كتاب التوحيد - الباب السابع: قصة إبراهيم مع قومه

الفهرس

 

القسم الثاني: التوحيد – القواعد والأصول

الباب السابع: قصة إبراهيم مع قومه

فصل: تحرير (الاستدلال) الإبراهيمي، واستنباط بعض لوازمه

فصل: شبهات واعتراضات على قصة إبراهيم

 

الباب السابع: قصة إبراهيم مع قومه

 

إن خير ما نبتدئ به لتحرير هذه القصة، وما تحتويه من الحكم والعلوم المهمة الخطيرة هو دراسة أول شأن إبراهيم مفصلاً:

* حيث يقول الحق، تباركت أسماؤه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ: (لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ) (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)﴾، (الأنعام؛ 6: 74 - 83)؛

 

* وأما قول الله، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ (51) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (54) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ (56) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلَّا كَبِيراً لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58) قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ (65) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71)﴾، (الأنبياء؛ 21: 51 - 71)؛ فالآية الأولى فقط فيها ذكر إتيان إبراهيم رشده مبكراً، من غير تفصيل لما ترتب على ذلك أول الأمر، ثم قفزة زمنية هائلة إلى المواجهة الأخيرة مع قومه؛

 

فسياق سورة الأنبياء فيه إذاً ذكر أول شأن إبراهيم في بلدة مولده مجملاً، ثم قفزة هائلة إلى المواجهة الأخيرة مع أبيه وقومه؛ في حين أن سورة الأنعام تفصل ما ترتب على (الرشد) في أول المراحل. وكتاب الله يصدق بعضه بعضاَ، ويبين بعضه بعضاً: لذلك فإن النظرة المدققة، والتدبر العميق المستنير، لما بسط في موضع وأجمل في آخر، يفيدنا بالتسلسل الصحيح للأحداث، واستخلاص المفيد من الحقائق والعبر:

أولاً: إبراهيم – الذي آتاه الله رشده – بدأ بـ(الشك) في دين أبيه وقومه، بل ترجح لديه أنهم على ضلال بيِّن، لأن أباه – الذي كانت معه هذه المصادمة الأولى – لم يكن لديه برهان على أن تلك الأصنام – التي إنما هي تماثيل حجرية في رأي العين للوهلة الأولى - تنوب بمعنى من المعاني، بزعمهم، عن الآلهة، التي هي كائنات سماوية. وكون آلهة قوم إبراهيم إنما هي الكواكب والنجوم والشمس والقمر يظهر بجلاء من تأمله لهذه، لا لغيرها، عندما بدأ النظر والتأمل. هذا ما تبرهن عليه الدراسات التاريخية والأثرية الحديثة بشكل قاطع؛ وقد كان هذا معلوما لعلماء المسلمين من قديم، وحديث:

* فقد جاء في فتح الباري لابن حجر (10/222): [قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ فِي (الْأَحْكَامِ) لَهُ: (كَانَ أَهْلُ بَابِلَ قَوْمًا صَابِئِينَ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ السَّبْعَةَ وَيُسَمُّونَهَا آلِهَةً وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا الْفَعَّالَةُ لِكُلِّ مَا فِي الْعَالَمِ وَعَمِلُوا أَوْثَانًا عَلَى أَسْمَائِهَا وَلِكُلِّ وَاحِدٍ هَيْكَلٌ فِيهِ صَنَمُهُ يَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِمَا يُوَافِقُهُ بِزَعْمِهِمْ مِنْ أَدْعِيَةٍ وَبَخُورٍ وَهُمُ الَّذِينَ بُعِثَ إِلَيْهِمْ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَانَتْ عُلُومُهُمْ أَحْكَامَ النُّجُومِ وَمَعَ ذَلِكَ فَكَانَ السَّحَرَةُ مِنْهُمْ يَسْتَعْمِلُونَ سَائِرَ وُجُوِهِ السِّحْرِ وَيَنْسُبُونَهَا إِلَى فِعْلِ الْكَوَاكِبِ لِئَلَّا يُبْحَثَ عَنْهَا وَيَنْكَشِفَ تَمْوِيهُهُمُ)، انْتَهَى]؛

 

* وجاء في آثار الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي اليماني (2/453): [وقد قيل: إن قوم إبراهيم عليه السلام كانوا يعبدون التماثيل على أنها تماثيل أو تذاكر أو رموز للكواكب، واحتُجَّ له بقصَّة إبراهيم عليه السلام في الكواكب وقوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ وتعقيبه ذلك بقوله: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 78]، فدلَّ بذلك أن شركهم له علاقة بالكواكب. وقال بعد ذلك: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾، فدلَّ هذا أنهم كانوا يخافون شركاءهم ويخوِّفون إبراهيم عليه السلام إيَّاهم، ويَبْعد هذا أو يَمْتَنِع في حق الأصنام؛ لأنهم كما تقدَّم اعترفوا أو كادوا بأنها لا تضرُّ ولا تنفع. ويشهد لهذا أنه قد عُرِف الآن من دين البابِليِّين القدماء وهم الصابئة - وإلى أهل بابل بُعث إبراهيم عليه السلام - أنهم كانوا يؤلَّهون زُحَل والمشتري والمِرِّيخ والزُّهَرة وعُطارِد، وعندهم أن لزُحَل صورةً تُصَوَّر برأس إنسان وجناحي طائر، وللمِرِّيخ صورة أسد برأس إنسان وجناحي طائر، وقِس الباقي، ثمَّ يمثلون لها تماثيل بتلك الصور التي تخيَّلوها أي: بدن حيوان برأس إنسان وجناحي طائر، ويعبدون تلك التماثيل. ويؤيد أن هذا كان اعتقادَ قوم إبراهيم عليه السلام ما قد أخبر الله عزَّ وجلَّ عنه في قوله: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (88) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89)﴾، فإنه أوهمهم بنظره في النجوم أنه عرف من دلالتها أنه سيَسْقَم، فقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أراد به: إني سأسقم. وقرينة ذلك نظرُه في النجوم، وإيهامه المذكور. وصدق عليه السلام في قوله: إنه سيَسْقَم؛ فإنَّ كلَّ إنسان مُعرَّضٌ لسقَم. وما ورد من أنه من المعاريض هو - والله أعلم - نظره في النجوم؛ فإنه أوهمهم أنه عرف من دلالتها أنه سَيَسْقَم، وهو لم يعرف منها ذلك، وإنما أوهمهم، فهذا الإيهام هو الذي من المعاريض، والله أعلم. وقد دلّت الآية على أن النظر في النجوم والاستدلال بها على ما سيحدث كان معروفًا عند القوم، ومن هنا - والله أعلم – ألَّهوها]؛

فأقول: أضرت بالشيخ المعلمي خلفيته الوهابية، وعدم تمييزه بين (التمثال) و(الصنم):

            (1)- فالجملة: (يعبدون التماثيل على أنها تماثيل أو تذاكر أو رموز للكواكب)، خطأ أيضاً، وتصحيحها: (يعبدون الأصنام على أنها تماثيل تقوم مقام وترتبط ربطاً محكماً بالكواكب)؛

(2)- وقوله: (يَمْتَنِع في حق الأصنام؛ لأنهم كما تقدَّم اعترفوا أو كادوا بأنها لا تضرُّ ولا تنفع)، خطأ هكذا، وتصحيحها: (يَمْتَنِع في حق التماثيل؛ لأنهم كما تقدَّم اعترفوا أو كادوا بأنها لا تضرُّ ولا تنفع)، وسيأتي مزيد بيان قريباً، إن شاء الله؛

 

* وجاء في آثار الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي اليماني (2/454): [(وعلى هذا الوجه فلماذا كانوا يؤلَّهون الكواكب؟): جاء في التفسير المذكور أيضًا أنهم كانوا يصفون المشتري: بـ(الرِّب العظيم، والملك، وملِك الآلهة، والإله المجيد، والقاضي، والقديم، وقاضي الآلهة، ورب الحروب، وملِك السماء، ورب الأبديَّة العظيم، ورب الكائنات، ورئيس الآلهة، وإله الآلهة). والمرِّيخ: بـ(إله الحرب والصيد، الرجل العظيم، البطل القدير، ملك الحرب، المهلك، جبَّار الآلهة). ومن صفاتهم للزُّهَرة: (ملكة الآلهة والآلهات). ولعطارد: (ربّ الأرباب الذي لا مثيل له). واستدلّ صاحب التفسير بهذه الأوصاف المتناقضة الظاهر بأنهم كانوا يصفونها على سبيل المبالغة في المدح.

أقول: وعلى كلِّ حال فوصفهم لتلك الكواكب صريحٌ في أنهم يعتقدون لها التدبير والتصرُّف، وبقي علينا أن نفهم بأيِّ كيفية تدبَّر وتتصرَّف في زعمهم؟ جاء في الملل والنحل للشهرستاني: ["فإن عندهم [أي الصابئة] أن الإبداع الخاص بالرَّبّ تعالى هو اختراع الروحانيات ثم تفويض أمور العالم العلوي إليها والفعل الخاصّ بالروحانيات هو تحريك الهياكل (الكواكب) ثم تفويض العالم السفلي إليها، كمن يبني معْمَلة وينصب أركانًا للعمل من الفاعل والمادَّة والصورة وتفويض العمل إلى التلاميذ"]. وفي شرح المقاصد: [" (قال: وزعموا أن لكل فلك روحًا) يشير إلى ما ذهب إليه أصحاب الطِّلَّسمات من أن لكل فلك روحًا كليًّا يدبر أمره وتتشعب منه أرواح كثيرة، مثلًا للعرش - أعني الفلك الأعظم - روح يدبر أمره في جميع ما في جوفه يسمى بالنفس الكلية والروح الأعظم وتتشعب منه أرواح كثيرة متعلقة بأجزاء العرش وأطرافه، كما أن النفس الناطقة تدبر أمر بدن الإنسان ولها قوة طبيعية وحيوانية ونفسانية بحسب كل عضو، وعلى هذا يُحمل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: 38]، وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر: 75]، وهكذا سائر الأفلاك. وأثبتوا لكلَّ درجة روحًا يظهر أثره عند حلول الشمس تلك الدرجة، وكذا لكل يوم من الأيام والساعات والبحار والجبال والمفاوز والعمران وأنواع النباتات والحيوانات وغير ذلك، على ما ورد في لسان الشرع من ملَك الأرزاق وملَك الجبال وملَك البحار وملَك الأمطار وملَك الموت ونحو ذلك. وبالجملة فكما ثبت لكل من الأبدان البشرية نفس مدبرة فقد أثبتوا لكل نوع من الأنواع بل لكل صنف روحًا يدبّره يُسمَّى بالطباع التام لذلك النوع تحفظه من الآفات والمخافات وتظهر أثره في النوع ظهور أثر النفس الإنسانية في الشخص"]. أقول: الظاهر أنهم كانوا يعتقدون حياتها كما هو رأي الفلاسفة أنَّ للكواكب أنفسًا، وهل أرواح الكواكب عندهم من الملائكة أم غيرهم؟ الله أعلم]؛

 فأقول: هذا لا بأس به في الجملة، ولكن لعلي أذكر بما قلناه في باب سابق في فصل مخصص عن (الصابئين) أن الوثنيين من متفلسفة أهل حران (وكذا جينديسابور والرها) قد خلعوا على أنفسهم لقب (الصابئين) خداعاً لأهل الإسلام، وللاستفادة من المعاملة الجيدة لأهل الكتاب. كما أن أقوالهم عن عقائد الكلدانيين إنما هي تطوير متفلسف للأقوال الأصلية؛ وربما حصل مزج بأقوال اليونان: فالأرجح – كما تدل عليه نصوص الكلدانيين أنفسهم وآثارهم، أنه لم يكن لديهم أصلاً إله مركزي أعلى وراء أو فوق الكواكب. والأرجح أن الكواكب عندهم أزلية غير مخلوقة. ويحتمل أن يكون المشتري هو رئيسها: رأس بين متساويين؛ وليس رباً فوق مخلوقين، مع أن هذا حال المشتري كما كان عند اليونانيين، وليس الكلدانيين: فليحرر.

