كتاب التوحيد - الباب السادس: التوحيد: ماهيته، وحقيقته

الفهرس

 

القسم الثاني: التوحيد – القواعد والأصول

الباب السادس: التوحيد: ماهيته، وحقيقته

فصل: أقسام (أو أنواع) التوحيد

فصل: معنى لفظة (رب)

فصل: الأصل اللغوي للفظة (إله)

فصل: استجلاء المعنى القرآني للفظة (إلاه)

فصل: إذاً، ما هو (الإله)؟!

فصل: ابطال المقولة الكاذبة: (الإله هو المعبود)، ونسفها من أساسها

فصل: هل (الإله) هو (المعبود بحق)؟!

فصل: هل (الإله) هو (المستحق للعبادة)؟!

فصل: ما هي (العِبَادة)؟!

فصل: (معادلات) قرآنية خطيرة الشأن

فصل: تحرير معنى (العِبَادة)

فصل: تناقضات تعاريف (الإله) و(العبادة) عند المعلمي

فصل: مزيد تحرير لعلاقة (الألوهية) بـ(الربوبية)

فصل: مثال توضيحي لـ(عبادة) مخصوصة

فصل: ملاحظات ختامية حول القسمة الثلاثية المشؤومة

فصل: فتوى مضلّلة لما يسمى بـ«هيئة كبار العلماء» في ما يسمَّى بـ«السعودية»

فصل: فتوى أخرى شنيعة نكراء لـ«الشيخ» محمد الصالح العثيمين

 

الباب السادس: التوحيد: ماهيته، وحقيقته

 

أسلفنا أن معنى (لا إله إلاّ الله) هو: لا شيء يتمتّع بصفات «الألوهيّة»، أي بالقدرة الذاتية، المستقلّة استقلالاً مطلقاً عن الغير، على الفعل، وبخاصة على أفعال الخلق من عدم؛ والتّصوير، والتّكوين، والتّدبير؛ والعلو والقهر؛ والأمر والنّهي، فعلاً بالاختيار والإرادة الذاتية المستقلة، الحرة الطليقة، المنزّهة عن كلّ قيد أو شرط، وليس فعلاً بالضرورة أو الاضطرار؛ لا شيء يتّصف بذلك إلاّ الله؛ وبما تقتضيه ضرورة العقل في حق (الإله) الحق من الاتصاف بـ«القيّوميّة» أي «وجوب الوجود»، أي القيام بالنّفس والغنى عن الغير؛ و(الأحدية) فلا يتبعض أو ينقسم أو يلد؛ و(الصمدية) فلا جوف ولا ثغرات أو خلل أو نقص، بل متانة وكمال مطلق؛ و(العلم الكلي) الشامل المحيط لما كان، وما يكون، وما يمكن أن يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون؛ و(القدرة الكلية) التي تتعلق بكل الممكنات؛ لا شيء يتّصف بشيء من ذلك إلاّ الله؛ وإن نسب بعض ذلك إلى غيره، فكذب وإفك، وخيال باطل ووهم، خلاف الواقع والحقيقة.

 

فالشّهادة، إذًا، هي إثبات كل خصائص (الألوهية) لله تعالى مجده، وتقدست أسماؤه؛ مع نفي لأي شيء من اعتبارات (الألوهية) عن غير الله نفياً باتًّا قاطعاً مطلقاً: فلا بُدّ من رفض كلّ «إله»، (أو كل «نِدٍّ» من دون الله، أو كلّ «رب من دون الله»)، والبراءة منه: أي (الكفر) به: وهذا هو (الكفر بالطاغوت).

 

وأثبتنا في الأبواب السابقة ثبوتاً يكاد يصل إلى درجة القطع واليقين تطابق المعنى التام للجمل الآتية، بالرغم من تباين ألفاظها: «أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ الله وَأَنّ مُحَمّدا رَسُولُ اللّهِ» = «أَنْ تُسْلِمَ وَجْهَكَ لِلَّهِ، وَتَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» = «تعبد الله ولا تشرك به شيئا» = «تعبد الله وتكفر بما دونه» = «توحد الله» = «(أن تُحَقِّقَ) عبادة الله، ومعرفة الله»؛ وذلك بإقامة البرهان أن تنوع الألفاظ والعبارات، مع تطابق المعنى التام للجمل الواردة فيها، إنما هو من نبي الله الخاتم المعصوم، عليه وعلى آله أزكى الصلوات وأتم التسليم.

 

فصل: أقسام (أو أنواع) التوحيد

التوحيد الإسلامي في حقيقته شيء واحد بسيط، ألا وهو: (شهادة أن لا إله إلاّ الله)، أي: إثبات كل خصائص (الألوهية) لله تعالى مجده، وتقدست أسماؤه؛ مع نفي لأي شيء من اعتبارات (الألوهية) عن غير الله نفياً باتًّا قاطعاً مطلقاً.

 

ولكن خرافات المشركين متعددة متداخلة مركبة، وهي مع ذلك مضطربة متناقضة، لذلك ربما احتاج أهل العلم إلى تقسم التوحيد إلى أقسام أو أنواع لمعالجة أنواع الشرك المختلفة، ولإخراج الناس من (ظلمات) الشرك إلى (نور) التوحيد. وعليه فلعلنا نقسم التوحيد إلى الأنواع التالية:

1. توحيد الذاتية الإلهيّة، وربما أسماه البعض: توحيد (الإِنِّيَّة)؛

2. توحيد الخالقيّة (الخلق، والتكوين، والتصوير، والإيجاد من عدم

3. توحيد الربوبية:

(أ)- توحيد الملك والتدبير والتصرف التكويني.

(ب)- توحيد الحاكمية والتشريع (= توحيد الملك والتدبير والتصرف التشريعي)؛

 

وقد يقول قائل: ما لكم أعرضتم عن القسمة الثلاثية الشهيرة: «توحيد الربوبية»، و«توحيد الألوهية»، و«توحيد الأسماء والصفات»؟! لا سيما أنها هي التي سارت بها الركبان، وساهمت الدولارات النفطية السعودية في تسويقها ونشرها بين الناس، وسلَّم لها أكثر الناس على أنها الحق اليقيني المبين، الذي بني، بزعمهم، على (استقراء) واسع لنصوص القرآن والسنة، وأقوال سلف الأمة، فأصبحت كأنها من البديهيات، أو كأنها نزلت من فوق سبع سماوات؛ اقرأ مثلاً:

* في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (1/2): [السؤال الأول من الفتوى رقم (8943): س1: ما هي أنواع التوحيد مع تعريف كل منها؟

ج1: أنواع التوحيد ثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات، فتوحيد الربوبية: هو إفراد الله تعالى بالخلق والرزق والإحياء والإماتة وسائر أنواع التصريف والتدبير لملكوت السموات والأرض، وإفراده تعالى بالحكم والتشريع بإرسال الرسل وإنزال الكتب، قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾؛ وتوحيد الألوهية: هو إفراد الله تعالى بالعبادة فلا يعبد غيره، ولا يدعى سواه، ولا يستغاث ولا يستعان إلا به، ولا ينذر ولا يذبح ولا ينحر إلا له، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾، وقال: ﴿فصل لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، وتوحيد الأسماء والصفات: هو وصف الله تعالى وتسميته بما وصف وسمى به نفسه وبما وصفه وسماه به رسوله، صلى الله عليه وسلم، في الأحاديث الصحيحة، وإثبات ذلك له من غير تشبيه ولا تمثيل ومن غير تأويل ولا تعطيل، ﴿ليس كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾]، انتهى.

* ونجد، أيضاً، في فتاوى نور على الدرب النصية (1/13): [كيف يحقق المسلم التوحيد؟ فأجاب رحمه الله تعالى: يحقق التوحيد بإخلاص شهادة أن لا إله إلا الله، أي لا معبود بحق إلا الله عز وجل، فكل ما عبد من دون الله فهو باطل، قال الله تبارك وتعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾. ويحقق التوحيد - وهو توحيد الاتباع - بالتزام سنة النبي، صلى الله عليه وسلم، ألا يحيد عنها يميناً ولا شمالاً، وألا يتقدمها إقبالاً، ولا يتأخر عنها إدباراً]، انتهى كلا الشيخ عبد العزيز بن باز، وفيه النص صراحة على المعادلة أو المساواة:

(*)- (الإله) = (المعبود) بحق.

 

* ونجد، أيضاً، في إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد لصالح بن فوزان الفوزان (3/243): [قول الشيخ رحمه الله: (بابُ مَنْ جَحَد شيئاً من الأسماء والصّفات)، أي: ما حكمُه؟، وما دليل ذلك؟. ومناسبة الباب: أنه لَمّا كان التّوحيد ثلاثة أنواع: توحيد الرُّبوبية، وتوحيد الأُلوهيّة، وتوحيد الأسماء والصّفات، وكان غالبُ هذا الكتاب في النّوع الثّاني وهو توحيد العبادة، لأن فيه الخُصومة بين الرُّسل والأُمم، وهو الذي كثرُ ذكره في القرآن الكريم وتقريرُه والدّعوة إليه، فهو الأساس، وهو معنى شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وهو الذي خلق الله الخلْق من أجله كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(56)﴾. وأما النّوع الأوّل وهو توحيد الرّبوبيّة: فهذا أكثرُ الأُمم مقرّة به، خصوصاً الذين كانوا في وقت نُزول القرآن من كُفّار قريش وكُفّار العرب كانوا مقرِّين بتوحيد الرّبوبيّة، فهم يعتقدون أنّ الله هو الخالق الرّازق، المحيي، المميت، المدبِّر يعترفون بذلك كما جاءت آياتٌ في القرآن الكريم تبيّن ذلك: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ(9)﴾، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾، ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ(88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾، هذا شيءٌ متقرِّر، ولكنّه لا يُدخِلُ في الإسلام، فمن أقرّ به واقتصر عليه ولم يقرّ بالنوع الثّاني وهو توحيد العبادة، ويأت به فإنه لا يكون مسلِماً ولو أقرّ بتوحيد الرّبوبيّة. أمّا النوع الثّالث: وهو توحيد الأسماء والصّفات، فهو في الحقيقة داخل في توحيد الربوبية. ومن أجل هذا؛ بعض العلماء يُجمِل ويجعل التوحيد نوعان: توحيدٌ في المعرفة والإثبات، وهو توحيد الرّبوبية والأسماء والصّفات وهو التوحيد العلمي. وتوحيد في الطّلب والقصد وهو التوحيد الطَّلَبي العملي، وهو توحيد الأُلوهيّة]؛ انتهى كلام صالح الفوزان، وهو من أئمة الوهابيين، وعضو (هيئة كبار العلماء) في ما يسمى المملكة العربية السعودية، وفيه النص صراحة على أمور، منها:

(1) - توحيد الأُلوهيّة = توحيد العبادة – وهذا لا يستقيم إلا بقبول المعادلة أو المساواة: (الإله) = (المعبود

(2) - كُفّار قريش وكُفّار العرب كانوا مقرِّين بتوحيد الرّبوبيّة، فهم يعتقدون أنّ الله هو الخالق الرّازق، المحيي، المميت، المدبِّر: فهذا التوحيد لا يكفي للدخول في الإسلام؛

 

* ونجد، التأكيد الجازم، مرة بعد مرة، بأن «توحيد الربوبية» لا يكفي للدخول في الإسلام في شرح العقيدة الطحاوية - عبدالعزيز الراجحي (ص: 7): [نَقُولُ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ مُعْتَقِدِينَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ: أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا شَيْءَ مِثْلُهُ.

ثانيا: الإيمان بربوبية الله واعتقاد أن الله هو الرب وغيره مربوب، فهو الرب هو رب العباد وغيره مربوب كما قال سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ ربِّ الْعَالَمِينَ (2)﴾ هو رب العالمين، وكل ما سوى الله عالم، والله تعالى رب هؤلاء العالم، وغيره مربوب.

ثالثا: إثبات أن الله هو الخالق وغيره مخلوق، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾.

رابعا: اعتقاد أو إثبات أن الله هو المالك وغيره مملوك، فهو مالك كل شيء وغيره مملوك. خامسا: اعتقاد وإثبات أن الله هو المدبر وغيره مدبَّر، فهو مدبر الخلق وهو المحيي وهو المميت وهو الرازق وهو الرزاق، وهو منزل المطر، مسبب الأسباب، يحيي ويميت، ويعز ويذل، ويخفض ويرفع، ويقبض ويبسط، فهو مدبِّر سبحانه وغيره مدبَّر.

بهذا يكون الإنسان وحد الله في ربوبيته، أثبت وجود الله واعتقد أن الله واجب الوجود لذاته، وأثبت ربوبية الله واعتقد أنه هو الرب وغيره مربوب، وأثبت أن الله هو الخالق وغيره المخلوق، وأثبت أن الله هو المالك وغيره المملوك، وأثبت أن الله هو المدبِّر وغيره المدبر، ومع ذلك لا يكفي هذا التوحيد في الإيمان والنجاة من النار، ولا يكون الإنسان مسلما بهذا التوحيد. هذا النوع من التوحيد أقر به الكفار، مشركو قريش. قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾؛ ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ يقول سبحانه: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85)﴾ ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87)﴾ ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89)﴾ ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31)﴾. إذن هذا النوع من التوحيد أقر به كفار قريش، ومع ذلك لم يدخلوا في الإسلام، بل قاتلهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، واستحل دماءهم وأموالهم؛ لأنهم لم يأتوا بلازمه وهو توحيد الألوهية والعبادة.

الثاني: توحيد الأسماء والصفات، وهو الإيمان والإقرار بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا التي ثبتت بالكتاب والسنة، والإيمان بها وإثباتها لله على ما يليق بجلاله وعظمته من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. والأسماء والصفات توقيفية ليس لأحد أن يخترع لله أسماء وصفات من عند نفسه، بل الأسماء والصفات توقيفية، ما ثبت بالكتاب والسنة أنه اسم لله أو وصف أثبتناه له، وما لم يثبت بالكتاب والسنة نتوقف لا نثبته، فلا بد من الإيمان والإقرار والعلم بما لله من الأسماء والصفات على الوجه اللائق بالله عز وجل من غير تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل. وهذا النوع أيضا من التوحيد أقر به كفار قريش، كانوا يقرون، كان المشركون يقرون بجنس هذا النوع، ولم يوجد عندهم منهم إنكار لشيء من الأسماء والصفات إلا في اسم الرحمن خاصة، فأنزل الله ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾. ولما أمر النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يكتب الكتاب في صلح الحديبية وقال للكاتب: (اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. قال سهيل الذي صالح النبي، صلى الله عليه وسلم، بالمشركين: اكتب باسمك اللهم، فإننا لا نعرف الرحمن ولا الرحيم). قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله -: والظاهر أن إنكارهم لاسم الرحمن إنما هو من باب التعنت والعناد، وإلا فقد وجد في أشعار الجاهلية ما يثبت اسم الرحمن لله عز وجل كما قال الشاعر: (وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق)، فإنكارهم للرحمن من باب التعنت والعناد، ولم يعرف عنهم إنكار شيء منها من الأسماء إلا في اسم الرحمن خاصة، وهذا النوع من التوحيد وهو توحيد الأسماء والصفات لا يكفي بالإيمان والإسلام، ولا يدخل الإنسان في الإسلام حتى يقر بلازمه، وهو توحيد الألوهية والعبادة. يعني هذا النوع من التوحيد وهو توحيد الأسماء والصفات كالنوع السابق كتوحيد الربوبية لا يكفي في كون الإنسان مسلما مؤمنا موحدا، ولكن في نجاته من النار ودخول الجنة حتى يوحد الله في ألوهيته.

النوع الثالث: توحيد الألوهية والعبادة، وهو توحيد الله بأفعال العباد.

النوع الأول: وهو توحيد الربوبية توحيد الله بأفعال الرب، الخلق والرزق والإماتة والإحياء هذه أفعال الله، فأنت توحد الله بأفعاله هو، توحيد الله بأفعاله، توحيد الربوبية توحيد الله بأفعاله.

أما توحيد الألوهية فهو توحيد الله بأفعال العباد بأفعالك أنت أيها الإنسان من صلاة وزكاة وصوم وحج وبر للوالدين وصلة للرحم، هذه أفعالك أنت وأمر بمعروف ونهي عن منكر وكف نفسك عن المحرمات تتقرب بها إلى الله، توحد الله بها بأن تتقرب إلى الله، وتخلصها لله، وتريد بها وجه الله والدار الآخرة، هذا هو توحيد العبادة.

وتوحيد العبادة هو أول دعوة الرسل وآخرها، وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله، وهو أول دعوة الرسل وآخرها كما أخبر الله تعالى عن الأنبياء. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾.

هذا التوحيد توحيد الألوهية هو أول الدين وآخره، وظاهره وباطنه، وأول دعوة الرسل وآخرها، وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله، وأول ما يدخل به المسلم في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا كما قال النبي، صلى الله عليه وسلم، في الحديث الصحيح: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة). وهذا التوحيد لأجله خلق الله الخليقة، ولأجله أرسل الله الرسل، ولأجله أنزل الله الكتب، ولأجله قام سوق الجهاد، ولأجله حقت الحاقة، ولأجله وقعت الواقعة، ولأجله انقسم الناس إلى شقي وسعيد، إلى كفار ومؤمنين، وهذا التوحيد هو الغاية المحبوبة لله والمرضية له، هو الغاية المحبوبة لله، والغاية التي ترضي الله عز وجل هذا التوحيد. وهذا التوحيد هو الذي وقعت فيه الخصومة بين الأنبياء والرسل في قديم الدهر وحديثه، الأنبياء والرسل إنما نازعهم وخاصمهم مخاصمة منهم في هذا التوحيد، بخلاف توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات فهما توحيدان فطريان قد أقر بهما جميع الخلق إلا من شذ، إلا بعض الطوائف التي شذت وانتكست فطرتها، وعميت بصيرتها. وإلا فجميع الخلائق يقرون بتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، والنزاع والخصومة بين الأنبياء والرسل في هذا التوحيد، وهو توحيد الألوهية والعبادة، والتوحيد توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات هما الوسيلة والغاية تفيد العبادة والألوهية.

توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات أن تعرف ربك، وتعلم ربك بأسمائه وصفاته وأفعاله فإذا عرفت ربك عبدته، وتقربت إليه، وأخلصت العبادة له، فتوحيد الربوبية والأسماء والصفات أن تعلم ربك بأسمائه، وتعرف ربك بأسمائه وصفاته وأفعاله، تعرف معبودك ثم تعبده وتخلص له العبادة.

ومن العلماء من قسم التوحيد إلى قسمين، كشيخ الإسلام وابن القيم قالوا: التوحيد ينقسم إلى قسمين، وهذا التقسيم بالنسبة إلى الخبر والإنشاء، بالنسبة إلى الخبر والإنشاء قالوا: ينقسم إلى قسمين:

القسم الأول: توحيد في المعرفة والإثبات.

والقسم الثاني: توحيد في الطلب والقصد، توحيد في المعرفة والإثبات وهذا يشمل توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، يقال له توحيد في المعرفة والإثبات، ويقال له التوحيد القولي، ويقال له التوحيد الاعتقادي، ويقال له التوحيد العلمي الخبري.

والثاني: توحيد الإرادة والطلب وهو توحيد العبادة.

قال العلماء: إن التوحيد الأول وهو التوحيد في المعرفة والإثبات كما ذكر العلامة ابن القيم - رحمه الله - وغيره هو إثبات حقيقة ذات الرب وأسمائه وصفاته وأفعاله، وإثبات عموم قضائه وقدره وحكمته، وقد أفصح القرآن عن هذا النوع كل الإفصاح، كما في أول سورة الحديد، وسورة طه، وآخر سورة الحشر، وأول سورة الم تنزيل السجدة، وسورة الإخلاص بكمالها. وكما في قوله - سبحانه وتعالى -: ﴿قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)﴾]؛ انتهى كلام عبدالعزيز الراجحي، وهو من أقطاب الوهابية المعاصرين، وقد زادنا أن:

(1) - توحيد الأُلوهيّة = توحيد العبادة = توحيد الله بأفعال العباد (بأفعالك أنت أيها الإنسان (من صلاة وزكاة وصوم وحج وبر للوالدين وصلة للرحم، هذه أفعالك أنت وأمر بمعروف ونهي عن منكر وكف نفسك عن المحرمات تتقرب بها إلى الله، توحد الله بها بأن تتقرب إلى الله، وتخلصها لله، وتريد بها وجه الله والدار الآخرة، هذا هو توحيد العبادة)؛

(2) - كفار قريش كانوا مقرين بـ«توحيد الأسماء والصفات»، باستثناء شغب محدود، من باب المكابرة والعناد، حول اسم (الرحمن)!!

(3) - توحيد الألوهية هو أول الدين وآخره، وظاهره وباطنه، وأول دعوة الرسل وآخرها، وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله، وأول ما يدخل به المسلم في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا؛

 

 * ونجد، أيضاً، في "الانتصار لأهل السنة والحديث في رد أباطيل حسن المالكي"، لعبد المحسن بن حمد العباد البدر (ص: 181) تأكيد لما سلف، وزيادة الزعم بأنه بني على (الاستقراء) الواسع لنصوص الكتاب والسنَّة: [أقسام التوحيد عند أهل السنَّة ثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. فتوحيد الألوهية: توحيد الله بأفعال العباد، كالدعاء والاستغاثة والاستعاذة والذبح والنذر وغيرها من أنواع العبادة، كلُّها يجب على العباد أن يخصُّوا الله تعالى بها، وأن لا يجعلوا له فيها شريكاً. وتوحيد الربوبية: هو توحيد الله بأفعاله، كالخلق والرَّزق والإحياء والإماتة والتصرف في الكون، وغير ذلك من أفعال الله التي هو مختصٌّ بها، لا شريك له فيها. وتوحيد الأسماء والصفات: هو إثبات ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله من الأسماء والصفات على وجه يليق بكمال الله وجلاله، من غير تمثيل أو تكييف، ومن غير تحريف أو تعطيل. وهذا التقسيم لأنواع التوحيد عُرف بالاستقراء من نصوص الكتاب والسنَّة، ويتَّضح ذلك بأوَّل سورة في القرآن وآخر سورة؛ فإنَّ كلاًّ منهما مشتملةٌ على أنواع التوحيد الثلاثة.

فأمَّا سورة الفاتحة، فإنَّ الآيةَ الأولى منها، وهي ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ مشتملةٌ على هذه الأنواع، فإنَّ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فيها توحيد الألوهية؛ لأنَّ إضافةَ الحمد إليه من العباد عبادةٌ، وفي ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إثباتُ توحيد الربوبيَّة، والعالَمون هم كلُّ مَن سوى الله؛ فإنَّه ليس في الوجود إلاَّ خالق ومخلوق، والله الخالق وكلُّ مَن سواه مخلوق، و(الله) و(الربُّ) اسمان لله. وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مشتملٌ على توحيد الأسماء والصفات، و﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسمان من أسماء الله يدلاَّن على صفة من صفات الله، وهي الرحمة، وأسماءُ الله كلُّها مشتقَّةٌ، وليس فيها اسمٌ جامد، وكلُّ اسم من الأسماء يدلُّ على صفة من صفاته. وقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فيه إثبات توحيد الربوبية. وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فيه إثبات توحيد الألوهية. وقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فيه إثبات توحيد الألوهية. وأمَّا سورة الناس فقوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ فيه إثبات أنواع التوحيد الثلاثة؛ فإنَّ الاستعاذة بالله من توحيد الألوهية. و﴿بِرَبِّ النَّاسِ﴾ فيه إثبات توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وهو مثل قول الله عزَّ وجلَّ في أول سورة الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وقوله: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ فيه إثبات الربوبية والأسماء والصفات. و﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ فيه إثبات الألوهية والأسماء والصفات. وللابن عبد الرزاق ـ حفظه الله ووفقه لكلِّ خير ـ في ذلك رسالة مفيدة بعنوان: ((القول السديد في الردِّ على من أنكر تقسيم التوحيد))]؛ انتهى كلام عبد المحسن بن حمد العباد البدر، وفيه التأكيد على أن هذا التقسيم الثلاثي للتوحيد إنما (عُرف بالاستقراء

 * وإليك كلام ابنه عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر في القول السديد في الرد على من أنكر تقسيم التوحيد (ص: 20): [قال الكاتب (حسن بن علي السقاف) ص 3: (فهذا جزء لطيف ومنار منيف أثبت فيه إبطال التثليث في تقسيم التوحيد إلى توحيد ألوهية وتوحيد ربوبية وتوحيد أسماء وصفات …). قلت: إنَّ التثليث عقيدة نصرانية خبيثة تقوم على أساس جعل الآلهة ثلاثة وهم: الأب والابن وروح القدس، وقد كفَّرهم الله بها في محكم تنزيله حيث قال سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الذِينَ قَالُوا إَنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَنَّ الذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. أما تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات، أو إلى قسمين: توحيد معرفة وإثبات وهو توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد إرادة وطلب وهو توحيد الألوهية، فهذه عقيدة المسلمين قاطبة، المؤمنين بكتاب الله وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم، سوى المبتدعة الضُّلاَّل. والمراد بتوحيد الربوبية: الاعتقاد الجازم بأنَّ الله وحده الخالق الرازق المحيي المميت المدبر لشئون خلقه كلها لا شريك له في ذلك. والمراد بتوحيد الألوهية: إفراد الله وحده بالخضوع والذل والمحبة والخشوع وسائر أنواع العبادة لا شريك له. والمراد بتوحيد الأسماء والصفات: الإيمان الجازم بأسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة، وإثباتها دون تحريف أو تعطيل أو تكييف أو تمثيل]؛ انتهى كلام عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر، وفيه تأكيد بأن القسمة الثلاثية – كما تقدمها الفرقة الوهابية – هي عقيدة المسلمين قاطبة، سوى المبتدعة الضُّلاَّل(!!).

 

ولعل فيما أوردنا من نصوص أئمة الفرقة الوهابية – بأحرفها، وبكل دقة - كفاية لبيان حقيقة أقوالهم، لذلك نقول: وبالله التوفيق: هذه القسمة الثلاثية للتوحيد إلى: «توحيد الربوبية»، و«توحيد الألوهية»، و«توحيد الأسماء والصفات»، قسمة سقيمة ساقطة، بل مضللة خطيرة، لذلك قررنا هجرها البتّة، لأنها:

(1)- مغلوطة باطلة، لعدم مجانسة مضمونها لمعاني الألفاظ المستخدمة فيها، لا في اللغة العربية الفصحى التي نزل بها القرآن، ولا في العرف الشرعي الذي هو دوماً مقدّم على العرف اللغوي؛ وفيما يخص (الألوهية) فإنها تستلزم أن يكون (الإله) هو (المعبود)، ضرورة ولا بد؛ وهذا من أقوال الكفر، والعياذ بالله، كما سيأتي البرهنة عليه بقواطع الأدلة بعد قليل، بإذن الله؛

(2)- ومضللة كاذبة لأنها لا تصف واقع شرك العرب على حقيقته، بل تكابر وتزعم أن العرب لم يكن لديهم – في الجملة – شرك في الربوبية، وهو إنكار لما علم بضرورة التواتر من التاريخ، وهذا هوس وجنون؛ ويوجب معاندة القرآن، وتكذيبه: وهذا كفر أيضاً؛

(3)- ومنكوسة حيث يتم تقديم الربوبية على الألوهية لأن الربوبية تستلزم الألوهية بزعمهم، وليس العكس؛

(4)- وغير منضبطة، لتداخل أقسامها؛

(5)- ولا مانعة حاصرة، لإدخالها في (التوحيد) ما ليس منه؛

(6)- ولا جامعة لخروج أقسام مهمة من (التوحيد) منها؛

(7)- ولِما ترتّب عليها من الإفك العظيم بتكفير أهل الإسلام، والإثم الجسيم بسل السيف عليهم، وسفك دمائهم؛ ولِما ترتّب عليها من إشكالات أخرى، لا تكاد تنحصر.

 

ويتضح تماماً أصل خلل القسمة الثلاثية، وبطلانها اليقيني، إذا استقرأنا معاني اللفظين: «رب»، و«إله»، كما جاءت في الكتاب العزيز، وكما استخدمها العرب الفُصحاء زمن نزول القرآن، الذي نزل بلسانهم.

 

فصل: معنى لفظة (رب)

أما «الرب» فهو لفظ يأتي في العربية بمعنيين:

(1) السيد، أي المتصرّف المدبّر، الآمر النّاهي، الحاكم المشرّع. وهذا يتحقق في الفروع التالية:

(أ) السيّد المطاع: وهو أهم المعاني الفرعية. يقول الجوهري في «الصحاح»، (ج1؛ ص 130): [والعرب تقول: ربَّيت القوم، أي كنت فوقهم].

(ب) المتصرّف، المدبّر، راعي الشؤون، ومصلح الأحوال. قال الإمام العلامة المحدّث أحمد بن فارس في «معجم مقاييس اللغة»، (ج2؛ ص 381): [الرب: المصلح للشيء، يقال: رب فلان ضيعته، إذا قام على إصلاحه]

(ج) المربّي: قال الراغب الأصفهاني في «مفردات غريب القرآن»، (ص 184): [الرب في الأصل التربية، وهو إنشاد الشيء حالاً فحالاً إلى حد التمام، يقال: ربه، ورباه، وربيبه]. قلت: هذا، إن صح أصلاً، كأنه فرع ثانوي وحالة خاصة للفرع السابق.

(د) المَلِك: قاله الأزهري في تفسير قوله تعالى: ﴿اذْكُرنِي عِنْدَ رَبِّك﴾، (يوسف؛ 12:42)، كما هو في «تهذيب اللغة»، (ج15؛ ص 176). قلت: هذا غريب، وليس بمقنع، بل هو ها هنا بمعنى السيّد المطاع، لا غير. وهذا السيّد المطاع هها هنا ربما كان ملك مصر آنذاك، فهو – بلا شك- سيد مصر المطاع، كما هو زعم أكثر المفسرين، وربما كان رجلاً من (الملأ)، أي: من عِلْية القوم. ولو كانت لفظة يوسف الأصلية هي بمعنى «ملك»، لما نقلها الله جل جلاله إلى العربية إلا هكذا، لا سيما وأن لفظة «ملك» قد كثر استخدامها في القرآن، وقد أطلقت في هذه السورة نفسها على ملك مصر بعينه!

(2) المالك: أي مالك العين أو الشيء ملكية تعطيه حق التّصرف في العين باستهلاكها، كأكل الخبز، أو لحم الشاة بعد ذبحها، أو التمتع بمنفعتها كركوب الدابة، وكذلك حق البيع أو الهبة أو التأجير للعين أو المنفعة بحسبها. فالمالك له، بموجب المِلْكِية، حقوق (التّصرف)، و(التدبير)، و(الرعاية)؛ فالمالك إذاً ضرورة: متصرّف مدبّر.

 

وهذا الذي فعله الأزهري بتفسير (رب) بمعنى (الملك) من العيوب التي تجدها في كتب اللغة، وقد فطن الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي لذلك حيث جاء في آثار الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي اليماني [جمع الشاملة - (3/755)]: [ونُقِلَ عن بعض السلف تفسيرُ الدعاء في بعض ذلك بالعبادة، وكاد المفسِّرون المتأخَّرون يطبقون عليه، وفيه نظر؛ فإنه لا يُعرَف في اللغة. ولهذا لم يذكره كثيرٌ من أهل اللغة، حتى الذين يتعرَّضون للمجاز - كصاحب القاموس وصاحب الأساس وصاحب المصباح، بل لم يذكره الراغب - مع أن كتابه موضوع لغريب القرآن، ومَن ذكره - كصاحب اللسان - فإنما ذكره تفسيرًا لبعض الكلمات القرآنيَّة، وهذا من أشدِّ العيوب في كتب اللغة؛ يعمِدون إلى بعض الكلمات التي جاءت في القرآن وفسَّرها بعض السلف بشيءٍ أو فهموه هم من القرائن فيثبتون ذلك (لغةً)، مع أن السلف كانوا يتسامحون في التعبير؛ ثقةً بفهم السامع، فربمَّا فسَّروا الكلمة بلازمها، أو ببعض ما يدخل تحت عمومها، أو غير ذلك مما تدلُّ عليه في الجملة - كما نبَّه عليه المحقِّقون، ولذلك أكثر الاختلاف عنهم. وأما ما يفهمونه من القرائن فلعلَّهم يكونون مخطئين، فلا ينبغي أن يجزموا بأن ذلك (لغةٌ)؛ لأن الناظر في كتب اللغة إذا رأى مثلاً: (الحَرْد: المنع)، يأخذ هذا على أنه نقلٌ يقينيٌّ، ولا يكاد يخطر بباله أن قائل ذلك إنما فهم من الآية، وفي هذا ما فيه].

 

فلفظة «الرب» أبلغ في الدلالة وأقوى من لفظتي «السيد»، و«المالك»، مع كونها مرادفةً لهما في مجمل المعاني. والرب أو السيّد هو كذلك ضرورةً: الآمر الناهي، وإلا لم يكن مالكاً متصرفاً مدبراً. هذا معلوم بالضرورة من لغة العرب، ومن دين الإسلام ونصوصه، في مثل قول الله تعالى حاكياً كلام يوسف لصاحبي السجن: ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾، (يوسف؛ 12: 41)، أي سيده، صاحب السلطان عليه، أو مالكه، ملك يمين؛ ومن المحال الممتنع أن يكون المقصود: خالقه، أو معبوده، أي: الذي تُصرف له الشعائر التعبدية؛ وهذا المعنى هو بعينه في قوله تعالى في نفس السورة حاكياً كلام يوسف مرة أخرى: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ، (يوسف؛ 12: 42)، وليس كما زعم الأزهري، ومرة ثالثة: ﴿فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ، (يوسف؛ 12: 50). وهذا المعنى هو كذلك المتداول في لسان العرب، فيقول قائلهم: ربُّ البيت، وربّةُ البيت.

وهذا المعنى نفسه هو المقصود من قوله تعالى في حق الأحبار والرهبان: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، (التوبة؛ 9: 31). أي سادة يشرّعون ويطاعون، كما سنفصله في موضعه بعد قليل، مع أنه معلوم من ضرورة النقل التاريخي ومشاهدة الواقع الحالي أنهم لم تُصرف لهم شعائر تعبدية، أي الأحبار والرهبان؛ أما المسيح بن مريم، عليه وعلى والدته أتم الصلاة وأزكى التسليم، فهو عندهم بخلاف ذلك «رب»، و«إله» تام الألوهية، لأنه هو الله، أو ابن الله أو ثالث ثلاثة هم: الله، ثلاثة في واحد وواحد في ثلاثة، تُصرف له (العبادات) ويُتقرب إليه بالشعائر والقرابين والأعمال الصالحة.

 

وقد جاء النص الشرعي ينهي العبد المملوك أن يقول لمالكه: «ربّي»، أو لمالكته: «ربّتي»، وليقل بدلاً من ذلك: «سيدي، و«سيدتي»، وبنهي المالك عن مقولة: «عبدي»، و«أمتي» واستبدالها بألفاظ: «فتاي، و«فتاتي»، تأدباً مع الله، جل وعلا، وبحيث ينحصر استخدام لفظة: «رب» في حق الله، جل وعز، كما هو الحال في الأغلبية الساحقة من آيات الكتاب العزيز، في قريب من ألف موضع. وهذا النهي، الذي هو في الأرجح للكراهية، وليس نهي تحريم، إنما هو متعلق بالآداب والأحكام الشرعية، ولا علاقة له بقضايا الإيمان والكفر، والتوحيد والشرك.

 

هذا يكاد أن يكون من البديهيات عند أهل الإسلام، باستثناء الغلاة المارقين من الوهابيين، ومن لف لفهم من المصابين بالشلل العقلي، فها هو الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح القرطبي يسخر من أحد جهلة الأغبياء من النصارى فيقول: [وأما قوله: (وتدبيره في ربوبيته)، فالظاهر من لفظ التدبير السابق منه إلى الفهم أنه عبارة عن التفكر النفسي والتقدير الذهني؛ والباري سبحانه متعال عن التدبير الذي هو التفكّر والتقدير، فإنه لا يُتصور إلا في حق من جهل شيئا فأراد أن يستعمل فكره في تحصيل العلم به؛ والجهل على الله محال، فالتدبير بمعنى الفكر عليه محال. فإن أراد السائل بكلامه غير هذا، فلا بد من بيانه وإيضاح برهانه. وأما الربوبية فلفظ مشتق من لفظ الرب؛ والرب في مستعمل كلام العرب له معنيان مستعملان، أحدهما: السيد؛ والثاني: المالك. فإن أراد به المعنى الأول الذي يرجع إلى السؤدد والشرف فهو خطأ، من حيث أن سؤدده واجب له، فلا يحتاج في تحصيله إلى سبب من تدبير ولا مقتضى تفكير. ومقتضى كلامه ومفهومه أنه دبر في ربوبيته وأوجدها عن تدبيره لنفسه، وهذا جهل بواح وكفر صراح؛ وإن أراد به المعنى الثاني، الذي يرجع معناه إلى الملك، فلا يستقيم أيضا على ظاهر كلامه؛ فإنه يكون معنى كلامه أنه دبر في ملكه وأوجده عن التدبير الذي هو روية وتفكير، ويتعالى عن ذلك الخالق القدير المنزّه عن خواطر النفس وهواجس الضمير. ثم لما فرغ هذا السائل من خطبته الغراء، البديعة الإنشاء، التي من وقف عليها علم أنه عن المعارف مصروف، وأنه لا يفهم المعاني ولا يحسن كتابة الحروف؛ شرع في طريقة الجدال وكيفية الاستدلال، فكأنه في نظم مقولاته الطوسي، وفي آداب جدله البروي، ولعمر الله، لو كان هذا السائل عاقلا لستر عواره ولم يبد غارة]؛ كما هو في كتابه المعنون بـ( الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام، وإظهار محاسن الإسلام)، (1/53 - 54)؛ (دار التراث العربي - القاهرة، 1398؛ تحقيق: د. أحمد حجازي السقا).

