كتاب التوحيد - الباب الخامس: الواقع التاريخي لشرك العرب

الفهرس

 

القسم الأول: أصول الدين وقواعده

الباب الخامس: الواقع التاريخي لشرك العرب

فصل: قول الله، جل جلاله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾

فصل: قول كفار قريش: (الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)

فصل: قول الله، جل جلاله: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا﴾

فصل: مَعَ كُلِّ صَنَمٍ جِنِّيَّةٌ (أو: شيطانة)

فصل: هَذَا الْإِلَهُ: (اللَّهُ)، الَّذِي تدعوا إِلَيْهِ، مَا هُوَ: مِنْ ذَهَبٍ هُوَ؟! أَوْ فِضَّةٍ؟!

فصل: ماهية الأوثان والأصنام

فصل: ماهية (عجل) بني إسرائيل

فصل: قصة ذات أنواط

فصل: انسب لنا ربك

فصل: قول الله، جل جلاله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾

فصل: حقيقة شرك العرب

فصل استطرادي: من هم « الصابئون»؟!

فصل: كيف تركت العرب العدنانية دين إسماعيل؟!

فصل: ما هي حقيقة «اللات»؟!

فصل: كيف ترك البشر التوحيد الأول؟!

فصل: كيف انتقلت أوثان قوم نوح المزعومة إلى العرب؟!

فصل: هل كان مشركو العرب مقرين بما يسمِّيه ابن تيمية (توحيد الربوبية)؟!

فصل: أخطاء المعلمي الفادحة في فهم شرك القدامى

 

 

الباب الخامس: الواقع التاريخي لشرك العرب

 

نحسب أننا قدمنا في الأبواب السابقة صورة واضحة، وإن كانت مختصرة، للقواعد الكلية والأصول اليقينية والبراهين القطعية لدين الإسلام، دين الله، حيث قال، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ؛ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20)﴾، (آل عمران؛ 3: 18 – 20)؛ وهو الدين الذي رضيه لعباده، حيث قال، تعالى مجده: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، (المائدة؛ 5: 3)؛ وأنذر أنه لن يقبل غيره أبد الدهر، حيث قال تباركت أسماؤه، وتقدست صفاته: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)﴾، (آل عمران؛ 3: 84، 85).

 

ولكن الإنسان لمحدوديته لا يعطى النعمة حقها حتى يرى النقمة، ولا الحياة حتى يرى الموت، ولا الصحة حتى يرى المرض، لذلك فلن تجد أحداً أصدق إيمانا، وأبر قلباً، وأعمق علما، من أصحاب محمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا عجب فقد كانوا أمواتاً بالكفر، عاشوا الجاهلية، وجربوها، وعرفوها حق معرفتها، فأحياهم الله بالإسلام. وهم قد عاشروا تنزيل كتاب الله على الوقائع والأحداث، بلسان عربي مبين، ففهموه فهما عميقاً مستنيراً، فلا عجب أن يزلزلوا الإمبراطوريات، ويغيروا مسار التاريخ.

 

ولا شك أن هذه لن تكون لأحد بعدهم بتلك الدرجة العالية: فليس الخبر كالمعاينة، وقراءة التاريخ، ليس كمعاشرة الأحداث، والعيش في زمانها. ومع ذلك فإن معرفة السيرة النبوية، والواقع التاريخي للعرب قبيل البعثة النبوية له فوائد جمة، منها:

(1)- الاعتراف بنعمة الله الكبرى علينا بإرسال هذا النبي الأمي تالياً لآيات الله مبينات لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومعلما للكتاب والحكمة، ومزكيا لمن آمن به وتبعه؛

 (2)- معرفة محاسن الإسلام عند رؤية التناقض التام، والبون الشاسع بين الإسلام وما يقوم عليه من البراهين اليقينية، والفكر العميق المستنير، وما ينتجه من حضارة إنسانية راقية، وبين الشرك والجاهلية وظنونها وخرافاتها وضحالة فكرها، وما تنتجه من انحطاط وتقاتل ووحشية؛

(3)- إحسان فهم كتاب الله بمعرفة أحوال القوم الذين مخاطبهم، وحقيقة الوقائع التي تنزل عليها؛

 

هذا بالنسبة للسيرة النبوية، والواقع التاريخي للعرب قبيل البعثة النبوية بشموليته، وأما بالنسبة لجزئية (الواقع التاريخي لشرك العرب) الذي أهمل الناس دراسته إهمالاً شديداً، فقد ظهرت الأهمية القصوى لمعرفته عندما تراكمت الأخطاء في فهم كتاب الله عبر القرون لتبلغ ذروتها في شبهات الفرقة الوهابية المتراكمة، ومزاعمها الشاطحة الكاذبة عن حقيقة شرك العرب التي بنت عليه الفرقة توحيدها المبتور الممسوخ المشوه، وإسلامها الدموي المتوحش.

 

ولا شك أن في كتاب الله، الذي جاء ﴿تبياناً لكل شيء﴾، الكفاية، وفوق الكفاية، وهو الغنية لطالب الحق، بشرط يُقْرَأ قراءة فهم وهضم واستيعاب، بتدبر عميق، وفكر مستنير، وليس قراءة الذين (يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم)، و(يعبدون ويدأبون: يعجبون الناس، وتعجبهم أنفسهم)، و(يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم)؛ فتكون النتيجة الحتمية لرفضهم التدبر والفكر، وعجبهم بالنفس وتزكيتها، أنهم: (يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيءو(يمرقون من الدين كمروق السهم من الرمية ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء ثم ينطر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى نضيه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء سبق الفرث والدم)، (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان)، كما نراه هذه الأيام عيانا في العصابة الإجرامية الدموية التي تسمي نفسه (داعش) - لذلك قال الناصح المشفق، عليه وعلى آله أتم الصلوات والتسليمات والتبريكات من الله: (أينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرًا عند اللّه لمن قتلهم يوم القيامة).

 

هذه الحاجة، بل الضرورة الملحة، إلى التدبر العميق والفكر المستنير لكشف شبهات الفرقة الوهابية، ودحض مزاعمها الخيالية الجامحة عن حقيقة شرك العرب، التي بنت عليه الفرقة دينها المبتدع، ألجأتنا إلى مراجعة كتب التفسير والحديث والسيرة والتاريخ، وغيرها، بحثاً ما قد يكون في أثناء نصوصها من بقايا (الآثار)، و(الأطلال)، و(الحفريات) التاريخية، التي قد تثري القضايا المطروحة، وتزيدها وضوحاً. لا سيما أن الإمام ابن تيمية، مرجع الفرقة الوهابية، وقطبها الأعظم، قد قال في اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (2/157): [ومن أراد أن يعلم كيف كانت أحوال المشركين في عبادة أوثانهم، ويعرف حقيقة الشرك الذي ذمه الله، وأنواعه، حتى يتبين له تأويل القرآن، ويعرف ما كرهه الله ورسوله، فلينظر سيرة النبي، صلى الله عليه وسلم، وأحوال العرب في زمانه، وما ذكره الأزرقي في أخبار مكة، وغيره من العلماء]، كذا قال نصاً. وسترى – أخي القارئ الكريم – بنفسك أنه أمر بالبر، ونسي نفسه، للأسف الشديد؛ أو كما قال الشاعر:

يا أيها الرجل المعلم غيره *** هلا لنفسك كان ذا التعليم

تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى *** كيما يصح به وأنت سقيم

 

وفي أيامنا هذه أصبح (التوحيد)، و(الإسلام)، الوهابي المبتور الممسوخ المشوه من أهم أسياب انتشار الإلحاد في بلاد المسلمين عامة، وبلاد الحرمين خاصة، حيث أصبحت نسبة الملحدين مقاربة لمثيلتها في بلجيكا العلمانية حالياً (التي كانت على النصرانية قديماً)، عياذا بالله. يضاف إلى ذلك خروج جماعات غالية مارقة، دموية متوحشة من رحم هذه المدرسة الخبيثة تفننت في قطع الرؤوس وبتر الأطراف، وتنفير الناس من الحنيفية السهلة السمحة، دين الله الحق. لذلك وجدنا أنفسنا مضطرين لإلحاق هذا الباب المتخصص في الدراسة التاريخية في قسم أصول الدين وقواعده، وإن كان هو في ذاته ليس كذلك.

 

فلعلنا الآن نتفرغ لبسط الكلام عن حقيقة شرك العرب، على أن نلاحظ، أولاً: وبكل دقة وعناية، عند قراءة النصوص، أن العرب العدنانية شعب أمي، لا كتاب له، ثقافته شفوية، ينتشر في عامتهم الجهل بدقائق أساطيرهم وخرافاتهم. ولم يعرف العرب أدب الملاحم، الذي حفظت به الأمم الأخرى أساطير نشأة الكون، وأخبار آلهتها، وحروب أبطالها.

 

وعلينا أن نلاحظ ثانياً: أنه الرغم من مكانة مكة المركزية، ومن دور قريش – وقبلها جرهم ثم خزاعة – القيادي، فهم ليسوا أمة واحدة، بل هم قبائل متنافرة، لا يعرفون دولة أو سلطة مركزية، يعشقون التمرد والفوضى والصعلكة: فلا غرابة في وجود التناقض والارتباك في عقائد القبائل المختلفة.

 

وعلينا أن نلاحظ أيضاً، ثالثاً: وبدقة، أن ذاكرة الإخباريين لم تتمكن من حفظ تفاصيل تلك العقائد الجاهلية، لعدم وجود كتابة أو حتى خط معتمد أصلاً؛ أو أن الأخباريين المسلمين تركوا روايتها اشمئزازاً منها لمعارضتها للإسلام فتجد بعضهم إذا اضطر إلى ذكر شيء منها فعل ذلك باقتضاب شديد، مشفوعاً بذم المشركين ولعنهم، وتنزيه الله وتقديسه، في مثل قول الإمام التابعي الكبير قَتَادَةَ: (جَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ بَنَاتَ اللهِ مِنَ الْجِنِّ، وَكَذَبَ أَعْدَاءُ اللهِ)؛ أو لأنها كانت في نظرهم مجرد خرافات تتعلق بالأصنام، التي أبيدت ومحيت، فأصبحت غير ذات موضوع وقد تجاوزها الزمن، فلم يروا حاجة للاهتمام بها، ولولا ورود ذكرها مقتضبا في القرآن، فلربما صرنا في جهل تام بأمر تلك العقائد الجاهلية والعبادات المنبنية عليها:

* فقد جاء في المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام (12/286): [ويفهم من القرآن الكريم أيضًا أن من العرب من كان يعبد الجن: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾. وذكر "ابن الكلبي" أن "بني مليح" من خزاعة رهط طلحة الطلحات، كانوا ممن تعبد الجن من الجاهليين. ويزعمون أن الجن تتراءى لهم. وفيهم نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾. وذكر أن قبائل من العرب عبدت الجن، أو صنفا من الملائكة يقال لهم الجن. ويقولون هم بنات الله، فأنزل الله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾. وليس لدى المفسرين أو أهل الأخبار علم واضح عن كيفية اعتقاد بعض العرب بألوهية الجن وبمصاهرتها للآلهة أو الإله. وما ورد عن ذلك في القرآن، مجمل. والظاهر أن ذاكرة الإخباريين لم تتمكن من حفظ تفاصيل هذه العقيدة والعقائد المماثلة الأخرى، ولا بد وأن تكون لها أسطورة قديمة، يظهر أنها ماتت قبل الإسلام، أو أن المسلمين تركوا روايتها لمعارضتها للإسلام ولأنها كانت في نظرهم خرافة تتعلق بأصنام، فلم يروا الاهتمام بها، وتركوها، ولولا ورود ذكرها مقتضبا في القرآن، فلربما صرنا في جهل تام بأمر تلك العبادة. ويرى (نولدكه) أن الجاهليين لم يتعبدوا للجن، ولم يتخذوها آلهة على نحو ما نفهم من معنى الآلهة، وأن (عبد الجن)، وإن دل على التعبد للجن، إلا أن هذه التسمية لا تدل حتما على عبادة للجن]؛

 

قلت: وأما زعم المستشرق (نولدكه) أن الجاهليين لم يتعبدوا للجن، ولم يتخذوها آلهة على نحو ما نفهم من معنى الآلهة، فدليل على قلة علمه – كما سيتضح قريباً – بحقيقة معتقد العرب الجاهليين في الجن؛ وعدم فهمه لمعنى (الألوهية) القرآني – كما أسلفنا بيان أصوله في الأبواب السابقة، وسنزيده بياناً في الأبواب الآتية، ولا لوم عليه فهو كافر، شاهد على نفسه بالكفر، مصرح به، لا يؤمن بالقرآن؛ ومع ذلك فهو أعمق علماً، وأصح فهماً، من الفرقة الوهابية المبتدعة المارقة، التي تستحق أشد اللوم لاتخاذها ﴿هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾، (الفرقان؛ 25: 30)، مع زعمها الكاذب الإيمان به، وتعظيمه!

 

فصل: قول الله، جل جلاله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾.

* قال الإمام البخاري في «الجامع الصحيح المختصر»، (11/445/12): [باب ذِكْرِ الْجِنِّ وَثَوَابِهِمْ وَعِقَابِهِمْ. لِقَوْلِه: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِى﴾، إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾. (بَخْسًا) نَقْصًا. قَالَ مُجَاهِدٌ: (﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾، قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: (الْمَلاَئِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، وَأُمَّهَاتُهُمْ بَنَاتُ سَرَوَاتِ الْجِنِّ). قَالَ اللَّهُ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ سَتُحْضَرُ لِلْحِسَابِ)]

ــ وكرره الإمام البخاري في موضع آخر من «الجامع الصحيح المختصر»: [باب تفسير سورة الصافات. وقال مجاهد: ﴿ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾، قال كفار قريش: (الملائكة بنات الله وأمهاتهم بنات سروات الجن!)]؛ قلت: تعليق البخاري بصيغة الجزم (قَالَ مُجَاهِدٌ) يشعر بصحة الأثر عنده، والحق أنه في غاية الصحة، كما يظهر من النقول التالية:

ــ فقد قال الإمام الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني في «فتح الباري شرح صحيح البخاري»، (10/79): [قَوْلُهُ: (بَابُ ذِكْر الْجِنّ وَثَوَابهمْ وَعِقَابهمْ) أَشَارَ بِهَذهِ التَّرْجَمَة إِلَى إِثْبَات وُجُود الْجِنّ وَإِلَى كَوْنهمْ مُكَلَّفِينَ... إلخ]؛ في كلام طويل، إلى قوله: [قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِد: وَجَعَلُوا بَيْنه وَبَيْن الْجِنَّة نَسَبًا إِلَخْ)، وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيق اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد بِهِ؛ وَفِيهِ: (فَقَالَ أَبُو بَكْر: مِمَّنْ أُمَّهَاتهمْ؟ قَالُوا: بَنَات سَرَوَات الْجِنّ إِلَخْ): وَفِيهِ: (قَالَ عَلِمَتْ الْجِنّ أَنَّهُمْ سَيَحْضُرُونَ لِلْحِسَابِ)، قُلْت: وَهَذَا الْكَلَام الْأَخِير هُوَ الْمُتَعَلِّق بِالتَّرْجَمَةِ، وَسَرَوَات بِفَتْحِ الْمُهْمَلَة وَالرَّاء جَمْع سَرِيَّة بِتَحْفِيفِ الرَّاء أَيْ شَرِيفَة]؛ قلت: وهاهنا يجزم الحافظ بصحة وصله من طريق الفريابي، وسيأتي إسناد الفريابي، وهو صحيح على شرط البخاري، فوراً، إن شاء الله؛

ــ كما جاء في تعليق التعليق، (2/304): [قال الفريابي: حدثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح في قوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾، قال: (كفار قريش قالوا: الملائكة بنات الله، قال أبو بكر: فمن أمهاتهم؟ قالوا: بنات سروات الجن)؛ ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون الصافات قال علمت الجنة إنهم سيحضرون للحساب]

 

* وجاء في «تفسير مجاهد»، (3/460/1419)؛ وأيضاً في طبعة دار الفكر الإسلامي الحديثة، مصر - (ص: 571): [أخبرنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حدثنا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: حدثنا آدَمُ، قَالَ: حدثنا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: 158] قَالَ: (قَالَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَمَنْ أُمَّهَاتُهُمْ؟ قَالُوا: بَنَاتُ سَرَوَاتِ الْجِنِّ؛ فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجَنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: 158] يَقُولُ: «إِنَّهَا سَتَحْضُرُ الْحِسَابَ، وَالْجِنَّةُ هِيَ الْمَلَائِكَةُ»)]؛

ــ وهو في تفسير ابن أبي حاتم - محققا (10/3231/18303)، بدون إسناد: [عَنْ مُجَاهِدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا قَالَ: قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: الْمَلائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: فَمَنْ أُمَّهَاتُهُمْ؟ فَقَالُوا: بَنَاتُ سَرَوَاتِ الْجِنِّ. فَقَالَ اللَّهُ: وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ يَقُولُ: إِنَّهَا سَتَحَضُرُ الْحِسَابَ، قَالَ: وَالْجِنَّةُ الْمَلائِكَةُ]؛

ــ وهو في (شعب الإيمان للبيهقي)، (1/153/134 ــ 135)، حيث قال الإمام البيهقي، رحمه الله تعالى: [وقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في تفسير هذه الآية، أخبرنا عبد الرحمن بن الحسن القاضي، حدثنا إبراهيم بن الحسين، حدثنا آدم، فساقه بعينه]؛ ثم قال الإمام البيهقي رحمه الله تعالى: [وَرُوِّينَا، عنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ: (جَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ بَنَاتَ اللهِ مِنَ الْجِنِّ، وَكَذَبَ أَعْدَاءُ اللهِ)، وَعَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ قَالَ: (قَالَتِ الْيَهُودُ إِنَّ اللهَ صَاهَرَ الْجِنَّ، فَخَرَجَتِ الْمَلَائِكَةُ)، وروينا عن الكلبي أنه قال: «يقول ذلك لقولهم الملائكة بنات الله»، يقول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾، محضرون النار الذين قالوا الملائكة بنات الله، قال: ويقال: نزلت هذه الآية في الزنادقة، وذلك أنهم قالوا: خلق الله الناس والدواب والأنعام، فقال إبليس: لأخلقن خلقا أضرهم به، فخلق الحيّات والعقارب والسباع، فذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾، قالوا: هو إبليس، أخزاه الله، تعالى الله عما يشركون» أخبرناه أبو عبد الرحمن الدهان، أخبرنا الحسين بن محمّد بن هارون، أخبرنا أحمد بن محمّد بن نصر، حدثنا يوسف بن بلال، حدثنا محمّد بن مروان، عن الكلبي فذكره)]

قلت: إبراهيم هو: إبراهيم بن الحسين بن علي الهمذاني، ثقة؛ وعبد الرحمن هو: أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسن بن أحمد بن محمّد بن عبيد بن عبد الملك الهمذاني، تكلموا في سماعه من إبراهيم لقوله: (حدثنا)، فقيل إنما هي فقط وجادة في كتاب؛ وهذا كله لا يضر لأن الرواية صحيحة، غاية في الصحة، وقد ثبتت من طريق الفريابي، وتعليق البخاري مجزوما به، وغيرهما، وسيأتي طرف من ذلك فوراً.

 

* وقد جاء وصله أيضاً من عدة طرق، كلها صحاح، وكذلك أقوال أخرى وجيهة في تأويل الآية، في «تفسير الطبري»، (21/120 ــ 121): [القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ)﴾؛ يقول تعالى ذكره: وجعل هؤلاء المشركون بين الله وبين الجِنّة نسبا.

واختلف أهل التأويل في معنى (النسب) الذي أخبر الله عنهم أنهم جعلوه لله تعالى، فقال بعضهم: هو أنهم ــ أعداء الله ــ قالوا: إن الله وإبليس أخوان. ذكر من قال ذلك:

ــ حدثني محمّد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾، قال: زعم أعداء الله أنه تبارك وتعالى وإبليس أخوان.

وقال آخرون: هو أنهم قالوا: الملائكة بنات الله، وقالوا: الجِنّة هي الملائكة. ذكر من قال ذلك:

ــ حدثني محمّد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى; (ح) وحدثني الحارث، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾، قال: قال كفار قريش: (الملائكة بنات الله)، فسأل أبو بكر: (مَنْ أمهاتهنّ؟)، فقالوا: (بنات سَرَوات الجنّ)، يحسبون أنهم خلقوا مما خُلق منه إبليس.

ــ حدثنا عمرو بن يحيى بن عمران بن عفرة، قال: حدثنا عمرو بن سعيد الأبح، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، في قوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾، قالت اليهود: إن الله تبارك وتعالى تزوّج إلى الجنّ، فخرج منهما الملائكة، قال: سبحانه: سبّح نفسه.

ــ حدثنا محمّد، قال: حدثنا أحمد، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قال: الجنة، الملائكة؛ قالوا: هنّ بنات الله.

ــ وحدثني الحارث، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثنا ورقاء جميعاً عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾: الملائكةانتهى كلام الإمام الطبري؛

 

* وجاء في (تفسير القرآن لعبد الرزاق الصنعاني)، (6/15/2474): [عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾، قالوا: صاهر إلى الجن، والملائكة من الجن، فلذلك قال: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ يقول: جعلوا الملائكة بنات الله من الجن؛ وكذبوا أعداء الله: ﴿سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونْ﴾، قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونْ﴾، قال قتادة: محضرون في النار، ﴿إِلاَّ عِبَادَ اللهِ المُخْلَصِينْ﴾، قال: «فهذه ثنيا الله من الجن والإنس»].

 * وجاء في تفسير ابن أبي حاتم - محققا (10/3231/18302): [عَنْ قَتَادَة رَضِيَ اللهُ، عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: فَاسْتَفْتِهِمْ قَالَ: فَسَلْهُمْ يَعْنِي مُشْرِكِي قُرَيْشٍ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ قَالَ: لِأَنَّهُمْ قَالُوا: لِلَّهِ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ، وَقَالُوا: إِنَّ الْمَلائِكَةَ إِنَاثٌ فَقَالَ: أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ كَذَلِكَ أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُون، َاصطفى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ فَكَيْفَ يَجْعَلُ لَكُمُ الْبَنِينَ، وَلِنَفْسِهِ الْبَنَاتِ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ إِنَّ هَذَا لَحُكْمٌ جَائِرٌ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ أَيْ عُذْرٌ مُبِينٌ فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ أَيْ بِعُذْرِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا؛ قَالَ: زَعَمَ أَعْدَاءُ اللَّهِ أَنَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ هُوَ وَإِبْلِيسُ إِخْوَانٌ]

* وجاء في تفسير ابن أبي حاتم - محققا (10/3231/18304): [عَنْ عَطَيَّةَ رَضِيَ اللهُ، عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا قَالَ: قَالُوا: صَاهَرَ إِلَى كِرَامِ الْجِنِّ]

* وجاء في تفسير أبي الحسن مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي البلخي (المتوفى: 150هـ)، (3/621): [فَاسْتَفْتِهِمْ يقول للنبي، صلى الله عليه وسلم، - فاسأل كفار مكة منهم النضر بن الحارث أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ يعني الملائكة وَلَهُمُ الْبَنُونَ. فسألهم النبي، صلى الله عليه وسلم، - في الطور والنجم - وذلك أن جهينة وبني سلمة عبدوا الملائكة وزعموا أن حيا من الملائكة يُقَالُ لهم الجن منهم إبليس أن الله - عز وجل - اتخذهم بنات لنفسه، فقال لهم أبو بكر الصديق: (فمن أمهاتهم؟!)، قالوا: (سروات الجن)؛ يقول الله - عز وجل -: أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ].

 

* وحاول الإمام الماوردي في (النكت والعيون) (3/477) التلخيص وجمع كافَّة الأقوال: [قوله عز وجل: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا فيه أربعة أوجه:

أحدها: أنه إشراك الشيطان في عبادة الله تعالى فهو النسب الذي جعلوه، قاله الحسن.

الثاني: هو قول يهود أصبهان أن الله تعالى صاهر الجن فكانت الملائكة من بينهم، قاله قتادة.

الثالث: هو قول الزنادقة: إن الله تعالى وإبليس أخوان، وأن النور والخير والحيوان النافع من خلق الله، والظلمة والشر والحيوان الضار من خلق إبليس، قاله الكلبي وعطية العوفي.

الرابع: هو قول المشركين، إن الملائكة بنات الله فقال لهم أبو بكر: فمن أمهاتهم؟ قالوا: بنات سروات الجن، قاله مجاهد.

وفي تسمية الملائكة على هذا الوجه جنّة ثلاثة أوجه:

أحدها: أنهم بطن من بطون الملائكة يقال لهم الجِنّة، قاله مجاهد.

الثاني: لأنهم على الجنان، قاله أبو صالح.

الثالث: لاستتارهم عن العيون كالجن المستخفين.

قوله عز وجل: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ، (الصافات:158). وفي الْجِنَّةِ قولان: أحدهما أنهم الملائكة، قاله السدي؛ الثاني أنهم الجن، قاله مجاهد]؛ انتهى كلام الإمام الماوردي.

 

* ولكن جاء فصل الخطاب في [(تفسير الرازي) ــ (13/153 ــ 154)]: [﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ * فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. وفيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر أقاصيص الأنبياء عليهم السلام عاد إلى شرح مذاهب المشركين وبيان قبحها وسخافتها، ومن جملة أقوالهم الباطلة أنهم أثبتوا الأولاد لله سبحانه وتعالى، ثم زعموا أنها من جنس الإناث لا من جنس الذكور فقال: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبّكَ البَنَاتُ وَلَهُمُ البَنُونْ﴾ وهذا معطوف على قوله في أول السورة: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً ممِنْ خَلَقْنَا﴾ [الصافات: 11] وذلك لأنه تعالى أمر رسوله، صلى الله عليه وسلم، باستفتاء قريش عن وجة إنكار البعث أولاً، ثم ساق الكلام موصولاً بعضه ببعض، إلى أن أمره بأن يستفتيهم في أنهم لِمَ أثبتوا لله سبحانه البنات ولأنفسهم البنين، ونقل الواحدي عن المفسرين أنهم قالوا: إن قريشاً وأجناس العرب، جهينة وبني سلمة وخزاعة وبني مليح، قالوا: الملائكة بنات الله، واعلم أن هذا الكلام يشتمل على أمرين:

أحدهما: إثبات البنات لله وذلك باطل لأن العرب كانوا يستنكفون من البنت، والشيء الذي يستنكف المخلوق منه كيف يمكن إثباته للخالق؟!

والثاني: إثبات أن الملائكة إناث، وهذا أيضاً باطل لأن طريق العلم إما الحس وإما الخبر وإما النظر، أما الحس فمفقود ههنا، لأنهم ما شهدوا كيفية تخليق الله الملائكة وهو المراد من قوله: ﴿أَمْ خَلَقْنَا المَلاَئِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونْ﴾؛ وأما الخبر فمفقود أيضاً، لأن الخبر إنما يفيد العلم إذا علم كونه صدقاً قطعاً، وهؤلاء الذين يخبرون عن هذا الحكم كذابون أفاكون، لم يدل على صدقهم لا دلالة ولا أمارة، وهو المراد من قوله: ﴿أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونْ﴾: وأما النظر فمفقود، وبيانه من وجهين:

الأول: أن دليل العقل من إسناد الأخس إلى الأفضل، فإن كان حكم العقل معتبراً في هذا الباب كان قولكم باطلاً.

والوجه الثاني: أن نترك الاستدلال على فساد مذهبهم، بل نطالبهم بإثبات الدليل الدال على صحة مذهبهم، فإذا لم يجدوا ذلك الدليل، فضده يظهر أنه لم يوجد ما يدل على صحة قولهم؛ وهذا هو المراد من قوله: ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ * فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينْ﴾. فثبت بما ذكرنا أن القول الذي ذهبوا إليه لم يدل على صحته، لا الحس ولا الخبر ولا النظر، فكان المصير إليه باطلاً قطعاً، واعلم أنه تعالى لما طالبهم بما يدل على صحة مذهبهم دل ذلك على أن التقليد باطل، وأن الدين لا يصح إلا بالدليل.

المسألة الثانية: قوله: ﴿أَصْطَفَى البَنَاتِ عَلَى البَنِينْ﴾ قراءة العامة بفتح الهمزة وقطعها من ﴿اصطفى﴾، ثم بحذف ألف الوصل، وهو استفهام توبيخ وتقريع، كقوله تعالى: ﴿أَمِ اتخذ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ [الزخرف: 20] وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُ البَنَاتُ وَلَكُمُ البَنُونْ﴾ [الطور: 39] وقوله تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى﴾ [النجم: 21] وكما أن هذه المواضع كلها استفهام، فكذلك في هذه الآية، وقرأ نافع في بعض الروايات: ﴿لكاذبون * اصطفى﴾ موصولة بغير استفهام، وإذا ابتدأ كسر الهمزة على وجه الخبر والتقدير اصطفى البنات في زعمهم كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الكَرِيمْ﴾ [الدخان: 49] في زعمه واعتقاده.

ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجِنَّة نَسَباً﴾ واختلفوا في المراد بالجِنَّة على وجوه:

الأول: قال مقاتل: أثبتوا نسباً بين الله تعالى وبين الملائكة حين زعموا أنهم بنات الله، وعلى هذا القول فالجِنَّة هم الملائكة، سموا جناً لاجتنانهم عن الأبصار أو لأنهم خزّان الجنَّة، وأقول: هذا القول عندي مشكل، لأنه تعالى أبطل قولهم الملائكة بنات الله، ثم عطف عليه قوله: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً﴾، والعطف يقتضي كون المعطوف مغايراً للمعطوف عليه، فوجب أن يكون المراد من هذه الآية غير ما تقدم.

الثاني: قال: مجاهد قالت كفار قريش: الملائكة بنات الله، فقال لهم أبو بكرالصديق: فمن أمهاتهم؟ قالوا: سروات الجن، وهذا أيضاً عندي بعيد، لأن المصاهرة لا تسمى نسباً.

والثالث: روينا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء الجِن﴾ [الأنعام: 100] أن قوماً من الزنادقة يقولون: الله وإبليس أخوان، فالله الخير الكريم وإبليس هو الأخ الشرير الخسيس، فقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً﴾، المراد منه هذا المذهب، وعندي أن هذا القول أقرب الأقاويل. وهو مذهب المجوس القائلين بـ(يزدان) و(أهْرُمُنْ)، وهو المسمى بـ(إبليس) في شرعنا، ثم اختلفوا، فالأكثرون منهم على أن (أهْرُمُنْ) محدث، ولهم في كيفية حدوثه أقوال عجيبة؛ والأقلون منهم قالوا: إنه قديم أزلي، وعلى القولين فقد اتفقوا على أنه شريك لله في تدبير هذا العالم، فخيرات هذا العالم من الله تعالى، وشروره من إبليس فهذا شرح ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما]؛ انتهى كلام الإمام الفخر الرازي.

 

قلت: كلام الإمام الفخر الرازي في غاية الوجاهة والمتانة:

(1) ــ لأنه مناسب لسياق الآيات الكريمات؛

(2) ــ ولأن القول بأن: (الملائكة بنات الله، وأمهاتهم: سروات الجن) يفيد المصاهرة إلى الجن، والأصل أن المصاهرة غير النسب؛

(3) ــ ولأن القول بأن ذلك هو قولهم: (الملائكة بنات الله)، مع القول في نفس الوقت أن الملائكة صنف من الجن، لأن أمهاتهن من الجن، أو لـ(اجتنانهم)، أي لأنهم مستترون عن الأبصار، لا تراهم العين،على كونه محتملاً، إلا أن السياق يدفعه لسبق الرد على قولهم أن الملائكة بنات الله واستنكاره، وكذلك فإن حقّه أن يقال في مثل هذه الحالة: (وجعلوا بين الملائكة وبين الجِنّة نسباً).

 

فلم يبق إلا قول الثنوية والمجوس (الزنادقة): إن الله تعالى وإبليس أخوان، من أصل أو نسب أو جنس أو جوهر إلاهي واحد، انقسم إلى شعبتين: فالله تعالى هو الحر الكريم، ومنه تولدت الملائكة، فهم حزبه وعسكره، فهذه شعبة (الخير والنور)؛ وإبليس هو الأخ الشرير اللئيم، ومنه تولدت الجن والشياطين، فهم حزب إبليس وعسكره، فهذه شعبة (الشر والظلمة).

 

وبما أننا لا نملك تفصيلاً معتبراً لـ(قصة الخلق) عند العرب، فليس بمستطاعنا تحديد ماهية (إبليس) هذا، وكيفية نشوئه، إن كان حادثاُ. وكونه حادثاً هو الذي يجب ترجيحه بقوة لأن كافة الآيات القرآنية، والنصوص التاريخية توجب القطع بأن عامة العرب العدنانية تعترف بـ(الله) إلاها مركزيا أعلى.

 

وعلى كل حال فإن الإمام الرازي ما حرر هذه المسألة هذا التحرير الحسن إلا لأنه قد تمرس في العلوم المنطق والكلام. فتأمل هذا جيداً لتعلم الحكم الصحيح على الأقوال الوهابية المخذولة الخائبة: (علم الكلام جهل، وجهل الكلام علم)، و(من تمنطق فقد تزندق): نعوذ بك اللهم من الخذلان، ونسألك، بأسمائك الحسنى، وصفاتك العلى، أن تمن علينا بإتقان علوم المنطق والفلسفة والكلام والرياضيات والطبيعيات؛ وأن تمتعنا بكل قواتنا، وعقولنا، وأسماعنا، وأبصارنا، وسائر حواسنا، أبداً ما أحييتنا!

 

فإذا أضفنا إلى ذلك روايتي الكلبي وعطية العوفي، عند الطبري وغيره، على ما فيهما وفي الأسانيد إليهما من كلام، إلا أن العقل يحيل أن تكون بكل جزئياتها اختراعاً مجرداً، وكذباً محضاً، بدون أصل أو جذر تاريخي، فلا بد من الجزم بأن بعض العرب، كان لديها شرك في (الذات)، أو بلفظ أدق: في الجنس الإلاهي: أي أن الألوهية جنس تتعدد أنواعه، وكل نوع تتعدد أفراده؛ وشرك في (الخالقية)؛ وشرك في (التصرف والتدبير)، إذ كانت تذهب إلى قول الثنوية المجوس (الزنادقة): إن الله تعالى وإبليس أخوان، من أصل أو نسب أو جنس أو جوهر إلاهي واحد، انقسم إلى شعبتين: فالله تعالى هو الحر الكريم، خالق السموات والأرض، وما فيهما من خير؛ ومنه تولدت الملائكة، فهم حزبه وعسكره، فهذه شعبة (الخير والنور)؛ وإبليس هو الأخ الشرير اللئيم، خالق الشر والأمراض والفساد، ومنه تولدت الجن والشياطين، فهم حزب إبليس وعسكره، فهذه شعبة (الشر والظلمة)، حتى وإن كان معتقدهم هذا ساذجاً مشوشاً، وليس في درجة التعقيد والتنظير والتقعر الموجود لدى الفرس. وقد ذكر الأخباريون نحو هذا:

* جاء في نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب (ص: 76): [وقال ابن قتيبة: كانت النصرانية في ربيعة وغسان وبعض قضاعة؛ وكانت اليهودية في حمير وكنانة وبني الحارث بن كعب وكندة؛ وكانت المجوسية في تميم: منهم زرارة بن عدس وابنه حاجب والأقرع بن حابس؛ وكانت الزندقة في قريش وأخذوها من أهل الحيرة].