 

* وكما جاء في تفسير الرازي [مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (3/536)]: [وَثَالِثُهَا: وَهُوَ الْأَقْرَبُ أَنَّهُمْ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ، ثُمَّ لَهُمْ قَوْلَانِ. الْأَوَّلُ: أَنَّ خَالِقَ الْعَالَمِ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، إِلَّا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِتَعْظِيمِ هَذهِ الْكَوَاكِبِ وَاتِّخَاذِهَا قِبْلَةً لِلصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّعْظِيمِ. وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الْأَفْلَاكَ وَالْكَوَاكِبَ، ثُمَّ إِنَّ الْكَوَاكِبَ هِيَ الْمُدَبِّرَةُ لِمَا فِي هَذَا الْعَالَمِ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، وَالْخَالِقَةُ لَهَا، فَيَجِبُ عَلَى الْبَشَرِ تَعْظِيمُهَا لِأَنَّهَا هِيَ الْآلِهَةُ الْمُدَبِّرَةُ لِهَذَا الْعَالَمِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَعْبُدُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ؛ وَهَذَا الْمَذْهَبُ هُوَ الْقَوْلُ الْمَنْسُوبُ إِلَى الْكِلْدَانِيِّينَ الَّذِينَ جَاءَهُمْ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَادًّا عَلَيْهِمْ وَمُبْطِلًا لِقَوْلِهِمْ]، انتهى؛

فأقول: مع أن القول عن الكواكب (إِنَّهَا تَعْبُدُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ) فيه نظر، بل الأرجح انه أكذوبة باطلة من أكاذيب متفلسفة (حران) الوثنيين، كما سلف قبل أسطر، لأنه لم يثبت على نحو قاطع أن القوم كانوا يعرفون إلاها مركزيا ترجع إليه الآلهة الفرعية، إما بالولادة أو الخلق؛

 

وهذا (الشك) الإبراهيمي ليس هو شك اللاأدريين، أو شك المعرض عن طلب الحقيقة، غير المبالي بها؛ وإنما هو شك الباحث عن العلم واليقين، فإذا بلغ مرتبة من مراتب العلم اليقيني: طلب مرتبة فوقها، كما أخبرنا الله، جل جلاله، عنه حيث قال نصاً: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى: (وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي!)؛ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، (البقرة؛ 2 : 260). فهو مؤمن موقن لكنه يريد الارتقاء من مرتبة (علم اليقين) إلى مرتبة (عين اليقين). وقد عقَّب نبينا أبو القاسم محمد، خاتم النبيين، عليه وعلى آله صلوات وتبريكات وتسليمات من رب العالمين، قائلاً: (نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي):

* كما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (ج3/ص1234/ح3192)، (ج4/ص2050/ح4263): [حدثنا أحمد بن صالح حدثنا بن وهب قال أخبرني يونس عن بن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله قال نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: ﴿رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾؛ ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد؛ ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي]؛ وأخرجه مسلم في صحيحه (ج1/ص133/ح151)، (ج1/ص134/ح151)، (ج4/ص1840/ح151)؛ وابن حبان في صحيحه (ج14/ص92/ح6208)؛ وابن ماجه في سننه (ج2/ص1336/ح4026)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج2/ص326/ح8311)؛ والنسائي في سننه الكبرى (ج6/ص305/ح11050)، (ج6/ص369/ح11253)؛ والطبراني في معجمه الأوسط (ج8/ص342/ح8813)؛ وغيرهم.

وبطبيعة الحال لم يكن عند إبراهيم برهان على كون تلك الأجرام السماوية نفسها كائنات إلاهية؛ وإنما لدى أبيه وقومه فقط موروثات الآباء والأجداد، التي هي مجرد قصص ومزاعم مرسلة: فالإحالة إلى قول الغير، ممن لم يقم البرهان القاطع على عصمته، حجة داحضة، لا يقبلها إبراهيم الذي آتاه الله رشده: وهذا هو الذي ينبغي لكل راشد. و(الرشد) هو الاستعمال الصحيح للعقل السليم، وهو (العقلانية) بعينها. ومن لم يأت ببرهان على دعواه فهو كاذب، ومن اعتقد شيئاً اعتقاداً جازماً بغير برهان لديه فهو كاذب ضال: لذلك قال إبراهيم لأبيه: ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، حتى لو كانت الدعوى في ذاتها صواباً، ببراهين أخرى. وفي نفس الوقت ليس ثمة برهان على أن تلك الأجرام السماوية ليست كائنات إلاهية: فما هو الحق إذا، وما هو الصواب يا ترى؟! ؟!

 

هنا تتدارك عناية الله إبراهيم، وهو قد استحقها ببذله الوسع واستفراغ الجهد في استخدام عقله استخداماً صحيحاً، فألهمه النظر والرصد والمراقبة، ثم التأمل والتفكر في ملكوت السماوات والأرض، فلعل فيها ما يستحق أن يكون إلاها: وبخاصة هذه الأجرام السماوية، التي يزعم قومه أنه كائنات إلاهية: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ: (لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ) (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81)﴾، (الأنعام؛ 6: 74 - 81). وهذا يوجب القطع بأمور مهمة منها:

(1) - أن هذا كان تأملاً واستدلالاً حقيقياً من إبراهيم، يريد بها الوصول إلى (حقيقة الألوهية) بالنظر والتأمل؛ وليس هو جزئية من جزئيات مناظرته لقومه أصلاً:

(أ)- فقوله، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾، نص قاطع على أن ذلك التأمل إنما هو للتحول من الشك إلى اليقين: فهذا يقتضي، ضرورة ولا بد، أنه لم ينبأ بعد، وإنما جاءت النبوة والاصطفاء بعد ذلك. ولعلنا نذكر ها هنا بما أصلناه في الباب الثاني من هذا الكتاب، حيث قلنا: [وعلى كل حال فإن ضرورة العقل توجب بالنسبة لمن نصبه الله نبياً، ولو على وجه المنة والاصطفاء، ولم يكلف ببلاغ، أو إيصال رسالة، أنه لا بد أن يكون عالماً علم يقين، لا يتزعزع، أنه نبي، وأن الله اصطنعه لنفسه واصطفاه ونصبه نبياً؛ وكذلك أن الذي اصطفاه هو (الله)، الذي لا إله إلا هو، الواحد الأحد، الحي القيوم، فاطر السموات والأرض، رب العالمين: فعال لما يريد، وهو على كل شيء قدير، يخلق ما يشاء ويختار، وهو بكل شيء عليم؛ وذلك بإعلام الله له بذلك؛ وإلا لكان ذلك من الله بمثابة كأنه يقول: (نبأتك ولم أنبؤك)، أو كأنه يقول: (نبأتك ولا أعلمك من أنا)؛ وهذا كله تناقض وتخليط وجنون، يتنزه عنه عقلاء البشر، فكيف برب العالمين؟!

(ب)- وقوله، جل جلاله، وسما مقامه، حكاية لكلام إبراهيم: ﴿(لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ)﴾، يقتضي أيضاً أن التأمل إنما هو طلب لليقين والهداية، وللخروج من الشك والضلالة. وهذه هي حجة الإمام الطبري كما جاء في تفسيره [جامع البيان في تأويل القرآن (11/485)]: [قال أبو جعفر: وفي خبر الله تعالى عن قيل إبراهيم حين أفل القمر: ﴿لئن لم يهدني ربّي لأكونن من القوم الضالين﴾، الدليلُ على خطأ هذه الأقوال التي قالها هؤلاء القوم، وأنّ الصوابَ من القول في ذلك، الإقرارُ بخبر الله تعالى الذي أخبر به عنه، والإعراض عما عداه]، وقد أصاب فيها، وأجاد؛ ومع ذلك اعترض عليه بعضهم بأن كلام إبراهيم ربما كان من باب (التواضع)، وإظهار الفقر والحاجة للهداية، المناسب لمقام الدعاء: وهذه شبهة باطلة يبطلها السياق نفسه، لأنه استمر – بعد ذلك - في بحثه ونظره متأملاً حال (الشمس)؛ ثم - بعد أن غربت الشمس - أعلن بأعلى صوت: (إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، كذا بكل ثقة، واعتزاز: فأين ذهب (التواضع)؟! ثم بدأ قومه في محاججته بعد إعلانه الخطير الصادم؛

(ج)- ثم أي مناظرة هذه التي تستمر ليالي وأيام؟!

 

فكون ذلك إنما كان تأملاً واستدلالاً حقيقياً من إبراهيم، هو الحق المقطوع به، وهو الذي ذهب إليه أكثر المفسرين، كما جاء في تفسير الجامع لأحكام القرآن أبو عبدالله القرطبي (11/296): [قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ﴾ قال الفراء: أي أعطيناه هداه. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي من قبل النبوة؛ أي: وفقناه للنظر والاستدلال، لما جن عليه الليل فرأى النجم والشمس والقمر. وقيل: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي من قبل موسى وهارون. والرشد على هذا النبوة. وعلى الأول أكثر أهل التفسير]، انتهى.

 

(2) – ويترتب على ما سلف، ضرورة، أن هذا كان في أول أمر إبراهيم عندما كان في بلده الأصلي (أور في بلاد الكلدانيين)، وليس في (حرَّان)، بعد أن هاجر، كما هو الزعم الساقط لكثير من المفسرين؛   

 

(3) - وأن الآلهة التي يعبدها قوم إبراهيم إنما هي، في مجملها وأصلها، كائنات (علوية) سماوية، لأن السماء هي مكان النقاء والدوام والانتظام عند الشعوب القديمة عامة، وأهل العراق خاصة. وهذا هو المقطوع به من علوم الآثار والتاريخ والحفريات كما أسلفنا، على كونه معلوماً من قديم، كما أسلفنا قريباً؛

 

(4) - وإن كان لقوم إبراهيم آلهة ثانوية (سفلية) شيطانية، أصلاً، فلعلها، في معتقدهم، كانت سماوية في الأصل ثم تمردت، فطردت من السماوات، واضطرت إلى الأرض السفلى: فهي فرع من أصل. فلا حاجة للتأمل في أحوالها تأملاً مستقلاً: إذا بطل الأصل، بطل الفرع؛ أو أنها أرضية الأصل فلا تحتاج إلى كبير تأمل يستحق الذكر لأن التغير والفساد في الأرض أوضح من أن يحتاج إلى طول نظر. وهذا هو أيضا المقطوع به من علوم الآثار والتاريخ والحفريات: فقد جاء الخبر عن (إلاهة) انثى لهم يقال لها: (إِللات)، أو (إيريشكيجال)، تحكم العالم السفلي، كما وجدت أصنام وتصاوير لـ(إِللات) هذه، سبق إيراد بعض من هذا؛

 

(5) - وأن إبراهيم، مع حكمه على قومه بالضلال، لأنهم بنوا دينهم على التقليد واتباع الأسلاف، لم يعتبر قولهم بمجرد ذلك باطلاً: بل لا بد من النظر فيه لإبطاله، وفق المبدأ العام: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾، (سبأ؛ 24: 24)؛

 

(6) - وأخيراً: لا صحة للأكذوبة الأوروبية العنصرية بأن النظر الفلسفي بدأه اليونان: فها هو إبراهيم كما يصوره لنا القرآن: أول فلاسفة التاريخ، وهو إمامهم: فياله من إمام فيلسوف: أنعم به، وأكرم؛

 

