبتوراً، يفتح أبواب الضلالة. وكان حقه أن يقول: (فهو الْوَاحِدُ الأحد فِي ذاته، المنفرد بالكمال المطلق في صفاته وأفعاله، ومنها: خلقه، ومُلْكِهِ، وتصرفه، وتدبيره، وأمره التكويني، وحكمه التشريعي، على وجه الاستقلال: فليشهد له بذلك)؛

 

* وأما بقية الكلام الذي جاء في تفسير ابن كثير [ت سلامة (6/294): [وَكَثِيرًا مَا يُقَرِّرُ تَعَالَى مَقَامَ الْإِلَهِيَّةِ بِالِاعْتِرَافِ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ. وَقَدْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ، كَمَا كَانُوا يَقُولُونَ فِي تَلْبِيَتِهِمْ: (لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ) ]، انتهى كلام ابن كثير؛ فهو في حقيقته كلام فارغ، لا صحة لأكثره، ولا محصول يرجى من ورائه: فما كونوا موحدين لله في الربوبية، أيا ما كان تعريفها، كما سلف في الباب المخصص للواقع التاريخي لشرك العرب. ولا عجب: فمن قلد الإمام ابن تيمية في قسمته الثلاثية المشؤومة لا بد أن يسقط على أم رأسه في الهاوية: سفسطة مظلمة متناقضة خاوية!

 

* ومن الخيال المحض أيضاً، الذي لا يرجع إلى واقع تاريخي، ما جاء في تفسير ابن كثير [ط العلمية (4/383)]: [فَإِنَّهُ لَا يُشَابِهُهُ شَيْءٌ، وَلَا يُمَاثِلُهُ وَلَا نِدَّ لَهُ وَلَا عَدْلَ لَهُ وَلَا وَزِيرَ لَهُ وَلَا وَلَدَ وَلَا صَاحِبَةَ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا وَإِنَّمَا عَبَدَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مَعَهُ آلِهَةً هم معترفون أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ لَهُ، عَبِيدٌ لَهُ، كَمَا كَانُوا يَقُولُونَ فِي تَلْبِيَتِهِمْ: (لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ) ]، انتهى كلام ابن كثير؛

فنقول: أين وجد الإمام ابن كثير في نص قولهم: (لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ)، أو من مرويات تاريخهم، أنهم: (معترفون أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ لَهُ)، لا سيما وأن القرآن قد ذكر في عشرات المواضع أنهم ينسبون إليه الولد، والولد، إذا كان ولداً للصلب بحق: بعض أبيه، ومن جنس أبيه، مولود من أبيه، وليس مخلوقاً لأبيه؟!

 

* وتجد نفس الخطأ في التحرير والتنوير (1/334): [وَالْمَعْنَى لَا تُثْبِتُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا تَجْعَلُونَهَا جَعْلًا وَهِيَ لَيْسَتْ أَنْدَادًا وَسَمَّاهَا أَنْدَادًا تَعْرِيضًا بِزَعْمِهِمْ لِأَنَّ حَالَ الْعَرَبِ فِي عِبَادَتِهِمْ لَهَا كَحَالِ مَنْ يُسَوِّي بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَهَا وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ إِنَّ الْآلِهَةَ شُفَعَاءُ وَيَقُولُونَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ، وَجَعَلُوا اللَّهَ خَالِقَ الْآلِهَةِ فَقَالُوا فِي التَّلْبِيَةِ: «لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ»]؛ ثم زاد الخطأ فحشاً بقوله: [لَكِنَّهُمْ لَمَّا عَبَدُوهَا وَنَسُوا بِعِبَادَتِهَا وَالسَّعْيِ إِلَيْهَا وَالنُّذُورِ عِنْدَهَا وَإِقَامَةِ الْمَوَاسِمِ حَوْلَهَا عِبَادَةَ اللَّهِ، أَصْبَحَ عَمَلُهُمْ عَمَلَ مَنْ يَعْتَقِدُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْفِعْلِ لَا بِالْقَوْلِ. وَفِي ذَلِكَ مَعْنًى مِنَ التَّعْرِيضِ بِهِمْ وَرَمْيِهِمْ بِاضْطِرَابِ الْحَالِ وَمُنَاقِضَةِ الْأَقْوَالِ لِلْأَفْعَالِ]؛

 

فأقول: سبحان الله: أين وجد الإمام ابن عاشور في نص أقوالهم أو من مرويات تاريخهم، أنهم: (جَعَلُوا اللَّهَ خَالِقَ الْآلِهَةِ)، لا سيما وأن القرآن قد ذكر في عشرات المواضع أنهم ينسبون إليه الولد؛ ولأن الشرك يحصل بمجرد اعتقاد شيء من الألوهية في غير الله، فيكون الغير نداً لله، أي في نفس المرتبة، وإن لم يكن تام المساواة لله حتى في ذلك الاعتبار المخصوص نفسه فقط، ناهيك بغيره؛ فلا معني لقول الطاهر بن عاشور: (وَنَسُوا بِعِبَادَتِهَا وَالسَّعْيِ إِلَيْهَا وَالنُّذُورِ عِنْدَهَا وَإِقَامَةِ الْمَوَاسِمِ حَوْلَهَا عِبَادَةَ اللَّهِ)، وأيضاً لا معنى لقوله: (أَصْبَحَ عَمَلُهُمْ عَمَلَ مَنْ يَعْتَقِدُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى)، نعم: هذه الجمل لا معنى لها، ولا محصول يرجى من ورائها، فضلاً عن كونها لا تمثل الواقع التاريخي أصلاً، إلا في بعض الأحوال الشاذة النادرة.

 

* وكيف جاز للأستاذ محمد إبراهيم الفيومي (المتوفى: 1427هـ) أن يقول: [فكانت كنانة وقريش إذا أهلوا قالوا: (لبيك اللهم لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك)، فيوحدونه بالتلبية ثم يدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده بقول الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾؛ أي: ما يوحدونني لمعرفة حقي إلا جعلوا معي شريكًا من خلقي]؛ كذا نصاً بأحرفه في تاريخ الفكر الديني الجاهلي (ص: 466)؛ بدلاً من القول الصحيح: (ما يؤمن أكثرهم ببعض حقي، إلا وهو متخذ إلاهاً أو نداً أو شريكاً من دوني)

 

ومهما راجعت أقوال القوم فلن تجد إلا هذا:

(1)- الزعم بأن لفظة: (تملكه) تعني بالضرورة: (أنك خلقته، وتملكه ملكية تامة، وتهيمن عليه هيمنة كلية)؛ وهي كذلك بالضرورة في حق (الله) إذا عرف معرفة صحيحة في الإيمان الحق؛ وليست كذلك في إيمان المشركين المنقوص، ومعرفتهم وتصوراتهم المبتورة المشوهة، كما سلفت البرهنة عليه، وسيأتي المزيد؛

(2)- المكابرة الوقحة بالتأكيد على الإفك والزور الزاعم (أن مشركي العرب كانوا مقرين بما يسمونه: (توحيد الربوبية)، أياً ما كان تعريفه)؛ كما سلفت البرهنة على بطلانه، وسيأتي المزيد؛

(3)- أو مبتكرات خيالية لا جدوى منها، ولا علاقة لها بالموضوع أصلاً: مثل كلام الطاهر بن عاشور عن نسيان(؟!) عبادة الله: (وَنَسُوا بِعِبَادَتِهَا وَالسَّعْيِ إِلَيْهَا وَالنُّذُورِ عِنْدَهَا وَإِقَامَةِ الْمَوَاسِمِ حَوْلَهَا عِبَادَةَ اللَّهِ)، أو التسوية التامة بالله: (أَصْبَحَ عَمَلُهُمْ عَمَلَ مَنْ يَعْتَقِدُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى).

 

فصل: توحيد الخالقية:

(توحيد الخالقية) هو الاعتقاد الجازم بأن الله وحده هو القادر على الخلق والتكوين والايجاد من عدم حقيقةً، وليس لغير الله شيء من ذلك على وجه الاستقلال بقدرته الذاتية، وإنما يكون، إن وُجد، فيما أودعه الله فيه من قدرة محدودة مخلوقة، وبإذنه سبحانه وتعالى وتقديره وتمكينه.

 

وكل ذلك، كذلك، ثابت بالضرورة، وبالبراهين العقلية والفطرية، قبل ورود الشرع، ثم جاء الشرع مؤيداً، ومُذكرا بها، ومفصّلا لمعانيها فيما لا يُعد ولا يحصى من النصوص، منها:

* ما قاله، تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، (سورة الانعام؛ 6: 1).

 

* وقال: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، (الانعام؛ 6: 101).

 

* وقال: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ، (المؤمنون؛ 23: 91).

 

* وقال، تقدست أسماؤه، نافياً أن يكون غيره قد خلق شيئاً، فيكون بذلك له شريكاً: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، (الرعد؛ 13: 20).

وقد جرت عادة المسلمين في الامتناع عن استخدام لفظة «الخلق»، ومشتقّاتها، إلا في حق الله، تبارك وتعالى. فتجدهم ينفرون أشد النفور من استخدام اللفظة في حق غير الله، في مثل جملة: (عقلية خلاقة)، فيقولون مثلاً: (عقلية مبدعة)، هذا أدب جيد، وعادة حميدة، لا بأس من الاستمرار عليها ورعايتها، وإن كان خلاف ذلك ليس حراماً، لأن نسبة الخلق لغير الله جائزة، كما قال جل جلاله عن السيد المسيح بن مريم، صلوات الله وتسليماته وتبريكاته عليه وعلى والدته: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي، ومحال على الله أن يستخدم عبارة باطلة، مع علمنا ضرورة أن خلق المسيح من الطين كهيئة الطير، أي تشكيله هكذا، ليس كخلق الله للحياة في الطير بعد نفخ المسيح في الطير، فهذا خلق، وهذا خلق، وشتان بين هذا وهذا!!