 

* وجاء في المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام (12/286): [ويفهم من القرآن الكريم أيضًا أن من العرب من كان يعبد الجن: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾. وذكر "ابن الكلبي" أن "بني مليح" من خزاعة رهط طلحة الطلحات، كانوا ممن تعبد الجن من الجاهليين. ويزعمون أن الجن تتراءى لهم. وفيهم نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾. وذكر أن قبائل من العرب عبدت الجن، أو صنفا من الملائكة يقال لهم الجن. ويقولون هم بنات الله، فأنزل الله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾. وليس لدى المفسرين أو أهل الأخبار علم واضح عن كيفية اعتقاد بعض العرب بألوهية الجن وبمصاهرتها للآلهة أو الإله. وما ورد عن ذلك في القرآن، مجمل. والظاهر أن ذاكرة الإخباريين لم تتمكن من حفظ تفاصيل هذه العقيدة والعقائد المماثلة الأخرى، ولا بد وأن تكون لها أسطورة قديمة، يظهر أنها ماتت قبل الإسلام، أو أن المسلمين تركوا روايتها لمعارضتها للإسلام ولأنها كانت في نظرهم خرافة تتعلق بأصنام، فلم يروا الاهتمام بها، وتركوها، ولولا ورود ذكرها مقتضبا في القرآن، فلربما صرنا في جهل تام بأمر تلك العبادة. ويرى "نولدكه" أن الجاهليين لم يتعبدوا للجن، ولم يتخذوها آلهة على نحو ما نفهم من معنى الآلهة، وأن "عبد الجن"، وإن دل على التعبد للجن، إلا أن هذه التسمية لا تدل حتما على عبادة للجن]، انتهى، وقد سبق تعليقنا على هذه قريباً.

 

ومهما يكن الأمر، فإن هذه الدقائق لا تهمنا ها هنا، ولعلك تراجع ذلك مفصلاً في كتب التفسير، خصوصاً مناقشة الإمام الفخر الرازي لمواضيع الجن والملائكة، وأصل إبليس، كما تجدها مثلاً في تفسير الرازي، (1/495 ــ 496)، وتفسير الرازي، (6/405)، وغيرها. وإنما المهم، المقطوع بثبوته: (أن بعض العرب، كان لديها شرك في الجنس الإلاهي؛ وشرك في (الخالقية)؛ وشرك في (التصرف والتدبير))، ضرورة ولا بد.

 

فصل: قول كفار قريش: (الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ).

* وأما ما جاء في «تفسير مجاهد»، (3/460/1419) بأسانيد صحاح، غاية في الصحة، إلى مجاهد: [عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: 158] قَالَ: ((قَالَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: (الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (فَمَنْ أُمَّهَاتُهُمْ؟)، قَالُوا: (بَنَاتُ سَرَوَاتِ الْجِنِّ)؛ فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجَنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: 158] يَقُولُ: «إِنَّهَا سَتَحْضُرُ الْحِسَابَ، وَالْجِنَّةُ هِيَ الْمَلَائِكَةُ»))]، مع كونه مرسلاً عن أبي بكر، رضوان الله وسلامه عليه، ففيه تأكيد لما تواتر من قولهم: (الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)، مع زيادة بيان لماهية (الأمهات) المزعومة لتلك البنات المقدسة: (بَنَاتُ سَرَوَاتِ الْجِنِّ).

 

وليس في هذه الزيادة: (بَنَاتُ سَرَوَاتِ الْجِنِّ)، ما قد توهمه البعض أنه يناقض أو يشكك في الخبر التالي:

* فقد جاء تفسير ابن أبي حاتم [محققا (10/3283/18505)]: [عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْمَخْرَمِيِّ أَنَّ قُرَيْشًا قَالَتْ: قَيِّضُوا لِكُلِّ رَجُلٍ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ يَأْخُذُهُ، فَقَيَّضُوا لِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ فأَتَاهُ وَهُوَ فِي الْقَوْمِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إِلامَ تَدْعُونِي؟ قَالَ: أَدْعُوكَ إِلَى عِبَادَةِ اللاتِ وَالْعُزَّى! قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَمَا اللاتُ؟ قَالَ: (رَبُّنَا) قَالَ: وَمَا الْعُزَّى؟ قَالَ: بَنَاتُ اللَّهِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَمَنْ أُمُّهُمْ؟ فَسَكَتَ طَلْحَةُ، فَلَمْ يُجِبْهُ. فَقَالَ طَلْحَةُ لِأَصْحَابِهِ: أَجِيبُوا الرَّجُلَ، فَسَكَتَ الْقَوْمُ، فَقَالَ طَلْحَةُ: قُمْ يَا أَبَا بَكْرٍ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا الْآيَةَ]؛ وكذا بأحرفه في الدر المنثور - (7/377)؛ وفي لباب النزول ـ جلال الدين السيوطي - (1/180)؛ وفي التفسير المنير للزحيلي - (25/154)؛ وغيرها؛ كذا في هذه النسخة، بدون إسناد: (الْمَخْرَمِيِّ)، وإنما هو (الْمَخْزومِيِّ)، وهذه من النساخ؛ و(مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ)، وهذا وهم أو تصحيف قديم من ابن أبي حاتم أو شيخه، لأن الصحيح في جميع المصادر الأخرى إنما هو: (مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ)؛ وكذلك (رَبُّنَا) وهم أو تصحيف قديم من ابن أبي حاتم أو شيخه لأن (اللات) أنثى قطعا ويقيناً، كما ستتم البرهنة عليه في قصل لاحق من هذا الباب: فالصحيح إذاً هو: (رَبَّتُنَا)؛ وكذلك قول طلحة: (بَنَاتُ اللَّهِ)، فصحته: (بِنْتُ اللَّهِ)، أو (مِنْ بَنَاتِ اللَّهِ)، ولا بد؛

 

* فالنص التام المعتمد الصحيح هو إذاً: [عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ الْمَخْزومِيِّ أَنَّ قُرَيْشًا قَالَتْ: قَيِّضُوا لِكُلِّ رَجُلٍ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ يَأْخُذُهُ، فَقَيَّضُوا لِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ فأَتَاهُ وَهُوَ فِي الْقَوْمِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (إِلامَ تَدْعُونِي؟)، قَالَ: (أَدْعُوكَ إِلَى عِبَادَةِ اللاتِ وَالْعُزَّى!)، قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (وَمَا اللاتُ؟)، قَالَ: (رَبَّتُنَا)، قَال: (وَمَا الْعُزَّى؟)، قَالَ: (بِنْتُ اللَّهِ)، أو: (مِنْ بَنَاتِ اللَّهِ). قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (فَمَنْ أُمُّهُمْ؟) فَسَكَتَ طَلْحَةُ، فَلَمْ يُجِبْهُ. فَقَالَ طَلْحَةُ لِأَصْحَابِهِ: أَجِيبُوا الرَّجُلَ، فَسَكَتَ الْقَوْمُ، فَقَالَ طَلْحَةُ: قُمْ يَا أَبَا بَكْرٍ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا،... الْآيَةَ﴾]؛

وأما الأسانيد، وكلها جياد إلى منتهاها (مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ الْمَخْزُومِيِّ)، فتعرف من النقول التالية:

 ــ جاء في أنساب الأشراف للبلاذري (10/119): [وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ غِيَاثٍ الْبَصْرِيُّ، حدثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أنبأ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ الْمَخْزُومِيِّ أَنَّ قُرَيْشًا قَالَتْ قَيِّضُوا لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ وَلِيَّهُ لِيَأْخُذَهُ، فَقَيَّضُوا لأَبِي بَكْرٍ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَأَتَاهُ وَهُوَ فِي قَوْمِهِ أَوْ قَالَ فِي الْقَوْمِ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ قُمْ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِلَى أَيِّ شَيْءٍ تَدْعُونِي؟ قَالَ: أَدْعُوكَ إِلَى اللاتِ وَالْعُزَّى فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا اللاتُ وَالْعُزَّى؟ قَالَ: بَنَاتُ اللَّهِ. قَالَ: فَمَنْ أَبُوهُمَا؟ فَسَكَتَ طَلْحَةُ فَلَمْ يُجِبْهُ وَقَالَ لأَصْحَابِهِ: أَجِيبُوهُ فَأُسْكِتَ الْقَوْمُ، فَقَالَ طَلْحَةُ: قُمْ يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنِّي أَشْهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلا اللَّه وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قرين﴾]؛ وما جاء في الأصل: (فَمَنْ أَبُوهُمَا؟) خطأ بين، وإنما هو: (فَمَنْ أُمُّهُمَا؟)، ضرورة ولا بد؛

 ــ وجاء في عيون الأخبار (2/220): [حدّثني محمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا أبو سلمة عن حمّاد بن سلمة قال: أخبرنا داود بن أبي هند عن محمد بن عبّاد المخزوميّ أنّ قريشا قالت: قيّضوا لأبي بكر رجلا يأخذه، فقيّضوا له طلحة بن عبيد الله؛ فأتاه وهو في القوم فقال: يا أبا بكر، قم إليّ؛ قال: إلام تدعوني؟ قال: أدعوك إلى عبادة اللّات والعزّى؛ قال أبو بكر: من اللّات؟ قال بنات الله، قال: فمن أمّهم؟ فسكت طلحة وقال لأصحابه: أجيبوا صاحبكم، فسكتوا؛ فقال طلحة: قم يا أبا بكر، فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمدا رسول الله؛ فأخذ أبو بكر بيده فأتى به النبيّ، صلى الله عليه وسلم، فأسلم]؛ وهنا خلط أحد الرواة، أو وهم الناسخ فقفز جملة: [قَالَ: (رَبَّتُنَا)، قَال: (وَمَا الْعُزَّى؟)]؛ وتجده منسوباً إلى عيون الأخبار في الإيماء إلى زوائد الأمالي والأجزاء (7/521/802/7261)؛ قلت: محمد بن عبد العزيز هو ابن أبي رِزْمة، ثقة، كما في تقريب التهذيب (ج1/ص547/ت6092)؛ وأبو سلمة هو منصور بن سلمة بن عبد العزيز الخزاعي البغدادي، ثقة ثبت حافظ، كما في تقريب التهذيب (ج1/ص493/ت6901)؛ ومُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ الْمَخْزُومِيِّ، تابعي ثقة مشهور، من طبقة الإمام مجاهد بن جبر.

فسكوت طلحة ومن معه، وعجزهم عن إجابة سؤال أبي بكر المحرج: (فَمَنْ أُمُّهُمْ؟)، دليل على ما أسلفنا ذكره من جهل عامتهم بدقائق أساطيرهم وخرافاتهم، أو وجود التناقض والارتباك في عقائد القبائل المختلفة: فثقيف المختصة بتعظيم (اللات)، وكذلك جهور قبائل العرب العدنانية، ربما كانوا يعتقدون أن (الات) هي صاحبة الله، وأم الملائكة، وهو القول القديم الذي أخذوه من الكلدانيين والبابليين، كما سياتي بما لا مزيد عليه في فصل لاحق؛ في حين أن غلاة المعظمين لـ(العزي) من قريش يجعلونها هي الأم، في حين أن (اللات) و(مناة) ابنتيها:

* فقد جاء عن (العزى) في كتاب الأصنام لأبي المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي - (1/2): [وكان الذي اتخذ العزى ظالم بن أسعد. كانت بوادٍ من نخلة الشآمية، يقال له حراض، بإزاء الغمير، عن يمين المصعد إلى العراق من مكة. وذلك فوق ذات عرقٍ إلى البستان بتسعة أميال. فبنى عليها بساً، يريد بيتا. وكانوا يسمعون فيه الصوت. وكانت العرب وقريش تسمى بها عبد العزى. وكانت أعظم الأصنام عند قريش. وكانوا يزورونها ويهدون لها ويتقربون عندها بالذبح]؛

 

* وجاء في كتاب الأصنام لأبي المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي - (1/2): [وكانت قريش تخصها بالإعظام. فلذلك يقول زيد بن عمرو بن نفيل: وكان قد تأله في الجاهلية وترك عبادتها وعبادة غيرها من الأصنام:

تركت اللات والعزى جميعاً *** كذلك يفعل الجلد الصبور.

فلا العزى أدين ولا ابنتيها *** ولا صنمي بني غنمٍ أزور.

ولا هبلاً أزور وكان رباً *** لنا في الدهر إذ حلمي صغير

وكان سدنة العزى بنو شيبان بن جابر بن مرة بن عبس بن رفاعة بن الحارث ابن عتيبة بن سليم بن منصور من بني سليم. وكان آخر من سدنها منهم دبية ابن حرمى السلمي. ..إلخ]؛ انتهى كلام أبي المنذر.

 

والظاهر أن قريشاً قد وعت الدرس فلقنت عامتهم الإجابة التي وردت في رواية مجاهد: (بَنَاتُ سَرَوَاتِ الْجِنِّ)، بدون تحديد لاسم معين في محاولة يائسة للخروج من الورطة القبيحة.

 

وأما النص الذي تجده في فتح القدير للشوكاني - (6/407): [وقد أخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن عثمان المخزومي أن قريشاً قالت: قيضوا لكل رجل من أصحاب محمد رجلاً يأخذه، فقيضوا لأبي بكر طلحة بن عبيد الله، فأتاه، وهو في القوم، فقال أبو بكر: إلاّم تدعوني؟ قال: أدعوك إلى عبادة اللات، والعزّى. قال أبو بكر: وما اللات؟ قال: أولاد الله. قال: وما العزّى. قال: بنات الله. قال أبو بكر: فمن أمهم؟ فسكت طلحة، فلم يجبه، فقال لأصحابه: أجيبوا الرجل، فسكت القوم، فقال طلحة: قم يا أبا بكر أشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله، فأنزل الله: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرحمن﴾ الآية] ففيه خطأ فاحش في قولهم عن (اللات): (أولاد الله)، أو (من أولاد الله)، ولم نجده في مرجع أقدم من فتح القدير للشوكاني: فأرجو الله أن لا يكون هذا تحريفاً متعمداً لجعل (اللات) مذكراً، ولو بالكذب والمراوغة، عياذاً بالله! ثم طار بهذا الإفك بعض رجالات الفرقة الوهابية، كما هو مثلاً في الأنوار الساطعات لعبد العزيز السلمان - (2/481)، وأيضاً في إعراب القرآن وبيانه لمحيي الدين بن أحمد مصطفى درويش (المتوفى: 1403هـ) - (9/86).

 

واغتر به حتى خصوم الفرقة الوهابية الألداء من الشيعة الاثني عشرية فنجد في كتاب (الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني) - (25/5): [نعم: يظهر من الخبر الذي رواه ابن أبي حاتم عن محمد بن عثمان المخزومي أنهم اعتقدوا بذكورة بعضها، قال: (إن قريشا قيضوا لكل رجل من أصحاب محمد رجلا يأخذه، فقيضوا لأبي بكر طلحة بن عبيد الله، فأتاه وهو في القوم، فقال أبو بكر: إلام تدعوني؟ قال: ادعوك إلى عبادة اللات والعزى، قال أبو بكر: وما اللات؟ قال: أولاد الله، قال: وما العزى، قال: بنات الله... "، ويؤيد ذلك قوله تعالى (وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ) الأنعام/100]، كذا نقلاً عن فتح القدير للشوكاني!

 

ولاحظ أيضاًن بكل دقة، واقبض عليه بيد من حديد، أن (العزى) عند قريش من جنس (الجن)، بل هي من (سروات الجن)، وهي (صاحبة الله)، تعالى وتقدس، وأن (اللات) و(مناة) بناتها من جنس (الملائكة)، وأنهن (بنات الله)؛ وهي، أي ، في نفس الوقت: (صنم)، بل (كانت أعظم الأصنام عند قريش)، كما هو نصاً عند أبي المنذر هشام بن محمد الكلبي.

 

فصل: قول الله، جل جلاله: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا﴾

* جاء في «فتح الباري شرح صحيح البخاري»: [... قال أبو عبيدة في قوله تعالى ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا﴾: (الا الموات حجراً أو مدراً أو ما أشبه ذلك والمراد بالموات ضد الحيوان)، وقال غيره: (قيل لها إناث لأنهم سموها مناة واللات والعزى وإساف ونائلة ونحو ذلك)، وعن الحسن البصري: لم يكن حي من أحياء العرب الا ولهم صنم يعبدونه يسمى أنثى بني فلان! وسيأتي في الصافات حكاية عنهم أنهم كانوا يقولون الملائكة بنات الله، تعالى الله عن ذلك، وفي رواية عبد الله بن أحمد في مسند أبيه عن أبي بن كعب في هذه الآية قال: (مع كل صنم جنية)، ورواته ثقات].

 

* وجاء في (تفسير ابن أبي حاتم) في قَوْلهِ، تَعَالَى: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا﴾، (4/1067/5970): [حَدَّثَنَا أَبِي، حدثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، أَنْبَأَ الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، أَنْبَأَ الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا﴾، قال: (مَعَ كُلِّ صَنَمٍ جِنِّيَّةٌ)؛ وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ، نَحْوُ ذَلِكَ]؛ قلت: هذا إسناد قوي صحيح، رجاله ثقات مشاهير أخرج لهم الشيخان والجمهور، إلا الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، فهو (صدوق له أوهام) إذا سلمنا بتصنيف الحافظ، والصحيح أنه ثقة صدوق، وإنما وقعت عنده مناكير وروايات مضطربة فقط من رواية أبي جعفر الرازي عنه، وليست هذه منها، وبذلك جزم الإمام أبو حاتم بن حبان في مشاهير الأمصار (ج1/ص126/ت987)، فقال: [الربيع بن أنس بن زياد البكري سكن مرو سمع أنس بن مالك وكان راوية لأبى العالية وكل ما في أخباره من المناكير إنما هي من جهة أبى جعفر الرازي]؛ وقد أخرج له أحمد، والدارمي، والترمذي وابن ماجه؛

ــ وهو في زوائد مسند أحمد [ط الرسالة (35/154/21231): [حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، حَدَّثَنَا هَدِيَّةُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَا: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا حُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾، قَالَ: (مَعَ كُلِّ صَنَمٍ جِنِّيَّةٌ)]؛ وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده حسن)؛ قلت: بل هو خير من ذلك: قوي يحتج به؛ وهو في الأحاديث المختارة [المستخرج من الأحاديث المختارة مما لم يخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما (3/362/1157)]: [أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْمُبَارَكُ بْنُ أَبِي الْمَعَالِي بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ مِنْ بَغْدَادَ قُلْتُ لَهُ أَخْبَرَكُمْ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحُصَيْنِ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنْتَ تَسْمَعُ أَخبرنا الْحَسَنُ بْنُ الْمَذْهَب أَخبرنا أَبُو بكر الْقطيعِي حدثنا عبد الله بن أَحْمد حَدثنِي هَدِيَّة بن عبد الْوَهَّاب به]؛

ــ وجاء بعينه، بدون إسناد، في زاد المسير في علم التفسير (1/473): [وقال أبيُّ بن كعب: مع كل صنم جنيّة]؛

 

* وجاء نحوه، بدون إسناد، في زاد المسير في علم التفسير (1/473) عن ابن عباس: [قال ابن عباس: (في كل صنم شيطان يتراءى للسدنة فيكلمهم)]؛

ــ وكذا ذكره ابن تيمية في النبوات (2/1020): [وقال ابن عباس: (في كل صنم شيطان، يتراءى للسدنة فتكلمهم)]، وفي مجموع الفتاوى (27/360): [قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي كُلِّ صَنَمٍ شَيْطَانٌ يَتَرَاءَى لِلسَّدَنَةِ وَيُكَلِّمُهُمْ. وَقَالَ أبي بْنُ كَعْبٍ: مَعَ كُلِّ صَنَمٍ جِنِّيَّةٌ]، وفي مواضع كثيرة غيرها؛

ــ وهو بدون إسناد في تفسير البغوي [لمحيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: 510هـ) - إحياء التراث (1/702)]: [قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً، نَزَلَتْ فِي أَهْلِ مَكَّةَ، أَيْ: مَا يَعْبُدُونَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي [غَافِرٍ: 60] أَيْ: اعْبُدُونِي، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي [غَافِرٍ: 60]، قَوْلُهُ: مِنْ دُونِهِ أَيْ: مِنْ دُونِ اللَّهِ، إِلَّا إِناثاً أَرَادَ بِالْإِنَاثِ الْأَوْثَانَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَهَا بَاسِمِ الْإِنَاثِ، فَيَقُولُونَ: اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ، وَكَانُوا يَقُولُونَ لِصَنَمِ كُلِّ قَبِيلَةٍ: أُنْثَى بَنِي فُلَانٍ فَكَانَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ شَيْطَانٌ يَتَرَاءَى لِلسَّدَنَةِ وَالْكَهَنَةَ ويكلمهم

ــ وأيضاً في مختصر تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل (1/185): [وَلِكُلِّ صَنَمٍ شَيْطَانٌ، يُعَبِّرُ عَنْهُ، فَيَغْتَرُّ بِهِ النَّاسُ]

ــ وأيضاً في تفسير الرازي [مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (11/221)]: [قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: كَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَوْثَانِ شَيْطَانٌ يَتَرَاءَى لِلسَّدَنَةِ يُكَلِّمُهُمْ]

 

* وجاء في (تفسير ابن أبي حاتم) في تفسبر قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا﴾، (4/358/6009): [حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حدثنا أَبِي حَمَّادٌ، حدثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا﴾، قال: (لَيْسَ مِنْ صَنَمٍ إِلا فِيهِ شَيْطَانٌ)].

 

* وجاء في (تفسير ابن أبي حاتم) في تفسبر قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا﴾، (4/358/6007): [حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حدثنا مُوسَى بْنُ هَارُونَ يَعْنِي الدُّولابِيَّ، حدثنا مَرْوَانُ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا﴾، قال الْمُشْرِكُونَ: (إِنَّ الْمَلائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ، وَإِنَّمَا نَعْبُدُهُمْ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، قَالَ: (اتُّخِذُوا أَرْبَابًا؛ وَصُوَرُهُنَّ صُوَرُ الْجَوَارِي فَحَلُّوا وَقَلَّدُوا، وَقَالُوا: هَؤُلاءِ يُشْبِهْنَ بَنَاتِ اللَّهِ الَّذِينَ نَعْبُدُهُمْ، يَعْنُونَ الْمَلائِكَةَ)].

 

* وجاء في (تفسير الطبري)، (9/207 ــ 211): [القول في تأويل قوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا﴾؛ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. فقال بعضهم: معنى ذلك: إن يدعون من دونه إلا اللات والعزى وَمناة، فسماهن الله ﴿إناثًا﴾، بتسمية المشركين إياهنّ بتسمية الإناث. ذكر من قال ذلك:

10430 ــ حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا حصين عن أبي مالك في قوله: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا، قال: اللات والعزى ومناة، كلها مؤنث.

10431 ــ حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن حصين، عن أبي مالك بنحوه؛ إلا أنه قال: كلهنَّ مؤنث.

10432 ــ حدثنا محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن مفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا، يقول: يسمونهم ﴿إناثًا﴾: لاتٌ ومَنَاة وعُزَّى.

10433 ــ حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿إن يدعون من دونه إلا إناثًا﴾، قال: آلهتهم، اللات والعزى ويَسَاف، ونائلة، إناث، يدعونهم من دون الله. وقرأ: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا.

وقال آخرون: معنى ذلك: إن يدعون من دونه إلا مَواتًا لا رُوح فيه؛ ذكر من قال ذلك:

10434 ــ حدثني المثنى قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا﴾، يقول: مَيْتًا.

10435 ــ حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا﴾، أي: إلا ميتًا لا رُوح فيه.

10436 ــ حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا﴾، قال: و﴿الإناث﴾ كل شيء ميت ليس فيه روح، خشبة يابسة أو حجر يابس، قال الله تعالى: ﴿وإن يدعون إلا شيطانًا مريدًا﴾؛ إلى قوله: ﴿فليبتكن آذان الأنعام﴾.

وقال آخرون: عنى بذلك أن المشركين كانوا يقولون: (الملائكة بنات الله)؛ ذكر من قال ذلك:

10437 ــ حدثني يحيى بن أبي طالب قال: أخبرنا يزيد قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا، قال: الملائكة، يزعمون أنهم بنات الله.

وقال آخرون: معنى ذلك: إن أهل الأوثان كانوا يسمون أوثانهم: ﴿إناثًا﴾، فأنزل الله ذلك كذلك؛ ذكر من قال ذلك:

10438 ــ حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هارون، عن نوح بن قيس، عن أبي رجاء، عن الحسن قال: كان لكل حي من أحياء العرب صنم كانوا يعبدونها، يسمونها: (أنثى بني فلان)، فأنزل الله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا﴾.

10439 ــ حدثني المثنى قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا نوح بن قيس قال: حدثنا محمّد بن سيف أبو رجاء الحُدَّاني قال: سمعت الحسن يقول: كان لكل حي من العرب، فذكر نحوه.

وقال آخرون: ﴿الإناث﴾ في هذا الموضع، الأوثان؛ ذكر من قال ذلك:

10440 ــ حدثني محمّد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿إناثًا﴾ قال: أوثانًا.

10441 ــ حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

10442 ــ حدثنا سفيان قال، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: كان في مصحف عائشة: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إلا أَوْثَانًا﴾.

قال أبو جعفر: روي عن ابن عباس أنه كان يقرؤها: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إلا أُثُنًا﴾؛ بمعنى جمع (وثن) فكأنه جمع (وثنا) (وثنا)، ثم قلب الواو همزة مضمومة، كما قيل: (ما أحسن هذه الأجُوه)، بمعنى الوجوه؛ وكما قيل: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾، [سورة المرسلات: 11]، بمعنى: وُقِّتت.

وذكر عن بعضهم أنه كان يقرأ ذلك: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إلا أُنُثًا﴾؛ كأنه أراد جمع (الإناث) فجمعها (أنثا)، كما تجمع (الثمار) (ثُمُرًا).

قال أبو جعفر: والقراءة التي لا نستجيز القراءة بغيرها، قراءة من قرأ: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا، بمعنى جمع (أنثى)، لأنها كذلك في مصاحف المسلمين، ولإجماع الحجة على قراءة ذلك كذلك. قال أبو جعفر: وأولى التأويلات التي ذكرت بتأويل ذلك، إذ كان الصواب عندنا من القراءة ما وصفت، تأويل من قال: عنى بذلك الآلهة التي كان مشركو العرب يعبدونها من دون الله ويسمونها الإناث من الأسماء، كاللات والعُزَّى ونائلة ومناة، وما أشبه ذلك. وإنما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية، لأن الأظهر من معاني (الإناث) في كلام العرب، ما عُرِّف بالتأنيث دون غيره. فإذ كان ذلك كذلك، فالواجب توجيه تأويله إلى الأشهر من معانيه]؛ انتهى كلام الإمام الطبري، وقد استوعب، أو كاد، وأحسن وأجاد. لاحظ أيضا فطنته ودقته، رحمه الله، عندما عدَّد فقال: (كاللات والعُزَّى ونائلة ومناة)، فلم يخطيء كما فعل ابن زيد عنما قال: (آلهتهم، اللات والعزى ويَسَاف، ونائلة، إناث، يدعونهم من دون الله) فأقحم (يساف) أو (أساف) بينها، وهو قطعاً ذكر، وليس بأنثى!

 

* وعُدِّدَت الأقوال المختلفة، باختصار، مع ذكر أغلب مراجعها، بدون إسناد، في [(الدر المنثور) ــ (3/248)]: [أخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند وابن المنذر وابن أبي حاتم والضياء في المختارة عن أبي بن كعب ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا قال: مع كل صنم جنية. وأخرج عبد وابن جرير وابن المنذر عن أبي مالك في قوله ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا قال: اللات والعزى ومنات، كلها مؤنث. وأخرج ابن جرير عن السدي ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا يقول: يسمونهم إناثاً: لات ومنات وعزى.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا قال: موتى. وأخرج عبد بن حُمَيْد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: الإناث، كل شيء ميت ليس فيه روح، مثل الخشبة اليابسة، ومثل الحجر اليابس. وأخرج عبد بن حُمَيْد وابن جرير عن قتادة قال ﴿إلا إناثاً﴾ قال: ميتاً لا روح فيه.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن الحسن قال: كان لكل حي من أحياء العرب صنم يعبدونها يسمونها انثى بني فلان، فأنزل الله ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا قال المشركون: (إن الملائكة بنات الله، وإنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى). قال: (اتخذوا أرباباً وصوروهن صور الجواري، فحلَّوا وقلَّدوا وقالوا: هؤلاء يشبهن بنات الله الذي نعبده، يعنون الملائكة).

وأخرج عبد بن حُمَيْد عن الكلبي أن ابن عباس كان يقرأ هذا الحرف «إن يدعون من دونه إلا أنثى وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً» قال: مع كل صنم شيطانة.

وأخرج عبد بن حُمَيْد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله ﴿إلا إناثاً﴾ قال: إلا أوثاناً. وأخرج أبو عبيد في فضائل القرآن وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف عن عائشة أنها كانت تقرأ «إن يدعون من دونه إلا أوثاناً» ولفظ ابن جرير كان في مصحف عائشة ﴿إن يدعون من دونه إلا أوثاناً﴾. وأخرج الخطيب في تاريخه عن عائشة قالت: قرأ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، «إن يدعون من دونه إلا أنثى»]، كذا نصاً من (الدر المنثور).

 

* وجاء في (تفسير ابن كثير)، (2/414)؛ عند تفسير قوله، جل وعلا: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا﴾: [قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمود بن غَيْلان، أنبأنا الفضل بن موسى، أخبرنا الحسين بن واقد، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا﴾ قال: مع كل صنم جنيَّة.

ــ وحدثنا أبي، حدثنا محمد بن سلمة الباهلي، عن عبد العزيز بن محمد، عن هشام ــ يعني ابن عروة ــ عن أبيه عن عائشة: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا﴾ قالت: أوثانا.

 ــ وروى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وعروة بن الزبير، ومجاهد، وأبي مالك، والسدي، ومقاتل بن حيان نحو ذلك.

ــ وقال جُوَيْبر عن الضحاك في قوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا﴾ قال المشركون: إن الملائكة بنات الله، وإنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، قال: اتخذوها أربابا وصوروهن صور الجواري، فحلوا، وقلدوا، وقالوا: هؤلاء يُشْبهن بنات الله الذي نعبده، يعنون الملائكة.

وهذا التفسير شبيه بقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى. ومَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى. أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأنْثَى. تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى. إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: 19 ــ 23]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا؛ أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: 19]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ. سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: 158، 159]. وقال علي بن أبي طلحة والضحاك، عن ابن عباس: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا﴾ قال: يعني موتى. وقال مبارك ــ يعني ابن فَضَالة ــ عن الحسن: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا﴾ قال الحسن: الإناث كل شيء ميت ليس فيه روح، إما خشبة يابسة وإما حجر يابس. ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير، وهو غريب]، كذا بأحرفه من (تفسير ابن كثير).

قلت: قول الإمام ابن كثير: (غريب) تعقيباً على تفسير (الإناث) بالموات، أي: (كل شيء ميت ليس فيه روح) إنما هو من عظيم أدبه، وعفة لسانه؛ وإلا فحق مثل هذا القول بأن يوصف بأنه (باطل منكر شنيع) لا يعرف له مستند من كتاب الله، أو سنة رسول الله، أو كلام العرب الفصحاء، أو قول صاحب، أو شهادة حس، أو رواية تاريخ، أو نتاج نظر سليم!

 

والخلاصة أن الحق، الذي يجب القطع به، وأن يضرب عرض الحائط بما سواه، هو:

أولاً: ما قاله الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: (والقراءة التي لا نستجيز القراءة بغيرها، قراءة من قرأ: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا﴾، بمعنى جمع (أنثى)، لأنها كذلك في مصاحف المسلمين، ولإجماع الحجة على قراءة ذلك كذلك

 

وثانياً: أن المقصود بلفظة ﴿إِنَاثًا﴾ في الآية الكريمة هو: (الآلهة التي كان مشركو العرب يعبدونها من دون الله ويسمونها الإناث من الأسماء، كاللات والعُزَّى ونائلة ومناة، وما أشبه ذلك)، وذلك: (لأن الأظهر من معاني (الإناث) في كلام العرب، ما عُرِّف بالتأنيث دون غيره. فإذ كان ذلك كذلك، فالواجب توجيه تأويله إلى الأشهر من معانيه) كما قاله الإمام أبو جعفر.