ثانياً: إبراهيم – الذي وصل إلى اليقين بنظره وتأمله، ثم اصطفاه الله نبياً – بدأ دعوة قوموه بإثارة (الشكِّ) في دينهم، والتساؤل عن حقيقة هذه (التماثيل)، التي رفض إبراهيم أن يسميها (آلهة)، أو حتى (أصنام)، وما هو معنى عكوفهم عليها، وتعاطيهم تلك الممارسات الغريبة لها: من تحلية وتزيين وتطيب؛ وإيقاد شموع ومباخر؛ وقنوت وركوع وسجود؛ وصلوات وترانيم؛ وتصفيق وتصفير وتمايل ورقص؛ وقرع أجراس ودق طبول ونفخ قرون ومزامير؛ وربما طلب للمشورة واستقسام بأزلام؛ وربما تقديم قرابين وتلطيخ بالدماء؛... إلخ؛ وقد فطن لهذه الإمام الشهيد سيد قطب حينما قال في ظلال القرآن (5/200، بترقيم الشاملة آليا): [فكانت قولته هذه دليل رشده: سمى تلك الأحجار والخشب باسمها: ﴿هذه التماثيل﴾ ولم يقل: إنها آلهة، واستنكر أن يعكفوا عليها بالعبادة. وكلمة ﴿عاكفون﴾ تفيد الانكباب الدائم المستمر. وهم لا يقضون وقتهم كله في عبادتها. ولكنهم يتعلقون بها. فهو عكوف معنوي لا زمني. وهو يسخف هذا التعلق ويبشعه بتصويرهم منكبين أبداً على هذه التماثيل! فكان جوابهم وحجتهم أن: ﴿قالوا: وجدنا آباءنا لها عابدين﴾! وهو جواب يدل على التحجر العقلي والنفسي داخل قوالب التقليد الميتة، في مقابل حرية الإيمان، وانطلاقه للنظر والتدبر، وتقويم الأشياء والأوضاع بقيمها الحقيقية لا التقليدية. فالإيمان بالله طلاقة وتحرر من القداسات الوهمية التقليدية، والوراثات المتحجرة التي لا تقوم على دليل]، انتهى؛

 

ثالثاً: أجاب أبوه والقوم: هذه ليست مجرد (تماثيل)، كما سماها إبراهيم، وإنما هي (أصنام)، وأنهم ورثوا عبادتها من آبائهم. وقد جاء تصريحهم بتسميتها أصناماً، وبأنهم يعبدونها، في قوله، جل وعز: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74) قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)﴾، (الشعراء؛ 26: 69 - 82): فهي، في معتقدهم، تماثيل (آلهة)، تقوم مقام (الآلهة) بمعنى من المعاني، وترتبط بالكائن الإلاهي الذي تنوب عنه ارتباطاً محكما يسوغ قول القائل: (أعبد هذا الصنم) اختصاراً مستحسنا مقبولاً، عند قائليه، بدلاً من قوله: (أعبد الإله الفلاني، الذي يمثله هذا صنم). وقد رأينا قبل قليل أن معظم تلك الآلهة عند قوم إبراهيم ما هي إلا كائنات علوية سماوية، تترائى للناس شمساً، وقمراً، وكواكب.

 

وقد عبر القرآن عن هذا المعنى الواحد، بعبارتين متباينتين، هما: (أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً)، و(نَعْبُدُ أَصْنَاماً)؛ مما يوجب: المعادلات أو المساوات التالية:

 

(عبادة) الصنم = اتخاذ الصنم إلاهاً = (نسبة شيء من الألوهية إلى) الصنم

 

وبالاختصار المنضبط الصحيح:

 

(العبادة) = (نسبة شيء من الألوهية)

 

ويترتب على ذلك بالضرورة، إذا عرفنا (الشرك بالله) على أنه (عبادة غير الله):

(م2) - (الشرك بالله) = (عبادة غير الله) = (نسبة الألوهية لغير الله) = (أن تجعل مع الله إلاها آخر

وأما إذا عرفنا (الشرك بالله) على أنه (أن تجعل مع الله إلاها آخر)، فيترتب على ذلك بالضرورة:

(الشرك بالله) = (أن تجعل مع الله إلاها آخر) = (نسبة الألوهية لغير الله) = (عبادة غير الله

 

فأياما كان تعريفنا للشرك ابتداءً: فالنتيجة النهائية واحدة، ضرورة ولا بد: هي هذه المعادلة، أو المساواة، (م2)؛ وقد سبقت البرهنة على هذه (المعادلات) ببراهين مستقلة عن هذا تمام الاستقلال.

 

رابعاً: سألهم إبراهيم عن البرهان على ألوهية تلك الكائنات المزعومة: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾، (الشعراء؛ 26: 72 - 73). فأجاب القوم: برهاننا قول (السلف الصالح)، فأسلافنا هم أهل العلم الصحيح، والمعرفة التامة. وليس هذا إقراراً منهم بأن (الآلهة) لا تسمع ولا تستجيب، ولا تضر ولا تنفع، كما قد يظن من فسد دماغه من الوهابيين الأغبياء، ومن كان على شاكلتهم ممن تسطح فكره، أو فسد دماغه، خصوصاً عند القراءة المنكوسة لقوله تعالى مجده: ﴿قَالَ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ (65) قَالَ: أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67) قَالُوا: حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (68)﴾، (الأنبياء؛ 21: 63 - 68): فالذي لا ينطق، بإقرارهم جميعاً، وكما يعلم إبراهيم، هو هذه التماثيل الحجرية، التي تم تكسيرها إلا كبيرها، المشار إليها بـ﴿هَؤُلَاء﴾؛ وإبراهيم موقن ومصر - على ما قام عليه البرهان عنده كما ذكرنا آنفا، وكما سيأتي تفصيله في فصل مستقل قريباً– على القول بعدم وجود تلك (الآلهة) السماوية المتعالية أصلاً، فليس ثمة في الوجود أصلاً إلا تلك التماثيل الحجرية فقط، لذلك: ﴿قَالَ: أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. وحيث ما وجدنا في القرآن كلاماً عن معبودات المشركين ينص على أنها لا تضر ولا تنفع، أو لا تسمع ولا ترى، أو أنها لا تفعل ولا تبطش، أو ما شاكل ذلك فهو تقرير من القرآن لـ(حقيقة الأمر) في ذاته كما هو في علم الله، أو حكاية لتقرير نبي أثناء محاجته لقومه؛ وليس هو رواية لـ(معتقد المشركين) كما هو في خيالهم المريض.

 

هذا هو الذي ينبغي القطع به، بضرورة الحس والعقل: فمن المحال الممتنع أن يدعو إنسان عاقل مادة صماء عمياء ميتة، وهو يعتقد يقيناً أنها كذلك: أي مادة صماء عمياء ميتة فحسب: فلا بد أن يكون هناك – في مخيلة الداعي – شيء آخر وراء ذلك. بل وحتى لو وجدنا أحد نزلاء مصحة عقلية ينغمس في حوار مع حذائه، أو قلمه، لجزمنا بأنه – لخلل في دماغه – يتوهم انه يسمع منه كلاماً، ويدير معه حواراً؛ فالمسكين يعيش في عالم خيالي من صنع دماغه المختل.

 

وحتى الحيوان والطير إنما يهرب من (الفزاعة)، مثلاً، لضعف تمييزه وظنها أنها شخص من بني آدم، الذين يخشى شرهم، ولو أدركت أنها مجرد (خرقة) على صورة آدمي معلقة على خشبة لما بالى بها، تماماً كما أنه لا يبالي – في العادة - بشجرة تتمايل، أو غصن يتحرك في مهب الريح!

 

وقد كاد الإمام الفخر الرازي أن يحرر حقيقة الأصنام في تفسيره العظيم:

* حيث جاء في تفسير الرازي [مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (26/421)]: [الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» قُرِئَ الدِّينُ بِالرَّفْعِ، ثُمَّ قَالَ وَحَقُّ مَنْ رَفَعَهُ أَنْ يَقْرَأَ مُخْلَصًا بِفَتْحِ اللَّامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ [النِّسَاءِ: 146] حَتَّى يُطَابِقَ قَوْلَهُ: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالْخَالِصُ وَالْمُخْلَصُ وَاحِدٌ إِلَّا أَنَّهُ وَصَفَ الدِّينَ بِصِفَةِ صَاحِبِهِ عَلَى الْإِسْنَادِ الْمَجَازِيِّ كَقَوْلِهِمْ شِعْرُ شَاعِرٍ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ رَأْسَ الْعِبَادَاتِ وَرَئِيسَهَا الْإِخْلَاصُ فِي التَّوْحِيدِ أَرْدَفَهُ بِذَمِّ طَرِيقَةِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى﴾: وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ يَقُولُونَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَخَبَرُ الَّذِينَ مَحْذُوفٌ وَهُوَ قَوْلُهُ يَقُولُونَ.

وَاعْلَمْ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى عَائِدٌ عَلَى الْأَشْيَاءِ الَّتِي عُبِدَتْ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَهِيَ قِسْمَانِ الْعُقَلَاءُ وَغَيْرُ الْعُقَلَاءِ، أَمَّا الْعُقَلَاءُ فهو أن قوما عبدوا المسيح وعزيرا وَالْمَلَائِكَةَ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ وَيَعْتَقِدُونَ فِيهَا أَنَّهَا أَحْيَاءٌ عَاقِلَةٌ نَاطِقَةٌ، وَأَمَّا الْأَشْيَاءُ الَّتِي عُبِدَتْ مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مَوْصُوفَةً بِالْحَيَاةِ وَالْعَقْلِ فَهِيَ الْأَصْنَامُ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ الْكَلَامُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْكُفَّارُ لَائِقٌ بِالْعُقَلَاءِ، أَمَّا بِغَيْرِ الْعُقَلَاءِ فَلَا يَلِيقُ، وَبَيَانُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ: أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: مَا نَعْبُدُهُمْ ضَمِيرٌ لِلْعُقَلَاءِ فَلَا يَلِيقُ بِالْأَصْنَامِ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَعْتَقِدَ أُولَئِكَ الكفار في المسيح والعزيز والملائكة أن يشفعوا لهم عند الله، أما يبعد من العاقل أن يعتقد في الأصنام والجمادات أَنَّهَا تُقَرِّبُهُ إِلَى اللَّهِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَمُرَادُهُمْ أَنَّ عِبَادَتَهُمْ لَهَا تُقَرِّبُهُمْ إِلَى اللَّهِ، ويمكن أن يقال: إن العاقل لا يعبد الصَّنَمَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ خَشَبٌ أَوْ حَجَرٌ، وَإِنَّمَا يَعْبُدُونَهُ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهَا تَمَاثِيلُ الْكَوَاكِبِ أَوْ تَمَاثِيلُ الْأَرْوَاحِ السَّمَاوِيَّةِ، أَوْ تَمَاثِيلُ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ الَّذِينَ مَضَوْا، وَيَكُونُ مَقْصُودُهُمْ مِنْ عِبَادَتِهَا تَوْجِيهُ تِلْكَ الْعِبَادَاتِ إِلَى تِلْكَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي جَعَلُوا هَذِهِ التَّمَاثِيلَ صُوَرًا لَهَا. وَحَاصِلُ الْكَلَامِ لِعُبَّادِ الْأَصْنَامِ أَنْ قَالُوا إِنَّ الْإِلَهَ الْأَعْظَمَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَعْبُدَهُ الْبَشَرُ لَكِنَّ اللَّائِقَ بِالْبَشَرِ أَنْ يَشْتَغِلُوا بِعِبَادَةِ الْأَكَابِرِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مِثْلَ الْكَوَاكِبِ وَمِثْلَ الْأَرْوَاحِ السَّمَاوِيَّةِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَشْتَغِلُ بِعِبَادَةِ الْإِلَهِ الْأَكْبَرِ، فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِمْ: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى]، انتهى كلام الرازي نصاً؛

قوله: (إن العاقل لا يعبد الصَّنَمَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ خَشَبٌ أَوْ حَجَرٌ، وَإِنَّمَا يَعْبُدُونَهُ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهَا تَمَاثِيلُ... إلخ) هو عين الصواب، الذي لا شك فيه، وإن كان تفصيل الأشياء الممثل لها تنقصه الدقة، وكان حقه أن يقول: (لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهَا تَمَاثِيلُ لكائنات إلاهية: كالْكَوَاكِبِ أَوْ تَمَاثِيلُ الملائكة، وغيرها من الْأَرْوَاحِ السَّمَاوِيَّةِ المتولدة من الآلهة، أَوْ تَمَاثِيلُ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ الَّذِينَ غلوا فيهم فنسبت لهم خصائص إلاهية؛ أو إله الشر، وما تولد منه من الجن والمردة، ونحو ذلك).