 

وكون الله، تقدّست ذاته، وتباركت أسماؤه، وسما مقامه، خالقاً، هو بعض معنى كونه: «إلاهاً»، ولا علاقة مباشرة له من الناحية المفاهيمية بكونه «رباً»، وهذا يبطل صحة تعريف الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية لما أسماه بـ«توحيد الربوبية»، لأنه أدخل فيه «الخلق» في أول القائمة، وهذا باطل، كما أسلفنا عند مناقشة لفظة: «رب».

 

ولما كان مفهوم «الخلق» لا يدخل في مفهوم «الربوبية»، إلا بإقحام وتكلّف مصطنع، فقد وقعت من ثمّ قسمة شيخ الإسلام ابن تيمية للتوحيد باطلة عرجاء من هذا الاعتبار، فلا حول ولا قوة إلا بالله!

 

بل الصحيح أن الله إنما خلق الخلق من العدم لمعرفته ولشكره ولعبادته، فهو خلقهم لحظ نفسه، فما ثمة غيره إله، واجب الوجود غيره، يستحق أن يخلق له، أو أن ينقل ربوبيته (أي: ملكيته وسيادته) إليه؛ وما ثمة إله، واجب الوجود غيره، له خلقه، ومن ثم مملكته المستقلة، فنتج ضرورة أن جميع المخلوقات ملكه وعبيده: فهو ربهم، وهو رب العالمين، لأنه خلقهم: فربوبيته فرع ونتيجة ضرورية لخالقيته، وليس العكس.

 

ويتناقض مع هذا القسم من التوحيد أنواع من الشرك الإعتقادي منها:

(أ)- القول بخلق الشر من قبل إله الشر، بقدرته الذاتية، أو على وجه الاستقلال، أو بالمعاندة لله، أي رغما عن الله، تعالى وتقدَّس، وبخلاف مراده، كما يقوله عامة الثنوية المجوس، سواء قال بعضهم بقدم إله الشر، فجمعوا بين شرك الذات، السابق بيانه، وشرك الخلق والتكوين؛ أو قالوا أن إله الشر حادث، ليس أزلياً ولا قديماً، فيكون هذا شركًا في الخلق والتكوين فحسب. وكلا القولين محكي عن طائفة منهم.

 

(ب)- القول باشتراك أكثر من إله في خلق أجزاء مختلفة من العالم، كلٌّ مستقل في خلقه، غني عمن سواه، كقول أكثر المشركين البدائيين، ومنهم مشركو اليونان؛ فهذا إله البحر، وذلك إله الشمس،.. إلخ.

(ج)- القول بالطبيعة الخالقة التي أوجدت الأشياء بخاصيتها الذاتية على وجه الضرورة التي يستحيل خرقها أو تجاوزها، وهو قول طائفة من الفلاسفة والطبائعيين، والقائلون بذلك ينكرون، بالضرورة، معجزات الانبياء، وأكثرهم أيضاً ملحد ينكر وجود الله.

 

(د)- القول بأن هناك كائنات حادثة بدون إذن الله، أو رغما على الله. مثال ذلك: إله الشر الحادث عند المجوس في القصة التي سبق إيرادها، ومفادها: (أن الله لما فرغ من الخلق، نظر إليه وأعجبه، تفكر: هل يوجد من ينازعه ملكه، ويفسد هذا الكون المحكم، فتحولت الفكرة الخبيثة شيطاناً مريداً، شراً مطلقاً محضاً، لا معنى لوجوده إلا أن يفسد على الله أمره، وينازعه في ملكه). فهذا فيما يبدو: خلق رغما عن الله، وبدون خالق، وهو أشتع وأشنع؛ وربما قيل: بل هو انبثاق أو ولادة من الفكرة الخبيثة، فيكون أيضاَ شركاً في الذات. وعلى كل حال فهذا المثال قد بلغ غاية النهاية في جمع المحالات والمتناقضات في نسق واحد، عياذاً بالله.

 

غير أنه ينبغي أن يُعْلمَ عِلماً يقينيًا، لا يتطرق إليه الشك، أن العبرة إنما هي بحقيقة المعتقد وجوهر محتوى التصوّر، بغض النظر عن الأسماء والألفاظ. فمن نَسَبَ إلى غير الله الخلق والإيجاد من عدم، على وجه الاستقلال - كما يفعل الثنوية المجوس بالنسبة لما يسمونه إله الشر «أهريمن» - فقد جعله متصفا ببعض صفات الألوهية؛ أي جعله مع الله إلهاً آخر، وذلك بغض النظر عن تسميته، سواء سماه إلهاً، أو سماه شيطاناً، أو سماه ملكاً، أو روحاً أو عقلاً فلكياً؛ أو سماه نفساً سفلياً أرضياً، أو غير ذلك؛ وكذلك بغض النظر عن فعل العبد المترتب على ذلك، هل هو تقديس ومحبة وتقرب وطاعة؟ أو هو كراهية ومعاداة وتباعد وعصيان. إذ العبرة، في هذا المقام، بمحتوى وحقيقة المعتقد، وليس بالتسميات، ولا بأفعال العباد المترتبة على تلك المعتقدات، فتلك لها اعتبار آخر، في مقام آخر، كما سيأتي في باقي هذه الرسالة.

 

فصل: توحيد الملك والتدبير والتصرف التكويني:

 (توحيد الملك والتدبير والتصرف التكويني) هو الاعتقاد الجازم بأن الله وحده مدبّر الأكوان، المتصرف فيها بذاته، على وجه الاستقلال، المقدّر لمقاديرها، فلا يقع فيها شيء إلا بعلمه وتقديره وإذنه، ولا يفعل فيها فاعل فعلاً إلا بإذن الله، بما وهب الله له من قدرة على الفعل، وبما ركّب فيه من المقادير والخصائص، وما طبعه عليه من الطبائع؛ كل ذلك على وجه التبعية بجعل الله وتقديره وعلمه السابق، لا على وجه الاستقلال بقدرة أو إرادة ذاتية. و(توحيد الملك والتدبير والتصرف التكويني) هو بحق (توحيد الربوبية)، أو بلفظ أدق: (توحيد الربوبية التكوينية).

 

لقد كان الكثير من شرك العرب، وغيرهم من بسطاء المشركين، واقعاً في هذا الباب، لذلك جاء القرآن والسنّة بما لا يعد ولا يحصى من النصوص المؤكدة على هذا، كما ميز النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى، في ركن مستقل من أركان الإيمان، لعلاقة ذلك المباشرة بهذا الموضوع:

* قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ، (يونس؛ 10: 3).

 

* وقال: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ، (يونس؛ 10: 31).

 

ومعلوم بضرورة الحس والعقل، وهو كذلك مؤكد مقطوع بثبوته بنصوص الشرع، أن الكون فيه سنن مطّردة، تترتب فيه الأسباب والمسببات على بعضها على نحو اعتيادي دائم؛ فالنار دائماً وأبداً تحرق الحطب الجاف، وماء المطر العذب ينبت الزرع، وهكذا. والكون مملوء، كذلك، بالكائنات ذات الإرادة والاختيار، التي تفعل وتتحرك، وتذهب وتجيء. كل ذلك ممكنات تترتّب على بعضها البعض ويستحيل عقلاً أن يكون ذلك لأمر ضروري ذاتي، لأنها في أصل خلقتها، أي في ذاتها، مخلوقة حادثة ممكنة وليست ضرورية أزلية واجبة، فكيف تكون صفاتها، وأفعالها، وأحوالها، وهي فرع من أصل، ضرورية أو واجبة؟! فلزم أن يكون ذلك كله بجعل الله، الحي القيوم، واجب الوجود بذاته، القديم الأول بغير ابتداء، الآخر بغير انتهاء.

 

فكل تلك الوقائع في الكون ليست لأمر ضروري ذاتي، ولا هي على وجه الاستقلال، بل بجعل الله، أي بعلمه وإرادته وخلقه وتدبيره، وإذنه الكوني، لا إله إلا هو، ولا رب سواه، عليه نتوكل، وبه نتأيد. وهذا هو معنى قولنا: (القدر، خيره وشره، من الله تعالى)، بالضبط، من غير زيادة ولا نقصان، وإن كان الناس ربما أدخلوا تحت عنوان: (القضاء والقدر) أشياء أخرى كثيرة غير هذا، تخبَّط فيها الباحثون، كثير منها متخيَّل وباطل، ولكن محل هذا رسالة مستقلة، ولا زالت تحت الإعداد.

 

فالضرورة الذاتية، أو الاستقلال في الفعل لا تكون إلا لإله، واعتقاد تحقق ذلك في غير الله، شرك بالله، يتناقض مع الإسلام كل المناقضة، ويخرج معتقده من الملة، إن كان من قبل قد دخل فيها، وصح عقده لها.