 

فصل: مَعَ كُلِّ صَنَمٍ جِنِّيَّةٌ (أو: شيطانة)

أما ما ذكر من قولهم: (مَعَ كُلِّ صَنَمٍ جِنِّيَّةٌ) أو (فِي كُلِّ صَنَمٍ شَيْطَانٌ يَتَرَاءَى لِلسَّدَنَةِ وَيُكَلِّمُهُمْ) أو (مع كل صنم شيطانة) في تأويل قوله، جل جلاله: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا﴾، فهو زيادة تفصيل لا يدل عليه أو يوجبه سياق الآية أصلاً، فلا بد أن يكون له أصل تاريخي من معتقدات العرب كما يظهر مما سبق:

 * حيث جاء في (تفسير ابن أبي حاتم) في قَوْلهِ، تَعَالَى: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا﴾، (4/1067/5970): [حَدَّثَنَا أَبِي، حدثنا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلانَ، أَنْبَأَ الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، أَنْبَأَ الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا﴾، قال: (مَعَ كُلِّ صَنَمٍ جِنِّيَّةٌ)؛ وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ، نَحْوُ ذَلِكَ]؛ وقلنا: هذا إسناد قوي صحيح، تقوم به الحجة؛

ــ وهو في زوائد مسند أحمد [ط الرسالة (35/154/21231): [حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، حَدَّثَنَا هَدِيَّةُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَمَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، قَالَا: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا حُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾، قَالَ: (مَعَ كُلِّ صَنَمٍ جِنِّيَّةٌ)]؛

ــ وهو في الأحاديث المختارة [المستخرج من الأحاديث المختارة مما لم يخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما (3/362/1157)]: [أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْمُبَارَكُ بْنُ أَبِي الْمَعَالِي بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ مِنْ بَغْدَادَ قُلْتُ لَهُ أَخْبَرَكُمْ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحُصَيْنِ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنْتَ تَسْمَعُ أَخبرنا الْحَسَنُ بْنُ الْمَذْهَب أَخبرنا أَبُو بكر الْقطيعِي حدثنا عبد الله بن أَحْمد حَدثنِي هَدِيَّة بن عبد الْوَهَّاب به]؛

ــ وهو بدون إسناد في زاد المسير في علم التفسير (1/473): [قال ابن عباس: في كل صنم شيطان يتراءى للسدنة فيكلمهم. وقال أبيُّ بن كعب: مع كل صنم جنيّة]؛

ــ وهو بدون إسناد في تفسير البغوي [لمحيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: 510هـ) - إحياء التراث (1/702)]: [قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً، نَزَلَتْ فِي أَهْلِ مَكَّةَ، أَيْ: مَا يَعْبُدُونَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي [غَافِرٍ: 60] أَيْ: اعْبُدُونِي، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي [غَافِرٍ: 60]، قَوْلُهُ: مِنْ دُونِهِ أَيْ: مِنْ دُونِ اللَّهِ، إِلَّا إِناثاً أَرَادَ بِالْإِنَاثِ الْأَوْثَانَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَهَا بَاسِمِ الْإِنَاثِ، فَيَقُولُونَ: اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ، وَكَانُوا يَقُولُونَ لِصَنَمِ كُلِّ قَبِيلَةٍ: أُنْثَى بَنِي فُلَانٍ فَكَانَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ شَيْطَانٌ يَتَرَاءَى لِلسَّدَنَةِ وَالْكَهَنَةَ ويكلمهم]؛

ــ وأيضاً في مختصر تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل (1/185): [وَلِكُلِّ صَنَمٍ شَيْطَانٌ، يُعَبِّرُ عَنْهُ، فَيَغْتَرُّ بِهِ النَّاسُ]؛

ــ وأيضاً في تفسير الرازي [مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (11/221)]: [قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: كَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَوْثَانِ شَيْطَانٌ يَتَرَاءَى لِلسَّدَنَةِ يُكَلِّمُهُمْ]؛

ــ وكذا ذكره ابن تيمية في النبوات (2/1020): [وقال ابن عباس: (في كل صنم شيطان، تتراءى للسدنة فتكلمهم)]، وفي مجموع الفتاوى (27/360): [قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي كُلِّ صَنَمٍ شَيْطَانٌ يَتَرَاءَى لِلسَّدَنَةِ وَيُكَلِّمُهُمْ. وَقَالَ أبي بْنُ كَعْبٍ: مَعَ كُلِّ صَنَمٍ جِنِّيَّةٌ]، وفي مواضع كثيرة غيرها؛

 

* وجاء في (تفسير ابن أبي حاتم) في تفسبر قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا﴾، (4/358/6009): [حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حدثنا أَبِي حَمَّادٌ، حدثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلا شَيْطَانًا﴾، قال: (لَيْسَ مِنْ صَنَمٍ إِلا فِيهِ شَيْطَانٌ)].

 

ويكان أن يكون هذا أمراً مسلما عند جميع أهل التواريخ، فقد قال زكريا بن محمد بن محمود القزويني (المتوفى: 682هـ) في آثار البلاد وأخبار العباد:

* حيث جاء في آثار البلاد وأخبار العباد (ص: 98): [بها (يعني: الطائف) حجر اللات تحت منارة مسجدها، وهو صخرة كان في قديم الزمان يجلس عليه رجل يلت السويق للحجيج، فلما مات قال عمرو بن لحي: إنه لم يمت لكن دخل في هذه الصخرة! وأمر قومه بعبادة تلك الصخرة، وكان في اللات والعزى شيطانان يكلمان الناس، فاتخذت ثقيف اللات طاغوتاً وبنت لها بيتاً وعظمته وطافت به، وهي صخرة بيضاء مربعة، فلما أسلمت ثقيف بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أبا سفيان بن حرب ومغيرة بن شعبة فهدماه، والحجر اليوم تحت منارة مسجد الطائف]؛

فإذا أضفنا إلى ذلك الدلالة المستنبطة من مجموع الروايات التالية:

* حيث أخرج الإمام النسائي في سننه الكبرى (ج6/ص474/ح11547): [أخبرنا علي بن المنذر قال: حدثنا بن فضيل قال: حدثنا الوليد بن جميع عن أبي الطفيل قال: لما فتح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة، وكانت بها العزى، فأتاها خالد، وكانت على ثلاث سمرات، فقطع السمرات وهدم البيت الذي كان عليها ثم أتى النبي، صلى الله عليه وسلم، فأخبره فقال: (ارجع فإنك لم تصنع شيئا)، فرجع خالد فلما أبصرت به السدنة وهم حجبتها أمعنوا في الجبل وهم يقولون يا عزى، فأتاها خالد فإذا هي امرأة عريانة ناشرة شعرها تحتفن التراب على رأسها فعممها بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فأخبره فقال: (تلك العزى)]؛ وأخرجه أبو يعلى في مسنده (ج2/ص197/ح902): [حدثنا أبو كُرَيْب حدثنا محمد بن فضيل بعينه]. وقد أعلَّه بعضهم بالوليد بن عبد الله بن جميع، وإن روى له مسلم، ووثقه غير واحد، فقد قال الحاكم: (لو لم يذكره مسلم في صحيحه لكان أولى)، وقال ابن حبان: فحش تفرده، فبطل الاحتجاج به؛ وقال العقيلي: في حديثه اضطراب، فالرجل قد لا يكون حجة قاطعة، ولكنه قد توبع، كما سيأتي.

 

* فقد جاء نحو هذا في (مغازي الواقدي) ــ (1/873) من طريق مستقلة، تمام الاستقلال، إلا أنها مرسلة: [شَأْنُ هَدْمِ الْعُزّى: قَالَ حَدّثَنِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو الْهُذَلِيّ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، مَكّةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِعَشْرِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ، فَبَثّ السّرَايَا فِي كُلّ وَجْهٍ أَمَرَهُمْ أَنْ يُغِيرُوا عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْإِسْلَامِ. فَخَرَجَ هِشَامُ بْنُ الْعَاصِ فِي مِائَتَيْنِ قِبَلَ يَلَمْلَمَ، وَخَرَجَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ فِي ثَلَثِمِائَةٍ قِبَلَ عُرَنَةَ. وَبَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إلَى الْعُزّى يَهْدِمُهَا، فَخَرَجَ خَالِدٌ فِي ثَلَاثِينَ فَارِسًا مِنْ أَصْحَابِهِ حَتّى انْتَهَى إلَيْهَا وَهَدَمَهَا. ثُمّ رَجَعَ إلَى النّبِيّ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: هَدَمْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم: (هَلْ رَأَيْت شَيْئًا مَا؟) قَالَ: لَا. قَالَ: (فَإِنّك لَمْ تَهْدِمْهَا، فَارْجِعْ إلَيْهَا فَاهْدِمْهَا). فَرَجَعَ خَالِدٌ وَهُوَ مُتَغَيّظٌ، فَلَمّا انْتَهَى إلَيْهَا جَرّدَ سَيْفَهُ فَخَرَجَتْ إلَيْهِ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ عُرْيَانَةٌ نَاشِرَةُ الرّأْسِ فَجَعَلَ السّادِنُ يَصِيحُ بِهَا. قَالَ خَالِد:ٌ (وَأَخَذَنِي اقْشِعْرَارٌ فِي ظَهْرِي)، فَجَعَلَ يَصِيحُ:

أَيَا عُزّ شُدّي شَدّةً لَا تُكَذّبِي *** عَلَى خَالِدٍ أَلْقِي الْقِنَاعَ وَشَمّرِي

أَيَا عُزّ إنْ لَمْ تَقْتُلِي الْمَرْءَ خَالِدًا *** فَبُوئِي بِذَنْبٍ عَاجِلٍ أَوْ تَنَصّرِي

قَالَ: وَأَقْبَلَ خَالِدٌ بِالسّيْفِ إلَيْهَا وَهُوَ يَقُولُ:

يَا عُزّ كُفْرَانَك لَا سُبْحَانَك *** إنّي وَجَدْت اللّهَ قَدْ أَهَانَك

قَالَ: فَضَرَبَهَا بِالسّيْفِ فَجَزّلَهَا بِاثْنَيْنِ ثُمّ رَجَعَ إلَى رَسُولِ اللّهِ فَأَخْبَرهُ، فَقَالَ: (نَعَمْ تِلْكَ الْعُزّى وَقَدْ يَئِسَتْ أَنْ تُعْبَدَ بِبِلَادِكُمْ أَبَدًا). ثُمّ قَالَ خَالِدٌ: (أَيْ رَسُولَ اللّهِ، الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَكْرَمَنَا وَأَنْقَذَنَا مِنْ الْهَلَكَةِ، إنّي كُنْت أَرَى أَبِي يَأْتِي إلَى الْعُزّى بِحِتْرهِ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ فَيَذْبَحُهَا لِلْعُزّى، وَيُقِيمُ عِنْدَهَا ثَلَاثًا ثُمّ يَنْصَرِفُ إلَيْنَا مَسْرُورًا، فَنَظَرْت إلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ أَبِي، وَذَلِكَ الرّأْيُ الّذِي كَانَ يُعَاشُ فِي فَضْلِهِ كَيْفَ خُدِعَ حَتّى صَارَ يَذْبَحُ لِحَجَرٍ لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يَضُرّ وَلَا يَنْفَعُ). فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم: (إنّ هَذَا الْأَمْرَ إلَى اللّهِ فَمَنْ يَسّرهُ لِلْهُدَى تَيَسّرَ وَمَنْ يَسّرهُ لِلضّلَالَةِ كَانَ فِيهَا)]؛ وذكره ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (2/110 ــ 111) بدون إسناد؛ والظاهر أنه من طريق شيخه الواقدي؛ وهو في (أخبار مكة للأزرقي) ــ (1/175/146) من طريق الواقدي: [حدثني جدي، عن محمد بن إدريس، عن الواقدي، عن عبد الله بن يزيد، عن سعيد بن عمرو الهذلي] فساقه بتمامه.

 

* وجاء في (تاريخ دمشق) ــ (20/231)، من طريق أخرى مستقلة، تمام الاستقلال، إلا أنها مرسلة أيضاً: [أخبرنا أبو محمّد عبد الكريم بن حمزة أخبرنا أبو بكر الخطيب أخبرنا أبو الحسين بن بشران أخبرنا أبو علي بن صفوان أخبرنا أبو بكر بن أبي الدنيا حدثني أبي حدثنا عباد بن العوام عن سفيان بن حسين عن قتادة أن النبي، صلى الله عليه وسلم، بعث خالد بن الوليد إلى العزى وكانت لهوازن وكانت سدنتها بنو سليم فقال: انطلق فإنه يخرج عليك امرأة شديدة السواد طويلة الشعر عظيمة الثديين قصيرة، قال: فقالوا يحرضونها:

يا عز شدي شدة لا شوى لها *** على خالد ألقي الخمار وشمري

فإنك ألا تقتل المرء خالدا *** تبوء بذنب عاجل وتنصري

فشد عليها أبو سليمان خالد فضربها فقتلها وجاء إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا خالد ما صنعت؟ قال: قتلتها، قال: ذهبت العزى فلا عزى بعد اليوم

 

* وجاءت متابعة أخرى في كتاب الأصنام لأبي المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي - (1/2): [(حدثنا العنزي أبو علي، قال: حدثنا علي بن الصباح) قال: أخبرنا أبو المنذر، قال: حدثني أبى عن أبى صالح عن ابن عباس، قال: كانت العزى شيطانةً تأتي ثلاث سمراتٍ ببطن نخلة. فلما افتتح النبي، صلى الله عليه وسلم، مكة، بعث خالد بن الوليد، فقال له: إيت بطن نخلة، فإنك تجد ثلاث سمراتٍ، فاعضد الأولى! فأتاها فعضدها. فلما جاء إليه، عليه السلام، قال: هل رأيت شيئاً؟ قال: لا. قال: فاعضد الثانية! فأتاها فعضدها. ثم أتى النبي، عليه السلام، فقال: هل رأيت شيئا؟ قال: لا. قال: فاعضد الثالثة! فأتاها. فإذا هو بحبشية نافشةٍ شعرها، واضعةٍ يديها على عاتقها، تصرف بأنيابها، وخلفها دبية بن حرمى الشيباني ثم السلمي، وكان سادنها. فلما نظر إلى خالدٍ قال:

أعزاء، شدى شدةً لا تكذبي *** على خالدٍ! ألقى الخمار وشمرى!

فإنك إلا تقتلى اليوم خالداً *** تبوئى بذل عاجلاً وتنصرى.

فقال خالد:

يا عز كفرانك لا سبحانك! *** إنى رأيت الله قد أهانك!

ثم ضربها ففلق رأسها، فإذا هي حممة. ثم عضد الشجرة، وقتل دبية السادن. ثم أتى النبي، صلى الله عليه وسلم، فأخبره. فقال: تلك العزى، ولا عزى بعدها للعرب! أما إنها لن تعبد بعد اليوم!»]؛ وهذا إسناد ساقط، محمّد بن السائب متّهم واه، أبو صالح ليس بالقوي، ولكنه قرن ها هنا بعكرمة.

ــ وأخرج ابن مردويه طرفها كما هو في «تخريج الكشاف» ــ (4/423): [«أن رسول اللّه، صلى الله عليه وسلم، بعث خالد بن الوليد إلى العزى ليهدمها

 

* وجاء عن (العزى) في كتاب الأصنام لأبي المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي - (1/2): [وكان الذي اتخذ العزى ظالم بن أسعد. كانت بوادٍ من نخلة الشآمية، يقال له حراض، بإزاء الغمير، عن يمين المصعد إلى العراق من مكة. وذلك فوق ذات عرقٍ إلى البستان بتسعة أميال. فبنى عليها بساً، يريد بيتا. وكانوا يسمعون فيه الصوت. وكانت العرب وقريش تسمى بها عبد العزى. وكانت أعظم الأصنام عند قريش. وكانوا يزورونها ويهدون لها ويتقربون عندها بالذبح]

 

وهناك قصص وروايات أخرى مناسبة لموضوع هذا الفصل، منها:

* فقد جاءت قصة أخرى غير السابقة في (الطبقات الكبرى لابن سعد) ــ (2/147): [قالوا: بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين فتح مكة سعد بن زيد الأشهلي إلى (مناة)، وكانت بالمشلل للأوس والخزرج وغسان، فلما كان يوم الفتح بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سعد بن زيد الأشهلي يهدمها فخرج في عشرين فارسا حتى انتهى إليها وعليها سادن، فقال السادن: ما تريد؟ قال: هدم مناة! قال: أنت وذاك! فأقبل سعد يمشي إليها وتخرج إليه امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس تدعو بالويل وتضرب صدرها، فقال السادن: مناة دونك بعض غضباتك! ويضربها سعد بن زيد الأشهلي وقتلها ويقبل إلى الصنم معه أصحابه فهدموه ولم يجدوا في خزانتها شيئا وانصرف راجعا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك لست بقين من شهر رمضان]؛ كذا نسبةً إلى أهل الأخبار من غير إسناد.

 

* وجاء في تحرير المقال في موازنة الأعمال وحكم غير المكلفين في العقبى والمآل [لأَبِي طالب وأَبِي المجد عقيل بن عطية بن أبي أحمد جعفر بن محمد بن عطية القضاعي الأندلسيّ الطّرطوشيّ، ثُمّ المَرّاكُشيّ (المتوفى: 608هـ) - (2/473)]: [وذكر وثيمة أيضا عن عثمان قال: حدثني محمد بن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس أن رجلا فيمن مضى كان يقعد على صخرة لثقيف فيبيع السمن للحاج إذا مروا فيلت سويقهم، وكان ذا غنم وسمن فسميت الصخرة اللات فمات، فلما فقده الناس قال عمرو بن لحي: (إن ربكم كان اللات)، فدخل في جوف الصخرة شيطان يكلمهم]

 

* وجاء في تحرير المقال في موازنة الأعمال وحكم غير المكلفين في العقبى والمآل [لأَبِي طالب وأَبِي المجد عقيل بن عطية بن أبي أحمد جعفر بن محمد بن عطية القضاعي الأندلسيّ الطّرطوشيّ، ثُمّ المَرّاكُشيّ (المتوفى: 608هـ) - (2/473)]: [وكانت العزى وهي سمرات ثلاث، وهي على خمس فراسخ من مكة، وكان أول من دعا إلى عبادتها عمرو بن ربيعة والحارث بن كعب فقال لهم عمرو بن ربيعة: إن ربكم اللات يتصيف بالطائف لبَرد الطائف، ويشتُو بالعزى التي بتهامة لحر تهامة، وكان في كل واحد منهما شيطانة. قال عثمان: أخبرني محمد بن السائب أن اللات والعزى ومناة كان في كل واحد منهم شيطانة تتراءى للسدنة، وهم الحجبة، تُكلمهم، قال: وكانت بنو نصر وجشم وسعد بن بكر وهم عَجُزُ هوازن يعبدون العزى]

 

قلت: الأمر بالنسبة لقصة هدم (العزَّى)، وما يسمع في معبدها من (الأصوات)، وما شابه ذلك من الروايات، لا يخرج، بالضرورة العقلية، عن أحد الاحتمالات الثلاثة التالية حصراً:

الاحتمال الأول: أن يكون ذلك قد وقع فعلاً، وقد ظهرت لخالد بن الوليد، رضي الله عنه، (امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ عُرْيَانَةٌ نَاشِرَةُ الرّأْسِ)، فقتلها خالد؛ وتلك المرأة إنما هي: تجسد أو مظهر لكائن شيطاني، هو الذي يسترق السمع من السماوات، ويمكن السدنة من السحر والكهانة، التي اشتهر بها هؤلاء. هذا من الممكنات العقلية، وإن كان خلاف السنن الطبيعية، فيكون حينئذ معجزة وآية لنبينا محمّد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكرامة لأبي سليمان خالد بن الوليد، رضي الله عنه.

 

الاحتمال الثاني: أن يكون ذلك قد وقع فعلاً، وقد ظهرت لخالد بن الوليد، رضي الله عنه، (امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ عُرْيَانَةٌ نَاشِرَةُ الرّأْسِ)، فقتلها خالد؛ وتلك المرأة إنما هي من نساء بني آدم، ولعلها أمة سوداء قوية البنية، شديدة القوة، ثائرة الشعر، جهورية الصوت، ترعب من يراها. هذه المرأة أمة يمتلكها بعض السدنة وهي متواطئة مع سيدها، تسكن قبواً مخفياً، أو كهفاً، أو تجويفاً في داخل الأشجار أو الصخور أو التماثيل الضخمة. هذه المرأة المختبئة هي التي تخاطب عبدة الوثن من داخل الصنم أو الشجرة أو النصب أو الوثن بالتكهنات والتهويلات والتكليفات، فيظن أولئك الحمقى أن (الإلاهة) تكلمهم مجيبة لأسئلتهم أو مطيبة لخواطرهم. هذا لا يستغرب لأن تعاطي سدنة الأوثان للشعوذة، والحيل، والتخييلات لتضليل بسطاء الناس داء عضال، وهو أمر مشهور عند جميع الأمم والشعوب، وعلى مدار كافة الأزمنة: وحسبك أن تسافر إلى الهند اليوم، لترى هذا بنفسك – إذا طوَّلت الإقامة، وأحسنت التدقيق والنظر، وتلطَّفت في معاشرة القوم والتعرف على أحوالهم - عياناً جهاراً، وليس رواية وسماعاً.

 

الاحتمال الثالث: أن لا يكون ذلك قد وقع أصلاً، وإنما انخدع بعض الرواة بأكاذيب الكفار والمنافقين، وأساطير جهلة العوام. وحتى لو كان هذا هو الحال فمن المحال أن تكون تلك القصص اختراعاً محضاً من الرواة أصله خيال وعدم محض، لا يعود أصلاً إلى جذر تاريخي من معتقدات العرب وأساطيرهم.

 

فمهما كان الحال فإن ذلك يدل على أن اعتقاد مشركي العرب كان قطعاً هكذا: أن الأصنام والأنصاب والأشجار والأحجار والمعابد وكافة أصناف الأوثان ما هي إلا أبدان أو مساكن أو مظاهر أو رموز لذلك الكائن غير المادي، أو الفوق-طبيعي (علوياً ملائكياً كان أو سفلياً شيطانياً أو جنياً بين بين): وهو الكائن الإلاهي الذي يعبدونه، أي يعظمونه ويحبونه؛ ويطيعون أمره ونهيه؛ ويرجون خيره ونفعه؛ أو يرهبونه ويخافونه ويتقون شره وبطشه.

 

فصل: هَذَا الْإِلَهُ: (اللَّهُ)، الَّذِي تدعوا إِلَيْهِ، مَا هُوَ: مِنْ ذَهَبٍ هُوَ؟! أَوْ فِضَّةٍ؟!

* جاء في ذم الكلام وأهله (4/97/631): [أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد ابْن الْمُسَيَّبِ أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي سَارَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: (أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، رَجُلًا إِلَى فِرْعَوْنَ مِنْ فَرَاعِنَةِ الْأَرْضِ فَقَالَ اذْهَبْ فَادْعُهُ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ أَعْتَا مِنْ ذَلِكَ قَالَ اذْهَبْ إِلَيْهِ فَادْعُهُ قَالَ فَأَتَاهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَدْعُوكَ قَالَ: (أَرَسُولُ اللَّهِ؟! وَمَا (اللَّهُ)؟! أَمِنْ ذَهَبٍ هُوَ؟! أَمْ مِنْ فِضَّةٍ هُوَ؟! أَمِنْ نُحَاسٍ هُوَ؟!)، فَرَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ أَعْتَا مِنْ ذَلِكَ وَأَخْبَرَ النَّبِيَّ، صلى الله عليه وسلم، بِمَا قال: قال فَارْجِعْ إِلَيْهِ فَادْعُهُ فَرَجَعَ فَأَعَادَ عَلَيْهِ الْمَقَالَةَ الْأُولَى فَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ الْجَوَابِ فَأَتَى النَّبِيَّ، صلى الله عليه وسلم، فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ ارْجِعْ إِلَيْهِ فَادْعُهُ فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَبَيْنَمَا هُمَا كَذَلِكَ إِذْ جَاءَتْ سَحَابَةٌ فَرَعَدَتْ فَنَزَلَتْ صَاعِقَةٌ فَأَذْهَبَتْ بِقِحْفِ رَأْسِهِ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾، (الرعد؛ 13:13)وأخرج أبو يعلى في مسنده (ج6/ص183/ح3468): [حدثنا إسحاق حدثنا علي بن أبي سارة حدثنا ثابت عن أنس بنحوه]؛ وتجده في إتحاف الخيرة المهرة (6/73/5741) منسوباً لأبي يعلى؛ وأخرجه النسائي في سننه الكبرى (ج6/ص371/ح11259): [أخبرنا عمرو بن منصور حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب قال: حدثني علي بن أبي سارة به]؛ وهو في ذم الكلام وأهله (4/97/631): [أَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد ابْن الْمُسَيَّبِ أَخْبَرَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي سَارَةَ بتمامه]؛ والطبراني في معجمه الأوسط (ج3/ص96/ح2602): [حدثنا أبو مسلم قال: حدثنا عبدالله بن عبدالوهاب الحجبي قال: حدثنا علي بن أبي سارة به]، ثم عقَّب الإمام الطبراني قائلاً: (لم يرو هذا الحديث عن ثابت إلا علي بن أبي سارة)، قلت: وهم، رضي الله عنه، في ذلك، وسيأتي فوراً.

 

* فقد جاء في ذم الكلام وأهله (4/96/630) بأتم لفظ، وأنظف نص: [أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ بُشْرَى أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَصْبَهَانِيُّ حَدَّثَنَا بن يَحْيَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزِّبْرِقَانِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ حَدَّثَنَا دَيْلَمُ بْنُ غَزْوَانَ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: (أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، مَرَّةً رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى رَأْسٍ مِنْ رُؤُوس الْمُشْرِكِينَ يَدْعُوهُ إِلَى اللَّهِ فَقَالَ لَهُ الْمُشْرِكُ: (هَذَا الْإِلَهُ: (اللَّهُ)، الَّذِي تدعوا إِلَيْهِ، مَا هُوَ: مِنْ ذَهَبٍ هُوَ؟! أَوْ فِضَّةٍ؟!)، قَالَ فَتَعَاظَمَ فِي صَدْرِهِ فَانْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ بعثتني إِلَى رَجُلٍ سَمِعْتُ مِنْهُ مَقَالَةً إِنَّهُ لَيَتَكَابَدُنِي أَنْ أَقُولَهَا فَقَالَ لَهُ ارْجِعْ إِلَيْهِ فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ فَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا زَادَنِيَ عَلَى مَا قَالَ لِي فَقَالَ ارْجِعْ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ صَاعِقَةً مِنَ السَّمَاءِ فَأَهْلَكَتْهُ وَرَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، لَا يَدْرِي، فَانْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ صَاحِبَكَ بَعْدَكَ فَأَنْزَلَ اللَهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾، (الرعد؛ 13:13)]؛

ــ وهو في الأسماء والصفات للبيهقي (2/37/605): [أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، حدثنا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، حدثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا دَيْلَمُ بْنُ غَزْوَانَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى رَأْسٍ مِنْ رُؤُوسِ الْمُشْرِكِينَ يَدْعُوهُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ لَهُ الْمُشْرِكُ: هَذَا الْإِلَهُ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ مَا هُوَ؟ مِنْ ذَهَبٍ هُوَ أُمْ مِنْ فِضَّةٍ؟ قَالَ: فَتَعَاظَمَ مَقَالَةُ الْمُشْرِكِ فِي صَدْرِ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَانْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَاللَّهِ لَقَدْ بَعَثْتَنِي إِلَى رَجُلٍ سَمِعْتُ مِنْهُ مَقَالَةً لَهُ لَيَتَّكَادُنِي أَنْ أَقُولَهَا، قَالَ لَهُ: «ارْجِعْ إِلَيْهِ». فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا زَادَنِي عَلَى مَا قَالَ لِي. قَالَ: «ارْجِعْ إِلَيْهِ». فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ صَاعِقَةً مِنَ السَّمَاءِ فَأَهْلَكَتْهُ، وَرَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، لَا يَدْرِي، فَانْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَهْلَكَ صَاحِبَكَ بَعْدَكَ». فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقُ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾]؛

ــ وهو في [(كشف الأستار) ــ (ج3/ص54)]: [حدثنا عبدة بن عبد الله، أنبأنا يزِيد بن هَارُون، حدثنا دَيْلَم بن غَزوَان، حدثنا ثَابت، عَن أنس قَالَه بنحوه]، ثم قال البزار: (ديلم بصْري صالح). قلت: بل هو صدوق، صحيح الحديث. وقال الهيثمي في [(مجمع الزوائد) ــ (ج7/ص42)]: [ورجال البزار رجال الصحيح غير ديلم بن غزوان وهو ثقة؛ وفي رجال أبي يعلى والطبراني: علي بن أبي سارة وهو ضعيف]؛ قلت: قد رواه أبو يعلى من الطريقين كما ترى: والحديث صحيح على كل حال؛

ــ والحديث – من طريق أبي غالب ديلم بن غزوان العبدي البصري البراء ــ في [(الأحكام الكبرى) ــ (4/133)] منسوباً إلى البزار بعينه؛ وأخرجه ابن أبي عاصم في [(كتاب السنة) ــ (ج1/ص304)]، فقال: [حدثني محمّد بن أبي بكر المقدمي حدثنا ديلم بن غزوان به]؛ وأخرجه الإمام أبو يعلى (أحمد بن علي بن المثنى) (ج6/ص87/ح3341)، فقال: [حدثنا محمّد بن أبي بكر وغيره قالوا: حدثنا ديلم بن غزوان به].

 

* وجاء في ذم الكلام وأهله (4/105/635): [أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خُزَيْمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْد حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحُمَيْد عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: (جَاءَ يهُودِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ رَبُّكَ أَمِنْ لُؤْلُؤٍ هُوَ قَالَ فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ صَاعِقَةً فَقَتَلَتْهُ وَنَزَلَتْ: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيد الْمحَال﴾]

 

* وجاء في (تفسير ابن كثير) ــ (5/394): [وقال ابن أبي حاتم: (حدثنا عمرو بن سلم البصري، حدثنا عمرو بن المحرم أبو قتادة، حدثنا المعمر، حدثنا أبو كعب المكي قال: قال خبيث من خُبثاء قريش: أخبرنا عن ربكم، من ذهب هو، أو من فضة هو، أو من نحاس هو؟ فقعقعت السماء قعقعة (والقعقعة في كلام العرب: الرعد) فإذا قِحْف رأسه ساقط بين يديه). وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: جاء يهودي فقال: يا محمّد، أخبرنا عن ربك: من أي شيء هو؟ من در أم من ياقوت؟ قال: فجاءت صاعقة فأخذته].

* وكما جاء في (الدر المنثور) ــ (5/492): [وأخرج الحكيم الترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد ــ رضي الله عنه ــ قال: جاء رجل إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: أخبرني عن ربك، من ذهب هو، أم من لؤلؤ، أم ياقوت؟ فجاءه صاعقة فأخذته، فأنزل الله ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية. وأخرج ابن جرير عن علي ــ رضي الله عنه ــ قال: جاء رجل إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمّد حدثني عن إلهك هذا الذي تدعو إليه أياقوت هو؟ أذهب هو؟ أم ما هو؟... فنزلت على السائل صاعقة فأحرقته. فأنزل الله تعالى ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾].

 

فمجموع النصوص آنفة الذكر، على اختلاف جزئياتها، ترجح بقوة أن بعض العرب، كانت لا يتصور إلاها إلا ممثلاً بصنم، لذلك سأل سائلهم: (هَذَا الْإِلَهُ: (اللَّهُ)، الَّذِي تدعوا إِلَيْهِ، مَا هُوَ: مِنْ ذَهَبٍ هُوَ؟! أَوْ فِضَّةٍ؟!)؛ ويزداد هذا تأكيداً بالدراسة المدققة لقصة (ذات أنواط) وستأتي إن شاء الله.

 

وكذلك كان حال بني إسرائيل، أو بعضهم، عندما خرجوا من مصر: لا يتصورون إلاها إلا ممثلاً بصنم، لذلك أرادوا أن يتخذوا صنماً لله تعالى وتقدس، كما سنفصله في فصل قادم، بإذن الله.

 

فصل: ماهية الأوثان والأصنام

حررنا في فصل سابق أن اعتقاد مشركي العرب كان قطعاً هكذا: أن الأصنام والأنصاب والأشجار والأحجار والمعابد وكافة أصناف الأوثان ما هي إلا أبدان أو مساكن أو مظاهر أو رموز لذلك الكائن غير المادي، أو الفوق-طبيعي (علوياً ملائكياً كان أو سفلياً شيطانياً أو جنياً بين بين): وهو الكائن الإلاهي الذي يعبدونه، أي يعظمونه ويحبونه ويطيعون أمره ونهيه، ويرجون خيره ونفعه، أو يرهبونه ويخافونه ويتقون شره وبطشه.

 

فإذا كان الأمر كذلك، وهو كذلك قطعاً، لا محالة، فقد آن الآوان لتحرير ماهية الأصنام والأوثان؛ وسيأتي المزيد من الإيضاح والتأكيد والبرهنة والتفصيل في الفصول الآتية، وكذلك في قصة إبراهيم مع قومه، وستأتي في بابها، إن شاء الله.

 

ولعلنا، أيضاً، نستذكر ها هنا ما سبقت سياقته في فصول سابقة من هذا الباب عامة، وخصوصاً:

* ما جاء في (تفسير ابن أبي حاتم) في تفسبر قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا﴾، (4/358/6007): [حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حدثنا مُوسَى بْنُ هَارُونَ يَعْنِي الدُّولابِيَّ، حدثنا مَرْوَانُ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا إِنَاثًا﴾، قال الْمُشْرِكُونَ: (إِنَّ الْمَلائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ، وَإِنَّمَا نَعْبُدُهُمْ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)، قَالَ: (اتُّخِذُوا أَرْبَابًا؛ وَصُوَرُهُنَّ صُوَرُ الْجَوَارِي فَحَلُّوا وَقَلَّدُوا، وَقَالُوا: هَؤُلاءِ يُشْبِهْنَ بَنَاتِ اللَّهِ الَّذِينَ نَعْبُدُهُمْ، يَعْنُونَ الْمَلائِكَةَ)].

 

* وما قلناه نصاً: [لاحظ أيضاًن بكل دقة، واقبض عليه بيد من حديد، أن (العزى) عند قريش من جنس (الجن)، بل هي من (سروات الجن)، وهي (صاحبة الله)، تعالى وتقدس، وأن (اللات) و(مناة) بناتها من جنس (الملائكة)، وأنهن (بنات الله)؛ وهي، أي ، في نفس الوقت (صنم)، بل (كانت أعظم الأصنام عند قريش)، كما هو نصاً عند أبي المنذر هشام بن محمد الكلبي]

 

وإذا أضفنا إلى ذلك تلخيصاً نقدياً لأقاويل شتى أمم المشركين بدئاً بأبناء عمومة العرب من البابليين والأشوريين الذين نمتلك قدراً لا بأس بحجمه من النصوص المعبرة عن معتقداتهم، وكذلك آثار معابدهم وأصنامهم وأوثانهم؛ ثم لأساطير مشركي اليونان والرومان، وهي مادة ضخمة محفوظة متوفرة بأيدينا، كما تمتلئ متاحف العالم بآثار معابدهم وأصنامهم وأوثانهم، لا سيما أنهم معاصرون – في الجملة - للعرب قبل الإسلام، ومنهم استورد العرب أصنامهم، كما سيأتي في موضعه: فذا فعلنا ذلك بدقة وعناية، واستبعدنا التفاصيل الثانوية، وركزنا الأمور المشتركة الجوهرية: فسنجد لا محالة أن الأوثان تنقسم إلى ثلاثة أصناف رئيسة:

الصنف الأول من الأوثان، وهو أهمها: أصنام (وأوثان خاصة)، وأما (الأصنام): فهي في الغالبية العظمى من الأحوال: تصاوير وتماثيل منحوتة من حجر، أو خشب، أو مسبوكة من معدن، أو غير ذلك، على صورة إنسان، أو حيوان، أو كائن متخيل مركَّب، بعضه إنسان وبعضه حيوان، فيكون الجسد جسد أسد مثلاً، والرأس رأس آدمي، أو الجسد جسد إنسان والرأس رأس نسر مثلاً، أو بعضه من حيوان والبعض من حيوان آخر كالخيول المجنحة؛ فكل صنم تمثال، وليس كل تمثال صنم؛ (وكل صنم وثن، وليس كل وثن صنم).

والأصنام هذه ترتبط عادة – في ذهن الوثني المشرك ــ بالكائن الإلاهي الذي تمثله ارتباطاً متيناً محكماً:

(1)ــ فكأن الكائن الإلاهي متّحد بها، فهما شيء واحد، ذو طبيعة واحدة؛

(2)ــ أو هو مقيم حالُّ فيها بصفة دائمية، فهو بمثابة الروح، والصنم هو البدن أو الجسد؛

(3)ــ وربما أعتقد المشرك فقط أنها صالحة لحلول الكائن الإلاهي، فهو يحل فيها، أي: يسكنها، في بعض الأحايين دون بعض، لا سيما عند ممارسة بعض الطقوس، أو تقديم بعض الشعائر، أو ترتيل بعض الترانيم؛

(4)ــ وربما اعتقد الوثني أنها (عضو) اتصال لا بد منها للاتصال بـ(الكائن الإلاهي)، فهي بمثابة الأذن أو العين للإنسان، فهي بعض البدن، أو عضو من أعضاء البدن؛

(5)ــ أو اعتقد فقط أنها قناة تواصل، أو آلة اتصال ضرورية، لا يمكن التواصل مع الكائن الإلاهي إلا بها، تماماً كجهاز الهاتف أو اللاسلكي للتواصل عبر البحار والقارات بالنسبة لبني الإنسان.