 

ومقصد الإمام الرازي بلفظة: (العاقل) ها هنا إنما هو من لديه الحد الأدنى من العقل بحيث يصلح أن يوجه إليه خطاب التكليف من البشر البالغين، خلافاً للصغير، والمجنون؛ وليس قصده العاقل الراشد المفكر فحسب.

 

وأما حكايته لكلام عبدة الأصنام: (إِنَّ الْإِلَهَ الْأَعْظَمَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَعْبُدَهُ الْبَشَرُ لَكِنَّ اللَّائِقَ بِالْبَشَرِ أَنْ يَشْتَغِلُوا بِعِبَادَةِ الْأَكَابِرِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مِثْلَ الْكَوَاكِبِ وَمِثْلَ الْأَرْوَاحِ السَّمَاوِيَّةِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَشْتَغِلُ بِعِبَادَةِ الْإِلَهِ الْأَكْبَرِ) فعليه مأخذان:

مأخذ كبير جسيم: زعمه على لسانهم: (ِعِبَادَةِ الْأَكَابِرِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ) متناقض ذاتياً، لأن الأكابر لا يمكن أن يقال عنهم أنهم (يعبدوا) أصلاً إلا إذا سبق ذلك اعتقاد بألوهيتهم: فمن المحال عبادة الأنبياء بوصفهم أنبياء فقط، والملائكة بوصفها ملائكة فقط: فكونهم (الْأَكَابِرِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ) هو كذا في حقيقة الأمر، ومعتقد الرازي، وسائر أهل الإسلام؛ وليس هو كذلك في معتقد عابديها: فانتبه!!؛

ومأخذ صغير فرعي: أن الأمر ليس هكذا فقط، بل هناك مسوغات أخرى في أذهان المشركين المختلة، منها:

(أ) - أن كبير الآلهة ووالدها يفرح بعبادة ولده، ويثيب عليها، فهي في نفس الوقت وذاته، عبادة له، وقربى إليه، ولا بد؛

(ب) - أن لأولاد كبير الآلهة ووالدها عند أبيهم مكانة سامية، وشفاعة لا ترد، ولا تحتاج إلى استئذان: فحسب البشر عبادة الأبناء لحصول المقصود؛

(ج) - أن كبير الآلهة ووالدها بعيد متكبر متعالي، لا يتوصل إليه إلا بالوسائط (ولا يستغرب أن يعتقد المشركون أن هذا التعالي والتسامي السمج المزعوم صفة كمال، لا بد من نسبتها إلى الإله الأكبر)؛

(د) - أن كبير الآلهة ووالدها عاجز لا يفعل ولا يخلق إلا بالوسائط (ولا يستغرب أن يعتقد المشركون أن هذه أيضاً صفة كمال، لا بد من نسبتها إلى الإله الأكبر، حتى لا يتلطخ، أو يتدنس بمعالجة شؤون عالم الذنوب والدنس والفساد).

 

هذا كله بالنسبة لإبراهيم، وأما أبوه وقومه فهم موقنون ومصرون على معتقدهم الباطل، الموروث من أسلافهم، وهو: وجود تلك (الآلهة) السماوية المتعالية، وأنها أهل للنصرة، لذلك: ﴿قَالُوا: حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾: فالنصرة للآلهة، التي كفر بها إبراهيم، وأنكر وجودها: فأهانها – في نظرهم – إهانة بالغة، وسبها سباً شنيعاً، وليست النصرة للتماثيل الحجرية المكسورة. وهذا الجدال، وتلك المواجهة، إنما جاءت متأخرة جداً بعد أحداث قصتنا؛ وقد هاجر إبراهيم بعدها، بعد أن أنجاه الله من النار، وترك وطنه؛

 

ومع وضوع وبداهته نجد العلامة المحقق عبد الرحمن بن يحيي المعلمي يصاب بعمى البصيرة لإصابته بالفيروس الوهابي، حيث يقول:

* ما جاء في آثار الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي اليماني (2/451): [والمقصود هنا هل في ذلك دلالة على أن قومه كانوا يعبدون الكوكب؟ فإن من المفسرين من قال ذلك، قال: وإنما كانت عبادتهم الأصنام. فالقوم ألَّهوا الأصنام وعبدوها ودعوها وجعلوها شركاء. وهل كانوا يعتقدون فيها ذواتها قدرة على النفع والضُّر؟

الظاهر عدم ذلك، فإنه لما سألهم الخليل عليه السلام: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: 72 - 74]، وظاهرٌ أنهم لو كانوا يعتقدون أنها تضرُّ وتنفع لما فرُّوا إلى الاعتصام بالتقليد، بل ربما يُفهم من تعبيرهم بـ (بل) تسليم أنها لا تسمع ولا تضر ولا تنفع. ويؤيد ذلك أن إبراهيم عليه السلام لما كسرها وهم غائبون، وأُخبروا بأنه سُمِع يذكرها من قبلُ، لم يَستبعدوا قدرته على تكسيرها. ولما قال لهم: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ... لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء 63 - 65]. ثم لمّا قال لهم: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ عدلوا عن الجواب إلى أن: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾. ويشهد لذلك أيضًا أن إبراهيم عليه السلام قال لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: 42]، فلم يجبه أبوه بشيء كأن يقول: بل يغني عني، بل ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: 46]. إذن فلماذا كانوا يعبدونها؟]، انتهى؛

 فأقول: أرأيت جناية (رفض الفكر) الوهابي على العقول؟! وكيف يصر القوم عليه لا شعورياً حتى لا ينهدم دينهم المبتدع الممسوخ؟! حقا إنه لم المؤسف أن يصاب هذا العلامة الفاضل بعمى البصيرة:

            (1)- فهو عاجز عن التفريق بين (التمثال) و(الصنم):

 

(الصنم) = (التمثال) + (علاقة الارتباط المحكم بكائن إلاهي، والنيابة عنه)

           

(2)- ويعجز – وهو الحافظ لكتاب الله – عن معرفة إعجاز القرآن في اختصار القصص، واختصار رواية جدال الخصوم: إما لعدم أهميته، وإما تركا لتفصيله اعتمادا على فطنة القارئ، أو لاعتبارات أخرى. خذ مثلاً:

                        (أ)- قوله، تعالى مجده: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71)﴾، (البقرة؛ 2: 69)؛ فهل يشك عاقل أنهم خرجوا للبحث عن (بَقَرَةِ صَفْرَاءَ) أياماً وليالي حتى التبس عليهم الأمر، والقتيل مسجى بحاله: لم يتعفن أو ينتفخ؟! ثم بعد أن عادوا واشتكوا: (إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا)، فأخبرهم أنها (لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ)، فخرجوا ينقبون في البلاد حتى وجدوا البقرة المنشودة فاشتروها بأغلى الأثمان، والقتيل مسجى بحاله: لم يتعفن أو ينتفخ: فهل جاء حرف من هذا في نص القرآن؟!

                        (ب)- قوله، جل جلاله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22) وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ... الآية﴾، (يوسف؛ 12: 22-23)؛ فهل يشك عاقل أن امرأة العزيز قبلته كأنه ولدها، واهتمت به وبتنشئته؛ فلما كبر وظهر منه الحسن البارع، والرجولة التامة انقلبت مشاعرها من الأمومة إلى العشق والأنوثة. وبعد مدة لم تطق صبراً فبدأت تخطط وترتب، فانتهزت يوماً فرصة صفاء الجو، وغياب الزوج، الذي خلف يوسف ولم يصحبه ذلك اليوم، ودعت يوسف إلى مخدعها لمناقشة أمر من أمور البيت، وذهب يوصف ببراءة ما يراها إلا أمه، ففتحت الموضوع، وطارحته الغرام، ثم فغلقت الأبواب ... إلخ: فهل جاء حرف من هذا في نص القرآن؟!

 

والعجز عن التمييز بين (الصنم) و(التمثال) هو أيضاً منشأ التخاليط والوساوس التي تجدها في النص التالي، بالإضافة إلى القراءة المنكسة، وعدم ملاحظة إعجاز القرآن، وتفننه في الاختصار:

* فقد جاء في آثار الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي اليماني (2/452): [(إذن فلماذا كانوا يعبدونها؟): يظهر من جوابهم بقولهم: ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: 74]، مع ما تقدَّم أنهم إنما كانوا يعبدونها محافظة على عادتهم وعادة آبائهم أنفةً مِنْ أن يتركوا ذلك، كما روي عن بعض مشركي قريش أنهم تيقَّنوا بطلان ما هم عليه، ولكن شقَّ عليهم أن يعترفوا بأنهم كانوا هم وآباؤهم على ضلال. ويؤيَّده أن إبراهيم عليه السلام لما كسر الأصنام: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنبياء: 63 - 64]، ففي هذا اعتراف بأن الأصنام لا تضرُّ ولا تنفع، وإنما نُكسوا على رؤوسهم لمجرد المحافظة على العادة فقط. ولو كانوا يعبدونها على أنها تماثيل لأشياء أُخر لانتقلوا في الموضعين - والله أعلم - إلى تلك الأشياء، بأن يقولوا: نحن لا نعبدها لذاتها وإنما نعبدها تعظيمًا للأشخاص التي هي تماثيل لهم مثلًا. وأيضًا، لو كانوا يعبدون التماثيل بهذا القصد لكانوا يعبدون تلك الأشخاص التي هي تماثيل لهم، وإذًا لجاء في محاجَّة إبراهيم عليه السلام ذِكْرُ ذلك كما جاء عن نبينا عليه الصلاة والسلام وغيره من الأنبياء، بحيث إن غالب ما جاء عن نبينا عليه الصلاة والسلام في القرآن لا يكاد يوجد فيه ذكر الأصنام، وإنما كلامه مع المشركين في الملائكة والبنات الخياليَّات]، انتهى كلام المعلمي: فإنا لله، وإنا إليه راجعون؛

 

خامساً: أن تكسير التماثيل ما كان إلا محاولة أخيرة (يائسة) من إبراهيم لإيقاظ قومه من غفلتهم بأسلوب الصدمة العنيفة لفتح باب الجدال للمرة الأخيرة: فليس كسر الصنم حجة على بطلان ألوهيته؛ ولا هزيمة المؤمنين الصادقين دليلاً على عدم وجود الله، أو برهاناً على خذلان الله لهم، كما قد ينقدح في بعض العقول الكسيحة العليلة. وكان ذلك بعد زمن طويل من المحاججة والمناظرة بالحجج الدامغة، والبراهين القوية: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)﴾، (الأنعام؛ 6: 78 - 83).

 

سادساً: مقولة إبراهيم: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، لا يتصور صدوره منه إلا لأنهم خوفوه بطش آلهتهم، ونقمتها: فهذه، إضافة لما سبق بيانه، حجة قاطعة على أنهم يعتقدون فيها الألوهية المشتملة على القدرة الذاتية على أفعال التدبير، والنفع والضر، على وجه الاستقلال.

 

فصل: تحرير (الاستدلال) الإبراهيمي، واستنباط بعض لوازمه:

اتجه إبراهيم بعد المواجهة الأولية مع أبيه فوراً إلى تأمل الأجرام السماوية، ورصد أحوالها، لعله يجد بينها من يستحق أن يخبر عنه قائلاً: (هذا ربي)، أي هذا سيدي ومالكي صاحب الهيمنة العليا والأمر والنهي، وهذا لا يجوز عقلا إلا أن يكون هو الإله واجب الوجود الفاعل بالمشيئة والاختيار، ولا يمكن إلا أن يكون واحداً: فلعله هذا الكوكب، كما يزعم قومنا؟! فلما أفل تبين أنه:

(أ)- إما أن يكون فاعلاً بالاضطرار، وليس بالمشيئة والاختيار: فليس إلاهاً، ولا رباً؛

(ب)- أو أنه ممكن الوجود، وليس بواجب: لأن الواجب حاضر أزلا وأبداً: إن جاز أن يكون أصلاً في مكان، فهو لا بد في كل مكان: فمن المحال الممتنع أن يغيب؛

 

وكذلك القول في سائر الكواكب، فالقمر، ثم الشمس. فوصل إلى حقيقة قطعية مفادها أنه ليس من أجرام السماء من يستحق أن يخبر عنه قائلاً: (هذا ربي)، فلا بد أن تكون كلها مربوبة ممكنة محدثة مخلوقة، ومن باب أولى الأرض، ومن فيها: فالإمكان، والحدوث، والتحول والفساد أوضح فيها وأبين. فالرب إذاً هو ضرورة غير كل هذا، وهو ضرورة الذي فطر، أي بدأ خلق، السموات والأرض، ضرورة ولا بد.