 

فالخلاصة إذاً: أن لفظة (الرب) في مستعمل كلام العرب لها معنيان مستعملان، أحدهما: السيد؛ والثاني: المالك؛ وذلك بإجماع أهل اللغة، وإنما شذ الإمام العلامة المحدّث أحمد بن فارس في «معجم مقاييس اللغة»، (ج2؛ ص 381)، عندما قال: [الراء والباء يدل على أصول: للأول: إصلاح الشيء، والقيام عليه: فالرب: المالك، والخالق، والصاحب]، فليس ذكر (الخالق) بمسلَّم له أصلاً، وقد شذ به من بين أئمة اللغة، ولم يذكر (السيد) أصلاً. وأما ذكر (الصاحب) فكلام غامض، لأن الصاحب قد تعني في الغالب: أصحاب وأصدقاء الإنسان، ورفقاء السفر، ونحو ذلك؛ ولا علاقة لهذا بموضوع بحثنا؛ وقد تعني (المالك) كقولك: صاحب الدابة، أي مالكها، فهذا شملته لفظة: (مالك)، وقد سبق ذكرها بوضوح، فلا حاجة لإرباك المعنى بلفظ غامض، متعدد المعاني. وقد تعني: فاعل الفعلة، كقولنا: أصحاب الجنة، أي نزلاؤها المقيمون فيها؛ أو الموصوف بصفة، كقولنا: صاحب الجلالة، أي: الموصوف بالجلالة، فلعل الإمام ابن فارس أوًّل عبارة ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ بمعنى (صاحب العزة)، أي: الموصوف بالعزة، فاستنبط منها: رب = صاحب؛ وإن كان الأرجح عندي أنها اختصار لعبارة: (الرب، الموصوف بالعزة) كما يقويه السياق. وفعل الإمام العلامة المحدّث أحمد بن فارس هاهنا يشبه الذي فعله الأزهري بتفسير (رب) بمعنى (الملك)، وقد أسلفنا البيان بأن هذا من أشد العيوب التي تجدها في كتب اللغة.

نعم: ها هنا أصاب الإمام ابن تيمية في إدخال «التّدبير» و«التصرف» تحت عنوان: «الربوبية»، لأن مفاهيم التصرف والتدبير، فرع لمفاهيم «السيادة» و«التملّك»، وهي بالضرورة بعضها، كما أسلفناه عند مناقشة مفهوم «الرب» أعلاه.

 

وأما مفاهيم الخلق والصنع والاختراع والابداع مباينة، بضرورة الحس واللغة والعقل، لمفاهيم الملك والسيادة: فالمقاول الذي يبني لك بيتاً تسليم المفتاح هو (صانع) أو (بنَّاء) البيت، وليس هو مالكه ولا سيده، وأنت مالك البيت وسيده ولم تصنع منه شيئاً؛ وسيارتك التويوتا كورونا ملكك وأنت سيدها ومالكها، وأما صانعها ففريق من العمال في اليابان. وأما إذا كنت أنت نجاراً ماهراً وصنعت لحظ نفسك كرسياً من خشب فإنك تكون مالك الكرسي وسيده، لا بشرائه من غيرك، ولكن بحكم كونك صانعه. وقد فطن لهذه الإمام الشهيد سيد قطب، رضي الله عنه، حينما قال في ظلال القرآن (5/200، بترقيم الشاملة آليا): [فأما إبراهيم فهو مستيقن واثق عارف بربه، متمثل له في خاطره وفكره، يقولها كلمة المؤمن المطمئن لإيمانه: ﴿قال: بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن، وأنا على ذلكم من الشاهدين﴾. فهو رب واحد. رب الناس ورب السماوات والأرض. ربوبيته ناشئة عن كونه الخالق. فهما صفتان لا تنفكان: ﴿بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن﴾]

 

فمفهوم (الصانع) إذاً، ومثله تماماً (الخالق)، و(المبدع)، و(الفاطر)، مستقل ومغاير لمفاهيم (السيد) أو (المالك): فلا معنى إذاً لإقحام (الخالقية) في (الربوبية) أصلاً، كما زلَّت القدم بالإمام ابن تيمية، مدفوعاً برغبته الجامحة في تسفيه قول المتكلمين أن (الخالقية) هي أخص خصائص (الإلاهية)؛ وتبعه على ذلك محمد بن عبد الوهاب، وفرقته الوهابية، اتباع الدواب لقائدها.

 

هذه بديهيات لغوية وعقلية، ومع ذلك عجزت الفرقة الوهابية عن إدراكها، ولا عجب لأن رجالاتها ممن (يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم)، و(يعبدون ويدأبون: يعجبون الناس، وتعجبهم أنفسهم)، و(يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم)؛ وقد قال قائلهم: (علم الكلام جهل، وجهل الكلام علم)، وقال الآخر: (من تمنطق فقد تزندق)، عياذاً بالله تعالى؛ فتكون النتيجة الحتمية لرفضهم التدبر والفكر، وعجبهم بالنفس وتزكيتها، أنهم: (يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيءو(يمرقون من الدين كمروق السهم من الرمية ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء ثم ينطر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى نضيه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء سبق الفرث والدم)، (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان)، كما نراه هذه الأيام عيانا في العصابة الإجرامية الدموية التي تسمي نفسه (داعش) - لذلك قال الناصح المشفق، عليه وعلى آله أتم الصلوات والتسليمات والتبريكات من الله: (أينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرًا عند اللّه لمن قتلهم يوم القيامة).

 

فصل: الأصل اللغوي للفظة (إله)

وأما لفظة: «إله»، كذا هي في رسم المصحف وعند كتابة الشهادة (لا إله إلا الله)، وإن كانت تنطق: «إلاه»؛ وقريب منها «إِلُّ»، في العربية، وكذلك في اللغات السامية الأخرى، الآرامية السريانية، وغيرهما، لفظة: «إيل»، الذي تتركب منه أسماء مثل: إسرائيل، وإسرافيل، وميكائيل، وجبرائيل، وعزرائيل، وعمانوئيل، وعزازيل، وغيرها؛ وفي العبرانية: (إِلوه)، أو (إيلوه)، وكذلك صيغة الجمع: (إِلوهيم)، أو (إيلوهيم): وهو إما جمع حقيقي بمعنى: آلهة متعددة، أو جمع تعظيم كما هو الغالب في أسفار العهد القديم.

 

والظاهر أن قدماء العبرانيين كانوا يتساهلون في المعنى فيطلقون (إيلوه)، و(إيلوهيم) أحياناً على السيد المتسلط المسيطر، أو على السيد الموقر ذي المكانة العالية، بالإضافة إلى الاستخدام الرئيس للكائنات الإلاهية، أي: الكائنات (فوق الطبيعة). ومن أمثلة ذلك وصف موسى بأنه (إيلوهيم) لفرعون في (سفر الخروج؛ 7: 1)، وكذلك لهارون في (سفر الخروج؛ 4: 20)، كذا نصاً حرفياً في الأصل العبراني، وقد اقتربت منه الترجمة المشهورة: (فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «أَنَا جَعَلْتُكَ كإِلَهٍ لِفِرْعَوْنَ، وَهَرُونُ أَخُوكَ يَكُونُ كَنَبِيٍّ لَكَ »)، (خر؛ 7: 1)؛ («فَيُخَاطِبُ هُوَ الشَّعْبَ عَنْكَ؛ ويَكُونُ لَكَ بِمَثَابَةِ فَمٍ؛ وَأَنْتَ تَكُونُ لَهُ بِمَثَابَةِ إِلَهٍ».)، (خر؛ 4: 20). وهو بنحو ذلك في مواضع أخرى.

 

ولفظ الجلالة: (الله)، وهو في العربية والآرامية مشتق في الأرجح من الإله، بالتعريف؛ ثم تداولته الألسنة حتى صار كأنه لفظ أصلي جامد غير مشتق؛ وأصبح علماً على الذات الإلاهية المقدسة، الجليلة المعظمة، إلاه إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ويعقوب؛ وإله الوحي والنبيين من بني إسرائيل، وإله الوحي والنبيين من غير بني إسرائيل، تقدّست ذاته، وتباركت أسماؤه؛ ولعل ذلك كان كالتالي: الأصل هو: (إلاه)؛ ثم أدخلت الألف واللام للتعريف: (الإلاه)؛ ثم حذفت الألف المهموزة للتسهيل: (الِلاه)؛ ثم استسهلوا الإدغام الكبير بتسكين اللام الأولى: (الْلاه)، وبهذا أصبحت اللام الأولى أصلية، ونسي أن أصلها الألف واللام للتعريف؛ ثم استثقلوا ألف المد بعد الإدغام، فاختلسوها: (الله)، جل جلاله، وسما مقامه.

 

وبالرغم من وضوح هذا وبداهته، فهناك أقوال أخرى مضطربة متناقضة، منها:

* ما جاء في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (1/102): [واختلفوا في هذا الاسم: هل هو مشتق، أو موضوع للذات علم؟. فذهب إلى الأول كثير من أهل العلم. واختلفوا في اشتقاقه وأصله؛ فروى سيبويه عن الخليل أن أصله إِلَاه، مثل فِعَال؛ فأدخلت الألف واللام بدلا عن الهمزة. قال سيبويه: مثل الناس أصله أناس. وقيل: أصل الكلمة "لاه" وعليه دخلت الألف واللام للتعظيم، وهذا اختيار سيبويه. وأنشد:

لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب ... عني ولا أنت دياني فتخزوني

كذا الرواية: فتخزوني، بالخاء المعجمة ومعناه: تسوسني.

وقال الكسائي والفراء: معنى "بسم الله" بسم الإله؛ فحذفوا الهمزة وأدغموا اللام الأولى في الثانية فصارتا لاما مشددة] ]، انتهى؛

قلت: اختيار الخليل هو الصحيح، وهو أن الأصل هو: (إلاه)؛ فأدخلت الألف واللام بدلا عن الهمزة على النحو المبين أعلاه قريباً. وأما اختيار سيبويه فليس بمقنع، ولا يعطي الألف المهموزة الأولى من لفظة (إيل) أو (إيلوه)، وما شابه ذلك، حقها، وهي ثابتة في كل اللغات السامية.

 

* وصحة اختيار الخليل مؤيد بما جاء في المخصص ـ لابن سيده الأندلسي [موافقا للمطبوع (5/220)]: [(الله) الأصل في قولك الله الاْلَهُ حذفت الهمزة وجعلت الألف واللام عوضاً لازماً وصار الاسم بذلك كالعَلَم هذا مذهب سيبويه وحُذَّاقُ النحويين؛ وقيل: (الاله هو المستحق للعبادة)، وقيل: (هو القادر على ما تَحِقُّ به العبادةُ)؛ ومن زعم أن معنى إله معنى معبود فقد أخطأ وشهد بخطئه القرآن وشريعةُ الإسلام: لأن جميع ذلك مُقِرٌ بأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا شك أن الأصنام كانت معبودةً في الجاهلية على الحقيقة إذا عبدوه وليس بإلهٍ لهم فقد تبين أن الاِلَهَ هو الذي تِحِقُّ له العبادةُ وتجب. وقيل في اسم (الله) أنه علم ليس أصلُه الاله على ما بينا أوّلاً وهو خطأ من وجهين: أحدهما: أن كُلَّ اسمٍ عَلَمٍ فلا بُدَّ من أن يكون له أَصلٌ نُقِلَ منه أو غُيِّرَ عنه؛ والآخَرُ: أن أسماءَ اللهِ كُلَّها صِفَاتٌ، إلا (شيءٌ)، فإنه صَحَّ له عز وجل من حيثُ كان أعَمَّ العمومِ؛ لا يجوز أن يكون له اسم على جهة التلقيب والأسماءُ الأعلامُ إنما أجراها أهلُ اللغة على ذلك فَسَمُّوا بكَلْبٍ وقِردٍ ومازِنٍ وظالِم لأنهم ذهبوا به مذهبَ التلقيب لا مذهبَ الوصفِ]؛ انتهى كلام ابن سيده الأندلسي نصاً.

 

* وأما ما جاء في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (1/103): [وزعم بعضهم أن الأصل فيه "الهاء" التي هي الكناية عن الغائب، وذلك أنهم أثبتوه موجوداً في فطر عقولهم فأشاروا إليه بحرف الكناية عن الغائب، وذلك أنهم أثبتوه موجوداً في فطر عقولهم فأشاروا إليه بحرف الكناية ثم زيدت فيه لام الملك إذ قد علموا أنه خالق الأشياء ومالكها فصار "له" ثم زيدت فيه الألف واللام تعظيماً وتفخيماً]، انتهى؛

 

فأقول: الأرجح أن هذا خيال جامح، أشبه ما يكون بشطحات متفلسفة الصوفية. ولعله أيضاً يعود إلى ما جاء في العهد القديم، في الترجمة المشهورة: (فَقَالَ مُوسَى لِلهِ: «حِينَمَا أُقْبِلُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ إِلَهَ آبَائِكُمْ قَدْ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ وَسَأَلُونِي: مَا اسْمُهُ؟ فَمَاذَا أَقُولُ لَهُمْ؟»* فَأَجَابَهُ اللهُ : «أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ» (وَمَعْنَاهُ أَنَا الْكَائِنُ الدَّائِمُ). وَأَضَافَ: «هَكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: «أَهْيَهْ (أَنَا الْكَائِنُ)، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ»* وَقَالَ أَيْضاً لِمُوسَى: «هَكَذَا تَقُولُ لِشَعْبِ إِسْرَائِيلَ: إِنَّ الرَّبَّ «الكَائِنَ» إِلهَ آبَائِكُمْ، إِلَهَ إبْرَاهِيمَ وَإسْحقَ وَيَعْقُوبَ قَدْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ. هَذَا هُوَ اسْمِي إِلَى اْلأَبَدِ، وَهُوَ الاسْمُ الَّذِي أُدْعَى بِهِ مِنْ جِيلٍ إلى جِيلٍ»)، (سفر خروج؛ 3: 13-15). وظاهر من هذا أن النص العبراني الأصلي، وهو: «إهْيِهْ أشِرْ إهْيِهْ»، إذا لفظ على الصحيح، قد أعضل بالمترجمين: فقالوا ها هنا في الترجمة المشهورة: [«أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ» (وَمَعْنَاهُ أَنَا الْكَائِنُ الدَّائِمُ)].

 

وإليك ترجمة بديلة لكامل النص تتجنب ترجمة الألفاظ والجمل المشكلة: (فَقَالَ مُوسَى للّهِ: «هَا أَنَا آتِي إلَى بَنِي إسْرائيلَ وَأَقُولُ لَهُمْ: إلهُ آبَائكُمْ أَرْسَلَنِي إلَيْكُمْ، فَقَالُوا لِي: مَا اسْمُهُ؟ مَا أَقُولُ لَهُمْ؟» * فَقَالَ اللّهُ لِمُوسَى: («إهْيِهْ أشِرْ إهْيِهْ»)، وَقَالَ: «كَذَا تَقُولُ لِبَنِي إسْرائيلَ: («إهْيِهْ») أَرْسَلَنِي إلَيْكُمْ. وَقَالَ بَعْدُ اللّهُ لِمُوسَى: كَذَا تَقُولُ لِبَنِي إسْرَائِيلَ: («يهوه») إلهُ آبَائِكُمْ إلهُ إبْرَاهِيمَ إلَهُ إسْحَاقَ وَإلهُ يَعْقُوبَ، أَرْسَلَنِي إلَيْكُمْ. هذا اسْمِي إلَى الأَبَدِ، وَهذا ذِكْرِي إلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ».). لاحظ أن («يهوه») لم يتم تشكيلها لأنها، على الأرجح، في حقيقتها أربعة أحرف، والذي ينبغي أن تلفظ كالحروف المقطعة: (ياء، هاء، واو، هاء - وبالحرف العبري: יהוה)، ولكن اليهود لا يستجيزون التلفظ به، بل يقولون: (أَدُونَايْ) = (الرّبّ، رَبِّي) خلال الصّلاة أو خلال الدروس الدينيّة، أو يُلفظ (هَـشِمْ) (= الاسم) في سائر الحالات الأخرى؛ وإنما كان (سراً) يسمح للكاهن الأعظم أن يتلفظ به، فقط مرة واحدة في السنة، في معبد بيت المقدس، وبعد دمار المعبد، وانقراض الكهنة، أصبحت كيفية التلفظ به مجهولة.

 

وإليك تراجم أخرى مختلفة لهذه العبارة الخطيرة: «إهْيِهْ أشِرْ إهْيِهْ»؛ ففي ترجمة الآباء اليسوعيين: (أنا هو مَن هو)؛ وتقول الترجمة العربية المشتركة: (أنا هو الذى هو)؛ ولكن الأقرب إلى الأصل اللغوي العبراني: [(أنا) أكُونُ الّذِي (أنا) أكُونُ]، كذا بصيغة المتكلِّم؛ إما بصيغة الغائب (المتكلَّم عنه)، فهي: [(هو) يكُونُ الّذِي (هو) يكُونُ)؛ أو بتعبير متفلسفة الصوفية: (هو الذي هو)، أو باختصار: (هو هو): وتعني أن صفة (الله) الأخص هي: الكون، أو الكينونة، أي الوجود، في الماضي منذ قديم الأزل، والكائن في الحاضر، والّذي يكون في المستقبل إلى أبد الأبد. وقد كان هذا معلوما لبعض علماء المسلمين قديما حيث جاء في هامش لسان العرب لابن منظور (13/506): [قوله: (وقولهم: (هيا شراهيا، معناه يا حي يا قيوم بالعبرانية))؛ مثله في التهذيب؛ والذي في التكملة ما نصه: قال الصاغاني: (هذا غلط وليس هذا اللفظ من هذا التركيب في شيء أعني تركيب (شَرَهَ)، وبعضهم يقول آهيا شراهيا مثل عاهيا وكل ذلك تصحيف وتحريف وإنما هو إِهْيَا بكسر الهمزة وسكون الهاء وأَشِرْ بالتحريك وسكون الراء وبعده إِهْيَا، مثل الأَول؛ وَهُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ جَلَّ ذكره، ومعنى (إِهْيَا أَشِرْ إِهْيَا) الأَزلي الذي لم يزل، هكذا أقرأنيه حبر من أحبار اليهود بعَدَن أَبْيَن)]؛

 

وعلى كل حال: إن صح ما جاء عن الله في العهد القديم، وسلم من وقوع التبديل والتحريف، وإن لم يسلم – بشهادة القرآن والعقل والتاريخ - من الحذف والاختصار المخل، وهذا هو القوي الراجح في هذا الموضوع المخصوص كما تدل عليه كافة القرائن، فهو حجة قاطعة على أنه لم يكن في لغة العبرانيين القدامى اسم علم لله، جل جلاله، فنحت الله لهم هذا الاسم: («يهوه») نحتاً. وهذا يؤكده أيضاً نص التوراة (العهد القديم)، حيث جاء في سفر الخروج، (الفصل 6: 2-3): [فَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى وَقَالَ لَهُ: ﴿أَنَا يهوه. وَتَراءَيْتُ لإبْراهيمَ ولإسْحاقَ وَلِيَعْقُوبَ بِـ(الإلَهِ شَدَّايْ)، وَبِاسْمِي (يهوه) لَمْ أُعْرَفْ عِنْدَهُمْ﴾]؛ وجاء أيضاً في سفر التكوين (الفصل 17: 1): [وَكَانَ إبْراهِيمُ ابْنَ تِسْعِينَ سَنَةً وَتِسْعِ سِنينَ. فَتَرَاءَى (يهوه) لإبْراهِيمَ وَقَالَ لَهُ: ﴿أَنَا (إلْ شَدَّيْ)، تَمَشَّ أَمَامِي وَكُنْ وَرِعًا!﴾]، (إلْ شَدَّيْ) تلفظ: بالمدّ (إيلْ شَدَّايْ)، أي بالعربية: (الإله الشديد).

 

وهذا كله لم يعد بذي موضوع، بعد أن ارتضى الله، جل جلاله وسما مقامه، لنفسه المقدسة لفظ الجلالة: (الله) في اللغة العربية، وكذلك في الآرامية الغربية التي تسمى أيضاً: السريانية، التي كان لغة تخاطب العامة أيام السيد المسيح بن مريم، صلوات الله وسلامه عليه وعلى والدته. وهكذا ترجم الله، جل جلاله وسما مقامه، بنفسه المعنى الصحيح لعبارة: («إهْيِهْ أشِرْ إهْيِهْ») إلى العربية فقال في خطابه لموسى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا: فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾، (طه؛ 20: 14).

 

* وما جاء في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (1/103): [القول الثاني: ذهب إليه جماعة من العلماء أيضاً منهم الشافعي وأبو المعالي والخطابي والغزالي والمفضل وغيرهم، وروي عن الخليل وسيبويه: أن الألف واللام لازمة له لا يجوز حذفهما منه. قال الخطابي: والدليل على أن الألف واللام من بنية هذا الاسم، ولم يدخلا للتعريف: دخول حرف النداء عليه؛ كقولك: يا الله، وحروف النداء لا تجتمع مع الألف واللام للتعريف؛ ألا ترى أنك لا تقول: يا الرحمن ولا يا الرحيم، كما تقول: يا الله، فدل على أنهما من بنية الاسم. والله أعلم]، انتهى؛

قلت: قوله (القول الثاني)، يعني: عدم الاشتقاق؛ وهو، في الأرجح، باطل، وحجة الإمام الخطابي لا معنى لها لأن كون الألف واللام لازمة للفظ الجلالة، لا يجوز حذفهما الآن منه، لا يمنع أن تكون في الأصل اللغوي القديم كذلك، ثم حذفت بعض الحروف، وأدغمت أخرى، فأصبح كأنه جامد غير مشتق، كما بيناه أعلاه.

 

كما يوجد في العربية فعل: «يَتَأَلَّه» بمعنى يعظم الشعائر، أو يَتَعَبَّد، وهو كذلك على وزنه:

* وقد جاء في سيرة ابن هشام (2/308) بإسناد متصل صحيح: [قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزّهْرِيّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ عَنْ مِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ أَنّهُمَا حَدّثَاهُ قَالَا: خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، عَامَ الْحُدَيْبِيَة ِ يُرِيدُ زِيَارَةَ الْبَيْتِ لَا يُرِيدُ قِتَالًا؛ (فساق خبر الحديبية الطويل حتى بلغ): ثُمّ بَعَثُوا إلَيْهِ الْحُلَيْسَ بْنَ عَلْقَمَةَ أَوْ ابْنَ زَبّانَ وَكَانَ يَوْمَئِذٍ سَيّدَ الْأَحَابِيشِ، وَهُوَ أَحَدُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ؛ فَلَمّا رَآهُ رَسُولُ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ إنّ هَذَا مِنْ قَوْمٍ يَتَأَلّهُونَ فَابْعَثُوا الْهَدْيَ فِي وَجْهِهِ حَتّى يَرَاهُ فَلَمّا رَأَى الْهَدْيَ يَسِيلُ عَلَيْهِ مِنْ عُرْضِ الْوَادِي فِي قَلَائِدِهِ وَقَدْ أَكَلَ أَوْبَارَهُ مِنْ طُولِ الْحَبْسِ عَنْ مَحِلّهِ رَجَعَ إلَى قُرَيْشٍ، وَلَمْ يَصِلْ إلَى رَسُولِ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، إعْظَامًا لَمَا رَأَى؛... إلخ]؛ وهو في مسند أحمد (31/212/18910): [حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ،... فساقه بتمام سنده ومتنه]؛ وهو في تفسير ابن كثير (7/347)؛ وفي الكشف والبيان للنيسابوري (9/58)؛ وفي تفسير البغوي (7/320)؛ وغيرها من كتب التاريخ، والسيرة، والتفسير، والأدب؛

* وجاء في معجم ابن الأعرابي (3/264/1260، بترقيم الشاملة آليا) بإسناد صحيح: [حدثنا ابن عامر، حدثنا ابن الأصبهاني، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، أو ابن أبي مليكة، عن ابن الزبير، وعبيد الله بن أبي يزيد عن ابن عباس، قالا: كانت عكاظ ومجنة أسواقا في الجاهلية، فكانوا يتألهون مناة فنزلت: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾، (البقرة؛ 2: 198)، في مواسم الحج]؛

والظاهر أن «يَتَأَلَّه» مشتق من الأصل الثلاثي: «أ ل ه»:

* وما جاء في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (1/103): [وروي عن الضحاك أنه قال: إنما سمي "الله" إلها، لأن الخلق يتألهون إليه في حوائجهم، ويتضرعون إليه عند شدائدهم. وذكر عن الخليل بن أحمد أنه قال: لأن الخلق يألَهون إليه "بنصب اللام"، ويألِهون أيضا "بكسرها" وهما لغتان]؛

* وما جاء في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (1/103): [وقيل: هو مشتق من أَلِهَ الرجل: إذا تَعَبَّدَ. وتَأَلَّهَ: إذا تَنَسَّكَ؛ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَذَرَكَ وإلَهَتك﴾، (الأعراف؛ 7: 127)، على هذه القراءة؛ فإن ابن عباس وغيره قالوا: وعبادتك]؛

 

هذا من حيث اللفظ، وأصله، وقرابته من ألفاظ مماثلة في اللغات السامية الأخرى: كل ذلك، وغيره من المباحث اللغوية، قليل الجدوى، ضئيل المحصول، (خلافاُ للفظة: رب)، لاضطرابها وتناقض بعضها؛ ولأنها لا تبين لنا المعنى أو المعاني التي كانت تنقدح في أذهان العرب الفصحاء الأقحاح، أيام نزول القرآن، عند تلفظهم أو سماعهم لهذه اللفظة: (إلاه).

 

وإليك – إضافة لما سبق من التخاليط والوساوس - بعض النماذج لقلة جدوى لتلك المباحث اللغوية العقيمة:

* ما جاء في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (1/102): [ثم قيل: هو مشتق من "وله" إذا تحير؛ والوله: ذهاب العقل. يقال: رجل واله وامرأة والهة وواله، وماء موله: أرسل في الصحارى. فالله سبحانه تتحير الألباب وتذهب في حقائق صفاته والفكر في معرفته. فعلى هذا أصل "إلاه" "ولاه" وأن الهمزة مبدلة من واو كما أبدلت في إشاح ووشاح، وإسادة ووسادة؛ وروي عن الخليل]؛

* وما جاء في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (1/103): [وقيل: إنه مشتق من الارتفاع؛ فكانت العرب تقول لكل شيء مرتفع: لاهاً، فكانوا يقولون إذا طلعت الشمس: لاهت]؛

* وما قاله العلامة ابن منظور في لسان العرب (ج1/ص196): [أله: الإله: الله - عز وجل - وكل ما اتخذ من دونه معبودا إله عند متخذه، والجمع آلهة. والآلهة: الأصنام، سموا بذلك لاعتقادهم أن العبادة تحق لها]؛

 

فصل: استجلاء المعنى القرآني للفظة (إلاه)

وأما المعنى أو المعاني التي كانت تنقدح في أذهان العرب الفصحاء الأقحاح، أيام نزول القرآن، عند تلفظهم أو سماعهم لهذه اللفظة: (إلاه): فهو وحده المقصود في النصوص الشرعية، نصوص الكتاب والسنة لأنها هي وحدها النصوص الشرعية. فالمهم إذا هو هذا المعنى فقط، وهو بحمد الله قد أوضحه الكتاب العزيز، في مواضع عدة، منها:

* قال تباركت أسماؤه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ، (الأنعام؛ 6: 46)، فالإله هو الشيء، أو الكائن القادر على الإتيان بالسمع والبصر، بقدرته الذاتية، على وجه الاستقلال، عُبِدَ أو لم يُعْبَد: أي بغض النظر عن أفعال العباد، بل وبغض النظر عن وجودهم أصلاً.

 

* وفي سورة القصص: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ، (القصص؛ 28: 71)، فالإله هو الشيء، أو الكائن القادر على الإتيان بالضياء بقدرته الذاتية، على وجه الاستقلال، عُبد أو لم يُعبد. وتستمر الآيات التالية فتنص على أن الإله هو الشيء، أو الكائن الذي يأتي بالليل والنهار، بقدرته الذاتية، على وجه الاستقلال، عُبِدَ أو لم يُعْبَد: أي بغض النظر عن أفعال العباد، بل وبغض النظر عن وجودهم أصلاً.

 

* والإله هو السيّد التّام السّيادة، والرب المطاع طاعة مطلقة، أي: الذي له حق التشريع في جوهره على وجه الابتداء، كما قال فرعون متوعداً لموسى: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ، (الشعراء؛ 26: 29): هذا على التأويل الصحيح، وهناك أقوال أخرى كثيرة مضطربة؛

 

* والإله هو الشيء، أو الكائن ذو المنعة التامة، فلا يضام. فيجير على غيره، جواراً تاماً مطلقاً، فلا يُنقض جواره، ولا تُخفر ذمته، ويَشْفَع من غير استئذان فلا تُرد شفاعته، عُبِدَ أو لم يُعْبَد: أي بغض النظر عن أفعال العباد، بل وبغض النظر عن وجودهم أصلاً: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ، (الأنبياء؛ 21: 43)، وقال تعالى في سورة يس: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ، (يس؛ 36: 23).

 

* والإله هو الشيء، أو الكائن الذي يحيي الموتى، فيخرجهم للبعث والنشور، بقدرته الذاتية، على وجه الاستقلال، عُبِدَ أو لم يُعْبَد: أي بغض النظر عن أفعال العباد، بل وعن وجودهم، قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ، (الأنبياء؛ 21: 21).

 

هكذا على وجه الإجمال، ونجد مع في مواضع كثيرة من الكتاب العزيز في سياقات مماثلة: صفات وأفعال معينة يستحق من اتصف بها أو من فعلها أن يسمَّى (إلهاً)، وحينئذ يمكن أن يتصور أن تطلب منه المغفرة والعفو والرحمة، أو الوساطة والشفاعة؛ أو الاستغاثة والاستعاذة والنصرة؛ أو جلب نفع ودفع ضر؛ أو أن تقدم له الشعائر والنسائك؛ أو توجه له الأقوال، وتصرف له الأفعال المعبرة عن الأحوال القلبية، والانفعالات النفسية، من مثل: التقديس والتعظيم والإجلال؛ والذلة والخضوع والتسليم؛ والحب والود واستشعار القرب والأنس؛ والرجاء والأمل والرغبة؛ والثقة والتوكل؛ والخشية والخوف والرهبة؛ ويكون كل ذلك: تبعاً لكونه إلهاً، أي متصفاً بصفات معينة، وحينئذ، وحينئذ فقط، يجوز أن نسميها: (عبادة)، وإلا فلا؛ كما سنفصله ونبوبه في أبوابه قريباً إن شاء الله تعالى.

 

ولكن الحجة اليقينية القاطعة ، التي قد تغنيك عن كل ما سبق، تجدها في عدة مواضع أو قضايا قرآنية، منها:

* ــ * الحجة اليقينية القاطعة الأولى:

(أ)- في قوله، جل جلاله، وحسبك به: فهو أصدق القائلين: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61) أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ (62) أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ: هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (64)﴾، (النمل؛ 27 : 59-64)، فالإله هو القادر على الخلق، وخاصة خلق السماوات والأرض، على وجه الاستقلال، عُبد أو لم يُعبد؛ المنزّل الماء من السماء، منبتاً حدائق ذات بهجة بقدرته الذاتية، على وجه الاستقلال، عُبِدَ أو لم يُعْبَد: أي بغض النظر عن أفعال العباد، بل وعن وجودهم. وتستمر الآيات التالية معدّدة صفات الإله، التي يستحق بها أن يكون إلاها، على وجه التفصيل: خلق الأرض برواسيها وأنهارها وجعلها قراراً صالحة للحياة؛ إجابة المضطر إذا دعاه؛ وكشف السوء؛ استخلاف الإنسان في الأرض؛ الهداية في ظلمات البر والبحر؛ وإرسال الرياح بالمطر؛ بدء الخلق ثم إعادته،... إلخ، إلخ، كل ذلك بقدرته الذاتية، على وجه الاستقلال، عُبِدَ أو لم يُعْبَد: أي بغض النظر عن أفعال العباد، بل وبغض النظر عن وجودهم أصلاً: فلا معنى لمطالبتهم أصلاً بالبرهان على وجود تلك الصفات لدى آلهتهم المزعومة بقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، إن لم يكن المخاطبون، أو بعضهم، مؤمنين باتصاف آلهتهم بكل تلك الصفات، أو ببعضها على أقل تقدير؛ وإلا لأجاب القوم، أو بعضهم، جواباً مسكتاً مفحماً: (ما قلنا هذا قط، فلم تطالبنا بالبرهان؟!): ومعاذ الله أن يكون في الوجود من يسكت الله، أو يفحم الله، أو يقيم الحجة على الله؛

(ب)- ويمكننا تكرار نحو هذا البرهان حرفاً بحرف في آية (الفساد)، التي سبقت دراسة بعض ما فيها من العلوم والحكم؛ وهي بتمام سياقها: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (20) لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18) وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ (21) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ؛ هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ (24) وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29)﴾، (الأنبياء؛ 21: 20 - 29). فلا معنى ها هنا أيضاً لمطالبتهم أصلاً بالبرهان على وجود تلك الصفات لدى آلهتهم المزعومة بقوله: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً؟! قُلْ: هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ؛﴾، إن لم يكن المخاطبون، أو بعضهم، مؤمنين باتصاف آلهتهم بكل تلك الصفات، أو ببعضها على أقل تقدير؛ وإلا لأجاب القوم، أو بعضهم، جواباً مسكتاً مفحماً: (ما قلنا هذا قط، فلم تطالبنا بالبرهان؟!): ومعاذ الله أن يكون في الوجود من يسكت الله، أو يفحم الله، أو يقيم الحجة على الله. ثم سارع بإبطال نسبة (الولد) إليه، تعالى وتقدس، دحضاً لأي محاولة للفرار إلى أن آلهتهم مجرد (أولاد) لله، و ليس لها شيء من الخلق أو التصرف والتدبير الذي سبقت المحاججة حوله؛

(ج)- ويمكننا تكرار ما سلف، أو نحوه، حرفاً بحرف في قوله، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (69) وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (74) وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (75)﴾، (القصص؛ 28: 68 - 75). فلا معنى ها هنا أيضاً لمطالبتهم أصلاً بالبرهان على وجود تلك الصفات لدى آلهتهم المزعومة إن لم يكن المخاطبون، أو بعضهم، مؤمنين باتصاف آلهتهم بكل تلك الصفات، أو ببعضها على أقل تقدير؛ وإلا لأجاب القوم، أو بعضهم، بنفس الجواب المسكت المفحم، معاذ الله!

(د) - ويمكننا تكرار ما سلف، أو قريباً منه، في قوله، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (8) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ: فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ؛ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (11)﴾، (لقمان؛ 31: 8 - 11).. فأيضاً لا معنى ها هنا أصلاً لمطالبتهم: ﴿فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾، إن لم يكن المخاطبون مؤمنين بأن بعض المخلوقات إنما هي من خلق بعض آلهتهم، وليست من خلق الله، وإلا لأجاب القوم، بجواب مسكت مفحم، قائلين: (ما قلنا قط أن آلهتنا قد خلقت سيئاً على الإطلاق)، ومعاذ الله أن يكون في الوجود من يسكت الله، أو يفحم الله، أو يقيم الحجة على الله؛

 

* ــ * الحجة اليقينية القاطعة الثانية: في (آية التمانع)، واستكمال براهينها، ودلالاتها في (آية الفسادالتي أسلفنا دراستها باستفاضة عند مناقشة برهان (التمانعوهي قوله، جل وعز: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، (المؤمنون؛ 23: 91)، فالإله إذاً هو، كما حررناه في باب سابق:

(أ)- إما أن يكون ذلك الكائن الفاعل بالمشيئة والاختيار الحر حرية تامة مطلقة، بقدرته الذاتية، على وجه الاستقلال: فهو الذي يخلق؛ وهو الذي يعلو على غيره ويقهر، فلا ينافس ولا يقهر، ويجير، ولا يجار عليه؛ وهو الذي لا يدركه طالب، ولا يفلت منه هارب؛

(ب)- أو: هو ذلك الكائن المتولد من كائن إلاهي، فهو إذاً فرد من أفراد (النوع الإلاهي) أو (الجنس الإلاهي).

 

وكل هذه الاعتبارات أمور وجودية متعلقة بذات ذلك الكائن وصفاته وأفعاله، ولا علاقة لها أصلاً بوجود أو عدم وجود كائنات أخرى تخضع وتتذلل، أو تحب وتتقرب وتتودد، أو تقدس وتعظم، وتخشى وتخاف وترهب، أو تستشفع وتتوسط، أو تسجد وتركع، أو تصفق وترقص، أو توقد الشموع وتطلق البخور، أو تقدم الذبائح والقرابين والنذور لهذا (الكائن) الذي أطلقنا عليه لفظة (إلاه).

 

فالمعنى الصحيح إذاً للفظة (إلاه) في جوهره هو أن [(الإله) هو الكائن الفاعل بالمشيئة المطلقة والاختيار الحر، ذو القدرة الذاتية على الفعل المستقل عن الغير تمام الاستقلال (ومن أخص تلك الأفعال: الخلق والقهر، ولكنها ليست محصورة في هذه)؛ أو هو الكائن المتولد من كائن إلاهي: فهو إذاً فرد من أفراد (النوع الإلاهي) أو (الجنس الإلاهي)]؛ أو بلفظ آخر، فيه شيء من التساهل: (الإله) هو كائن (فوق الطبيعة).

 

ونسارع فنذكر بأن (برهان التمانع) الذي أسلفنا إيراده في كتابنا إنما هو في جوهره ما قاله الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوي (2/32 - 37)، (20/170 - 183)، ومواضع أخرى بتهذيب وإضافات وتصرف واسع، ولكن باستعمال لفظة (إلاه) بدلاً من لفظة (رب) التي أكثر الشيخ من استخدامها في نصه، مخالفاً، بل مراغماً، بذلك لنص الآية الصريح، من مثل قوله:

(1)- (فإذا قدِّر (ربان) امتنع استقلال)، بدلاً من اللفظ الصحيح: فإذا قدِّر إلاهان امتنع استقلال كما هو في صلب البرهان على النحو الذي أوردناه، وقد سلف نصه في باب سابق؛

(2)- (فَإِذَا قُدِّرَ (رَبَّانِ) مُتَعَاوِنَانِ لَا يَفْعَلُ أَحَدُهُمَا حَتَّى يُعِينَهُ الْآخَرُ) كما هو في منهاج السنة النبوية (2/182)، بل تمت عنونة ذلك الفصل، ولعل ذلك من أفاعيل المحقق أو الناشر، بكل وقاحة: [امتناع وجود ربين للعالم] كما هو في منهاج السنة النبوية (2/180)؛

(3)- (فَتَبَيَّنَ امْتِنَاعُ كَوْنِ الْعَالَمِ لَهُ رَبَّانِ) كما هو في منهاج السنة النبوية (2/182)؛

(4)- (فَلَوْ كَانَ رَبَّانِ لَكَانَ مَخْلُوقُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَمَيِّزًا عَنْ مَخْلُوقِ الْآخَرِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾) كما هو في منهاج السنة النبوية (3/312)؛

(5)- (وَهَذِهِ الْوُجُوهُ وَغَيْرُهَا مِمَّا يُبَيِّنُ امْتِنَاعَ رَبَّيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا مُعَاوِنٌ لِلْآخَرِ أَوْ كُلٌّ مِنْهُمَا مَانِعٌ لِلْآخَرِ)، كما هو في منهاج السنة النبوية (3/310)؛

 

وكل ذلك مراغمة لنص القرآن الذي جاء بلفظة (إله)، ولم يستخدم في تلك السياقات لفظة (رب) أصلاً؛ كل ذلك في محاولة فاشلة لتطبيق تعريفه الخاطئ لـ(الربوبية) ولـ(الألوهية)، ولإعمال قسمته الثلاثية الباطلة، علاوة على اضطراره للإكثار جداً من استخدام لفظة (قادر) خلال بسطه للبرهان آنف الذكر، بما يوجب اعتبار (القدرة)، وخاصة: (القدرة على الخلق) عنصر جوهري لما ينبغي فهمه تحت لفظة (إلاه)، ضرورة ولا بد، خلافاً لتعريفه الباطل لـ(الألوهية)؛ كما وسيأتي بيان أخطائه الفاحشة المهلكة في تلك التعريفات، التي تؤول إلى الكفر، لا محالة؛ وإبطال قسمته، وقلعها من جذورها، بل ونسفها من أساسها، في كتابنا هذا: (كتاب التوحيد: أساس الإسلام، وحقيقة التوحيد) بما لا مزيد عليه، إن شاء الله تعالى.