هذا على وجه الإجمال، أما التفصيل فهو متعذر عموما، لأن عقائد عوام المشركين في هذا غامضة مشوشة متناقضة. وهذا الارتباط من المتانة والقوة بحيث لا تجد العامي من المشركين يكاد يفرق بين الكائن الإلاهي وبين الصنم الممثل له، فيقول مثلاً: ﴿نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾، (الشعراء؛ 26: 71)، كما حكى القرآن عن قوم إبراهيم، صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ أو كما حكى القرآن عن بني إسرائيل: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، (لأعراف؛ 7: 138)، فكأن (الصنم) عندهم هو (الإله) بعينه، وهذا مما تلقنوه من عبدة الوثن المصريين، وكذلك كان يفكر السامري: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾، (طـه؛ 20: 88): (يعني أن هذا صنم مناسب لإله موسى وإلهكم، فلا حاجة لموسى أن يذهب إلى الجبل لميقات ربه، ولكنه – أي موسى – نسي هذه الحقيقة، أو غفل عنها، أو أهملها عمداً، فغادركم متوجها إلى الجبل، وكان حقه أن يكون ها هنا معكم).

 

وأما (الوثن الخاص)، أو (الوثن الصنمي): فينشأ من اعتقاد الوثني ــ في بعض الأحوال– في شيء طبيعي: جبل أو كهف أو شجرة أو صخرة ارتباطاً بكائن إلهي من جنس أحد الأنواع الارتباط الخمسة التي سلف تقريرها قريباً (اتحاد ــ حلول دائمي ــ حلول مؤقت – عضو بدن ــ آلة اتصال) فيكتسب ذلك الشيء خصائص ووظائف صنمية، حتى ولو لم يسمَّى صنماً، مع كون ذلك الشيء وثناً بدون شك أو ريب: فهو (وثن خاص)، أي (وثن ذو خصائص صنمية)، ولعلنا نختصر فنسميه: (وثن صنمي). ولعل من ذلك ما قاله الله، تبارك وتعالى، رواية لقول إبراهيم وهو يدعو قومه أوّل الأمر: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا، (العنكبوت؛ 29: 17)، ثم قال كذلك رواية لقول إبراهيم قبيل هجرته بعد أن أنجاه الله من النار: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ، (العنكبوت؛ 25: 29)، ومعلوم أن قوم إبراهيم كانوا يعبدون آلهة، أكثرها أرواح أو عقول أو نفوس كوكبية سماوية، كما ألمح إليه القرآن، وثبت بالنقل التاريخي المتواتر، ودراسة الحفريات والآثار. وهذه الآلهة تمثلها – في الغالبية العظمى من الأحوال ــ أصنام، كما سيأتي في بابه، باعترافهم، وكان أبوه من كبار سدنتها ونُحَّاتِها؛ وربما كان من بينها أوثان ذات خصائص صنمية.

 

ولقد استقر هذا منذ قديم الزمان حتى ساغ أن يقال: (عبد الصنم الفلاني)، أو (عبد الوثن الفلاني)، وهو في حقيقته مجاز واختصار للكلام، بدلاً من قولك: (عبد إلاهاً هو المسمَّى به الصنم أو الوثن الفلاني؛ أو عبد إلاهاً يرمز إليه أو يمثله أو ينوب عنه أو يقوم مقامه الصنم أو الوثن الفلاني)؛ واستخدمه القرآن حكاية عن إبراهيم، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ، (ابراهيم؛ 14: 35). بل بلغ الأمر ببعض المشركين أن عجزوا عن تصور إلاه لا صنم له، أو لا يوجد له تجسد مادي أصلاً، فسأل بعضهم عن الله تبارك وتعالي: (أمن ذهب هو، أمن فضة هو؟!). أما خواص المشركين وحذاقهم وفلاسفتهم فيتبرؤون من هذا ويقولون: (إن الصنم إنما هو رمز للإله، وقِبْلَة لتوجيه الشعائر والدعاء)، بل إن بعضهم يقول: (إن الآلهة ما هي إلا مظاهر ومسميات لإله واحد)، ولكن مقدرة العوام على التفكير المجرد، بزعمهم، محدودة، فالمصلحة الاجتماعية والسياسية تقتضي تركهم وشأنهم.

 

أما كون المعبود حقيقة هو الكائن الإلاهي، علوياً سماوياً أو سفلياً أرضياً، نافعاً خيراً محضاً ملائكياً، أو ضاراً شريراً محضاً شيطانياً، أو جِنِّيَّاً بين بين، فيه خير وشر؛ ذلك الكائن الإلاهي المتّحد أو الحال أو الساكن في الصنم، أو الذي يتم التواصل معه بواسطة الصنم أو الوثن، وليس ذات مادة التمثال أو الصورة وهي من حجر، أو خشب أو ذهب أو غيره من المواد، فهذا هو الذي ينبغي القطع به، بضرورة الحس والعقل، ولا بد: فمن المحال الممتنع أن يدعو إنسان عاقل مادة صماء عمياء ميتة، وهو يعتقد يقيناً أنها كذلك: أي مادة صماء عمياء ميتة فحسب: فلا بد أن يكون هناك – في مخيلة الداعي – شيء آخر وراء ذلك. بل وحتى لو وجدنا أحد نزلاء مصحة عقلية ينغمس في حوار مع حذائه، أو قلمه، لجزمنا بأنه – لخلل في دماغه – يتوهم انه يسمع منه كلاماً، ويدير معه حواراً؛ فالمسكين يعيش في عالم خيالي من صنع دماغه المختل.

 

وحتى الحيوان والطير إنما يهرب من (الفزاعة)، مثلاً، لضعف تمييزه وظنها أنها شخص من بني آدم، الذين يخشى شرهم، ولو أدركت أنها مجرد (خرقة) على صورة آدمي معلقة على خشبة لما اهتمت بها، تماماً كما أن الحيوان والطير لا يبالي – في العادة - بشجرة تتمايل، أو غصن يتحرك في مهب الريح!

 

وقد كاد الإمام الفخر الرازي أن يحرر حقيقة الأصنام في تفسيره العظيم:

* حيث جاء في تفسير الرازي [مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (26/421)]: [الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» قُرِئَ الدِّينُ بِالرَّفْعِ، ثُمَّ قَالَ وَحَقُّ مَنْ رَفَعَهُ أَنْ يَقْرَأَ مُخْلَصًا بِفَتْحِ اللَّامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ [النِّسَاءِ: 146] حَتَّى يُطَابِقَ قَوْلَهُ: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالْخَالِصُ وَالْمُخْلَصُ وَاحِدٌ إِلَّا أَنَّهُ وَصَفَ الدِّينَ بِصِفَةِ صَاحِبِهِ عَلَى الْإِسْنَادِ الْمَجَازِيِّ كَقَوْلِهِمْ شِعْرُ شَاعِرٍ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ رَأْسَ الْعِبَادَاتِ وَرَئِيسَهَا الْإِخْلَاصُ فِي التَّوْحِيدِ أَرْدَفَهُ بِذَمِّ طَرِيقَةِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى﴾: وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ يَقُولُونَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَخَبَرُ الَّذِينَ مَحْذُوفٌ وَهُوَ قَوْلُهُ يَقُولُونَ.

وَاعْلَمْ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى عَائِدٌ عَلَى الْأَشْيَاءِ الَّتِي عُبِدَتْ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَهِيَ قِسْمَانِ الْعُقَلَاءُ وَغَيْرُ الْعُقَلَاءِ، أَمَّا الْعُقَلَاءُ فهو أن قوما عبدوا المسيح وعزيرا وَالْمَلَائِكَةَ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ وَيَعْتَقِدُونَ فِيهَا أَنَّهَا أَحْيَاءٌ عَاقِلَةٌ نَاطِقَةٌ، وَأَمَّا الْأَشْيَاءُ الَّتِي عُبِدَتْ مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مَوْصُوفَةً بِالْحَيَاةِ وَالْعَقْلِ فَهِيَ الْأَصْنَامُ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ الْكَلَامُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْكُفَّارُ لَائِقٌ بِالْعُقَلَاءِ، أَمَّا بِغَيْرِ الْعُقَلَاءِ فَلَا يَلِيقُ، وَبَيَانُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ: أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: مَا نَعْبُدُهُمْ ضَمِيرٌ لِلْعُقَلَاءِ فَلَا يَلِيقُ بِالْأَصْنَامِ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَعْتَقِدَ أُولَئِكَ الكفار في المسيح والعزيز والملائكة أن يشفعوا لهم عند الله، أما يبعد من العاقل أن يعتقد في الأصنام والجمادات أَنَّهَا تُقَرِّبُهُ إِلَى اللَّهِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَمُرَادُهُمْ أَنَّ عِبَادَتَهُمْ لَهَا تُقَرِّبُهُمْ إِلَى اللَّهِ، ويمكن أن يقال: إن العاقل لا يعبد الصَّنَمَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ خَشَبٌ أَوْ حَجَرٌ، وَإِنَّمَا يَعْبُدُونَهُ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهَا تَمَاثِيلُ الْكَوَاكِبِ أَوْ تَمَاثِيلُ الْأَرْوَاحِ السَّمَاوِيَّةِ، أَوْ تَمَاثِيلُ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ الَّذِينَ مَضَوْا، وَيَكُونُ مَقْصُودُهُمْ مِنْ عِبَادَتِهَا تَوْجِيهُ تِلْكَ الْعِبَادَاتِ إِلَى تِلْكَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي جَعَلُوا هَذِهِ التَّمَاثِيلَ صُوَرًا لَهَا. وَحَاصِلُ الْكَلَامِ لِعُبَّادِ الْأَصْنَامِ أَنْ قَالُوا إِنَّ الْإِلَهَ الْأَعْظَمَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَعْبُدَهُ الْبَشَرُ لَكِنَّ اللَّائِقَ بِالْبَشَرِ أَنْ يَشْتَغِلُوا بِعِبَادَةِ الْأَكَابِرِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مِثْلَ الْكَوَاكِبِ وَمِثْلَ الْأَرْوَاحِ السَّمَاوِيَّةِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَشْتَغِلُ بِعِبَادَةِ الْإِلَهِ الْأَكْبَرِ، فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِمْ: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى]، انتهى كلام الرازي نصاً؛

قوله: (إن العاقل لا يعبد الصَّنَمَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ خَشَبٌ أَوْ حَجَرٌ، وَإِنَّمَا يَعْبُدُونَهُ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهَا تَمَاثِيلُ... إلخ) هو عين الصواب، الذي لا شك فيه، وإن كان تفصيل الأشياء الممثل لها تنقصه الدقة، وكان حقه أن يقول: (لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهَا تَمَاثِيلُ لكائنات إلاهية: كالْكَوَاكِبِ أَوْ تَمَاثِيلُ الملائكة، وغيرها من الْأَرْوَاحِ السَّمَاوِيَّةِ المتولدة من الآلهة، أَوْ تَمَاثِيلُ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ الَّذِينَ غلوا فيهم فنسبت لهم خصائص إلاهية؛ أو إله الشر، وما تولد منه من الجن والمردة، ونحو ذلك).

 

ومقصد الإمام الرازي بلفظة: (العاقل) ها هنا إنما هو من لديه الحد الأدنى من العقل بحيث يصلح أن يوجه إليه خطاب التكليف من البشر البالغين، خلافاً للصغير، والمجنون؛ وليس قصده العاقل الراشد المفكر فحسب.

وأما حكايته لكلام عبدة الأصنام: (إِنَّ الْإِلَهَ الْأَعْظَمَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَعْبُدَهُ الْبَشَرُ لَكِنَّ اللَّائِقَ بِالْبَشَرِ أَنْ يَشْتَغِلُوا بِعِبَادَةِ الْأَكَابِرِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مِثْلَ الْكَوَاكِبِ وَمِثْلَ الْأَرْوَاحِ السَّمَاوِيَّةِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَشْتَغِلُ بِعِبَادَةِ الْإِلَهِ الْأَكْبَرِ) فعليه مأخذان:

مأخذ كبير جسيم: زعمه على لسانهم: (ِعِبَادَةِ الْأَكَابِرِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ) متناقض ذاتياً، لأن الأكابر لا يمكن أن يقال عنهم أنهم (يعبدوا) أصلاً إلا إذا سبق ذلك اعتقاد بألوهيتهم: فمن المحال عبادة الأنبياء بوصفهم أنبياء فقط: فالمسيح إنما عبد لأنه كائن إلاهي: فهو – في معتقد عابديه - ابن الله، أو هو الله، أو ثالث ثلاثة؛ وكذلك من المحال عبادة الملائكة بوصفها ملائكة فقط: والملائكة إنما عبدت لأنها كائنات إلاهية: فهي – في معتقد عابديها بنات أو أبناء الله. فكونهم (الْأَكَابِرِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ) هو كذا في حقيقة الأمر، ومعتقد الرازي، ومعتقد سائر أهل الإسلام؛ وليس هو كذلك في معتقد عابديها: فانتبه، واحذر من (خداع البصيرة) الماكر هذا، الذي يجعلك تظن تطابق معتقدك مع معتقد الآخرين لمجرد تطابق الأسماء أو المصطلحات، أو تشابهها!!؛

 

ومأخذ صغير فرعي: أن مسوغ عبادتها ليس هكذا، فقط، كما ذكر: (اللَّائِقَ بِالْبَشَرِ أَنْ يَشْتَغِلُوا بِعِبَادَةِ الْأَكَابِرِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مِثْلَ الْكَوَاكِبِ وَمِثْلَ الْأَرْوَاحِ السَّمَاوِيَّةِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَشْتَغِلُ بِعِبَادَةِ الْإِلَهِ الْأَكْبَرِ) - بل هناك مسوغات أخرى في أذهان المشركين المختلة، منها:

(أ) - أن كبير الآلهة ووالدها يفرح بعبادة ولده، ويثيب عليها، فهي، من حيث هي، وفي نفس الوقت وذاته، عبادة له، وقربى إليه، ولا بد؛

(ب) - أن لأولاد كبير الآلهة عند أبيهم مكانة سامية، وشفاعة لا تحتاج، قطعاً، إلى استئذان (وهي شفاعة من المستبعد جداً أن ترد): فحسب البشر عبادة الأبناء لحصول المقصود؛

(ج) - أن كبير الآلهة ووالدها بعيد متكبر متعالي، لا يتوصل إليه إلا بالوسائط (ولا يستغرب أن يعتقد المشركون أن هذا التعالي والتسامي السمج المزعوم صفة كمال، لا بد من نسبتها إلى الإله الأكبر)؛

(د) - أن كبير الآلهة ووالدها عاجز لا يفعل ولا يخلق إلا بالوسائط، أو لا يعلم ويسمع إلا بالوسائط (ولا يستغرب أن يعتقد المشركون هذه: إما لأنها – بزعمهم - أيضاً صفة كمال، لا بد من نسبتها إلى الإله الأكبر، حتى لا يتلطخ، أو يتدنس بمعالجة شؤون عالم الذنوب والدنس والفساد؛ أو لعجزهم عن تصور حقيقة الخلق من عدم، وضرورة القول بها).

 

وقد اقترب الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي من هذا جداً عند كلامه عن أصنام العرب فقال في آثار الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي اليماني (2/500): [والمقصود أنهم إنما عظَّموا الأصنام على أنها تماثيل أو تذاكر للإناث الوهميَّات التي هي في زعمهم بنات الله عزَّ وجلَّ، وهي عندهم الملائكة، فلم يعتقدوا في الأصنام ذاتها نفعًا ولا ضرًّا، وإنما يعتقدون أنَّ تعظيمها ينفع من حيث هو تعظيم للأشخاص التي جُعِلَتْ تماثيل أو تذاكر لهم]؛

فأقول: هذا كلام جيد، وإنما يعاب عليه عدم تمييزه بين (الصنم) و(التمثال) بدقة وصرامة، وفق المعادلة:

 

(الصنم) = (التمثال) + (علاقة الارتباط المحكم بكائن إلاهي، والنيابة عنه)

 

وعليه فقوله، رحمه الله: (فلم يعتقدوا في الأصنام ذاتها نفعًا ولا ضرًّا) هكذا غير دقيق، والواجب أن يقال: (فلم يعتقدوا في التماثيل ذاتها نفعًا ولا ضرًّا)؛ وكذلك قوله: (وإنما يعتقدون أنَّ تعظيمها (بعني: الأصنام) ينفع من حيث هو تعظيم للأشخاص ...) أيضاً هكذا غير دقيق، والواجب أن يقال: (وإنما يعتقدون أنَّ تعظيمها (بعني: الأصنام) هو بذاته تعظيم للأشخاص ...)؛

 

ولذلك كان قوله ملخصاً لمعتقد المشركين في الأصنام بعيداً عن الدقة كما جاء في آثار الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي اليماني (2/511): [(خلاصة اعتقاد المشركين في الأصنام): أنها تماثيل وتذاكر للملائكة، وقد يكون فيها تمثال أو تذكار لله عزَّ وجلَّ كما تقدَّم، وأنها أنفسها لا تضرُّ ولا تنفع، وإنما هي ذريعة إلى عبادة مَنْ جُعِلَتْ تمثالًا أو تذكارًا له]؛ والأدق أن يقال: [أنها تماثيل وتذاكر للملائكة، وقد يكون فيها تمثال أو تذكار لله عزَّ وجلَّ كما تقدَّم، وأن تماثيلها لا تضرُّ ولا تنفع؛ وعبادتها هي بعينها عبادة مَنْ جُعِلَتْ تمثالًا أو تذكارًا له].

 

الصنف الثاني من الأوثان: أوثان عامة: وهي إما:

(1) - معابد: خصصت للإلهة، لها حجاب وسدنة، وتكون فيها عادة: أصنام وتصاوير، وحولها في العادة: منطقة محظورة بمثابة حرم؛

(2) - أو حرم: وهو مجرد قطعة من الأرض محظورة موقوفة لبعض الآلهة، ولكن لا وجود لمعبد فيها؛

(3) - أو أنصاب: وهي مباني من الحجر، أو منحوتات لغير ذوات الأرواح، أو مذابح مبنية، ومحاريب مشيدة، أو أعمدة منفردة، تستخدم عادة لتقديم الذبائح والقرابين، ونصب الرايات، وربما طرحت عليها الذبائح والقرابين، أو علقت عليها، ليأخذ منها من شاء ما شاء، لذلك قال تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُصُبِ﴾. وتكون عادة في رؤوس التلال، تنحر عندها القرابين، أو على قوارع الطريق، يتمسح بها المارة، وقد يكون النصب مجرد أحجار مرصوصة، أو دكة مشيدة، وقد يكون فيه صنم، أو وثن خاص، وقد لا يكون، ولا بد أن يتميز بهيئة خاصة معلومة؛ أو بنقوش وطلاسم ورموز معينة؛ أو رايات وأعلام مخصوصة؛

(4) - عيد مكاني: وهو قطعة من الأرض لا معبد فيه، تقام فيها الاحتفالات أو تعقد فيها الأسواق والاجتماعات (عادة في أوقات مخصوصة تتكرر وتعود) فهي إذاً مواضع أعياد أهل الشرك، وأسواقهم التي تقام للطواغيت. أما أسواق التجارة والأدب كسوق عكاظ في الجاهلية، فهي ليست أوثاناً لأنها لم تؤسس تعظيماً لشيء من الطواغيت؛ وهكذا بما قد لا ينحصر؛ كل ما سلف أعمال إنشائية من صنع الإنسان؛

(5) - وقد يكون الوثن شيئاً طبيعياً، وليس من صنع الإنسان:

(أ)- صخرة طبيعية: يزعم أن أحد الآلهة جلس عليها، أو ولد عنها، أو سكن جوارها، أو غير ذلك من آثار وأفعال الآلهة، وهذا وثن عام؛ (أما إذا كان اعتقاد المشرك إنما هو أن (الكائن الإلاهي) دخل فيها، أو اتحد بها، فهذا وثن خاص؛ كالصفاة الطويلة المنقوشة بالطائف التي كانت ترمز إلى اللات التي تعبدها ثقيف، وسيأتي الكلام عنها باستفاضة)؛

(ب)- شجرة: يزعم أن أحد الآلهة استظل تحتها، أو ولد تحتها، وما شاكل، كالشجرة التي كانت بنخلة (بين الطائف ومكة) وعليها بناء وأستار وهي تمثل «العزَّى» التي تعظمها قريش. وقد تحاط الصخور والأشجار بحرم، وربما تطورت وكثر روادها فأصبح لها سدنة وحجاب. وكذلك الأشجار والصخور في حرم كل معبد، أو في المناطق المحضورة، لها قدسية ورمزية خاصة؛ وهكذا بما قد لا ينحصر، وكل ذلك وثن عام؛ (أما الشجرة التي هي قناة اتصال تأتي من خلالها (البركة الإلاهية)، كـ(ذات أنواط) التي كانت تعبد من دون الله، فهي وثن خاص، أي: وثن صنمي).

 

الصنف الثالث من الأوثان: أوثان رمزية: وهي التي ليس لها علاقة مباشرة بالآلهة، وإنما هي رمز أو شعار لعقيدة شرك أو كفر. أظهر مثال لذلك:

(الصليب)، لأنه يعظم ويعلق لكونه يرمز لعقيدة كفر وشرك ألا وهي: التضحية بابن الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، لخلاص البشرية من «الخطيئة الموروثة» المزعومة المكذوبة؛ والصليب وثن، ذلك بنص قول رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لعدي بن حاتم الطائي عندما دخل عليه وفي عنقه صليب من ذهب فقال له: «يا عدي، اطرح عنك هذا (الوثن)». و«الصليب» بالقطع لا يعبد، بل يعلق ويعظم فقط؛

و(نار المجوس) التي ترمز إلى إله النور والخير (يَزْدَانْ)؛

و(الرايات) التي ترمز لعقيدة شرك وكفر، كأن يرسم عليها صنم لإله، أو يكتب عليها ثناء أو دعاء وثني، أو تحتوي رمزاً آخر لعقيدة شرك وكفر كالصليب؛

أو (المطرقة والمنجل) التي ترمز إلى المادية الجدلية وهي عقيدة كفر وإلحاد؛

 أو (الصليب المعكوف) الذي يرمز للقومية العنصرية المنتنة، وهي عقيدة كفر أخرى؛

 

أما نار (إله النار) عند الهنادكة في الهند، وهي التي يطاف حولها سبعاً عند عقد النكاح في ملتهم، فهي أكثر من مجرد رمز، بل هي: وثن صنمي يعبد، بالمعنى الذي ذكرناه عند الأصنام والأوثان الصنمية تحت الصنف الأول، توجه إليه الصلوات والشعائر التعبدية لـ(حلول) إله النار فيها أثناء مراسيم عقد النكاح تلك، أو بوصفها نائباً عن (إله النار) بأي معنى من المعاني المعتبرة؛

 

وأما أعلام البلاد والقبائل ووحدات الجيوش فهي في الأصل ليست أوثاناً، إلا إذا كان بها رمز لشرك أو كفر.

 

أما الأعياد، وواحده عيد: ما يعتاد مجيئه وقصده: من مكان وزمان. والعيد مأخوذ من المعاودة، والاعتياد.

فإذا كان اسما للمكان فهو المكان الذى بقصد الاجتماع فيه وانتيابه للعبادة، أو لغيرها، بكيفية متكررة مرتبة، وأسلوب معين مخصوص. والأعياد الوثنية المكانية هي مواضع أعياد أهل الشرك، وأسواقهم الموسمية التي تقام للطواغيت، وهي بذاتها (وثن) رجس، يجب اجتنابه. أما أسواق التجارة والأدب كسوق عكاظ في الجاهلية، فهي ليست أوثاناً لأنها لم تؤسس تعظيماً لشيء من الطواغيت، كما أسلفنا، وقد أخرج الإمام أبو داود في سننه (ج3/ص238/ح3313) بإسناد في غاية الصحة: [حدثنا داود بن رشيد حدثنا شعيب بن إسحاق عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال: حدثني أبو قلابة قال: حدثني ثابت بن الضحاك قال: نذر رجل على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن ينحر إبل ببوانة فأتى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا، قال: هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك بن آدم]؛ وأخرجه الطبراني في معجمه الكبير (ج2/ص76/ح1341)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج10/ص83/ح19926).؛ وبالضد من ذلك فإن المسجد الحرام، ومنى، ومزدلفة، وعرفة، والمشاعر، جعلها الله تعالى عيداً للحنفاء، ومثابة وحرماً آمناً، كما جعل أيام التعبد فيها عيداً.

 

وأما إذا كان اسما للزمان، فواضح، وهو الذي يتبادر إلى الذهن عند سماع لفظة: (عيد)، وقد أخرج أبو داود في سننه (ج2/ص320/ح2419) بإسناد صحيح على شرط مسلم: [حدثنا الحسن بن علي حدثنا وهب حدثنا موسى بن علي (ح) وحدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن موسى بن علي والإخبار في حديث وهب قال: سمعت أبي أنه سمع عقبة بن عامر قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام؛ وهي أيام أكل وشرب)]؛ وأخرجه النسائي في سننه (ج5/ص252/ح3004)؛ وابن حبان في صحيحه (ج8/ص369/ح3603)؛ وابن خزيمة في صحيحه (ج3/ص292/ح2100)؛ والترمذي في سننه (ج3/ص144/ح773)؛ والحاكم في مستدركه (ج1/ص600/ح1586)؛ والنسائي في سننه الكبرى (ج2/ص420/ح3995)، و(ج2/ص463/ح4181(؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج4/ص298/ح8245)؛ وغيرهم.

وكان للمشركين أعياد زمانية ومكانية. فلما جاء الله بالإسلام أبطلها، وعوض الحنفاء منها عيد الفطر، وعيد النحر، وأيام منى، كما عوّضهم عن أعياد المشركين المكانية بالكعبة البيت الحرام، وعرفة، ومنى، والمشاعر.

 

فـ«الوثن»: إذاً هو عموماً كل رمز للشرك أو الكفر من الأصنام، والأنصاب، والأشجار والأحجار، والصلبان، والرايات، ومزارات الطواغيت ومعابدهم، والأعياد، سواءً كان معبوداً (كالأصنام والأوثان الخاصة ذات الصبغة الصنمية) أم لم يعبد، وهو على أي حال رجس يجب اجتنابه، كما قال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ* حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ، (الحج؛ 22: 30 ــ 31).

 

وقد يقول قائل: (فما معنى جملة: «عبدة الصليب»، التي تطلق على النصارى كثيراً؛ وكذلك جملة «عبدة النار»، التي تطلق على الثنوية المجوس كثيراً؟!)، فنقول: أين جاء هذا اللفظ عن الله ورسوله؟! أما ما يستخدمه الناس من الأساليب «الخطابية»، و«الدعائية»، و«التنابز بالألقاب» مع خصومهم فليس من شأننا، ولا هو مما يعنينا، وإنما تعنينا فقط نصوص الوحي، أي نصوص الكتاب والسنّة، لأنهما الوحي المعصوم، فقط لا غير، من غير زيادة ولا نقصان.

 

وربما اعترض القوم بما:

* جاء في دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني (ص: 354/245): [حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ فَرَجٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ الدُّورِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ وَفْدَ نَجْرَانَ مِنَ النَّصَارَى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ مِنْهُمُ السَّيِّدُ وَهُوَ الْكَبِيرُ وَالْعَاقِبُ وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَهُ وَصَاحِبُ رَأْيِهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، لَهُمَا: أَسْلِمَا قَالَا: قَدْ أَسْلَمْنَا قَالَ: مَا أَسْلَمْتُمَا قَالَا: بَلَى قَدْ أَسْلَمْنَا قَبْلَكَ قَالَ: كَذَبْتُمَا مَنَعَكُمَا مِنَ الْإِسْلَامِ ثَلَاثٌ فِيكُمَا: عَبَادَتُكُمَا الصَّلِيبِ وَأَكْلُكُمَا الْخِنْزِيرَ وَزَعْمُكُمَا أَنَّ لِلَّهِ وَلَدًا وَنَزَلَ: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، (آل عمران؛ 3: 59)، فَلَمَّا قَرَأَهَا عَلَيْهِمْ قَالُوا: مَا نَعْرِفُ مَا تَقُولُ وَنَزَلَ: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾، (آل عمران؛ 3: 61)، مِنَ الْقُرْآنِ ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمُ﴾، (آل عمران؛ 3: 61)، الْآيَةَ ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾، (آل عمران؛ 3: 61)، يَقُولُ: نَجْتَهِدُ فِي الدُّعَاءِ أَنَّ الَّذِيَ جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ هُوَ الْحَقُّ هُوَ الْعَدْلُ وَأَنَّ الَّذِي تَقُولُونَ هُوَ الْبَاطِلُ وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَنِي إِنْ لَمْ تَقْبَلُوا هَذَا أَنْ أُبَاهِلَكُمْ قَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ بَلْ نَرْجِعُ فَنَنْظُرُ فِي أَمْرِنَا ثُمَّ نَأْتِيكَ قَالَ: فَخَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ وَتَصَادَقُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ فَقَالَ السَّيِّدُ لِلْعَاقِبِ: قَدْ وَاللَّهِ عَلِمْتُمْ أَنَّ الرَّجُلَ لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَلَئِنْ لَاعَنْتُمُوهُ إِنَّهُ لَاسْتِئْصَالُكُمْ وَمَا لَاعَنَ قَوْمٌ نَبِيًّا قَطُّ فَبَقِيَ كَبِيرُهُمْ وَلَا نَبَتَ صَغِيرُهُمْ فَإِنْ أَنْتُمْ لَمْ تَتَّبِعُوهْ وَأَبَيْتُمْ إِلَّا إِلْفَ دِينِكُمْ فَوَادِعُوهُ وَارْجِعُوا إِلَى بِلَادِكُمْ وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، خَرَجَ بِنَفَرٍ مِنْ أَهْلِهِ فَجَاءَ عَبْدُ الْمَسِيحِ بِابْنِهِ وَابْنِ أَخِيهِ وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَمَعَهُ عَلِيُّ وَفَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: إِنْ أَنَا دَعَوْتُ فَأَمِّنُوا أَنْتُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُلَاعِنُوهُ وَصَالَحُوهُ عَلَى الْجِزْيَةِ فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ نَرْجِعْ إِلَى دِينِنَا وَنَدَعُكَ وَدِينَكَ وَابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِكَ يَقْضِي بَيْنَنَا وَيَكُونُ عِنْدَنَا عَدْلًا فِيمَا بَيْنَنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: ائْتُونِي الْعَشِيَّةَ أَبْعَثْ مَعَكُمُ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ فَنَظَرَ حَتَّى رَأَى أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ فَدَعَاهُ فَقَالَ: اذْهَبْ مَعَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ فَاقْضِ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ]، انتهى؛

فنقول: صحة هذه القصة في مجملها لا تعني صحة كل لفظ أو جزئية من جزئياتها، لا سيما أن هذا الإسناد: (مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ) من أضعف الأسانيد. والأثبت الأصح هو التالي:

* جاء في دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني (ص: 353/244): [حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ الْمَكِّيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْغَلَابِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مِهْرَانَ الْخَصَّافُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: (قَدِمَ عَلَى النبي، صلى الله عليه وسلم، الْعَاقِبُ وَالطَّيِّبُ، فَدَعَاهُمَا إِلَى الْإِسْلَامِ فَقَالَا: أَسْلَمْنَا يَا مُحَمَّدُ قَبْلَكَ، قَالَ: «كَذَبْتُمَا، إِنْ شِئْتُمَا أَخْبَرْتُكُمَا مَا يَمْنَعُكُمَا مِنَ الْإِسْلَامِ» قَالُوا: فَهَاتِ أنْبِئْنَا. قَالَ: «حُبُّ الصَّلِيبِ، وَشُرْبُ الْخَمْرِ، وَأَكْلُ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ» قَالَ جَابِرٌ: فَدَعَاهُمَا إِلَى الْمُلَاعَنَةِ فَوَاعَدَاهُ عَلَى أَنْ يُغَادِيَاهُ بِالْغَدَاةِ فَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَأَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِمَا فَأَبَيَا أَنْ يُجِيبَاهُ وَأَقَرَّا لَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ لَوْ فَعَلَا لَأَمْطَرَ الْوَادِي عَلَيْهِمَا نَارًا. قَالَ جَابِرٌ: فِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾،(آل عمران؛ 3: 61). قَالَ الشَّعْبِيُّ: قَالَ جَابِرٌ: ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾، (آل عمران؛ 3: 61): رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَعَلِيٌّ، و﴿أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾، (آل عمران؛ 3: 61): الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ، ﴿وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ﴾، (آل عمران؛ 3: 61): فَاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ]، انتهى؛

وحتى لو جاءت ألفاظ من مثل «عبدة الصليب» بأسانيد محتملة، فالأولى حملها على تصرفات الرواة؛ ثم حملها على المجاز بمعنى: (أهل الدين الذي يعظم الصليب بوصفه رمزاً مركزياً في عقيدتهم)، كما يقال: (عبد الدرهم والدينار).

 

وأهل الأوثان، ويقال كذلك، عبدة الأوثان، هم المشركون من غير أهل الكتاب، تقال في مقابلة أهل الكتاب، فقد ثبت أنه، صلى الله عليه وسلم: [مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول، وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفي المجلس عبد الله بن رواحة فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه ثم قال: (لا تغبروا علينا!)، فسلم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عليهم]؛ كما أخرجه البخاري في صحيحه (ج4/ص2063/ح4290) بطوله مع تمام القصة بإسناد في غاية الصحة؛ وأخرجه في مواضع أخرى مطولاً ومختصراً، وكذلك في الأدب المفرد (ج1/ص379/ح1108)؛ ومسلم في صحيحه (ج3/ص1424/ح1798)؛ وأخرجه جمهور الأئمة. وقد وردت نسبة أهل الكتاب، ونسبة بعض أقوالهم وأفعالهم، إلى الشرك، وتسمية بعض رموزهم كالصليب بالوثن، ولكن لم يرد قط تسميتهم: «أهل وثن»، فليلاحظ بكل دقة!