 

وقد ألمح الشيخ محمد أبو زهرة لذلك في زهرة التفاسير (ص: 4881): [أكد سبحانه وتعالى ما اتاه لإبراهيم، بـ(اللام)، و(قد)، والرشد هو العلم والإدراك والنفاذ إلى الحقائق كما رأينا تعرفه لله تعالى في وسط الجهالة التي كانت غمامة على العقول منعتها من الإدراك السليم، وكيف تعرف في نجم فراه قد أفل، ثم في القمر فرآه أيضا أفل، ثم رأى الشمس بازغة، فقال هذا حتى انتهى إلى الوحد انية. هذا كله رشد وإدراك سليم انتهى إلى الإدراك الكامل لمعنى الألوهية المنزهة عن المشابهة للحوادث في أفولها وظهورها، وفى فنائها وبقائها]، انتهى.

 

وأما الإمام أبو عبد الله فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازي الشافعي، المعروف بالفخر الرازي، فقد فصل في ذلك في مواضع عدة من تفسيره العظيم (مفاتيح الغيب من القرآن الكريم):

* فقد جاء في تفسير الرازي (1/371، بترقيم الشاملة آليا): [المسألة الثالثة: اعلم أنه سبحانه أمر بعبادته والأمر بعبادته موقوف على معرفة وجوده، ولما لم يكن العلم بوجوده ضرورياً بل استدلالياً لا جرم أورد ههنا ما يدل على وجوده، واعلم أننا بينا في «الكتب العقلية» أن الطريق إلى إثباته سبحانه وتعالى إما الإمكان، وإما الحدوث. وإما مجموعهما، وكل ذلك إما في الجواهر أو في الأعراض، فيكون مجموع الطرق الدالة على وجوده سبحانه وتعالى ستة لا مزيد عليها]، ... حتى قال: [وثالثها: الاستدلال بحدوث الأجسام. وإليه الإشارة بقول إبراهيم عليه السلام: ﴿لا أُحِبُّ الآفلين﴾، (الأنعام؛ 6: 76)]، انتهى كلام الفخر الرازي؛ وليس هذا – في الأرجح – من باب (حدوث الأجسام)، بل هو في (الإمكان) أدخل، كما أدركه الرازي نفسه في مواضع أخرى؛

 

* وجاء في تفسير الرازي (3/230، بترقيم الشاملة آليا): [المسألة الثانية: أجمع المعتبرون من العقلاء على أنه سبحانه وتعالى منزه عن المجيء والذهاب ويدل عليه وجوه:

أحدها: ما ثبت في علم الأصول أن كل ما يصح عليه المجيء والذهاب لا ينفك عن الحركة والسكون، وهما محدثان، وما لا ينفك عن المحدث فهو محدث، فيلزم أن كل ما يصح عليه المجيء والذهاب يجب أن يكون محدثاً مخلوقاً والإله القديم يستحيل أن يكون كذلك؛

وثانيها: أن كل ما يصح عليه الانتقال من مكان إلى مكان، فأما أن يكون في الصغر والحقارة كالجزء الذي لا يتجزأ وذلك باطل باتفاق العقلاء، وإما أن لا يكون كذلك بل يكون شيئاً كبيراً فيكون أحد جانبيه مغايراً للآخر فيكون مركباً من الأجزاء والأبعاض وكل ما كان مركباً، فإن ذلك المركب يكون مفتقراً في تحققه إلى تحقق كل واحد من أجزائه، وكل واحد من أجزائه غيره فكل مركب هو مفتقر إلى غيره وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته فهو محتاج في وجوده إلى المرجح والموجد، فكل ما كان كذلك فهو محدث مخلوق مسبوق بالعدم، والإله القديم يمتنع أن يكون كذلك؛

وثالثها: أن كل ما يصح عليه الانتقال من مكان إلى مكان فهو محدود ومتناه، فيكون مختصاً بمقدار معين، مع أنه كان يجوز في العقل وقوعه على مقدار أزيد منه أو أنقص فاختصاصه بذلك القدر المعين لا بد وأن يكون لترجيح مرجح، وتخصيص مخصص، وكل ما كان كذلك كان فعلاً لفاعل مختار، وكل ما كان كذلك فهو محدث مخلوق، فالإله القديم الأزلي يمتنع أن يكون كذلك؛

ورابعها: أنا متى جوزنا في الشيء الذي يصح عليه المجيء والذهاب أن يكون إلهاً قديماً أزلياً فحينئذ لا يمكننا أن نحكم بنفي الإلهية عن الشمس والقمر، وكان بعض الأذكياء من أصحابنا يقول: الشمس والقمر لا عيب فيهما يمنع من القول بإلهيتهما سوى أنهم جسم يجوز عليه الغيبة والحضور، فمن جوز المجيء والذهاب على الله تعالى فلم لا يحكم بإلهية الشمس، وما الذي أوجب عليه الحكم بإثبات موجود آخر يزعم أنه إله؛

وخامسها: أن الله تعالى حكى عن الخليل عليه الصلاة والسلام أنه طعن في إلهية الكواكب والقمر والشمس بقوله: ﴿لا أُحِبُّ الأفلين﴾ [الأنعام: 76] ولا معنى للأفول إلا الغيبة والحضور فمن جوز الغيبة والحضور على الله تعالى فقد طعن في دليل الخليل عليه السلام وكذب الله في تصديق الخليل عليه السلام في ذلك)]، انتهى كلام الفخر الرازي؛

قلت: الحجة الأولى قد ترد عليها بعض الاعتراضات؛ وأما الثانية والثالثة فلا يمكن إيراد اعتراض معتبر عليها؛ وأما الرابعة فطريقة الرازي جعلتها حجة (خطابية)، وليست (برهانية)، مع كونها تعود إلى الثانية والثالثة، وربما إلى أكثر من ذلك، فهي (برهانية) في ذاتها؛

 

* وجاء أيضاً في تفسير الرازي (6/352، بترقيم الشاملة آليا): [المسألة السادسة: تفلسف الغزالي في بعض كتبه وحمل الكوكب على النفس الناطقة الحيوانية التي لكل كوكب، والقمر على النفس الناطقة التي لكل فلك، والشمس على العقل المجرد الذي لكل ذلك، وكان أبو علي بن سيناء يفسر الأفول بالإمكان، فزعم الغزالي أن المراد بأفولها إمكانها في نفسها، وزعم أن المراد من قوله: ﴿لا أُحِبُّ الأفلين﴾ أن هذه الأشياء بأسرها ممكنة الوجود لذواتها، وكل ممكن فلا بد له من مؤثر، ولا بد له من الانتهاء إلى واجب الوجود. واعلم أن هذا الكلام لا بأس به. إلا أنه يبعد حمل لفظ الآية عليه، ومن الناس من حمل الكوكب على الحس والقمر على الخيال والوهم، والشمس على العقل، والمراد أن هذه القوى المدركة الثلاثة قاصرة متناهية، ومدبر العالم مستول عليها قاهر لها، والله أعلم)]، انتهى كلام الفخر الرازي؛

قلت: القاصر، والمتناهي، والمحدود لا يمكن أن يكون واجب الوجود: فهو إذاً ممكن حادث مخلوق، ومن المحال أن يكون إلاهاً.

 

فهذا كله يوجب أيضاً القطع بأمور، منها:

(1) - أن ما في الكون من أسباب ومسببات، وطبائع وأنظمة، وأفعال بعد أفعال، وخلق بعد خلق، لا يحل إشكالية: (من ربي): لأن الإشكالية هي: من هو (الفاطر)، أي من هو الذي بدأ الخلق: وتصديق ذلك في أمر الله، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، (العنكبوت؛: 20)؛ وقوله تعالى ذكره: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾، (يونس؛ 10: 4)؛ وأيضاً: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾، (يونس؛ 10: 34)؛ وأيضا: ﴿أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، (النمل؛ 27: 64)؛ وأيضاً: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، (الروم؛ 30: 11)؛ وأيضاً: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، (الروم؛ 30: 27)؛ وغيرها؟!

 

(2) - أن البرهان الكوني (الكوسمولوجي) على وجود الله ووحدانيته برهان صحيح؛

 

(3) - أن كل تأملات إبراهيم في ملكوت السموات والأرض إنما هي دراسة لقضايا خبرية لا يتصور، للوهلة الأولى، أن يتعلق بها إلا تصديقات ومعتقدات معينة: فقول إبراهيم، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ لا يمكن إلا أن يكون:

(أ) - إني كافر بآلهتكم الأخرى، منكر لوجودها أصلاً، فما هي إلا خرافات وفرضيات في الأذهان، لا وجود لها خارج الذهن في الأعيان؛

(ب) - أو: إن كان لبعضها وجود ما خارج الذهن، فأنا منكر لألوهيتها، فليست هي على الصفة التي تزعمون:

 

فالشرك هو إذاً حصراً: (أن تجعل مع الله إلاها آخر)، كما سلف تقريره مراراً وتكراراً؛

 

(4) - وأنه مما لا شك فيه أن (الأصنام)، قطعاً ولا جدال، مشمولة ببراءة إبراهيم من جميع الآلهة إلا الله، وكفره بها: فآية (البراءة) إذا حجة إضافية قاطعة على أن الأصنام التي كان يعبدها قوم إبراهيم، ليست مجرد تماثيل حجرية، فهذه موجودة أمام الجميع، لا يجحد وجودها إلا مجنون؛ فما هي إذاً إلا نائبة تنوب عن، أو قائمة تقوم مقام تلك الكائنات السماوية: النجوم، والقمر، والشمس، وما شابهها أو كان من جنسها: فلعل الأصنام ما هي إلا رموز أو أجساد أو مساكن أو آلات اتصال مع الكائنات الإلاهية التي تمثلها تلك التماثيل الحجرية. وقد فصلنا الكلام عن الأوثان والأصنام في فصل كامل من باب سابق؛

 

(5) – بما إن الله هو (الفاطر)، أي أنه هو الذي بدأ الخلق، بما في ذلك خلق الإنسان، فعليه يكون الجدل البيزنطي العقيم حول (نظرية التطور)، و(أصل الإنسان) لا معنى له. وغاية ما في الأمر أن صحة (نظرية التطور)، إن ثبتت، إنما تثبت بطلان خرافات العهد القديم حول الكيفية المفصلة لخلق الإنسان، والتي تسرب بعضها إلى أهل الإسلام، وتبرهن برهاناً قاطعاً على وقوع التحريف والزيادة والكذب فيه؛ أو سوء الفهم، وركاكة الصياغة في أقل تقدير: فالحمد لله على ذلك؛

 

فصل: شبهات واعتراضات على قصة إبراهيم

أسلفنا أعلاه أن قوله، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ: (لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ) (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ؛ ... الآية﴾، (الأنعام؛ 6: 75 - 80)، إنما كان تأملاً واستدلالاً حقيقياً من إبراهيم، وليس مناظرة أو محاججة لقومه أصلاً، وأن ذلك هو الحق المقطوع به. ومع ذلك فقد أُورِدَت شبهات على ذلك، من أهمها:

* ما جاء في دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب (ص: 20): [قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية. هذه الآية الكريمة وأمثالها في القرآن تدل على أن إبراهيم - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - لم يكن مشركاً يوما؛ لأن نفي الكون الماضي في قوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ يدل على استغراق النفي لجميع الزمن الماضي كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية، وقد جاء في موضع آخر ما يوهم خلاف ذلك وهو قوله: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي.. فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي... فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ الآية، ومن ظنّ ربوبية غير الله فهو مشرك بالله كما دل عليه قول الله تعالى عن الكفار: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ﴾، والجواب عن هذا من وجهين:

أحدهما: أنه مناظر لا ناظر ومقصوده التسليم الجدلي: أي هذا ربي على زعمكم الباطل، والمناظر قد يسلم المقدمة الباطلة تسليما جدليا ليفحم بذلك خصمه، فلو قال لهم إبراهيم في أول الأمر: الكوكب مخلوق لا يمكن أن يكون ربا، لقالوا له: كذبت، بل الكوكب ربّ، ومما يدل لكونه مناظرا لا ناظر قوله تعالى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ استدل به بن جرير على أنه غير مناظر من قوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ لا دليل فيه على التحقيق؛ لأن الرسل يقولون مثل ذلك تواضعا وإظهارا لالتجائهم إلى الله كقول إبراهيم: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾، وقوله هو وإسماعيل: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ الآية.