 

ولكننا نسارع أيضاً فنقول: استخدام الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوي (2/32 - 37)، (20/170 - 183)، ومواضع أخرى، للفظة (رب) بدلاً من لفظة (إلاه) في هذا المقام، أعني: (برهان التمانع) المبني على (آية التمانع)، لا يتصور وقوعه من الشيخ عمداً، معاذ الله، ولكن زلَّت به القدم في حالة مؤقتة من الذهول وغياب العقل، أو من عمى البصيرة، وإلا كان هذا في الحقيقة تعقيباً على الله، جل جلاله، وسما مقامه، بل وتخطئة له، كأنه يقول لله: [صحح عبارتك: فإنك قد أخطأت في استعمال لفظة (إلاه) وكان عليك أن تستخدم لفظة (رب)]، وهذا كفر مجرد صريح.

 

بل لو حكمنا مستشرقاً كافراً لا يؤمن بنبوة محمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ويزعم أن القرآن من تأليف محمد، لحكم، ولا بد، إن كانت عنده ذرة من علم أو عقل أو إنصاف، بأن لفظة (إلاه) أولى بالتقديم في تعبيرها عن المعاني التي أسلفنا، من لفظة (رب) لأن محمداً عربي أصيل صليبة، مكي المولد والمنشأ: ومنطقة مكة، ومنها الطائف، وما نزل فيها من قبائل كنانة وخزاعة وثقيف وسعد بن بكر هي سُرَّة الفصاحة ومعدنها؛ فالعربية القرآنية الفصحى هي لغته الأم، تلقاها على الفطرة من أفواه قومه من قريش وبني سعد بن بكر من هوازن، وقد كانوا أفصح الفصحاء؛ في حين أن ابن تيمية حراني المولد، كردي الأصل في الأرجح، لغته الأم عامية أهل الشام، وإنما تعلم العربية القرآنية الفصحى بتكلف من الكتب والشيوخ، كما هو حالنا جميعاً بعد فساد اللسان العربي؛ ومحمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، نشأ في بيئة وثنية يرى الأصنام والأوثان في البيوت، وفي المسجد الحرام ليل نهار، ويسمع كلام القوم وقصصهم وأساطيرهم الوثنية كل يوم، بل كان عمه أبو لهب من سدنة الآلهة، ويشهد الوثنيات الصريحة في موسم الحج؛ في حين أن ابن تيمية نشأ في بيئة إسلامية فاضلة، في بيت علم حنبلي متميز، ما رأى في نشأته وثناً أو صنما قط، وما خالط في صباه عابد وثن أبداً؛ فأنَّى لابن تيمية أن يستوعب المعاني التي قصدها العرب الأقحاح أيام نزول القرآن من استخدام لفظة (إلاه)؛ وأنَّى له أن يعرف ماهية (الأصنام)؛ وأنى له أن يحرق حقيقة (شرك العرب)؟!

 

ومهما جوزنا للباحث أن يضع ما يشاء من المصطلحات، إذ لا مشاحة في الاصطلاح، فلا يجوز أن نجوز له الافتئات على اللغة واغتصابها، وانتهاك عرضها، خصوصاً اللغة العربية التي هي لغة الذكر المنزل المحفوظ. فمهما عرفنا (الألوهية) فلا يجوز أبداً، ولا بحال من الأحوال، أن تخلو من:

ــ إما: (الفاعلية الذاتية، بالمشيئة المستقلة والاختيار الحر، على وجه الاستقلال التام) عامة؛ ومن أخص ذلك: (الخالقية على وجه الاستقلال التام)، و(العلو والقهر على وجه الاستقلال التام)؛

ــ أو: (التولد) من كائن إلاهي آخر، أي: الانتماء إلى(النوع الإلاهي) أو (الجنس الإلاهي)؛

وإلا كانت إبطالاً لآية التمانع الكريمة، وتحريفاً للكلم عن مواضعه، وإلحاداً في آيات الله، يؤول إلى الكفر، لا محالة، ضرورة ولا بد، عياذاً بالله.

 

* ــ * وهناك حجة يقينية ثالثة، نجدها في قصة إبراهيم مع قومه:

ولكن الحق أن في قصة إبراهيم مع قومه من العلوم والحكم أكثر بكثير من مجرد تأكيد لتعريف (الألوهية)، أو مزيد جلاء لماهية (الأصنام)، أو بيان لحقيقة الشرك، الذي أفادتنا به الأدلة القرآنية آنفة الذكر، وفي مقدمتها آية (التمانع)، وفيها بمفردها الكفاية، وفوق الكفاية. فالأولى دراسة قصة إبراهيم دراسة مستقلة، وستأتي إن شاء الله.

 

فصل: إذاً، ما هو (الإله)؟!

لعلنا هنا نكرر ونؤكد بعض الحقائق اليقينية التي استنبطناها في الفصل السابق المعنون (استجلاء المعنى القرآني للفظة (إلاه)):

الحقيقة الأولى: أن مفهوم (الألوهية) لا يجوز أبداً، ولا بحال من الأحوال، أن يخلو من:

ــ إما: (الفاعلية الذاتية، بالمشيئة الطليقة والاختيار الحر، على وجه الاستقلال التام) عامة، ومن أخص ذلك: (الخالقية الذاتية بالمشيئة والاختيار الحر، على وجه الاستقلال التام)، و(العلو والقهر الذاتي، بالمشيئة والاختيار الحر، على وجه الاستقلال التام). و(الفاعلية الذاتية) اسم مختصر لـ(القدرة الذاتية على الفعل)؛

ــ أو: (التولد) من كائن إلاهي آخر، أي: الانتماء إلى (النوع الإلاهي) أو (الجنس الإلاهي)؛

 

الحقيقة الثانية: من المقطوع به أيضاً، بالأدلة اليقينية آنفة الذكر، التي يخرج الإنسان من الإسلام، بل ومن العقل، بجحدها، أن مفهوم (الألوهية) إنما هو تعبير عن صفات ذاتية لذلك الكائن المسمى (إلاهبغض النظر عن وجود كائنات أخرى، وفعالياتها، وعلاقتها بالكائن محل البحث، أو عدم وجودها: بحيث يخلو تعريفه بوجه خاص من أي إشارة ظاهرة أو ضمنية لأفعال المخلوقين، أيا ما كانت تسميتها، بل وحتى عن وجود تلك المخلوقات أصلاً. فـ(الألوهية) تتضمن صفات واعتبارات ذاتية للكائن محل البحث: فإن كان أزلياً فهو (إلاه) في الأزل، وهو (إلاه) ما دام موجوداً؛ وإن كان متولداً أو حادثاً فهو (إلاه) من لحظة تولده أو حدوثه، وهو (إلاه) ما دام موجوداً؛ ولا علاقة لشيء من ذلك بأفعال العباد أصلاً؛

 

الحقيقة الثالثة: (الألوهية) إذا عرفت تعريفا قرآنياً صحيحاً؛ (وهو بالضرورة تعريف مستقل تمام الاستقلال عن أفعال المخلوقين، أيا ما كانت تسمية أو تصنيف تلك الأفعال، بل وحتى عن وجود تلك المخلوقات أصلاً)؛ سابقة في الرتبة المفاهيمية، ضرورة ولا بد، على تعريف (العبادة). فمفهوم (الألوهية) هو الأصل والأساس، وهو الأسبق في مراتب العقل والفكر على مفهوم (العبادة). فلا مندوحة لمفهوم (العبادة) إذاً، بضرورة الحس والعقل، من أن يكون:

(أ)- إما مبنياً على مفهوم (الألوهية)، تابعاً له، متعلقاً به: وهذا هو الحق اليقيني الذي سنقيم عليه قواطع الأدلة؛

(ب)- أو أن يكون مستقلا عن مفهوم (الألوهية)، تمام الاستقلال: وهذا محال عقلاً وشرعاً لأنه يقتضي أموراً شنيعة منها: أن (عبادة غير الله) لا تكون شركاً إلا إذا كان ذلك (الغير) إلاهاً، وإلا فلا: وهذا في غاية الشناعة والتناقض، ومصادمة الفطرة، وإجماع العقلاء، كما سيتضح تماماً فيما يلي.

 

فالمسلك الواجب في تعريف (الإله) إذاً هو، ضرورة ولا بد، أن يقال: [(الإله) هو الكائن ذو القدرة الذاتية على الفعل بالمشيئة الحرة والاختيار المطلق، المستقل عن الغير تمام الاستقلال (ومن أخص تلك الأفعال: الخلق والقهر)؛ أو هو الكائن المتولد من (إلاه) آخر فهو فرد من أفراد (النوع الإلاهي) أو (الجنس الإلاهي)]: وهذا هو تعريفنا المنضبط، الذي يخلو خلواً تاماً من لفظة (العبادة)، أو أي فعل من أفعال المخلوقين، كما سلف تحريره.

 

ويتأكد هذا بمراجعة الباب المخصص لـ(لواقع التاريخي لشرك العرب) لترى أن جميع آلهة مشركي العرب إنما هي – في التحليل النهائي - من هذين النوعين: الغالبية العظمى من ولد الله (بنات وأبناء)؛ وقلة منها من النوع الآخر (الفاعلين على وجه الاستقلال التام)، كإله الشر (لا فرق بين قديم وحادث) عند الثنوية من مجوس وزنادقة. والحق أن الحال كذلك – أو قريباً منه – عند جميع المشركين قديماً وحديثاً: فراجع ذلك وادرسه بنفسك إن شئت.

 

ومع ذلك فقد أصر البعض على الإقحام المتكلَّف السقيم للفظة (العبادة) في التعريف كما فعل الإمام الرازي حيث قال: [الإله هو القادر على ما إذا فعله كان مستحقاً لـ(العبادة)]:

* كما جاء في تفسير الرازي (1/144، بترقيم الشاملة آليا): [(الفرع الرابع): من الناس من قال: الإله ليس عبارة عن المعبود، بل الإله هو الذي يستحق أن يكون معبوداً، وهذا القول أيضاً يرد عليه أن لا يكون إلهاً للجمادات والبهائم والأطفال والمجانين، وأن لا يكون إلهاً في الأزل، ومنهم من قال: إنه القادر على أفعال لو فعلها لاستحق العبادة ممن يصح صدور العبادة عنه، واعلم أنا إن فسرنا الإله بالتفسيرين الأولين لم يكن إلهاً في الأزل، ولو فسرناه بالتفسير الثالث كان إلهاً في الأزل]؛

* وتجده أيضاً في تفسير الرازي (3/445، بترقيم الشاملة آليا): [(المسألة الثانية): قال بعضهم: الإله هو المعبود، وهو خطأ لوجهين الأول: أنه تعالى كان إلها في الأزل، وما كان معبوداً والثاني: أنه تعالى أثبت معبوداً سواه في القرآن بقوله ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ [الأنبياء: 98] بل: الإله هو القادر على ما إذا فعله كان مستحقاً للعبادة

 

وكذلك أصر على ذلك الإمام بن سيده الأندلسي، ولفظه: [الإله هو القادر على ما تَحِقُّ به (العبادةُ)]:

* فقد جاء في المخصص ـ لابن سيده الأندلسي [موافقا للمطبوع (5/220)]: [(الله) الأصل في قولك الله الاْلَهُ حذفت الهمزة وجعلت الألف واللام عوضاً لازماً وصار الاسم بذلك كالعَلَم هذا مذهب سيبويه وحُذَّاقُ النحويين؛ وقيل: (الاله هو المستحق للعبادة)، وقيل: (هو القادر على ما تَحِقُّ به العبادةُ)؛ ومن زعم أن معنى إله معنى معبود فقد أخطأ وشهد بخطئه القرآن وشريعةُ الإسلام: لأن جميع ذلك مُقِرٌ بأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا شك أن الأصنام كانت معبودةً في الجاهلية على الحقيقة إذا عبدوه وليس بإلهٍ لهم فقد تبين أن الاِلَهَ هو الذي تِحِقُّ له العبادةُ وتجب.]، انتهى كلام ابن سيده الأندلسي نصاً.

 

ومسلك الإمامين الرازي، وابن سيده الأندلسي قد يكون مسلكاً محتملاً، ولكن فيه عيوب جوهرية وشكلية، تجعله، في الحقيقة، تعريفاً معيباً، حتى لو سلمنا بأنه من التعريفات، أو الأقوال الشارحة، أصلاً:

*ــ* لأنه مبتور ناقص، من جانبين:

الأول: أن (استحقاق العبادة) قد لا يكون متعلقاً فقط بـ(القدرة على أفعال معينة)، وإنما أيضاً بـ(الاتصاف بصفات معينة)؛ بل قد يكون متعلقاً فقط بصفات معينة، من غير وجود أي فاعلية كما هو الحال، عادة، بالنسبة للكائنات المتولدة من إله، أي: الكائنات من نوع أو جنس إلاهي؛

والثاني: أنه ليس بجامع، وإن كان مانعاً: لخروج نوع مهم خطير من الآلهة، أو المعبودات، منه: ألا وهي الكائنات من نوع أو جنس إلاهي، أي: المتولدة من كائن إلاهي، كما سلف بيانه قريباً؛

 

*ــ* ولأنه قبيح منكوس: إذ يعرف البسيط الواضح القريب بالمعقد الغامض البعيد، والأصل أن يكون (التعريف) خلاف ذلك، وإلا فهو (تجهيل)، وليس بتعريف: ذلك لأن مفهوم (الألوهية) يتضمن مفاهيم (القدرة)، و(المشيئة)، و(الاختيار الحر الطليق)، و(الفعل)، و(الاستقلال)، وكلها مفاهيم بسيطة أساسية، مدركة ببداهة الفطرة بالحس الداخلي، أي الاستبطان، وضرورة العقل؛ في حين أن أفعال العباد معقدة مركبة: فالسجود لكائن معين مثلاً، لا يمكن تصور وقوعه:

(1): من غير (مُعْتَقَد) أو (صورة ذهنية) عن المسجود له عند الساجد؛

و(2): وجود أحوال قلبية وانفعاليات نفسية عند الساجد تجاه ذلك الكائن، عند رؤيته، أو لقائه، أو استحضاره في الذهن: كالحب، أو التعظيم، أو الخوف من شره وبطشه، تكون هي (الدافع) للسجود؛

و(3): (اتجاه النية، وانعقاد الإرادة) لفعل السجود تعبيراً عن تلك الأحوال القلبية والانفعالات النفسية عند الساجد؛

ثم (4): تحرك العضلات وأعضاء بدن الساجد لاتخاذ هيئة السجود المعروفة؛

 

*ــ* ولأنه غامض من جانبين:

أولاً: لأن (العبادة) لم يتم تعريفها قبل هذا بوضوح، مع وجود الخطر الجسيم أن يشتمل تعريفها على ذكر لـ(الإله)، صراحة أو ضمناً: فإن وقع هذا فهو (دور قبلي) يؤذن ببطلان التعريف، ضرورة ولا بد؛

وثانياً: ولم يتم ذكر أو إيضاح لتلك (الأفعال) التي يقدر (الإله) على فعلها، فإن فعل استحق العبادة، ومن باب أولى لم تذكر تلك الصفات – إن وجدت – التي يكون اتصاف (الإله) بها من مسوغات (استحقاق العبادة).

 

ولعلنا نحسن عبارة الرازي بعض الشيء فنقول: (الإله هو: الكائن المتصف بما به يكون مستحقاً لـ(العبادة)، أو القادر على ما إذا فعله كان مستحقاً لها)؛ أو بأسلوب ابن سيده مختصراً: (الإله هو: الكائن المتصف بما، أو القادر على ما تُسْتَحَقُّ به (العبادة)). وهذه العبارة تشمل الاتصاف بصفات (إلاهية) ومنها الكينونة من نوع أو جنس أو عنصر أو نسب إلاهي: فهذه العبارة المحسنة أفضل بكثير من عبارتي الرازي وابن سيده، ولكنها ما زالت قبيحة لتعلقها بـ(العبادة)، ولاحتوائها على لفظها؛ ولن نستخدمها إلا في حالة الاضطرار وعلى مضض.

 

وكذلك أصر الإمام ابن تيمية على الإقحام المتكلف السقيم للفظة (العبادة) في تعريفه: [(الْإِلَهِيَّةُ) تَتَضَمَّنُ كَمَالَ عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ، فَفِيهَا إثْبَاتُ إحْسَانِهِ إلَى الْعِبَادِ فَإِنَّ (الْإِلَهَ) هُوَ الْمَأْلُوهُ، وَالْمَأْلُوهُ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ، وَكَوْنُهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ هُوَ: بِمَا اتَّصَفَ بِهِ مِنْ الصِّفَاتِ الَّتِي تَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَحْبُوبُ غَايَةَ الْحُبِّ، الْمَخْضُوعِ لَهُ غَايَةَ الْخُضُوعِ؛ وَالْعِبَادَةُ تَتَضَمَّنُ غَايَةَ الْحُبِّ بِغَايَةِ الذُّلِّ]، كما جاء نصاً في مجموع الفتاوى [الرقمية (10/249)].

 

والحق أن كلام ابن تيمية آنف الذكر ليس تعريفاً: فلا هو تعريف لـ(الإله)، ولا هو تعريف لـ(العبادة)، وإنما هو قول مرسل يذكر بعض جوانب (الشيء) الذي يراد تعريفه تقريباً للأذهان: فهو في أحسن محامله (رسم) ناقص، فقط لا غير: ومن جعله تعريفاً سقط إما في هاوية (الدور)، أي: سقط في التناقض؛ أو سقط في هاوية (الكفر)، كما سنرى في حينه؛

 

فـ(الإله) – عند الرازي وابن سيده وابن تيمية ومن سلك مسلكهم - هو إذاً ذلك الكائن الذي يعتقد اتصافه بصفات معينة (ومن ذلك القدرة على أفعال معينة)، تجعله، عند من اعتقد ذلك فيه، مستحقاً بنفسه استحقاقاً ذاتياً للأقوال والأفعال المظهرة والمعبرة عن (التعظيم والتوقير، والتذلل والخضوع، والسمع والطاعة؛ أو الثقة والتوكل؛ أو الخشية والرهبة؛ أو المحبة، والأنس والقرب؛ أو الفقر والحاجة؛ ونحو ذلك)، أو للأقوال والأفعال التي تطلب (جلب منفعة أو دفع مضرة).

 

والحق المتيقن أن الإصرار على إدخال لفظة (العبادة) في تعريف الإله لا توجبه نصوص الشرع، ولا ضرورة حس أو عقل. ووجود هذا الترابط المحكم بين الإثنين في أذهان الناس إنما هو لأن كل فرد منا منذ طفولته، والبشرية كلها منذ نشأتها درجت على إطلاق مسمى (العبادة) على جنس ما يصرف للآلهة، أي للكائنات (فوق الطبيعية)، من أقوال وأفعال للتعبير عن ما يقوم بالقلب من الأحوال القلبية، وما ينقدح في النفس من الانفعالات النفسية: كالتعظيم والإجلال، والحب، والخوف والرجاء، والرغبة والرهبة، والثقة والتوكل؛ وما شابه ذلك. وقد ترسخ هذا الترابط الاتفاقي في النفوس، وأخذه الولد من الوالد عبر تعاقب الأجيال لآلاف السنين:

(أ)- حتى توهمت الأغلبية الساحقة من البشر أن هناك (ترابط منطقي)، أو (تلازم)، أو (اقتران) يوجب ذكر (العبادة) عند تعريف (الاله

(ب)- وحتى وقع الكثيرون، ومنهم علماء أكابر، مناطقة فحول، نظار حذاق، كالرازي وابن تيمية، في الدور الخفي، إن لم يكن الدور الجلي، من حيث لا يشعرون.

 

والحق المتيقن أيضاً أن بأيدينا تعريف لـ(الإله)، وهو الذي سلف إيراده: يخلو من أي إشارة إلى أي مخلوق، بل إلى أي كائن آخر أصلاً، وليس فيه، مطلقاً، ذكر لأي فعل من أفعال الكائنات الأخرى. وهو الذي استنبطناه في الفصول السابقة من آية (التمانع)، وغيرها: فهو تعريف قرآني صحيح، مستقل تمام الاستقلال عن أفعال المخلوقين، أيا ما كانت تسمية الأفعال وماهيتها، بل وحتى عن وجود تلك المخلوقات أصلاً.

 

وتعريفنا هو أيضاً تعريف منطقي فلسفي سليم، يشارك في الشهادة بأن القرآن حق من عند الله؛ وقد تمت صياغته في آية (التمانعبأفصح وأبلغ وأوجز وأيسر عبارة: فالأولى أن يلتزم به، وأن يضرب بأقوال الرازي وابن سيده وابن تيمية، ومن كان على طريقتهم، أو سلك مسلكهم، عرض الحائط. ومفاده: [(الإله) هو الكائن الفاعل بالاختيار الحر، والمشيئة الطليقة، ذو القدرة الذاتية على الفعل المستقل عن الغير تمام الاستقلال (ومن أخص تلك الأفعال: الخلق والقهر)؛ أو هو الكائن المتولد من إله آخر، فهو إذاً: فرد من أفراد (النوع الإلاهي) أو (الجنس الإلاهي)]؛ ولا فرق في هذا كله بين قديم وحادث؛ ولا علاقة لهذا أصلاً بكونه يعبد أو لا يعبد؛ ولا بوجود عابدين من عدم وجودهم؛

 

فصل: ابطال المقولة الكاذبة: (الإله هو المعبود)، ونسفها من أساسها

القول بأن (الإله هو المعبوديقتضي أن (الألوهية) ليست من صفات الله، وأنه، تعالى وتقدس، لم يكن (إلاها) في الأزل، وهي أقوال كفرية شنيعة أيضاً:

* فقد جاء في تفسير الرازي (1/144، بترقيم الشاملة آليا): [( الفرع الثالث): من الناس من طعن في قول من يقول: الإله هو المعبود من وجوه: الأول: أن الأوثان عبدت مع أنها ليست آلهة. الثاني: أنه تعالى إله الجمادات والبهائم، مع أن صدور العبادة منها محال. الثالث: أنه تعالى إله المجانين والأطفال، مع أنه لا تصدر العبادة عنها. الرابع: أن المعبود ليس له بكونه معبوداً صفة؛ لأنه لا معنى لكونه معبوداً إلا أنه مذكور بذكر ذلك الإنسان، ومعلوم بعلمه، ومراد خدمته بإرادته، وعلى هذا التقدير: فلا تكون الإلهية صفة لله تعالى. الخامس: يلزم أن يقال: إنه تعالى ما كان إلهاً في الأزل

* وجاء في تفسير الرازي (1/143، بترقيم الشاملة آليا): [(المسألة الثانية): الذين قالوا: إنه اسم مشتق ذكروا فيه فروعاً: الفرع الأول: أن الإله هو المعبود، سواء عبد بحق أو بباطل، ثم غلب في عرف الشرع على المعبود بالحق، وعلى هذا التفسير لا يكون إلهاً في الأزل. واعلم أنه تعالى هو المستحق للعبادة، وذلك لأنه تعالى هو المنعم بجميع النعم أصولها وفروعها، وذلك لأن الموجود إما واجب وإما ممكن، والواجب واحد وهو الله تعالى، وما سواه ممكن، والممكن لا يوجب إلا بالمرجح، فكل الممكنات إنما وجدت بإيجاده وتكوينه إما ابتداء وإما بواسطة، فجميع ما حصل للعبد من أقسام النعم لم يحصل إلا من الله، فثبت أن غاية الأنعام صادرة من الله والعبادة غاية التعظيم فإذا ثبت هذا فنقول: إن غاية التعظيم لا يليق إلا لمن صدرت عنه غاية الإنعام فثبت أن المستحق للعبودية ليس إلا الله تعالى]؛

 

* وجاء في المخصص ـ لابن سيده الأندلسي [موافقا للمطبوع (5/220)]: [(الله) الأصل في قولك الله الاْلَهُ حذفت الهمزة وجعلت الألف واللام عوضاً لازماً وصار الاسم بذلك كالعَلَم هذا مذهب سيبويه وحُذَّاقُ النحويين؛ وقيل: (الاله هو المستحق للعبادة)، وقيل: (هو القادر على ما تَحِقُّ به العبادةُ)؛ ومن زعم أن معنى إله معنى معبود فقد أخطأ وشهد بخطئه القرآن وشريعةُ الإسلام: لأن جميع ذلك مُقِرٌ بأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا شك أن الأصنام كانت معبودةً في الجاهلية على الحقيقة إذا عبدوه وليس بإلهٍ لهم فقد تبين أن الاِلَهَ هو الذي تِحِقُّ له العبادةُ وتجب.]، انتهى كلام ابن سيده الأندلسي نصاً.

 

والقول بأن (الإله هو المعبود)، يقتضي أيضاً، ضرورة ولا بد، أمورا شنيعة أخرى، منها: أن شهادة الحق: (لا إله إلا الله) تعني:

ــ إما أن كل معبود هو الله، أو بعض الله، أو (صنم) لله: معاذ الله، تعالى الله عن ذلك وتقدس. وهذا من أشنع أصناف الكفر، وهو قول أعتى غلاة الصوفية المتفلسفين، والحذاق من فلاسفة المشركين، القائلين بوحدة الوجود، أو الاتحاد العام، أو الحلول العام؛

ــ أو: أن (الله) غير موجود، وكذلك سائر المعبودات، والأفعال والأقوال التي يسميها الناس (عبادة)، لتخلفهم وجهلهم، وعدم انعتاقهم من الأفكار التي ورثوها من عصور السحر والخرافة، أفعال وأقوال فارغة المعنى إنما هي فقط رياضة بدنية، أو معالجة نفسانية، أو بهلوانيات ذهنية للتسلية، لا غير: وهذا هو قول الملحدين الكفار؛

 

وهذا كله من الوضوح والضرورة بحيث لم يفت الأكابر: فهذا مرجع الوهابيين وإمامهم ابن تيمية، الذي اتخذوه رباً لا يبتدع لهم بدعة إلا جعلوها ديناً، يقول في معرض منازلته للجهمية والمعتزلة، نصاً: [والمعتزلة قد تحتج بها على ما يدعونه من التوحيد والعدل والحكمة ولا حجة فيها لهم، لكن فيها حجة عليهم، وعلى خصومهم الجبرية أتباع الجهم بن صفوان؛ الذين يقولون: كل ما يمكن فعله فهو عدل، وينفون الحكمة، فيقولون: يفعل لا لحكمة، فلا حجة فيها لهم؛ فإنه أخبر أنه لا إله إلا هو، وليس في ذلك نفى الصفات، وهم يسمون نفى الصفات توحيدا، بل الإله هو المستحق للعبادة، والعبادة لا تكون إلا مع محبة المعبود]، كذا بأحرفه من تفسير ابن تيمية (3/120)، وأيضا بعينه في مجموع فتاوى ابن تيمية (التفسير) (2/497).

 

ونحن لا ننكر أن كلام ابن تيمية في هذا مضطرب، مثل غيره من الأئمة، لوقوعهم – لا شعورياً – في أنواع من (الدور) الخفي، الذي ألمحنا إليه سلفاً، وكما سيظهر شيئاً فشيئاً؛ ولكن ما ذكرناه عنه هو الأقوى والأرجح، لا سيما مع الترجيح المنضبط عند التعارض، وإيراد النصوص بتمامها في سياقها (خلافا لعادة الوهابيين الخبيثة في بتر النصوص، ونزعها من سياقها، وتحريفها عن مواضعها)، فمثلاً:

* جاء في الإيمان لابن تيمية (1/85)؛ وهو مطبوع أيضاً باسم الإيمان الكبير لأبن تيمية (ص: 48): [وقوله في سياق الآية: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾، (الصافات: 35)، ولا ريب أنها تتناول الشركين: الأصغر والأكبر، وتتناول أيضًا من استكبر عما أمره اللّه به من طاعته، فإن ذلك من تحقيق قول: لا إله إلا اللّه؛ فإن الإله هو المستحق للعبادة، فكل ما يعبد به اللّه فهو من تمام تأله العباد له، فمن استكبر عن بعض عبادته سامعًا مطيعًا في ذلك لغيره، لم يحقق قول: لا إله إلا اللّه، في هذا المقام]؛

* وجاء في الفتاوى الكبرى لابن تيمية (7/378): [فَإِنَّ (الْإِلَه)، هُوَ الْمَعْبُودُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ. وَ(الرَّبُّ) هُوَ الَّذِي يَرُبُّ عَبْدَهُ فَيُدَبِّرُهُ]؛

* وجاء في مجموع الفتاوى [الرقمية (10/249)]: [فَقَوْلُهُ: ﴿لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ﴾ فِيهِ إثْبَاتُ انْفِرَادِهِ بِـ(الْإِلَهِيَّةِ)، وَ(الْإِلَهِيَّةُ) تَتَضَمَّنُ كَمَالَ عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ، فَفِيهَا إثْبَاتُ إحْسَانِهِ إلَى الْعِبَادِ فَإِنَّ (الْإِلَهَ) هُوَ الْمَأْلُوهُ، وَالْمَأْلُوهُ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ، وَكَوْنُهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ هُوَ بِمَا اتَّصَفَ بِهِ مِنْ الصِّفَاتِ الَّتِي تَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَحْبُوبُ غَايَةَ الْحُبِّ، الْمَخْضُوعِ لَهُ غَايَةَ الْخُضُوعِ؛ وَالْعِبَادَةُ تَتَضَمَّنُ غَايَةَ الْحُبِّ بِغَايَةِ الذُّلِّ]؛ وهو بعينه في إقامة الدليل على إبطال التحليل (5/359)؛ ومنقولاً بأحرفه فيما لا يعد ولا يحصى من كتب الفرقة الوهابية، ولكن القوم قد فسدت أدمغتهم، إن كانت لهم أدمغة أصلاً: فهم ينقلون ولا يعقلون!

 

* وجاء قريب من ذلك في كتاب (الشهادتان معناهما وما تستلزمه كل منهما)، (ص: 10): [وقال شيخ الإسلام: الإله هو المعبود المطاع. وقال أيضا في لا إله إلا الله: إثبات انفراده بالإلهية، والإلهية تتضمن كمال علمه وقدرته ورحمته وحكمته؛ ففيها إثبات إحسانه إلى العباد، فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد، وكونه يستحق أن يعبد هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب، المخضوع له غاية الخضوع. وقال ابن القيم - رحمه الله: الإله هو الذي تألهه القلوب محبة وإجلالا، وإنابة وإكراما وتعظيما وذلا وخضوعا، وخوفا ورجاء وتوكلا]

 

* وجاء في تفسير الرازي (1/84، بترقيم الشاملة آليا): [(النكتة الحادية عشرة): إنما قال: (أعوذ بالله) ولم يذكر اسماً آخر، بل ذكر قوله (الله) لأن هذا الاسم أبلغ في كونه زاجراً عن المعاصي من سائر الأسماء والصفات لأن الإله هو المستحق للعبادة، ولا يكون كذلك إلا إذا كان قادراً عليماً حكيماً فقوله: (أعوذ بالله) جار مجرى أن يقول أعوذ بالقادر العليم الحكيم، وهذه الصفات هي النهاية في الزجر، وذلك لأن السارق يعلم قدرة السلطان وقد يسرق ماله، لأن السارق عالم بأن ذلك السلطان وإن كان قادراً إلا أنه غير عالم، فالقدرة وحدها غير كافية في الزجر، بل لا بدّ معها من العلم، وأيضاً فالقدرة والعلم لا يكفيان في حصول الزجر، لأن الملك إذا رأى منكراً إلا أنه لا ينهى عن المنكر لم يكن حضوره مانعاً منه، أما إذا حصلت القدرة وحصل العلم وحصلت الحكمة المانعة من القبائح فههنا يحصل الزجر الكامل؛ فإذا قال العبد (أعوذ بالله) فكأنه قال: أعوذ بالقادر العليم الحكيم الذي لا يرضى بشيء من المنكرات فلا جرم يحصل الزجر التام]، انتهي بحروفه: فتأمل وتذوق هذا الكلام المتين.

 

* وجاء في [ترجمة الشيخ حافظ أحمد حكمي (9/420)]: [فمعنى لا إله إلا الله لا معبود بحق إلا الله: لا إله نافيا جميع ما يعبد من دون الله فلا يستحق أن يعبد إلا الله مثبتا العبادة لله فهو الإله الحق المستحق للعبادة فتقدير خبر لا المحذوف بحق هو الذي جاءت به نصوص الكتاب والسنة كما سنوردها إن شاء الله. وأما تقديره بموجود فيفهم منه الاتحاد: فإن الإله هو المعبود فإذا قيل لا معبود موجود إلا الله لزم منه أن كل معبود عبد بحق أو باطل هو الله فيكون ما عبده المشركون من الشمس والقمر والنجوم والأشجار والأحجار والملائكة والأنبياء والأولياء وغير ذلك هي الله فيكون ذلك كله توحيدا فما عبد على هذا التقدير إلا الله إذ هي هو وهذا والعياذ بالله أعظم الكفر وأقبحه على الإطلاق وفيه إبطال لرسالات جميع الرسل وكفر بجميع الكتب وجحود لجميع الشرائع وتكذيب بكل ذلك وتزكية لكل كافر من أن يكون كافرا إذ كل ما عبده من المخلوقات هو الله فلم يكن عندهم مشركا بل موحدا تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا]؛ انتهي: فنقول: هذا الكلام يقتضي ضرورة، ولا بد، أنه يقول، ضمناً وإن لم يكن تصريحاً، بالمعادلات التامة: (لا إله إلا الله) = (لا معبود بحق إلا الله): فإذاً: (إله) = (معبود بحق)؛ والشيخ حافظ أحمد حكمي معدود في أقطاب الوهابيين في القرن الرابع عشر الهجري.

 

* وهذا، فيما يظهر، مذهب (إمامهم) المعاصر عبد العزيز بن عبد الله بن باز، سامحه الله، لأنه اكتفى بإيراد كلام ابن تيمية حيث قال في مجموع الفتاوى له (6/220): [قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الإله هو المعبود المطاع فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد، وكونه يستحق أن يعبد هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو: المحبوب غاية الحب المخضوع له غاية الخضوع). وقال: (فإن الإله هو المحبوب المعبود الذي تألهه القلوب بحبها وتخضع له وتذل له وتخافه وترجوه وتنيب إليه في شدائدها وتدعوه في مهماتها وتتوكل عليه في مصالحها وتلجأ إليه وتطمئن بذكره وتسكن إلى حبه، وليس ذلك إلا لله وحده، ولهذا كانت لا إله إلا الله أصدق الكلام، وكان أهلها أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أعداءه وأهل غضبه ونقمته، فإذا صحت صح بها كل مسألة وحال وذوق، وإذا لم يصححها العبد فالفساد لازم له في علومه وأعماله)].

 

والنصوص آنفة الذكر، وبخاصة نصوص الإمام ابن تيمية، ومن سبقه من الأئمة كالرازي وابن سيده، تبطل التعريف الوهابي المتداول لـ(الإله)، وهو: (الإله هو المعبود)، كما تبطل الزعم أنه كذلك (بإجماع أهل العلم): هذه أكذوبة صلعاء، وزعم وقح، بل هو من الإفك العظيم:

* قال محمد بن عبد الوهاب في رسالته في (كلمة لا إله إلا الله)، بإعداد موقع روح الإسلام (8/28): [فاعلم أن الإله هو المعبود؛ هذا هو تفسير هذه اللفظة بإجماع أهل العلم، فمن عبد شيئا فقد اتخذه إلها من دون الله، وجميع ذلك باطل، إلا إله واحد وهو الله وحده تبارك وتعالى علوا كبيرا]، انتهى؛

 

* وجاء أيضاً في [عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية وأثرها في العالم الإسلامي (1/461)]: [ثم قال الشيخ يخاطب بعض من يراسلهم: (فتفكر رحمك الله في هذا، واسأل عن معنى الإله كما تسأل عن معنى الخالق والرازق، واعلم أن معنى الإله هو المعبود، وهذا هو تفسير هذه اللفظة بإجماع أهل العلم، فمن عبد شيئا؛ فقد اتخذه إلها من دون الله، وجميع ذلك باطل؛ إلا إله واحد، وهو الله تبارك وتعالى علوا كبيرا]، انتهى؛

 

* وجاء في بالدرر السنية في الأجوبة النجدية [1 - 3 (2/71)]: [واعلم: أن معنى الإله، هو: المعبود؛ هذا هو تفسير هذه اللفظة، بإجماع أهل العلم، فمن عبد شيئاً، فقد اتخذه إلهاً من دون الله، وجميع ذلك باطل، إلا إله واحد، وهو: الله وحده، تبارك وتعالى، علوا كبيراً]، انتهى؛

 

* وجاء في مجموع مؤلفات تاريخ الرافضة (46/266): [وهو إجماع منهم أن الإله هو المعبود خلافاً لما يعتقده عباد القبور وأشباههم في معنى الإله، أنه الخالق أو القادر على الاختراع أو نحو هذه العبارات]، انتهى؛

 

* وتجد في (بيان كلمة التوحيد والرد على الكشميري عبد المحمود)، لعبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب (المتوفى: 1285هـ)، [مطبوع ضمن الرسائل والمسائل النجدية، الجزء الرابع، القسم الأول، (ص: 349): [وكذلك النحاة وجميع العلماء من المفسرين وغيرهم أجمعوا قاطبة على أن الإله هو المعبود، وأن العبادة حق لله لا يجوز أن يصرف منها شيء لغير الله كائنا ما كان، وأن المنفي في كلمة الإخلاص كل ما كان يعبد من دون الله من بشر أو ملك أو شجر أو حجر أو غير ذلك]، انتهى؛ قلت: وها هنا ردد عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب أكاذيب جده عن (الإجماع) بأسلوب أشنع وأوقح: سبحان الله: هذا بهتان عظيم؛ ومن أشبه جده فما ظلم!