 

نقول: لقد خفيت بعض هذه الحقائق حتى على المتخصصين في علوم التاريخ والآثار، لأنهم لم يقوموا بمحاولة جادة محايدة لاستقراء كامل، فلم يستوعبوا كافَّة النصوص والآثار، ولم يستطيعوا التجرد والانفلات من معتقداتهم وتصوراتهم الذاتية فسقطوا فريسة لنوع من أنواع خداع البصيرة الذي أسلفنا ذكره، فمثلاَ:

* جاء في (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام)، (1/3342): [ويجب ان ننتبه إلى ان الكتابات الجاهلية وكذلك أخبار أهل الأخبار، قد نص على اسم الإلهة الشمس، فدعوها باسمها، اي الشمس. أما القمر، فلا نجد لاسمه الخاص ذكراً يتناسب مع مقامه. نعم ذكر بـ(شهر) و(سين) في النصوص العربية الجنوبية. و(شهر) القصر في العربيات الجنوبية، ولا زال الناس يسمونه بهذه التسمية في جنوبي جزيرة العرب. لكننا نجد أسماءه المأخوذة من النعوت، اي من صفاته تطغى عليه. فهو (ود) في الغالب في النصوص المعينية. ويظن من لا علم عميق له بالعربيات الجنوبية، انه اسم إلهَ خاص، بينما هو اسم من أسماء عديدة للإله القمر عند شعب مَعِين، وهو (المقه)، اي المنير والنور عند السبئيين اي صفة للشر. وهكذا قل عن باقي أسمائه، فهي صفات له في الغالب، لا اسم علم خاص به، كما في حالة الشمس. ونحن نجد هذه الظاهرة في روايات أهل الأخبار أيضاً. فبينما تنص أخبار أهل الأخبار على تعبد بعض العرب للشمس، وعلى مخاطبتهم لها بـ(الالاهة) وبـ(لاهة)، وعلى تعبد بعضهم لزحل أو للمشتري أو لغيرهما من الأجرام السماوية كما تحدثت عن ذلك في موضع آخر، لا نجد للقمر ذكراً في أخبار أهل الأخبار. فلم يشيروا إلى اسمه ولا إلى تعبد الجاهليين له، حتى ليذهب الظن بعد تتبع جميع ما ورد في تلك الأخبار واستقصاءها استقصاءً تاماً ان الجاهليين لم يعرفوا عبادة القمر. والظاهر أن أهل الأخبار كانوا في جهل من عبادة الجاهليين للقمر، بسبب ما شاهدوه من تعبد أهل مكة وغيرهم وكذلك القبائل إلى الأصنام وتقربهم اليها، وقولهم انها تقربهم إلى الله، وبسبب نص القرآن الكريم على تعبد الجاهليين وتقربهم للأصنام والأوثان. فذهبوا إلى أنهم كانوا مجرد عبدة أوثان، ولم يفطنوا إلى أنهم اتخذوا الأصنام واسطة وشفيعة للالهة التي هي أجرام سماوية في الأصل]، انتهى؛

 

فنقول: قوله: (اتخذوا الأصنام واسطة وشفيعة للالهة التي هي أجرام سماوية في الأصل) خطأ واضح فاضح، لأن الأصنام – أو بلفظ أدق: التماثيل - في ذاتها مادة ميتة لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل: فكيف تتوسط أو تشفع؟! بل الأصنام والأوثان كلها كانت إما نائبة أو قائمة مقام الآلهة، أو بمثابة البدن أو المسكن للآلهة، أو آلية اتصال بمثابة العين والأذن للآلهة، التي كان بعضها، وليس كلها، كائنات سماوية: أرواح وعقول ونفوس كوكبية، وربما تمت مساواتها ببعض الأجرام السماوية. وهذه الآلهة، أو الكائنات الفوق-طبيعية: كائنات (مشخصة) تسمع وتبصر وتدرك وتعقل، لها قدرة وإرادة واختيار، وهذه بدورها ربما كانت هي الشفيع والوسيط للإله الأعلى، كبير الآلهة، رأس الهرم الإلاهي، الذي هو (الله)، تبارك وتعالى وتقدس عن هذه القبائح، عند العرب، وغيرهم من الأمم الوثنية التي يوجد لديها إله مركزي أعلى؛ علما بأنه توجد فئة أخرى من الأمم الوثنية لديها ثنائي أو ثلاثي من الآلهة المركزية؛ وفئة ثالثة ليس لديها إله مركزي أصلاً.

 

فإذا كان هذا هو حال المتخصصين في علوم التاريخ والآثار من المعاصرين مع تقدم العلوم، وتطور مباحث الآثار، وعلوم السلالات البشرية، فلا لوم إذاً على القدماء إذا تخبطوا:

* فقد جاء، مثلاً، في النهاية في غريب الحديث والأثر (3/56): [(صَنَمَ): قَدْ تَكَرَّرَ فِيهِ ذكرُ «الصَّنَم والأَصْنَام» وَهُوَ مَا اتُّخِذ إِلَهًا مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ هُوَ مَا كَانَ لَهُ جسْمٌ أَوْ صورةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ جسمٌ أَوْ صورةٌ فَهُوَ وثَنٌ]، انتهى؛

 

* وجاء في لسان العرب (12/349): [صنم: الصَّنَمُ: معروفٌ واحدُ الأَصْنامِ، يقال: إِنَّهُ معرَّب شَمَنْ، وَهُوَ الوَثَن؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَهُوَ يُنْحَتُ مِنْ خَشَبٍ ويُصَاغُ مِنْ فِضَّةٍ ونُحاسٍ، وَالْجَمْعُ أَصنام، وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ ذكرُ الصَّنَمِ والأَصنام، وَهُوَ مَا اتُّخِذَ إِلهاً مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَقِيلَ: هُوَ مَا كَانَ لَهُ جسمٌ أَو صُورَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ جِسْمٌ أَو صُورَةٌ فَهُوَ وَثَن. وَرَوَى أَبو الْعَبَّاسِ عَنِ ابْنِ الأَعرابي: الصَّنَمةُ والنَّصَمةُ الصُّورةُ الَّتِي تُعْبَد. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ﴾؛ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: مَا تَخِذُوهُ مِنْ آلهةٍ فَكَانَ غيرَ صُورةٍ فَهُوَ وَثَنٌ، فَإِذَا كَانَ لَهُ صُورَةٌ فَهُوَ صَنَمٌ، وَقِيلَ: الْفَرْقُ بَيْنَ الوَثَن والصنمِ أَن الوَثَنَ مَا كَانَ لَهُ جُثَّة مِنْ خَشَبٍ أَو حَجَرٍ أَو فِضَّةٍ يُنْحَت ويُعْبَد، وَالصَّنَمُ الصُّورَةُ بِلَا جُثَّةٍ، وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ جَعَلَ الوَثَنَ المنصوبَ صَنَمًا، وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنه قَالَ: لَمْ يَكُنْ حيٌّ مِنْ أَحْياءِ الْعَرَبِ إِلَّا وَلَهَا صنمٌ يَعْبُدُونَهَا يُسَمُّونَهَا أُنثى بَنِي فُلَانٍ؛ وَمِنْهُ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً﴾؛ والإِناث كُلُّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ مِثْلُ الخَشبة وَالْحِجَارَةِ]، انتهى؛

 

* وجاء في تاج العروس (32/524): [الصَّنَم: وَاحِدُ الأَصْنام، وَقد تَكَرَّر ذِكْرُه فِي القُرآنِ والحَدِيث. وَقَالَ الجَوْهَرِيُّ: هُوَ (الوَثَنُ)، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهما مُتَرادِفَان. وفَرَّق بَيْنَهُما هِشامٌ الكَلْبِيُّ فِي كِتابِ الأَصْنامِ لَهُ بِأَنَّ المَعْمُولَ من الخَشَبِ أَو الذَّهَبِ والفِضَّة أَو غَيْرِها من جَوَاهِرِ الأَرْضِ صَنَم، وَإِذا كَانَ من حِجارةٍ فَهُوَ وَثَنٌ. وَقَالَ اْبنُ سِيدَه: هُوَ يُنْحَت من خَشَب، ويُصاغُ من فِضَّةٍ ونُحاسٍ. وذَكَر الفِهْريّ أَنّ الصَّنَم مَا كَانَ لَهُ صُورَة جُعِلت تِمْثالاً. والوَثَنُ مَا لَا صُورَة لَهُ. قُلْتُ: وَهُوَ قَولُ اْبنِ عَرَفَة، وَقيل: إِن الوَثَنَ مَا كَانَ لَهُ جُثَّةٌ من خَشَب أَو حَجَر أَو فِضَّة يُنْحَت و(يُعْبَد)، والصَّنَم الصُّورَة بِلَا جُثَّة. وَقيل: الصَّنمُ: مَا كَانَ على صُورَة خِلْقَة البَشَر. والوَثَن: مَا كَانَ على غَيْرِها. كَذَا فِي شَرْح الدَّلائل. وَقَالَ آخَرُون: مَا كَانَ لَهُ جِسْم أَو صُورَة فصَنَمٌ، فَإِن لم يَكُن لَهُ جِسْمٌ أَو صُورَةٌ فَهُوَ وَثَنٌ. وَقيل: الصَّنم من حِجَارة أَو غَيْرِها. والوَثَن: مَا كَانَ صخرةً مُجَسَّمة. وَقد يُطْلَق الوَثَنُ على الصَّلِيب، وعَلى كل مَا يَشْغَل عَن اللهِ تَعالَى: (وعَلى هَذَا الوَجْه قَالَ إبراهيمُ عَلَيْه السَّلام: ﴿واجنبني وَبني أَن نعْبد الْأَصْنَام﴾؛ لأنَّه عَلَيْهِ السَّلام مَعَ تَحَقُّقِه بِمَعْرِفَة الله عَزَّ وَجَلَّ واْطّلاعه على حِكْمَتِه لم يَكُنْ مِمَّن يَخافُ عِبادةَ تِلكَ الجُثَث الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونها، فَكَأَنَّه قَالَ: اْجْنُبْنِي عَن الاْشْتِغَالِ بِمَا يَصْرِفُني عَنْكَ)، قَالَه الرَّاغِب]، انتهى؛

 

وحتى ترى حجم الخلل المرعب: تأمل، مثلاً، قول الراغب: [وَقد يُطْلَق الوَثَنُ على الصَّلِيب، وعَلى كل مَا يَشْغَل عَن اللهِ تَعالَى: (وعَلى هَذَا الوَجْه قَالَ إبراهيمُ عَلَيْه السَّلام: ﴿واجنبني وَبني أَن نعْبد الْأَصْنَام﴾؛ لأنَّه عَلَيْهِ السَّلام مَعَ تَحَقُّقِه بِمَعْرِفَة الله عَزَّ وَجَلَّ واْطّلاعه على حِكْمَتِه لم يَكُنْ مِمَّن يَخافُ عِبادةَ تِلكَ الجُثَث الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونها، فَكَأَنَّه قَالَ: اْجْنُبْنِي عَن الاْشْتِغَالِ بِمَا يَصْرِفُني عَنْكَ)، قَالَه الرَّاغِب]: الأصنام التي انغمس أهل ذلك الزمن في تعظيمها وتقديسها وعبادتها، والقتال حتى الموت في سبيلها، مجرد جثث هامدة في معتقدهم، ومع ذلك عبدوها ... اضحك بصوت مرتفع حتى تستلقي!

 

ولكن اللوم، كل اللوم، ينبغي أن يوجه إلى الإسلاميين المعاصرين الذين جمدوا على اجترار مقولات القدامى، كأن الزمن توقف عند أيام ابن القيم وابن تيمية، ضاربين صفحاً عن ما أنجزته الأبحاث المعاصرة في مجالات علوم الآثار والسلالات البشرية والتاريخ، على ما فيها من قصور وفرضيات مسبقة وإسقاطات نفسية، وما قدمه علماء السلالات البشرية (Anthropology)، بل وكذلك أدباء الرحلات الحديثة، من أخبار مفصلة عن عادات ومعتقدات الشعوب الوثنية، على عجرها وبجرها. وإليك هذا النموذج المؤسف:

* جاء في الوسطية في القرآن الكريم للدكتور عَلي مَحَّمد محمد الصَّلاَّبي (ص: 197): [وشاعت بين البشرية عبادة الأصنام، إما بوصفها تماثيل للملائكة، وإما بوصفها تماثيل للأجداد، وإما لذاتها، وكانت الكعبة التي بنيت لعبادة الله وحده، تعج بالأصنام، إذ كانت تحتوى على ثلاثمائة وستين صنمًا. غير الأصنام الكبرى في جهات متفرقة. ومما يدل على أن اللات والعزى ومناة كانت تماثيل للملائكة ما جاء في القرآن الكريم في سورة النجم]، انتهى كلام الصَّلاَّبي، كذا بأحرفه؛

فأقول:

ــ والله، الذي لا إله إلا هو، ما وجدت قط أصنام بوصفها (تماثيل للملائكة)، على النحو المتبادر إلى أذهان أهل الإسلام عند الكلام عن (الملائكة) أنهم: ﴿ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29)﴾، (الأنبياء؛ 21 : 26- 29)، وأنهم: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20)﴾ ، (الأنبياء؛ 21 : 19- 20)، وإنما وجدت أصنام بوصفها (تماثيل للملائكة، التي هي كائنات إلاهية، من جنس إلاهي: أبناء وبنات للإله الأكبر، أو لأحد كبار الآلهة، وربما إخوة، وأخوات؛ وزوجات وصاحبات من قبيلة إلاهية أخرى؛ أو زوجات وصاحبات من أصل بشري فتمت ترقيتهن إلى الألوهية)؛

ــ ووالله، الذي لا إله إلا هو، ما وجدت عند العرب، ولا عند عامة الشعوب الأخرى، قط أصنام بوصفها (تماثيل للأجداد)؛ وإنما وجدت عند قلة من الشعوب– كأهل الصين - أصنام بوصفها (تماثيل للأجداد) - إن كان شيء من ذلك موجود أصلاً - الذين ارتقوا بعد موتهم فأصبحوا كائنات إلاهية، أياً ما كانت آلية هذا الارتقاء: حلول، أو اتحاد، أو تطور وارتقاء (على طريقة داروين!)، أو انقلاب في الذات، أو ما شاءت العقول الخرافية المختلة أن تتخيله؛

ــ ووالله، الذي لا إله إلا هو، ما عبدت أصنام قط (لذاتها)، يعني لكونها مجرد (تماثيل)، كما يظهر من السياق على نحو لا يمكن إنكاره، فهذا محال لا يوجد في العالم قط، ولا عند المعتوهين، ولا حتى عند الدواب؛ وكل الأصنام إنما هي (تماثيل لكائنات إلاهية، ترتبط بها ارتباطا محكما، وتنوب عنها نيابة تامة) من غير زيادة ولا نقصان.

 

ولكن الساحة المعاصرة لم تخل – بحمد الله – من نماذج مشرقة، لا سيما ممن لم تفسد زلات ابن تيمية وأكاذيب الوهابية أدمغتهم:

* فقد جاء في (ظلال القرآن) للإمام الشهيد سيد قطب (5/3037): [﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى. إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ﴾. فلقد كانوا يعلنون أن الله خالقهم وخالق السماوات والأرض. ولكنهم لم يكونوا يسيرون مع منطق الفطرة في إفراد الخالق إذن بالعبادة، وفي إخلاص الدين لله بلا شريك. إنما كانوا يبتدعون أسطورة بنوة الملائكة لله سبحانه. ثم يصوغون للملائكة تماثيل يعبدونها فيها. ثم يزعمون أن عبادتهم لتماثيل الملائكة - وهي التي دعوها آلهة أمثال اللات والعزى ومناة - ليست عبادة لها في ذاتها إنما هي زلفى وقربى لله. كي تشفع لهم عنده، وتقربهم منه! وهو انحراف عن بساطة الفطرة واستقامتها، إلى هذا التعقيد والتخريف. فلا الملائكة بنات الله. ولا الأصنام تماثيل للملائكة. ولا الله - سبحانه - يرضى بهذا الانحراف. ولا هو يقبل فيهم شفاعة. ولا هو يقربهم إليه عن هذا الطريق! وإن البشرية لتنحرف عن منطق الفطرة كلما انحرفت عن التوحيد الخالص البسيط الذي جاء به الإسلام وجاءت به العقيدة الإلهية الواحدة مع كل رسول]، كذا حرفياً من (ظلال القرآن)؛

فأقول: هذا نص في غاية الجودة، ومع ذلك فعليه استدراكات طفيفة:

ــ فقد كان الأولى أن يقال: (يعتقدون أن الملائكة بنات الله)، بدلاً من قوله: (يظنون أن الملائكة بنات الله)، فما كان القوم ليقاتلوا حتى الموت من أجل مجرد (ظن)؛

ــ وكان الأولى والأدق أن يقال: (عبادتهم للملائكة)، أو: (عبادتهم لأصنام الملائكة)، بدلاً من قوله: (عبادتهم لتماثيل الملائكة)، فهذا قد يوهم أن العبادة للتماثيل، وليس للملائكة، فالمعبود حقيقة هو الملائكة، وما الصنم إلا نائب عن الكائن الإلهي. وأما (التمثال) فهو منحوتة فنية محضة؛

ــ وملاحظة تاريخية عابرة على قوله: (يبتدعون أسطورة بنوة الملائكة لله) لا يصح تاريخياً، وإنما هي أساطير مستوردة، كما سيأتي في فصل مستقل، نقحت وطورت بما يوافق البيئة المحلية؛

ــ وأما قوله، رضي الله عنه: (ليست عبادة لها في ذاتها إنما هي زلفى وقربى لله)، فهو زلة قلم أو لسان: لأنهم قطعاً اعتقدوا ألوهية الملائكة (بوصفها بنات الله) فعبدوها لذاتها، بإقرارهم بذلك صراحة، وبدون مواربة: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، (الزمر؛ 39 : 3)، ومبررهم أن ذلك محبوب لله (والد الآلهة وكبيرها)، فهذه العبادة، إذاً:

أولاً: هي بذاتها زلفى وقربى إلى الله نفسه لأنه يحب ويثيب من يعبد بناته الحبيبات المقربات؛

وثانياً: حافز للملائكة، التي هي بنات الله في معتقدهم، أن تتوسط وتشفع لهم عند الله، الإله الوالد الأكبر.

 

ومع أن الإمام الشهيد أحسن وأجاد في النص الذي أسلفنا، إلا أنه لم يفطن لكون (العبادات) لا توجد ولا يمكن تصورها إلا إذا كانت مسبوقة باعتقاد الألوهية، كما سنشبعه بحثاً، في الأبواب القادمة، فأردف بالنص (الوهابي) المؤسف التالي، فأوشك أن يهدم ما بنى:

* حيث قال في ظلال القرآن (5/3037): [وإنا لنرى اليوم في كل مكان عبادة للقديسين والأولياء تشبه عبادة العرب الأولين للملائكة - أو تماثيل الملائكة - تقربا إلى الله - بزعمهم - وطلبا لشفاعتهم عنده. وهو سبحانه يحدد الطريق إليه. طريق التوحيد الخالص الذي لا يتلبس بوساطة أو شفاعة على هذا النحو الأسطوري العجيب! «إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ»]، انتهى كذا بأحرفه.

فجعل مجرد مشابهة ظاهر وقصد الفعل كافية في تصنيف تلك الأفعال على أنها (عبادة)، وهذا باطل محال. والواجب هو معرفة ما هو المعتقد في (القديسين والأولياء) الذي بني عليه الفعل: أهو معتقد يجعلهم كائنات إلاهية، من أي نوع كان (عنصر إلاهي؛ خلق أو تدبير أو تصرف على وجه الاستقلال؛ إجارة على الله وشفاعة بدون استئذان؛ تمرد على الله وإعجازه هرباً؛ حق في التشريع؛ ... إلخ)، فتكون الأفعال آنذاك (عبادة)، وإلا فلا: فهي، إأذاً توقير أو تكريم، أو ما شابه ذلك، فقط لا غير!

 

فصل: ماهية (عجل) بني إسرائيل

أسلفنا أن بني إسرائيل، أو بعضهم، عندما خرجوا من مصر كانوا لا يتصورون إلاها إلا ممثلاً بصنم، لذلك أرادوا أن يتخذوا صنماً لله تعالى وتقدس. فلا صحة لما قاله الشيخ عبد العزيز بن باز: (ومن ذلك قصة بني إسرائيل مع السامري حينما وضع لهم من حليهم عجلاً ليعبدوه من دون الله فزين لهم الشيطان عبادته مع ظهور بطلانها)، وذلك في الفتوى التي أملاها الشيخ، أواسط سنة 1402 هـ، الموافق وسط 1982م، المعنونة: (حكم الإسلام في إحياء الآثار)، وهي موجودة في موقعه.

 

فنقول: هذا كذب محض، وهراء مجرد، فما قال الله قط عن بني إسرائيل أنهم (عبدوا العجل من دون الله)، بل تكلم فقط عن: (اتخاذ العجل):

* فقد قال، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ﴾، (البقرة؛ 2: 51)؛

* وقال، جل جلاله، وتقدست أسماؤه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، (البقرة؛ 2: 54)؛

* وقال، تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ جَاءكُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ﴾، (البقرة؛ 2: 92)؛

* وقال، جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾، (البقرة، 2: 93)

* وقال، تعالى ذكره: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً مُّبِيناً﴾، (النساء؛ 4: 153)؛

* وقال، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾، (الأعراف: 152)؛

 

فهم ما عبدوا العجل قط من دون الله، كما أفحش الشيخ عبد العزيز بن باز: ولا عجب، فهذه مبلغه من العلم، ودرجته في قراءة نص القرآن. فالرجل، وهو المولود من رحم الفرقة الوهابية، لا يستطيع إفلاتاً من هديها: (يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم)، و(يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم: يمرقون من الدين كمروق السهم من الرمية؛ ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء ثم ينطر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى نضيه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء سبق الفرث والدم)، (يعبدون ويدأبون: يعجبون الناس، وتعجبهم أنفسهم)، فتكون النتيجة الحتمية لرفضهم التدبر والفكر، وعجبهم بالنفس وتزكيتها أنهم: (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان)، و(يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء)، لذلك قال الناصح المشفق، عليه وعلى آله أتم الصلوات والتسليمات والتبريكات من الله: (أينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرًا عند اللّه لمن قتلهم يوم القيامة)؛ وهو، أي: الشيخ عبد العزيز بن باز، هو واحد من الوهابيين الذين يفتون بتكفير من قال أن الشمس ثابتة، والأرض هي التي تدور حولها، كما تدور حول نفسها، ناسباً تلك السوأة الصلعاء، والفضيحة الشنعاء، إلى كتاب الله: (يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء)؛ نعوذ بالله من الخذلان، ونسأله الستر والعافية في الدنيا والآخرة.

فما هي إذاً حقيقة العجل (أو بلفظ أدق: التمثال أو الصنم على صورة العجل)؟

إليك الجواب، من فوق سبع سموات:

* فقد قال، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا: هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾، (طه؛ 20: 88)؛

فهم إذا اعتقدوا أن العجل (أو بلفظ أدق: التمثال أو الصنم على صورة العجل) هو (صنم) الله، تعالى وتقدس، الذي هو إلههم، وإله موسى، وليس هو إله آخر أو معبود آخر من دون الله، فوفق معتقدهم ذاك: لم تكن ثمة حاجة لموسى أن يذهب إلى الجبل لميقات ربه، ولكنه – أي موسى – نسي هذه الحقيقة، أو غفل عنها، أو جهلها، فأخطأ، فغادركم متوجها إلى الجبل، وكان حقه أن يكون ها هنا معهم، مشاركاً في العكوف على العجل الذهبي. والأصل أن يعود ضمير الفاعل في ﴿نَسِيَ ﴾، وتقديره: هو، إلى أقرب مذكور، يمكن إعادته إليه، وهو ﴿مُوسَى﴾، ولا توجد حاجة إلى التأويلات البعيد بجعله عائداً إلى (السامري)، الذي (نسي التوحيد)، كما يزعم الكثير من المفسرين.

 

وهناك مزيد نقاش وإيضاح لقولنا هذا في خلال دراستنا لمسألة (ذات أنواط)، فلتراجع في الفصل المخصص لها. و(الصنم)، عند عُبَّاده، يقوم مقام الإله الممثل له بالتمثال، وينوب عنه نيابة تامة، كما فصلناه في كتابنا هذا: ((أساس الإسلام، وحقيقة التوحيد)) عندما تكلمنا في فصل سابق عن أنواع الأوثان.

 

وبهذه القراءة المتعمقة المستنيرة لكتاب الله، والنضرة المدققة في واقع الأصنام، تنحل أيضاً الإشكالية في فهم قوله، جل جلاله، وتقدست أسماؤه: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَـؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، (الأعراف؛7: 138-139)، فهم يريدون أن يصنع لهم موسى صنماً يكون (قائممقام) عن الله، تعالى وتقدس. وليس هذا من مبتكرات محمد بن عبد الله المسعري، كاتب هذه السطور، ولا هو من أقوال (العصرانيين)، أو (العقلانيين)، بل هو قول قديم، وإنما منَّ الله علينا بتحريره، وضبطه، حتى تبلور:

* فقد جاء في تفسير البغوي [إحياء التراث (2/227)]: [قَالَ قَتَادَةُ: كَانَ أُولَئِكَ الْقَوْمُ مِنْ لَخْمٍ وَكَانُوا نُزُولًا بِالرِّقَّةِ، فَقَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ، قالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً، أَيْ: مِثَالًا نَعْبُدُهُ كَما لَهُمْ آلِهَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَكًّا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ اجْعَلْ لَنَا شَيْئًا نُعَظِّمُهُ وَنَتَقَرَّبُ بِتَعْظِيمِهِ إلى الله وَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ الدِّيَانَةَ وَكَانَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ جَهْلِهِمْ. قالَ مُوسَى: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، عَظَمَةَ اللَّهِ]؛

 ــ ووافقه صاحب تفسير الخازن [لباب التأويل في معاني التنزيل (2/243)]: [قال البغوي رحمه الله: ولم يكن ذلك شكا من بني إسرائيل في وحدانية الله تعالى وإنما معناه اجعل لنا شيئا نعظمه ونتقرب بتعظيمه إلى الله تعالى وظنوا أن ذلك لا يضر الديانة وكان ذلك لشدة جهلهم]؛

 

* وجاء نحوه في تفسير أبي زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي (المتوفى: 875هـ) [الجواهر الحسان في تفسير القرآن (3/72)]: [وقال ابن جُرَيْج: كانت تماثيلَ بقرٍ من حجارةٍ وعيدانٍ ونحوها، وذلك كان أوَّل فتنةِ العِجْل، وقولهُم: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ، يظهر منه استحسانهم لمَا رَأَوْه من تلك الآلهة بجهلهم فأرادوا أنْ يكون ذلك في شَرْع موسى، وفي جملة ما يُتقرَّبُ به إِلى اللَّه، وإِلاَّ فبعيدٌ أن يقولوا لموسَى: اجعل لنا صنماً نُفْرِدُهُ بالعبادة، ونَكْفُر بربِّك؛ وعلى هذا الذي قلت يقع التشابه الذي نصّه النبيّ، صلى الله عليه وسلم، في قَوْلِ أَبي واقِدٍ اللِّيْثِّي اجعل لَنَا، يَا رَسُولَ اللَّه، ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذات أنواط، فأنكره النبيّ، صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ: «اللَّهُ أَكْبَر! قُلْتُمْ واللَّهَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ: لَتَّتبعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ»، الحديث، ولم يقصد أبو واقدٍ بمقالته فساداً]، انتهى كلام الثعالبي، رحمه الله، إلا أنه اضطرب بعض الشيء لعدم وضوح معاني (الصنم) وعلاقته بـ(الإله) في ذهنه، فأردف قائلاً: [وقال بعضُ الناسَ كان ذلك من بني إسرائيل كفراً، ولفظةً «الإله» تقتضي ذلك، وهذا محتملٌ، وما ذكرتُهُ أولاً أصحُّ، واللَّه أعلم. قلتُ: وقولهم: هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى، وجواب موسى هنا يقوِّي الاحتمال الثاني، نعم: الَّذي يجب أن يعتقد أنَّ مِثْلَ هذه المقالاتِ إنما صدرت من أشرارهم وقريبي العَهْد بالكُفْر] انتهى كلامه.

فأقول: لا شك أن عبارات القرآن هي أدق عبارات في الوجود. فأما قول الله: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾، فإنما هو تعبير عن حقيقة تلك الأشياء المعكوف عليه أنها – بحق كما هو في علم الله ليست مجرد تماثيل، بل هي (أصنام) يعتقد القوم أن لها ارتباطاً محكماً بكائنات إلاهيه يتخيلها القوم، وهذا هو جوهر معتقد القوم، كما هو في علم الله. وأما جملة: ﴿يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، فهي حكاية الله لكلام بني إسرائيل، أو بعضهم، بأدق عبارة ممكنة تعبر عن عجزهم عن التفرقة بين الإله والصنم الممثل له: فالإله هو الصنم والصنم هو الإله. برهان ذلك أنهم قالوا: ﴿كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، ونحن نعلم قطعاً، بإخبار الله لنا، أنهم إنما رأوا (أصناماً) يُعكف عليها، وما رأوا قط تلك الكائنات العلوية أو السفلية، وما ندري هل سألوا القوم عن آلهتهم، أو حتى تبادلوا الكلام معهم. وسيأتي مثل هذا في قصة إبراهيم، بعد بضعة أبواب.

 

وقد أحسن الثعالبي، رحمه الله، عندما أشار إلى عبارتهم التي استخدموها في واقعة (العجل). فحقيقة قولهم، هو: (إجعل لنا صنما (لله)، كما لهم أصنام)، ولكن عبارة القرآن أبلغ وأدق، وأكثر إظهاراً لشناعة معتقدهم، وفساد مفاهيمهم. ولا يستبعد أن يكون اختيار القرآن لعبارة: ﴿كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ إشارة لاعتقادهم أن الألوهية مسألة قومية: لكل قوم إله أو آلهة. فهم لم يستوعبوا بعد أن الله هو إله العالمين جميعاً، لا إله غيره، وليس فقط إلاها قومياً لبني إسرائيل.

* وجاء في تفسير القاضي أبي محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي المحاربي (المتوفى: 542هـ)) [المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (2/447)]: [قال القاضي أبو محمد: والظاهر من مقالة بني إسرائيل لموسى: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ أنهم استحسنوا ما رأوه من آلهة أولئك القوم فأرادوا أن يكون ذلك في شرع موسى وفي جملة ما يتقرب به إلى الله، وإلا فبعيد أن يقولوا لموسى: اجعل لنا صنما نفرده بالعبادة ونكفر بربك، فعرفهم موسى أن هذا جهل منهم إذ سألوا أمرا حراما فيه الإشراك في العبادة؛ ومنه يتطرق إلى إفراد الأصنام بالعبادة والكفر بالله عز وجل، وعلى هذا الذي قلت يقع التشابه الذي قصه النبي، صلى الله عليه وسلم، في قول أبي واقد الليثي له في غزوة حنين إذ مروا على دوح سدرة خضراء عظيمة: اجعل لنا يا رسول الله ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، وكانت ذات أنواط سرحة لبعض المشركين يعلقون بها أسلحتهم ولها يوم يجتمعون إليها فيه، فأراد أبو واقد وغيره أن يشرع ذلك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في الإسلام، فرأى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أنها ذريعة إلى عبادة تلك السرحة، فأنكره وقال: «الله أكبر قلتم والله كما قالت بنو إسرائيل اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ لتتبعن سنن من قبلكم». قال القاضي أبو محمد: ولم يقصد أبو واقد بمقالته فسادا، وقال بعض الناس كان ذلك من بني إسرائيل كفرا ولفظة الإله تقتضي ذلك، وهذا محتمل، وما ذكرته أولا أصح عندي والله تعالى أعلم]؛

أقول: أضرت بالقاضي أبي محمد، رحمه الله، أصوله المالكية في (سد الذرائع)، و(مآلات الأعمال)، وغيره من الظنون والأوهام التي لا تقوم على دليل قطعي، فقال: (ومنه يتطرق إلى إفراد الأصنام بالعبادة والكفر بالله عز وجل)، وأما قوله: (أمرا حراما فيه الإشراك في العبادة) فخطأ محض، فما ثمة إشراك أصلاً، لا في العبادة، ولا في غيرها، وإنما هو التحريم المغلظ لاتخاذ صنم لله، وهو من أعمال الكفر، واعتقاد إمكانية تمثيل الله بصنم يقتضي ضرورة: تشبيه الله بخلقه، أو تجويز حلول الله في بعض خلقه، أو اتحاده بهم، وهذا، ضرورة ولا بد، من معتقدات الكفر؛ وهو – أي: تشبيه الله بخلقه، ونسبة النقص إليه، وتجويز الحلول والاتحاد - في التحليل النهائي أصل كل شرك وكفر في العالم.

وربما أشكلت الآية التالية مباشرة: ﴿قَالَ: أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، (الأعراف؛ 7: 140)، على بعض الأذهان الكليلة، وبخاصة أذهان الذين (يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم)، فظن أن هذا مناقض لما أصلناه: أنهم ما أرادوا قط إلاها غير الله، وإنما فقط أرادوا صنماً أو تمثيلاً حسياً (ينوب) عن الله، تماماً كما هو الحال بالنسبة للأصنام ونيابتها عن الإلهة التي تقوم هذه الأصنام مقامها.

فنقول، بعون الله وتوفيقه: هذا كله وهم وخطأ لأن رد موسى، صلى الله عليه وسلم، على قولهم: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، هو حصراً: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَـؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾، وبهذا انتهى الرد التام: ولا أشك أن موسى، صلى الله عليه وسلم، أوضح لهم بالتفصيل الوافي، بلغة مبسطة مناسبة لحالهم، أن الإله الحق واحد أحد فرد، وليس هو فرد من نوع، ولا نوع من جنس، ليس له مثال أو شبيه مطلقاً، فمن المحال الممتنع أن يكون له صورة أو تمثال. كبف وهو لم يكن له اسم علم معروف آنذاك، حتى نحته الله لهم نحتاً: («إهْيِهْ أشِرْ إهْيِهْ»)، أو («يهوه»): كما سنورده، مع ىمزيد بيان، في باب لاحق، نقلاً عن العهد القديم: (فَقَالَ مُوسَى للّهِ: «هَا أَنَا آتِي إلَى بَنِي إسْرائيلَ وَأَقُولُ لَهُمْ: إلهُ آبَائكُمْ أَرْسَلَنِي إلَيْكُمْ، فَقَالُوا لِي: مَا اسْمُهُ؟ مَا أَقُولُ لَهُمْ؟» * فَقَالَ اللّهُ لِمُوسَى: («إهْيِهْ أشِرْ إهْيِهْ»)، وَقَالَ: «كَذَا تَقُولُ لِبَنِي إسْرائيلَ: («إهْيِهْ») أَرْسَلَنِي إلَيْكُمْ. وَقَالَ بَعْدُ اللّهُ لِمُوسَى: كَذَا تَقُولُ لِبَنِي إسْرَائِيلَ: («يهوه») إلهُ آبَائِكُمْ إلهُ إبْرَاهِيمَ إلَهُ إسْحَاقَ وَإلهُ يَعْقُوبَ، أَرْسَلَنِي إلَيْكُمْ. هذا اسْمِي إلَى الأَبَدِ، وَهذا ذِكْرِي إلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ».)