 

ويتناقض مع هذا القسم من التوحيد أنواع من الشرك الاعتقادي منها، على سبيل المثال، لا على سبيل الحصر:

(أ) - قول بعض الصابئة وعبدة الكواكب أن الكواكب ــ أو العقول، والنفوس، والأرواح الملائكية الموجودة فيها ــ تعلم ما في العالم السفلي، وهي التي تتصرف فيه على وجه الاستقلال؛

 

(ب) - قول كثير من المشركين ــ ومنهم مشركو العرب ــ أن صغار الآلهة بما لهم من ذوات إلهية، وصلة نسب وقرابة مع كبار الآلهة، يتصرفون في بعض شؤون العابدين لهم إما مباشرة، أو بالشفاعة من غير استئذان، والوساطة التي لا ترد البتة عند كبار الآلهة؛

 

(ج) - قول بعض الفلاسفة «الطبائعيين» أن ترتيب الأسباب والمسببات على بعضها ترتيب ضروري، يستحيل خرقه، بحيث لا ينفك هذا عن هذا مطلقاً. هذا كذلك شرك اعتقادي يناقض الإسلام كل المناقضة، ويخرج من اعتنقه عن الملة، إن كان دخل في الملة قبل ذلك أصلاً. وهو يناقض الحق الذي دلت عليه الأدلة العقلية والشرعية اليقينية التي تبرهن على أن ترابط الأسباب والمسببات ليس بضروري، بل هو «عادي»، وهو «جعلي»، أو «تقديري»، أي بجعل الله لها كذلك، وإذنه بدوام ذلك واستمراره على وجه السنّة العادية، لا على وجه الضرورة العقلية أو المفاهيمية المطلقة، التي يستحيل خرقها.

 

(د) - ما ينسب إلى بعض غلاة «القدريّة» أن أفعال العباد الاختيارية لا تقع بإذن الله وتقديره، ثم يلتزمون في المناظرة بأنها تقع رغماً عن الله، وأنه، جل وعلا، ما كان قادراً على منعها، تعالى وتقدّس، أو نحو ذلك.

 

ونسارع في التنبيه على أن مقصد أكثر هؤلاء الموصوفين بـ(غلاة القدريّة) ليس بواضح، ولا نعلم قدرياً من أهل الإسلام قال بمثل هذا أو التزم به، إلا أنه لازم لأقوال بعض الغلاة منهم. ولعل هذا سبب تسمية بعض أئمة الحديث لهم: (مجوس هذه الأمة)، وهو تعبير يستخدمه الكثيرون، لا سيما إذا حمِيتْ المناظرة واشتدّت، أو عند التراشق بالقول والتنابز بالألقاب، فتجمح العواطف، وتنحسر الحكمة، ويتراجع العقل، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ونسارع بالتنبيه، على كل حال، أن لازم القول ليس قولاً، إلا إذا أقرّ به صاحبه والتزم؛ وإلزام القائل بما لم يلتزمه ظلم وعدوان، وهي طريقة أهل الجدل والمراء، بل أهل البدع والأهواء، ولكن تفصيل ذلك محله غير هذه الرسالة، والحمد لله رب العالمين.

 

والذي يظهر لنا أن غلاة «القدريّة» إنما أنكروا فقط أن يتعلق «العلم الإلاهي السابق» بنتيجة أفعال العباد الاختيارية في كل حالة عينية، مع إحاطة علم الله السابق بكل الاحتمالات الممكن تحقّقها، وبإذنه بتحقّق أي منها عند انعقاد الإرادة من المخلوق المريد، وحدوث الفعل. فمِن المحال، عندهم، أن يقع شيء من ذلك بغير إذن الله، وهو القادر أزلاً وأبداً على منع ذلك، لا يغالبه غالب ولا يفلت منه هارب. فليس عندهم شرك في «التصرّف والتدبير»، ولا محل لنبزهم بجملة: (مجوس هذه الأمة). ولكن تبقى إشكالية «العلم الإلاهي السابق»، أي: إشكالية «القضاء»، (وليست هذه البتة قضية «القدر» كما يخلط المخلطون، ويزعم الزاعمون، عندما يقولون: الإيمان بالقضاء والقدر). وهذا بحث عويص مهم خطير، في غاية الأهمية والخطورة، ليس هذا محله.

 

ما سلف إنما هي قائمة بأوضح وأشهر الأمثلة التي وقعت لنا، وربما وجد غيرنا الكثير من مثيلاتها، أو مزيداً من الأمثلة على جزئياتها، فأنواع الشرك وظلماته كثيرة متراكبة متشابكة، كظلمات بحر لجّي من فوقه موج من فوقه سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض، والهدى والنور واحد مبين ساطع؛ وهو ما جاء به محمّد، رسول الله وخاتم النبيين، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، الملك الحق، والنور المبين، والحمد لله رب العالمين.

 

نعم: ها هنا أصاب الإمام ابن تيمية في إدخال «التّدبير» و«التصرف» تحت عنوان «الربوبية»، لأن مفاهيم التصرف والتدبير، فرع لمفاهيم «السيادة» و«التملّك»، وهي بالضرورة بعضها، كما أسلفناه عند مناقشة مفهوم «الرب».

 

غير أنه يجب أن يُعلم هنا كذلك، علماً يقينيًا لا يتطرق إليه الشك، أن العبرة هي بحقيقة المعتقد وجوهر محتوى التصور، بغض النظر عن الأسماء والألفاظ. فمن زعم:

(1)- أن لغير الله، عند الله، شفاعة لا ترد البتة، أو لا تحتاج الى استئذان مطلقاً؛

(2)- أو أن غير الله يتصرّف في الكون بغير إذن من الله، ولا مشيئة، ولا تقدير؛

(3)- أو أن غير الله له قدرة وتصرّف تضاهي قدرة الله، ولو في جزئية واحدة، أو اعتبار واحد، مثل:

(أ)- أن غير الله يجير على الله؛

(ب)- أو أن غير الله يستطيع الإفلات من «قبضة» الله، أي: أن غير الله خارج عن السيطرة الإلهية بحيث يستطيع الإفلات أو الهروب من الله تعالى فيعجزونه هرباً (كاعتقاد بعض جهلة العوام من الأفارقة وغيرهم، في الجن، والأرواح السفلية، والشيطانية)؛

(4)- أو أن الله لا يتصرف ويدبّر الخلائق مباشرة، بل «يحتاج» هو لنقص في (قدرته)، إلى واسطة بينه وبين الخلائق تدبّر نيابة عنه؛ أو «تحتاج» الخلائق بسبب (لا مبالاته)، والنقص في (عنايته)، أو (لتعاليه) و(تباعده)، إلى واسطة بينها وبينه، نيابة عنه، ترفع المطالب من أسفل إلى أعلى إليه، كقول عبدة النجوم، والعقول السبعة، أو العشرة، وغيرهم؛

(5)- أو أن غير الله يدبّر الخلائق، ويتصرف في أمرهم، لأن الله إنما يعلم فقط الكليات، ولا يعلم أحوال العباد الجزئية، فتقوم العقول والنفوس الفلكية، أو الملائكة، أو الآلهة الثانوية، بمباشرة تدبير الكون، ضرورة ولا بد؛

(6)- أو أن غير الله يدبّر الخلائق، أو بعضها، لأن الله، مع كمال علمه وقدرته، أخرجها من ملكه، وملكها لغيره ملكية حقيقية: ففَوَّض إليه أمورها تفويضاً نهائياً مطلقاً لا يمكن التراجع فيه: يدبرها برأيه، ويقضي فيها بحكمه، ويمضيها بأمره، فهو ليس فقط سبب أو وسيلة أو آلة، ولكنه شريك في السيادة والملك شراكة حقيقية.

 

من زعم شيئاً من ذلك، فقد جعل ذلك الغير لله نداً، أي: جعل ذلك الغير متّصفًا ببعض صفات الألوهية، أي جعَله مع الله إلهًا آخر، وذلك بغض النّظر عن تسميته، سواء سماه إلهاً، أو سماه شفيعًا، أو وسيطاً، أو ملكاً، أو عقلاً فلكياً، أو روحاً نجمية، أو نفساً كوكبية، أو وليًا (من أولياء الله الصالحين)، أو قطباً، أو غوثاً، أو غير ذلك، إذ العبرة بمحتوى وحقيقة المعتقد، فقط لا غير، وليس بالتّسميات.

 

نعم: من زعم شيئاً من ذلك في غير الله، فقد جعل ذلك «الغير» إلهًا من دون الله، وهو بذلك مشرك كافر، قد ارتدّ عن الإسلام وخرج منه، إن كان قد صح له أصلاً عقد الإسلام من قبل. وذلك كله، بغض النظر عن الأسماء والألفاظ. وكذلك بصرف النظر عن فعل العبد المترتب على ذلك: هل هو تقديس ومحبة وتقرب وطاعة؟ أو هو كراهية ومعاداة وتباعد وعصيان، أو عدم اهتمام ولا مبالاة. إذ العبرة، دائماً وأبداً، بمحتوى وحقيقة المعتقد، وليس بالتسميات والألفاظ، ولا بأفعال العباد المترتبة على تلك المعتقدات، كما أسلفنا، وكما سنشبعه أيضاً في بقية هذه الرسالة، بحثاً ومناقشة، وتأصيلاً وتفريعاً.

 

فصل: توحيد الحاكمية والتشريع (= توحيد الملك والتدبير والتصرف التشريعي):

توحيد الحاكمية والتشريع هو (توحيد الملك والتدبير والتصرف التشريعي)، أو بلفظ آخر هو (توحيد الربوبية التشريعية). وقد أسلفنا، مراراً وتكراراً، أن الإقرار والتسليم والاستسلام لله بـ(الحاكمية) هو ذروة سنام التوحيد، ومع ذلك فقد جهل حقيقته عامة أهل الكتب السابقة، كما يظهر جلياً من قصة عدي بن حاتم، رضي الله عنه، ولا يزال مجهولاً عند عامة الناس، بما فيهم أدعياء (التوحيد الخالص)، و(العقيدة السلفية الصحيحة) من الفرقة الوهابية، التي ألف أحد دعاتها كتباً عنونه: (القطبية هي الفتنة فاعرفوها): فتم أولاً شخصنة (الحاكمية)، وتسميتها بغير اسمها: (القطبية)، ثم شيطنة (الحاكمية) بجعلها (هي الفتنة)؛ تماما كما استحل قوم الخمر بأن سموها بغير اسمها: مصيدة قديمة من مصائد إبليس وتلبيسه!!