* وقال صالح بن عبد العزيز آل الشيخ (8/5): [هذه وصية الله جل وعلا لجميع المرسلين ولجميع الناس، (لا تعبدوا إلا الله) مساوية لـ(لا إله إلا الله)، فصار بالمطابقة الإله هو المعبود، والإلهة هي العبادة، لا إله إلا الله يعني لا معبود إلا الله، يعني لا تعبدوا إلا الله المشركون يفهمون اللغة ويفهمون معاني الكلام في زمن النبوة، فلما قال لهم قولوا لا إله إلا الله؛ دعاهم إلى لا إله إلا الله علموا أن المعنى أن يدعوا جميع الآلهة وأن لا يتوجهوا بنوع من أفعالهم إلى شيء من تلك الآلهة]؛

قلت: كلام صالح بن عبد العزيز آل الشيخ عن (المساواة) أو (المعادلة) بين جملتين من جمل القرآن مسلك فريد، ما أظن أحداً سبقه به. ولكنه قد أخطأ ها هنا ووصل إلى نتيجة باطلة كما سنبينه في فصل مستقل عن هذه، وغيرها، من (المعادلات) القرآنية الخطيرة.

 

وحتى الأزرقي المارق بن عبد الوهاب نفسه قد أدرك بعض هذا، ولكن الجهل المركب، أو الهوى والعناد، أو كلاهما، أعماه، فلم يكمل المسيرة، ونكص على عقبيه، ولا عجب: فهو غال مارق معاند، قد اعتد برأيه فاعتبره الحق اليقيني المطلق، وأعجبته نفسه فزكاها وجعلها أفضل أهل زمانه، ونسب بقيتهم إلى الشرك والكفر، فلم يبق في العالم موحداً غيره:

* فقد قال بن عبد الوهاب: [إذا عرفت أن معنى (الله) هو الإله، وعرفت أن الإله هو المعبود، ثم دعوت الله أو ذبحت له أو نذرت له فقد عرفت أنه الله، فإن دعوت مخلوقاً طيباً أو خبيثاً، أو ذبحت له أو نذرت له فقد زعمت أنه هو الله، فمن عرف أنه قد جعل شمسان أو تاجا برهة من عمره هو الله، عرف ما عرفت بنو إسرائيل لما عبدوا العجل، فلما تبين لهم ارتاعوا، وقالوا ما ذكر الله عنهم: ﴿ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لَئِنْ لم يرحمنا ربنا ويغفر بنا لنكونن من الخسرين﴾، (الأعراف؛ الآية: 149)]، أنتهى، كذا بأحرفه من كشف الشبهات لمحمد بن عبدالوهاب (20/4)؛

 

* وجاء في تفسير سور الفاتحة والإخلاص والمعوذتين لمحمد بن عبدالوهاب (ص: 5): [إذا عرفت أن معنى الله هو الإله، وعرفت أن الإله هو المعبود، ثم دعوت الله أو ذبحت له أو نذرت له فقد عرفت أنه الله، فإن دعوت مخلوقاً طيباً أو خبيثاً، أو ذبحت له أو نذرت له فقد زعمت: أنه هو الله]

 

ولا غرابة أن ينكص الأزرقي المارق بن عبد الوهاب على عقبيه، فيضل الطريق: فالرجل مفلس تمام الإفلاس في العلوم الآلية كفقه اللغة، والرياضيات، والمنطق، (لأن لسان حاله، إن لم يكن صريح مقاله، يقول: من تمنطق فقد تزندق، عياذاً بالله!)؛ وكذلك علوم الكلام والجدل والمناظرة، (لأن لسان حاله، إن لم يكن صريح مقاله، يقول: علم الكلام جهل، وجهل الكلام علم، نسأل الله العافية!)؛ أما علوم الفلسفة فهي عنده وعند فرقته المبتدعة الضالة المارقة: رجس من عمل الشيطان كالسحر والتنجيم والكيمياء، عياذاً بالله(!!!).

 

فلا مفر إذاً من إلقاء هذا التعريف المزعوم: (الإله هو المعبود) في مزابل التاريخ، فليس هو من (الأقاويل الشارحة)، أو (التعاريف) المنضبطة من صدر ولا ورد لأنه في حقيقته من أقوال الكفر، وهذا حق أياً ما كان تعريف (العبادة)، إذ يكفي فحسب أن تكون من أقوال وأفعال العباد الظاهرة أو الباطنة، بغض النظر عن تفصيل ذلك.

فعبارة: (الإله هو المعبود)، ما هي – في أحسن أحوالها - إلا قول مرسل:

            (أ)- يذكر بعض متعلقات الألوهية ومقتضياتها، فقط لا غير؛

(ب)- أو يشير إلى الأصل اللغوي، أو ما شابه؛

(ج)- أو هو - في أحسن الأحوال - من باب التأكيد – كما هو في الكلام النبوي المعصوم؛ وسنسوق أمثلة بعد هذا فوراً.

مثال لما ذكرنا من (التأكيد): قوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، لحصين، والد عمران بن الحصين الخزاعي: (كم تعبد اليوم إلها)، فأجابه حصين فقط بذكر عددها: (سبعة: ستا في الأرض وواحدا في السماء)، كأن السؤال كان بلفظ: (كم عدد آلهتك؟!)، أو (ما عدد معبوداتك؟!)؛ ولكن لفظ النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، أفصح وأدفع لأي توهم أن لفظة (إله) ربما كانت متعددة المعاني عند قوم حصين، كما هو الحال بالنسبة للفظة (رب) عند عامة العرب. والظاهر أن هذا كان عند العرب قليلاً، بخلاف بني إسرائيل الذين كانوا يتساهلون في المعنى فيطلقون (إيلوه)، و(إيلوهيم) أحياناً على السيد المتسلط المسيطر، أو على السيد الموقر ذي المكانة العالية، بالإضافة إلى الاستخدام الرئيس للكائنات (فوق الطبيعة). ومن أمثلة ذلك وصف موسى بأنه (إيلوهيم) لفرعون في (سفر الخروج؛ 7: 1)، وكذلك لهارون في (سفر الخروج؛ 4: 20)، وقد سبق إيراد تلك النصوص، وغيرها كما هي في لغتهم العبرانية.

* وحديث الحصين الخزاعي قد أخرجه الإمام الترمذي في سننه (ج5/ص520/ح3483) بإسناد حسن: [حدثنا أحمد بن منيع حدثنا أبو معاوية عن شبيب بن شيبة عن الحسن البصري عن عمران بن حصين قال: قال النبي، صلى الله عليه وسلم، لأبي: (يا حصين: كم تعبد اليوم إلها؟!)، قال أبي: (سبعة: ستا في الأرض وواحدا في السماء)؛ قال: (فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟!)، قال: (الذي في السماء!)؛ قال: (يا حصين: أما إنك لو أسلمت علمتك كلمتين تنفعانك!). قال: فلما أسلم حصين، قال: (يا رسول الله: علمني الكلمتين اللتين وعدتني!)، فقال: (قل: اللهم ألهمني رشدي، وأعذني من شر نفسي!)]، وقال أبو عبسي: (هذا حديث غريب؛ وقد روي هذا الحديث عن عمران بن حصين من غير هذا الوجه)، قلت: وهو صحيح بطرقه، وشبيب بن شيبة هو التميمي المنقري، أبو معمر البصري، الخطيب البليغ، والاخباري الصدوق، كما هو في تقريب التهذيب (ج1/ص263/2740)؛ والحديث أخرجه أيضاً الإمام الطبراني في معجمه الكبير (ج18/ص174/ح396)؛ وفي معجمه الأوسط (ج2/ص281)؛ والإمام البخاري في خلق أفعال العباد (ج1/ص43)؛ وغيرهم؛

 

ومثال آخر، في موضوع آخر: أخرج الإمام البخاري في صحيحه (ج6/ص2480/ح6365)؛ والإمام مسلم في صحيحه (ج3/ص1234/ح2015): [حدثنا أمية بن بسطام حدثنا يزيد بن زريع عن روح عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن بن عباس عن النبي قال ألحقوا الفرائض بأهلها فما تركت الفرائض فلأولى رجل ذكر]، لفظهما واحد إلا أن مسلم قال: (روح بن القاسم)؛ وأخرجه البخاري في صحيحه ج6/ص2476/ح6351، ج6/ص2477/ح6354، ج6/ص2478/ح6356؛ ومسلم في صحيحه ج3/ص1233/ح2015؛ وابن حبان في صحيحه ج13/ص389/ح6028، ج13/ص390/ح6029، ج13/ص390/ح6030؛ والترمذي في سننه ج4/ص419/ح2098؛ وابن ماجه في سننه ج2/ص915/ح2740؛ والإمام أبو داود في سننه ج3/ص123/ح2898؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج1/ص292/ح2657، ج1/ص313/ح2862، ج1/ص325/ح2995؛ والحاكم في مستدركه ج4/ص375/ح7973، ج4/ص376/ح7977؛ والطيالسي في مسنده ج1/ص340/ح2609؛ والطبراني في معجمه الكبير ج11/ص19/ح10901، ج11/ص19/ح10902، ج11/ص20/ح10903، ج11/ص20/ح10904؛ والنسائي في سننه الكبرى ج4/ص71/ح6331، ج4/ص72/ح6332؛ والدارقطني في سننه ج4/ص70/ح10، ج4/ص71/ح11، ج4/ص71/ح12، ج4/ص72/ح14، ج4/ص72/ح15؛ والبيهقي في سننه الكبرى ج6/ص234/ح12115، ج6/ص234/ح12120، ج6/ص238/ح12151، ج6/ص239/ح12156، ج6/ص258/ح12270، ج10/ص306/ح21299؛ والإمام أبو يعلى في مسنده ج4/ص259/ح2371؛ وابن الجارود في المنتقى ج1/ص240/ح955؛ والدارمي في سننه ج2/ص465/ح2987؛ والطبراني في معجمه الأوسط ج2/ص46/ح1196)؛ وغيرهم.

قول النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: (رجل ذكر) إنما هو للتأكيد، لأن بعض العرب ربما استخدم لفظة رجل بمعنى (إنسان) أو (آدمي) أو (شخص)، أي فيما يقابل (الملائكة) أو (الجن)، كما قال صناجة العرب، أعشى قيس: (اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِالوَفَاءِ وَبِالعَدْلِ وَوَلَّى المَلاَمَةَ الرَّجُلاَ)، يعني الإنسان: ذكراً كان أو أنثى؛ وإن كان هذا نادراً، بعكس اللغات الأوروبية التي يكثر فيها هذا.

 

فصل: هل (الإله) هو (المعبود بحق)؟!

وأما قول الشيخ حافظ أحمد حكمي: (إله) = (معبود بحق)؛ وقول ابن تيمية: ((الْإِلَه)، هُوَ الْمَعْبُودُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ)، كما جاء في الفتاوى الكبرى لابن تيمية (7/378): [فَإِنَّ (الْإِلَه)، هُوَ الْمَعْبُودُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ. ... إلخ]؛ وإن أمكن به الإفلات من شناعة استلزام كلمة التوحيد: (لا إله إلا الله) للحلول أو الاتحاد العام أو وحدة الوجود:

(1)- إلا أنها لا تحل إشكالية أن (الله) جل جلاله لا يكون بها إلاها في الأزل، ولا تكون الألوهية صفة له أصلاً، ولا معنى لتسميته بـ(الإله) مطلقاً: وهذا كفر صريح؛

(2)- ويترتب عليها أيضاً تكذيب القرآن، ووصمه بالتناقض، لأنه سمَّى بعض معبودات المشركين (آلهة)، مع كونها معبودة بالباطل: وهذا كفر مجرد صريح. وهذا أيضاً حق أياً ما كان تعريف (العبادة)، إذ يكفي فحسب أن تكون من أقوال وأفعال العباد الظاهرة أو الباطنة، بغض النظر عن تفصيل ذلك.

 

فصل: هل (الإله) هو (المستحق للعبادة)؟!

وقد يقول قائل: لعل قول الرازي الثاني، وقول ابن تيمية: (الإله هو المستحق للعبادة) إذاً يحل الإشكالية، فلنتأمل أولاً ما يلي:

* حيث جاء في تفسير الرازي (1/144، بترقيم الشاملة آليا): [(الفرع الرابع): من الناس من قال: الإله ليس عبارة عن المعبود، بل الإله هو الذي يستحق أن يكون معبوداً، وهذا القول أيضاً يرد عليه أن لا يكون إلهاً للجمادات والبهائم والأطفال والمجانين، وأن لا يكون إلهاً في الأزل، ومنهم من قال: إنه القادر على أفعال لو فعلها لاستحق العبادة ممن يصح صدور العبادة عنه، واعلم أنا إن فسرنا الإله بالتفسيرين الأولين لم يكن إلهاً في الأزل، ولو فسرناه بالتفسير الثالث كان إلهاً في الأزل]؛

فنقول: الإمام الرازي يعني بالتفسير الأول: (الإله عبارة عن المعبود)؛ وبالثاني: (الإله هو الذي يستحق أن يكون معبوداً)، أما تفسيره الثالث، الذي استقر عليه، فهو: (القادر على أفعال لو فعلها لاستحق العبادة ممن يصح صدور العبادة عنه)، وقد ذكرنا قصور وعيوب هذا (التعريف) الأعرج في فصل سابق.

 

* وجاء في تفسير الرازي (3/445، بترقيم الشاملة آليا): [(المسألة الثانية): قال بعضهم: الإله هو المعبود، وهو خطأ لوجهين الأول: أنه تعالى كان إلها في الأزل، وما كان معبوداً والثاني: أنه تعالى أثبت معبوداً سواه في القرآن بقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ [الأنبياء: 98]؛ بل: الإله هو القادر على ما إذا فعله كان مستحقاً للعبادة

* وجاء في المخصص ـ لابن سيده الأندلسي [موافقا للمطبوع (5/220)]: [(الله) الأصل في قولك الله الاْلَهُ حذفت الهمزة وجعلت الألف واللام عوضاً لازماً وصار الاسم بذلك كالعَلَم هذا مذهب سيبويه وحُذَّاقُ النحويين؛ وقيل: (الاله هو المستحق للعبادة)، وقيل: (هو القادر على ما تَحِقُّ به العبادةُ)؛ ومن زعم أن معنى إله معنى معبود فقد أخطأ وشهد بخطئه القرآن وشريعةُ الإسلام: لأن جميع ذلك مُقِرٌ بأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا شك أن الأصنام كانت معبودةً في الجاهلية على الحقيقة إذا عبدوه وليس بإلهٍ لهم فقد تبين أن الاِلَهَ هو الذي تِحِقُّ له العبادةُ وتجب.]، انتهى كلام ابن سيده الأندلسي نصاً.

 

فتعريف (الإله) إذاً بالجملة: (الإله هو المستحق للعبادة)، أو: (الإله هو الذي يستحق أن يكون معبوداً)، أو ما شابه باطل، لأنه يترتب عليه، ضرورة ولا بد:

أولاً: أن لا يكون الله، تعالى وتقدس، إلاهاً في الأزل، معاذ الله: وهذا – في حقيقته أيضاً – من أقوال الكفر، كما سلف مراراً؛

ثانياً: أن لا يكون الآن إلهاً للجمادات والبهائم والأطفال والمجانين لاستحالة صدور (العبادة) منهم أصلاً، أيا ما كان تعريف (العبادة) أو تفصيل جزئياتها. والأطفال والمجانين من بني آدم، فهم قطعاً بعض (الناس)، فيقع قول الحق، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿ قُلْ: أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾، (الناس؛ 114 : 1-3)، كذبا وباطلاً، معاذ الله: وهذا أيضاً كفر صريح؛

 

فصل: ما هي (العِبَادة)؟!

ولا مندوحة لنا بعد الكلام المفصل عن مفهوم (الألوهية)، من التعريج ها هنا – ولو على نحو مختصر، على مفهوم (العبادة)، المعرفة بالألف واللام، أو المعرفة بالإضافة كقولك: (عبادة الله) أو (عبادة العُزَّى)، أي (العبادة) في جوهرها من حيث هي. وهذه المعالجة المختصرة ضرورية ها هنا لوجود ذلك الترابط الذهني الوثيق بين المفهومين: مفهوم (الألوهية)، ومفهوم (العبادة). وأما المناقشة المفصلة لشعائر التدين، ولأفعال النسك والتقرب والتقديس، التي اصطلح الفقهاء على تسميتها (عبادات)، وواحدتها (عبادة) بصيغة التنكير، وهي تسمية سيئة، غير موفقة، فلها باب مستقل.

 

فأما لغة: فـ(العبادة) مصدر من عبد يعبد عِبَادة، وهى من باب كتب يكتب كِتَابة، وتعني في أصلها اللغوي: التذلل والخضوع والانقياد والطاعة، ومنه قولنا: طريق معبَّد، أي مذلَّل ممهَّد، وكذلك قولنا: فلان عبد لفلان أي مملوك له ملك يمين، فهو خاضع لتصرفه وأمره وتدبيره. فالأصل اللغوي، إذاً هو: (التذلل والخضوع والانقياد والطاعة).

 

وهذا الأصل اللغوي، الذي يتضمن معاني الخضوع والاستسلام ونحوها، هو وحده المقصود في مثل قولنا: فلان عبْد مملوك لفلان، فلا علاقة لذلك بالشرك والتوحيد بمعناها الشرعي، وإن كان الشرع كره استخدام لفظة عبْد وأمة في حق المماليك، ملك يمين، وأرشد إلى استبدالها بلفظ: فتى وفتاة، كما سيأتي في محله. وهذا المعنى كما هو في أصله اللغوي المحض كذلك هو المقصود في مثل قوله عليه الصلاة والسلام: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، إلخ،....» وهذا من البلاغة النبوية الرائعة، إذ شبَّه من غلبه حب المال والمتاع بالعبد المملوك الذليل الذي لا يملك من أمره شيئاً ولا يستطيع الخروج من سلطان سيده، ولا علاقة لهذا بالشرك والتوحيد محل بحثنا في هذا الباب، وإن كان مَنْ هذا حاله مستحقاً للذم والعقوبة من الله، ولكن من المقطوع به أن هذا ليس من باب عبد اللات أو عبد العزى أو عبد مناة.

 

والأصل اللغوي هذا قليل المحصول، عديم الجدوى، في بحثنا - تماماً كما كان الأصل اللغوي للفظة: (إلاه) قليل المحصول، عديم الجدوى - إذا أردنا الوصول لمعرفة معنى (العبادة) الذي فهمه، بالبديهة على الفطرة، العرب الفصحاء، زمن نزول القرآن، قبل فساد اللسان العربي، وشيوع اللحن، وقبل تشويش اصطلاحات الفقهاء والمتكلمين على المعني الفطري الأصلي؛ وذلك عند كلامهم عن الآلهة والأرباب، والدين والتدين، في مثل قولهم: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، و(أهل الطائف يعبدون اللات)، وقولهم: (النصارى يعبدون المسيح)؛ وفهمه أيضاً، بالبديهة على الفطرة، الصحابة والتابعون، في مثل ما رُوِيَ عن ابن عباس مرفوعاً: (مُدْمِنُ الخمر إن مات لقي الله كعابد وَثَنٍ).

 

ولقد كان العربي المشرك يقري الضيف، وينحر لهم الأنعام، ويسمي ذلك (قرى) و(ضيافة)، ولكنه لا يسمي ذلك (عبادة)، ولكنه على العكس من ذلك يسمي نحر الأنعام لله أو لغيره من الطواغيت (مثل اللات والعزى ومناة) (عبادة)، وليس هذا فقط عرف العرب الاقحاح زمن نزول القرآن، بل هو كذلك عرف جميع الأمم والشعوب حتى وقتنا الحاضر. وكذلك كان العربي الفصيح يفرق بين القيام تعظيمًا لرئيس القبيلة، وبين القيام تعظيماً لبعض آلهته، فيسمي الثاني (عبادة)، ولا يسمي الأول كذلك. وهذا هو في الحقيقة شأن البشر عامة، وليس العرب الأقحاح الفصحاء فقط. وكان العرب عامة، وقريش خاصة، يعظمون الكعبة والحجر الأسود، وما ورد قط أنهم سموها (آلهة).

 

وهذا المعني الفطري الأصلي المستعمل عند الكلام عن الآلهة والأرباب، والدين والتدين، هو، ضرورة، المعنى الوحيد الذي استعمله القرآن في ما لا يعد ولا يحصى من الآيات، من مثل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، (الذاريات؛ 51: 56)؛ و﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، (يوسف؛ 12 : 40)؛ و﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾، (الإسراء؛ 17 : 23)؛ ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾، (البقرة؛ 2: 133)؛ ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَاللّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، (المائدة؛ 5: 76)؛ ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ* إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ* قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ (الشعراء؛ 26: 69 - 71)؛ وغيرها كثير جداً.

 

وأزيد فأقول موضحاً: بحثنا ها هنا في هذا الباب فقط في مفهوم «العبادة» بالمعنى الفطري الأصلي؛ المستعمل عند الكلام عن الآلهة والأرباب، والدين والتدين؛ وهو الذي يؤدي صرفه لغير الله إلى الكفر والشرك الأكبر، المناقض للإسلام كل المناقضة، المخرج من الملة. فنحن لا نبحث في مثل:

(1) - قول الشعراء والأدباء وأهل الغناء والطرب: (فلان يحب فلانة لدرجة العبادة)، على قبح هذا التعبير؛

(2) - وليس بحثنا في حب المال الذي يجعل الإنسان «عبداً» له، ومن ثم مستحقاً للذم، وليس بالضرورة مستحقاً لمسمى الشرك والكفر، كما هو في البلاغة النبوية الرائعة: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم... إلخ»، وزاد حال هذا المغبون بياناً، فقال، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «إن أعطي رضي، وإن منع سخط»، ثم ختم، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، داعياً عليه بقلة التوفيق: «تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش»، هذا دعاء لا يشبه من قريب أو بعيد ما يستحقه أهل الشرك والكفر، وليس حاله كما وصف من أحوال أهل الشرك والكفر.

 

وكون الأصل اللغوي قليل المحصول، عديم الجدوى، بل قد يكون اعتباره مضراً في بحثنا يظهر أتم ظهور بملاحظة كون الألفاظ المقابلة للفظ (العبادة) العربي، في اللغات الأخرى، قد تعود إلى أصل لغوي مغاير في المعنى لذلك الجذر الثلاثي العربي (ع ب د). فلفظة: (Worship) في الإنجليزية، مثلاً، تعود إلى أصل يفيد معاني (التكريم) أو (التوقير):

 

Worship: (transitive) to show profound religious devotion and respect to; adore or venerate (God or any person or thing considered divine) - [Old English worðscip, wurðscip (Anglian), weorðscipe (West Saxon) "condition of being worthy, honor, renown," from weorð "worthy" (see worth) + -scipe (see -ship). Sense of "reverence paid to a supernatural or divine being" is first recorded c.1300. The original sense is preserved in the title worshipful (c.1300).

 

 وقد بقي هذا الأصل اللغوي محفوظاً في مخاطبة أهل اسكوتلندا لعمدة البلدة أو رئيس القرية بلقب: (المكرم)، أو (الموقر): (worshipful) حتى اليوم.

 

ومن زاوية أخرى: فإنه مما لا شك فيه - عند الكلام عن الدين والتدين، والآلهة والأرباب، والتقرب والتقديس، وما شابه ذلك - أن للفظة: (العبادة)، أو ما يساويها أو يعادلها في اللغات الأخرى، معنى معلوم من اللغة، مدرك فطرياً بضرورة الحس والعقل، لا محالة، قبل ورود الشرائع، ولو في جوهره على نحو إجمالي؛ وإلا كان قول جميع الرسل لأقوامهم: ﴿ألاّ تعبدوا إلاّ الله﴾، لغواً، عديم المعنى:

ــ في مثل قوله، تعالى مجده: ﴿الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ* أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ* وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾، (هود؛ 11: 1 - 3)؛

ــ وقوله، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ* أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ* فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾، (هود؛ 11:25 - 27)؛

ــ وقوله، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ* إِذْ جَاءتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاء رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾، (فصلت؛ 41: 13 - 14)؛

ــ وقوله، تعالى ذكره: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتْ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ* قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ* قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ﴾، (الأحقاف؛ 46: 21 - 23).

 

وكون لفظة: (العبادة) لها معنى معلوم من اللغة، مدرك فطرياً بضرورة الحس والعقل، لا محالة، قبل ورود الشرائع، أمر يقيني، مقطوع به، وإلا لقال الأقوام، فوراً وعلى البديهة: ما هذه اللفظة: (تعبدوا)، هذه لا نعرفها أصلا. ولكن الواقع الحسي، والتواتر التاريخي، ونصوص القرآن القاطعة تبين أنهم فهموها، وعرفوا المطلوب على الفور، وسارع أكثرهم بالاستنكار والاحتجاج: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، (الأحقاف؛ 46: 22)؛ ﴿قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، (هود؛ 11: 53)؛ ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ! ، (ص؛ 38: 5)؛ وما شابه.

 

فصيغة جواب القوم يدل على أنهم فهموا فوراً، وعلى البديهة، أن مقولة الأنبياء، عليهم السلام، لأقوامهم: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾، تعني في الحقيقة، بالإسهاب الممل: [صدِّقونا: أن جميع آلهتكم – إلا الله – ما هي إلا كائنات خرافية من صنع الخيال، لا وجود لها في الواقع؛ وإن كان لبعضها وجود ما، فليست هي على الصفة المكذوبة المتخيلة التي تعتقدون؛ فأرفضوا هذه الأكاذيب كلها رفضاً باتاً، وأقروا بالحق المتيقن: (أنه لا إله إلا الله)، واستسلموا لهذا الإله الحق]، أو بشيء من الاختصار: [لا تنسبوا شيئاً من الألوهية لغير الله البتة]؛ أو: [اشهدوا شهادة الحق: (لا إله إلا الله)]؛ فعرفت الأقوام أنها الطامة الكبرى، والنقيض التام، والهدم الكامل لعقائدهم الموروثة، لأنها تقتضي بطلان آلهتهم، إذ لا وجود لها أصلاً بذاتها، أو بتلك الصفات المنسوبة إليه، مما يوجب تركها، بل رفضها والبراءة منها، أي: الكفر بها!

 

فـ(عبادة شيء) إذاً ما هي في جوهرها وحقيقتها إلا: (نسبة شيء من الألوهية لذلك الشيء)؛ أو بلفظ أعم: (العبادة) ما هي إلا (نسبة الألوهية)، إن صح فهمنا لصيغة تكذيب الأقوام لأنبيائهم، وصح تقديرنا لكلام الأنبياء لقومهم، وهو القوي الراجح. ولكن البلوغ بهذا إلى درجة القطع واليقين، حتى لا تبقى أي شبهة أو إشكالية، يحتاج إلي مزيد من الأدلة الإضافية، وإلى استكمال صقل وبلورة لبعض ما سبق إيراده، وهذا ما سيتم إنجازه في الفصول القادمة، بإذن الله.

 

فليس (معنى العبادة مشتبهٌ جدًّا) كما زلَّت القدم بالعلامة المعاصر عبد الرحمن بن يحيي المعلمي اليماني، زلة شنعاء حين قال في مقدمة كتابه (رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله): [فإني تدبَّرت الخلاف المستطير بين الأمَّة في القرون المتأخَّرة في شأن الاستعانة بالصالحين الموتى، وتعظيم قبورهم ومشاهدهم، وتعظيم بعض المشايخ الأحياء، وزَعْم بعض الأمَّة في كثيرٍ من ذلك أنه شركٌ، وبعضِها أنه بدعةٌ، وبعضِها أنه من الحقِّ، ورأيتُ كثيرًا من الناس قد وقعوا في تعظيم الكواكب والروحانيِّين والجنِّ بما يطول شرحه، وبعضه موجودٌ في كتب التنجيم والتعزيم كـ(شمس المعارف) وغيره، وعلمتُ أن مسلمًا من المسلمين لا يُقْدِمُ على ما يعلم أنه شركٌ، ولا على تكفير مَن يعلمُ أنه غير كافرٍ، ولكنه وقع الاختلاف في حقيقة الشرك، فنظرتُ في حقيقة الشرك؛ فإذا هو - بالاتَّفاق -: اتَّخاذ غير الله عزَّ وجلَّ إلهًا من دونه، أو عبادة غير الله عزَّ وجلَّ، فاتَّجه النظرُ إلى معنى الإله والعبادة؛ فإذا فيه اشتباهٌ شديدٌ؛ فإنَّ المعروف في تفسير (إله) قولهم: (معبود)، أو: (معبود بحق)، ومعنى العبادة مشتبهٌ جدًّا - كما ستراه إن شاء الله تعالى، فعلمتُ أن ذلك الاشتباه هو سبب الخلاف، وإذا الخطر أشدُّ مما يُظَنُّ؛ لأن الجهل بمعنى (إله) يلزمه الجهل بمعنى كلمة التوحيد: (لا إله إلا الله)، وهي أساس الإِسلام وأساس جميع الشرائع الحقَّة من قبل، قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، (الأنبياء: 25)]، انتهى؛ كذا بأحرفه نقلا من آثار الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي اليماني في المكتبة الشاملة (2/3)؛

ــ وكان قد قال في مقدمة كتابه (نخب الفوائد من الأصول والقواعد): [جمعتُ رسالة في تحقيق معنى العبادة، ومعنى الإله: لينكشف بذلك معنى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) ويتضح ما يكون تأليهًا وعبادةً لغير الله تعالى وشركًا به ممَّا ليس كذلك، وحاولتُ استيفاء النظر في ذلك]، انتهى؛ كذا بأحرفه نقلا من المكتبة الشاملة - آثار الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي اليماني في المكتبة الشاملة (م 2 - 3/14)؛

ــ ثم قال في موضع آخر: [فطريق البحث أن ننظر فيما كان هؤلاء القوم يعتقدونه في تلك الأشياء وما كانوا يعظِّمونها به، فإذا تبيَّن لنا ذلك علمنا أنَّ ذلك الاعتقاد والتعظيم هو التأليه والعبادة]، انتهى؛ كذا بأحرفه نقلا من آثار الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي اليماني في المكتبة الشاملة (م 2 - 3/25).

 

ــ وإنه لمن المؤسف أن يستسلم هذا الرجل الفاضل، والعلامة المحقق، للأكاذيب الوهابية التي جعلت (العبادة) هي الأصل، و(الألوهية) تبعاً لها، فانطلق من التفاسير الكاذبة الباطلة: (الإله هو المعبود)، أو (الإله هو المعبود بحق). ولا عجب حينئذ أن يتخبط فيرى أن (معنى العبادة مشتبهٌ جدًّا) لوقوعه مراراً وتكراراً في (الدور) الخفي، وأن يجد نفسه مضطراً إلى تحديد حقيقة الشرك الذي وقعت فيه الأمم السابقة، والوقوف على أحوال أقوام الرسل الذين بعثهم الله تعالى؛ لأن الله سبحانه ينسب إليهم الشرك في عبادته في كل موطن، فأخذ يؤصل ويفرع، ويدرس ويناقش - على مدى حوالي 600 صفحة من كتابه (رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله) - لمغالبة هذا (الاشتباه) المزعوم، ولا همة له إلا المسارعة إلى الخيرات؛ ولكن خلفيته الوهابية الخبيثة قصمت ظهره، فلم يستطع إلا زحفاً، وتسببت في وقوعه في أخطاء فادحة سبق ذكر طرف منها في الأبواب السابقة، وستأتي أخرى: فإنا لله وإنا إليه راجعون.

 

ولا شك أن الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي اليماني قد فطن من أول الأمر إلى خطورة (الدور) في تعريف (الإله)، ونص على ذلك بنفسه، لذلك حاول الفرار منه بطريقة عجيبة: ألا وهي الزعم بأن لفظة (إله) تنطبق على نوعين متباينين: الأول، هو: (المعبود)، والثاني، هو: (المعبود بحق)، ولكننا سنرى قريباً – بإذن الله، في فصل مستقل- أنه لم ينجح في الإفلات من الدور.

 

فصل: (معادلات) قرآنية خطيرة الشأن

سبق أن أوردنا في الفصل المعنون (الأدلة على مشروعية لفظة «التوحيد») من الباب الرابع حشداً من الأحاديث الصحاح والحسان، من مثل حديث جبريل الشهير، وحديث (بني الإسلام على خمس)، ووصيته، عليه وعلى آله أزكى الصلوات وأتم التسليم، لمعاذ بن جبل عندما بعثه إلى اليمن، وغيرها طيب كثير. وقد أثبتنا هناك ثبوتاً يكاد يصل إلى درجة القطع واليقين أن تنوع الألفاظ والعبارات، مع تطابق المعنى التام للجمل الواردة فيها، إنما هو من نبي الله الخاتم المعصوم، عليه وعلى آله أزكى الصلوات وأتم التسليم.

وقد تحصلنا هناك على (المعادلة) الآتية، المعبرة عن التطابق التام لمعنى للجمل الواردة فيها، بالرغم من تباين ألفاظها:

(م1)- شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله = عبادة الله ومعرفته = عبادة الله والكفر بما دونه = عبادة الله غير مشرك به شيئا = توحيد الله

 

وباستطاعتنا الوصول إلى المزيد من الحقائق اليقينية، بالإضافة إلى تأكيد صحة المعادلة آنفة الذكر حتى نصل بها إلى درجة القطع واليقين الجازم، بقراءة كتاب الله حق قراءته قراءة مدققة. وقراءة كتاب الله حق قراءته لا تكون إلا إذا كانت قراءة هضم واستيعاب، بفكر عميق مستنير، من غير إخراج جملة أو آية من سياقها التام، أو تحريف الكلم عن مواضعه، أو إلحاد في آياته، أو ضرب آياته بعضها ببعض، مع رد ما تشابه منه إلى محكمه. فإذا فعلنا بعض ذلك، أي قرأنا كتاب الله حق قراءته قراءة مدققة، وبخاصة الآيات الآتية، وهي:

ــ ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتْ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، (الأحقاف؛ 46 : 21)، فهذه هي الترجمة المعصومة لمقولة هود، صلوات الله وسلامه عليه؛ وربما لمقولة الرسل من قبله لعاد، والرسل إلى الأمم المجاورة لعاد؛

ــ ﴿ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13) إِذْ جَاءتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاء رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾، (فصلت؛ 41 :13- 14)، وهذه لهود وصالح، وربما لجميع الرسل إلى عاد وثمود قبلهما، وربما للرسل إلى الأمم المجاورة من حولهم؛

ــ ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، (يوسف؛ 12 : 40)، وهذه هي أيضاً الترجمة المعصومة لمقولة يوسف، صلوات الله وسلامه عليه ؛

ــ ﴿أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾، (هود؛ 11 : 2)، وهذا خطاب لأمة محمد، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، وهم كافة الإنس والجن إلى يوم القيامة؛

ــ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾، (الإسراء؛ 17 : 23)؛ وهذا كسابقه: خطاب لأمة محمد، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله؛

 

من هذه الآيات الكريمات، وهي مكية كلها، يجب القطع بأن هوداً وصالحاً، ومعهما جمع من الرسل إلى أسلاف عاد وثمود، والأمم المجاورة لكل منهما؛ وكذلك يوسف ومحمداً، صلوات الله وسلامه عليهم، قد خاطبوا أقوامهم، كل بلسان قومه، بخطاب جامع لا يمكن نقله إلى العربية ترجمة متقنة تامة معصومة إلا بهذه العبارة: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾. وأما ما قد يأتي أحياناً، وليس دوماً، مذكوراً عن بعض الرسل من مزيد أوامر ونواهي، وتشريعات وآداب، فإنما هو ضرورة ولا بد بعض ما شمله الأمر بـ(عبادة الله)، فهو من باب عطف البيان، أو عطف الخاص على العام.

 

وفي نفس الوقت فقد عبر القرآن عن نفس الخطاب الجامع: ﴿لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾، بعينه، بعبارة ثانية، وهي: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، في مواضع عدة، كلها نزلت بمكة، منها:

ــ ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، (الأعراف؛ 7: 59): فهذه هي الترجمة المتقنة المعصومة لمقولة نوح، صلوات الله وسلامه عليه، من لسان قوم نوح إلى العربية القرآنية الفصحى؛ والمترجم هو الذي أحاط بكل شيء علما؛

 ــ ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾، (الأعراف؛ 7: 65)، وهذه هي الترجمة المعصومة لمقولة هود، صلوات الله وسلامه عليه؛

 ــ ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَـذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، (الأعراف؛ 7: 73)، وهذه هي الترجمة المعصومة لمقولة صالح، صلوات الله وسلامه عليه؛

 ــ ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، ( الأعراف؛ 7: 85)، وهذه هي الترجمة المعصومة لمقولة شعيب، صلوات الله وسلامه عليه؛

 ــ ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ﴾، (هود؛ 11: 50) ، وهذه هي، مرة ثانية، الترجمة المعصومة لمقولة هود، صلوات الله وسلامه عليه؛

 ــ ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾، (هود؛ 11: 61)، وهذه هي، مرة ثانية، الترجمة المعصومة لمقولة صالح، صلوات الله وسلامه عليه؛

 ــ ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ﴾، (هود؛ 11: 84)، وهذه هي، مرة ثانية، الترجمة المعصومة لمقولة شعيب، صلوات الله وسلامه عليه؛

 ــ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾، ﴿المؤمنون؛ 23: 23)، وهذه هي، مرة ثالثة، الترجمة المعصومة لمقولة نوح، صلوات الله وسلامه عليه؛

 ــ ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾، (المؤمنون؛ 23: 32)، وهذه هي الترجمة المعصومة لمقولة أحد الرسل، صلوات الله وسلامه عليهم، ولم يسمه لنا القرآن؛

 

وفي نفس الوقت فقد عبر القرآن عن نفس الخطاب الجامع: ﴿لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾، بعينه، بعبارة ثالثة، وهي: ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ بأتم لفظ وأكمله، كما يظهر من تأمل الآيتين المكيتين:

ــ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، (الأنبياء؛ 21: 25)، وهذه أيضاً قطعاً لجميع الرسل، ومنهم موسى، صلوات الله وسلامه عليه، الذي خوطب بها خاصة:

ــ ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾، (طه؛ 20: 14)؛

وكون هذه الصياغة هي الأتم والأكمل يظهر بجلاء من كونها هي التي خاطب الله بها موسي عندما ناداه من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة، فعرفه بذاته المقدسة، وباسمه الذي ارتضاه لنفسه، وأمره بجماع الأمر كله.