الوجه الثاني: أنّ الكلام على حذف همزة الاستفهام أي: (أهذا ربي؟)، وقد تقرر في علم النحو أن حذف همزة الاستفهام إذا دلّ المقام عليها جائز، وهو قياسي عند الأخفش مع (أم) ودونها، ذُكِر الجواب أم لا، فمن أمثلته دون (أم) ودون ذكر الجواب قول الكميت: (طربت وما شوقا إلى البيض أطرب *** ولا لعبا مني وذو شيب يلعب)، يعني: (أو ذو الشيب يلعب؟)؛ وقول أبي خراش الهذلي واسمه خويلد: (رفوني وقالوا يا خويلد لم ترع *** فقلت، وأنكرت الوجوه: هم هم)، بعني: (أهم هم؟!)، كما هو الصحيح، وجزم به الألوسي في تفسيره، وذكره ابن جرير عن جماعة، ويدل له قوله: (وأنكرت الوجوه)؛ ومن أمثلته دون (أم) مع ذكر الجواب قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي: (ثم قالوا تحبها قلت بهرا *** عدد النجم والحصى والتراب)، يعني: (أتحبُّها)، على القول الصحيح؛ وهو مع (أم) كثير جداً: ومن أمثلته قول الأسود بن يعفر التميمي وأنشده سيبويه لذلك: (لعمرك ما أدري وإن كنت داريا *** شعيث بن سهم أو شعيث بن منقر)، يعني: (أشعيث بن سهم؟)؛ وقول بن أبي ربيعة المخزومي: (بدا لي منها معصم يوم جمرت *** وكف خضيب زينت ببنان)، (فوالله ما أدري وإني لحاسب *** بسبع رميت الجمر أم بثمان)، يعني (أبسبع؟)؛ وقول الأخطل: (كذبتك عينك أم رأيت بواسط *** غلس الظلام من الرباب خيالا)، يعني: (أكذبتك عينك؟)، كما نصّ سيبويه على جواز ذلك في بيت الأخطل، هذا وإن خالف الخليل زاعما أنّ (كذبتك) صيغة خبرية، وأنّ (أم) بمعنى (بل) ففي البيت على قول الخليل نوع من أنواع البديع المعنوي يسمى بالرجوع عند البلاغيين؛ وقول الخنساء: (قذى بعينيك أم بالعين عوار *** أم خلت إذا أقفرت من أهلها الدار)، تعني: (أقذى بعينيك؟)؛ وقول أحيحة بن الجلاح الأنصاري: (وما تدري وإن ذمرت سقبا *** لغيرك أم يكون لك الفصيل)، يعني: (ألغيرك؟)؛ وقول أمرئ القيس: (تروح من الحي أم تبتكر *** وماذا عليك بأن تنتظر)، يعني: (أتروح؟).

وعلى هذا القول فقرينة الاستفهام المحذوف علو مقام إبراهيم عن ظن ربوبية غير الله، وشهادة القرآن له بالبراءة من ذلك، والآية على هذا القول تشبه قراءة بن محيصن: (سواء عليهم أنذرتهم)، ونظيرها على هذا القول قوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا﴾ على أحد القولين، وقوله: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾على أحد القولين.

وما ذكره بعض العلماء غير هذين الوجهين فهو راجع إليهما كالقول بإضمار القول أي يقول الكفار: هذا ربي، فإنه راجع إلى الوجه الأول، وما ذكره عن ابن إسحاق واختاره ابن جرير الطبري ونقله عن ابن عباس من أنّ إبراهيم كان ناظراً يظنُّ ربوبية الكوكب فهو ظاهر الضعف؛ لأن نصوص القرآن ترده كقوله: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾، وقد بيّن المحقق ابن كثير في تفسيره رد ما ذكره بن جرير بهذه النصوص القرآنية وأمثالها، والأحاديث الدالة على مقتضاها كقوله، صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة) الحديث]، انتهى كلام الشيخ الإمام الشنقيطي؛

 

فأقول:

أولاً: قوله في الوجه الأول: (أنه مناظر لا ناظر ومقصوده التسليم الجدلي: أي هذا ربي على زعمكم الباطل) ليس بمقنع، لأن المناظر المجادل ممكن جداً أن يقول: (لنفترض أن هذا ربي)، و(لنفترض أنه ليس ربي) ولننظر: على أيها يقوم البرهان، كما هو نصاً في قوله تعالى مجده: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، (سبأ؛ 34: 24)؛ وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾، (فصلت؛ 41: 52)؛ وأيضاً: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، (الأحقاف؛ 46: 10)؛ ومن باب أولى فمن الممكن جداً للناظر المستدل، بل الواجب عليه، أن يقول: (لنفترض – جدلاً - أن هذا ربي)، ثم يدرس ما يترتب على ذلك: وسياق الآيات يدل على هذا قطعياً، وإلا لما استمر إبراهيم في مراقبة النجم، ثم القمر، ثم الشمس، حتى أفل كل منهم؛

 

ثانياً: كون الكلام على حذف همزة الاستفهام أي: (أهذا ربي؟)، يمكن أيضاً صدوره من المناظر، ومن الناظر؛

 

إذاً: فتحصل من الوجهين أنه ليس من الضروري (أنّ إبراهيم كان ناظراً يظنُّ ربوبية الكوكب): بل من الممكن جداً أنه ناظر يفترض – جدلاً - ربوبية الكوكب، ثم يبحث عما يثبتها أو يزيفها.

 

ثالثاً: قول الشنقيطي: [ومن ظنّ ربوبية غير الله فهو مشرك بالله: كما دل عليه قول الله تعالى عن الكفار: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ﴾]، خطأ فادح لأن الحق – كما هو حاصل في علم الله - أن الشركاء الذين يدعوهم المشركون لا وجود لهم بذواتهم أو بتلك الصفة أصلاً خارج أذهان المشركين: فمن المحال أن يكون قد قام برهان على وجودهم بذواتهم أو بتلك الصفة مطلقاً. فاعتقاد المشركين فيهم، وإن كان جازماً، غير مطابق للواقع كما هو خارج الذهن: فهو ظن، وليس علماً. فـ(الظن) في الآية ها هنا مقابل (العلم)، وليس مقابل القطع واليقين. والشرك كما سلف مراراً إنما هو (أن تجعل مع الله إلاهاً آخر): أي أن تعتقد الألوهية في غير الله. وأما الظان، بمعنى الشاك، فلا يسمى مشركاً: بل هو شاك متردد فقط.

 

وعليه، فحتى لو سلمنا جدلاً بـ(أنّ إبراهيم كان ناظراً يظنُّ ربوبية الكوكب) فلا يترتب عليه أنه (كان مشركاً) آنذاك. فقول الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي: [﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ يدل على استغراق النفي لجميع الزمن الماضي] صحيح، وليس قطعياً، فقد يكون بمعنى: وما ينبغي له أن يكون من المشركين المستقسمين بالأزلام كما تزعم قريش، وإنما كان حنيفا مسلما؛ وكذلك في المواقع الأخرى حسب السياق. فالظاهر أن الشيخ نسي ما قاله هو نفسه في أضواء البيان [موافق للمطبوع (3/419)]: [اعلم أولاً أن لفظ (ما كان) يدل على النفي، فتارة يدل ذلك النفي من جهة المعنى على الزجر والردع، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَسُولِ اللَّهِ﴾. وتارة يدل على التعجيز، كقوله تعالى: ﴿ءآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا﴾. وتارة يدل على التنزيه، كقوله هنا: ﴿مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾، وقد أعقبه بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾، (أي تنزيهاً له عن اتخاذ الولد وكل ما لا يليق بكماله وجلاله. فقوله: ﴿مَا كَانَ للَّهِ﴾، بمعنى: ما يصح ولا يتأتى ولا يتصور في حقه جل وعلا أن يتخذ ولداً، سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً. والآية كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنبَغِى لِلرَّحْمَانِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً﴾]؛

 فحتى لو كان إبراهيم يظنُّ ربوبية الكوكب، وهو قد بلغ سن التكليف، لا سيما أنه ليس من المخاطبين بواسطة رسول سابق، لأنه جاء قطعاً على فترة من الرسل، ولعله لم يعلم بوجود رسل أصلاً إلا بعد أن جاء الوحي، وأخبره بالرسل السابقين (والمعاصرين، إن كان هناك رسل معاصرون عند أمم أخرى). وأما من لم يبلغ سن التكليف فهو على فطرة الإسلام الأولى فلا يسمَّى مشركاً البتة، وإن أُلْحِق بوالديه المشركَيْن في أحكام الدنيا.

 

* وأيضاً ما جاء في مفاتيح الغيب [ترقيم الشاملة موافق للمطبوع (13/39)]: [المسألة الثالثة: اعلم أن أكثر المفسرين ذكروا أن ملك ذلك الزمان رأى رؤيا وعبرها المعبرون بأنه يولد غلام ينازعه في ملكه فأمر ذلك الملك بذبح كل غلام يولد فحبلت أم إبراهيم به وما أظهرت حبلها للناس فلما جاءها الطلق ذهبت إلى كهف في جبل ووضعت إبراهيم وسدت الباب بحجر فجاء جبريل عليه السلام ووضع أصبعه في فمه فمصه فخرج منه رزقه وكان يتعهده جبريل عليه السلام فكانت الأم تأتيه أحياناً وترضعه وبقي على هذه الصفة حتى كبر وعقل وعرف أن له رباً فسأل الأم فقال لها من ربي فقالت أنا فقال ومن ربك قالت أبوك فقال للأب ومن ربك فقال ملك البلد فعرف إبراهيم عليه السلام جهلهما بربهما فنظر من باب ذلك الغار ليرى شيئاً يستدل به على وجود الرب سبحانه فرأى النجم الذي هو أضوأ النجوم في السماء فقال هذا ربي إلى آخر القصة.