 

فموضوع (الحاكمية) في غاية الخطورة والأهمية، وفيه مباحث عميقة تحتاج إلى تفصيل، لذلك استخرنا الله في إفرادها في باب مستقل، يأتي بعد هذا قريباً، بإذن الله.

 

 

فصل ملحق: بعض ما يتعلق بالأسماء الحسنى

للإمام أبي حامد الغزالي رسالة قيمة كاملة في «أسماء الله الحسنى» سماها: «المقصد الأسنى، في أسماء الله الحسنى» نص فيها على أن الأسماء الحسنى، على كثرتها، ليست مترادفة، وأوجب أن يتضمن كل اسم منها معنىً لم يتضمنه غيره، ذلك لأن:

(الأفعال كثيرة والإضافات كثيرة والسلوب كثيرة، ويكاد يخرج جميع ذلك عن الحصر، ثم يمكن التركيب من مجموع صفتين أو صفة وإضافة، أو صفة وسلب، أو سلب وإضافة، ويوضع بإزائه اسم فتكثر الأسامي بذلك، وكان مجموعها يرجع إلى ما يدل منها على الذات، أو على الذات مع سلب، أو على الذات مع إضافة، أو على الذات مع سلب وإضافة، أو على واحد من الصفات، أو على صفة وسلب، أو على صفة وإضافة، أو على صفة فعل، أو على صفة فعل وإضافة، أو سلب. فهذه عشرة أقسام:

الأول: ما يدل على الذات كقولك: «الله»، ويقرب منه اسم «الحق» إذا أريد به الذات من حيث هي واجبة الوجود.

 

الثاني: ما يدل على الذات مع سلب مثل القدوس والسلام والغني والأحد ونظائره، فإن القدوس هو المسلوب عنه كل ما يخطر بالبال ويدخل في الوهم، والسلام هو المسلوب عنه العيوب، والغني هو المسلوب عنه الحاجة، والأحد هو المسلوب عنه النظير والقسمة.

 

الثالث: ما يرجع إلى الذات مع إضافة، كالعلي والعظيم والأول والآخر والظاهر والباطن ونظائره، فإن العلي هو الذات التي هي فوق سائر الذوات في المرتبة، فهي إضافة. والعظيم يدل على الذات من حيث تجاوز حدود الإدراكات، والأول هو السابق على الموجودات، والآخر هو الذي إليه مصير الموجودات، والظاهر هو الذات بالإضافة إلى دلالة العقل، والباطن هو الذات مضافة إلى إدراك الحس والوهم، وقس على هذا غيره.

 

الرابع: ما يرجع إلى الذات مع سلب وإضافة، كالملك والعزيز، فإن الملك يدل على ذات لا تحتاج إلى شيء ويحتاج إليه كل شيء، والعزيز هو الذي لا نظير له، وهو ما يصعب نيله والوصول إليه.

 

الخامس: ما يرجع إلى صفة كالعليم والقادر والحي والسميع والبصير.

 

السادس: ما يرجع إلى العلم مع إضافة، كالخبير والشهيد والحكيم والمُحصي، فإن الخبير يدل على العلم مضافا إلى الأمور الباطنة، والشهيد يدل على العلم مضافا إلى ما يشاهد، والحكيم يدل على العلم مضافا إلى أشرف المعلومات، والمُحصي يدل على العلم من حيث يحيط بمعلومات محصورة معدودة التفصيل.

 

السابع: ما يرجع إلى القدرة مع زيادة إضافة، كالقهار والقوي والمقتدر والمتين، فإن القوة هي تمام القدرة والمتانة شدتها والقهر تأثيرها في المقدور بالغلبة.

 

الثامن: ما يرجع إلى الإرادة مع إضافة أو مع فعل، كالرحمن والرحيم والرؤوف والودود، فإن الرحمة ترجع إلى الإرادة مضافة إلى قضاء حاجة المحتاج الضعيف، والرأفة شدة الرحمة، وهي مبالغة في الرحمة، والود يرجع إلى الإرادة مضافا إلى الإحسان والإنعام، وفعل الرحيم يستدعي محتاجا، وفعل الودود لا يستدعي ذلك، بل الإنعام على سبيل الابتداء يرجع إلى الإرادة مضافا إلى الإحسان وقضاء حاجة الضعيف، وقد عرفت وجه ذلك فيما تقدم.

 

التاسع: ما يرجع إلى صفات الفعل كالخالق والبارئ والمصور والوهاب والرزاق والفتاح والقابض والباسط والخافض والرافع والمعز والمذل والعدل والمغيث والمجيب والواسع والباعث والمبدئ والمعيد والمحيي والمميت والمقدم والمؤخر والوالي والبر والتواب والمنتقم والمقسط والجامع والمانع والمغني والهادي ونظائره.

 

العاشر: ما يرجع إلى الدلالة على الفعل مع زيادة، كالمجيد والكريم واللطيف فإن المجيد يدل على سعة الإكرام مع شرف الذات، والكريم كذلك، واللطيف يدل على الرفق في الفعل)؛ انتهى كلام الإمام الغزالي بتصرف يسير، وهو كلام جميل، فيه تحرير وتقسيم جيد.

 

والكتاب فيه أبحاث أخرى مهمة وبراهين لإبطال الحلول والاتحاد سبق لنا الاقتباس الموسع منها فهو بحق أهل أن يقتنى ويقرأ قراءة استيعاب وهضم، والله أعلم.

 

فصل: فضل التوحيد

* قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾، (الانعام؛ 6: 82). وثبت بأصح الأسانيد أن ذلك قد شق على الصحابة الكرام فقالوا: (أينا لا يظلم نفسه؟!)، فبيّن لهم رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أن الظلم المقصود في الآية هو: الشرك، قائلاً: (ليس هو كما تظنون؛ إنما هو الشرك؛ كما قال لقمان لابنه)، وتلا قوله تعالى: ﴿وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه: يا بنى لا تشرك بالله، إن الشرك لظلم عظيم﴾؛ أخرجه البخاري في صحيحه ج1/ص21/ح32، ج3/ص1226/ح3181، ج3/ص1262/ح3245، ج3/ص1262/ح3246، ج4/ص2094/ح4353، ج4/ص1793/ح4498، ج6/ص2535/ح6520، ج6/ص2542/ح6538؛ أخرجه مسلم في صحيحه ج1/ص115/ح124؛ وابن حبان في صحيحه ج1/ص488/ح253؛ والترمذي في سننه ج5/ص262/ح3067؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج1/ص378/ح3589، ج1/ص424/ح4031، ج1/ص444/ح4240؛ والطيالسي في مسنده ج1/ص36/ح270؛ والنسائي في سننه الكبرى ج6/ص341/ح11206، ج6/ص427/ح11390؛ والبيهقي في سننه الكبرى ج10/ص185/ح20531، ج10/ص185/ح20532؛ وأبو يعلى في مسنده ج9/ص93/ح5159؛ والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه ج5/ص292/ح26213؛ وغيرهم. والظاهر أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، لم يحضر ذلك، ولم يعلمه، وعلمه أبي بن كعب، فقد أخرج الحاكم في مستدركه (ج3/ص345/ح5330): [حدثني علي بن حمشاذ العدل قال: أخبرني الحارث بن أبي أسامة أخبرنا روح بن عبادة حدثنا حماد بن زيد عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب أتى على هذه الآية ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلمٍ﴾، فأتى أبي بن كعب فسأله: أيُّنا لم يظلم؟ فقال له: يا أمير المؤمنين: إنما ذاك الشرك، أما سمعت قول لقمان لابنه: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم].

 

* وقال تقدست أسماؤه مثنياً على إبراهيم، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، (النحل؛ 20: 120)، (المؤمنون؛ 23: 59)؛

ــ وقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68)﴾، (آل عمران؛ 3: 67، 68)؛

ــ وقال: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (201) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (202) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (203)﴾، (الأنعام؛ 6: 201 – 203)؛

ــ وقال: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) ﴾، (البقرة؛ 2: 135 – 137)؛

الأمة: الإمام القدوة معلم الناس الخير، ولقد كان كذلك، صلوات الله عليه، عندما كان المسلم الوحيد في عصره؛ القانت: هو المداوم على الطاعة، الملازم لها؛ الحنيف: لغةً هو المائل أو المنحرف، وهو هنا المقبل على الله، المعرض المنحرف المائل عما سواه، لا يداهن في دين الله، ولا يبالي في طاعة الله بسخط أعداء الله، ليس على طريقة فقهاء السلاطين وأمثالهم من المفتونين، قاتلهم الله.

* وعن عبادة ابن الصامت قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبدالله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل»، حديث صحيح، أخرجه البخاري في صحيحه (ج3/ص1267/ح3252): [حدثنا صدقة بن الفضل حدثنا الوليد عن الأوزاعي قال: حدثني عمير بن هانئ قال: حدثني جنادة بن أبي أمية عن عبادة رضي الله عنه عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قاله؛ قال الوليد: حدثني بن جابر عن عمير عن جنادة وزاد: (من أبواب الجنة الثمانية أيها شاء)]؛ وأخرجه مسلم في صحيحه ج1/ص57/ح28؛ وابن حبان في صحيحه ج1/ص438/ح207؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج5/ص314/ح22727؛ والنسائي في سننه الكبرى ج6/ص278/ح10969، ج6/ص278/ح10970، ج6/ص331/ح11132؛ والطبراني في مسند الشاميين ج1/ص320/ح555، وزاد: (وأن البعث حق)؛ وغيرهم.