 

وفي نفس الوقت فقد عبر القرآن عن نفس الخطاب الجامع، بعينه، بعبارة رابعة، وهي: ﴿اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾، كما يظهر من الخطاب الموجه قطعاً لجميع الرسل وأممهم، بدون استثناء:

 ــ ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾، (النحل؛ 20: 36)؛

 

وفي نفس الوقت فقد عبر القرآن عن نفس الخطاب الجامع: ﴿لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾، بعينه، بعبارة خامسة، وهي: ﴿اعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً﴾، كما يظهر من تأمل الآيتين:

ــ الأولى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾، (الإسراء؛ 17 : 23)، وهذه مكية؛

ــ والثانية: ﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً﴾، (النساء؛ 4: 36)، وهذه مدنية؛

ــ ويؤكد ذلك: ما اشترطه خاتمة أنبياء الله، محمد بن عبد الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، على الأنصار يوم بيعة العقبة: (أَشْتَرِطُ لِرَبِّي عَزَّ وَجَلَّ: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا؛ وَلِنَفْسِي أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَكُمْ):

* كما جاء في دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني (ج1/ص264/ح221)؛ وكذلك في الطبعة المشكولة (ص:301/226)، في خبر طويل جامع: [حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثَمِ قَالَ: حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْعَوَّامِ حَدَّثَنِي أَبِي حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: «لَمَّا اشْتَدَّ الْمُشْرِكُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، ...]، فساق الخبر الطويل الجامع حتى بلغ الحوار مع الأنصار بحضور العباس، وما قاله الأنصار، التي ختمها خطيبهم بقوله: [(يَا رَسُولَ اللَّهِ: خُذْ لِنَفْسِكَ مَا شِئْتَ وَاشْتَرِطْ لِرَبِّكَ مَا شِئْتَ!)، فَقَالَ النَّبِيُّ، صلى الله عليه وسلم: (أَشْتَرِطُ لِرَبِّي عَزَّ وَجَلَّ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا؛ ... إلخ)]؛ وبعضه في معرفة الصحابة لأبي نعيم (1/280/927)؛

 

* وهو في الشريعة للآجري (4/2060/1142) في خبر جامع آخر، من طريق أخرى: [وَحَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَكَّارٍ الْقَافِلَائِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَصْبَغِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَامِلٍ الْأَسَدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا عُلْوَانُ بْنُ دَاوُدَ الْبَجَلِيُّ، عَنِ اللَّيْثِيِّ يَعْنِي: أَبَا الْمُصَبِّحِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ الْمُشْرِكُونَ عَلَى النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، بِمَكَّةَ قَالَ لِعَمِّهِ الْعَبَّاسِ: «يَا عَمِّ امْضِ إِلَى عُكَاظَ، فَأَرِنِي مَنَازِلَ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ؛ ...]، فساق الخبر الطويل الجامع حتى بلغ الحوار مع الأنصار بحضور العباس، ثم المشارطة: [«أَشْتَرِطُ لِرَبِّي عَزَّ وَجَلَّ: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا؛ وَلِنَفْسِي أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَكُمْ»؛ الحديث]؛

 

* وهو في دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني (ج1/ص265/ح222)؛ وكذلك في الطبعة المشكولة (ص:306/227)، من طريق مستقلة ثالثة: [حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ عن أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: (لَمَّا حَضَرَ الْمَوْسِمُ حَجَّ نَفَرٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ مِنْهُمْ مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ وَأَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ وَمِنْ بَنِي زُرَيْقٍ رَافِعُ بْنُ مَالِكٍ وَذَكْوَانُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ وَمِنْ بَنِي غَنْمِ بْنِ عَوْفٍ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَعْلَبَةَ وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيْهَانِ وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، ... إلخ فَلَمَّا حَدَّثَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، بالَّذِي خَصَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْكَرَامَةِ وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَإِلَى أَنْ يُبَايِعُوهُ وَيَمْنَعُوهُ مِمَّا يَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ أَجَابُوا وَصَدَّقُوا وَقَالُوا: اشْتَرِطْ لِرَبِّكَ وَلِنَفْسِكَ مَا شِئْتَ، قَالَ: «أَشْتَرِطُ لِرَبِّي: أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْبُدُوهُ؛ وَأَشْتَرِطُ لِنَفْسِي أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ» ]؛

 

* وهو في دلائل النبوة للبيهقي (2/318/713، بترقيم الشاملة آليا)، وفي النسخة المحققة (2/453) من طريق مستقلة رابعة: [أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَتَّابٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أَوْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ (ح) وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ فُلَيْحٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: وَحَدَّثَنَا يَعْقُوبُ قَالَ وَذَكَرَ حَسَّانَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثِهِ، عَنِ ابْنِ عَتَّابٍ، قَالَ: «ثُمَّ حَجَّ الْعَامَ الْمُقْبِلَ مِنَ الْأَنْصَارِ سَبْعُونَ رَجُلًا مِنْهُمْ أَرْبَعُونَ رَجُلًا مِنْ ذَوِي أَسْنَانِهِمْ، وَثَلَاثُونَ مِنْ شَبَابِهِمْ أَصْغَرُهُمْ؛ ... إلخ وَقَالُوا: اشْتَرِطْ عَلَيْنَا لِرَبِّكَ عَزَّ وَجَلَّ وَلِنَفْسَكَ مَا شِئْتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وآله وَسَلَّمَ: (أَشْتَرِطُ لِرَبِّي: أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا؛ وَأَشْتَرِطُ لِنَفْسِي أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ)»]؛

قلت: كأن أحد الرواة اختصر فقال فقط: (أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) باعتبار أن ذلك يشمل الجملة (أَنْ تَعْبُدُوهُ) ضرورة ولا بد، وهذا مسلك صحيح، كما سيتبين قريباً.

 

فهذه براهين قرآنية يقينية على تكافؤ المعنى التام للعبارات القرآنية التالية: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ = ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ = ﴿إِنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أنا: فَاعْبُدُون﴾ = ﴿اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ = ﴿اعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً﴾.

 

ولعلنا أولاً نسارع بالتنبيه على أن العبارة الأولى خطاب إنشاء محض، لا خبر فيه؛ وكذلك الرابعة والخامسة خطاب إنشاء محض لأن كلاَ منهما مركب من خطابين كليهما خطاب إنشاء محض. وأما العبارة الثانية فمركبة من إنشاء وخبر، وإن كانت بكليتها المركبة إنشاءً محضاً؛ وكذلك العبارة الثالثة سواء: لذلك لا بد إن أردنا التعامل مع جزئياتها أو مركباتها في (معادلة)، فلا بد من تحويلها صيغ (الخبر) فيها إلى صيغة (إنشاء) مناسب.

 

فأما ضرورة تحويل صيغ (الخبر) إلى صيغ (إنشاء)، أو بالعكس لأي كلام يراد دراسته، واستنباط معادلات أو مساوات منه، فلأن اتحاد الجنس لطرفي أي معادلة أو مساواة شرط ضروري لصحتها، كما يعلمه طلبة المدارس الابتدائية: فلا معنى للمعادلة التالية: (عشرة من الغنم = بعير واحد) أصلاً، لاختلاف الجنسين؛ بخلاف المعادلة: (ثمن عشرة من الغنم بالريال في سوق الطائف اليوم = ثمن بعير واحد بالريال في سوق الطائف اليوم)، وهي صحيحة الصياغة مبدئياً، لا غبار عليها: فيمكن حينئذ التوجه إلى سوق الطائف للتأكد من صحتها فعلياً؛ وكذلك المعادلة: (وزن اللحم الصافي لعشرة من الغنم بالكيلوجرام = وزن اللحم الصافي لبعير واحد بالكيلوجرام).

 

وبهذا يتبين أن المساواة أو (المعادلة) التي ذكرها صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، وهي: (لا تعبدوا إلا الله) = (لا إله إلا الله) في كلامه، الذي سبق إيراده بتمامه (8/5): [هذه وصية الله جل وعلا لجميع المرسلين ولجميع الناس، (لا تعبدوا إلا الله) مساوية لـ(لا إله إلا الله)، فصار بالمطابقة الإله هو المعبود، والإلهة هي العبادة ... إلخ]؛ باطلة قطعاً، برهان ذلك:

أولاً: لفظة: (لا تعبدوا) عبارة عن نهي للمخاطب عن القيام بأعمال معينة: فهي خطاب إنشاء، في حين أن لفظة (لا إله) نفي لوجود كائن من نوع معين: فهي خطاب إخبار: وأي خطاب الإنشاء لا يمكن أن يكون مساوياً لأي خطاب إخبار مطلقاً، فهما جنسان مختلفان. فلا يمكن إذا أن نستنبط منها أي (مطابقة) أصلاً، كما زعم صالح بن عبد العزيز آل الشيخ. و(لا إله إلا الله) خبر يقيني صادق أزلاً وأبداً، كما هو حاصل في العلم الإلاهي القديم، منكشف لله، جل جلاله، وسما مقامه، منذ الأزل، دائم بدوام الملك الحي القيوم إلى أبد الأبد؛ فليس هو (عين) وصية الله الأولى للمرسلين، ولمن أرسلوا إليهم: فالوصية هي إذاَ قطعاً: (اشهدوا أن لا إله إلا الله)، أو (قولوا: لا إله إلا الله)؛

وثانياً: قول القائل: (أَشْهَدُ ألا إله إلا الله) عبارة عن شهادة قائلها على انفراد الله بالألوهية، أي: على اعتقاده الجازم أن الإله واحد، هو الإله الحق المسمى في العربية: (الله)؛ فموضوع الشهادة والاعتقاد خبر محض عن انفراد (الله) بالألوهية، حقاً وصدقاً، أزلاً وأبداً؛ وليس فيها ذكر للعباد أصلاً، ولا لشيء من أفعالهم الظاهرة أو الباطنة (اللهم إلا حضور الشاهد نفسه، وإقراره بها، وخضوعه وتسليمه لمضمونها)؛ و(شهادة أن لا إله إلا الله) هي أيضاً الركن الأول من أركان الإسلام: فكان الواجب أن تتخذ هي الأصل، ونقطة الانطلاق، فتكون (الألوهية) هي المعرفة المعلومة، أو التي تحتاج إلى تعريف، أولاً، وقبل كل شيء، ثم يترتب على ذلك:

ــ تعريف (العبادة)، إن كان تعريفها مبنياً على تعريف (الألوهية

ــ أو التعامل مع (العبادة)، إن كان لها تعريف مستقل عن مفهوم (الألوهية) تمام الاستقلال؛

هذا هو المسلك الصحيح، وليس العكس.

وثالثاً: فبما أن جملة: (لا تعبدوا إلا الله)، نهي، وهو إنشاء، بخلاف (لا إله إلا الله)، فهي خبر؛ فالواجب توحيد الجنس، مثلاً بتحويل الخبر (لا إله إلا الله) إلى الأمر: (اشهدوا ألا إله إلا الله). فالمعادلة ينبغي أن تكون: (لا تعبدوا إلا الله) = (اشهدوا ألا إله إلا الله). وحتى هذه فهي مشوهة مبتورة، لا يعتد بها لأنها، ليست مأخوذة من نص القرآن اليقيني القاطع؛ بخلاف (المعادلة) القرآنية الصحيحة: (أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ) = (أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) كما سنفصل الكلام عنها بعد قليل. وعلى كل حال فهذا مسلك فريد لصالح بن عبد العزيز آل الشيخ، لا أظن أحداً سبقه به، أراد به أن يسعى مسابقاً إلى الخيرات، ولكن خلفيته الوهابية الخبيثة قصمت ظهره، فلم يستطع إلا زحفاً، تماما كما وقع للشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي اليماني.

 

فلعلنا إذاً نعود إلى العبارات القرآنية اليقينية المحفوظة، التي أوردناها قريباً: فإذا حولنا الجملة الثالثة: ﴿إِنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أنا: فَاعْبُدُون﴾ إلى ضمير الغائب أصبحت: [إِنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الله: فَاعْبُدُوه] = [اعْبُدُوا الله لأِنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الله]؛

 

وإذا أهملنا، مؤقتاً، علاقة الترتيب المعبر عنه بلفظة (لأِنَّهُ) تحصلنا على أن ﴿إِنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أنا: فَاعْبُدُون تشمل أمرين: [(اعْبُدُوا الله)] + [(اشهدوا أِنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الله)]؛

 

لاحظ أن الخطاب الأصلي: ﴿إِنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أنا: فَاعْبُدُون، خطاب (إنشاء)، لذلك فأننا بإهمالنا لعلاقة الترتيب اضطررنا إلى تحويل خطاب (الخبر): ﴿إِنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أنا، إلى خطاب إنشاء: (اعلموا، وأقروا، وسلِّموا بأِنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الله)، أو باختصار: (اشهدوا أِنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الله)، بحيث يستقيم الكلام، وتقديره: [(اشهدوا أِنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الله)، ثم بناءً عليه: (اعْبُدُوا الله)]؛ وتصبح مركباته من جنس واحد بحيث يمكن التعامل السليم بها في المعادلات أو المساوات التي نريد استنباطها.

 

ولكن علاقة الترتيب أو التعليل المعبر عنها بـ(الفاء) أو بلفظة: (لأِنَّهُ) لا يجوز إهمالها إهمالاً تاماً، إذا أردنا الوصول إلى فهم متكامل صحيح. ومن ناحية أخرى فإن المطلوب فقط هو مجرد العلم بعلاقة الترتيب هذه، كأنه يقول: [اعلموا أن (عبادة الله) مرتبة، بالضرورة، على الشهادة].

 

والأرجح أن العلم بذلك فطري ضروري مستقر في النفوس، فكانه في الحقيقة إنما يُذَكِّر به، فالأصح أن تقدير الكلام إنما هو: [تذكروا وأقروا ما استقر في فطركم من العلم اليقيني بأن (عبادة الله) مرتبة، بالضرورة، على الشهادة]، وهذا التذكير إنما هو لتوضيح المفاهيم ولتصحيح مسار الفكر والتعقل؛ ولإيصاد الباب إيصاداً محكما في مواجهة الوساوس والأوهام، كتلك التي تورطت فيها الفرقة الوهابية.

 

فالجملة الثالثة: ﴿إِنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أنا: فَاعْبُدُون﴾ إذاً يمكن تبسيطها إلى معادلة وتذكير إضافي:

المعادلة: ﴿إِنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أنا: فَاعْبُدُون﴾ = [(اعْبُدُوا الله)] + [(اشهدوا أِنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الله)]؛

والتذكير: [تذكروا وأقروا ما استقر في فطركم من العلم اليقيني بأن (عبادة الله) مرتبة، بالضرورة، على الشهادة لله بالوحدانية]

 

وأما الجملة الثانية: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ فتقديرها: [اعْبُدُوا الله لأِنَّهُ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُ اللَّهِ]؛ وإذا كررنا مع الجملة الثانية: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُما فعلناه آنفاً بالجملة الثالثة، حرفاً بحرف، وصلنا إلى المعادلة المبسطة التالية:

المعادلة: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾= [(اعْبُدُوا الله)] + [(اشهدوا أِنَّهُ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُ اللَّهِ)]؛

والتذكير: [تذكروا وأقروا ما استقر في فطركم من العلم اليقيني بأن (عبادة الله) مرتبة، بالضرورة، على الشهادة]

 

ومن تطابق الخطابين الثاني والثالث نتحصل، ضرورة، على أن [مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُ اللَّهِ] = [لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ]؛ أو بلفظ آخر أن لفظة (لكم) لا تغير من حقيقة الألوهية شيئاً، لأنها صفة ذاتية للإله: فإن ثبت أن كائنا ما هو إله لقوم، ثبت أنه إله بصفته الذاتية، فهو إذاً إله لكل شيء في الوجود؛ والعكس صحيح: فالإله الحق هو إله بصفته الذاتية لكل الأقوام، بل لكل الموجودات، بل بغض النظر عن وجود غيره أصلاً.

 

وليس في هذا جديد، وإنما هو مزيد تأكيد لم سبق تقريره، وهو أن مفهوم (الألوهية) إنما هو تعبير عن صفات ذاتية لذلك الكائن المسمى (إلاهبغض النظر عن وجود كائنات أخرى، وفعالياتها، وعلاقتها بالكائن محل البحث، أو عدم وجودها: بحيث يخلو تعريفه بوجه خاص من أي إشارة ظاهرة أو ضمنية لأفعال المخلوقين، أيا ما كانت تسميتها، بل وحتى عن وجود تلك المخلوقات أصلاً. فـ(الألوهية) تتضمن صفات واعتبارات ذاتية للكائن محل البحث: فإن كان أزلياً فهو (إلاه) في الأزل، وهو (إلاه) ما دام موجوداً؛ وإن كان متولداً أو حادثاً فهو (إلاه) من لحظة تولده أو حدوثه، وهو (إلاه) ما دام موجوداً.

 

فالمعادلات الأربع الأخيرة إذاً تقول: [(اعْبُدُوا اللَّهَ) + [((اشهدوا أِنَّهُ) مَا مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُ الله)] = [(اعْبُدُوا الله) + (اشهدوا أِنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الله)] = [(اعْبُدُواْ اللّهَ) + (اجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ)] = [(اعْبُدُواْ اللّهَ) + (لاَ تُشْرِكُواْ بِالله شَيْئاً)] ؛

ويتنج منها، ضرورة ولا بد: [((اشهدوا أِنَّهُ) مَا مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُ الله)] = [(اشهدوا أِنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الله)] = (اجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ)] = [(لاَ تُشْرِكُواْ بِالله شَيْئاً)]؛

 

ولكن الجمل: [(اشهدوا أِنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الله)، و((اشهدوا أِنَّهُ) مَا مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُ الله)؛ متكافئة وهي بعينها: (لا تجعلوا مع الله إله آخر) أو (لا تنسبوا شيئاً من الألوهية لغير الله)؛ وهذه مساوية تماماً للجملة: (اجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ)] = (لاَ تُشْرِكُواْ بِالله شَيْئاً).

 

وهذا كله يوجب ضرورة القطع بأن (الشرك بالله)، شرك الكفر، الشرك الأكبر المناقض للإسلام كل المناقضة، المخرج من الملة الإسلامية لمن كان قد دخل فيها من قبل، هو حصراً: (أن تجعل مع الله إلاهاً آخر)، كما هو مؤيد ومؤكد بنص القرآن: ﴿لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَـهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً﴾، (الإسراء؛ 17: 22)، وبتأكيده، مرة أخرى: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ، وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً﴾، (الإسراء؛ 17: 39)، وتأكيد بيان عاقبته المرعبة: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ* مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ* الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ* قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾، (ق؛ 50: 24 - 27).

 

وهذا أيضاً هو الذي فهمه سلف الأمة من كبار الصحابة العرب الأقحاح، كما أخرج البخاري في «الأدب المفرد» عن معقل بن يسار قال: انطلقت مع أبي بكر، رضي الله عنه، إلى النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: «يا أبا بكر! للشرك فيكم أخفى من دبيب النمل». فقال أبو بكر: (وهل الشرك إلا من جعل مع الله إلهاً آخر؟!)، فقال النبي، صلى الله عليه وعلى اله وسلم: «والذي نفسي بيده، للشرك أخفى من دبيب النمل، ألا أدلك على شيء إذا فعلته ذهب قليله وكثيره؟!»، قال: «قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم»؛ كذا أخرجه الإمام البخاري في الأدب المفرد (ج1/ص250/ح720): [حدثنا عباس النرسي قال: حدثنا عبد الواحد قال: حدثنا ليث قال: أخبرني رجل من أهل البصرة قال: سمعت معقل بن يسار يقوله].

 

فقول أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، وهو عربي قرشي فصيح، بل هو في الذروة من الفصاحة، أوَّل الأمر: (وهل الشرك إلا من جعل مع الله إلهاً آخر؟!)، هكذا حصراً، هو عين قولنا الذي فصلناه أعلاه، إذ لم يتشكل في ذهنه للشرك معنى، إطلاقاً، إلا في اتخاذ إله آخر مع الله، أي في نسبة شيء من الألوهية إلى غير الله. وأما قوله صلى الله عليه وعلى اله وسلم: «والذي نفسي بيده، للشرك أخفى من دبيب النمل،... إلخ»، فهو اصطلاح شرعي جديد، على نحو لم يكن معروفاً للعرب حتى تلك اللحظة، بل ولم يكن معروفاً لأبي بكر وكافة الصحابة في عهدهم المكي إبان نزول الآيات والجمل محل درسنا هذا: فأعطى أفعالاً وإرادات مسمَّى (الشرك)، وصنفها «شركاً عملياً»، وجعلها إثما وحراماً غير مخرج من الملة، مع كونها ليست في صدر ولا ورد من شرك الكفر، المناقض للشهادتين، أي للإسلام كل المناقضة، المخرج من الملة، المردي بمن مات عليه، من غير توبة، بعد بلوغ الرسالة وقيام الحجة، في النار الأبدية، واللعنة السرمدية.

 

وليس هذا (الشرك الخفي)، أو (الشرك العملي)، أو (الشرك الأصغر)، الذي أُنشّأ إنشاءً باصطلاح الشارع، وليس في أصل اللغة، هو موضوع بحثنا ها هنا في هذا الباب، بل له أبواب أخرى ستأتي، فنحن نبحث فقط، لا غير، في المعنى الأصلي الذي فهمه العرب الأقحاح، مؤمنهم وكافرهم، أيام نزول القرآن عند كلامهم عن الآلهة والعبادة والتقديس قبل ورود هذا الاصطلاح الشرعي الجديد.

وهذا كذلك هو الذي فهمه سلف الأمة من صغار الصحابة العرب الأقحاح، بشهادة عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضوان الله وسلامه عليهما، عندما سأله رجل (من الخوارج، الغلاة المارقين، فيما يظهر) فَقَالَ: [يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ: (مَا الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ؟)]، قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ»، فَقَالَ أَيْضًا: [يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ: (مَا الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ؟)]، قَالَ: «أَنْ تَتَّخِذَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا»، فَقَالَ أَيْضًا: [يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ: (مَا الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ؟)]، فَقَالَ: «أُحَرِّجُ عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ مُسْلِمًا لَمَا خَرَجْتَ عَنِّي»، فَخَرَجَ الرَّجُلُ، وَغَضِبَ ابْنُ عُمَرَ غَضَبًا شَدِيدًا؛ كما تجدها في مصنف الإمام عبد الرزاق الصنعاني (2/538/4364): [عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلَزٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ: (مَا الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ؟)، قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ»، فَقَالَ أَيْضًا: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ: (مَا الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ؟)، قَالَ: «أَنْ تَتَّخِذَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا»، فَقَالَ أَيْضًا: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ: (مَا الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ؟)، فَقَالَ: «أُحَرِّجُ عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ مُسْلِمًا لَمَا خَرَجْتَ عَنِّي»، فَخَرَجَ الرَّجُلُ، وَغَضِبَ ابْنُ عُمَرَ غَضَبًا شَدِيدًا؛ قَالَ: فَقُمْتُ لَمَّا رَأَيْتُ مِنْ شِدَّةِ غَضَبِهِ لِأَخْرُجَ، فَضَرَبَ بِيَدِي عَلَى رُكْبَتِي فَقَالَ: «اجْلِسْ؛ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ لَا تَكُونَ مِنْهُمْ» قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، آتِي الْمَدِينَةَ طَالِبَ حَاجَةٍ، فَأُقِيمُ بِهَا السَّبْعَةَ الْأَشْهُرَ وَالثَّمَانِيَةَ الْأَشْهُرَ، كَيْفَ أُصَلِّي؟ قَالَ: «صَلِّ رَكْعَتَيْنِ، رَكْعَتَيْنِ»].

 

وأما العبارة الأولى: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ فقد تبدوا مشكلة – للوهلة الأولى – لأنها في ظاهرها إنما هي فقط نهي جازم قاطع عن عبادة أي شيء غير الله، هكذا مطلقاً بدون استثناء أي شيء غير الله البتة. فهذا يبدوا إذاً كأنه نهي محض، ليس فيه أمر أصلاً، لأن ظاهر هذا القول ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾، كما يبدو، للوهلة الأولى، هو: [لا تعبدوا أي شيء مطلقاً، إلا الله (فلا أنهاكم عن عبادته؛ ولا آمركم بها)].

 

ولكن هذا الذي يظهر للوهلة الأولى من لفظ الكلام وهم، لأن المخاطبين، لا يتصور أصلاً قبولهم للخطاب: [لا تعبدوا أي شيء، غير الله، مطلقاً] أصلاً، وإمكانية التزامهم بهذا النهي مطلقاً، إلا إذا:

(أ)- كانوا قد أقروا وسلموا واستسلموا لله بـ(الإِنِّيَّة)، أي بـ(الإلهية)، أي أن الآمر إله حق موجود خالق (وهو الله، جل جلاله)؛

(ب)- وقد أقروا وسلموا واستسلموا له بـ(القداسة)، فهو لا يكذب، ولا يظلم أزلاً وأبداً؛

(ج)- وكانوا قد أقروا وسلموا واستسلموا له بـ(الحاكمية)، أي: بـ(السيادة) المطلقة العليا النهائية، أي: بحقه الذاتي في الأمر والنهي، حقاً مطلقاً من غير قيد أو شرط، إلا ما أوجبه أو حرمه على نفسه، أو شرطه عليها؛

 

فتقدير الجملة ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ هو في الحقيقة بالتطويل الممل: [قد علمتم بضرورة العقل، أن الله موجود، وأنه إله حق خالق فعال لما يريد، وأن له الحق الذاتي في الأمر والنهي، حقاً مطلقاً من غير قيد أو شرط، إلا ما أوجبه على نفسه، أو شرطه عليها؛ وذلك إنما هو لأنه الإله الحق: فالإقرار بذلك والتسليم له حسن واجب بالعقل؛ وهو الذي حرم على نفسه الكذب أزلاً وأبداً: فالتصديق الجازم واليقين القاطع بصدق خبره: واجب بالعقل؛ وقد أرسلني إليكم لتذكيركم بما وجب عقلاً، ولأبلغكم أنه قد فرض وأوجب ذلك عليكم شرعاً، بمعنى أنه يطلب منكم الإقرار والتسليم والاستسلام لكل ذلك، بحيث يستحق من فعله من الله الثناء والمثوبة، ومن لم يفعل استحق من الله الذم والعقوبة؛ وهو ينهاكم عن عبادة أي شيء، غير الله، نهياً باتاً مطلقاً]. فإذا تقرر هذا، واتضح بدون شبهة في الأذهان، جاز لنا أن نعود لاختصار هذا الكلام الطويل، فيكون التقدير الصحيح لقوله: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾. مختصراً: [أقروا وسلموا واستسلموا لله بالحاكمية، ولا تعبدوا شيئاً غير الله مطلقاً].

 

والحق أن قول القائل: (أقروا وسلموا واستسلموا لله بالحاكمية) إنما هو صياغة أخرى لقوله: (أطيعوا الله)؛ وذلك لأن قوله تعالى: ﴿أطيعوا الله﴾، في مواضع كثيرة من القرآن، وإن جاء على صيغة الأمر، إلا أنه ليس أمراً حقيقياً، وإلا لقال قائل: كيف أعرف أن طاعة الله واجبة؟! أهو بأمر سابق منه؟! فهذا يحتاج إلى أمر سابق آخر منه، وهكذا بدون حد، ولا إلى نهاية: وهو محال. والحق أن هذا اللفظ يتضمن خبرين، فكأنه، جل جلاله، وسما مقامه، قال:

(1)- قد علمتم بضرورة العقل أن طاعتي، طاعة مطلقة بدون قيد أو شرط، واجبة عقلاً، حسنة عقلاً، كما هو لائق بالعقلاء، وها أنا أذكركم بذلك؛

(2)- وها أنا أعلمكم أني، علاوة على ذلك، أطلب منكم تلك الطاعة، وسأحاسبكم عليها، وسيكون:

(أ)- ثواب على الطاعة من السعادة المطلقة، والنعيم الدائم، والملذات الأبدية، التي يطلبها كل عاقل: وهذا في حقيقته (وعد) ناجز لا محالة: قد أوجب الله على نفسه إنفاذه، فلا يجوز لله أن يخلفه؛

(ب)- أو: عقاب على المعصية، لا محيص عنه، ولا إفلات منه، في نار أبدية، وتعاسة سرمدية، ينبغي على كل عاقل التشمير للإفلات منها.

 

وبذلك نتحصل، تماما كما كان الحال في الخطابين الثاني والثالث، على المعادلة التالية، مع وجود تذكير مناسب سابق للخطاب ضرورة، فلا حاجة للتصريح به:

المعادلة: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ = [أقروا وسلموا واستسلموا لله بالحاكمية] + [لا تعبدوا شيئاً غير الله مطلقاً]،

أو، بلفظ آخر: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ = [أطيعوا الله] + [لا تعبدوا شيئاً غير الله مطلقاً]؛

والتذكير: [تذكروا وأقروا بما استقر في فطركم من (الشهادة لله بالحاكمية)، أو: (وجوب طاعة الله)]

 

ولعلنا الآن نعود لاستكمال البحث في حقيقة (الشرك بالله) بتأمل الموعظة الحكيمة المباركة للرجل الحكيم، حيث قال، تباركت أسماؤه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ: لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ، إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (15) يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (20) يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19)﴾، (لقمان؛ 31: 12 - 19).

وبمقارنة هذه الوصية الجامعة الحكيمة بأحد موارد العبارة الأولى: (أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ) كما جاءت في قوله، تباركت أسماؤه: ﴿لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَـهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً (22) وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾، فعدد أحكاما عديدة وأمر بأخلاق حميدة، إلى قوله، جل جلاله، مكررا ومؤكداً: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ: فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً (39)﴾، (الإسراء؛ 17: 22 - 39)؛ فإنه لا يسعنا – بالرغم من تفاوت بعض الآداب والجزئيات – من أن نحكم بأن قول الرجل الحكيم: (لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ) مطابق في جوهره لأمر الله: (لا تعبد إلا الله).

أي أننا تحصلنا على المعادلة: ﴿لَّا تَعْبُدْ إِلَّا اللَّهَ﴾ = ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾.

 

وتزداد هذه المعادلة: ﴿لَّا تَعْبُدْ إِلَّا اللَّهَ﴾ = ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾، متانة ووضوحا بملاحظة أن سياق سورة الإسراء بمفرده يقول: ﴿لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَـهاً آخَرَ: فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً (22) وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾، فبدأ بالنهي عن الشرك: ﴿لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَـهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً﴾ (والشرك هو حصراً، كما أسلفنا قريباً: أن تجعل مع الله إلاهاً آخر)، ثم أكد نفس المعنى الكلي، ولكن بلفظ آخر، بقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾، ثم ختم سياق الوصية الشاملة بالنهي مجدداً عن الشرك، فقال مكررا ومؤكداً: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ: فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً (39)﴾.

 

والآن بمستطاعنا، بنفس الأسلوب، وبتكرار نفس المناقشة التي أنجزناها آنفا عند دراسة الخطاب الجامع الأول: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾، البرهنة على صحة المعادلة التالية:

﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ = [أَقِرْ وسلم واستسلم لله بالحاكمية] + [لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شيئاً على الإطلاق]

أو: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ = [أَطِعِ الله] + [لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شيئاً على الإطلاق]

 

ولكن: ﴿لَّا تَعْبُدْ إِلَّا اللَّهَ﴾ = [أقر وسلم واستسلم لله بالحاكمية] + [لا تعبد شيئاً غير الله مطلقاً] = ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ = [اشهد لله بالحاكمية] + [لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شيئاً على الإطلاق]

 

إذاً: فإن المعادلة التالية حق، لا ريب فيه:

[لا تعبد شيئاً غير الله مطلقاً] = [لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شيئاً على الإطلاق]

 

ويترتب على ذلك، ضرورة ولا بد:

(م2) - (الشرك بالله) = (عبادة غير الله) = (أن تجعل مع الله إلاهاً آخر) = (نسبة شيء من الألوهية لغير الله)؛

وهذه يمكن أيضاً كتابتها على النحو التالي:

 (م2)- (عبادة غير الله) = (نسبة شيء من الألوهية لغير الله) = (أن تجعل مع الله إلاهاً آخر) = (الشرك بالله

 

وسوف تتأكد صحة هذه المعادلات، مرة بعد مرة، ببراهين مستقلة يأتي بعضها في خلال دراسة (قصة إبراهيم مع قومه)، قريباً، بإذن الله.

 

ولنعد الآن مرة أخرى إلى الخطاب الثاني: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ لمزيد من تحرير معناه، وقد وجدنا أنه يقتضي :

﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ = [اعْبُدُوا اللَّهَ] + [اشهدوا أنه (مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)] = [(اعْبُدُوا اللَّهَ) + [((اشهدوا أِنَّهُ) مَا مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُ الله)] = [(اعْبُدُوا الله) + (اشهدوا أِنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الله)] = [(اعْبُدُواْ اللّهَ) + (اجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ)] = [(اعْبُدُواْ اللّهَ) + (لاَ تُشْرِكُواْ بِالله شَيْئاً)]؛

أو، على وجه الخصوص:

﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ = [(اعْبُدُواْ اللّهَ) + (لاَ تُشْرِكُواْ بِالله شَيْئاً)]؛

 

والخطاب الأول كان قد أنتج:

﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ = [أقروا وسلموا واستسلموا لله بالحاكمية] + [لا تعبدوا شيئاً غير الله مطلقاً]

أو: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ = [أطيعوا الله] + [لا تعبدوا شيئاً غير الله مطلقاً]

 

ولكننا كنا قد أثبتنا المعادلة (م2)، وإليك أحد صورها:

[لا تعبد شيئاً غير الله (مطلقاً)] = [لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شيئاً (على الإطلاق)]

 

لذلك فإن الخطاب الأول يمكن إعادة صياغة نتيجته كالتالي:

﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ = [أقروا وسلموا واستسلموا لله بالحاكمية] + [لَا تُشْرِكوا بِاللَّهِ شيئاً على الإطلاق]

أو: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ = [أطيعوا الله] + [لَا تُشْرِكوا بِاللَّهِ شيئاً على الإطلاق]

 

فإذاً نحصل من تطابق الخطابين الأول والثاني على المعادلة الآتية:

(م3)- (اعْبُدُواْ اللّهَ) = [أقروا وسلموا واستسلموا لله بالحاكمية] = [أطيعوا الله]

وهذه يمكن أيضاً كتابتها على النحو التالي:

 (م3)- (عبادة الله) = (الشهادة بالحاكمية لله) = (طاعة الله)

 

ولكن (الشهادة بالحاكمية لله) هي بعينها (الإقرار والتسليم بأن الله هو (الرب)، أي هو: السيد الأعلى، ذو سلطة الأمر والنهي النهائية العليا، والاستسلام له بدون قيد أو شرط)، فهذا في غاية الانسجام مع ميثاق الفطرة: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾، (الأعراف؛ 7 : 172)، وكذلك مع أول وأهم سؤال من أسئلة القبر بعد الموت: (من ربك؟!). فلا يمكن أن نتكلم عن (عبادة الله) إلا إذا شهدنا لله بالحاكمية التي هي ذروة سنام الربوبية، والربوبية هي العمود الفقري للألوهية؛ أي إذا أقررنا لله بـ(كل الألوهية)؛ وبالضد من ذلك فإن الشرك بالله، الذي هو عبادة غير الله، يتحقق بنسبة أدنى شيء من الألوهية، أي بنسبة (بعض الألوهية) لغير الله، ولو فقط في اعتبار واحد منها.

 

فصل: تحرير معنى (العِبَادة)

وقد آن الآن أوان تحرير معنى (العِبَادة): فـ(العبادة) لـ(كائن) إنما هي، بحق، حصراً: (نسبة شيء من الألوهية) لذلك (الكائن). هذا يقين مقطوع به، توجبه المعادلات التي سبق إيرادها، والبرهنة عليها، ومنها:

(م2)- [عبادة غير الله] = [نسبة شيء من الألوهية لغير الله

 

وهذا أيضاً ما أدركه عامة السلف بفطرتهم السليمة، من غير برهان تفصيلي، كما سبق تحريره، إذ كانوا يعتقدون المساواة أو المعادلة التي أوردناها هناك:

عبادة الله = توحيد الله = شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله

 

وعليه فإن (نسبة شيء من الألوهية لكائن) هي (العبادة لذلك الكائن)، ضرورة ولا بد، حتى لو لم يصرف له أو يوجه إليه أي فعل آخر أصلاً: وهذا هو الذي يسميه بعض الوهابيون: (عبادة اعتقادية)، وهو تعبير ليس بدقيق: فالأولى أن يهجر، لأنه يوهم بأن هناك أفعال تستحق أن تسمَّى (عبادة) مع أنها لا علاقة لها بالاعتقاد. والحق، إذاً، أنه لا يمكن أصلاً إدخال فعل، يوجه إلى كائن، أو يصرف أو يتعلق بكائن ما، في جملة (العبادات)، أي الأفعال التعبدية، لذلك الكائن ، إلا إذا كان مسبوقاً بـ(نسبة) شيء من الألوهية لذلك الكائن، ومبنياً على ذلك (الاعتقاد)، أو تلك (النسبة)، وأي مسبوقاً بتلك (العبادة لذلك الكائن) آنفة الذكر، ومبنياً عليها، ضرورة ولا بد.

بل لعلنا نبالغ في التفريع، فنقول: أن تسميه أي حال من أحوال القلب، كـ(الأنس)؛ أو انفعال من انفعالات النفس، كـ(الرهبة)؛ أو انفعال من انفعالات البدن كـ(اقشعرار الجلود)؛ أو أي فعل معين من الأفعال الإنسانية الاختيارية، كـ(السجود)؛ أو أي قول من الأقوال: كـ(المديح)، و(الثناء)؛ عبادة لـ(كائن) ما، إنما هو مجاز واختصار للقول بأنه نشأ من أو بني على (العبادة) بحق، ألا وهي: (نسبة شيء من الألوهية لذلك الكائن المعين).