 

ثم رأى موسى، صلى الله عليه وسلم، بعد أن فرغ من الرد، أن يعلمهم من صفات الله، وما ينبغي له، وما لا ينبغي، فانتقل إلى أسلوب جديد، ونوع لهم المقال، (في نفس المجلس، أو في مجلس آخر)، بدلالة استفتاح الله جل جلاله لخبره عن ذلك الكلام الجديد المستأنف بلفظة: ﴿قال﴾، وهي تعني ها هنا: أضاف قائلاً؛ أو قال بعد ذلك في مناسبة أخرى: ﴿قَالَ: أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، فكأنه يقول: (بعد أن فرغ من المقالة الأولى الطويلة، استفتح كلاماً جديداً، فقال)؛ فلعله أخبرهم أنه لو استجاب لطلبهم وصنع لهم صنما، لكان هذا الصنم بالضرورة تمثالاً لشيء آخر غير الله، الذي يعرفونه من قبل حين سمَّى نفسه لهم من قبل: («إهْيِهْ أشِرْ إهْيِهْ»)، أو («يهوه») على وجه الاختصار؛ وهم يعلمون جيداً أنه هو الذي فضلهم على العالمين، وشق لهم البحر، فنجاهم من فرعون وجنوده، وأغرق عدوهم أجمعين، وذلك لاستحالة تمثيل الله، ومشابهته لخلقه. ويقوي هذا التخريج أن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، عندما استشهد بهذه الآيات في قصة (ذات أنواط)، لم يتجاوز قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، وقال بعدها فوراً: (لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ)، أو كما قال، صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

 

ولا أستبعد أن موسى، صلى الله عليه وسلم، وبخهم على استخدام لفظة: (آلهة)، حتى لو جعلوها (قومية) لأولئك القوم، لأنها تشعر باعتقادهم بوجود آلهة أخرى في الوجود، ولو كانت لأقوام آخرين: فما ثمة إله آخر في الوجود البتة، إنما هو إله واحد، هو إله العالمين، وليس إله بني إسرائيل فحسب.

 

وما قلناه عن مسوغ إعادة لفظ ﴿قال﴾ موافق في جوهره لما قاله الأديب العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، رحمه الله، في التحرير والتنوير [الطبعة التونسية (9/83)]: [وإعادة لفظ ﴿قال﴾ مستأنفاً في حكاية تكملة جواب موسى بقوله تعالى: ﴿قال أغير الله أبغيكم﴾ تقدم توجيه نظيره عند قوله تعالى: ﴿قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو﴾ إلى قوله ﴿قال فيها تحيون﴾ من هذه السورة (24، 25). والذي يظهر أنه يعاد في حكاية الأقوال إذا طال المقول، أو لأنه انتقال من غرض التوبيخ على سؤالهم إلى غرض التذكير بنعمة الله عليهم، وأن شكر النعمة يقتضي زجرهم عن محاولة عبادة غير المنعم، وهو من الارتقاء في الاستدلال على طريقة التسليم الجدَلي، أي: لو لم تكن تلك الآلهة باطلاً لكان في اشتغالكم بعبادتها والإعراض عن الإله الذي أنعم عليكم كفران للنعمة ونداء على الحماقة وتنزه عن أن يُشاركهم في حماقتهم]؛

 

وأما ما جاء في تفسير الألوسي [روح المعاني (5/40)]: [قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً قيل: هذا هو الجواب وما تقدم مقدمة وتمهيد له، ولعله لذلك أعيد لفظ قال: وقال شيخ الإسلام: (هو شروع في بيان شؤون الله تعالى الموجبة لتخصيص العبادة به سبحانه بعد بيان أن ما طلبوا عبادته مما لا يمكن طلبه أصلا لكونه هالكا باطلا أصلا ولذلك وسط بينهما ﴿قال﴾ مع كون كل منهما كلام موسى عليه السلام)، وقال الشهاب: (أعيد لفظ ﴿قال﴾ مع اتحاد ما بين القائلين لأن هذا دليل خطابي بتفضيلهم على العالمين، ولم يستدل بالتمانع العقلي لأنهم عوام)، انتهى]، فكلام الألوسي خطأ محض، فليس هذا هو الجواب، وتلك كانت التقدمة: بل ذاك جواب تام على تفسيرنا؛ وأما الإمام ابن تيمية فجعله: (شروع في بيان)، وهو قريب من قولنا، إلا أنه – لمذهبه المتناقض الباطل في تعريف (الإله) – جعل الكلام الجديد عن (شؤون الله تعالى الموجبة لتخصيص العبادة به سبحانه)، والقوم ما طلبوا إلا صنما (لله): فالكلام عن صفات الله، وما ينبغي له بوصفه إلاهاً، بغض النظر عن كونها (الموجبة لتخصيص العبادة)، وهي كذلك حقاً، أم لا. وكذلك قول الشهاب أنه مزيد استدلال، وإن كنا لا نتفق معه في الموضوع والمحتوى.

 

وبهذه أيضاً تنحل إشكالية (ذات الأنواط)، التي عقَّب الشيخ عبد العزيز بن باز عليها بقوله: (وثبت في جامع الترمذي وغيره بإسناد صحيح عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال: (خرجنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال، صلى الله عليه وسلم، الله: ((أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، لتركبن سنن من كان قبلكم))، شبه قولهم: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، بقول بني إسرائيل: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، فدل ذلك على أن الاعتبار بالمعاني والمقاصد لا بمجرد الألفاظ)

فنقول: نعم العبرة بالمعاني، وليس بالألفاظ، ولكنكم لم تفهموا المعنى أصلاً، كما أنكم لم تحرروا الألفاظ: فأنى لكم الصواب؟! وفي هذا الموضوع الخطير قرأتم كتاب الله قراءة سطحية، فلم تهضموه وتتمثلوه: أي أنكم قطعاً ممن (يقرؤون القرآن لا يجواز تراقيهم)، كما ثبت في صفة الخوارج الغلاة المارقين عن نبي الله الخاتم، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بنقل التواتر، فتكون النتيجة الحتمية: (يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم: يمرقون من الدين كمروق السهم من الرمية؛ ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينطر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء سبق الفرث والدم)، و(يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء)؛ نعوذ بالله، مرة بعد مرة، من الخذلان، ونسأله الستر والعافية في الدنيا والآخرة.

 

والحق أن حديث (ذات أنواط) لم يكن أسعد حظاً، عند أصحابنا هؤلاء الذين (يقرؤون القرآن لا يجواز تراقيهم)، لا من ناحية الفهم، ولا من ناحية تتبع طرق الحديث لتحصيل أتم الألفاظ، وهو أمر لا بد منه حتى نعرف الواقعة بدقة على حقيقتها، وهو أمر يطول، لذلك جعلناه في فصل مستقل، فليراجع.

 

فصل: قصة ذات أنواط

* أخرج الإمام الطبراني في معجمه الكبير (ج3/ص244/ح3291) بإسناد صحيح: [حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حدثنا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيِّ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، إِلَى حُنَيْنٍ وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ، ولِلْمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا، ويَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ يُقَالُ لَهَا ذَاتُ أَنْوَاطٍ. قَالَ: فَمَرَرْنَا بِالسِّدْرَةِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم: (اللهُ أَكْبَرُ، إِنَّهَا السُّنَنُ، قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، (الأعراف؛ 7: 138)، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ)]؛

ــ وهو في السنة للمروزي (ص: 17/39) بإسناد صحيح: [حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءِ بْنُ عُبَيْدٍ الضَّبْعِيُّ، عَنْ جُوَيْرِيَّةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ الدَّيْلِيِّ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، إِلَى حُنَيْنٍ وَنَحْنُ حَدَيِثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ قَالَ: وَكَانَتْ لِلْكُفَّارِ سِدْرَةٌ يَعْكِفُونَ عِنْدَهَا وَيَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ يُقَالَ لَهَا ذَاتُ أَنْوَاطٍ، قَالَ: فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: " إِنَّهَا السُّنَنُ اللَّهُ أَكْبَرُ، قُلْتُمْ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ، قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، (الأعراف؛ 7: 138)، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ)]

ــ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج5/ص218/ح21952) بإسناد صحيح، إلا أنه لم يذكر نصه، وإنما قال: [حدثنا أبو إسحاق بن سليمان حدثنا مالك بن أنس عن الزهري عن سنان بن أبى سنان الدؤلي عن أبى واقد الليثي قال خرجنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى حنين فذكر معنى حديث مَعْمَر ومَعْمَر أتم حديثا]؛

ــ وهو في معرفة الصحابة لأبي نعيم (2/759/2021) بإسناد صحيح: [حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنْبَأَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنْبَأَ مَعْمَرٌ، (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبِ بْنِ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، (ح) وحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا طَالُوتُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، كُلُّهُمْ قَالَ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ الدِّيلِيِّ، عَن أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، إِلَى حُنَيْنٍ وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ، (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وَنَحْنُ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ)، وَلِلْمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا، وَيَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، قَالَ: فَمَرَرْنَا بِالسِّدْرَةِ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم: «اللهُ أَكْبَرُ إِنَّهَا السُّنَنُ، قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾»، قَالَ: «إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»]، وقال أبو نعيم: (السِّيَاقُ لِمَالِكٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَعْمَرٌ، وَلَا ابْنُ إِسْحَاقَ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ).

قلت: فهذا حديث مالك. والإسناد صحيح على شرط الشيخين بإجماع النقاد.

 

* وأخرجه الإمام الحميدي في مسنده (ج2/ص375/ح848) بإسناد صحيح: [حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، لَمَّا خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ مَرَّ بِشَجَرَةٍ يُقَالُ لَهَا ذَاتُ أَنْوَاطٍ، يُعَلِّقُ الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ، صلى الله عليه وسلم: (اللَّهُ أَكْبَرُ، هَذَا كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، (الأعراف؛ 7: 138)، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ)]؛ وأخرجه الإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج7/ص479/ح37375): [حدثنا ابن عيينة به]؛ وأبو يعلى في مسنده (ج3/ص31/ح1441): [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا سفيان بن عيينة به]؛ والطبراني في معجمه الكبير (ج3/ص244/ح3292): [حدثنا بشر بن موسى حدثنا الحميدي حدثنا سفيان به]؛ وهو في تفسير ابن أبي حاتم [محققا (5/1553/8906)]: [حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْوَزِيرِ الْوَاسِطِيُّ قَالا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، به]؛

ــ وأخرجه الإمام الترمذي في سننه (ج4/ص476/ح2180) بإسناد صحيح: [حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَخْزُومِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، لَمَّا خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ مَرَّ بِشَجَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ يُعَلِّقُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ، صلى الله عليه وسلم: (سُبْحَانَ اللَّهِ هَذَا كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، (الأعراف؛ 7: 138)، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ)]، ثم قال أبو عيسى: (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَأَبُو وَاقِدٍ اللَّيْثِيُّ اسْمُهُ الحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ وَفِي البَاب عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ)؛

ــ وهو في تفسير الطبري [جامع البيان ت شاكر (13/81/15056)] بإسناد صحيح: [حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سنان بن أبي سنان، عن واقد الليثي]؛ وفي تفسير الطبري [جامع البيان ت شاكر (13/81/15055)]: [حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري: أن أبا واقد الليثي قاله]، كذا بإسقاط سنان بن أبي سنان، وهو قطعاُ، وهم وخطأ بدلالة كل الطرق السابقة

ــ وهو في تفسير ابن أبي حاتم ــ محققا (5/1553/8906) بإسناد صحيح: [حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْوَزِيرِ الْوَاسِطِيُّ قَالا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، به]

ــ وهو في السنن المأثورة للشافعي (ص338/400) بإسناد صحيح: [وَسَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ، يُحَدِّثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: مَرَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، بِشَجَرَةٍ يُعَلِّقُ بِهَا الْمُشْرِكُونَ أَسْلِحَتَهُمْ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: " هَذَا كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمُ آلِهَةٌ﴾ [الْأَعْرَاف: 138]

 ــ وهو في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/139/204 ــ 205) بإسناد صحيح: [أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَكِّيُّ بْنُ عَبْدَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، (ح) وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُبَشِّرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَزِيرِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ به]

 ــ وهو في معرفة السنن والآثار (1/186/329) بإسناد صحيح: [أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَقِيهُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو النَّضْرِ الْإِسْفِرَائِينِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرِ بْنُ سَلَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُزَنِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ سَمِعْتُ سُفْيَانَ يُحَدِّثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ

 ــ وهو في مسند أبي يعلى الموصلي (3/30/1441) بإسناد صحيح: [حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، به]؛

ــ وهو في دلائل النبوة للبيهقي محققا (5/125) بإسناد صحيح: [حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ الْأَصْبَهَانِيُّ إِمْلَاءً، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو سَعِيدٍ، أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الْبَصْرِيُّ بِمَكَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، به]

 ــ وهو في معجم الصحابة لابن قانع (1/172) بإسناد صحيح: [حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ به]

ــ وهو في ذم الكلام وأهله (3/109/458) بإسناد صحيح: [أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنَا شَافِعُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ بِمِصْرَ حَدَّثَنَا الْمُزَنِيُّ حَدَّثَنَا الشَّافِعِيُّ سَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ يحدث به]

قلت: فهذا حديث سفيان بن عيينة. والإسناد صحيح على شرط الشيخين بإجماع النقاد.

 

* وأخرجه الإمام أبو داود الطيالسي في مسنده (ج1/ص191/ح1346) بإسناد صحيح: [حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيِّ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، بِحُنَيْنٍ وَنَحْنُ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ فَمَرَرْنَا عَلَى شَجَرَةٍ يَضَعُ الْمُشْرِكُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ فَقَالَ: (اللَّهُ أَكْبَرُ قُلْتُمْ كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، (الأعراف؛ 7: 138))، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكُمْ سَتَرْكَبُونَ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»]؛ ــ وأخرجه الطبراني في معجمه الكبير (ج3/ص245/ح3294): [حدثنا الحسين بن إسحاق التستري حدثنا يحيى الحماني حدثنا إبراهيم بن سعد به]؛

ــ وهو في السنة لابن أبي عاصم (1/37/76) بإسناد صحيح: [حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ، يَقُولُه]

قلت: فهذا حديث إبراهيم بن سعد. والإسناد صحيح على شرط الشيخين بإجماع النقاد.

 

* وأخرجه الإمام أبو حاتم بن حبان في صحيحه (ج15/ص95/ح6702): [أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ سِنَانَ بْنَ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيَّ ــ وهم حلفاء بني الديل – أخبر أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ يَقُولُ ــ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، -: لَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ مَكَّةَ، خَرَجَ بِنَا مَعَهُ قِبَلَ هَوَازِنَ، حَتَّى مَرَرْنَا عَلَى سِدْرَةِ الْكُفَّارِ: سِدْرَةٌ يَعْكِفُونَ حَوْلَهَا، وَيَدْعُونَهَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (اللَّهُ أَكْبَرُ، إِنَّهَا السُّنَنُ، هَذَا كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلهة﴾، قال: ﴿إنكم قوم تجهلون﴾)، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (إنكم لتركبن سنن من قبلكم)]؛

قلت: فهذا حديث يونس. والإسناد صحيح على شرط الشيخين بإجماع النقاد. فهؤلاء الأربعة الأئمة، وهم من رجالات الطبقة الأولى في الزهري: مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وهما من أثبت الناس في الزهري، وابراهيم بن سعد ويونس؛ كلهم يقولون أنهم مروا على (ذات أنواط) بعينها، فقالوا ما قالوا!

 

 * وجاء في جامع معمر بن راشد (11/369/20763) بإسناد صحيح: [(أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: ) أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قَبْلَ حُنَيْنٍ فَمَرَرْنَا بِالسِّدْرَةِ، فَقُلْنَا: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنَا هَذِهِ ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لِلْكُفَّارِ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، وَكَانَ الْكُفَّارُ يَنُوطُونَ سِلَاحَهُمْ بِسِدْرَةٍ، وَيَعْكُفُونَ حَوْلَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ، صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُ أَكْبَرُ، هَذَا كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، (الأعراف؛ 7: 138)، إِنَّكُمْ تَرْكَبُونَ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ»]؛ وهو بعينه في تفسير عبد الرزاق (2/88/931): [عَنْ مَعْمَرٍ]؛ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج5/ص218/ح21950): [حدثنا عبد الرزاق أخبرنا مَعْمَر به]؛ وأخرجه الإمام النسائي في سننه الكبرى (ج6/ص346/ح11185): [أخبرنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق به]؛ والطبراني في معجمه الكبير (ج3/ص244/ح3290): [حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبد الرزاق به]؛ وهو في تفسير الطبري [جامع البيان ت شاكر (13/81/15055)]: [حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر]؛

ــ وهو في تفسير عبد الرزاق (2/88/931) بإسناد صحيح: [حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، قِبَلَ حُنَيْنٍ فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنَا هَذِهِ ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لِلْكُفَّارِ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، وَكَانَ الْكُفَّارُ يَنُوطُونَ سِلَاحَهُمْ بِسِدْرَةٍ، وَيَعْكُفُونَ حَوْلَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ، صلى الله عليه وسلم: (اللَّهُ أَكْبَرُ، هَذَا كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلَهَةٌ﴾، (الأعراف؛ 7: 138)، إِنَّكُمْ تَرْكَبُونَ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)]

 ــ وهو في السنن الكبرى للنسائي (10/100/11121) بإسناد صحيح: [أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ يه]

ــ وهو في الإبانة الكبرى لابن بطة (2/568/710): [حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ الرَّيَّانِ السَّبْتِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَبُو يَعْقُوبَ الدَّيْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ به]

ــ وهو في مغازي الواقدي (3/890) بإسناد صحيح: [حَدّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ الدّيلِيّ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللّيْثِيّ ــ وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ مَالِكٍ ــ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، إلَى حُنَيْنٍ، وَكَانَتْ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ وَمَنْ سِوَاهُمْ مِنْ الْعَرَبِ شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ خَضْرَاءُ يُقَالُ لَهَا ذَاتُ أَنْوَاطٍ، يَأْتُونَهَا كُلّ سَنَةٍ يُعَلّقُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ، وَيَذْبَحُونَ عِنْدَهَا، يَعْكُفُونَ عَلَيْهَا يَوْمًا. قَالَ: فَرَأَيْنَا يَوْمًا، وَنَحْنُ نَسِيرُ مَعَ النّبِيّ، صلى الله عليه وسلم، شجرة عظيمة خضراء، فسترتنا مِنْ جَانِبِ الطّرِيقِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم: اللهُ أَكْبَرُ! اللهُ أَكْبَرُ! قُلْتُمْ وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إنّهَا لِلسّنَنِ، سَنَنِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ]

ــ وهو في تفسير البغوي ــ إحياء التراث (2/227/939) بإسناد صحيح: [أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الطَّاهِرِيُّ أَخْبَرَنَا جَدِّي أَبُو سَهْلٍ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَزَّازُ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْعُذَافِرِيُّ أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّبَرِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، به]

 ــ وهو في أخبار مكة للأزرقي (1/129): [حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْوَاقِدِيِّ، عَنْ مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ الْبَصْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ مَالِكٍ – قَالَه]

قلت: فهذا حديث مَعْمَر بن راشد. والإسناد صحيح على شرط الشيخين بإجماع النقاد.

 

* وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج5/ص218/ح21947)، أو في [ط الرسالة (36/225/21897)]: [حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيِّ ثُمَّ الْجُنْدَعِيِّ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ: أَنَّهُمْ خَرَجُوا عَنْ مَكَّةَ مَعَ رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، إِلَى حُنَيْنٍ، قَالَ: وَكَانَ لِلْكُفَّارِ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا، وَيُعَلِّقُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ، يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، قَالَ: فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ خَضْرَاءَ عَظِيمَةٍ، قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم: (قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةً قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾)]؛ وهو في تفسير الطبري [جامع البيان ت شاكر (13/82/15058)]: [حدثني المثنى قال، حدثنا ابن صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني عقيل، عن ابن شهاب قال، أخبرني سنان بن أبي سنان الديلي، عن أبي واقد الليثي به]؛

قلت: فهذا حديث عُقَيْل بن خالد. والإسناد صحيح على شرط الشيخين بإجماع النقاد.

 

* وجاء في سيرة ابن هشام [ت السقا (2/442)]: [قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيِّ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، إلَى حُنَيْنٍ وَنَحْنُ حَدِيثُو عَهْدٍ بِالْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ: فَسِرْنَا مَعَهُ إلَى حُنَيْنٍ، قَالَ: وَكَانَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ وَمَنْ سِوَاهُمْ مِنْ الْعَرَبِ لَهُمْ شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ خَضْرَاءُ، يُقَالُ لَهَا ذَاتُ أَنْوَاطٍ، يَأْتُونَهَا كُلَّ سَنَةٍ، فَيُعَلِّقُونَ أَسْلِحَتَهُمْ عَلَيْهَا، وَيَذْبَحُونَ عِنْدَهَا، وَيَعْكُفُونَ عَلَيْهَا يَوْمًا. قَالَ: فَرَأَيْنَا وَنَحْنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، سِدْرَةً خَضْرَاءَ عَظِيمَةً، قَالَ: فَتَنَادَيْنَا مِنْ جَنَبَاتِ الطَّرِيقِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: اللَّهُ أَكْبَرُ، قُلْتُمْ، وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسَى: «اجْعَلْ لَنَا إلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ، قَالَ: ﴿إنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. إنَّهَا السُّنَنُ، لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»]؛ وأخرجه الإمام الطبراني في معجمه الكبير (ج3/ص244/ح3293): [حدثنا المقدام بن داود حدثنا أسد بن موسى حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة حدثنا بن إسحاق حدثني الزهري عن سنان بن أبي سنان الليثي ثم الجندعي عن أبي واقد الليثي قاله]؛ وهو في تفسير الطبري [جامع البيان ت شاكر (13/82/15057)]: [حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن سنان بن أبي سنان، عن أبي واقد الليثي، عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نحوه]؛ ٌوله: (أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ مَالِكٍ) تصحيف قطعاً، وإنما هو: (وهوَ الْحَارِثَ بْنَ مَالِكٍ)، أو: (واسمه الْحَارِثَ بْنَ مَالِكٍ)

ــ وهو في دلائل النبوة للبيهقي مخرجا (5/124): [أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الْحَافِظُ، وَأَبُو بَكْرٍ الْقَاضِي، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ به]

قلت: فهذا محمد بن إسحاق سماعاً من الزهري، فالإسناد متصل صحيح.

 

فهؤلاء الثلاثة الأئمة: مَعْمَر بن راشد، وعُقَيْل بن خالد، وهما من أثبت الناس في الزهري؛ ومحمد بن إسحاق سماعاً من الزهري؛ كلهم يقولون فقط أنهم مروا على (سدرة خضراء عظيمة)، قد تكون هي ذات أنواط، وقد لا تكون، فتذكروا (ذات أنواط)، فقالوا ما قالوا؛ ونسارع فنقول: ليس في هذه الروايات ما ينفي أو يثبت أنهم مروا على (ذات أنواط) بعينها!

فنقول: المثبت مقدم على النافي، وذكر المرور على (ذات أنواط) بعينها، زيادة أربعة من كبار الثقات الأثبات، فلا محيص من قبولها، بل هو نقل تواتر عن الزهري. والأسانيد أكثرها صحاح على شرط الشيخين؛

ولكن لعل الرواية التالية المستقلة، على ما في إسنادها من مقال - بسبب الكلام في كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني – توضح الصورة بصفة نهائية:

* فقد أخرج الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم في تفسيره [محققا (5/1554/8910)]: [حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، عَامَ الْفَتْحِ وَنَحْنُ أَلْفُ وَنَيِّفٌ فَفَتَحَ اللَّهُ لَهُ مَكَّةَ وَحُنَيْنَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بَيْنَ حُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ أَرْضُ شَجَرٍ، مِنْ سِدْرَةٍ كَانَ يُنَاطُهَا السِّلاحُ فَسُمِّيَتْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، وَكَانَتْ تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، صَرَفَ عَنْهَا فِي يَوْمٍ صَائِفٍ إِلَى ظِلٍّ هُوَ أَدْنَى مِنْهَا، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ: اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (أَنَّهَا السُّنَنُ؛ قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ كَمَا قالت بنوا إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةً﴾؛ فَقَالَ: ﴿أَغْيَرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فضلكم على الْعَالَمِينَ﴾]؛ وأخرجه الإمام الطبراني في معجمه الكبير (ج17/ص21/ح27): [حَدَّثَنَا مَسْعَدَةُ بْنُ سَعْدٍ الْعَطَّارُ، حدثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حدثنا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَه بعينه]؛

فراوية عمرو بن عوف المزني، رضي الله عنه، وهو من السابقين الأولين ممن صلى إلى القبلتين، وهي موافقة، بل تكاد أن تكون مطابقة للروايات الصحاح آنفة الذكر، وليس في متنها ما يعاب إلا:

(1)ــ ما أخطأ به بعض الرواة أو النساخ إذ قال: (وَنَحْنُ أَلْفُ وَنَيِّفٌ)، وقد كانوا فوق العشرة آلاف، وهذا خطأ أو تصحيف يسير تجد مثله في أصح الصحاح؛ وربما قصد فقط: (وَنَحْنُ أَلْفُ وَنَيِّفٌ) منم قبيلته مزينة، فلا يكون خطأً أصلاً؛

(2)ــ قوله: فَقَالَ: ﴿أَغْيَرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فضلكم على الْعَالَمِينَ﴾، والصحيح أنه بلغ فقط: ﴿إنكم قوم تجهلون﴾، كما هو عند مالك، ويونس؛ وما ترجحه عوائد النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، في البلاغة بتحري جوامع الكلم، واختصار الكلام: وهذا سبق ذهن وإدراج يسير تجد مثله في أصح الصحاح؛

 

وتندفع كل شبهة حول ثبوت الواقعة، وتصل إلى درجة المتواتر المفيد للقطع واليقين بالرواية المختصرة التالية، من مرجع مستقل، وطريق مستقلة تمام الاستقلال:

* كما جاءت في مغازي الواقدي (3/891): [حَدّثَنِي ابْنُ أَبِي حَبِيبَةَ، عَنْ داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَتْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ شَجَرَةً عَظِيمَةً، أَهْلُ الْجَاهِلِيّةِ يَذْبَحُونَ بِهَا وَيَعْكُفُونَ عَلَيْهَا يَوْمًا، وَكَانَ مَنْ حَجّ مِنْهُمْ وَضَعَ رِدَاءَهُ عِنْدَهَا، وَيَدْخُلُ بِغَيْرِ رِدَاءٍ تَعْظِيمًا لَهَا، فَلَمّا مَرّ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، (._._.) إلَى حُنَيْنٍ قَالَ لَهُ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فِيهِمْ الْحَارِثُ بْنُ مَالِكٍ: يَا رَسُولَ اللهِ: اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ. فَكَبّرَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، ثلاثا، وقال: هكذا فَعَلَ قَوْمُ مُوسَى بِمُوسَى]، كذا في الأصل: (بِهَا)، وهو تصحيف بَيِّن، والصحيح: (لَهَا)؛ (._._.) سقط في الأصل لعل صوابه: (بها وهو في طريقه)

 

فهذه الروايات، توجب بمجموعها القطع بالقصة في جوهرها:

(1) ــ أنهم مروا على ذات أنواط بعينها؛

(2) ــ أنهم قالوا ما قالوا؛ وأجابهم النبي بما ورد؛

(3) ــ أن القائلين، أو أكثرهم، كانوا (حَدَيِثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ)، ولا نبالي: هل كان أبو واقد الليثي نفسه من القائلين، أو أنه استخدم لفظة: (قلنا) لأن عامة القائلين من قبيلته، وليس هو من القائلين لأنه قديم الإسلام، قد شهد بدراً، فيما يقال؛ ولا نبالي أن يكون عدد القائلين ثلاثة أو ثلاثة آلاف؛

 

وزادتنا رواية عمرو بن عوف المزني، رضي الله عنه:

(4) ــ أن ذلك بعد الفتح المكي المجيد، والنصر المؤزر على هوازن، في الطريق بين حنين والطائف، والنبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في الطريق إلى ثقيف في الطائف لتأديبها على مشاركة هوازن في عدوانها وحربها لله ورسله، وكانت ثقيف قد أوعبت في نصرتها لهوازن. فالنبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هو سيد تلك المنطقة، المتغلب عليها: صاحب السلطان النافذ، والسيف المسلول، بعد نصره المؤزر. وهذا أمر تاريخي، ذو قيمة ثانوية: فحتى لو كان هذا في الطريق إلى حنين قبل المعركة، فهو في منطقة سلطان مكة، التي غلب عليها، وفتحها، وهدم معابد أوثانها: فالنبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هو أيضاً سيد تلك المنطقة، المتغلب عليها: صاحب السلطان النافذ، والسيف المسلول؛

(5) ــ أن تلك السدرة (ذات أنواط) كانت: تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، هكذا نصاً في خبر عمرو بن عوف المزني، رضي الله عنه؛

(6) ــ أنه لم يقطع (ذات أنواط)، ولا أمر بقطعها، فهو فقط تجنبها، فلم يستظل بها، مع كونها أعظم سدرة في تلك الأرض، وأمدها ظلاً، واستظل بسدرة كبيرة أخرى، إلا أنها دون (ذات أنواط) في الحجم واتساع الظل؛

 

أما علة عدم قطع (ذات أنواط)، بالرغم من كونها، قطعاً ولا جدال: وثن صنمي، يعبد من دون الله: فالذي يظهر لي: إنما هو لأنها في جوهرها: شجرة، أي: شيء طبيعي، وليست شيئاً مصطنعاً، من إحداث البشر كمعبد العزى بنخلة، وهو بناء على سمرة، أو سمرات كبار، أي هو سرادق أو فسطاط أو صيوان، أكثره من الوبر، وربما كان بعضه من الحجر، فلا يمكن إزالة البناء إلا بقطع شجرات السمر، أو حرقها؛ أو معبد اللات في الطائف الذي كان بناءً له أستار، تشبهاً بالكعبة، فوق صخرة بيضاء منقوشة مربعة، وحوله فناء بمثابة (حرم)، كما جاء في تفسير ابن كثير [ط العلمية (7/422)]: [وَكَانَتِ اللَّاتُ صَخْرَةً بَيْضَاءَ مَنْقُوشَةً وَعَلَيْهَا بَيْتٌ بِالطَّائِفِ، لَهُ أَسْتَارٌ وَسَدَنَةٌ وَحَوْلَهُ فِنَاءٌ مُعَظَّمٌ عِنْدَ أَهْلِ الطَّائِفِ، وَهُمْ ثَقِيفٌ وَمَنْ تَابَعَهَا، يَفْتَخِرُونَ بِهَا عَلَى مَنْ عَدَاهُمْ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ بَعْدَ قُرَيْشٌ]؛ فتمت إزالة البناء، وإبطال (الحرم)، على نحو قريب من الذي:

* جاء في تاريخ المدينة لابن شبة (2/501 - 505): [حَدَّثَنَا الْحِزَامِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَقْبَلَ وَفْدُ ثَقِيفٍ بَعْدَ قَتْلِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ بَضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا هُمْ أَشْرَافُ ثَقِيفٍ، فِيهِمْ كِنَانَةُ بْنُ عَبْدِ يَالِيلَ، وَهُوَ رَأْسُهُمْ يَوْمَئِذٍ وَفِيهِمْ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ بِشْرٍ وَهُوَ أَصْغَرُ الْوَفْدِ، حَتَّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يُرِيدُونَ الصُّلْحَ وَالْقَضِيَّةَ]، فساق خبراً طويلاً، حتى بلغ قصة هدم اللات، فقال: [ثُمَّ قَدِمَتْ عَلَيْهِمْ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، أَمِيرُهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَفِيهِمُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَمَدُوا إِلَى اللَّاتِ فَهَدَمُوهَا، وَقَدِ اسْتَكَفَّتْ ثَقِيفٌ الرِّجَالُ مِنْهُمْ وَالنِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ حَتَّى خَرَجَ الْعَوَاتِقُ مِنَ الْحِجَالِ، لَا تَرَى عَامَّةُ ثَقِيفٍ أَنَّهَا مَهْدُومَةٌ، وَيَظُنُّونَ أَنَّهَا مُمْتَنِعَةٌ، فَقَامَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأَخَذَ الْكَرْزَنَ (وهو: المعول) وَقَالَ: لَأُضْحِكَنَّكُمْ مِنْ ثَقِيفٍ، فَضَرَبَ بِالْكَرْزَنِ ثُمَّ سَقَطَ يَرْتَكِضُ، فَارْتَجَّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِصَيْحَةٍ وَاحِدَةٍ قَالُوا: أَبْعَدَ اللَّهُ الْمُغِيرَةَ، قَدْ قَتَلَتْهُ الرَّبَّةُ، حِينَ رَأَوْهُ سَاقِطًا، وَقَالُوا: مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فَلْيَتَقَرَّبْ وَلْيَجْتَهِدْ عَلَى هَدْمِهَا، فَوَاللَّهِ لَا يُسْتَطَاعُ أَبَدًا، فَوَثَبَ الْمُغِيرَةُ فَقَالَ: قَبَّحَكُمُ اللَّهُ يَا مَعْشَرَ ثَقِيفٍ، إِنَّمَا هِيَ لَكَاعٌ حِجَارَةٌ وَمَدَرٌ، اقْبَلُوا عَافِيَةَ اللَّهِ وَاعَبْدُوهُ، ثُمَّ ضَرَبَ الْبَابَ فَكَسَرَهُ ثُمَّ عَلَا عَلَى سُورِهَا وَعَلَا الرِّجَالُ مَعَهُ، فَمَا زَالُوا يَهْدِمُونَهَا حَجَرًا حَجَرًا حَتَّى سَوَّوْهَا بِالْأَرْضِ، وَجَعَلَ صَاحِبُ الْمَفَاتِيحِ يَقُولُ: لَيَغْضَبَنَّ الْأَسَاسُ وَلَيُخْسَفَنَّ بِهِمْ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ الْمُغِيرَةُ قَالَ: يَا خَالِدُ، دَعْنِي أَحْفِرُ أَسَاسَهَا، فَحَفَرُوهُ حَتَّى أَخْرَجُوا تُرَابَهَا، وَانْتَزَعُوا حُلِيَّهَا، وَأَخَذُوا ثِيَابَهَا، فَبُهِتَتْ ثَقِيفٌ،...إلخ]؛

 

* وإليك السياق في مغازي الواقدي (3/970): [وَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ وَالْمُغِيرَةُ وَأَصْحَابُهُمَا لِهَدْمِ الرّبّةِ، فَلَمّا دَنَوْا مِنْ الطّائِفِ قَالَ لِأَبِي سُفْيَانَ: تَقَدّمْ فَادْخُلْ لِأَمْرِ النّبِيّ، صلى الله عليه وسلم. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: بَلْ تَقَدّمْ أَنْتَ عَلَى قَوْمِك! فَتَقَدّمَ الْمُغِيرَةُ، وَأَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ بِمَالِهِ ذِي الْهَرْمِ، وَدَخَلَ الْمُغِيرَةُ فِي بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا يَهْدِمُونَ الرّبّةَ. فَلَمّا نَزَلُوا بِالطّائِفِ نَزَلُوا عِشَاءً فَبَاتُوا، ثُمّ غَدَوْا عَلَى الرّبّةِ يَهْدِمُونَهَا. فَقَالَ الْمُغِيرَةُ لِأَصْحَابِهِ الّذِينَ قَدِمُوا مَعَهُ: لَأُضْحِكَنّكُمْ الْيَوْمَ مِنْ ثَقِيفٍ. فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ وَاسْتَوَى عَلَى رَأْسِ الرّبّةِ وَمَعَهُ الْمِعْوَلُ، وَقَامَ، وَقَامَ قَوْمُهُ بَنُو مُعَتّبٍ دُونَهُ، مَعَهُمْ السّلَاحُ مَخَافَةَ أَنْ يُصَابَ كَمَا فُعِلَ بِعَمّهِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ. وَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: كَلّا! زَعَمْت تُقَدّمُنِي أَنْتَ إلَى الطّاغِيَةِ، تُرَانِي لَوْ قُمْت أهدمها كانت بنو معتّب تقوم دُونِي؟ قَالَ الْمُغِيرَةُ: إنّ الْقَوْمَ قَدْ وَاضَعُوهُمْ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَقْدَمَ، فَأَحَبّوا الْأَمْنَ عَلَى الْخَوْفِ. وَقَدْ خَرَجَ نِسَاءُ ثَقِيفٍ حُسّرًا يَبْكِينَ عَلَى الطّاغِيَةِ، وَالْعَبِيدُ، وَالصّبْيَانُ، وَالرّجَالُ مُنْكَشِفُونَ، وَالْأَبْكَارُ خَرَجْنَ. فَلَمّا ضَرَبَ الْمُغِيرَةُ ضَرْبَةً بِالْمِعْوَلِ سَقَطَ مَغْشِيّا عَلَيْهِ يَرْتَكِضُ، فَصَاحَ أَهْلُ الطّائِفِ صَيْحَةً وَاحِدَةً: كَلّا! زَعَمْتُمْ أَنّ الرّبّةَ لَا تَمْتَنِعُ، بَلَى وَاَللهِ لَتَمْتَنِعَنّ! وَأَقَامَ الْمُغِيرَةُ مَلِيّا وَهُوَ عَلَى حَالِهِ تِلْكَ، ثُمّ اسْتَوَى جَالِسًا فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ ثَقِيفٍ، كَانَتْ الْعَرَبُ تَقُولُ: مَا مِنْ حَيّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ أَعْقَلُ مِنْ ثَقِيفٍ، وَمَا مِنْ حَيّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ أَحْمَقُ مِنْكُمْ! وَيْحَكُمْ، وَمَا اللّاتُ وَالْعُزّى، وَمَا الرّبّةُ؟ حَجَرٌ مِثْلُ هَذَا الْحَجَرِ، لَا يَدْرِي من عبده ومن لم يعبده! ويحكم، أتسمع اللّاتُ أَوْ تُبْصِرُ أَوْ تَنْفَعُ أَوْ تَضُرّ؟ ثُمّ هَدَمَهَا وَهَدَمَ النّاسُ مَعَهُ، فَجَعَلَ السّادِنُ يَقُولُ - وَكَانَتْ سَدَنَةَ اللّاتِ مِنْ ثَقِيفٍ بَنُو الْعِجْلَانِ بْنِ عَتّابِ بْنِ مَالِكٍ، وَصَاحِبُهَا مِنْهُمْ عَتّابُ بْنُ مَالِكِ بْنِ كَعْبٍ ثُمّ بَنُوهُ بَعْدَهُ - يَقُولُ: سَتَرَوْنَ إذَا انْتَهَى إلَى أَسَاسِهَا، يَغْضَبُ الْأَسَاسُ غَضَبًا يَخْسِفُ بِهِمْ. فَلَمّا سَمِعَ بِذَلِكَ الْمُغِيرَةُ وَلِيَ حَفْرَ الْأَسَاسِ حَتّى بَلَغَ نِصْفَ قَامَةٍ، وَانْتَهَى إلَى الْغَبْغَبِ خِزَانَتِهَا، وَانْتَزَعُوا حِلْيَتَهَا وَكُسْوَتَهَا وَمَا فِيهَا مِنْ طِيبٍ وَمِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضّةٍ]؛

 

فأقول: في سياق الواقدي ذكر أبي سفيان بن حرب بدلاً من خالد بن الوليد، وفروق أخرى توجب القطع أنه عن غير الزهري؛ كذا في السياقين بتفصيل كبير، مع عدم ورود حرف واحد عن الصخرة البيضاء المنقوشة؛ فمن المحال الممتنع أن تكون قد كسرت، أو حُكَّتْ، أو أرادوا ذلك وعجزوا عنه، ولا يرد عن ذلك حرف واحد في هذا الخبر الطويل، أو غيره من الأخبار المشابهة، بغض النظر عن درجة ثبوتها. ويقال أنها (أي: الصخرة البيضاء المنقوشة) ما زالت تحت المنارة القديمة لمسجد عبد الله بن العباس؛ وعلة عدم كسرها أو حكها، والله أعلم أنها في جوهرها: صخرة طبيعية، وما بها من نقوش من إحداث البشر ثانوي طارئ، لا يعتد به، فلا يوجب كسراً أو حكاً: فلعلها تستخرج يوماً من الأيام ويتم تصوير وقراءة نقوشها.