* وفي حديث عتبان، المشهور، الصحيح: «فإن الله حرّم على النار من قال لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله»؛ وإليك الحديث بطوله، لما فيه من الأحكام والحكم، كما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (ج1/ص204/ح415): [حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيُّ، أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ - وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الأَنْصَارِ - أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي، فَإِذَا كَانَتِ الأَمْطَارُ سَالَ الوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ فَأُصَلِّيَ بِهِمْ، وَوَدِدْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَّكَ تَأْتِينِي فَتُصَلِّيَ فِي بَيْتِي، فَأَتَّخِذهُ مُصَلًّى، قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «سَأَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» قَالَ عِتْبَانُ: فَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَأَبُو بَكْرٍ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ البَيْتَ، ثُمَّ قَالَ: «أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ» قَالَ: فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ البَيْتِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَكَبَّرَ، فَقُمْنَا فَصَفَّنَا فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، قَالَ وَحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِيرَةٍ صَنَعْنَاهَا لَهُ، قَالَ: فَآبَ فِي البَيْتِ، رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ ذَوُو عَدَدٍ، فَاجْتَمَعُوا، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخَيْشِنِ (أَوِ ابْنُ الدُّخْشُنِ)؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ مُنَافِقٌ لاَ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَقُلْ ذَلِكَ، أَلاَ تَرَاهُ قَدْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ»؛ قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّا نَرَى وَجْهَهُ وَنَصِيحَتَهُ إِلَى المُنَافِقِينَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ»؛ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: ثُمَّ سَأَلْتُ الحُصَيْنَ بْنَ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيَّ - وَهُوَ أَحَدُ بَنِي سَالِمٍ - وَهُوَ مِنْ سَرَاتِهِمْ، عَنْ حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيِّ: «فَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ»]؛ وأخرجه البخاري في صحيحه ج1/ص237/ح636، ج5/ص2063/ح5086؛ ومسلم في صحيحه ج1/ص456/ح33؛ والنسائي في سننه ج2/ص80/ح788، ج3/ص65/ح1327؛ وابن حبان في صحيحه ج1/ص460/ح223، ج4/ص492/ح2012، ج5/ص432/ح2075؛ وابن خزيمة في صحيحه ج3/ص78/ح2053، ج3/ص87/ح2073؛ وابن ماجه في سننه ج1/ص249/ح754؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج4/ص43/ح20527، ج4/ص44/ح20528، ج4/ص44/ح20529، ج5/ص450/ح23823؛ ومالك في الموطأ ج1/ص172/ح415؛ والطبراني في معجمه الكبير ج18/ص29/ح49، ج18/ص30/ح50، ج18/ص31/ح52؛ والنسائي في سننه الكبرى ج1/ص282/ح863؛ وابن أبي عاصم عمرو الشيباني في الآحاد والمثاني ج3/ص472/ح1931؛ والبيهقي في سننه الكبرى ج3/ص53/ح4704، ج3/ص71/ح4804، ج3/ص87/ح4893، ج3/ص88/ح4895، ج10/ص124/ح20179؛ والشافعي في مسنده ج1/ص53؛ وغيرهم؛

* وقد سمعه أنس بن مالك من محمود بن الربيع الأنصاري فأعجبه، ثم لقي عتبان بن مالك حياً فسمعه منه، وأمر ابنه بكتابته، كما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (ج1/ص62/ح33): [حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا سليمان - يعني بن المغيرة - قال: حدثنا ثابت عن أنس بن مالك قال: حدثني محمود بن الربيع عن عتبان بن مالك قال: قدمت المدينة فلقيت عتبان، فقلت: حديث بلغني عنك، قال: أصابني في بصري بعض الشيء، فبعثت إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أني أحب أن تأتيني فتصلي في منزلي فأتخذه مصلى قال: فأتى النبي، صلى الله عليه وسلم، ومن شاء الله من أصحابه، فدخل وهو يصلي في منزلي وأصحابه يتحدثون بينهم، ثم أسندوا عظم ذلك وكبره إلى مالك بن دخشم قالوا: ودوا أنه دعا عليه فهلك، وودوا أنه أصابه شر، فقضى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الصلاة، وقال: أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ قالوا: إنه يقول ذلك وما هو في قلبه، قال: لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فيدخل النار أو تطعمه. قال أنس فأعجبني هذا الحديث فقلت لابني اكتبه فكتبه]؛ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج3/ص135/ح12407؛ والطبراني في معجمه الكبير ج18/ص26/ح43، ج18/ص26/ح44؛ وأبو يعلى في مسنده ج3/ص75/ح1505، ج3/ص76/ح1506، ج3/ص78/ح1507؛ وغيرهم.

* وجاء في كتاب التوحيد لابن خزيمة (2/787): [حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، صَادِقًا مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ»]، وقال ابن خزيمة: (قَالَ شُعْبَةُ: لَمْ أَسْأَلْ قَتَادَةَ أَسَمِعَهُ مِنْ أَنَسٍ أَوْ لَا؟)؛ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج5/ص229/ح22056): [حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ]؛ وهو في شعب الإيمان (1/96/7): [أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمَشٍ الْفَقِيهُ، أخبرنا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ [ص: 97] بْنِ يَحْيَى، حدثنا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي عِيسَى الدَّارَابَجَرْدِيُّ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ بْنِ الْبِرِنْدِ، حدثنا شُعْبَةُ]؛ وغيرهم؛ وقال الألباني: (إسناده صحيح على شرط الشيخين).

ولا خوف من تدليس قتادة ها هنا بشهادة ما أخرجه الطبراني في معجمه الصغير (ج2/ص35/ح733): [حدثنا عمرو بن محمد الرفاعي الأصفهاني حدثنا محمّد بن إبراهيم الحبراني حدثني أحمد بن علي بن الجارود الأصبهاني حدثنا إبراهيم بن عمرو بن حفص بن معدان قال: حدثنا بكر بن بكار حدثنا شعبة حدثنا عباس الكلبي أنه سمع أنس بن مالك يقول: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وآله وسلم: (من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله دخل الجنة)]، وقال الطبراني: (لم يروه عن شعبة إلا بكر وشيخ آخر من أهل البصرة حنفي).

* وأخرج الإمام مسلم في صحيحه (ج1/ص55/ح26): [حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ كِلَاهُمَا عَنْ إِسْمَعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ حُمْرَانَ عَنْ عُثْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ)]؛ (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ الْوَلِيدِ أَبِي بِشْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ مِثْلَهُ سَوَاءً)؛ وأخرجه ابن حبان في صحيحه ج1/ص431/ح201؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج1/ص65/ح464، ج1/ص69/ح498: والنسائي في سننه الكبرى ج6/ص274/ح10952، ج6/ص274/ح10953، ج6/ص274/ح10954؛ وعبد بن حميد في مسنده ج1/ص49/ح55؛ والطبراني في معجمه الأوسط ج2/ص185/ح2063؛ وغيرهم.

* أخرج الحاكم في مستدركه (ج1/ص50/ح20): [حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْحَافِظُ إِمْلَاءً، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا قُرَيْشُ بْنُ أَنَسٍ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ، وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْقَطِيعِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حدثنا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، حدثنا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، حدثنا هِصَّانُ بْنُ كَاهِلٍ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ كَاهِنٌ قَالَ: جَلَسْتُ مَجْلِسًا فِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ وَلَا أَعْرِفُهُ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «مَا عَلَى الْأَرْضِ نَفْسٌ تَمُوتُ لَا تُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا تَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، يَرْجِعُ ذَلِكَ إِلَى قَلْبٍ مُوقِنٍ إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهَا». قَالَ: فَقُلْتُ: (أَأَنْتَ سَمِعْتَ مِنْ مُعَاذٍ؟!)، فَعَنَّفَنِي الْقَوْمُ، فَقَالَ: (دَعُوهُ فَإِنَّهُ لَمْ يُسِيءِ الْقَوْلَ، نَعَمْ، أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَزَعَمَ مُعَاذٌ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم)]؛ ثم قال الحاكم: (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَقَدْ تَدَاوَلَهُ الثِّقَاتُ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ جَمِيعًا بِهَذَا اللَّفْظِ، وَالَّذِي عِنْدِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُمَا أَهْمَلَاهُ لِهِصَّانِ بْنِ كَاهِلٍ، وَيُقَالُ: ابْنُ كَاهِنٍ، فَإِنَّ الْمَعْرُوفَ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ الْعَدَوِيُّ فَقَطْ؛ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، أَنَّهُ رَوَى عَنْهُ قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ أَيْضًا وَقَدْ أَخْرَجَا جَمِيعًا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الثِّقَاتِ لَا رَاوِيَ لَهُمْ إِلَّا وَاحِدٌ، فَيَلْزَمُهُمَا بِذَلِكَ إِخْرَاجُ مِثْلِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ)؛