 

وعليه أيضاً: فإن (الألوهية) سابقة في مراتب الوجود على (العبادة)، قطعاً ولا بد، إن كان ثمة إلاه أصلاً، وهو بالضرورة (الله) العزيز الحكيم. وأما المنكرون لوجود (الله)، القائلين بأزلية الكون، وبـ(الطبيعة) الأزلية الميتة العمياء الصماء البكماء، التي لا تعلم شيئاً، ولا تدرك نفسها، الفعالة الخلاقة بالاضطرار: فهذه (الطبيعة)، وإن كانت بزعمهم واجبة الوجود أزلية قديمة، قطعاً، لا تتصف بـ(الألوهية)، ولا تستحق أن تسمى: (إلاه)، أصلاً؛ فيلزمهم أن القول بأن العبادة؛ أي عقائد وأفعال العباد، وهي (موجودة) فعلاً، سابقة في الوجود على (الإله)، الذي هو مجرد (خرافة) ذهنية أنشأتها تلك العقائد والأفعال: تماماً كقول الفرقة الوهابية، الذي سلف لنا ابطاله واقتلاعه من جذوره، والذي هو في جوهره: [أن الإنسان بأفعاله التعبدية لـ(شيء) يجعل ذلك (الشيء) إلاها]: فهنيئاً للفريقين: ﴿قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً * وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً﴾، (مريم؛ 19: 75-76)!

 

وعليه فتكون (العبادات) هي تلك الأقوال والأفعال المتعلقة بمن، أو الموجهة إلى من، أو المصروفة لمن يعتقد أنه كائن إلاهي، أي: لمن يعتقد فيه شيء من (الألوهية)؛ وهي خاصة تلك الأقوال والأفعال المظهرة أو المعبرة عن (التذلل والخضوع والاستسلام، والسمع والطاعة، والتعظيم والتوقير، والثقة والتوكل؛ أو الخشية والرهبة؛ أو المحبة، والأنس والقرب؛ أو الفقر والحاجة، ونحو ذلك)، أو الأقوال والأفعال التي تطلب من كائن إلاهي (جلب منفعة أو دفع مضرة). فما يسميه الناس (عبادات)، أو (شعائر)، أو (مناسك) ليس هو عين، أو ذات (العبادة)، وإنما هو تعبير أو إظهار أو تطبيق لها.

 

ويترتب أيضاً على كل ما سلف، ضرورة ولا بد، أن من صرف شيئاً من (العبادات)، بشرط تعريفها التعريف الصحيح، لغير الله فهو مشرك كافر ولا بد، لأن من فعل شيئاً من ذلك ففعله مسبوق، ضرورة ولا بد، باعتقاد كفري شركي. وما يقوم به المشرك من أفعال، أو يتلفظ به من أقوال، إنما هو تعبير وإظهار وتطبيق لذلك الشرك والكفر، وليس هو عين الشرك والكفر: فهو إذاً (زيادة في الكفر) فقط، كالنسيء تماماً؛

فلا معنى أصلاً لتساؤلات منسوبي الفرقة الوهابية بلهفة: [ما حكم من صرف شيئاً من (العبادة) لغير الله؟!]، هذا سؤال لا يتصور صدوره إلا ممن يعتقد وجود قائمة حصرية لأفعال مجردة تستحق أن تسمى بذاتها (عبادة)، أو أن (العبادات) يمكن تعريفها تعريفاً مستقلاً عن تعريف (الألوهية)، أو بلفظ آخر:

 

(التعريف الوهابي): (العبادة) = مجموعة من (العبادات) = قائمة حصرية من (العبادات

 

وهذا كله باطل، كما أسلفنا، وكما سيأتي المزيد ها هنا، وأيضاً في الباب المخصص لـ(ماهية التقديس والشعائر التعبدية). وبالرغم من وضوح ويقينية البراهين آنفة الذكر على بطلان الفهم الوهابي لـ(العبادة) إلا أننا سنبطل مقولاتهم التفريعية مقولة بعد مقولة على وجه التفصيل في الباب المخصص لـ(ماهية التقديس والشعائر التعبدية).

 

ووجب، ضرورة، ولا بد، بملاحظة كل ما سلف أن تكون الأحوال القلبية، والمشاعر والانفعالات النفسية، والأقوال والأفعال الإرادية المشمولة بلفظ (العبادة) هي فقط تلك التي تصرف أو توجه لمن يعتقد فيه شيء من الألوهية، أو تتعلق به.

 

ونزيد هذا تفصيلاً باستقراء جمع مما اعتاد البشر تسميته عبادة، وما يصاحب أفعالهم تلك عادة من النوايا والمقاصد، فنقول أن التعريف الصحيح لـ(العبادات)، هو ضرورة، ولا بد: [(العبادات) هي: أحوال قلبية، ومشاعر وانفعالات نفسية، وأقوال وأفعال ظاهرة وباطنة، وشعائر معينة (والشعيرة: مجموعة من الأفعال والأقوال تم تركيبها بطريقة مخصوصة)، تعلقت بمن، أو وجهت إلى من، أو صرفت لمن يعتقد فيه شيء من (الألوهية): لإظهار التعظيم والتوقير والتقديس له؛ أو للتعبير عن الاستسلام والخضوع والذلة له؛ أو للتقرب إليه والأنس بحضرته وطلب رضاه ومحبته والزلفى إليه؛ أو لاستدرار عطفه وبره وإنعامه؛ أو الاستعانة به في دفع ضر أو جلب منفعة؛ أو لاتقاء غضبه ونقمته وعقوبته؛ وربما لاتقاء شره وضرره، ونحو ذلك)].

 

هذا التعريف لمفهوم «العبادة»، بمعناها الاصطلاحي المخصوص، الذي يستعمله الناس عند كلامهم عن الدين والتدين، والآلهة والتقديس، وما شابه ذلك، هو إذاً، قطعاً ويقيناً، وحده الفهم الصحيح، المطابق للواقع، والذي توجبه نصوص القرآن المتضافرة. فحيثما وجدنا في القرآن حكاية عن الأنبياء: ﴿أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ﴾، أو: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، أو: ﴿إِنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أنا: فَاعْبُدُون؛ علمنا قطعاً ويقينا أنها تقتضي، ضرورة ولا بد:

أولاً: أقروا وسلموا واستسلموا لله بـ(الحاكمية)، أي بحقه الذاتي في الأمر والنهي، حقاً مطلقاً من غير قيد أو شرط، إلا ما أوجبه أو حرمه على نفسه، أو شرطه عليها: فإذا أقررتم وسلمتم لله بـ(الحاكمية) التي هي ذروة سنام (الربوبية)، فقد أقررتم وسلمتم لله بـ(كل الألوهية)؛ لأن (الربوبية) هي العمود الفقري لـ(الألوهية

وثانياً: (لا تعتقدوا ألوهية غير الله)، أو (لا تنسبوا شيئاً من الألوهية لغير الله)، لأن الشرك بالله، الذي هو عبادة غير الله، يتحقق بنسبة أدنى شيء من الألوهية، أي بنسبة (بعض الألوهية) لغير الله، ولو فقط في اعتبار واحد منها. فكل من نسبت إليه الألوهية إما أن يكون معدوماً لا وجود له إلا في خيال المشركين الضالين، أو هو موجود خارج الذهن، ولكن لا صحة لتلك النسبة إليه لأنها بهتان وإفك وزور؛

 

فـ(عبادة الله) لا معنى لها أصلاً، ولا يجوز إطلاق لفظها، إلا بنسبة (كل الألوهية) إليه، جل جلاله، وسما مقامه؛ ويكفي من ذلك النص على (الحاكمية) فقط، لأنها ذروة سنام (الربوبية)، و(الربوبية) هي العمود الفقري لـ(الألوهية)؛ ويترتب على ذلك ضرورة (التوحيد)، والبراءة من الشرك: فمن المحال الممتنع أن يكون المشرك عابداً لله، أو موحداً لله؛ ولكن يجوز أن يكون مؤمنا بوجود الله، أو مؤمناً ببعض ما ينبغي لله. وأما بالنسبة لـ(غير الله) فتكفي نسبة (بعض الألوهية) حتى يصح أن نتكلم عن (عبادة ذلك الغير)، وهي ممكنة مع الشرك: فالحمد لله الذي أنزل الكتاب ﴿تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾، (النحل؛ 20: 89).

 

وحسبك في هذا ما ثبت عن عدي بن حاتم ــ رضى الله عنه ــ أنه قال: [أتيت رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: «يا عدي، اطرح هذا الوثن من عنقك!»، قال: فطرحته؛ وانتهيت إليه وهو يقرأ في سورة «براءة» فقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، قال: قلت: (يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم!)، قال: «أليس يحرّمون ما أحل الله فتحرّمونه؟ ويحلّون ما حرم الله فتحلّونه؟»؛ قال: قلت: بلى، قال: «فتلك عبادتهم»]، رواه الطبري في «التفسير»، (14/210/20632)، حيث قال: [حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا: حدثنا مالك بن إسماعيل (ح) وحدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد، جميعًا، عن عبد السلام بن حرب قال: حدثنا غطيف بن أعين، عن مصعب بن سعد، عن عدي بن حاتم قاله]، واللفظ لحديث الإمام أبي كريب محمّد بن العلاء الهمداني، وله طرق أخرى عند الطبري بطوله ومختصراً، وذكره البخاري في التاريخ الكبير، (4/1/106)، من طريق مالك بن إسماعيل، بلفظه، كما رواه الطبراني في «الكبير»، والبيهقي في سننه، وكذلك الترمذي في سننه وقال: (هذا حديث حسن غريب)، كذا في بعض النسخ؛ والحق أنه صحيح، وقد أخرجه الإمام أبو محمد علي بن حزم وحكم بصحته، على تعنته وتشدده.

 

تأمَّل قوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «أليس يحرّمون ما أحل الله فتحرّمونه؟ ويحلّون ما حرم الله فتحلّونه؟»: فلفظة (فتحرّمونه)، لا يمكن، ضرورة، أن تعني في هذا السياق أي شيء سوى: (تعتقدون حرمته)؛ وكذلك، سواء بسواء: (فتحلّونه) = (تعتقدون حِلَّه). وهذا الاعتقاد لا يتصور وجوده عند هؤلاء إلا لاعتقادهم أن الأحبار والرهبان لهم حق التحريم والتحليل، أي حق التشريع؛ أو بلفظ آخر: لنسبتهم (الحاكمية) (أو الربوبية، أو السيادة النهائية العليا، أو سمها ما شئت) إلى الأحبار والرهبان. ثم تأمل قوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «فتلك عبادتهم»: فنسبة (الحاكمية) إلى الأحبار والرهبان هي (عين العبادة) لهم.

 

ومن زاوية أخرى، فإن الحق أن مواقف الناس من العلاقة بين الأفعال التي يسمونها (عبادات) بهذا المعنى المخصوص الذي يقصدونه عند الكلام عن الآلهة والدين والتدين والتقديس، ومفهوم (الإله) لا يخرج حصراً، بالضرورة العقلية، بالقسمة المنطقية التامة الصارمة، عن واحد من المواقف الآتية:

(1)            الموقف الأول: ــ أن (الألوهية) لها تعريف مستقل، تمام الاستقلال، عن أفعال ومواقف الكائنات الأخرى: فمن اتصف بشيء من الألوهية صحت تسميته (إله). في حين أن «العبادات» إنما هي فقط تصنيف اصطلح الناس على إطلاقه على أي فعل من الأفعال، الظاهرة أو الباطنة، أو قول من الأقوال، أقوال القلب أو اللسان، التي تصرف لمن أو توجه إلى من، أو تتعلق بمن يعتقد أنه «إله»: لإظهار الاستسلام والخضوع والتذلل والسمع والطاعة، أو للتعبير عن التعظيم؛ أو لإظهار الخوف والخشية والرهبة؛ أو للتعبير عن الفقر والحاجة وطلب جلب منفعة أو دفع مضرة؛ أو للتعبير عن الود والمحبة وطلب الأنس والقربى، وما شابه ذلك.

 

فإذا كان هذا حقاً، وهو كذلك بقواطع البراهين التي أوردناها – وسيأتي المزيد، إن شاء الله - ترتب عليه، ضرورة، ولا بد: أنه لا يوجد قول ظاهر أو باطن، أو فعل ظاهر أو باطن، لا فرق بين سجود وركوع، وقيام أو انحناء أو قعود، أو سعي وركض؛ أو ذبح وتقديم قرابين، أو إيقاد شموع وإطلاق مجامر؛ أو حب وبغض، وتعظيم أو إرادة، ورغبة ورهبة، ورجاء أو خوف، أو نداء واستغاثة واستعاذة، أو غير ذلك؛ أو شعيرة مركبة من بعض ذلك؛ يمكن اعتباره أو تسميته: (عبادة)، أصلاً، إلا إذا كان متعلقاً، أو موجهاً إلى (إله). إما إذا تعلق نفس الفعل، أو وجه نفس الفعل إلى (شيء) آخر لا تعتقد فيه شيء من (الألوهية)، فليس ذلك (عبادة) أصلاً، ولا تجوز تسميته (عبادة) بتاتاً: ومن فعل ذلك فقد كذَّب القرآن، وكذب على الله، وأعظم الفرية؛

 

(2) الموقف الثاني: ــ أن تصنف أفعال معينة، من حيث هي بوصفها أفعالاً مجردة، على أنها عبادة لذاتها، وبغض النظر عن مضمون التصور ومحتوى الاعتقاد عند فاعلها حول من تصرف له، أو توجه إليه أو تتعلق به. وهذا هو حقيقة قول الفرقة الوهابية عند التحرير التام لأقوالها التي تتصف عادة بالسطحية والركاكة والغموض، وعدم الدقة، بل بالتخبط والتناقض، والسقوط في الدور الخفي، بل وفي الدور الجلي أحياناً.

 

وعلى هذا المسلك ينبني قول من قال، على سبيل المثال، لا الحصر:

(أ) - أن التحية العسكرية وتحية العلم، شرك كفري يخرج من الملة الإسلامية، لأنها تتضمن: (الوقوف بسكون تام، وخشوع كامل، على هيئة مخصوصة)، حتى ولو كان فاعلها يعتقد اعتقاداً جازماً، ويوقن يقيناً صادقاً أن أصحاب الرتبة العسكرية أو أن العلَم عبد مخلوق مربوب لا يملك من أمره شيئاً ولا يفعل ولا يتصرف إلا بإذن الله وتقديره ومشيئته، بل ويعتقد أن العلم مجرد خرقة من القماش ربطت على عود ليس فيها حياة ولا سمع ولا بصر، ولا تملك نفعاً ولا ضراً؛

(ب) - وكذلك قول من قال أن الاستغاثة بالنبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، «شرك أكبر» بمجرد التلفظ به، بغض النظر عن معتقد المستغيث في النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حتى لو كان يعتقد اعتقاداً جازماً أنه بشر مخلوق مربوب، لا يملك لنفسه ﴿ضَرّاً وَلَا نَفْعاً﴾، وَلَا يَمْلِك ﴿مَوْتاً وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُوراً﴾، إلا ما أعطاه الله إياه ومكنه، منه؛

(ج) - أو أن الطواف بقبر عبد القادر الجيلاني، أو أحمد البدوي، شرك كفري يخرج من الملة، بمجرد فعله، أي بمجرد الطواف من حيث هو فعل مجرد يشبه في ظاهره الطواف حول الكعبة مثلاً، بغض النظر عن معتقد الفاعل في عبد القادر الجيلاني، أو أحمد البدوي.

 

لذلك فإن العلاقة بين تعريف (الألوهية) وتعريف (العبادة) في هذا المسلك الثاني هو، ضرورة ولا بد، أن (العبادة) هي الأصل، وتعرف بأنها فعل كذا، وكذا، وكذا: فيتم تقديم قائمة بأفعال معينة تسمى (عبادات): فيكون (الإله) هو من تصرف له تلك الأفعال، أي باختصار: أن (الإله هو المعبود).

 

وهذا المسلك الثاني، وإن كان سالماً من الدور والتناقض الداخلي، إلا أنه باطل، وغير مسلَّم لأصحابه لقيام البرهان القاطع من النصوص الشرعية اليقينية، أي من نصوص الكتاب والسنّة، لأنها هي وحدها النصوص الشرعية؛ بل وقبل ذلك من ضرورات الحس والعقل واللغة، على ما يثبت يقيناً خلاف ذلك:

أولاً: كما بيناه ها هنا على وجه العموم، لأن القضية قد حسمت، فيما سلف، بدقة برهانية صارمة لصالح الاحتمال أو المسلك الأول في تعريف (العبادات)، ومن ذلك:

(أ)- أن مقولة (الإله هو المعبود) تقتضي ألا تكون (الألوهية) صفة لله، تعالى وتقدس، وأنه ما كان إلاها في الأزل: وهذا كفر مجرد صريح. ولا منجى لأهل هذا المسلك بمقولة: (الإله هو المعبود بحق)؛ أو (الإله هو المستحق للعبادة) لأنها تقتضي أيضاً أن الله، جل جلاله، ما كان إلاها في الأزل، وهذا أيضاً كفر مجرد صريح، وتقتضي تكذيب القرآن؛

(ب)- ولأن هذا المسلك الثاني ما هو في ذاته إلا مكابرة للمحسوسات، ومخالفة لإجماع العقلاء من أصحاب شتى اللغات، وتكذيباً لترتيبه، جل جلاله، وسما مقامه، للعبادة على الألوهية، في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، (الأنبياء؛ 21: 25)؛ ولقوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾، (طه؛ 20: 14)؛

وثانياً: كما سنفصل بعضه، على وجه الخصوص، لكثير من الأفعال التي أسمتها الفرقة الوهابية، زوراً وبهتاناً، (عبادات)، فعلاً بعد فعل، في باب مستقل، وهو الباب المخصص لـ(ماهية التقديس والشعائر التعبدية).

 

(3) الموقف الثالث: ــ إدخال (الإله) في تعريف (العبادة) كأن يقال مثلاً: (العبادة) هي كل ما يصرف لـ(الإله)؛ وفي نفس الوقت: إدخال (العبادة) في تعريف (الإله) كأن يقال مثلاً: (الإله) هو المعبود: فلا تعرف (العبادة) حتى يعرف (الإله)، وفي نفس الوقت لا يعرف (الإله) حتى تعرف (العبادة): هذا دور قبلي يؤدي إلى استحالة أي من التعريفين، فيبقى كل واحد منهما مجهولا غير معرَّف؛ وغاية ما يمكن الحصول عليه هو: [(العبادة) هي (العبادة)]، تحصيل حاصل فارغ لا معنى له، ولا محصول يرجى من ورائه؛ وكذلك، حرفاً بحرف: [(الإله) هو (الإله)]. وهذا الدور تجده، خفياً، في كلام الإمام ابن تيمية والشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي اليماني؛ وبكثرة في كلام رجالات الفرقة الوهابية، خفياً؛ وكذلك جلياً، ولا عجب فالقوم مفلسون تماما في العلوم الآلية، كعلوم اللغة، والمنطق، والرياضيات، وسائر العلوم العقلية.

 

(4) الموقف الرابع: ــ فك الارتباط بين مفهوم (الإله) فيكون له تعريف مستقل عن أفعال العباد، وبين مفهوم (العبادة) بحيث تصنف أفعال معينة، من حيث هي بوصفها أفعالاً مجردة، على أنها عبادة لذاتها، وبغض النظر عن مضمون التصور ومحتوى الاعتقاد عند فاعلها حول من تصرف له، أو توجه إليه أو تتعلق به، تماماً كما هو في (الموقف الثاني). ويترتب على هذه، ضرورة ولا بد، أن (عبادة) غير الله لا تكون شركا إلا إذا كان ذلك (الغير) كائناً إلاهيا: وهذه مكابرة للحس والعقل ولفطرة واللغات، وتخطئة صريحة لتعبير القرآن، ونسبة العي والعجز عن صحيح العبارة إليه، أو التضليل والتلبيس للمخاطبين به، إذ جاء: ﴿ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ﴾، وكان حقه أن يقول: ﴿أَلاَّ تَعْبُدُواْ إلهاً إِلاَّ اللَّه﴾، عياذاً بالله. وهو أيضاً رد وتكذيب صريح للترتيب: ﴿إِنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أنا: فَاعْبُدُون﴾، وهذا لا يمكن إلا إذا كان القرآن ليس من عند الله: وحسبك بهذا كفراً. ولا أعلم أحداً في العالم اتخذ هذا الموقف، أو سلك هذا المسلك، هكذا صراحة وبون مواربة، وإنما هو فقط (الدور)، خفياً كان أو جلياً، المذكور تحت (الموقف الثالث).

 

ومن كل ما سلف يظهر لك بجلاء ضلال الفرقة الوهابية الغالية المارقة إذ صنَّفت أفعالاً على أنها (عبادات)، بوصفها أفعالاً مجردة، أو مسبوقة باعتقاد ما حول الضر والنفع، أو الشفاعة والبركة، أو التقرب والزلفى، وبغض النظر عن وجود أو عدم وجود ذلك الاعتقاد المخصوص، إلا وهو اعتقاد شيء من (الألوهية)، بتعريفها القرآني الصحيح المنضبط، في المفعول لأجله أو به؛ وحكمت من ثم على الفاعلين بالشرك والكفر، والخروج من الإسلام بمجرد الفعل؛ وسلت عليهم السيف.

 

بل هي، أي: الفرقة الوهابية ، قد تواقحت فسمت هذا الإفك والكذب المبين، توحيداً: (توحيد العبادة)، ثم أكملت الجريمة بتسميته: (توحيد الألوهية) كما تجده مثلاً في إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد لصالح بن فوزان الفوزان (3/243): [... أنه لَمّا كان التّوحيد ثلاثة أنواع: توحيد الرُّبوبية، وتوحيد الأُلوهيّة، وتوحيد الأسماء والصّفات، وكان غالبُ هذا الكتاب في النّوع الثّاني وهو توحيد العبادة، ...]؛

ــ وأيضاً في شرح العقيدة الطحاوية لعبدالعزيز الراجحي (ص: 7): [أما توحيد الألوهية فهو توحيد الله بأفعال العباد: بأفعالك أنت أيها الإنسان من صلاة وزكاة وصوم وحج وبر للوالدين وصلة للرحم، هذه أفعالك أنت وأمر بمعروف ونهي عن منكر وكف نفسك عن المحرمات تتقرب بها إلى الله، توحد الله بها بأن تتقرب إلى الله، وتخلصها لله، وتريد بها وجه الله والدار الآخرة، هذا هو: توحيد العبادة]؛

 

في حين أن مؤلفي المعاجم الإنجليزية، مثلاً، كانوا أسعد حظاً، مع أنهم لم يسترشدوا بقرآن محفوظ منزل، فأدركوا الصواب هكذا على الفطرة، حين قال قائلهم معرفاً (العبادة): (شعور بالتعظيم يوجه لكائن إلاهي أو كائن فوق الطبيعة)؛ وقد أسلفنا إيرادها بلغتهم، ألا وهي:

 

 (Sense of reverence paid to a supernatural or divine being(

 

فالواجب إذاً، شرعاً وعقلاً، أن نقطع ونجزم بأنه حيثما وردت لفظة (عبادة) أو مشتقاتها عند الكلام عن التوحيد والشرك، أو الإيمان والكفر، أو الأنداد والآلهة في القرآن أو السنة أو كلام السلف، وبخاصة من الصحابة لأنهم عاصروا التنزيل، وكانوا على الفطرة الأولى، وشهدوا عياناً شرك العرب؛ ثم من التابعين وأتباعهم من أهل الفصاحة قبل فساد اللسان العربي، فإنما هي تعني ما أسلفناه من أحوال قلبية، وانفعالات نفسية وبدنية، وأفعال وأقوال وشعائر مسبوقة باعتقاد مخصوص، إلا وهو اعتقاد، أو نسبة، شيء من (الألوهية) إلى من تعلق به الفعل، أو المفعول لأجله أو به، ولا يجوز غير ذلك البتة، وإلا وقعنا في التناقض، أو الدور الجلي أو الخفي؛ أو المكابرة في وصف الوقائع التاريخية المحسوسة؛ وانتهينا بتكذيب القرآن، والكفر الصريح، كما هو حال الفرقة الوهابية، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

 

 

 

فصل: تناقضات تعاريف (الإله) و(العبادة) عند المعلمي

والآن قد جاء الموضع المناسب لبيان الخلل في تعريف (الإله) وتعريف (العبادة) عند الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي اليماني، رحمه الله:

* فقد جاء تعريف (الإله) في آثار الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي اليماني (3/735): [(*)- وأما الإله فهو المعبود، فَمَنْ عبد شيئًا فقد اتَّخذه إلهًا وإن لم يزعم أنه مستحقٌّ للعبادة، وذلك كالطامع في النفع الدنيويِّ ونحوه مما مرَّ؛

(*)- ومن زعم في شيءٍ أنه مستحقٌّ للعبادة فقد عبده بهذا الزعم؛ لأنه يتضمَّن خضوعًا من شأنه أن يُطْلَب به نفعٌ غيبيٌّ، وبذلك جَعَله إلهًا، وهكذا مَن أثبت لشيءٍ تدبيرًا مستقلًّا بالخلق والرزق ونحوهما، فإن هذا التدبير هو مناط استحقاق العبادة، على ما مرَّ تحقيقه. وكذا مَن أثبت لشيءٍ أنه يشفع بلا إذنٍ وأن شفاعته لا تُرَدُّ البتَّة؛ لأن ذلك في معنى التدبير المستقلِّ.

(*)- فأما معنى (إله) في كلمة الشهادة فهو مستحق للعبادة، وإن شئت فقل: مَن يستقلُّ العقل الصريح بإدراك استحقاقه أن يُخْضَعَ له طلبًا للنفع الغيبيِّ. فالله تبارك وتعالى مستحق للعبادة يستقلُّ العقل الصريح بإدراك استحقاقه أن يُخْضَع له طلبًا للنفع الغيبيَّ، وكان المشركون يزعمون أن الأصنام وغيرها مما يعبدونه كذلك، ولم يكونوا يزعمون مثل ذلك في الكعبة والحجر الأسود؛ لأنهم كانوا يرون أن احترامهما إنما هو لأمر الله عزَّ وجلَّ، فلذلك لم يسمُّوا الكعبة إلهًا ولا أطلقوا على احترامهم لها عبادةً]، كذا نصاً من المكتبة الشاملة، باستثناء علامة [(*)-] فهي من عندنا لتمييز فقرات النص الثلاث؛

 

* وقد جاء تعريف (العبادة) مطولاً في آثار الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي اليماني (3/733): [وتحرير العبارة في تعريف العبادة أن يُقال: "خضوعٌ اختياريٌّ يُطْلَب به نفعٌ غيبيُّ".

فقوله: (خضوعٌ) يتناول ما كان بالطاعة وما كان بالتعظيم.

وقوله: (اختياريٌّ) يخرج به المكره ونحوه، على ما يأتي تفصيله في الأعذار إن شاء الله تعالى.

وقوله: (يُطْلَب به) أي: مِن شأنه ذلك، فيدخل ما يكون الخاضع طالبًا بالفعل، بأن يكون له اعتقادٌ أو ظنٌّ أو احتمالٌ أن ذلك الخضوع سببٌ لنفعٍ غيبيًّ أو يكون في حكم الطالب، بأن يكون المعهود في ذلك الفعل أنه يُطْلَب به نفعٌ غيبيٌّ، كالسجود للصنم وَفَعَلَه الخاضع عنادًا كما مرَّ في فرعون وقومه، أو خوفًا من ضررٍ لا يبلغ حدَّ الإكراه - كما مرَّ في أوائل الرسالة في المستضعفين الذي عرَّضوا أنفسهم لأن يُكْرَهوا على الكفر رغبةً عن الهجرة التي فيها خروجهم من بيوتهم وأموالهم وأهليهم، أو مداهنةً؛ لأنه أولى مما قبله، ويدلُّ عليه قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: 140]، أو طمعًا في نفعٍ دنيويًّ، كمَن يُجْعَلُ له مالٌ عظيمٌ على أن يسجد لصنمٍ، وهذا أولى من الخائف، أو هزلًا ولعبًا كما تدلُّ عليه آية الإكراه على ما تقدَّم أوائلَ الرسالة، والفقهاء يثبتون الرِّدَّة بذلك.

وقوله: (نفعٌ) أُرِيد به ما يشمل دَفْعَ الضرر.

وقوله: (غيبيٌّ) قد تقدَّم تفسيره.

وهذا تعريف للعبادة من حيث هي، فإن أُرِيد تعريف عبادة الله عزَّ وجلَّ زِيد: (بسلطانٍ)، أو تعريفُ عبادة غيره، زِيد: (بغير سلطانٍ)، وقد يكون الفعل عبادةً لغير الله عزَّ وجلَّ، ولَكِن فاعله معذورٌ؛ فلا يُحْكَمُ عليه بالشرك، كما سيأتي إن شاء الله تعالى]، كذا نصاً؛

ــ وهو باختصار حسن من المحقق (وأظنه الشيخ بكر أبو زيد، رحمه الله) في مقدمته كما هي في آثار الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي اليماني (م 2 - 3/34): [وتحرير العبارة في تعريف العبادة أن يقال: خضوع اختياري يُطلَب به نفع غيبي، أي من شأنه أن يُطْلَب به نفع غيبي، سواء كان الخاضع طالبًا بالفعل بأن يكون له اعتقاد أو ظنّ واحتمال أن ذلك الخضوع سبب لنفع غيبي، أو يكون في حكم الطالب بأن يكون المعهود في ذلك الفعل أنه يُطلَب به نفع غيبي، كالسجود للصنم إذا فعله الخاضع عنادًا أو خوفًا من ضرر لا يبلغ به حدَّ الإكراه، أو مداهنةً، أو طمعًا في نفع دنيوي كمن يُجعَل له مال عظيم على أن يسجد لصنم، أو هزلًا ولعبًا". وهذا تعريف للعبادة من حيث هي، فإن أريد تعريف عبادة الله عز وجل زِيد: (بسلطان)، أو أريد تعريف عبادة غير الله زِيد: (بغير سلطان)]؛

 

* وقد جاء تفسير (النفعٌ الغيبيٌّ) في آثار الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي اليماني (3/731): [والمراد بالنفع الغيبيِّ: ما كان على خلاف العادة المبنيَّة على الحِسِّ والمشاهدة]، كذا نصاً؛

 

فلعلنا نبدأ بالفقرة الثالثة من تعريف (الإله): [(*)- فأما معنى (إله) في كلمة الشهادة فهو مستحق للعبادة، وإن شئت فقل: مَن يستقلُّ العقل الصريح بإدراك استحقاقه أن يُخْضَعَ له طلبًا للنفع الغيبيِّ. فالله تبارك وتعالى مستحق للعبادة يستقلُّ العقل الصريح بإدراك استحقاقه أن يُخْضَع له طلبًا للنفع الغيبيَّ ... إلخ]؛

فنقول: الواجب ها هنا أن تستبدل عبارة (مستحق للعبادة)، بعبارتنا المنقحة، ألا وهي: (الكائن المتصف بما، أو القادر على ما تُسْتَحَقُّ به (العبادة)). وهذ هو عين تعريفنا لـ(الإله) مترجما لأولئك اللذين يصرون على ذلك المسلك القبيح، ألا وهو: إقحام لفظة (العبادة) في التعريف؛ وقد سبق لنا انتقاد هذا مفصلاً، ولكن لا بأس بالتساهل هنا خروجا من الجدل والمحاككة وتهمة التنطع، بل سنبالغ في التساهل – اختصاراً للكلام، وتجنبا للعبارات المطولة العسيرة – فنقول: (مستحق للعبادة)، أو : (المعبود بحق)، بشرط أن نقبض، بيد من حديد، على المعنى الذي تتضمنه العبارة المطولة: (الكائن المتصف بما، أو القادر على ما تُسْتَحَقُّ به (العبادة)).

 

وضرورة هذا الاستبدال تتضح من أن الله، جل جلاله وسما مقامه: (إله)، أزلاً وأبداً، وهو (إله) الناس، وغيرهم من الكائنات، قطعاً ولا جدال، بضرورة الحس والعقل، ونص القرآن، وإجماع عقلاء بني آدم، بل ومجانينهم: وحتى الملحدين المنكرين لوجود الله، إنما أنكروا وجود (إله)، وما جادلوا قط في معنى (إله). والشهادة تثبت أن الله (إله)، وتنفي وجود إله سواه: فلو عرفنا (إله) بأنه (المعبود بحق) أو (مستحق العبادة) لنتج منها البواطيل والكفريات الشنيعة التي سبق تحريرها في فصول سابقة.

 

بل الشهادة يجب أن تفصل هكذا: [لا (إله) إلا الله] = [لا يوجد (إله) البتة، إلا واحداً هو الله] = [لا يوجد البتة (كائن هو المتصف بما، أو القادر على ما تُسْتَحَقُّ به (العبادة)إلا واحداً هو الله

 

إذا لدينا هذا النوع من (آلهة) الدرجة الممتازة: (المعبودة بحق)، بالتساهل في العبارة؛ وهي كلها – في حقيقة الأمر الذي قامت عليه قواطع الأدلة - إما معدومة لا وجود لها خارج أذهان المشركين المختلة، أو كائنات موجودة بالفعل أو كانت موجودة، ولكنها ليست بتلك الصفة التي يزعم المشركون؛ إلا واحداً هو (الله) العزيز الحكيم. ولا نبالي ها هنا ما هو تعريف العبادة مفصلاً، ويكفي ها هنا أن تكون (العبادة) قد عرفت تعريفاً صحيحاً على نحو ما.

 

والآن فلنعد إلى تعريف (الإله) كما هو في النص المنقول، فإذا بنا نجد الفقرة الثانية تقول: [(*)- ومن زعم في شيءٍ أنه مستحقٌّ للعبادة فقد عبده بهذا الزعم؛ لأنه يتضمَّن خضوعًا من شأنه أن يُطْلَب به نفعٌ غيبيٌّ، وبذلك جَعَله إلهًا، وهكذا مَن أثبت لشيءٍ تدبيرًا مستقلًّا بالخلق والرزق ونحوهما، فإن هذا التدبير هو مناط استحقاق العبادة، على ما مرَّ تحقيقه. وكذا مَن أثبت لشيءٍ أنه يشفع بلا إذنٍ وأن شفاعته لا تُرَدُّ البتَّة؛ لأن ذلك في معنى التدبير المستقلِّ

فأقول: هذا في غاية الأهمية لأنه جعل مجرد (نسبة استحقاق العبادة لشيء)، أو (إثبات تدبيرًا مستقلًّا بالخلق والرزق ونحوهما لذلك الشيء)، أو (إثبات أن الشيء يشفع بلا إذنٍ وأن شفاعته لا تُرَدُّ البتَّة)، جعل مجرد النسبة عبادة لذلك الشيء، وهذا هو عين قولنا، أو بلفظ أدق بعض قولنا، وهو الحق بغض النظر عن تعريف العبادة تفصيلاً. ولكن المعلمي وقع في (الدور) من حيث لا يشعر عندما قال: (لأنه يتضمَّن خضوعًا من شأنه أن يُطْلَب به نفعٌ غيبيٌّ، وبذلك جَعَله إلهًا) لأن مجرد (نسبة استحقاق العبادة لشيء) هي عبادة لهذا الشيء، وهي التي يسميها الوهابيون (عبادة اعتقادية)، كما صرح هو قبل تلك الجملة مباشرة.

 

وكان الواجب إذاً أن يقول: (من زعم في شيءٍ أنه (إله) بمعنى أنه مستحقٌّ لـ(الخضوع الاختياري، الذي يُطلَب به نفع غيبي) فقد خضع له، حكماً إن لم يكن فعلا، فهو عابد له، أي: هو قد عبده)، بالعبارة المتساهلة؛ أو بالعبارة المتشددة: (من زعم في شيءٍ أنه (إله) بمعنى أنه المتصف بما، أو القادر على ما يُسْتَحَقُّ به (الخضوع الاختياري، الذي يُطلَب به نفع غيبي)، فقد خضع له، حكماً إن لم يكن فعلا، فهو عابد له، أي: هو قد عبده)؛ بدلاً من العبارة المتناقضة: (من زعم في شيءٍ أنه مستحقٌّ للعبادة فقد عبده بهذا الزعم؛ لأنه يتضمَّن خضوعًا من شأنه أن يُطْلَب به نفعٌ غيبيٌّ، وبذلك جَعَله إلهًا) لأنه لا معنى لقوله: (وبذلك جَعَله إلهًا) لأنه بدأ بزعمه إلاها من هذا النوع المخصوص (الدرجة الممتازة)، ثم قام بفعل معين تجاه هذا الإله المزعوم، (وبذلك جَعَله إلهًا) بزعم المعلمي، وهذا يقتضي ضرورة أنه لم يكن إلاهاً قبل هذا الجعل الأخير: فالحاصل إذا هو التناقض: أن الشيء (كان إلها)، و(ما كان إلها) في نفس الوقت، ومن نفس الزاوية والاعتبار.

 

والذي يظهر لي أن هذا دور شكلي، نشأ من إساءة تركيب الجمل، وكان حقه تركيب جملتين مستقلتين بأن يقول: [(من زعم في شيءٍ أنه مستحقٌّ للعبادة فقد عبده بهذا الزعم: فهو قد جعل الشيء إلها، لأن الإله هو المستحق للعبادة.) + ((نسبة استحقاق العبادة لشيء) تتضمَّن، من حيث هي، خضوعًا من شأنه أن يُطْلَب به نفعٌ غيبيٌّ، فهي – أي النسبة بذاتها - عبادة)].

 

ومما لا شك فيه أن نسبة الألوهية لشيء هي عبادة لهذا الشيء، ضرورة ولا بد، وإلا لما كانت مجرد نسبة شيء من الألوهية لغير الله شركاً وكفراً، كما توجبه ضرورة لعقل، ونصوص القرآن، وإجماع أهل الإسلام المتيقن، الذي يقر به المعلمي. إذا فكون (مجرد نسبة شيء من الألوهية لغير الله شركاً وكفراً) شرط ضروري لصحة تعريف العبادة.