ثم القائلون بهذا القول اختلفوا فمنهم من قال إن هذا كان بعد البلوغ وجريان قلم التكليف عليه ومنهم من قال إن هذا كان قبل البلوغ واتفق أكثر المحققين على فساد القول الأول واحتجوا عليه بوجوه

الحجة الأولى: أن القول بربوبية النجم كفر بالإجماع والكفر غير جائز بالإجماع على الأنبياء؛

الحجة الثانية: أن إبراهيم عليه السلام كان قد عرف ربه قبل هذه الواقعة بالدليل والدليل على صحة ما ذكرناه أنه تعالى أخبر عنه أنه قال قبل هذه الواقعة لأبيه آزر وَإِذْ قَالَ إِبْراهِيمُ لاِبِيهِ ءازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً ءالِهَة ً ... الآية﴾، (الأنعام 74)

الحجة الثالثة: أنه تعالى حكى عنه أنه دعا أباه إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام بالرفق حيث قال لأبيه: ﴿يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً (مريم 42) وحكى في هذا الموضع أنه دعا أباه إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام بالكلام الخشن واللفظ الموحش ومن المعلوم أن من دعا غيره إلى الله تعالى فإنه يقدم الرفق على العنف واللين على الغلظ ولا يخوض في التعنيف والتغليظ إلا بعد المدة المديدة واليأس التام فدل هذا على أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن دعا أباه إلى التوحيد مراراً وأطواراً ولا شك أنه إنما اشتغل بدعوة أبيه بعد فراغه من مهم نفسه فثبت أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن عرف الله بمدة؛

الحجة الرابعة: أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن أراه الله ملكوت السموات والأرض حتى رأى من فوق العرش والكرسي وما تحتهما إلى ما تحت الثرى ومن كان منصبه في الدين كذلك وعلمه بالله كذلك كيف يليق به أن يعتقد إلهية الكواكب]، انتهي كلام الإمام فخر الدين الرازي؛

 

فنقول: أولاً: القصة الطويلة التي أوردها الإمام فخر الدين الرازي قصة خرافية، لم يأت بها الوحي، ولم ترد برواية جمع من شهود العيان العدول الذين يستحيل تواطؤهم على الكذب عمداً، أو الخطأ مصادفة، أي: بنقل التواتر: فالواجب أن يضرب بها عرض الحائط. والأرجح عندي أن الإمام فخر الدين الرازي إنما أورد هذه الخرافة لبيان تناقضها، وليس لاعتمادها أو الاحتجاج بها؛

 

وثانياً: قول الإمام فخر الدين الرازي في حجته الأولى: [القول بربوبية النجم كفر بالإجماع؛ والكفر لا يجوز على الأنبياء بالاتفاق]، أخطاء متراكمة:

(أ) - نعم: القول – بمعنى (الاعتقاد) - بربوبية النجم كفر بالإجماع، ولكن إبراهيم ما كان معتقداً لربوبية النجم أصلاً؛

(ب) - لا معنى لجملة: (والكفر لا يجوز على الأنبياء بالاتفاق):

(1)- لأن هذا كان – ضرورة – قبل أن ينبأ إبراهيم؛

(ب)- والنبي قد ينسلخ من النبوة، فيكفر بذلك: فهو ليس نبياً حينئذ. وليس هذا محال عقلاً، ولكن لا بد أن يقيم الله البرهان اليقيني القاطع للعذر على ذلك حتى لا يختل البلاغ عن الله. وهذا هو الذي وقع في قصة بلعام بن باعوراء، إن صح أنه كان نبياً، إذ صرَّح هو بنفسه حال نبوته، وقبل انسلاخه، أنه لا يستطيع – عصبية لقومه - مواجهة موسى وقومه، والدعاء عليهم، وإلا باء بغضب من الله: فأخبر بالحق حال عصمته، وبين كيفية انتهاء النبوة والعصمة: ثم فعلها المجرم البائس!

 

وثالثاً: قوله في الحجة الثانية: [أن إبراهيم عليه السلام كان قد عرف ربه قبل هذه الواقعة بالدليل والدليل على صحة ما ذكرناه أنه تعالى أخبر عنه أنه قال قبل هذه الواقعة لأبيه آزر: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْراهِيمُ لاِبِيهِ ءازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً ءالِهَة ً ... الآية﴾، (الأنعام 74)]، خطأ أيضاً: فغاية ما تنص عليه الآية أنه رفض أن تكون (التماثيل) قائمة مقام الآلهة، فقط لا غير. أما وجود الآلهة السماوية المتعالية، أو عدم وجودها، ثم معرفة الرب الواحد، فهو أمر معلق على البحث والنظر، كما جاء بعد ذلك فوراً؛

 

ورابعاً: قوله في الحجة الثالثة: [أنه تعالى حكى عنه أنه دعا أباه إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام بالرفق حيث قال لأبيه: ﴿يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً (مريم 42) وحكى في هذا الموضع أنه دعا أباه إلى التوحيد وترك عبادة الأصنام بالكلام الخشن واللفظ الموحش ومن المعلوم]: زعم مجرد:

(أ) - فسياق سورة مريم: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50)﴾، (مريم؛ 20: 41 – 51): يدل على أن الحوار فيها متأخر جداً قبيل هجرة إبراهيم؛

(ب) - ليس في سياق سورة الأنعام كلام خشن، فقوله: ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ تقرير لواقع؛ أما الكلام الخشن فهو كقول موسى لفرعون: ﴿... لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾، (الإسراء؛ 17: 102، 103)؛

(ج) - قوله: (والدعوة بالرفق مقدمة على الدعوة بالخشونة والغلظة)، زعم مجرد: نعم، هكذا أُمِر موسى أن يبدأ باللين. ولكننا لا ندري ما هو الشرع بالنسبة لغيره من الأنبياء: فدعوة نوح كانت تتقلب من السر إلى الجهر، ثم إلى السر؛ ومن الليل والنهار؛ ودعوة لوط كانت على نسق واحد من الخشونة واللين؛

وخامساً: قوله في الحجة الرابعة: [هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن أراه الله ملكوت السموات والأرض حتى رأى من فوق العرش والكرسي وما تحتهما إلى ما تحت الثرى ... إلخ]، كلام فارغ، بني على حديث خرافة، كما ذكرنا تحت أولاً، إلا أن يكون قصد الإمام فخر الدين الرازي بيان سخف وتناقض تلك الأساطير والخزعبلات التي تداولها المفسرون.

 

* واستمر الإمام الفخر الرازي قائلاً في مفاتيح الغيب [ترقيم الشاملة موافق للمطبوع (13/40)]: [الحجة الخامسة: أن دلائل الحدوث في الأفلاك ظاهرة من خمسة عشر وجهاً وأكثر ومع هذه الوجوه الظاهرة كيف يليق بأقل العقلاء نصيباً من العقل والفهم أن يقول بربوبية الكواكب فضلاً عن أعقل العقلاء وأعلم العلماء؛

الحجة السادسة: أنه تعالى قال في صفة إبراهيم عليه السلام إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (الصافات 84) وأقل مراتب القلب السليم أن يكون سليماً عن الكفر؛ وأيضاً مدحه فقال وَلَقَدْ ءاتَيْنَا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (الأنبياء 51) أي آتيناه رشده من قبل من أول زمان الفكرة وقوله وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ أي بطهارته وكماله؛ ونظيره قوله تعالى اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ (الأنعام 124)؛

الحجة السابعة: قوله وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ أي وليكون بسبب تلك الإراءة من الموقنين؛ ثم قال بعده فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ والفاء تقتضي الترتيب فثبت أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن صار إبراهيم من الموقنين العارفين بربه؛

الحجة الثامنة: أن هذه الواقعة إنما حصلت بسبب مناظرة إبراهيم عليه السلام مع قومه والدليل عليه أنه تعالى لما ذكر هذه القصة قال وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتَيْنَاهَا إِبْراهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ولم يقل على نفسه فعلم أن هذه المباحثة إنما جرت مع قومه لأجل أن يرشدهم إلى الإيمان والتوحيد لا لأجل أن إبراهيم كان يطلب الدين والمعرفة لنفسه؛

الحجة التاسعة: أن القوم يقولون إن إبراهيم عليه السلام إنما اشتغل بالنظر في الكواكب والقمر والشمس حال ما كان في الغار وهذا باطل لأنه لو كان الأمر كذلك فكيف يقول إِلَاهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ مع أنه ما كان في الغار لا قوم ولا صنم؛

الحجة العاشرة: قال تعالى وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونّى في اللَّهِ وكيف يحاجونه وهم بعد ما رأوه وهو ما رآهم وهذا يدل على أنه عليه السلام إنما اشتغل بالنظر في الكواكب والقمر والشمس بعد أن خالط قومه ورآهم يعبدون الأصنام ودعوه إلى عبادتها فذكر قوله لا أُحِبُّ الاْفِلِينَ رداً عليهم وتنبيهاً لهم على فساد قولهم؛

الحجة الحادية عشر: أنه تعالى حكى عنه أنه قال للقوم وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ وهذا يدل على أن القوم كانوا خوفوه بالأصنام كما حكى عن قوم هود عليه السلام أنهم قالوا له إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ ءالِهَتِنَا بِسُوء (هود 54) ومعلوم أن هذا الكلام لا يليق بالغار؛

الحجة الثانية عشرة: أن تلك الليلة كانت مسبوقة بالنهار ولا شك أن الشمس كانت طالعة في اليوم المتقدم ثم غربت فكان ينبغي أن يستدل بغروبها السابق على أنها لا تصلح للإلهية وإذا بطل بهذا الدليل صلاحية الشمس للإلهية بطل ذلك أيضاً في القمر والكوكب بطريق الأولى هذا إذا قلنا إن هذه الواقعة كان المقصود منها تحصيل المعرفة لنفسه أما إذا قلنا المقصود منها إلزام القوم وإلجاؤهم، فهذا السؤال غير وارد لأنه يمكن أن يقال أنه إنما اتفقت مكالمته مع القوم حال طلوع ذلك النجم ثم امتدت المناظرة إلى أن طلع القمر وطلعت الشمس بعده وعلى هذا التقدير فالسؤال غير وارد]، انتهي كلام الإمام فخر الدين الرازي؛

 

فنقول: سادساً: قول الإمام فخر الدين الرازي في حجته الخامسة: [أن دلائل الحدوث في الأفلاك ظاهرة من خمسة عشر وجهاً وأكثر ...إلخ، إلى أن قال: فضلاً عن أعقل العقلاء وأعلم العلماء]، تهويل لا معنى له: فإبراهيم كان بحق من أعقل العقلاء، راشداً يستعمل عقله لطلب (العلم)، فهو في أول الطلب: فلا يلزم أن يكون قد تحصل آنذاك على الـ(خمسة عشر وجهاً وأكثر) لإثبات حدوث الأفلاك، التي عرفها الرازي الذي جاء بعد إبراهيم بأكثر من ثلاث آلاف سنة تطورت وتراكمت فيها المعارف المنطقية والفلسفية والطبيعية والكلامية. ونحن نعلم بذلك علما قطعياً في زماننا هذا، بل ونحسب أعمار الأفلاك؛

 

سابعاً: قوله في حجته السادسة مبالغاً في مدح إبراهيم: [أنه تعالى قال في صفة إبراهيم عليه السلام إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (الصافات 84) وأقل مراتب القلب السليم أن يكون سليماً عن الكفر؛ وأيضاً مدحه فقال وَلَقَدْ ءاتَيْنَا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (الأنبياء 51) أي آتيناه رشده من قبل من أول زمان الفكرة وقوله: ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾، أي بطهارته وكماله؛ ...إلخ]، قليل المحصول: فقد بينا في ردنا على الشنقيطي أن إبراهيم ما كان مشركا قط، حيث قلنا، قبل قليل، نصاً: [حتى لو كان إبراهيم يظنُّ ربوبية الكوكب، وهو قد بلغ سن التكليف، لا سيما أنه ليس من المخاطبين بواسطة رسول سابق، لأنه جاء قطعاً على فترة من الرسل، ولعله لم يعلم بوجود رسل أصلاً إلا بعد أن جاء الوحي، وأخبره بالرسل السابقين (والمعاصرين، إن كان هناك رسل معاصرون عند أمم أخرى)]؛ وقول الرازي: [وقوله: ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾، أي بطهارته وكماله]، تحكم لا معنى له: فالله عالم بكافة أحوال إبراهيم، وليس فقط بطهارته وكماله؛ وفي هذا السياق: ﴿وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ فالقوي الراجح انه يعني: عالمين باستغرابه عكوف أبيه وقومه على تماثيل منحوتة؛

 

ثامناً: قوله في حجته السابعة: [...والفاء تقتضي الترتيب فثبت أن هذه الواقعة إنما وقعت بعد أن صار إبراهيم من الموقنين العارفين بربه]، فخطأ عجيب، يدل على غلبة العجمة على الإمام فخر الدين الرازي: لأن عبارة (وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) إنما هي لبيان الغاية، وليست حدثاً يمكن ترتيبه زمنياً بعد سابقه، وقبل لاحقه. فلو كان هذا مراد الله لقال، مثلاً: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فأصبح مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً ...)؛