ــ وأخرجه ابن حبان في صحيحه (ج1/ص434/ح203): [أخبرنا الفضل بن الحباب الجمحي قال: حدثنا مسدد بن مسرهد عن بن أبي عدي قال: حدثنا حجاج الصواف قال: أخبرني حميد بن هلال]؛ وأخرجه ابن ماجه في سننه (ج2/ص1248/ح3796): [حدثنا عبد الحميد بن بيان الواسطي حدثنا خالد بن عبد الله عن يونس عن حميد بن هلال]؛ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج5/ص229/ح22051): [إسماعيل حدثنا يونس عن حميد بن هلال]؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج5/ص229/ح22053): [حدثنا محمّد بن عدى عن الحجاج يعنى بن أبي عثمان حدثني حميد بن هلال]؛ أخرجه النسائي في سننه الكبرى (ج6/ص278/ح10975): [أخبرنا زياد بن أيوب قال حدثنا بن علية قال: حدثنا يونس عن حميد بن هلال]؛ والنسائي في سننه الكبرى (ج6/ص279/ح10977): [أخبرنا عمرو بن علي قال: حدثنا بن أبي عدي عن الحجاج الصواف قال: حدثني حميد بن هلال به]؛ وأخرجه الطبراني في معجمه الكبير (ج20/ص45/ح71): [حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا عارم أبو النعمان حدثنا حماد بن زيد حدثنا أيوب والحجاج الصواف (ح) وحدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني محمد بن أبي بكر المقدمي حدثنا حماد بن زيد حدثنا أيوب عن حميد بن هلال]؛ والطبراني في معجمه الكبير (ج20/ص46/ح72): [حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن يونس بن عبيد عن حميد بن هلال]؛ والحميدي في مسنده (ج1/ص182/ح370): [حدثنا محمّد بن الزبرقان الأهوازي أبو همام قال: حدثنا يونس بن عبيد عن حميد بن هلال]؛ وغيرهم، وقول الحاكم: (حدثنا بن أبي عدي عن حبيب بن الشهيد) وهم، وإنما هو: حدثنا بن أبي عدي عن الحجاج بن أبي عثمان الصواف؛

قلت: هصان بن كاهل قد روى عنه أيضاً الأسود بن عبد الرحمن العبدي، وقد أصاب الحاكم في تصحيحه، لا سيما بشهادة الطرق المستقلة الآتية:

 ــ فقد أخرج الطبراني في معجمه الكبير (ج20/ص40/ح59) بإسناد صحيح: [حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا حجاج بن المنهال حدثنا سعيد بن زيد قال: سمعت عمرو بن دينار حدثنا جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال معاذ بن جبل في مرضه الذي توفي فيه: (لولا أن تتكلوا حدثتكم حديثا سمعته من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (من مات وفي قلبه لا إله إلا الله موقنا دخل الجنة)]؛ وأخرجه عبد بن حميد في مسنده (ج1/ص70/ح118): [حدثنا محمّد بن الفضل (هو أبو النعمان عارم) حدثنا سعيد بن زيد قال: سمعت عمرو بن دينار المكي به].

 ــ وأخرج الطبراني في معجمه الكبير (ج20/ص111/ح219): [حدثنا عمرو بن إسحاق بن زبريق بن العلاء حدثنا محمّد بن إسماعيل بن عياش حدثنا أبي عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن مالك بن يخامر عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله يرجع ذاكم إلى قلب موقن دخل الجنة)].

 

* وعن أبي سعيد الخدري، رضى الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «قال موسى عليه السلام: (يا رب علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به!)، قال: ﴿قل يا موسى: لا اله إلا الله﴾، قال: (كل عبادك يقولون هذا!)، قال: ﴿قل لا إله إلا الله﴾، قال: (إنما أريد شيئا تخصني به)، قال: ﴿يا موسى: لو أن السموات السبع وعامرهن، والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله﴾»، حديث حسن، أخرجه ابن حبان في صحيحه (ج14/ص103/ح6218): [أخبرنا بن سلم حدثنا حرملة بن يحيى حدثنا بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن دراجا حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري]؛ والنسائي في سننه الكبرى (ج6/ص209/ح10670)، و(ج6/ص282/ح10980): [أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح في حديثه عن بن وهب]؛ وأبو يعلى في مسنده (ج2/ص528/ح1393)؛ والحاكم في مستدركه (ج1/ص710/ح1936): [أخبرنا أبو النضر محمد بن يوسف الفقيه حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي حدثنا أصبغ بن الفرج المصري أنبأ بن وهب]، وقال: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه).

* وأخرج الإمام مسلم في صحيحه (ج4/ص2068/ح2687) بإسناد صحيح على شرط الشيخين: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: يقول الله عز وجل: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد؛ ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئة مثلها أو أغفر؛ ومن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا، ومن تقرب منى ذراعا تقربت منه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة؛ ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة﴾؛ قال إبراهيم حدثنا الحسن بن بشر حدثنا وكيع بهذا الحديث]؛ وأخرجه مطولاً ومختصراً، بالفقرة موضع الاستشهاد، جمع من الأئمة منهم: ابن حبان في صحيحه (ج1/ص463/ح226): [أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى قال: حدثنا محمّد بن عباد المكي قال: حدثنا حماد بن إسماعيل عن شريك عن عبد العزيز بن رفيع عن المعرور بن سويد]؛ وابن ماجه في سننه ج2/ص1255/ح3821): [حدثنا علي بن محمّد حدثنا وكيع عن الأعمش]؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج5/ص147/ح21349): [حدثنا محمّد بن ثابت حدثنا إبراهيم بن طهمان عن منصور عن ربعي بن حراش عن المعرور بن سويد]، (وج5/ص148/ح21353): [حدثنا عفان حدثنا همام حدثنا عاصم عن المعرور بن سويد]، و(ج5/ص148/ح21359): [حدثنا عفان حدثنا حماد عن على بن زيد عن المعرور]؛ وغيرهم.

 ــ وهو عند الطيالسي في مسنده (ج1/ص63/ح464) بإسناد آخر على شرط الشيخين: [حدثنا شعبة عن واصل عن المعرور بن سويد عن أبي ذر قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال ربكم عز وجل: ﴿الحسنة بعشر؛ والسيئة بواحدة وأغفرها؛ ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي لقيته بقراب الأرض مغفرة؛ ومن همّ بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم يكتب عليه شيء؛ ومن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا، ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعاً]، ثم قال: (لم يرفعه شعبة عن واصل ورفعه الناس عن الأعمش عن المعرور).

 ــ وأخرجه ابن الجعد في مسنده (ج1/ص491/ح3423) بإسناد صحيح ثالث: [حدثنا علي بن الجعد أخبرنا عبد الحميد حدثني شهر حدثنا عبد الرحمن بن غنم أن أبا ذر حدثه عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: إن الله تعالى يقول: ﴿يا عبدي ما عبدتني ورجوتني فأنا غافر لك على ما فيك؛ يا عبدي إن لقيتني بقراب الأرض خطيئة ما لم تشرك بي أتيتك بقرابها مغفرة﴾]؛ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج5/ص154/ح21406) مطولاً: [حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا عبد الحميد حدثنا شهر حدثني بن غنم ان أبا ذر حدثه عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: إن الله عز وجل يقول: ﴿يا عبدي ما عبدتني ورجوتني فإني غافر لك على ما كان فيك؛ ويا عبدي ان لقيتني بقراب الأرض خطيئة ما لم تشرك بي لقيتك بقرابها مغفرة﴾؛ وقال أبو ذر: (ان الله عز وجل يقول: ﴿يا عبادي كلكم مذنب الا من أنا عافيته - فذكر نحوه الا انه قال - ذلك بأني جواد واجد ماجد إنما عطائي كلام﴾]؛

ــ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج5/ص207/ح21510) بإسناد صحيح رابع: [حدثنا عارم حدثنا مهدي بن ميمون حدثنا غيلان عن شهر بن حوشب عن معد يكرب عن أبي ذر عن النبي، صلى الله عليه وسلم، يرويه عن ربه قال: ﴿بن آدم: إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك؛ بن آدم: إن تلقني بقراب الأرض خطايا لقيتك بقرابها مغفرة بعد أن لا تشرك بي شيئا؛ بن آدم، إنك إن تذنب حتى يبلغ ذنبك عنان السماء ثم تستغفرني أغفر لك ولا أبالي﴾]؛ وكذلك الدارمي في سننه (ج2/ص415/ح2788) بعينه؛

ــ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج5/ص172/ح21544): [حدثنا همام حدثنا عامر الأحول عن شهر بن حوشب عن معد يكرب]؛ قلت: معد يكرب، لعله الهمداني الصحابي؛ أو هو الفارس المشهور المقدام بن معد يكرب؛ وهذه طريق محفوظة: روى شهر بن حوشب الحديث عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري وأملاه على عبد الحميد بن بهرام، ورواه عن معد يكرب هذا.