 

فأما في تعريفنا فلا إشكال لأن عندنا:

 

(م2)- (عبادة غير الله) = (نسبة شيء من الألوهية لغير الله) = (الشرك بالله

 

وأما في تعريف المعلمي للعبادة بأنها: (الخضوع الاختياري، الذي يُطلَب به نفع غيبي) فليس هذا واضحاً بينا بذاته، لذلك وجد – سامحه الله - نفسه مضطراً إلى القول: (من زعم في شيءٍ أنه مستحقٌّ للعبادة فقد عبده بهذا الزعم؛ لأنه يتضمَّن خضوعًا من شأنه أن يُطْلَب به نفعٌ غيبيٌّ، وبذلك جَعَله إلهًا). وهذا مشكل جداً لأن النسبة المجردة لا تتضمن (خضوعا)، فيما يظهر لي على البديهة، وكذلك التصديق واليقين المجرد، كما يظهر من حال إبليس وآل فرعون؛ وإنما يكون الخضوع بعد الشهادة بالألوهية، لأن الشهادة تتضمن للإقرار والتسليم والاستسلام: فتعريف العلمي للعبادة فيه إشكال كبير، لأنه فيما يظهر لا يفي بالشرط الضروري، آنف الذكر: فهو لا ينطبق – بصيغته هذه – الآلهة من (الدرجة الممتازة): فهو تعريف غير جامع، ومن ثم باطل من هذه الزاوية.

 

ومن زاوية أخرى فقد أورد الشريف الدكتور حاتم العوني، حفظه الله، في موقعه الإلكتروني (فيسبوك) على تعريف المعلمي للعبادة اعتراضاً هاما، حيث قال: [لو خضع رجل لمخلوق، طالبا نجاة ابنه من أيدي اللصوص الذين يقفون أمامه، ويقبضون على ابنه، وليس أمرا غيبيا، لكنه خضع له على أن هذا المخلوق يتصرف في الكون بغير إذن الله تصرف الرب المالك المدبر: فلن يكون مشركا؛ لأنه لم يطلب أمرا غيبيا]؛

فأسارع أولا بالقول أن المعلمي قد حكم على هذا بأنه عبد هذا المخضوع له، وجعله إلاها من دون الله، بمجرد نسبة التصرف في الكون بغير إذن الله إليه، وأن الخاضع مشرك كافر، ولا بد. ولكن ليست هذه هي القضية، وإنما هي قضية صحة التعريف أو بطلانه: وبطلان التعريف بالنسبة لهذا النوع من آلهة (الدرجة الممتازة) أوضح من الشمس في رابعة النهار، لعدم وجود (النفع الغيبي).

 

ومهما يكن من أمر فإنه لا توجد حاجة أصلاً لتحديد تعريف معين للعبادة - بالنسبة للآلهة من (الدرجة الممتازة) – باستثناء ضرورة شمول تعريف العبادة لـ(نسبة استحقاق العبادة) بحيث تكون مجرد (النسبة) عبادة للمنسوب له، وتكون شركاً وكفراً إذا كانت لغير الله.

 

وهناك استشكال مهم حول جملته: [وهكذا مَن أثبت لشيءٍ تدبيرًا مستقلًّا بالخلق والرزق ونحوهما، فإن هذا التدبير هو مناط استحقاق العبادة، على ما مرَّ تحقيقه. وكذا مَن أثبت لشيءٍ أنه يشفع بلا إذنٍ وأن شفاعته لا تُرَدُّ البتَّة؛ لأن ذلك في معنى التدبير المستقلِّ]، إذ ليس فيه ذكر أخطر نوع من آلهة قريش، وغيرها من الأمم، وهي الكائنات من نسب أو نوع أو جنس إلاهي. وكان الأولى أن لا يقصر الجملة الأولى على التدبير بالخلق والرزق ونحوها، كأن يقول: (وهكذا مَن أثبت لشيءٍ فعلا بقدرته الذاتية على وجه الاستقلال، وخاصة الخلق والرزق والعلو والقهر والإدراك، وغيرها)؛ وكذلك أن يستوعب مزيداً من الأمثلة المهمة، التي وقع في أمثالها الشرك فعلاً: من أثبت لشيءٍ أنه يجير على الله، ويحمي من بطشته؛ ومن أثبت لشيءٍ أنه يختبئ من الله، أو يفلت منه، أو يعجزه هرباً؛ ومن أثبت لشيءٍ السيادة النهائية العليا فهو يشرع من عند نفسه، ويحكم لا معقب لحكمه: فتجب طاعته طاعة مطلقة؛ ... إلخ

 

ولكن ماذا عن الفقرة الأولى في تعريف (الإله) كما هو في النص المنقول: [(*)- وأما الإله فهو المعبود، فَمَنْ عبد شيئًا فقد اتَّخذه إلهًا وإن لم يزعم أنه مستحقٌّ للعبادة، وذلك كالطامع في النفع الدنيويِّ ونحوه مما مرَّ]:

فأما في تعريفنا لـ(الإله) ولـ(العبادة) فهذا النوع من الآلهة، آلهة (الدرجة الثانية) البائسة، محال لا وجود له. وأما لفظ المعلمي هذا: (وأما الإله فهو المعبود، فَمَنْ عبد شيئًا فقد اتَّخذه إلهًا وإن لم يزعم أنه مستحقٌّ للعبادة)، فمعضل للغاية:

(1)- جملة: (وإن لم يزعم أنه مستحقٌّ للعبادة) لا تصلح، والواجب أن يقال: (وإن زعم أنه غير مستحقٌّ للعبادة)؛ لأن أي شيء من الأشياء إما أن يكون (غير مستحقٌّ للعبادة)، أو (مستحقاً للعبادة) في معتقد من يستحق خطاب التكليف، وهذا نقيضان، لا واسطة بينهما. و(المستحقون للعبادة)، وهم آلهة (الدرجة الممتازة) قد مضى الكلام عنهم، وهم غير هذا الصنف، فهم صنف مباين نستقل، بل وعلى النقيض من صنف آلهة (الدرجة الممتازة)؛

(2)- وحتى اللفظ المعدًّل: (َمنْ عبد شيئًا فقد اتَّخذه إلهًا، وإن زعم أن ذلك الشيء غير مستحقٌّ للعبادة) تصرف يصعب صدوره من العقلاء. نعم: قد يقول العاقل: (ابتسمت في وجهه مع علمي بأنه لا يستحق البشاشة، ولكن مداراةً ومجاملة)؛ وقول جبار من الجبابرة: (عاقبته مع علمي بأنه لم تثبت عليه التهمة، ولا هو يستحق العقوبة؛ ولكن لردع أهل الريب، والمحافظة على هيبة السلطة)؛ وما شابه، يتصور صدوره. أما أن يقول عاقل، وبخاصة من أهل الإسلام، الذين كتب لهم المعلمي كتابه عن شيء: (عبدته مع علمي بأنه غير مستحق للعبادة) فبعيد غاية البعد، لأن موضوع (العبادة) في غاية الخطورة لمن كان يؤمن بالآخرة، والجنة والنار: فهذه قضية حياة أو موت. فالأمر لا يخلو من أحد أمرين:

            (أ)- أن يكون مقراً بأنه (عبد الشيء) فعلاً، ويكون كاذباً في زعمه أنه يعتقده (غير مستحقٌّ للعبادة)؛

            (ب)- أن يكون صادقاُ في زعمه أن الشيء (غير مستحقٌّ للعبادة)، ولكنه منكر لكون فعله (عبادة) أصلاً لذلك الشيء؛

 

فهناك تناقض و(دور) خفي أو جلي؛ لا يمكن الخروج منه إلا بملاحظة أن إقحام عبارة (استحقاق العبادة) هو أصل البلاء: فقد كان الواجب على المعلمي، إن كان ولا بد، أن يقول: [وأما الإله فهو المعبود، فَمَنْ عبد شيئًا فقد اتَّخذه إلهًا، بغض النظر عن معتقداته في ذلك الشيء: والعبادة هي (الخضوع الاختياري، الذي يُطلَب به نفع غيبي)]، ولا حاجة للتمثيل: (وذلك كالطامع في النفع الدنيويِّ ونحوه مما مرَّ) لأنه يشوش أكثر مما ينفع. والواجب أن يضيف وهذا ينطبق فقط على الآلهة التي لا يعتقد في أي منها أنه (الكائن المتصف بما، أو القادر على ما تُسْتَحَقُّ به (العبادة)) حتى لا يقع في التناقض فتفسد عليه الفقر الثانية والثالثة من تعريف العبادة كما سبق شرحه.

 

وبهذا التنقيح فلعلنا نكون قد خرجنا من (الدور)، ولكن هل استفدنا تعريفا منضبطا نافعاً؟! إليك أولاً هذا المثال الصارخ:

* فقد جاء في آثار الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي اليماني (3/747): [فالحقُّ أن إطلاق علماء المذهب أن السجود للأبوين ونحوهما لا يكون ردَّةً محمولٌ على ما إذا سجد لهما غيرَ متديِّنٍ بالسجود ولا زاعمٍ أنه يفيده نفعًا غيبيًّا، بل سجد بجاذبٍ طَبَعِيٍّ أو عاديٍّ أو غرضٍ، كمَن يسجد لسلطانٍ ليؤمِّره أو يصلَه بمالٍ أو نحو ذلك، فهذا لا مشابهة فيه لسجود المشركين لآلهتهم (*) كما لا يخفى، فأما مَن سجد لأبويه تديُّنًا يطلب به نفعًا غيبيًّا فهذا هو عمل المشركين سواءً]؛

ــ وسارع المحقق بالتهميش قائلاً في نفس الصفحة: [(*) سبق في تعريف العبادة (ص 733 - 734) أنه لا يُشترط في السجود للصنم طلب نفعٍ غيبِيًّ، بل لو سجد له عِنادًا أو طمعًا في نفع دنيويًّ كمَن يُجْعَلُ له مال عظيم على أن يسجد لصنمٍ، ومثلُه إذا سجد له هزلاً ولعبًا كل ذلك يرتدّ به الشخص، والفقهاء يثبتون الردّة بذلك كما هو نصُّ كلامه. ويظهر أنَّ المؤلَّف لا ينظر إلى ذات السجود، بل إلى المسجود له، فيفرِّق بين الصنم الذي من شأن عابديه أن يطلبوا بذلك نفعًا غيبيًّا وبين الملِكِ من بني آدم الذي لم تجر العادة بالسجود له طلبًا لنفعٍ غيبِيًّ، فَشَرَطَ في تكفير الساجد للمِلك أن يطلب بذلك نفعًا غيبيًّا ولم يشترط ذلك في السجود للصنم]؛

فأقول: أولاً: أرأيت الاضطراب والغموض، المنذر ببطلان التعريف، في هذا النص القصير:

(أ) - فتارة يكون (النفعٍ الغيبِيًّ) مشروطاً، وأخرى لا حاجة لنا به، كما لاحظها المحقق، رحمه الله؛ والشريف الدكتور حاتم العوني، حفظه الله، وكلاهما مصيب محسن في هذا؛

(ب) - وما معنى: (غير متدين) في السجود للوالدين؛ وما هو (التدين): أليس هو (التعبد)؟! إن يكنه فقد دار الأمر، أو تسلسل إلى غير حد ولا نهاية؛ وإن لم يكنه: فما هو؟!

(ج) - وليس في تعريف المعلمي ذكر لخصائص (المعبود) أصلاً؛ فما بال (المسجود له) دخل من الباب الخلفي على حين غرة؛

(د) - وفي حالة (مَن سجد لأبويه تديُّنًا يطلب به نفعًا غيبيًّا) عجزت أن أجد مثالاً لأي (نفعٍ غيبِيًّ)، يؤدي طلبه إلى الشرك والكفر، ولم يتحفنا المعلمي بمثال في هذا أصلاً؟!

 

وثانياً: لا يظهر أن تعريف العبادة هكذا: (الخضوع الاختياري، الذي يُطلَب به نفع غيبي)؛ لا يظهر أنه يفي بالشرط الضروري الذي ذكرناه أعلاه، ألا وهو: (إن مجرد نسبة شيء من الألوهية لغير الله تكون شركاً وكفراً)؛

 

ثالثاً: استخدام المبني للمجهول: (يُطلَب به نفع غيبي) يجعل التعريف تجهيلاً: فمن من هذا (يُطلَب النفع الغيبي) العجيب؟! أهو من المخضوع له، أو من الله، أو من شيء ثالث. المستقر في الفطر عند الكلام عن (العبادة)، والتدين، والآلهة، هكذا على البديهة:

(أ)- أن المعبود هو المخضوع له؛

(ب)- وأن النفع يطلب من المخضوع له؟!

 

رابعاً: الزيادة التي ذكرها: [فإن أُرِيد تعريف عبادة الله عزَّ وجلَّ زِيد: (بسلطانٍ)، أو تعريفُ عبادة غيره، زِيد: (بغير سلطانٍ)]، بعد قوله: [وهذا تعريف للعبادة من حيث هي]، أمر مشكل للغاية: لأن المستقر في الفطر أن (المعبود = المخضوع له)، فإن تحرر هذا فلا يرد على عبادة الله قيد (بسلطانٍ)، إلا لتمييز العبادة الشرعية من البدعية لا غير، وإلا فكلها عبادة لله؛ وأما إذا كان الكلام عن العبادة لغير الله: فإن الفطر تنفر أشد النفور من القبول بأنه يجوز أن يكون ذلك بسلطان البتة، كما فصلناه عند مناقشة معنى قوله، تعالى ذكره: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾؛ ونحوها، في فصل قائم بذاته من الباب الرابع: والظاهر أن المعلمي متورط في تجويز أن ينزل الله بالشرك سلطاناً، عياذاً، بالله؛

خامساً: تعريف النفع الغيبي: (ما كان على خلاف العادة المبنيَّة على الحِسِّ والمشاهدة) فيه جهالة: فغيب زيد قد يكون شهادة لعمرو، ولكن المعلمي يريد إدخال الاستغاثة بالأموات في هذا، ولن يفلح كما سنراه في المناقشة التفصيلية في الباب المعنون (ماهية التقديس والشعائر التعبدية). وإنما (النفع الغيبي) بحق هو (ما يفعله فاعل بقدرته الذاتية على وجه الاستقلال): فهذا هو الخارق لنظام (الطبيعة)، بما في ذلك طبيعة الدنيا والآخرة، طبيعة الملائكة والجنة والنار: فهذا غيب لكل أحد من كائنات (الطبيعة)؛ ولا يقدر عليه إلا من طبع (الطبيعة)، الذي هو ضرورة فوق الطبيعة: فرجع الأمر إلى المعتقد في المخضوع له.

 

وأيضاً قد أورد الشريف الدكتور حاتم العوني، حفظه الله، في موقعه الإلكتروني (فيسبوك) على تعريف المعلمي للعبادة إشكالاً آخر، حيث قال: [على هذا التعريف: لو سجد رجل للمسيح عليه السلام (وكان السجود لغير الله جائزا في بني إسرائيل) وخضع له خضوع المؤمن بالله أمام روح الله وكلمته ورسوله على أن يحيي له ابنه، أو أن يخبره بغيب رزقه الماضي، أو أن يشفيه من العمى أو البرص الذي يعجز الخلق عن شفائه، ولو قبّل يد المسيح، واستجداه متذللا أن يفعل شيئا من ذلك: فقد عبد المسيح عليه السلام، وأشرك بالله تعالى! مع أن هذا الرجل ما زاد على آمن بما أخبرهم به المسيح عليه السلام نفسه: ﴿وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾: وهذا يبين أنه ليس كل خضوع اختياري طلبا لأمر غيبي شركا!]؛

واعترض الأستاذ ماهر أمير قائلاً: [شيخ حاتم حفظكم الله: لو انكم قيدتم كلامه بالقيد الذي ذكره هو نفسه (بسلطان او بغير سلطان) لزال الخلل المتوهم. فالخضوع في الايرادين عبادة لله لأنه بسلطان ثبت به كون المخضوع لهما سببا لنفع غيبي. ناهيك عن كون الخضوع لهما ايضا مضبوط بسلطان والا كان غلوا بغير سلطان وبالتالي شركا. وقد اجاب المعلمي على ما يشبه ايرادكم كي لا يتصور هذا الخلل. وتعريفه لا يختلف عن تعريف غيره معنويا الا انه ادق. فالخضوع أو التذلل عبادة لغة وضبطه بطلب النفع الغيبي من لوازم تفرد الله به: فما رأيكم حفظكم الله]؛

فأجاب الشريف: [هو لم يقيده بالقيد الذي تذكره، وتعريفه للعبادة خال من هذا القيد تماما. أما القيد الذي تذكره فهو قيد لا لتعريف العبادة، وإنما هو تعريف العبادة التي تخص الله تعالى]؛

فعقب الأستاذ ماهر أمير قائلاً: [نعم صدقتم: ولكن هي محل البحث وهي العبادة المحمودة وضدها الشركية. فالبحث في نظري القاصر انما هو في: متى يكون الخضوع طلبا لنفع غيبي شركا ومتى يكون لله. وبالتالي يكون هذا القيد قد ازال الخلل المتوهم. ولا شك ان حضرتكم اطلعتم على ما اجاب به ايرادكم صفحة 736. فهل لكم توجيه معين جعلكم لا ترتضونه وبالتالي صح ذكر الايراد الذي وضحه كخلل مع كونه بين وجه كونه خضوعا لله لا خلل فيه ولا شرك؟.. هذا ما فهمته من كلام المعلمي والله اعلم]؛ وبهذا انتهى الحوار حسب علمي، والله أعلم.

 

فأقول: الذي يجب القطع به:

(1) - أن هذا الرجل خضع للمسيح عليه السلام خضوعا متيقنا يريد به نفعاً غيبياً؛ وفاعل النفع ها هنا هو المسيح عليه السلام؛

(2) - أن الخضوع والتذلل عبادة، لغة: فالمخضوع له هو المعبود في هذه الحالة، لغة، ولا بد؛

فحتى لو قبلنا بقيود المعلمي، فلا يمكن أن نلغي الحقيقة الحسية الموضوعية وهي:

أن الرجل خضع للمسيح = أن الرجل عبد المسيح (وفق تعريف المعلمي).

فغاية ما يمكن أن يفيدنا (قيد) المعلمي أن عبادته للمسيح كانت (بسلطان)، فهي في نفس الوقت عبادة لله. وكونها عبادة لله، لا يلغي كونها عبادة للمسيح، اللهم إلا من استسهل التلاعب باللغويات، فانهار في هاوية القرمطة في السمعيات، والسفسطة في العقليات.

إذا تحصلنا: عبادة لله + عبادة للمسيح = شراكة بضرورة الحس والعقل = شرك

وأسارع بالقول بأنه (شرك) حلال زلال، بل محمود، لأن كلتي العبادتين محمودة: فإن كان هذا مقبولاً عند المعلمي والأستاذ ماهر أمير: فالحمد لله.

 

أما عندنا فنقول: هذا تعريف باطل لـ(العبادة)، وهذا المؤمن الذي خضع للمسيح، فسجد له، ومرغ وجهه في الأرض عند قدميه، طالباً ذاك النفع الغيبي، ما عبد المسيح قط: فـ(خضوعه طلباً لنفع غيبي) ليس عبادة، ولا يجوز أن يسمى عبادة: بل يحرم شرعاً أن يسمى (عبادة) لأنه يخرج لفظاً شرعياً عن معناه الشرعي، وهو من تحريف الكلم عن مواضعه، عياذاً بالله؛ ويخرج لفظاً من معناه اللغوي، وهذا انتهاك لعرض اللغة العربية، واغتصاب لها، يؤدي إلى إفساد فهم القرآن، الذي نزل بلسان عربي مبين.

 

كما أن الخضوع بذاته ليس عبادة الله: فالرجل ما خطر بباله – لحظة الفعل - التقرب إلى الله أصلاً، وإنما هو يريد إحياء ميته، أو شفاء مريضه، فقط لا غير. وهو قد عبد الله عندما شهد للمسيح بالرسالة (شاهداً بذلك لله بالحاكمية)، فأصبح مؤمناً عابداً موحداً، وليس بمشرك، بصفة دائمية، ولكن خضوعه ذاك، في تلك اللحظة، في ذاك المكان، إنما هو فعل مباح: لو شاء تركه لجاز له تركه؛ وليس (عبادة) لله، لأنه لم يقصد التقرب إلى الله بذلك الفعل المعين، ولم يحدث خضوعا إضافياً لله، مع كونه – بدون أدنى شك – في حالة خضوع دائم لله بموجب إيمانه؛ تماما كما لو أكل: إنما قصد إشباع الجوع، أو ذهب إلى الخلاء لأداء حق البدن بالتخلص من الأخبثين، لم يخرج من حالة الخضوع الدائم لله بموجب إيمانه.

 

فهذا كله موجب للضرب بتعريف المعلمي عرض الحائط، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

وعلى كل حال: سوف نستكمل دراسة مثال (السجود) للوالدين، وكذلك للصنم، وغيرها، في الباب المعنون (ماهية التقديس والشعائر التعبدية) كما سنناقش – باستفاضة – أفعالاً كثيرة يسميها الوهابيون – زوراً وبهتاناً – عبادة، ويكفرون فاعلها. وسنستكمل البرهنة على بطلان تعاريف المعلمي، وكذلك عامة الوهابيين، لـ(العبادة)، فـ(الإله)، بدون أدنى شبهة، بإذن الله، عليه نتوكل، وبه نتأيد.

 

ولكن فكيف نشأ كل هذا الاضطراب المخيف؟! أصل البلاء أن الإمام ابن تيمية استنكر، بحق أو بباطل، أقوالاً وأفعالا (كالاستغاثة بالأولياء، والطواف بقبورهم) وأخذه الحماس الجامح، والحرص المرضي على الدين، وغاب عن ذهنه تحذير سيدي أبي القاسم محمد بن عبد الله، خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، حين قال ناصحاً، مشفقاً: (وإياكم والغلو في الدين: فإنما أهلك من قبلكم الغلو في الدين)؛ فعمد إلى آيات نزلت في المشركين تصف أفعالاً لهم تشبه في ظاهرها أفعال من نبزهم بـ(القبوريين)، متناسياً أمر الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ؛ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ؛ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ؛ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ: بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، (الحجرات؛ 49: 11)؛ فجعل تلك الآيات في أهل الإسلام، تماماً كالخوارج الأول، لأنه قرأها قراءة سطحية، قراءة بدون فهم ولا هضم ولا استيعاب، وبدون تدبر عميق، أو فكر مستنير، قراءة الذين (يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم)، و(يعبدون ويدأبون: يعجبون الناس، وتعجبهم أنفسهم)، و(يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم)؛ مهملاً الواقع الذي نزلت فيه، ومن أهم مركباته: عقائد المشركين. وزاد الطين بلة أنه كان قليل البضاعة في معرفة واقع شرك العرب، بالرغم من تبجحه بخلاف ذلك حين قال في اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (2/157): [ومن أراد أن يعلم كيف كانت أحوال المشركين في عبادة أوثانهم، ويعرف حقيقة الشرك الذي ذمه الله، وأنواعه، حتى يتبين له تأويل القرآن، ويعرف ما كرهه الله ورسوله، فلينظر سيرة النبي، صلى الله عليه وسلم، وأحوال العرب في زمانه، وما كره الأزرقي في أخبار مكة، وغيره من العلماء].

 

والرجل في نفس الوقت – على الضد من الجاهل المركب بن عبد الوهاب - من أذكياء العالم، وحفاظ السنن، وله مشاركات معتبرة في علوم المنطق والكلام والتصوف، بل وإضافات فيها؛ مع مهارة خارقة في الجدل، وجرأة على الادعاءات العريضة، كجملته التقليدية: (هذا قول السلف)، بل وأشنع منه: (هذا مذهب النبي، صلى الله عليه وسلم) في عصر شاع فيه حفظ المتون والشروح، واجترار أقوال المتقدمين، وإقفال باب الاجتهاد؛ كما تميز عن أغلبية علماء عصره القابعين في أبراجهم العاجية بالمشاركة في الحياة العامة، ومواجهة الحكام، ومقاتلة المغول؛ فلم يجد من يوقفه عند حده: فخرج على الناس ببدعته في تنكيس الألوهية والربوبية، والقسمة الثلاثية الملعونة الشنعاء: فلله الأمر من قبل ومن بعد!

 

فصل: مزيد تحرير لعلاقة (الألوهية) بـ(الربوبية):

لعلنا نلخص ما سلف في نقاط رئيسة:

أولاً: يظهر بيقين: أن كل (إله) إنما هو (رب) وسيَّد، ضرورة ولا بد: إن لم يكن بالخلق والقهر والتملك، فبالنسب والحسب الشريف، والأصل الإلاهي السامي الرفيع. ولا يصح العكس: فليس كل (رب) (إله) لأن هناك سادة ومُلاّك وأرباب غير الله في الوجود حقيقة، إلا أن سيادتهم وملكهم وربوبيتهم محدودة مخلوقة، ليست مطلقة أزلية، ومكتسبة تابعة وليست ذاتية على وجه الاستقلال، وفرعية مشروطة بأقدار الله وإذنه الكوني أو الشرعي أو كليهما، وليست أصلية ذاتية. لذلك فلو قال قائل: (لا رب إلا الله)، أو (لا مالك إلا الله)، أو (لا سيد إلا الله)، لكان مخطئاً لو أطلقها هكذا، فلا بد من قيد مثل: (لا رب بذاته مستقلاً إلا الله)، أو (لا رب مطلق الربوبية إلا الله)، وهكذا، أو نحو ذلك، أو أن يكون المقام مبيناً للمقصود من السياق مثل قولنا كثيراً في هذا الكتاب عن الله، جل جلاله: (لا إله إلا هو، ولا رب سواه)، فهذا سياق يوجب أن الرب ها هنا هو الرب ذاتياً على وجه الاستقلال، أي هو، ضرورةً، الله العزيز الحكيم. فهناك سادات كثيرون، وملاك كثيرون، وأرباب كثيرون، ولكن ما ثمة إلا رب واحد ذاتي الربوبية والسيادة، كامل الربوبية مطلقها، على وجه الاستقلال، تباركت أسماؤه، وسمى مقامه.

نعم: وهناك أيضاً سادة ومُلاك وأرباب غير الله، توجد ذواتهم وأعيانهم في الوجود حقيقة، ولكنهم تجاوزوا حدِّهم فشرِّعوا بدون إذن من الله، فأصبحوا طواغيت؛ أو غلا فيهم أتباعهم فاتخذوهم مُشرّعين من دون الله، فاتخذوهم أرباباً من دون الله. وكل هؤلاء بلا شك قد جعلوا لله (أنداداً)، واتخذوا (آلهة) من دون الله: ولكن نسبتهم ذلك لأنفسهم، أو نسبة الأتباع ذلك لهم على أنه (استحقاق) كذب وباطل، لا وجود له إلا في أذهانهم أو أذهان أتباعهم المريضة. فبالرغم من ممارسة هؤلاء الطواغيت أو المتبوعين للتشريع من دون الله بالفعل، فذواتهم وتشريعاتهم موجودة خارج الأذهان في الكون حقيقة، إلا أن (صلاحياتهم) الكاذبة، و(سيادتهم) أو (حقهم) المزعوم لا وجود له: لا من مستحقاتهم الذاتية لأن ربوبيتهم ليست مطلقة، وليس ذاتية على وجه الاستقلال؛ ولا بتفويض من الله، الذي أكذب هذا بقوله: ﴿ولا يشرك في حكمه أحداً﴾، حقاًن وصدقاً: أزلاً، وأبداً.

 

فمفهوم (الإلهية)، أو (الألوهية)، بتعريفها القرآني الصحيح، هو الأعم، فهو يتضمن مفهوم (الربوبية): فإذا ذكرا في سياق واحد فلا بد من التفرقة؛ إما إذا أفرد ذكر (الربوبية) فالمعتاد عند الناس اعتبارها مساوية لـ(الإلاهية)، أو كما يقال: (الإلهية) و(الربوبية) إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا؛ وإن كان هذا التعبير ليس دقيقاً، والأولى أن يتجنب، لا سيما بعد إفساد الإمام ابن تيمية لهذين المفهومين إفساداً لا يكاد يرجى صلاح بعده: فإنا لله، وإنا إليه راجعون. فالربوبية إذا بعض الألوهية، بل هي عمودها الفقري، وعليها أخذ ميثاق الفطرة، وعنها يكون أول أسئلة القبر.

 

وثانياً: يظهر بيقين: أنه: (لا إله إلا الله)، هكذا مطلقاً، وبدون زيادة احتياط، فليس ثمة في الوجود إله قط إلا الله: أسماء: لا مسميات لها؛ أسماء: ما أنزل الله بها من سلطان. وكل من سمِّاه الناس إلاهاً غير الله، فما هو إلا وهم وخرافة لا وجود لها إلا في أذهان زاعميها المريضة، وخيالاتهم الشاطحة، فهو من ثم (إله باطل)، من خرافات الذهن وتقديره، كما يقدر الذهن المستحيلات:

ــ لا وجود له أصلاً بعينه وذاته خارج التقدير الذهني؛

ــ وإن وجدت عينه وذاته في خارج الذهن، أو كانت موجودة يوماً ما؛ فليس هو، وما كان قط، بتلك الصفة أو الاعتبار أو الاستحقاق الذي به سُمِّيَ بموجبها (إلاهاً

 

فلا معنى إذاً للجمل السقيمة: (لا معبود بحق إلا الله)؛ أو (لا إله يستحق العبادة إلا الله)؛ وما شاكلها، كما تجدها بكثرة في ترجمة الوهابيين المنكرة المتخبطة لشهادة الحق إلى اللغات الأجنبية.

 

وثالثاُ: يظهر بيقين: أن كون الله، جل جلالة، الرب التام الربوبية، السيد المطلق السيادة، المالك حق الملك وتمامه، إنما هو لأنه هو الحي القيوم، واجب الوجود القديم، الأزلي، الأبدي، الذي خلق من العدم: خلق لحظ نفسه، لا لغيره، فما ثمة (غير) قبل الخلق مطلقاً؛ فـ(الخالقية) هي أخص خصائص (الإلاهية)، كما أدركه علماء الكلام على الفطرة، مسترشدين بآي القرآن، وبآية (التمانع) خصوصاً، وأجمعوا عليه: قبل مجيء الإمام ابن تيمية ببدعته الشنعاء، ناسباً علماء الكلام إلى التقصير، ملصقاً لبدعته المنكرة بالسلف الكرام، وهم منها براء. وأما (الربوبية)، بمعناها القرآني الصحيح، فإنها إنما تترتب وتتفرع من (الإلاهية) بمعناها القرآني الصحيح، وليس العكس، كما زلت القدم بأبي العباس أحمد بن تيمية، تلك الزلة المهلكة الشنعاء: نعوذ بالله من «زلات العلماء، وجدل المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين».

 

ورابعاً: يظهر بيقين: أن الشهادة لله بـ(الحاكمية)، التي هي ذروة سنام الربوبية، هو حقيقة التوحيد، والتحقيق التام للعبودية التي خلق الإنس والجن لها. فإذا قال القائل: (ربي الله)، إذا قال ذلك، فقد أقر فوراً أنه عبد مطيع خاضع لله، عابد له، وأقر ضمناَ أن إلهه الله، وحده لا شريك له، وأنه لا خالق إلا الله، ضرورة ولا بد. لذلك جاء ميثاق الفطرة هكذا: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾، (الأعراف؛ 7 : 172). وسؤال القبر سيكون أيضاً كذلك: (من ربك ... من نبيك ... ما دينك). فهذا وحده يكفي لنسف القسمة الثلاثية الشنعاء؛ ونسف الأكذوبة الوهابية الحقيرة: أن (كُفّار قريش وكُفّار العرب كانوا مقرِّين بتوحيد الرّبوبيّة)؛ وهو صفعة قوية في أقفية منسوبي الفرقة الوهابية الأغبياء!

 

وعلى كل حال فإن الإمام ابن تيمية نفسه مضطرب متناقض في هذا الباب: خذ مثلاً قوله: [فَقَوْلُهُ: ﴿لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ﴾ فِيهِ إثْبَاتُ انْفِرَادِهِ بِـ(الْإِلَهِيَّةِ)، وَ(الْإِلَهِيَّةُ) تَتَضَمَّنُ كَمَالَ عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ، فَفِيهَا إثْبَاتُ إحْسَانِهِ إلَى الْعِبَادِ فَإِنَّ (الْإِلَهَ) هُوَ الْمَأْلُوهُ، وَالْمَأْلُوهُ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ، وَكَوْنُهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ هُوَ بِمَا اتَّصَفَ بِهِ مِنْ الصِّفَاتِ الَّتِي تَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَحْبُوبُ غَايَةَ الْحُبِّ، الْمَخْضُوعِ لَهُ غَايَةَ الْخُضُوعِ؛ وَالْعِبَادَةُ تَتَضَمَّنُ غَايَةَ الْحُبِّ بِغَايَةِ الذُّلِّ]؛ كما جاء في مجموع الفتاوى [الرقمية (10/249)]؛ وهو بعينه في إقامة الدليل على إبطال التحليل (5/359)؛

 

فتعريف الإمام ابن تيمية المنكوس لـ(الألوهية) هو في حقيقته (سفسطة في العقليات وقرمطة في السمعيات)، وهذه هي عبارته المشهورة التي أكثر من استخدامها، كما استخدمها – بغير حق – لنبذ بعض الخصوم في مباحث الأسماء والصفات المتنطعة العقيمة: فعوقب بمثل ما رمى به الخصوم: (لا تظهر الشماتة في أخيك، فيعافيه الله ويبتليك)، نسأل الله الستر والعافية في الدنيا والآخرة.

 

فالقضية الجوهرية إنما هي أولاً تعريف (الإله) تعريفاً صحيحاً؛ ثم تعريف مصطلح: (العبادة) تعريفاً صحيحا، ثم ربط المفهومين ربطاً محكماً سليماً. وهذا لا يكون إلا باتخاذ القرآن إماماً، وطرح من سواه، وتدبره بفكر عميق مستنير، أي: بقراءته قراءة هضم واستيعاب: وليس كقراءة الخارجين من رحم الفرقة الوهابية، الذين: (يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم)، و(يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يمرقون من الدين كمروق السهم من الرمية)، (يعبدون ويدأبون: يعجبون الناس، وتعجبهم أنفسهم)، فتكون النتيجة الحتمية لرفضهم التدبر والفكر، وعجبهم بالنفس وتزكيتها أنهم: (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان)، و(يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء)، لذلك قال الناصح المشفق، عليه وعلى آله أتم الصلوات والتسليمات والتبريكات من الله: (أينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرًا عند اللّه لمن قتلهم يوم القيامة)؛ ومنهم من أفتى بتكفير من قال أن الشمس هي التي تدور حول الأرض، في حين أن الأرض ثابتة لا تدور حول نفسها، ناسباً تلك السوأة النكراء، والفضيحة الشنعاء، إلى كتاب الله: (يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء)؛ نعوذ بالله من الخذلان، ونسأله الستر والعافية في الدنيا والآخرة.

 

فصل: مثال توضيحي لـ(عبادة) مخصوصة:

من اعتقد، مثلاً، أن الجن يستطيعون الاختباء من الله، أو أنهم يفلتون منه، ويعجزونه هرباً، (وذلك بغض النظر عن كونه يعتقد أنهم مخلوقون مربوبون لله، لا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً؛ أو كونه يعتقد أن لهم نسب مع الله) فهو بهذا المعتقد (على كونه متناقضاً في ذاته) قد نسب إلى الجن شيئاً من (الألوهية)، وهذه هي التسمية الصحيحة، أو من (الندية لله)، أو من (الربوبية من دون الله)، أو سمها ما شئت: وهو بهذا مشرك كافر، ممن استحق دخول النار يوم القيامة إن كانت بلغته الرسالة، وقامت عليه الحجة؛ أو هو مرتد عن الإسلام إن كان قد صح له عقد الإسلام من قبل؛ ويترتب على ذلك، ضرورة، أن خوفه من الجن «عبادة»، حتى ولو كان خوفاً هزيلاً، وربما اعتقد أنه يستطيع مغالبتهم، أو مناورتهم، أو التلاعب بهم بالسحر والطلاسم والتعاويذ؛ وذلك على الضد التام من خوف المسلم المؤمن الموحد الفار من الأسد الصائل، مع أن الخوف قد يكون طاغياً على هذا، مستحوذاً عليه بحيث لم يعد في قلبه وعقله إلا الرعب والخوف، وربما أطلق ساقيه للريح وهو لا يبصر، قد أعماه الخوف، فتردى في هاوية ودقت عنقه، ومع ذلك فأنا أقسم بالله، وأشهد بشهادة الله، وأباهل على ذلك: أن خوفه الهالع هذا ليس «عبادة» للأسد، ومعاذ الله أن يكون قد جعل الأسد نداً لله، أو أن يكون اتخذ الأسد إله آخر مع الله؛ ومعاذ الله أن يموت مشركاً كافراً لو تردى قتيلاً في حفرة، بل نحتسب على الله أن يكون موته شهادة، تمحى به خطاياه، وترفع بها درجته يوم القيامة!

 

فمثال (عبادة الجن) هذا بمفرده يظهر لك أيضاً بطلان تعريف الإمام ابن تيمية لـ(العبادة)، بأنها: (غاية الذل مع غاية الحب)، وقد تورط أيضاً الدكتور عدنان إبراهيم في هذا التعريف الباطل بالرغم من رفضه القسمة الثلاثية المشؤومة، وهذا ما هو إلا هراء محض، وكلام فارغ:

* خلله الجوهري الأكبر: عدم ربطه بالمعتقد أصلاً، بالمراغمة لكتاب الله، ولضرورات الحس والعقل؛

* وخلله الأوسط: لفظة (غاية) ولا معنى لها ها هنا لأن الذل أو الحب أو الخوف ممن يعتقد فيه الألوهية عبادة، ولو كان هزيلاً، كما يظهر من مثال عبادة الجن آنفاً؛ وليس (الحب)، مثلاً، عبادة إذا لم يسبقه اعتقاد مخصوص، ولو أدى إلى تجول صاحبه في الأسواق يبكي لفراق محبوبه، كما كان زوج بريرة، رضي الله عنهما، يفعل زمن النبي، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، من غير نكير منه عليه؛ أو انهيار أعصاب صاحبه واحتياجه للعلاج النفسي أو الروحي؛ أو حتى جنونه ودخوله مستشفى الأمراض العقلية؛

* وخلله الأصغر:

أولاً: أنه ليس بجامع، فأين الخوف والرجاء، وأين التوكل والثقة، وأين... وأين. ولا حاجة لنا أن نتساءل كيف يصدر هذا الهراء السخيف من ابن تيمية ذي العقلية الجبارة، الذي شهد له العدو والصديق أنه كان من أذكياء العالم؛ لأنها هكذا صفة غلبة الهوى على النفس التي تعمي البصيرة؛

وثانياً: أنه ليس بمانع، فإله الشر عند المجوس والثنوية ليس بمحبوب، بل مبغوض مكروه، ولكن يتذلل له، ويسجد ويركع؛ ويتملق، وتذبح له الذبائح، وتقدم له القرابين، إفلاتاً من شره وضرره؛ وهذه كلها (عبادات) قطعاً: بضرورة الحس والعقل، وإجماع الناس بلغاتهم المختلفة.