 

فحقيقة (ذات أنواط)، وقصتها، هي:

أولاً: أنها كانت (تعبد من دون الله)، أي أنها كانت وثناً صنمياً؛ فليست القضية قضية تبرك فقط، كما شطح الخيال بالبعض. وهي في الأرجح (وثن صنمي) لـ(اللات)، إذا كانت في منطقة الطائف بعد وقعة حنين ؛ أو (وثن صنمي) لـ(العزى)، إذا كانت في منطقة مكة قبل وقعة حنين؛

 

ثانياً: أن قوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: (قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةً قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾)، على حقيقته: تشبيه لجوهر قولهم الذي هو (اتخاذ وثن صنمي لله، تصلنا من خلاله بركة الله) بجوهر قول بني إسرائيل: (اتخاذ صنم لله، تصل عبادتنا من خلاله إلى الله)؛ فليس هو مبالغة مجازية، وليس هو تشبيه لبعض جوانب قولهم ببعض جوانب قول بني إسرائيل، ومن زعم خلاف ذلك فعليه البرهان؛

 

ثالثاً: أن مقولة: (اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ)؛ تماماً كمقولة: (اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ)، مقولة كفر: يكفر قائلها إن لم تقم به أحد موانع تكفير المعين المعروفة كالجهل أو التأويل؛ والحال هنا قد يكون مزيجاً من الجهل والتأويل.

 

فليس الحال كما زعمه أبو عبد الله المصري، أحد طلبة العلم، الذي جمع من الكتب والنت بحثاً أسماه: (كشف الأغلاط في فهم قضية ذات أنواط) من سـلسـلـة الدفاع عن الصحابة (6). وكنت قد فرحت عندما وجدت البحث، وقمت بإنزاله، أملاً أن يكفيني كل، أو بعض المؤونة، فكانت خيبة الأمل كبيرة:

فأولاً: نصب المؤلف نفسه للدفاع عن الصحابة، كأنهم بحاجة إلى دفاعه، أو كأنه استلم وكالة شرعية من أبي واقد الليثي، رضي الله عنه، من وراء البرزخ؛ وحتى لو افترضنا أن لذلك مسوغات وجيهة، فليس هذا جوهر القضية في هذه القصة؛

ثانياً: أن المؤلف قرأ النصوص وفي نفسه رأي وهوى مسبق قد اختاره هو، ألا وهو أنه (لا يوجد عذر بالجهل في الكفر)؛ فهو يلوي أعناق النصوص ليقودها إلى رغبته، بدلاً من أن يستسلم للنصوص المنزلة المعصومة حتى تقوده إلى حقائقها، كما هو حال المؤمنين بحق: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً﴾، (الأحزاب؛ 33 : 36).

 

ولسنا نظلم الرجل، فإليك نص قوله: [احتج من يقول بالعذر بالجهل في جميع المسائل بهذا الحديث من أن الصحابة قد ارتكبوا شركا وعذرهم النبي صلي الله عليه وسلم بالجهل ولم يكفرهم، وجعلوا ذلك دليلاً علي أن من فعل الشرك الأكبر جاهلاً لا يكفر، وساق المحتج ببعض النصوص للعلماء ليدعم بها فهمه للحديث ستأتيك في مواضعها وتأتيك الإجابة منها. الجواب علي هذه المعارضة من وجهين]

 

وإليك ردود أبي عبد الله المصري: [الوجه الأول: أقول وبالله التوفيق: إن الذين طلبوا المشابهة في البدعة كانوا حدثاء عهد بالكفر، وطلبوا ولم يفعلوا، وقد نص العلماء على أنهم طلبوا مجرد المشابهة في أن تكون لهم شجرة ينوطون بها السلاح يستمدون بها وليس منها النصر بسبب ما ينزل من البركة عليها من قبل الله جل جلاله. ولذلك سألوا النبي، صلى الله عليه وسلم، ذلك فقالوا: "اجعل لنا ذات أنواط"، فهم لم يدَّعوا فيها هذا من قبل نفوسهم ولكن أرادوا أن يكون ذلك من الله عن طريق نبيه ومصطفاه، صلى الله عليه وسلم، وكما قلت من قبل: يستمدون بها النصر وليس منها كما في الحديث الصحيح (مطرنا بنوء كذا) أي: بسبب النجم لا به، لأن القول مطرنا بسبب النجم فهذا يكون ابتداع وشرك أصغر. فهم طلبوا النصر بها، ولكن المحذور الذي وقعوا فيه هو مشابهتهم للمشركين فقطع النبي، صلى الله عليه وسلم، مادة المشابهة من جذرها، وقال: " قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل (اجعل لنا إلها كما لهم آلهة)]، انتهى كلام أبي عبد الله المصري.

 

فنقول: من أين لك أنهم فقط: (طلبوا المشابهة في البدعة)، وهم قد قالوا صراحة، وبدون مواربة: (اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ)، ومعتقد المشركين في ذات أنواط معروف صراحة أو بالقرائن، لا سيما من تصريح رواية، وإن كان فيها بعض الضعف، عن (ذات أنواط) أنها: (تعبد من دون الله)؛ وتمثيل النبي لقولهم بقول بني إسرائيل، وهو قول كفري صريح؛ واعتذار أبي واقد عن نفسه أو قومه، أو كليهما بأنهم كانوا (حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ)؟!

 

ولا يغني عنك شيئاً القول: [وقد نص العلماء على أنهم طلبوا مجرد المشابهة في أن تكون لهم شجرة ينوطون بها السلاح يستمدون بها وليس منها النصر بسبب ما ينزل من البركة عليها من قبل الله جل جلاله]، فمن حقنا أن نسأل هؤلاء (العلماء)، وسنأتي بنماذج من أقوالهم قريباً: من أين لكم هذا، وخاصة من أين جئتم بقولكم المفصل هذا: (يستمدون بها، وليس منها، النصر بسبب ما ينزل من البركة عليها من قبل الله جل جلاله)، على أن قولكم: (منها) لا معنى له أصلاً لأنهم لم يكونوا يعتقدون أن البركة من ذات الشجرة، بوصفها شجرة، فهذا محال لا يعتقده حتى نزلاء المصحات العقلية؛ وإنما لأنها وثن صنمي ينوب عن اللات أو العزى أو غيرها من الكائنات الإلاهية العلوية الملائكية أو السفلية الشيطانية أو الأرضية الجنية بين بين، وحينئذ لا فرق أن يكون الاستمداد منها أو بها، وكل هذه البهلوانيات اللفظية لا تقدم ولا تأخر: لأنه لا معنى لها، ولا محصول يرجى من ورائها؛

 

والغريب أن أبا محمد المصري الذي جعل قول المعصوم، أفصح العرب، الذي أوتي جوامع الكلم، واختصر له الكلام اختصاراً، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: (اللهُ أَكْبَر: إِنَّهَا السُّنَنُ، قُلْتُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ)، مجرد مشابهة في البدعة، صارفاً القول عن ظاهره وحقيقته من غير برهان، وإنما بشبهات عارضة، وأقوال علماء، لم يحرروا المسألة، وما كان ينبغي له أن يعبأ بقولهم، وهو نفسه يقول بعد أسطر قليلة: (والقوم اللذين سألوا الرسول ذات أنواط لم يطلبوا الشرك الأكبر يقيناً لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة بلا نزاع بين العلماء)؛

فأقول: أي بيان بربكم أوضح من: (قُلْتُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ)؟ّ!

 

ثم ضرب أبو عبد الله المصري مثلاً آخر، فقال: [كما في الحديث الصحيح (مطرنا بنوء كذا) أي: بسبب النجم لا به، لأن القول مطرنا بسبب النجم فهذا يكون ابتداع وشرك أصغر ومن قال: إن النجم هو الذي أنزل المطر فهذا شرك أكبر بالله في ربوبيته]؛ فاخترع ألفاظ (ابتداع)، و(شرك أصغر) من خياله، ولا مستند لها في الأحاديث أصلاً، وهي نحو سبعة أو ثمانية أحاديث، أكثرها صحاح، وليست حديثاً واحداً كما يظهر من كلامه: عن زيد بن خالد الجهني، وأبي هريرة بنقل التواتر عنه، وعبد الله بن العباس، وأبي سعيد الخدري، وأبي مالك الأشعري، وأبي الدرداء، وعمرو بن عوف المزني، رضي الله عنهم، ومعاوية الليثي، ولا يدرى من هو، وعلي بن أبي طالب، رضوان الله وسلامه عليه، وإن كان الأرجح أنه موقوف عليه، قد حاولنا تقصيها، مع الاختصار، تجدها في الفصل المعنون: (تقصي أحاديث: (مطرنا بنوء كذا))؛ ولم ترد فيها لفظة أو سياق يدل على: (البدعة) أصلاً، وإنما ورد فقط:

(1)            (الكفر) ويقابله في أكثر الروايات لفظاً (الإيمان)، وإن كانت السياقات ترجح أن الكفر ها هنا هو (كفر النعمة) المقابل لـ(الشكر)؛ وجاءت رواية صحيحة مصرحة بلفظة: (الشكر) عند الإمام مسلم: (أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر

(2)            (من الجاهلية)، أو (من أمر الجاهلية)، نحو ذلك، فالأمر قديم، درج عليه الناس واعتادوه حتى كاد أن يكون الإفلات منه متعذراً: وهذا هو الضد التام لـ(البدعة)، وهي الأمر الجديد المحدث: فمن أين أتى أبو عبد الله المصري بلفظة (البدعة) ها هنا؛

(3)            لم ترد لفظة (الشرك) مطلقاً، إلا في رواية عن رجل يقال له: (معاوية الليثي) ليس له إلا هذا الحديث الواحد، ولم يرو عنه سوى نصر بن عاصم الليثي، وهذا لا يكفي لرفع الجهالة عنه، ومن باب أولى لا يكفي لتوثيقه، أو معرفة درجته في الحفظ، وتشدده أو تساهله في الرواية بالمعنى؛ ولم يصرح نصر بن عاصم بأنه صحابي، ولبس في نص الحديث ما يوجب ترجيح سماعه من النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأن الرواية تأتي تارة (معنعنة): (عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال) كذا عند البخاري وهو من أحرص خلق الله على تحصيل ألفاظ السماع؛ وتارة (مأنأنة): (عن معاوية الليثي أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال)، وتارة أخرى (معلَّقة): (عن معاوية الليثي قال: قال رسول الله)؛ فهذا المثال، الذي ضربه أبو عبد الله المصري، غير موفق، بل هو حجة عليه، ودحض لمزاعمه.

 

بقي قوله: (ومن قال: إن النجم هو الذي أنزل المطر فهذا شرك أكبر بالله في ربوبيته) ولا أشك أن مقصده سليم، ولكن صياغته في غاية السوء والغموض، وكان الواجب أن يقول: (إن النجم هو الذي ينزل المطر بقدرته الذاتية، على وجه الاستقلال)، أو (أن النجم هو الذي ينزل المطر بغير علم وتقدير وإذن من الله)، أو (أن الله يحتاج وساطة أو معونة النجم لإنزال المطر، كما يحتاج الملوك للمعاونين والوزراء)، أو ما شاكل ذلك، إن أراد التفصيل؛ أو أن يجمل فيقول: (من اعتقد في النجم شيء من الألوهية، ونسب إليه إنزال المطر، فهذا شرك أكبر)، ولا حاجة للقول: (شرك أكبر بالله في ربوبيته) لأنه قد يكون في جوهره شركاً في الذات أو الأسماء والصفات، فضلاً على أنه في الغالب يقصد قسمة ابن تيمية الثلاثية الباطلة المشؤومة، وسنشبع هذا تأصيلاً في كتابنا هذا: (كتاب التوحيد: أساس الإسلام، وحقيقة التوحيد)، فليراجع في مواطنه. وبقية البحث: (كشف الأغلاط في فهم قضية ذات أنواط) لا يخرج كثيراً عما أسلفناه: دوامة من المشتبهات، من غير رد إلى المحكمات!

 

وإنما طولنا مع أبي عبد الله المصري لأنه، جزاه الله خيراً، اجتهد، وأتعب نفسه في جمع بحث كامل أسماه: (كشف الأغلاط في فهم قضية ذات أنواط)، قاصداً الخير، مريداً للمسارعة إليه، بلا شك، فجزاه الله خيراً؛ ولكن خلفيته الوهابية جنت عليه: فقصمت ظهره – كما قصمت ظهور المعلمي وصالح آل الشيخ، وغيرهم كثير، من قبل - فلم يعد بمستطاعه حتى الزحف، أي: المشي على بطنه، دع عنك المسارعة في السعي، أو المسابقة إلى الحقائق.

 

وإليك النماذج الموعودة من أقوال (العلماء)، مع تعليقات مختصرة، من غير إطالة مناقشة، لترى حجم التخبط المخيف:

* جاء في الحوادث والبدع لأبي بكر محمد بن الوليد بن محمد بن خلف القرشي الفهري الأندلسي الطرطوشي المالكي (المتوفى: 520هـ) (ص: 39): [فانظروا - رحمكم الله - أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمون من شأنها ويرجون البرء والشفاء من قبلها وينوطون بها المسامير والخرق؛ فهي ذات أنواط؛ فاقطعوها]؛

فنقول: كذا يكون التأسي الحسن بسيدي أبي القاسم، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، الذي بين وعلم، ولم يقطع الشجرة؛ أما صاحبنا هذا فهو مشغول عن تثقيف العوام وتعليمهم بالمهم الخطير: قطع الشجر: فكأنه يقول بلسان حاله للنبي: (اقطع الشجرة يا محمد، فما أراك قمت بالواجب الأهم). وسؤالنا ها هنا ما الفرق بين حال هذا وحال ذي الخويصرة الهالك الخاسر؟!

* وجاء في اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (2/157): [ولما كان للمشركين شجرة يعلقون عليها أسلحتهم، ويسمونها ذات أنواط، فقال بعض الناس: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط. فقال: «الله أكبر، قلتم كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم». فأنكر النبي، صلى الله عليه وسلم، مجرد مشابهتهم للكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها، معلقين عليها سلاحهم. فكيف بما هو أعظم من ذلك من مشابهتهم المشركين، أو هو الشرك بعينه؟ فمن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها، ولم تستحب الشريعة ذلك، فهو من المنكرات، وبعضه أشد من بعض، سواء كانت البقعة شجرة أو عين ماء أو قناة جارية، أو جبلا، أو مغارة، وسواء قصدها ليصلي عندها، أو ليدعو عندها، أو ليقرأ عندها، أو ليذكر الله سبحانه عندها، أو ليتنسك عندها، بحيث يخص تلك البقعة بنوع من العبادة التي لم يشرع تخصيص تلك البقعة به لا عينا ولا نوعا. وأقبح من ذلك أن ينذر لتلك البقعة دهنا لتنور به، ويقال: إنها تقبل النذر، كما يقول بعض الضالين. فإن هذا النذر نذر معصية باتفاق العلماء، ولا يجوز الوفاء به، بل عليه كفارة عند كثير من أهل العلم، منهم أحمد في المشهور عنه، وعنه رواية هي قول أبي حنيفة والشافعي وغيرهما: أنه يستغفر الله من هذا النذر، ولا شيء عليه، والمسألة معروفة]؛

قول الإمام ابن تيمية: (فأنكر النبي، صلى الله عليه وسلم، مجرد مشابهتهم للكفار في اتخاذ شجرة يعكفون عليها، معلقين عليها سلاحهم)، كذا: (مجرد مشابهتهم)، مزاعم مرسلة، وأقاويل مجردة، لا برهان عليها، ولا يعجز عن الإتيان بها أحد: فما أسهل الادعاء، وأعسر البرهان. ثم هم لم يباشروا بأنفسهم (اتخاذ شجرة يعكفون عليها، معلقين عليها سلاحهم) أصلاً، وإنما طلبوا من النبي أن يجعل لهم ذلك: تماماً كقوم موسى. ثم ما هي حقيقة المعتقد، وجوهر التصور (اتخاذ شجرة يعكف عليها، وتعلق عليها الأسلحة)، فقد يكون معتقداً كفرياً شركياً في غاية الخطورة. ثم بعد هذه الأخطاء الجسيمة، فرع فقال: [فمن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها، ولم تستحب الشريعة ذلك، فهو من المنكرات، وبعضه أشد من بعض... إلخ]، فإذا كان الأصل فاسداً، أو غير محرر، فالنتائج لا شك كذلك: مرتبكة متناقضة، ولكن ليس هذا موضع هذه المباحث الثانوية.

* وقال الشاطبي في (الاعتصام ج2 ص 245 - 246)، في معرض إتباع الأمم السابقة خاصة أهل الكتاب في بدعهم: [فقوله، صلى الله عليه وسلم: (حتى تأخذ أمتي بما أخذ القرون من قبلها) يدل على أنها تأخذ بمثل ما أخذوا به إلا أنه لا يتعين في الإتباع لهم أعيان بدعهم، بل قد تتبعها في أعيانها وتتبعها في أشباهها، فالذي يدل على الأول قوله: (لتتبعن سنن من كان قبلكم) الحديث فإنه قال فيه: (حتى لو دخلوا في جحر ضب خرب لاتبعتموهم). والذي يدل على الثاني قوله: (فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، فقال عليه السلام: هذا كما قالت بنو إسرائيل: اجعل لنا إلهاً) الحديث. فإن اتخاذ ذات أنواط يشبه اتخاذ الآلهة من دون الله لا أنه هو بنفسه، فلذلك لا يلزم الاعتبار بالمنصوص عليه ما لم ينص عليه مثله من كل وجه والله أعلم]؛

فنقول: من هاهنا نشأ الخطأ: لأن الموضوع في الأساس، عند الوهلة الأولى، ليس هو (اتخاذ الآلهة من دون الله)، وإنما (اتخاذ صنم أو وثن صنمي لله)، ولما كان اتخاذ صنم لله، واجب الوجود الأحد، الواحد الصمد، محال، فيترتب على ذلك بالضرورة العقلية أن الصنم المتخذ ينوب، إن قدرنا أنه ينوب أو يقوم مقام شيء أصلاً، ضرورة، عن شيء آخر، غير الله؛

 

* وأوغل في الخطأ قول المارق بن عبد الوهاب بعد أن ساق الحديث في (كتاب التوحيد باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما): [فيه مسائل: المسألة الثالثة: - كونهم لم يفعلوا؛...؛ المسألة الحادية عشر: أن الشرك فيه: أكبر وأصغر لأنهم لم يرتدوا بهذا]؛

فنقول: نعم، ورب الكعبة:

(1)- لم يرتدوا لأنهم معذورون بجهل أو تأويل، وليس لأن مقولتهم ليست من مقولات الكفر؛

(2)- وقوله: (كونهم لم يفعلوا) كلام فارغ، وإنما العبرة بالاعتقاد الذي عبرت عنه المقولة، فإن كانت المقولة مقولة كفر، فالفعل المترتب عليها، إن كان ثمة فعل، إنما هو فقط (زيادة في الكفر)، والكفر قد حصل وفرغ منه بالمقولة نفسها، أي بالمعتقد نفسه؛

 

* وجاء في الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني (1/321): [فهؤلاء إنما طلبوا أن يجعل لهم شجرة ينوطون بها أسلحتهم كما كانت الجاهلية تفعل ذلك، ولم يكن من قصدهم أن يعبدوا تلك الشجرة أو يطلبوا منها ما يطلبه القبوريون من أهل القبور، فأخبرهم - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - أن ذلك بمنزلة الشرك الصريح، وأنه بمنزلة طلب آلهة غير الله]؛

فنقول: إناطة السلاح بالشجرة إذا كان مبنياً على اعتقاد شيء من الصنمية أو الألوهية في الشجرة عبادة للشجرة، أي بلفظ أدق: عبادة للكائن الإلاهي الذي تمثله الشجرة؛ فلا معنى لقوله: (ولم يكن من قصدهم أن يعبدوا تلك الشجرة أو يطلبوا منها ما يطلبه القبوريون من أهل القبور)، لأن العبادة لا بد أن تكون مسبوقة باعتقاد تنبني عليه؛ ولكن الإمام الشوكاني ممن سقط في فخ القسمة الثلاثية وتعريفها الباطل للعبادة، وتبع بن عبد الوهاب في هوسه القبوري، ففسد عقله، واختل نظره: فصار يتخبط: فلا يجد حيلة، ولا يهتدي سبيلاً.

 

* وجاء في الكلمات النافعة في المكفرات الواقعة (ص: 349): [فإذا كان اتخاذ الشجرة لتعليق الأسلحة والعكوف حولها اتخاذ إله مع الله، وهم لا يعبدونها ولا يسألونها، فما الظن بالعكوف حول القبر ودعائه والدعاء عنده والدعاء به؟ وأي نسبة للفتنة بشجرة إلى الفتنة بالقبر لو كان أهل الشرك والبدع يعلمون؟]؛

فنقول: أسلفنا أن (اتخاذ الشجرة لتعليق الأسلحة والعكوف) عبادة للشجرة (مجازاً بمعنى عبادة الإله الذي تمثله ااشجرة)، إذا كان مسبوقاً باعتقاد معين يتضمن نسبة شيء من الألوهية أو الصنمية إليها، فلا معنى لقوله: (وهم لا يعبدونها ولا يسألونها)، فكأنه يقول: إنهم لا يعبدونها، حالة عبادتهم لها ... وحسبك بهذا تناقضاً.

 

ونقول: والقوم ما كانوا يريدون عبادة غير الله أصلاً، وإنما ظنوا جواز اتخاذ صنم أو وثن صنمي (كالشجرة) لله تبارك وتعالي، وهذا محال في حق الله تعالى. يشهد لقولنا هذا، ويقويه: أنه ما ورد قط جدال أو استفتاء لما كان يفعل بالكعبة قبل الإسلام من كسوة، أو إهداء تحف وآثار، أو تقديم عطور وبخور، أو غسلها وتطيبها في المناسبات، والتعلق بأستارها فراراً من القتل أو تضرعاً في الدعاء، واستقبالها في الصلوات... إلخ: كل ذلك كان عبادة لله، وتقرباً إليه، أقره الإسلام، لأن الكعبة من مشاعر الله، وليست صنما لله، باتفاق الجاهليين والإسلاميين. وقد فهم الناس ما قاله عبد الله بن العباس، رضوان الله وسلامه عليهما: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض يصافح بها عباده) فهماً سليماً، ولم يستشكله إلا أهل البلادة.

 

والخلاصة: لعل في هذا كفاية، وإلا طال الأمر جداً من غير كبير محصول، ومهما اختلف الناس في ماهية (ذات أنواط) هذه، إلا أن المقطوع به كذلك أنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، لم يقطعها، ولا أمر بقطعها، بل قد روي عنه لعن من قطع سدر الفلاة: وهذه صفعة قوية على الأقفية الغبية لرجالات الفرقة الوهابية، وبصقة في وجوههم، والله أعلم وأحكم.

 

فصل: انسب لنا ربك

* جاء في مسند أحمد [ط الرسالة (35/143/21219)]؛ وفي النسخة المخرجة (35/143/21219): [حَدَّثَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُيَسَّرٍ الصَّاغَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم: (يَا مُحَمَّدُ، انْسُبْ لَنَا رَبَّكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ * وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾]؛ وهو بعينه في تفسير ابن أبي حاتم [محققا (10/3474/19532)]؛ وأخرجه غيرهما جمع من الأئمة هكذا مختصراً؛

ــ وهو في الكنى والأسماء للدولابي (2/578/1034): [قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ فِيمَا قَرَأَ عَلَيْنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُيَسِّرٍ أَبُو سَعْدٍ الصَّاغَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ انْسِبْ لَنَا رَبَّكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ إِلَى آخِرِهَا]

 

* وجاء في السنة لابن أبي عاصم ومعها ظلال الجنة للألباني (1/297/663): [حدثنا أَبُو كَامِلٍ الْفُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ حَدَّثَنَا أَبُو سَعْدٍ الْخُرَاسَانِيُّ حدثنا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم: انْسُبْ لَنَا رَبَّكَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ قال فالصمد: الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ لأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يَلِدُ أَوْ يولد إلا سيموت. وليس شيء يَمُوتُ إِلا يُورَثُ وَإِنَّ اللَّهَ لا يَمُوتُ وَلا يُورَثُ. وَلَمْ يكن له كفوا أحدا قَالَ لَيْسَ لَهُ شَبِيهٌ وَلا مثل ولا عديل]

ــ وفي كتاب التوحيد لابن خزيمة (1/95) بلفظ: [حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، وَمَحْمُودُ بْنُ خِدَاشٍ، قَالَ: حدثنا أَبُو سَعْدٍ الصَّاغَانِيُّ، قَالَ: حدثنا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّ الْمُشْرِكِينَ، قَالُوا: لِرَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، (انْسُبْ لَنَا رَبَّكَ؟!)، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَبِيهٌ، وَلَا عَدْلٌ، وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ " وَقَالَ مَحْمُودُ بْنُ خِدَاشٍ فِي حَدِيثِهِ: (﴿الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ﴾، لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يُولَدُ إِلَّا سَيَمُوتُ، وَلَيْسَ شَيْءٌ يَمُوتُ إِلَّا سَيُورَثُ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمُوتُ وَلَا يُورَثُ)، وَالْبَاقِي مِثْلُ لَفْظِ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، سَوَاءً]

ــ وهو في أمالي ابن بشران [الجزء الثاني (ص: 266/1481)]: [أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْخَالِقِ بْنُ الْحَسَنِ الْمُعَدِّلُ، حدثنا أَبُو شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، حدثنا أَبُو سَعْدٍ الصَّاغَانِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ مُيَسِّرِ بْنِ سِينَانٍ الْجُعْفِيُّ، فساقه بتمامه]

ــ وهو في أسباب النزول [ت زغلول (ص: 500/880)] بلفظ: [أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمِهْرَجَانِيُّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ ابْنُ بِنْتِ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا جَدِّي أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعْدٍ الصَّغَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: أَنَّ (الْمُشْرِكِينَ) قَالُوا لرسول اللَّه، صلى الله عليه وسلم: (انْسُبْ لَنَا رَبَّكَ؟!)، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، قَالَ: فَالصَّمَدُ: الَّذِي ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾، لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يُولَدُ إِلَّا سَيَمُوتُ، وَلَيْسَ شَيْءٌ يَمُوتُ إِلَّا سَيُورَثُ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَمُوتُ وَلَا يُورَثُ. ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، قَالَ: لَمْ يَكُنْ لَهُ شَبِيهٌ وَلَا عِدْلٌ، ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ]

ــ وهو في الأسماء والصفات للبيهقي (2/39/607): [أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حدثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّاغَانِيُّ، حدثنا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حدثنا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُيَسَّرٍ الصَّاغَانِيُّ، فساقه بتمامه]

ــ وهو في الثاني عشر من المشيخة البغدادية لأبي طاهر السلفي (ص29/ح1000): [أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْمَعَالِي ثَابِتُ بْنُ بُنْدَارِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِئُ، بِقِرَاءَةِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الأَنْمَاطِيِّ، فِي شَعْبَانَ سَنَةِ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ، فِي جَامِعِ الْمَنْصُورِ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْخَلالُ الْحَافِظُ، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ، حدثنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْوَرَّاقُ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حدثنا جَدِّي أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُيَسَّرٍ أَبُو سَعْدٍ الصَّاغَانِيُّ، ]

قلت: ورواه غير أَبِي سَعْدٍ مُحَمَّدٍ بْنِ مُيَسَّرٍ الصَّاغَانِيُّ الضرير من غير ذكر لأبي بن كعب فتخوف بعض الناس أن يكون أبا سعد، لكونه ضريراً لا كتاب له، وإنما اعتماده على حفظه، لم يحفظ كما ينبغي، ولكنه قد توبع متابعة تامة على ذكر أبي بن كعب ورفعه، وعلى نص الحديث بتمامه:

* فقد أخرجه الإمام الحاكم في مستدركه (ج 2/ص589/ح3987): [أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْحَافِظُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَا: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ، حدثنا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (أَنَّ الْمُشْرِكِينَ، قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، انْسُبْ لَنَا رَبَّكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾. قال: الصمد: الذي لم يلد، ﴿وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يُولَدُ إِلَّا سَيَمُوتُ، وَلَيْسَ شَيْءٌ يَمُوتُ إِلَّا سَيُورَثُ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمُوتُ وَلَا يُورَثُ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ قَالَ: لَمْ يَكُنْ لَهُ شَبِيهٌ، وَلَا عَدْلٌ وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)]؛ ثم عقَّب الإمام الحاكم قائلاً: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)؛ ووافقه الذهبي، وحسنه الحافظ (فتح الباري 13/356)؛ وقال الألباني، في (صحيح سنن الترمذي ــ ح2680): [حسن دون قوله: (والصمد الذي... إلخ)]؛

ــ وهو في الأسماء والصفات للبيهقي (1/92/50) بزيادات وتعقيب مفيد: [حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، إِمْلَاءً: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْحَافِظُ وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ هَانِئٍ قَالَا: حدثنا الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ، حدثنا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ انْسُبْ لَنَا رَبَّكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، قَالَ: الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يُولَدُ إِلَّا سَيَمُوتُ، وَلَيْسَ شَيْءٌ يَمُوتُ إِلَّا سَيُورَثُ، وَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يَمُوتُ وَلَا يُورَثُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، لَمْ يَكُنْ لَهُ شَبِيهٌ وَلَا عَدْلٌ، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾]؛ قُال البيهقي: (كَذَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ جَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، تَفْسِيرًا لِلصَّمَدِ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: الصَّمَدُ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ فِي آخَرِينَ، فَيَكُونُ هَذَا الِاسْمُ مُلْحَقًا بِهَذَا الْبَابِ، وَمَنْ ذَهَبَ فِي تَفْسِيرِهِ إِلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الِاشْتِقَاقُ أَلْحَقَهُ بِالْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ وَمِنْهَا «الْعَظِيمُ» قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾، وَذَكَرْنَاهُ فِي خَبَرِ الْأَسَامِي)؛

قلت: الأرجح أن الجمل التفسيرية مدرجة، وليست في أصل الحديث؛ ولا يصح هذا الإسناد بذاته (بسبب أبي جعفر الرازي)، وهو حسن قوي إن شاء الله، ولكنه يصح بمتابعاته وشواهده، وهي كثيرة جداً، وسيأتي طرف منها قريباً.