* وأخرج الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي في سننه (ج5/ص548/ح3540): [حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِسْحَاقَ الجَوْهَرِيُّ البَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ فَائِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ بَكْرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيَّ، يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلاَ أُبَالِي؛ يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ، وَلاَ أُبَالِي؛ يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لاَ تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً﴾]؛ وقال أبو عيسى الترمذي: (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ)؛ وقد أخرجه ابن أبي الدنيا في حسن الظن بالله (ج1/ص44/ح32)؛ وفي حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (2/231)؛ وجامع العلوم والحكم [ت ماهر الفحل (3/1155/42)]؛ والطبراني في معجمه الأوسط (ج4/ص315/ح4305) وقال: (لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ إِلَّا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَلَا عَنْ سَعِيدٍ إِلَّا كَثِيرُ بْنُ فَائِدٍ، تَفَرَّدَ بِهِ: أَبُو عَاصِمٍ)، قلت: لم ينفرد به كثير بن فائد، فقد رواه أيضاً سلم بن قتيبة الباهلي كما هو في التاريخ الكبير للبخاري [بحواشي محمود خليل (3/496/2056)]؛ وصححه الألباني، وهو صحيح قطعاً، لأن كثير بن فائد قد توبع، لا سيما بشهادة ما سبق من الروايات، وبملاحظة الطريق الصحيحة التالية:

 ــ كما جاءت في علل الحديث لابن أبي حاتم (5/150/1876): [وسألتُ أَبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُنِيبٍ العَدَنِيُّ، عَنْ قُرَيش بْنِ حَيَّانَ، عَنْ ثابتٍ البُنَانيِّ، عَنْ أنس، عن النبيِّ، صلى الله عليه وسلم، أنه قَالَ: إِنَّ رَبَّكُمْ يَقُولُ: ﴿يَا ابْنَ آدَمَ! مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي أَغْفِرُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ، يَا ابْنَ آدَمَ! لَوْ لَقِيتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطِيئَةً لَقِيتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً، ابْنَ آدَمَ! لَوْ عَمِلْتَ مِنَ الذُّنُوبِ حَتَّى تَبْلُغَ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي بَعْدَ أَلاَّ تُشْرِكَ بِي شَيئًا، أَغْفِرُ لَكَ وَلاَ أُبَالِي﴾؟ قَالَ أَبِي: هَذَا حديثٌ مُنكَرٌ]؛ قلت: رجال الإسناد كلهم ثقات عن آخرهم، والمتن في غاية الاستقامة، فلا معنى لقول أبي حاتم: (هَذَا حديثٌ مُنكَرٌ)، وإن كان قصد التفرد والغرابة، فها هي رواية الترمذي تنفي ذلك، والحمد لله رب العالمين.

* وفي «المعجم الكبير»، (ج12/ص20/ح12346)، وفي «المعجم الأوسط»، (ج5/ص337/ح5483)، وفي «المعجم الصغير»، (ج2/ص82/ح820): [حدثنا محمّد بن عثمان بن أبي شيبة حدثنا إبراهيم بن إسحاق الصيني حدثنا قيس بن الربيع عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: ﴿بن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك؛ ولو أتيتني بقراب الأرض خطايا لقيتك على الأرض مغفرة ما لم تشرك بي، ولو بلغت خطاياك عنان السماء ثم استغفرتني لغفرت لك﴾»]، ولكن هذا إسناد ضعيف بسبب إبراهيم بن إسحاق الصيني، لا تقوم به الحجة، ولكن لعله يثبت عن ابن عباس، رضي الله عنهما، لأن المتن مستقيم صحيح ثابت عن أبي ذر وأنس، رضي الله عنهما؛ وبشهادة الطريق القوية التالية:

ــ فقد أخرج الحاكم في مستدركه (ج4/ص291/ح7676): [أخبرني بكر بن محمّد بن حمدان الصيرفي بمرو حدثنا عبد الصمد بن الفضل البلخي حدثنا حفص بن عمر العدني حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة عن بن عباس رضي الله عنهما عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: إن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿من علم منكم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي، ما لم يشرك بي شيئا﴾]، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)؛ وأخرجه عبد بن حميد في مسنده (ج1/ص206/ح602): [حدثني إبراهيم بن الحكم بن أبان قال: حدثني أبي به]؛ والطبراني في معجمه الكبير (ج11/ص241/ح12015): [حدثنا أبو شيخ محمّد بن الحسين بن عجلان الأصبهاني حدثنا سلمة بن شبيب حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان به]؛ وغيرهم.

* وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج5/ص174/ح21562): [حدثنا سليمان بن داود أبو داود حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان حدثني أبي عن مكحول أن عمر بن نعيم حدثه عن أسامة بن سلمان أن أبا ذر حدثهم أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: (إن الله يقبل توبة عبده، أو يغفر لعبده ما لم يقع الحجاب)، قالوا: (يا رسول الله وما الحجاب؟!)، قال: (أن تموت النفس وهي مشركة)]؛ وأخرجه ابن حبان في صحيحه ج2/ص393/ح626، ج2/ص394/ح627، ج2/ص394/ح627؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج5/ص174/ح21563، ج5/ص174/ح21564؛ والطبراني في مسند الشاميين ج1/ص125/ح195؛ وابن الجعد في مسنده ج1/ص489/ح3402؛ والحاكم في مستدركه (ج4/ص286/ح7660) ثم قال: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه).

* وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: [قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن الله يستخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً، كل سجل مثل هذا (وأشار من الأفق إلى الأفق)، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئاً؟! أظلمك كتبتي الحافظون؟! فيقول: لا، يا رب! فيقول: ألك عذر؟! فيقول: لا، يا رب! فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم اليوم! فيخرج بطاقة فيها: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)، فيقول (الرجل): يا رب! ما هذه البطاقة، مع هذه السجلات؟! فقال (الرب): إنك لا تظلم! قال (أي النبي): «فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة! ولا يثقل مع اسم الله شيء!»] هذا حديث صحيح، أخرجه الحاكم في مستدركه (ج1/ص46/ح9) وقال: (هذا حديث صحيح لم يخرج في الصحيحين، وهو صحيح على شرط مسلم، فقد احتج بأبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص وعامر بن يحيى مصري ثقة، والليث بن سعد إمام ويونس المؤدب ثقة متفق على إخراجه في الصحيحين)؛ وأخرجه ابن حبان في صحيحه ج1/ص462/ح225؛ والترمذي في سننه (ج5/ص25/ح2639) وقال: حسن غريب.؛ وابن ماجه في سننه ج2/ص1438/ح4300؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج2/ص213/ح6994؛ والحاكم في مستدركه ج1/ص711/ح1937؛ وعبد بن حميد في مسنده ج1/ص136/ح339؛ والكناني في جزء البطاقة ج1/ص37/ح2؛ والطبراني في معجمه الأوسط ج5/ص79/ح4725؛ وغيرهم.

فصل: خطر الشرك بالله

* قال الله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن يشرك بالله فقد افترى إثمًا عظيمًا﴾، (النساء؛ 4: 48).

* وقال تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيدًا﴾، (النساء؛ 4: 120).

* قال تعالى: ﴿حنفاء لله، غير مشركين به، ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء، فتخطفه الطير، أو تهوى به الريح في مكان سحيق﴾، (الحج؛ 22: 31).

* وقال تعالى: ﴿وإذ قال لقمان لا بنه وهو يعظه: يا بنى لا تشرك بالله، إن الشرك لظلم عظيم﴾ (لقمان؛ 31: 13).

* وقال تعالى: ﴿ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون﴾ (الانعام؛ 6: 88).

* وقال تعالى: ﴿ولقد أوحى اليك، وإلى الذين من قبلك، لئن أشركت ليحبطن عملك، ولتكونن من الخاسرين * بل الله فاعبد، وكن من الشاكرين﴾ (الزمر؛ 39: 65).

* وقال، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ * قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾، (ق؛ 50: 24 - 27).

* وقال، تعالي ذكره: ﴿لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَـهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً﴾، (الإسراء؛ 20: 22).

* وقال: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً﴾، (الإسراء؛ 20: 39).

* وقال تعالى: ﴿ولا تكونن من المشركين﴾ (الانعام؛ 6: 14 - يونس؛ 10: 105 - القصص؛ 28: 87).

* وقال تعالى: ﴿منيبين إليه، واتقوه، وأقيموا الصلاة، ولا تكونوا من المشركين﴾ (الروم؛ 30: 31).

* وقال تعالى حاكياً قول عبده ورسوله السيد الوجيه المقرب عيسى بن مريم، مسيح الله المهدي، صلوات الله وسلامه عليه وعلى والدته: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم؛ وقال المسيح: يا بني إسرائيل، اعبدوا الله ربي وربكم، إنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة، ومأواه النار، وما للظالمين من أنصار!﴾، (المائدة؛ 5: 72).

* وعن جابر بن عبدالله ــ رضى الله عنه ــ قال: أتى، النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، رجل فقال: يا رسول الله، ما الموجبتان؟ فقال: «من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار»، حديث صحيح، أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (ج1/ص94/ح93): [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قاله]؛ وأخرجه من طرق مختلفة وبألفاظ مقاربة الإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج3/ص325/ح14528، ج3/ص345/ح14753، ج3/ص374/ح15058؛ والطبراني في مسند الشاميين ج2/ص115/ح1020؛ والبيهقي في سننه الكبرى ج7/ص44/ح13075؛ وأبو يعلى في مسنده ج4/ص188/ح2278؛ وعبد بن حميد في مسنده ج1/ص322/ح1060، ج1/ص323/ح1062؛ والطبراني في معجمه الأوسط ج7/ص248/ح7410؛ وغيرهم.

* وأخرج الإمام البخاري في صحيحه (ج6/ص2460/ح6305) عن عبد الله بن مسعود: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد الواحد حدثنا الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال: قال رسول الله كلمة وقلت أخرى: (من مات يجعل لله ندا أدخل النار)؛ وقلت أخرى: من مات لا يجعل لله ندا أدخل الجنة]؛ وأخرجه الإمام ابن حبان في صحيحه (ج1/ص486/ح251)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج1/ص382/ح3625، ج1/ص443/ح4231، ج1/ص425/ح4038، ج1/ص425/ح4043.

* وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج4/ص346/ح19061) عن خريم بن فاتك: [حدثنا أبو النضر حدثنا المسعودي عن الركين بن الربيع عن أبيه عن خريم بن فاتك قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (الأعمال ستة والناس أربعة، فموجبتان، ومثل بمثل، والحسنة بعشرة أمثالها، والحسنة بسبعمائة؛ فأما الموجبتان من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار؛ وأما مثل بمثل فمن همّ بحسنة حتى يشعرها قلبه ويعلم الله عز وجل ذلك منه كتبت له حسنة ومن عمل سيئة كتبت عليه سيئة، ومن عمل حسنة كتبت له بعشر أمثالها، ومن أنفق نفقة في سبيل الله فحسنة بسبعمائة؛ والناس أربعة: موسع عليه في الدنيا مقتور عليه في الآخرة، وموسع عليه في الآخرة مقتور عليه في الدنيا، وموسع عليه في الدنيا والآخرة ومقتور عليه في الدنيا والآخرة)]؛ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج4/ص322/ح18920).

* وأخرج الإمام الطبراني في معجمه الأوسط (ج1/ص265/ح865) عن بن عمر: [حدثنا أحمد قال: حدثنا سعيد بن سليمان قال: أخبرنا أبو عقيل قال: أخبرنا عمر بن محمّد عن عبد الله بن دينار عن بن عمر قال: قال رسول الله: (الأعمال سبعة: عملان منجيان وعملان بأمثالهما، وعمل بعشرة أمثاله وعمل بسبعمائة ضعف، وعمل لا يعلم ثواب عامله إلا الله؛ فأما المنجيان فمن لقي الله يعبده مخلصا لا يشرك به شيئا وجبت له الجنة، ومن لقي الله يشرك به شيئا وجبت له النار، ومن عمل سيئة جزي بها، ومن أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها جزي مثلها، ومن عمل حسنة جزي عشرا، ومن أنفق ماله في سبيل الله ضعفت له نفقة: الدرهم بسبعمائة والدينار بسبعمائة، والصيام لا يعلم ثواب عامله إلا الله]، وقال الإمام الطبراني: (لا يرو هذا الحديث عن عبد الله بن دينار إلا عمر بن محمّد تفرد به أبو عقيل).

* وأخرج الإمام الطبراني في معجمه الأوسط (ج5/ص369/ح5585) عن عمارة بن رؤيبة: [حدثنا محمّد بن عبدالله الحضرمي قال: حدثنا يحيى الحماني قال: حدثنا محمّد بن ابان عن ابي اسحاق عن عمارة بن رؤيبة قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: هما الموجبتان، من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار].

هذه الآيات والأحاديث الشريفة المعصومة ليست رخصة في ارتكاب المعاصي، والإدمان على الذنوب؛ كيف لا؟ والمعاصي والذنوب قد تستفحل بالإنسان حتى ينتكس قلبه، فيرتد منافقاً خالصاً، فيحبط عمله، أو تضعف بصيرته، فيعبث الشيطان بعقله فيكذب على الله، فيقول: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾، (البقرة؛ 2: 80)، كما قال ضُلاّل بني إسرائيل فأكذبهم الله، آمراً نبيه أن يقول: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82)﴾، (البقرة؛ 2: 80 – 82)؛ أو قد يتبلّد حسّه، فلا ينكر المعصية والمنكر، ثم يتدرج إلى كراهة ما أنزل الله، أو السخرية والاستهزاء به، فيرتد كافراً فيحبط عمله. ولقد أحسن بعض العارفين عندما قال: (المعاصي بريد الكفر).

فصل: فضل الدعوة إلى الإسلام والتوحيد

* قال الله تعالى: ﴿قُلْ: هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي؛ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، (يوسف؛ 12: 108).

 

* وقال تعالى آمراً نبيه بتلخيص دعوته في كلمات يسيرة: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ؛ قُلْ: إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (36) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (37)﴾، (الرعد؛ 13: 36-37).

* وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: (إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؛ فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة؛ فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم؛ فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم؛ واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب)؛ حديث صحيح، أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (ج2/ص544/ح1425): [حدثنا محمّد أخبرنا عبد الله أخبرنا زكريا بن إسحاق عن يحيى بن عبد الله بن صيفي عن أبي معبد مولى بن عباس عن بن عباس رضي الله عنهما قاله]؛ وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه ج1/ص51/ح19؛ والبخاري في صحيحه ج2/ص529/ح1389، ج4/ص1580/ح4090؛ والنسائي في سننه ج5/ص4/ح2435؛ وابن حبان في صحيحه ج1/ص371/ح156، ج6/ص178/ح2419، ج11/ص476/ح5081؛ وابن خزيمة في صحيحه ج4/ص23/ح2275؛ والترمذي في سننه ج3/ص22/ح625؛ وابن ماجه في سننه ج1/ص568/ح1783؛ وأبو داود في سننه ج2/ص105/ح1584؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج1/ص233/ح2071؛ والطبراني في معجمه الكبير ج11/ص426/ح12207؛ والنسائي في سننه الكبرى ج2/ص5/ح2215؛ والبيهقي في سننه الكبرى ج4/ص96/ح7068، ج4/ص101/ح7095، ج7/ص2/ح12891، ج7/ص7/ح12907، ج7/ص9/ح12915؛ والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه ج2/ص353/ح9831؛ والإمام عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه ج5/ص215/ح9420؛ وغيرهم.

* وأخرج الإمام البخاري في صحيحه (ج3/ص1077/ح2783): [حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعد رضي الله عنه سمع النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول يوم خيبر: لأعطين الراية رجلا يفتح الله على يديه، فقاموا يرجون لذلك أيهم يعطى، فغدوا وكلهم يرجو أن يعطى، فقال: أين علي؟ فقيل: يشتكي عينيه، فأمر فدعي له فبصق في عينيه فبرأ مكانه حتى كأنه لم يكن به شيء فقال: نقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، فقال: على رسلك حتى تنزل بساحتهم؛ ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأن يهدى بك رجل واحد خير لك من حمر النعموأخرجه البخاري في صحيحه ج3/ص1096/ح2847، ج3/ص1357/ح3498، ج4/ص1542/ح3973؛ ومسلم في صحيحه ج4/ص1872/ح2406؛ وابن حبان في صحيحه ج15/ص379/ح6932؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج5/ص333/ح22872؛ والطحاوي في شرح معاني الآثار ج3/ص207؛ والطيالسي في مسنده ج1/ص320/ح2441؛ والطبراني في معجمه الكبير ج6/ص152/ح5818، ج6/ص207/ح5877، ج6/ص188/ح5950، ج6/ص198/ح5991؛ والنسائي في سننه الكبرى ج5/ص46/ح8149، ج5/ص173/ح8587؛ والإمام عبد الله بن أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة ج2/ص608/ح1037؛ والبيهقي في سننه الكبرى ج9/ص107/ح18009؛ والإمام أبو يعلى في مسنده ج1/ص293/ح354، ج13/ص524/ح7527، ج13/ص524/ح7527، ج13/ص531/ح7537؛ وغيرهم. وهو حديث صحيح، غاية في الصحة، وفيه أكثر من آية من آيات نبوته صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

 

*  وجاء في مغازي الواقدي (ص: 1079): [قَالَ (محمد بن عمر الواقدي): فَحَدّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ لَمّا وَجّهَهُ رَسُولُ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، (يعني: إلَى الْيَمَنِ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ عَشْرٍ)، قَالَ: (امْضِ وَلَا تَلْتَفِتْ)، فَقَالَ عَلِيّ عَلَيْهِ السّلَامُ: (يَا رَسُولَ اللّهِ: كَيْفَ أَصْنَعُ؟)، قَالَ: (إذَا نَزَلْت بِسَاحَتِهِمْ فَلَا تُقَاتِلْهُمْ حَتّى يُقَاتِلُوك، فَإِنْ قَاتَلُوك فَلَا تُقَاتِلْهُمْ حَتّى يَقْتُلُوا مِنْكُمْ قَتِيلًا، فَإِنْ قَتَلُوا مِنْكُمْ قَتِيلًا: فَلَا تُقَاتِلْهُمْ، تَلَوّمْهُمْ، تُرِهِمْ أَنَاةً، ثُمّ تَقُولُ لَهُمْ: هَلْ لَكُمْ إلَى أَنْ تَقُولُوا: (لَا إلَهَ إلّا اللّهُ؟)، فَإِنْ قَالَوا: (نَعَمْ)، فَقُلْ: هَلْ لَكُمْ أَنْ تُصَلّوا؟ فَإِنْ قَالُوا: (نَعَمْ)، فَقُلْ: هَلْ لَكُمْ أَنْ تُخْرِجُوا مِنْ أَمْوَالِكُمْ صَدَقَةً تَرُدّونَهَا عَلَى فُقَرَائِكُمْ؟ فَإِنْ قَالُوا: (نَعَمْ)، فَلَا تَبْغِ مِنْهُمْ غَيْرَ ذَلِكَ. وَاَللّهِ لَأَنْ يَهْدِي اللّهُ عَلَى يَدِك رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَك مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشّمْسُ أَوْ غَرَبَتْ)]؛

نعم: هكذا تكون الدعوة إلى الله: على بصيرة؛ وبالحكمة والموعظة الحسنة؛ وحتى عند الاصطفاف للقتال: بالصبر وتحمل القتل والجراحات والأذى – كفعل إمام الهدى أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب، رضوان الله وسلامه عليه؛ ليس كفعل (داعش) المتوحشة الدموية المارقة: تقطع الرؤوس، وتبتر الأطراف، أخزاهم الله، وأبعدهم، وأبادهم!

حزب التجديد الإسلامي 2016