 

فصل: ملاحظات ختامية حول القسمة الثلاثية المشؤومة

ثم لفت نظرنا أحد الإخوة، أثابهم الله، إلى زعم رجالات الفرقة الوهابية أن الإمام ابن تيمية قد سُبِق إلى قسمته الثلاثية، فليس هو، بزعمهم، الذي ابتدعها، وإن كان هو الذي بالغ في تحريرها وتقريرها.

فنقول:

أولاً: لا نبالي إن كان مسبوقاً بها، أو أنه هو الذي اخترعها، إذ لا مشاحة في الاصطلاح، ولا عيب في التبويب والترتيب، والابتكار والتجديد للارتقاء بالعلوم والمعارف؛ وإنما نقمنا على الإمام ابن تيمية زلاته الشنعاء، وظلمه الفادح للخصوم؛

 

وثانياً: لا صحة للقول بأنه مسبوق بها في الواقع التاريخي:

* فقد قال أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العُكْبَري، المعروف بـ(ابن بَطة)، (المتوفى: 387هـ)، في الإبانة الكبرى (6/172): [لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ بِقَوْلِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ وَجَمِيعِ صِفَاتِهِ إِلَهًا وَاحِدًا، وَهَذِهِ صِفَاتُهُ قَدِيمَةٌ بِقِدَمِهِ، أَزَلِيَّةٌ بِأَزَلِيَّتِهِ، دَائِمَةٌ بِدَوَامِهِ، بَاقِيَةٌ بِبَقَائِهِ، لَمْ يَخْلُ رَبُّنَا مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَإِنَّمَا أَبْطَلَ الْجَهْمِيُّ صِفَاتِهِ يُرِيدُ بِذَلِكَ إِبْطَالَهُ. وَذَلِكَ أَنَّ أَصْلَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ الَّذِي يَجِبُ عَلَى الْخَلْقِ اعْتِقَادُهُ فِي إِثْبَاتِ الْإِيمَانِ بِهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: أَنْ يَعْتَقِدَ الْعَبْدُ (آنِيَّتَهُ) لِيَكُونَ بِذَلِكَ مُبَايِنًا لِمَذْهَبِ أَهْلِ التَّعْطِيلِ الَّذِينَ لَا يُثْبِتُونَ صَانِعًا. الثَّانِي: أَنْ يَعْتَقِدَ (وَحْدَانِيَّتَهُ)، لِيَكُونَ مُبَايِنًا بِذَلِكَ مَذَاهِبَ أَهْلِ الشِّرْكِ الَّذِينَ أَقَرُّوا بِالصَّانِعِ وَأَشْرَكُوا مَعَهُ فِي الْعِبَادَةِ غَيْرَهُ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَعْتَقِدَهُ مَوْصُوفًا بِالصِّفَاتِ الَّتِي لَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِهَا مِنَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْحِكْمَةِ وَسَائِرِ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ، إِذْ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يُقَرِّ بُهُ وَيُوَحِّدُهُ بِالْقَوْلِ الْمُطْلَقِ قَدْ يُلْحِدُ فِي صِفَاتِهِ، فَيَكُونُ إِلْحَادُهُ فِي صِفَاتِهِ قَادِحًا فِي تَوْحِيدِهِ، وَلِأَنَّا نَجِدُ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ خَاطَبَ عِبَادَهُ بِدُعَائِهِمْ إِلَى اعْتِقَادِ كُلِّ وَاحِدَةٍ فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ وَالْإِيمَانِ بِهَا، فَأَمَّا دُعَاؤُهُ إِيَّاهُمْ إِلَى الْإِقْرَارِ بِآنِيَّتِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ، فَلَسْنَا نَذْكُرُ هَذَا هَاهُنَا لِطُولِهِ وَسَعَةِ الْكَلَامِ فِيهِ، وَلِأَنَّ الْجَهْمِيَّ يَدَّعِي لِنَفْسِهِ الْإِقْرَارَ بِهِمَا وَإِنْ كَانَ جَحْدُهُ لِلصِّفَاتِ قَدْ أَبْطَلَ دَعْوَاهُ لَهُمَا]؛

قلت: كذا مشكولاً: (آنِيَّتَهُ) في نص (المكتبة الشاملة)، والذي يظهر لي أنه قصد في الأصل: (إِنَّيَّتِهِ)، يعني: أنه موجود بوصفه الخالق الصانع، أي: وجود ذاته، فأعضلت بالناشر، كما أعضلت ببعض من استشهد بالنص فجعلها: (ربانيته)، هذا إذا أحسنا الظن ولم نتهمهم بالكذب والتحريف المتعمد، الذي يمارسه الكثيرون من أتباع الفرقة الوهابية!

نعم: هذا تقسيم ثلاثي، ليس للتوحيد، وإنما هو لـ(الإيمان بالله):

(1) - اعتقاد (إِنَّيَّتِهِ)، أي: توحيد ذاته: أي أنه موجود خلاق، خلافاً لمنكري الصانع؛

(2) - واعتقاد (وحدانيته) وأجملها فقط، قائلاً: (لِيَكُونَ مُبَايِنًا بِذَلِكَ مَذَاهِبَ أَهْلِ الشِّرْكِ الَّذِينَ أَقَرُّوا بِالصَّانِعِ وَأَشْرَكُوا مَعَهُ فِي الْعِبَادَةِ غَيْرَهُ)، ولم يفصل لأنه، وكافة أهل الإسلام في وقته بما فيهم خصومه ممن أسماهم الجهمية، غير معنيين بهذا البحث أصلاً، لأنهم كانوا مشغولين بالصراع حول الصفات، وبالإرهاب الفكري المتبادل؛

(3) - واعتقاد (بصفاته)، وهذا هو غرض كتابه، وميدان الكر والفر.

قلت: هذا التقسيم، على عيوبه، وسوء النية المبَيَّتة وراء تقريره، أعدل بكثير من تقسم الإمام ابن تيمية لأنه لم يبتدع معان باطلة لألفاظ (الألوهية) و(الربوبية) كما فعل الإمام ابن تيمية.

 

* كما ذكر بعض الوهابيين أن الإمام ابن منده (المتوفي سنة 395هـ) في كتابه (كتاب التوحيد ومعرفة أسماء الله عز وجل وصفاته على الاتفاق والتفرد)، كان قد عقد فيه: [أبواباً في توحيد الربوبية، مثل: بدء الخلق، وخلق العرش، وتقدير المقادير، وخلق السموات والأرض، وغير ذلك مما هو دليل على توحيد الربوبية. ثم ذكر أبواباً متعلقة بتوحيد الألوهية، مثل: الدعاء والذكر واسم الله الأعظم، وهو لفظ الجلالة، ثم ذكر أبواباً متعلقة بتوحيد الأسماء والصفات]، كذا نصاً من أصول مسائل العقيدة عند السلف وعند المبتدعة (1/91)، بتأليف الأستاذ سعود بن عبد العزيز الخلف.

وهذا خيال محض من الأستاذ سعود بن عبد العزيز الخلف فليس في ترتيب الإمام ابن منده، وهو إنما بوبه أبواباً، ولم ينظم الأبواب في كتب أو أجزاء، فالأرجح أنه لم يقصد قسمة: لا ثنائية، ولا ثلاثية، ولا رباعية، ولا أكثر ولا أقل. وإنما رتب حسب تاريخ العالم وتسلسل الخلق، وفق وجهة نظره، والله أعلم.

 

* وزعم القوم، أعني منسوبي الفرقة الوهابية، أن الإمام قاضي القضاة أبا يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي، (المتوفى سنة 182هـ)، صاحب أبي حنيفة، رضي الله عنهما، قد أشار إلى قسمتهم الثلاثية حيث رواه عنه الإمام الحافظ قوام السنة أبو القاسم إسماعيل التيمي الأصبهاني، (المتوفى سنة 535هـ)، في كتابه (الحجة في بيان المحجة وشرح التوحيد ومذهب أهل السنة)، (1/122)، وجعله لأهميته في فصل مستقل بعنوان (فصل في النهي عن طلب كيفية صفات الله عز وجل): [أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو عَبْدُ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا وَالِدِي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ السّرخسِيّ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْبَلْخِيُّ، حدثنا بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ الْقَاضِي عَنْ أَبِي يُوسُفَ الْقَاضِي أَنَّهُ قَالَ: (لَيْسَ التَّوْحِيدُ بِالْقِيَاسِ، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الآيَاتِ الَّتِي يَصِفُ بِهَا نَفْسَهُ أَنَّهُ عَالِمٌ قَادِرٌ قَوِيٌّ مَالِكٌ، وَلَمْ يَقُلْ إِنِّي قَادِرٌ عَالِمٌ لِعِلَّةِ كَذَا أَقْدَرُ، وَلِسَبَبِ كَذَا أَعْلَمُ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى أَمْلِكُ، فَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ فِي التَّوْحِيدِ، وَلا يُعْرَفُ إِلا بِأَسْمَائِهِ وَلا يُوصَفُ إِلا بِصِفَاتِهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّه عز وَجل فِي كِتَابه: ﴿يَا أَيهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قبلكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ الْآيَات، وَقَالَ: ﴿أولم ينْظرُوا فِي ملكوت السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا خلق الله من شَيْء﴾ وَقَالَ: ﴿إِن فِي خلق السَّمَاوَات وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْر﴾ إِلَى قَوْله ﴿يعْقلُونَ﴾)، قَالَ أَبُو يُوسُفَ: (لَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعَالَى: انْظُرْ كَيْفَ أَنَا الْعَالِمُ، وَكَيْفَ أَنَا الْقَادِرُ وَكَيْفَ أَنَا الْخَالِقُ وَلَكِنْ قَالَ: انْظُرْ كَيْفَ خلقت، ثمَّ قَالَ: ﴿خَلقكُم ثمَّ يتوفاكم﴾ وَقَالَ: ﴿وَفِي أَنفسكُم أَفلا تبصرون﴾ أَيْ تَعَلَّمْ أَنَّ هَذِهِ الأَشْيَاءَ لَهَا رَبٌّ يقلبها وَيُبْدِئُهَا وَأَنَّهُ مُكَوِّنُ ذَلك (مثل) كونك، وَإِنَّمَا دَلَّ اللَّهُ خَلْقَهَ بِخَلْقِهِ لِيَعْرِفُوا أَنَّ لَهُمْ رَبًّا يَعْبُدُوهُ وَيُطيِعوُهُ وَيُوَحِّدُوهُ وَلْيَعْلَمُوا أَنَّهُ مُكَوِّنُهُمْ لَا هُمْ كَانُوا، ثُمَّ سَمَّى فَقَالَ: أَنَا الرَّحْمَنُ وَأَنَا الرَّحِيمُ، وَأَنَا الْخَالِقُ، وَأَنَا الْقَادِرُ، وَأَنَا الْمَالِكُ، أَي هَذَا الَّذِي كونكم يُسمى الْمَالِكَ، الْقَادِرَ، اللَّهَ، الرَّحْمَنَ، الرَّحِيمَ بِهَا يُوصَفُ، ثُمَّ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: (يُعْرَفُ اللَّهُ بِآيَاتِهِ وَبِخَلْقِهِ وَيُوصَفُ بِصِفَاتِهِ وَيُسَمَّى بِأَسْمَائِهِ كَمَا وُصَفَ فِي كِتَابِهِ، وَبِمَا أَدَّى إِلَى الْخَلْقِ رَسُولُهُ)، ثُمَّ قَالَ أَبُو يُوسُفَ: (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَكَ، وَجَعَلَ فِيكَ آلاتٍ وَجَوَارِحَ، عَجَزَ بَعْضُ جَوَارِحِكَ عَنْ بَعْضٍ وَهُوَ يَنْقُلُكَ عَنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ لِتَعْرِفَ أَنَّ لَكَ رَبًّا كَوَّنَكَ، وَجَعَلَ نَفْسَكَ عَلَيْكَ حُجَّةً بِمَعْرِفَتِهِ تتعرف بِخَلْقِهِ، ثُمَّ وَصَفَ نَفْسَهُ فَقَالَ: أَنَا الرَّبُّ، وَأَنَا الرَّحْمَنُ، وَأَنَا اللَّهُ، وَأَنَا الْقَادِرُ، وَأَنَا الْمَالِكُ، فَهُوَ يُوصَفُ بِصِفَاتِهِ وَيُسَمَّى بِأَسْمَائِهِ قَالَ اللَّه: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلهُ الْأَسْمَاء الْحسنى﴾، وَقَالَ: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذين يلحدون فِي أَسْمَائِهِ﴾، وَقَالَ: ﴿لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَهُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾. فَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نُوَحِّدَهُ، وَلَيْسَ التَّوْحِيدُ بِالْقِيَاسِ لأَنَّ الْقِياسَ يَكُونُ فِي شَيْءٍ لَهُ شَبَهٌ وَمَثَلٌ، وَاللَّهُ لَا شبه لَهُ وَلا مثل: ﴿تبَارك الله أحسن الْخَالِقِينَ﴾، ثُمَّ قَالَ: (وَكَيْفَ يُدْركُ التَّوْحِيد بِالْقِيَاسِ، وَهُوَ خَالِقُ الْخَلْقِ بِخِلافِ الْخَلْقِ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَقَدْ أَمَرَكَ اللَّهُ أَنْ تُؤْمِنَ بِكُل مَا أَتَى بِهِ نبيه، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: ﴿قل يَا أَيهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ ملك السَّمَاوَات وَالأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّه وكلماته واتبعوه لَعَلَّكُمْ تهتدون﴾. فَقَدْ أَمَرَكَ اللَّهُ بِأَنْ تَكُونَ تَابِعًا سَامِعًا مُطِيعًا، وَلَوْ تَوَسَّعَ عَلَى الأُمَّةِ الْتِمَاس التَّوْحِيد ابْتِغَاءَ الإِيمَانِ بِرَأْيِهِ وَقِيَاسه وَهَوَاه إِذًا لَضَلُّوا، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحق أهواءهم لفسدت السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمن فِيهِنَّ﴾، فَافْهَمْ مَا فسر لَكَ]؛ وأخرجه الإمام ابن منده في كتابه (التوحيد): [أخبرنا محمد بن أبي جعفر السرخسي بتمامه سنداً ومتناً]؛ قلت: محمد بن سلمة البلخي فقيه حنفي معروف، ما أظن به بأس، وبشر بن الوليد الكندي ثقة فاضل، لم يصب من ضعفه.

قلت: والنص أمامك فاقرأه ما شئت من المرار من أوله إلى آخره؛ وإن شئت فاقرأه منكوساً من آخره إلى أوله: وأخبرني إن وجدت فيه قسمة ثلاثية أو خماسية!

 

* وزعم القوم، أعني منسوبي الفرقة الوهابية الكاذبة المارقة، أن الطبري، بل والحبر البحر، الصحابي الجليل، عبد الله بن العباس، رضوان الله وسلامه عليهما، سلف لهم في هذه التقاسيم الفاسدة، أو بعض جزئياتها؛ فنقول: قد أعاذهم الله من ذلك، وقد جاءت بعض أقوالهم، والنقولات عنهم في الباب المعنون: (الواقع التاريخي لشرك العرب)، فليراجع.

 

وحتى لو جاءت هذه التقاسيم الفاسدة، أو شيء من جزئياتها الباطلة، عن الحبر البحر عبد الله بن العباس، رضوان الله وسلامه عليهما، أو من دونه، لضربنا بها عرض الحائط، فليس أحد بعد كتاب الله، أو دون رسول الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، حجة. وقد سبق إبطالنا لتفسير عبد الله بن العباس، رضوان الله وسلامه عليهما، للفظة: (المهيمن) بأنها تعني: (الشهيد المؤتمن)، في حين أنه تعني حقيقة: (الحاكم المتسلط المسيطر).

 

* وزعم بعض القوم، من حذاق الفرقة الوهابية، أن القسمة المذكورة بنيت على استقراء تام لنصوص الكتاب والسنة. ولما كان بعض هؤلاء، مثل الشيخ بكر أبو زيد، رحمه الله، قد عرف بالصدق والتدقيق، فالأرجح أنهم اغتروا بسوق الإمام ابن تيمية لعشرات الآيات، بل ربما مئاتها، وبعض الأحاديث، عند كلامه عن «توحيد الربوبية»، «توحيد الألوهية»، و«توحيد الأسماء والصفات»، وبخاصة عند تأكيده، بإصرار وعناد عجيب، على (أن مشركي العرب لم يكن عندهم شرك في الربوبية)، والظاهر أن ابن تيمية نفسه كان معتقداً لصحة مقالته، وأنه استقرأ واستوعب. فنقول: حسبك القراءة المستنيرة المدققة لما أسلفنا ذكره من آي الذكر الحكيم؛ ثم بعد ذلك الباب المعنون: (الواقع التاريخي لشرك العرب)، فراجعه لتعرف:

أولاً: أن ما فاته من آي الذكر الحكيم أكثر بكثير مما استشهد به، وكذلك فاتته جمهرة الأحاديث النبوية، والمرويات التاريخية؛

وثانياً: وحتى في الآيات المحدودة التي ساقها فأنه:

(أ)- لم يسق أكثر الآيات في سياقها التام، بل بترها من سياقها. وهذا هو فعل ﴿الْمُقْتَسِمِينَ (90) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (91)﴾، (الحجر؛ 15 : 90-91)، وهذا شنيع جداً؛

(ب)- وفهم بعض الألفاظ القرآنية وفق لغته هو ومصطلحات المتأخرين؛ والقرآن لم ينزل بلغتي أو لغتك أو لغات المتأخرين، وإنما نزل ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، (الشعراء؛ 26: 195)، وهذا من فعل الذين ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾، (النساء؛ 4: 46)، وهو أيضاً شنيع جداً؛

(ج)- وتخيًّل في النصوص المُنَزَّلة ما ليس منها: جاعلا تصوراته القاصرة وخيالاته الجامحة الأصل القائد، والنصوص المُنَزَّلة هي التابع المقود: وهذا مضادة لأمر الله: ﴿المص (1) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ، وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3) ﴾، (الأعراف؛ 7 : 1 – 4)؛ فارتكب أغلاطاً فادحة في فهمها، واستفحلت الأغلاط وفحشت بإهماله للأحاديث النبوية، والمرويات التاريخية، وعدم مراجعة مرويات السلف التفسيرية بعناية، ونقدها بدقة.

 

ولكن القوم، أعني منسوبي الفرقة الوهابية، يجيدون فنون الإرهاب الفكري، دفاعاً عن مقولاتهم الساقطة عندما تعوزهم الحجة والبرهان، بنسبتها إلى السلف، وقد نزه الله السلف عن أقاويلهم الكاذبة؛ فنقول لهم: جملكم المكرورة المملة: (وهذا مذهب السلف)، (وعليه السلف)، وشرها: (إجماع السلف): شِنْشِنَةٌ نعرفها من أخزم، لم تعد تنطلي حتى على الأميين من عوام المسلمين. ونقول لهم، كما قال الله، تباركت أسماؤه، لسلفهم من النصارى الغلاة الضالين: ﴿لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ﴾، و﴿ انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ ﴾!

 

 

فصل: فتوى مضلّلة لما يسمى بـ«هيئة كبار العلماء» في ما يسمَّى بـ«السعودية»

لذلك – أي لكل ما سلف تحريره - فلا مكان لفتوى «هيئة كبار العلماء» في ما يسمَّى بـ«السعودية» التي نشرتها مجلة «الهدي النبوي» في عددها السابع، صفحة (25 - 26)، وذلك جواباً على سؤال المدعو «د. صهيب حسن» التالي:

سؤال: [بدأ بعض الناس - من الدعاة - يهتم بذكر توحيد الحاكمية، بالإضافة إلى أنواع التوحيد الثلاثة المعروفة. فهل هذا القسم الرابع يدخل في أحد الأنواع الثلاثة، أو لا يدخل، فنجعله قسماً مستقلاً حتى يجب أن نهتم به؟! ويقال أن الشيخ/محمد بن عبد الوهاب اهتم بتوحيد الألوهية في زمنه حيث رأى الناس يقصرون من هذه الناحية، والإمام أحمد في زمنه في توحيد الأسماء والصفات حيث رأى الناس يقصرون في التوحيد، في هذه الناحية، أما الآن فبدأ الناس يقصرون في توحيد الحاكمية؛ فلذلك يجب أن نهتم به، فما مدى صحة هذا القول؟!]. انتهى السؤال بحروفه، إلا علامات الترقيم والفواصل فهي من اجتهادنا، لتسهيل قراءة النص الركيك.

الجواب: [أنواع التوحيد ثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وليس هناك توحيد رابع. والحكم بما أنزل الله يدخل في توحيد الألوهية. وجعْل الحاكمية نوعاً مستقلاً من أنواع التوحيد عمل مُحدَث لم يقل به أحد من الأئمة فيما نعلم. لكن منهم من أجمل، وجعل التوحيد نوعين: توحيد في المعرفة والإثبات، وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات؛ وتوحيد في الطلب والقصد، وهو توحيد الألوهية. ومنهم من فصّل فجعل التوحيد ثلاثة أنواع كما سبق، والله أعلم.

ويجب الاهتمام بتوحيد الألوهية جميعه، ويُبدأ بالنهي عن الشرك لأنه أعظم الذنوب، ويحبط جميع الأعمال، وصاحبه مخلّد في النار. والأنبياء جميعهم يبدؤون بالأمر بعبادة الله والنهي عن الشرك. وقد أمرنا الله باتباع طريقهم، والسير على منهجهم في الدعوة وغيرها من أمور الدين.

والاهتمام بالتوحيد بأنواعه الثلاثة واجب في كل زمان لأن الشرك، وتعطيل الأسماء والصفات، لا يزالان موجودين بل يكثر وقوعهما، ويشتد خطرهما في آخر الزمان، ويخفى أمرهما على كثير من المسلمين، والدعاة إليها كثيرون ونشيطون. وليس وقوع الشرك مقصوراً على زمن الشيخ/محمد بن عبد الوهاب، ولا تعطيل الأسماء والصفات مقصوراً على زمن الإمام أحمد - رحمهما الله - كما ورد في السؤال، بل زاد خطرهما، وكثر وقوعهما في مجتمعات المسلمين اليوم. فهم بحاجة ماسة إلى من ينهى عن الوقوع فيهما، ويبين خطرهما، مع العلم بأن الاستقامة على امتثال أوامر الله، وترك نواهيه وتحكيم شريعته، كل ذلك داخل في تحقيق التوحيد والسلامة من الشرك، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم]، انتهى الجواب بحروفه، إلا علامات الترقيم والفواصل فهي من اجتهادنا. هذا هو جواب ما يسمَّى بـ «هيئة كبار العلماء»!

 

والمتأمل في هذا «الجواب العبقري» لا يجد أثارة من العلم، إلا قليلاً. فهناك:

(1)- تدليس وتلبيس، إن لم يكن تضليل متعمّد، في وصف التقسيم الآخر بأنه «عمل محدث»، يوهم القارئ أو السامع البسيط، بأنه بدعة من الناحية الشرعية، وهو بالقطع ليس كذلك، لأن كل التقاسيم المذكورة، بما فيها تقسيمنا في هذا الكتاب، مخترعة محدثة على كل حال. وهي اصطلاحات، لا مشاحة فيها، وإن كانت الدقة والمطابقة لواقعها مطلوبة، وإلا أصبحت عديمة الجدوى، قليلة النفع، بل تنقلب إلى مضرة.

 

وتخوفاتنا هذه ليست تهمة بالظنّة، وليست «وسوسة»، ولكنها حقيقة واقعة، حيث صرح ابن عثيمين، عضو «هيئة كبار العلماء» هذه نفسها، بأنه قول محدث، مبتدع، منكر، وأنه بدعة وضلالة، كما سيأتي بعد قليل!

 

(2)- الإصرار على القسمة الثلاثية بالرغم من قصورها ذاتياً، بل بطلانها، وكونها ذريعة لفقهاء السلاطين إلى إخراج ساداتهم وكبرائهم من فجَرة الحكام من حمِئة الشرك، ووصمة الكفر، وتعرّضها للنقد الموضوعي على مدى نصف القرن الفائت. والقوم أصحاب نظر وقياس بزعمهم، يجيدون التهويل والجعجعة عن «سد الذرائع»، وارتكاب أخف المفسدتين، وتفويت أدنى المصلحتين وما أشبه من الخزعبلات والهراء، فأين ذهب هذا كلّه؟!

(3)- والإشارة إلى «الحكم بغير ما أنزل الله» ليست رداً مناسباً للسؤال، لأن السؤال ليس هو عن «الحكم بغير ما أنزل الله»، الذي هو من أفعال العباد، وإنما هو عن توحيد (الحاكمية) التي هي من صفات الله وأفعاله، وحسبك بهذا (الجهل المركب) من (كبار العلماء)؛

 

(4)- وحتى الإشارة إلى «الحكم بغير ما أنزل الله» إنما هي إشارة عرضية ضعيفة، لا تسمن ولا تغني من جوع، وتفتح باب الكفر المهلك على مصراعيه، ذلك الكفر الشركي الأكبر، المردي في نار جهنم الأبدية، الموجب للعنة السرمدية، والمتمثل في تبديل الشرائع وفي الحكم بغير ما أنرل الله على مصراعيه، مع أن القوم يزعمون أنهم أهل «قياس ونظر»، و«سد ذرائع»، و«جلب مصالح، ودرء مفاسد»، وغيره من الدجل والهراء.

 

(5)- جهل مطبق بواقع الناس اليوم، وما يدور في مجالسهم من نقاش وجدال. فلا تكاد تجد أحداً في الدنيا يخوض في دقائق «الأسماء والصفات»، اللهم إلا أتباع الفرقة الوهابية، الذين يدّعون «السلفية» أنفسهم فقط، من أمثال السائل «صهيب حسن»، وهيئة كبار العلماء «السعوديين»، ومقلّديها، ومن لحق بهم من الجهلة والظلاميين والمبتدعة من سفلة الجاميين والمدخليين، وحزب الظلام والزور المسمى، زوراً وبهتاناً، بـ(حزب النور) في الديار المصرية، وكلاب أجهزة التجسس والنميمة (الاستخبارات والمباحث). أما كلام الناس فهو حول التشريع والحاكمية، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، وخيانات حكام المسلمين للأمة، وتولّيهم للكفار، والمسيرات أو المظاهرات في بلد كيت وكيت، وما شابه ذلك.

أما «وساوس» «خلق القرآن»، وما قاله بشر المُرِيسي وغيره، و(هل النبي نور حقيقة أو مجاز)، فلا يتكلم عنها إلا بعض المهووسين من أدعياء «السلفية»، وكذلك أدعياء «التحقيق والتصوف» من «الأحباش»، ومن شابههم، والمجرمين القتلة من «الجماعة الإجرامية المسلحة» في الجزائر قديماً، وما يسمى دولة العراق والشام، (داعش)، و(بوكو حرام)، و(طالبان باكستان)، الإجرامية الدموية حديثاً؛ والغلاة المارقين، أعداء الله ورسوله وصحابته، المتسمين زوراً وبهتاناً «جيش الصحابة» في باكستان، ومن لفّ لفّهم من «الغلاة المارقين»، و«الظلاميين»، الذين يعيشون في ظلمات «الماضي»، أو في عوالم خيالية أخرى، لا تمت بصلة ولا سبب إلى واقع الدنيا المعاصر، وعالم الناس اليوم.

 

(6)- بل هناك جهل قبيح بحقيقة دعوة الأنبياء، إذ أن الظاهر أن أعضاء «الهيئة» يعتقدون أن الأنبياء كانوا يدعون الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له بالمعنى السطحي الساذج: قيام وقعود، وسجود، وذبح قرابين، وإيقاد شموع، ونحوه. وهذا كذب صريح على أنبياء الله المكرّمين، المطهرين المعصومين، يكفي لإبطاله مراجعة دعوة لوط، صلوات الله وسلامه عليه، أين هناك السجود والركوع؟! إنما كانت دعوته، في المقام الأول، إلى ترك استحلال الفواحش والمنكرات، ولم يرد فيها قط ذكر وثن أو صنم، أو آلهة يُسجد لها من دون الله، أو يستغاث بها، أو يستعاذ. بل لو زعم زاعم أن قوم لوط كانوا لا يرون ألوهية غير الله بالمعنى المحدود، كما تفهمه «الهيئة» المتخلفة عقلياً، لما كان بعيداً عن الصواب.

 

هذا إذاً هو فهم «هيئة كبار العلماء»، فيا له من فهم سخيف تافه، وفكر منحط بليد، وتعساً لـ«علم» هذا مبلغ حال «كبار» حملته!

 

ولكن هذا في الحقيقة أيضاً يثير الشك في «الهيئة» وأعضائها، ويرجح أنهم، أو بعضهم من فقهاء السلاطين الفسقة، الخونة السفلة. لا سيما إذا عرفنا سكوتهم المريب على تولي دولتهم، دولة آل سعود «المباركة»، على حد تعبير كبيرهم بن باز، للكفار، وتمكينهم من احتلال جزيرة العرب، وحصار العراق، وغيره من بلاد المسلمين، لتجويع المسلمين وإذلالهم، بل لإبادتهم والقضاء عليهم، ثم تواطؤهم على غزوه، أي غزو العراق مؤخراً، فافتراسه واحتلاله؛ كل ذلك مقروناً مع تبديل الشرائع، وسن أنظمة التابعية والجنسية «السعودية»، العنصرية النتنة الخبيثة، بل الكفرية الملعونة؛ والترخيص للبنوك الربوية الخبيثة؛ ومحاربة الدعوة الإسلامية الواعية المخلصة، ووصمها بالإرهاب أو الانحراف، أو الابتداع أو الغلو؛ ناهيك بعضوية المنظمات الكفرية الدولية، مثل الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي، وغيرها، إلى غير ذلك من الكفريات والفظائع، التي يشيب لها، والله، الوليد.

 

 

 

فصل: فتوى أخرى شنيعة نكراء لـ«الشيخ» محمد الصالح العثيمين

وإذا كانت الفتوى آنفة الذكر لـ«هيئة كبار العلماء» ليس فيها كبير أثارة من علم، فالفتوى التالية لعضو نفس الهيئة «الشيخ» محمد الصالح العثيمين لا تصلح إلا أن توصف بأنها خزي وعار وفضيحة!

قال الشيخ في اللقاء رقم (150) من لقاء الباب المفتوح الأسبوعي، وهو مسجل على شريط كاسيت:

إجابة على السؤال «الألمعي»: [ما تقول، عفا الله عنك، فيمن أضاف للتوحيد قسماً رابعاً سماه (توحيد الحاكمية)؟!]؛

فكان الجواب «العبقري»: [...، نقول أنه ضال، وهو جاهل! لأن توحيد الحاكمية هو توحيد الله عز وجل: فالحاكم هو الله عز وجل! فإذا قلت التوحيد ثلاثة أنواع، كما قاله العلماء، توحيد الربوبية فإن توحيد الحاكمية داخل في الربوبية، لأن توحيد الربوبية هو توحيد الحكم والخلق والتدبير لله عز وجل!

وهذا قول محدث منكر! وكيف توحيد الحاكمية؟! ما يمكن أن توحد الحاكمية! هل معناه أن يكون حاكم الدنيا كلها واحداً، أم ماذا؟!

فهذا قول محدث، مبتدع، منكر ينكر على صاحبه، ويقال له: إن أردت الحكم، فالحكم لله وحده، وهو داخل في توحيد الربوبية، لأن الرب هو الخالق، المالك، المدبر للأمور كلها! فهذه بدعة وضلالة]. انتهى كلام الشيخ محمد الصالح العثيمين.

أرأيت هذا الهذر واللغو المضحك؟! نحن لا نتكلم عن ركاكة الأسلوب، وضعف اللغة، فهو متوقع في مثل هذا التسجيل الشفوي. وليس ابن عثيمين ممن لم يعرف بالدقة، وحسن التفريع، بل هو كذلك، يعرفه من قرأ دراسته وفتاواه في دقائق فقه «الحيض والنفاس»، و«الدماء الطبيعية للنساء». كلا، والله، إنها المجاملة والمداهنة للسلاطين الذين يحكمون بغير ما أنزل الله!

 

أرأيت الجهل المركب في قوله أن الرب هو الخالق، وقد بينا فيما سلف أن الرب هو السيد أو هو المالك، وهو من ثم الآمر الناهي، والحاكم المشرع، ولا علاقة لهذه المفاهيم بمفهوم (الخلق). فيا لله، ويا للمسلمين: كيف يسلم أقوام قيادهم لهذا الرجل، فيسألوه الفتيا، ويعظمون رأيه الفاسد إلى حد التقديس؟!

 

ثم أليس الحكم الشرعي هو أن يكون المسلمون أمة واحدة، لها ذمة واحدة، حربها واحدة، وسلمها واحدة، وأمانها واحد، ودولتها واحدة، وإمامها، الإمام الأعظم أو الخليفة، واحد؟! أليس كذلك؟!

 

أليست الحالة المثالية المطلوبة شرعاً هي حمل الإسلام إلى كافة بني آدم حتى يدخلوه، أو يخضعوا لنظامه، تحت سلطان واحد؟! فأي غرابة في توحد المسلمين في كيان واحد، تحت حاكم واحد، لا سيما أنه هو الواجب الشرعي؟! وما القبيح في توحيد الدنيا كلها، عند الاستطاعة، تحت سلطان الإسلام الكامل العادل، فيهنأ المؤمن، ويستريح الكافر؟! إن ابن عثيمين يعلم ذلك بيقين، ولا يمكن أن يكون عن ذلك غافلاً، فلم الاستهزاء والسخرية إذن؟! ألا يخشى ابن عثيمين أن توبخه الملائكة عند موته: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ* لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُم، (التوبة؛ 9: 65 - 66)؟!

 

ويظهر لك بجلاء أيضاً تخبط القوم وتناقضهم، وفساد تقسيمهم للتوحيد إلى «توحيد ربوبية» و«توحيد ألوهية» من اختلافهم في تصنيف «الحاكمية»، التي لا يستطيعون لها إنكاراً، ولا منها فراراً، إلا بالكفر الصريح: فـ«هيئة كبار العلماء» في ما يسمَّى بـ«السعودية» تزعم أن «الحاكمية» فرع مما أسمته: «توحيد الألوهية»، إذ قالت نصاً: (والحكم بما أنزل الله يدخل في توحيد الألوهية)، في حين أن العضو المشهور البارز لنفس الهيئة «الشيخ» محمد الصالح العثيمين كان أحسن حالاً، حيث قال نصاً: (فإن توحيد الحاكمية داخل في الربوبية).

 

وتأمل أيضاً الفرق الشاسع بين ما سلف من تخاليط ابن عثيمين، ولغو وهذر هيئة كبار «العلماء»، وبين قول الإمام العلامة ابن قيم الجوزية:

* كما جاء في «مدارج السالكين»، (ج:2 ص:182): [وكثير من الناس يبتغي غيره حكما يتحاكم إليه ويخاصم إليه ويرضى بحكمه وهذه المقامات الثلاث هي أركان التوحيد: أن لا يتخذ سواه ربا، ولا إلها، ولا غيره حكما]، انتهى نصاً، حيث جعل (الحاكمية)، وهي اتخاذ الله حكماً، وحده لا شريك له، وعدم الرضا بغيره حكماً، ركناً من أركان التوحيد، وذلك بالرغم من خطأ ابن القيم الفادح في اتباعه لابن تيمية في تعريفاته الخاطئة للربوبية والألوهية.

 

ولكن صدق رسول الله، أبو القاسم محمّد بن عبد الله، خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، حيث قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يترك عالما، اتخذ الناس رؤساء جهّالا، فسُئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا»:

* كما أخرجه الإمام أحمد، (ج2/ص202/ح6511): [حدثني يحيى عن هشام أملاه علينا حدثني أبي سمعت عبد الله بن عمرو من فِيه إلى فيِّ يقول: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقوله بعينه]، هذا من أصح أسانيد الدنيا، وهو مسلسل بصريح التحديث والإملاء هنا عند أحمد، وأخرجه أحمد بنحوه من طرق صحاح أخرى، وكذلك البخاري من عدة طرق صحاح بنحوه، واستوعب الإمام مسلم طرقه أو كاد فأخرجه من أكثر من عشرة طرق، وهو عند الترمذي، وابن ماجه، والدارمي بأصح الأسانيد، وعند غيرهم.

* ورواه الإمام البخاري في «الصحيح»، (ج6/ص2665/ح6877)، من طريق أخرى، مستقلة عن طريق الإمام أحمد تمام الاستقلال، من زاوية طريفة: [حدثنا سعيد بن تليد حدثني ابن وهب حدثني عبد الرحمن بن شريح وغيره عن أبي الأسود عن عروة قال: حج علينا عبد الله بن عمرو فسمعته يقول: سمعت النبي، صلى الله عليه وسلم، يقوله (فساقه بنحوه)، فحدثت به عائشة زوج النبي، صلى الله عليه وسلم، ثم إن عبد الله بن عمرو حج بعد، فقالت: (يا ابن أختي، انطلق إلى عبد الله فاستثبت لي منه الذي حدثتني عنه!)، فجئته فسألته فحدثني به كنحو ما حدثني، فأتيت عائشة فأخبرتها فعجبت فقالت: (والله لقد حفظ عبد الله بن عمرو!)]، وهو كذلك بنحوه مع زيادات عند الإمام مسلم في «الصحيح».

ولعلنا لا نضيع الوقت في مناقشة هذا اللغو والهذر الصادر من أمثال «هيئة كبار الجهلاء»، أو لعلهم «عملاء» وليسوا فقط «جهلاء» أو «سفهاء»، في ما يسمَّى بـ«السعودية»، ولا رجالاتها من أمثال: محمد الصالح بن عثيمين، فقد بين لنا الناصح الأمين، المعصوم بعصمة الله، حقيقتهم في الحديث آنف الذكر.

 

نعم: لنضرب عنهم صفحاً فالوقت والعمر أثمن من هذا، والعودة إلى موضوعنا الرئيس أولى وأحرى، بمناقشة أقسام التوحيد الصحيحة، وما يتعلق بذلك من مباحث مهمة، نكتسب بها علما مفيداً، ثم عملاً صالحاً، تصلح به النفوس والقلوب والأحوال في الدنيا، ويقربنا إلى حضرة علاّم الغيوب، فتحصل به السعادة الأبدية، والنجاة من النار السرمدية، بتوفيق الله ومَنِّه وكرمه، لا إله إلا هو، ولا رب سواه، عليه نتوكل، وبه نستعين!

حزب التجديد الإسلامي 2016