 

تاسعاً: قوله في حجته الثامنة: [أن هذه الواقعة إنما حصلت بسبب مناظرة إبراهيم عليه السلام مع قومه والدليل عليه أنه تعالى لما ذكر هذه القصة قال وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتَيْنَاهَا إِبْراهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ولم يقل على نفسه فعلم أن هذه المباحثة إنما جرت مع قومه لأجل أن يرشدهم إلى الإيمان والتوحيد لا لأجل أن إبراهيم كان يطلب الدين والمعرفة لنفسه]، خطأ فادح آخر، نشأ من انتزاع النصوص من سياقها: تأمل قوله، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ .. الآيات﴾، فهذا كلام مستأنف جديد، بعد انتهاء النظر والاستدلال، إما فوراً، أو بعد زمن طويل، والأرجح أن الله اصطفاه نبياً رسولاً آنذاك: فالحجة التي أوتيها إبراهيم على قومه هي، ضرورة، قوله: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ * ... الآيات﴾، وليست هي دراسة أفول الأجرام السماوية، وإثبات بطلان ربوبيتها؛

 

عاشراً: الحجة التاسعة للإمام فخر الدين الرازي، وكذلك العاشرة والحادية عشر إنما هي لإبطال قصة الغار وبيان تناقضها؛

 

حادي عشر: ما أورده الإمام فخر الدين الرازي من الاعتراض على كون إبراهيم كان مستدلاً، حيث قال: [أن تلك الليلة كانت مسبوقة بالنهار ولا شك أن الشمس كانت طالعة في اليوم المتقدم ثم غربت فكان ينبغي أن يستدل بغروبها السابق على أنها لا تصلح للإلهية وإذا بطل بهذا الدليل صلاحية الشمس للإلهية بطل ذلك أيضاً في القمر والكوكب بطريق الأولى هذا إذا قلنا إن هذه الواقعة كان المقصود منها تحصيل المعرفة لنفسه] كان ربما صلح للاستدلال لو كان ترتيب الآلهة عند قوم إبراهيم هكذا: (الشمس، فالقمر ثم الكواكب)، كما هو في ذهن الرازي، وفق تفكيره المنطقي. ولكن الواقع التاريخي ينقض هذا: فالمريخ أو المشتري أو حتى زحل كان أكبر الآلهة عند الكلدانيين؛ والمشتري كان أكبرها عند اليونان والرومان. فلا عجب أن يبدأ إبراهيم بالنظر في (كبير الآلهة) المزعوم عند قومه أولاً: فليس في هذه الجزئية ما يرجح كونه مستدلاً ناظراً، أو مناظراً مجادلاً.

 

* واختتم الإمام الفخر الرازي قائلاً في مفاتيح الغيب [ترقيم الشاملة موافق للمطبوع (13/41)]: [فثبت بهذه الدلائل الظاهرة أنه لا يجوز أن يقال إن إبراهيم عليه السلام قال على سبيل الجزم هذا ربي وإذا بطل هذا بقي ههنا احتمالان، الأول: أن يقال هذا كلام إبراهيم عليه السلام بعد البلوغ ولكن ليس الغرض منه إثبات ربوبية الكوكب بل الغرض منه أحد أمور سبعة:

الأول: أن يقال إن إبراهيم عليه السلام لم يقل هذا ربي على سبيل الأخبار بل الغرض منه أنه كان يناظر عبدة الكوكب وكان مذهبهم أن الكوكب ربهم وإلههم فذكر إبراهيم عليه السلام ذلك القول الذي قالوه بلفظهم وعبارتهم حتى يرجع إليه فيبطله ومثاله أن الواحد منا إذا ناظر من يقول بقدم الجسم فيقول الجسم قديم فإذا كان كذلك فلم نراه ونشاهده مركباً متغيراً فهو إنما قال الجسم قديم إعادة لكلام الخصم حتى يلزم المحال عليه فكذا ههنا قال هَاذَا رَبّى والمقصود منه حكاية قول الخصم ثم ذكر عقيبه ما يدل على فساده وهو قوله لا أُحِبُّ الاْفِلِينَ وهذا الوجه هو المتعمد في الجواب والدليل عليه أنه تعالى دل في أول الآية على هذه المناظرة بقوله تعالى وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتَيْنَاهَا إِبْراهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ؛

والوجه الثاني: في التأويل أن نقول قوله هَاذَا رَبّى معناه هذا ربي في زعمكم واعتقادكم ونظيره أن يقول الموحد للمجسم على سبيل الاستهزاء أن إلهه جسم محدود أي في زعمه واعتقاده قال تعالى وَانظُرْ إِلَى إِلَاهِكَ الَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً (طه 97) وقال تعالى وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِى َ (القصص 62) وكان صلوات الله تعالى عليه يقول (يا إله الآلهة) والمراد أنه تعالى إله الآلهة في زعمهم وقال ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (الدخان 49) أي عند نفسك؛

والوجه الثالث: في الجواب أن المراد منه الاستفهام على سبيل الإنكار إلا أنه أسقط حرف الاستفهام استغناء عنه لدلالة الكلام عليه؛

والوجه الرابع: أن يكون القول مضمراً فيه والتقدير قال يقولون هذا ربي وإضمار القول كثير كقوله تعالى وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا (البقرة 127) أي يقولون ربنا وقوله وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَى لِيُقَرّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى (الزمر 3) أي يقولون ما نعبدهم فكذا ههنا التقدير إن إبراهيم عليه السلام قال لقومه يقولون هذا ربي أي هذا هو الذي يدبرني ويربيني؛

والوجه الخامس: أن يكون إبراهيم ذكر هذا الكلام على سبيل الاستهزاء كما يقال لذليل ساد قوماً هذا سيدكم على سبيل الاستهزاء؛

الوجه السادس: أنه، صلى الله عليه وسلم، أراد أن يبطل قولهم بربوبية الكواكب إلا أنه عليه السلام كان قد عرف من تقليدهم لأسلافهم وبعد طباعهم عن قبول الدلائل أنه لو صرح بالدعوة إلى الله تعالى لم يقبلوه ولم يلتفتوا إليه فمال إلى طريق به يستدرجهم إلى استماع الحجة وذلك بأن ذكر كلاماً يوهم كونه مساعداً لهم على مذهبهم بربوبية الكواكب مع أن قلبه صلوات الله عليه كان مطمئناً بالإيمان ومقصوده من ذلك أن يتمكن من ذكر الدليل على إبطاله وإفساده وأن يقبلوا قوله وتمام التقرير أنه لما يجد إلى الدعوة طريقاً سوى هذا الطريق وكان عليه السلام مأموراً بالدعوة إلى الله كان بمنزلة المكره على كلمة الكفر ومعلوم أن عند الإكراه يجوز إجراء كلمة الكفر على اللسان قال تعالى إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ (النحل 106) فإذا جاز ذكر كلمة الكفر لمصلحة بقاء شخص واحد فبأن يجوز إظهار كلمة الكفر لتخليص عالم من العقلاء عن الكفر والعقاب المؤبد كان ذلك أولى وأيضاً المكره على ترك الصلاة لو صلى حتى قتل استحق الأجر العظيم ثم إذا جاء وقت القتال مع الكفار وعلم أنه لو اشتغل بالصلاة انهزم عسكر الإسلام فههنا يجب عليه ترك الصلاة والاشتغال بالقتال حتى لو صلى وترك القتال أثم ولو ترك الصلاة وقاتل استحق الثواب بل نقول أن من كان في الصلاة فرأى طفلاً أو أعمى أشرف على غرق أو حرق وجب عليه قطع الصلاة لإنقاذ ذلك الطفل أو ذلك الأعمى عن ذلك البلاء فكذا ههنا أن إبراهيم عليه السلام تكلم بهذه الكلمة ليظهر من نفسه موافقة القوم حتى إذا أورد عليهم الدليل المبطل لقولهم كان قبولهم لذلك الدليل أتم وانتفاعهم باستماعه أكمل ومما يقوي هذا الوجه أنه تعالى حكى عنه مثل هذا الطريق في موضع آخر وهو قوله فَنَظَرَ نَظْرَة ً في النُّجُومِ فَقَالَ إِنّى سَقِيمٌ فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ (الصافات 88 90) وذلك لأنهم كانوا يستدلون بعلم النجم على حصول الحوادث المستقبلة فوافقهم إبراهيم على هذا الطريق في الظاهر مع أنه كان بريئاً عنه في الباطن ومقصوده أن يتوسل بهذا الطريق إلى كسر الأصنام فإذا جازت الموافقة في الظاهر ههنا مع أنه كان بريئاً عنه في الباطن فلم لا يجوز أن يكون في مسألتنا كذلك.

وأيضاً المتكلمون قالوا إنه يصح من الله تعالى إظهار خوارق العادات على يد من يدعى الإلهية لأن صورة هذا المدعي وشكله يدل على كذبه فلا يحصل فيه التلبيس بسبب ظهور تلك الخوارق على يده ولكن لا يجوز إظهارها على يد من يدعي النبوة لأنه يوجب التلبيس فكذا ههنا وقوله هَاذَا رَبّى لا يوجب الضلال لأن دلائل بطلانه جلية وفي إظهاره هذه الكلمة منفعة عظيمة وهي استدراجهم لقبول الدليل فكان جائزاً والله أعلم

الوجه السابع: أن القوم لما دعوه إلى عبادة النجوم فكانوا في تلك المناظرة إلى أن طلع النجم الدري فقال إبراهيم عليه السلام هَاذَا رَبّى أي هذا هو الرب الذي تدعونني إليه ثم سكت زماناً حتى أفل ثم قال لا أُحِبُّ الاْفِلِينَ فهذا تمام تقرير هذه الأجوبة على الاحتمال الأول وهو أنه صلوات الله عليه ذكر هذا الكلام بعد البلوغ

أما الاحتمال الثاني: وهو أنه ذكره قبل البلوغ وعند القرب منه فتقريره أنه تعالى كان قد خص إبراهيم بالعقل الكامل والقريحة الصافية فخطر بباله قبل بلوغه إثبات الصانع سبحانه فتفكر فرأى النجم فقال هَاذَا رَبّى فلما شاهد حركته قال لا أُحِبُّ الاْفِلِينَ ثم إنه تعالى أكمل بلوغه في أثناء هذا البحث فقال في الحال إِنّى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ فهذا الاحتمال لا بأس به؛ وإن كان الاحتمال الأول أولى بالقبول لما ذكرنا من الدلائل الكثيرة على أن هذه المناظرة إنما جرت لإبراهيم عليه السلام وقت اشتغاله بدعوة القوم إلى التوحيد والله أعلم]، انتهي كلام الإمام فخر الدين الرازي؛

فنقول: ختاماً: لعل القارئ الكريم قد مل وكل من التطويل في الرد على دقائق كلام الإمام فخر الدين الرازي، فلنكتفي ها هنا بأنه فاته احتمال ثالث، وهو صحيح، لا بأس به، ألا وهو أن هذا النظر والاستدلال إنما كان من إبراهيم بعد البلوغ: فحتى لو كان إبراهيم، وهو قد بلغ سن التكليف، يظنُّ ربوبية الكوكب، من غير اعتقاد أو يقين، فلا بأس بذلك، لا سيما أنه ليس من المخاطبين بواسطة رسول سابق، لأنه جاء قطعاً على فترة من الرسل، ولعله لم يعلم بوجود رسل أصلاً إلا بعد أن جاءه الوحي، وأخبره بمن شاء الله أن يقصه عليه من أخبار الرسل السابقين (والمعاصرين، إن كان هناك رسل معاصرون عند أمم أخرى).

 

ولا شك أن في قصة إبراهيم كما هي الآيات السابقات من العلوم والحكم ومواضع النزاع والنظر أكثر بكثير من هذا الذي وصلنا إليه باليسير من التأمل المستعجل، فلعلنا نعود إليها في مقامات أخرى.

حزب التجديد الإسلامي 2016