 

وقد أعل بعضهم الحديث:

* بما جاء في التاريخ الأوسط (2/280/2603): [قَالَ مُحَمَّد بن ميسر أَبُو سعد الصَّاغَانِي الضَّرِير سمع هِشَام بن عُرْوَة وَأَبا جَعْفَر الرَّازِيّ فِيهِ اضْطِرَاب]، وبين الإمام البخاري هذا الاضطراب المزعوم في التاريخ الكبير للبخاري بحواشي المطبوع (1/245/778): [مُحَمَّد بْن ميسر أَبُو سعد الصغاني الضرير سَمِعَ هشام بْن عروة وأبا جَعْفَر الرازي، فِيهِ اضطراب، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر عَنِ الربيع عَنْ أَبِي العالية عَنْ أَبِي: قَالُوا للنبي، صلى الله عليه وسلم، انسب لنا ربك، فنزلت (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، وقَالَ عمار حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر عَنْ أَبِيه عَنِ الربيع عَنِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، مرسل]، قلت: كذا أسنده عبد الله بن أبي جعفر الرازي إلى الربيع فقط؛

* وبما جاء في سنن الترمذي [ت شاكر (5/452/3365)]: [حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي العَالِيَةِ، أَنَّ النَّبِيَّ، صلى الله عليه وسلم، ذَكَرَ آلِهَتَهُمْ فَقَالُوا: انْسُبْ لَنَا رَبَّكَ. قَالَ: فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ السُّورَةِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعْدٍ. وَأَبُو سَعْدٍ اسْمُهُ: مُحَمَّدُ بْنُ مُيَسَّرٍ، وَأَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ اسْمُهُ: عِيسَى، وَأَبُو العَالِيَةِ اسْمُهُ: رُفَيْعٌ وَكَانَ عَبْدًا أَعْتَقَتْهُ امْرَأَةٌ سَائِبَةً]؛

* وجاء في ميزان الاعتدال لذهبي - (3/35): [وقال أبو النضر هاشم: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبى العالية مرسلا]

* وجاء في جامع البيان لأبي جعفر الطبري - (26/485/29615): [حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قل هو الله أحد الله الصمد قال: قال ذلك قادة الاحزاب: انسب لنا ربك، فأتاه جبريل بهذه]؛ ولكن ابن حميد ضعيف، متكلم فيه، ومهران بن أبي عمر العطار الرازي ليس في الذروة من الاتقان والتثبت؛

ــ فأما عبد الله بن أبي جعفر الرازي (واسم أبي جعفر عيسى بن ماهان) فلا تنهض مخالفته للقدح في محمد بن سابق، ولا حتى في أبي سعد الصاغاني، فكيف باجتماعهما، لا سيما أنه أيضاً خالف عبيد الله بن موسى، وأبا النضر هاشم بن القاسم، ومهران بن أبي عمر العطار الرازي الذين بلغوا في الإسناد إلى أبي العالية. وقد جاء في تهذيب الكمال (ج14/ص385/ت3208): [قال عبد العزيز بن سلام سمعت محمد بن حميد يقول عبد الله بن أبي جعفر كان فاسقا سمعت منه عشرة آلاف حديث فرميت بها وقال عبد العزيز أيضا سمعت علي بن مهران يقول سمعت عبد الله بن أبي جعفر يقول طابق من لحم أحب إلي من فلان وقال أبو زرعة وأبو حاتم ثقة زاد أبو حاتم صدوق وقال أبو أحمد بن عدي وبعض حديثه مما لا يتابع عليه وذكره بن حبان في كتاب الثقات]؛ وجاء نحو هذا وزيادة في تهذيب التهذيب (ج5/ص154/500): [وذكره بن حبان في الثقات قلت وقال يعتبر حديثه من غير روايته عن أبيه؛ وقال الساجي فيه ضعف؛ ورأيت في نسخة معتمدة من كامل بن عدي أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا عبد العزيز بن سلام سمعت محمد بن حميد يقول قال عبد الله بن أبي جعفر: (كان عمار بن ياسر فاسقاً)]؛

 ــ وأما عبيد الله بن موسى فلا شك أنه ثقة عابد من أهل الثبت، وخاصة في إسرائيل، ومن أهل التدقيق في ألفاظ التحديث، إلا أن كافة رواياته عن أبي جعفر الرازي إنما جاءت بلفظ الإخبار أو التحديث، إلا هذا الحديث الذي جاء معنعناً، وآخر في تفسير جامع البيان في تأويل القرآن (8/382/9553): [حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن أبي جعفر الرازي، عن زيد بن أسلم، عن ابن يسار، عن ابن عباس: (ولا جنبًا إلا عابري سبيل)، قال: (لا تقرب المسجد إلا أن يكون طريقك فيه، فتمرّ مارًّا ولا تجلس)]؛ نعم: هناك روايتان أخريان بالعنعنة إلا أنها من رواية سفيان بن وكيع عن عبيد الله بن موسى، وليس بالقوي الذي يعتد به. فالواجب ها هنا هو الحذر والتخوف من وجود واسطة بين عبيد الله بن موسى وأبي جعفر الرازي، وقد تكون هذه الواسطة هي مهران بن أبي عمر العطار الرازي أو عبد الله بن أبي جعفر الرازي نفسه، وقد سبق الكلام قريباً عنه. فلا تنهض رواية عبيد الله بن موسى هذه لترجيح الإرسال، ولا يجوز اعتماد قول الإمام الترمذي: (وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعْدٍ) لأنه ما لاحظ عنعنة عبيد الله بن موسى، ولم يعلم بمتابعة محمد بن سابق.

ــ فلم يبق سوى مخالفة أبي النضر هاشم بن القاسم، ولم نجدها حتى الآن في أي أصل من الأصول والأجزاء، وإنما هي فقط عند الذهبي في ميزان الاعتدال، فإن ثبتت دل هذا على أن الاضطراب من أبي جعفر الرازي لسوء حفظه، وقلة إتقانه.

 

وكل ما سلف يوجب القطع بثبوت الحديث مرسلاً، إلا أن الرفع هو الأرجح والأثبت بالشواهد وامتابعات التي توجب القطع بصحة الحديث مرفوعاً:

* فقد جاء في السنة لعبد الله بن أحمد (2/508/1185): [حَدَّثَنِي سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حدثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُجَالِدٍ، حدثنا مُجَالِدٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «انْسُبْ لَنَا رَبَّكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، إِلَى آخِرِهَا]

 ــ وأخرجه الطبراني في معجمه الأوسط (ج6/ص25/ح5687): [حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي قال حدثنا سريج بن يونس قال حدثنا إسماعيل بن مجالد عن مجالد عن الشعبي عن جابر قال: قالوا يا رسول الله انسب لنا ربك فنزلت قل هو الله أحد إلى آخرها]

ــ وهو في أسباب النزول [ت زغلول (ص: 500/881)]: [أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ، أَخْبَرَنَا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُجَالِدٍ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! انْسُبْ لَنَا رَبَّكَ. فَنَزَلَتْ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ إِلَى آخِرِهَا).

ــ وهو في الأسماء والصفات للبيهقي (2/39/608): [وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، حدثنا أَبُو الْعَبَّاسِ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حدثنا سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ، حدثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُجَالِدٍ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: انْسُبْ لَنَا رَبَّكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾]

قلت: هذه أسانيد حسنة جياد، بل لو قلنا صحاح تقوم بها الحجة لما أبعدنا:

ــ مجالد بن سعيد بن عمير الهمداني، مات سنة 143 هـ، أو بعدها بقليل؛ أجحف الحافظ إجحافاً شديداً عندما قال في التقريب: (ليس بالقوي) متبعا في ذلك الإمام يحيى بن معين، ولم يُفَصِّل أو يميز: بل هو ثقة قوي في نفسه، جيد الكتاب، وإنما ضعف بآخرة وصار يقبل التلقين: كذا كان حاله عندما أدركه الإمام يحيى بن سعيد القطان وطبقته ممن بدؤوا الطلب أيام بني العباس، ومع ذلك لم يتركه الإمام يحيى بن سعيد القطان. أما الأئمة القدامى من أمثال شعبة والثوري وحماد بن زيد وهشيم بن بشير فقد قبلوه ووثقوه ورووا عنه. ويمكن استقراء هذا بقراءة مدققة لما جاء في الجرح والتعديل (ج8/ص361/ت2053)، وكذا لما قاله العجلي في معرفة الثقات (ج2/ص264/ت2085): [مجالد بن سعيد، كوفي، جائز الحديث: حسن الحديث؛ إلا أن عبد الرحمن بن مهدى كان يقول: (أشعث بن سوار أقوى منه)، والناس لا يتابعونه على هذا: كان مجالد أرفع من أشعث بن سوار. وقال يحيى بن سعيد: (كان مجالد يلقن الحديث إذا لقن)، وقد رآه وسمع منه. صالح الكتاب: يروى عن قيس بن أبي حازم والشعبي]، والله أعلم؛

ــ إسماعيل بن مجالد بن سعيد الهمداني، هنا أنصف الحافظ فقال: (صدوق يخطئ)، ولو قال: (ثقة يخطئ)، لكان أحسن فهو أحق بذلك من عمرو بن أبي عمرو صاحب حديث البهيمة، وقد أخرج له البخاري في الصحيح والترمذي وغيرهما؛ وقد كتب عنه الإمام يحيى بن معين، وقال: (لا بأس به)، وقال مرة: (ثقة). وسماعه من أبيه مجالد قديم في أيام هشام بن عبد الملك لأنه قد سمع سماك بن حرب، وأبا إسحاق السبيعي، وغيرهم ممن مات قبل 130 هـ، فلعله ولد 105 هـ، أو قبلها، ومات بعد 180 هـ؛ ولعله أيضاً قد ورث كتب أبيه، وهي كتب حسنة جياد، كما سلف ذكره؛

 

* وجاء في الأسماء والصفات للبيهقي (2/38/606): [أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدَانَ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ الصَّفَّارُ، حدثنا مَخْلَدُ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى يَعْنِي الْحَرَشِيَّ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى، حدثنا دَاوُدُ يَعْنِي ابْنَ أَبِي هِنْدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ الْيَهُودَ، جَاءَتِ النَّبِيَّ، صلى الله عليه وسلم، مِنْهُمْ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ وَحُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، صِفْ لَنَا رَبَّكَ الَّذِي بَعَثَكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ﴾، فَيَخْرُجُ مِنْهُ ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾، فَيَخْرُجُ مِنْ شَيْءٍ، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وَلَا شَبَهٌ. فَقَالَ: «هَذِهِ صِفَةُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ وَتَقَدَّسَ عُلُوًّا كَبِيرًا»]؛

ــ وهو في تفسير ابن أبي حاتم - محققا (10/3474/19534) مختصراً: [عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا إِنَّ الْيَهُودَ جَاءَتِ النَّبِيَّ، صلى الله عليه وسلم، مِنْهُمْ كَعْبُ بْنُ الأشرف وحي بْنُ أَخْطَبَ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ صِفْ لَنَا رَبَّكَ الَّذِي بَعَثَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ فَيَخْرجُ مِنْهُ الْوَلَدُ وَلَمْ يُولَدْ فَيُخْرَجُ مِنْ شَيْءٍ].

 

* وجاء في ذم الكلام وأهله (4/105/634): [أَخْبَرَنَا أَبُو يَعْقُوبَ الْحَافِظُ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن عبد الله ابْن الْحُسَيْنِ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الصَّرَّامَ يَقُولُ سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ التَّنُوخِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: (أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، مَا نَسَبُهُ رَبُّكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ إِلَى آخرهَا]

 

* وجاء في تفسير مجاهد (ص: 760): [أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حدثنا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: حدثنا آدَمُ، قَالَ: حدثنا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، قَالَ: حدثنا الْأَعْمَشُ، وَعَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: قَالَتْ قُرَيْشٌ لِلنَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، انْسُبْ لَنَا رَبَّكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ السُّورَةَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ انْسُبْنِي إِلَى هَذَا]؛

ــ وهو في العظمة لأبي الشيخ الأصبهاني (1/375/89): [حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مَنْدَهْ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: قَالَتْ قُرَيْشٌ لِلنَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم: انْسُبْ لَنَا رَبَّكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، «يَا مُحَمَّدُ، انْسُبِنِي إِلَى هَذَا»]

 

* وجاء في تفسير ابن أبي حاتم [محققا (10/3474/19533)]: [عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ أَنَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لِأَحْبَارِ الْيَهُودِ: إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أُحْدِثَ بِمَسْجِدِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ عَهْدًا، فَانْطَلَقَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ لَهُ: أَنْتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَدْنُ، فَدَنَا مِنْهُ، فَقَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَمَا تَجِدُنِي فِي التَّوْرَاةِ رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ لَهُ انْعَتْ لَنَا رَبَّكَ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ فَقَالَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، فَقَرَأَهَا رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ ابْنُ سَلامٍ أَشْهَدُ إِنَّ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَشَهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَكَتَمَ إِسْلامَهُ]؛

ــ وهو في السنة لابن أبي عاصم ومعها ظلال الجنة للألباني (1/298/664): [حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُصَفَّى حدثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عبد الله بْنِ سَلامٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عبد الله بْنَ سَلامٍ قَالَ لأَحْبَارِ الْيَهُودِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُحْدِثَ بِمَسْجِدِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ عَهْدًا قَالَ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: (أنت عبد الله بْنُ سَلامٍ)، قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: قُلْتُ: فَانْعَتْ لَنَا رَبَّكَ؟ قَالَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ وَقَرَأَهُ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم]؛

ــ وهو في دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني (ص: 355/246) بأتم لفظ: [حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصَفَّى قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ قَالَ لِأَحْبَارِ الْيَهُودِ: إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أُجَدِّدَ بِمَسْجِدِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ عَهْدًا فَانْطَلَقَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ بِمَكَّةَ فَوَافَاهُمْ وَقَدِ انْصَرَفُوا مِنَ الْحَجِّ فَوَجَدَ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، بِمِنًى وَالنَّاسُ حَوْلَهُ فَقَامَ مَعَ النَّاسِ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: أَنْتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: ادْنُ فَدَنَوْتُ مُنْهُ فَقَالَ: (أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ أَمَا تَجِدُنِي فِي التَّوْرَاةِ رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقُلْتُ لَهُ: انْعَتْ رَبَّنَا قَالَ: فَجَاءَ جِبْرَئِيلُ حَتَّى وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لَهُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، إِلَى آخِرِهَا فَقَرَأَهَا عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ ابْنُ سَلَامٍ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ انْصَرَفَ ابْنُ سَلَامٍ إِلَى الْمَدِينَةِ فَكَتَمَ إِسْلَامَهُ فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، إِلَى الْمَدِينَةِ وَأَنَا فَوْقَ نَخْلَةٍ لِي أَجُدُّهَا فَأَلْقَيْتُ نَفْسِي فَقَالَتْ أُمِّي: لِلَّهِ أَنْتَ لَوْ كَانَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ مَا كَانَ تَمَّ لَكَ أَنْ تُلْقِيَ نَفْسَكَ مِنْ أَعْلَى النَّخْلَةِ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَأَنَا أَسَرُّ بِقُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، مِنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ إِذَا بُعِثَ]؛

وقال الألباني: (إسناده ضعيف ورجاله موثقون إلا أن حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سلام لم يرو عنه غير ابنه محمد ولم يوثقه غير ابن حبان ثم إنه لم يلق جده عبد الله بن سلام)؛ وقال أيضاً: (والحديث أخرجه الطبراني في "الكبير" 4/218/2: حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثنا محمد بن مصفى به. وقال الهيثمي 7/147: رواه الطبراني ورجاله ثقات إلا أن حمزة لم يدرك جده عبد الله بن سلام).

 

* وجاء في ذم الكلام وأهله (4/99/632): [أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمد ابْن أَيُّوبَ حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ الدِّمْيَاطِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنِ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الثَّقَفِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ وَعَنْ جُوَيْبَرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ وَفْدَ نَجْرَانَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، سَبْعَةُ أَسَاقِفَةٍ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ مِنْهُمْ الْعَاقِبُ، وَالسَّيِّدُ مِنْ مَذْحَجَ، فَقَالُوا لِلنَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، صِفْ لَنَا رَبَّكَ أَمن زبرجد أم من يَاقوت أَمْ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ رَبِّيَ لَيْسَ مِنْ شَيْءٍ كَانَ بَانَ مِنَ الْأَشْيَاءِ وَلَمْ تَكُنِ الْأَشْيَاءُ مِنْهُ) فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فَقَالَ هَذَا أَنْتَ وَاحِدٌ وَهَذَا وَاحِدٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ كُلُّ أَحَدٍ يَمُوتُ إِلٍّا هُوَ)؛ قَالُوا زِدْنَا فِي الصِّفَةِ فَأَنْزَلَ ﴿الله الصَّمد﴾ فَقَالُوا وَمَا الصَّمَدُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (السَّيِّدُ الَّذِي يُصْمَدُ إِلَيْهِ فِي الْحَوَائِجِ كَقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضّر فإليه تجأرون﴾ يُرِيدُ إِلَيْهِ تَسْتَغِيثُونَ قَالُوا زِدْنَا فِي الصِّفَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿لَمْ يلد﴾ كَمَا وَلَدَتْ مَرْيَمُ ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ كَمَا وُلِدَ عِيسَى ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كفوا أحد﴾ يُرِيدُ نَظِيرًا مِنْ خَلْقِهِ فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ وَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يُلَاعِنَهُمْ فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ وَقَالُوا أَخِّرْنَا ثَلَاثًا يَوْمَ الرَّابِعِ نُلَاعِنُكَ فَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى لَا تُلَاعِنُوهُ فِإِنَّهُ نَبِي يُسْتَجَاب لَهُ فِيكُم]، أورد الواحدي فِي أَسبَاب النُّزُول وَالْبَغوِيّ نَحوه بِمَعْنَاهُ مُخْتَصرا عَن الضَّحَّاك وَغَيره؛ وهو في الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير (1/196/60): [أَخْبَرَنَا صَاعِدُ بْنُ سَيَّارِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ الْبُوشَنْجِيُّ، قَدِمَ عَلَيْنَا، أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيُّ الْهَرَوِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، بتمامه باختصار]

 

* وجاء حديث آخر عند الطبراني في معجمه الأوسط (ج1/ص223/ح732): [حدثنا أحمد قال: حدثنا عبد الرحمن بن نافع درخت قال: حدثنا علي بن ثابت عن الوازع بن نافع عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: إن لكل شيء نسبة وإن نسبة الله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ]؛ ثم عقَّب الإمام الطبراني: (لا يروى هذا الحديث عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد، تفرد به عبد الرحمن بن نافع)؛ قلت: ليس تفرد أبي زياد عبد الرحمن بن نافع المخزومي الأعور بقادح، ولكن الوازع بن نافع كثير الوهم والخطأ.

* وجاء في تفسير الطبري، (24/687 ــ 688): [القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدّست أسماؤه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، ذُكر أن المشركين سألوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن نسب ربّ العزّة، فأنزل الله هذه السورة جوابا لهم. وقال بعضهم: بل نزلت من أجل أن اليهود سألوه، فقالوا له: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ فأُنزلت جوابا لهم.

ذكر من قال: أنزلت جوابا للمشركين الذين سألوه أن ينسب لهم الربّ تبارك وتعالى.

ــ حدثنا أحمد بن منيع المَرْوَزِي ومحمود بن خداش الطالَقاني، قالا: حدثنا أبو سعد الصغاني، قال: حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: قال المشركون للنبيّ، صلى الله عليه وسلم: انسُب لنا ربك، فأنزل الله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ * أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾.

ــ حدثنا ابن حُمَيْد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا الحسين، عن يزيد، عن عكرمة، قال: إن المشركين قالوا: يا رسول الله أخبرنا عن ربك، صف لنا ربك ما هو، ومن أي شيء هو؟ فأنزل الله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ * أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، إلى آخر السورة.

ــ حدثنا ابن حُمَيْد، قال: حدثنا مهران، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ * أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، قال: قال ذلك قتادة الأحزاب: انسُب لنا ربك، فأتاه جبريل بهذه.

ــ حدثني محمّد بن عوف، قال: حدثنا سريج، قال: حدثنا إسماعيل بن مجالد، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر قال: قال المشركون: انسُب لنا ربك، فأنزل الله ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ * أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾.

ذكر من قال: نزل ذلك من أجل مسألة اليهود

ــ حدثنا ابن حُمَيْد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، عن محمّد، عن سعيد، قال: أتى رهط من اليهود النبي، صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمّد هذا الله خلق الخلق، فمن خلقه؟ فغضب النبيّ، صلى الله عليه وسلم، حتى انتُقِع لونه، ثم ساورهم غضبا لربه، فجاءه جبريل عليه السلام فسكنه، وقال: اخفض عليك جناحك يا محمّد، وجاءه من الله جواب ما سألوه عنه. قال: يقول الله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾؛ فلما تلا عليهم النبي، صلى الله عليه وسلم، قالوا: صف لنا ربك كيف خلقه، وكيف عضده، وكيف ذراعه، فغضب النبيّ، صلى الله عليه وسلم، أشدّ من غضبه الأول، وساورهم غضبا، فأتاه جبريل فقال له مثل مقالته، وأتاه بجواب ما سألوه عنه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرهِ وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.

ــ حدثنا ابن حُمَيْد، قال: حدثنا مهران، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، قال: جاء ناس من اليهود إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أنسب لنا ربك، فنزلت: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ * أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، حتى ختم السورة.

فتأويل الكلام، إذا كان الأمر على ما وصفنا: قل يا محمّد لهؤلاء السائليك عن نسب ربك وصفته، ومَن خَلقه: الربّ الذي سألتموني عنه، هو الله الذي له عبادة كل شيء، لا تنبغي العبادة إلا له، ولا تصلح لشيء سواهانتهى كلام الإمام الطبري.

وربما استشكل البعض تنوع وتعدد (أسباب النزول) في الروايات السابقة، تماماً مثل الإشكالية التي ذكرها الإمام ابن كثير [في السيرة النبوية لابن كثير - (3/79)] بعد ذكر الروايات في نزول الآيات الكريمات: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾، [النحل آية 126] إِلَى: قَوْلِهِ ﴿يَمْكُرُونَ﴾، فقال رحمه الله: ((قلت: هذه الآية مكية، وقصة أحد بعد الهجرة بثلاث سنين، فكيف يلتئم هذا؟! فالله أعلم)).

 

فنقول: ليست ثمة إشكالية حقيقية، حيث قد قلنا في غير موضع من كتبنا (مثلاً عند مناقشة قوله، جل جلاله، وسمى مقامه: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً * وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً * إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً * سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُبِيناً﴾، (النساء؛ 4: 88 - 91)): [ولعل خير ما يلقي الضوء على معنى هذه الآيات الكريمات معرفة أسباب النزول، وماهية الواقعة التي نزل يعالجها القرآن. ولكننا نسارع إلى التنبيه على أن ما يرد في أسباب نزول أي آية من آي الكتاب العزيز من أحاديث وروايات، إن صحت، إنما يرشد فقط إلى تفصيلات ما ورد في الآية، ويلقي الضوء على معاني جملها فتزاد وضوحاً، ولكنه لا يغير موضوعها، ولا معاني جملها حسب مدلولات اللغة والشرع، ولا يلغي أن العبرة بعموم اللفظ، على ظاهره وعمومه وإطلاقه، لا بخصوص سبب النزول، فليس سبب النزول بمخصص أو مقيد أو مؤوِّل، وإنما يكون التخصيص والتقييد والتأويل، (والتأويل هو: صرف النص عن ظاهره)، من نص آخر، أو ضرورة حس أو عقل، لا غير.

كما أنه ليس من المستنكر أن تتعدد الروايات وتتنوع الوقائع في أسباب نزول آية معينة. نعم: لا شك أن الآية أو المجموعة من الآيات تنزل للمرة الأولى في واقعة معينة، فيلقيها النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، على عدد تقوم به الحجة من (القراء) المتفرغين لحفظ القرآن، ويمليها فوراً على من حضره من الكتبة، فتكتب على ما تيسر من العسب واللخاف والجريد والألواح والأدم والرقوق. ثم يتم نقلها بعد ذلك بمدة قصيرة أو طويلة إلى الصحف المعتمدة عند الجلوس لـ(تأليف القرآن). ثم يعرض كل ذلك ويراجع على جبريل في كل رمضان. فإذا جاءت رواية موثقة بأن الآية نزلت وكتبت أو أمليت، علمنا من ذلك أنها النزلة الأولى. كما أن انطباق الآية، أو المجموعة من الآيات، عند نرولها أول مرة على الواقع يكون انطباقاً تاماً لجميع جملها وجزئياتها. فإذا وجدنا مثل هذا الانطباق التام رجحنا أن هذا هو النزول الأول. ثم قد تأتي مناسبة أخرى، فتقع واقعة، أو يسأل النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، عن أمر، فيحكم فيه النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بحكم معين ويتلو الآية، فبظن بعض من حضره تلك الساعة، ممن لم يكن يحفظها، أنها نزلت لتوها، لا سيما إذا سكت النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ينتظر الوحي، ثم أخذته الشدة المعروفة التي كانت تعتريه غالباً عند نزول الوحي، فيظن من حضره حينئذ أن ما يتلوه بعد انكشاف الشدة، شدة نزول الوحي، قد نزل لتوه، مع أنه نزل قديماً، وإنما جاء الوحي الجديد يرشد إلى تطبيقه على هذه الواقعة أيضاً. وفي الغالب يكون انطباق الآية، أو المجموعة من الآيات، على هذا الواقع الجديد انطباقاً جزئياً لأحد أو بعض جملها، التي حصل بها الاستشهاد. فليس من المستنكر إذاً أن ترد روايات صحاح تذكر وقائع متعددة سبباً للنزول، كما أسلفنا]، انتهى نصنا المنقول. فآية المعاقبة بالمثل مكية قطعاً، ثم أنزلت مرة أخرى في واقعة أحد، أو تليت حينئذ للتذكير، ومرة ثالثة بعد الفتح المكي المجيد، وهكذا، فلله الحمد والمنة.

 

فمجموع النصوص آنفة الذكر، على اختلاف جزئياتها، إذاً لا يدع مجالاً للشك أن العرب كانت تعتقد أن (الألوهية)، أو (الربوبية)، أو سمها ما شئت: جنس تتعدد أنواعه، وكل نوع تكثر أفراده؛ بحيث يتصور أن يُطَالَب النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أنسب لنا ربك)!

 

فصل: قول الله، جل جلاله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾

من المقطوع به أن نسبة الولد إلى الله داء عضال قد فشا في شتى طوائف الشرك، وكذلك عامة النصارى، وفئام من اليهود، وقد أبطله الله، جل جلاله، بشتى صنوف الحجج العقلية والنقلية، واشتد نكيره له في آيات كثيرة، منها الآية موضوع فصلنا هذا: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، (الأنعام؛ 6: 100 ــ 101)، وآيات أخر في أزيد من عشرين موضع، منها:

 ــ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ؛ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ؛ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾، (النساء؛ 4: 171)؛

ــ ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، (مريم؛ 19: 34 ــ 35)؛ فهذه الآية وسابقتها في المسيح عيسى بن مريم، صلوات الله عليه وعلى والدته، خاصة.

ــ ﴿وَقَالُوا: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً، سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾، (البقرة؛ 2: 120)؛

ــ ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ، فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾، (الاسراء؛ 17: 111).

ــ ﴿قَالُوا: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً، سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾، (يونس؛ 10: 68)؛

ــ ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً، (الكهف؛ 18: 4).

ــ ﴿وَقَالُوا: اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾، (مريم؛ 19: 89 ــ 93)؛

ــ ﴿وَقَالُوا: اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً، سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾، (الانبياء؛ 21: 26)؛

ــ ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ، وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، (المؤمنون؛ 23: 91)؛

ــ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾، (الفرقان؛ 25: 2)؛

ــ ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾، (الزخرف؛ 43: 81).

ــ ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾، (الزمر؛ 39: 4)؛ فهذه الآية، والتسع السابقة، عامة في كل من نسب إلى الله جنس الولد: النصارى القائلين بتولد المسيح من الله وبانبثاق الروح القدس من الله؛ ومشركي العرب القائلين: (الملائكة بنات الله)؛ والفلاسفة القائلين بـ(تولُّد) أو بـ(فيض) أو بـ(انبثاق) العقول والنفوس من (العقل الأول) دفعة واحدة، أو درجة بعد درجة، بواسطة أو بدونها.

ــ ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً﴾، (الاسراء؛ 17: 40)؛

ــ ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ * أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، (الصافات؛ 37: 150 ــ 152)؛

ــ ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾، (الزخرف؛ 43: 20)؛

ــ ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ﴾، (الزخرف؛ 43: 19)؛

ــ ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً، (الجـن؛ 72: 3)؛ وهذه الأربع كأنها في مشركي العرب القائلين: (الملائكة بنات الله)، وأمهاتهم: (بنات سروات الجن).

وقد سبق الكلام مفصلاً عن قوله، جل جلاله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَاناً مَرِيداً﴾، (النساء؛ 4: 117)؛ وقوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾، (الصافات؛ 37:158).

 

ومن العجيب أن الإمام ابن تيمية قل أن يورد هذه الآيات عند (استقرائه التام) المزعوم لتأسيس قسمته الثلاثية المكذوبة الساقطة: «توحيد الربوبية»، «توحيد الألوهية»، و«توحيد الأسماء والصفات»؛ فلعل هذه الآيات سقطت من مصحفه؟!

 

طبعاً سيسارع مقلدة ابن تيمية قائلين: لقد بهتُّم الإمام، فها هو يقول نصا: [وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْقُرْآنِ مِنْ الْأَسْرَارِ وَبَيَانِ الْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ عَلَى الْمَطَالِبِ الدِّينِيَّةِ مَا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ وَإِنَّمَا الْغَرَضُ التَّنْبِيهُ. وَكَذَلِكَ مَا اسْتَعْمَلَهُ سُبْحَانَهُ فِي تَنْزِيهِهِ وَتَقْدِيسِهِ عَمَّا أَضَافُوهُ إلَيْهِ مِنْ الْوِلَادَةِ سَوَاءٌ سَمَّوْهَا حِسِّيَّةً أَوْ عَقْلِيَّةً كَمَا تَزْعُمُهُ النَّصَارَى مِنْ تَوَلُّدِ الْكَلِمَةِ - الَّتِي جَعَلُوهَا جَوْهَرَ الِابْنِ - مِنْهُ وَكَمَا تَزْعُمُهُ الْفَلَاسِفَةُ الصَّابِئُونَ مِنْ تَوَلُّدِ الْعُقُولِ الْعَشَرَةِ وَالنُّفُوسِ الْفَلَكِيَّةِ التِّسْعَةِ: الَّتِي هُمْ مُضْطَرِبُونَ فِيهَا هَلْ هِيَ جَوَاهِرُ أَوْ أَعْرَاضٌ؟ وَقَدْ يَجْعَلُونَ الْعُقُولَ بِمَنْزِلَةِ الذُّكُورِ، وَالنُّفُوسَ بِمَنْزِلَةِ الْإِنَاثِ وَيَجْعَلُونَ ذَلِكَ آبَاءَهُمْ وأمهاتهم وَآلِهَتَهُمْ وَأَرْبَابَهُمْ الْقَرِيبَةَ، وَعِلْمُهُمْ بِالنُّفُوسِ أَظْهَرُ لِوُجُودِ الْحَرَكَةِ الدَّوْرِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْحَرَكَةِ الْإِرَادِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى النَّفْسِ الْمُحَرِّكَةِ لَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْعَلُونَ النَّفْسَ الْفَلَكِيَّةَ عَرَضًا لَا جَوْهَرًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ وَذَلِكَ شَبِيهٌ بِقَوْلِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ: الَّذِينَ جَعَلُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. قَالَ تَعَالَى ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَلَا إنَّهُمْ مِنْ إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ وَكَانُوا يَقُولُونَ الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ كَمَا يَزْعُمُ هَؤُلَاءِ: أَنَّ الْعُقُولَ أَوْ الْعُقُولَ وَالنُّفُوسَ (هِيَ الْمَلَائِكَةُ) وَهِيَ مُتَوَلِّدَةٌ عَنْ اللَّهِ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾. وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ أَيْ جَائِرَةٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ. فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الرَّبَّ الْخَالِقَ أَوْلَى بِأَنْ يُنَزَّهُ عَنْ الْأُمُورِ النَّاقِصَةِ مِنْكُمْ فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ لَهُ مَا تَكْرَهُونَ أَنْ يَكُونَ لَكُمْ وَتَسْتَخِفُّونَ مِنْ إضَافَتِهِ إلَيْكُمْ مَعَ أَنَّهُ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ وَلَا تُنَزِّهُونَهُ عَنْ ذَلِكَ وَتَنْفُونَهُ عَنْهُ، وَهُوَ أَحَقُّ بِنَفْيِ الْمَكْرُوهَاتِ الْمُنْقِصَاتِ مِنْكُمْ]، كذا بأحرفه في مجموع الفتاوى [ت بن قاسم - ط مجمع الملك فهد (3/301)]؛ والفتاوى الكبرى لابن تيمية [ط المعرفة (1/127)]؛ مجموع الفتاوى [ت الباز والجزار (3/301 - 302)]؛ وتجد النص بنحوه في درء تعارض العقل والنقل (1/35)؛ وفي رسالة في أصول الدين (ص: 13)؛ وربما غيرها من مؤلفات الشيخ، وكتب مقلدته.

فنقول: قد علمنا بذلك، وإنما قلنا: (فلعل هذه الآيات سقطت من مصحفه)، من باب السخرية حيث أنه لم يرفع بها رأساً، ولم يستفد منها تعريفاً صحيحا للفظة: (إله)، ولم يربط ذلك بـ(العبادة) التي العرب تصرفها للملائكة (ومنها: اللات، والعزى، ومناة)، وأنها، أي: (العبادة)، إنما كانت لاعتقادهم (الجنس)، أو (العنصرية) الإلاهية فيها، المرتبطة ارتباطا حتمياً بنسبة النقص إلى الله سبحانه وتعالى. فمقصده ها هنا فقط هو (التنزيه والتقديس)، والكلام العقيم عن (الْعُقُولِ الْعَشَرَةِ وَالنُّفُوسِ الْفَلَكِيَّةِ التِّسْعَةِ: الَّتِي هُمْ مُضْطَرِبُونَ فِيهَا هَلْ هِيَ جَوَاهِرُ أَوْ أَعْرَاضٌ). وأما (التوحيد) فكأنه موضوع مستقل، لا علاقة له بـ(تَنْزِيهِهِ وَتَقْدِيسِهِ) لأنه قال بعدها مباشرة، من غير فاصل: [وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي التَّوْحِيدِ: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أَيْ كَخِيفَةِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا كَمَا فِي قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ وَفِي قَوْلِهِ ﴿لَوْلَا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ وَفِي قَوْلِهِ ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ وَفِي قَوْلِهِ ﴿فَتُوبُوا إلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ وَفِي قَوْلِهِ ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ فَإِنَّ الْمُرَادَ فِي هَذَا كُلِّهِ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ. فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْمَخْلُوقَ لَا يَكُونُ مَمْلُوكُهُ شَرِيكَهُ فِيمَا لَهُ حَتَّى يَخَافَ مَمْلُوكُهُ كَمَا يَخَافُ نَظِيرُهُ بَلْ تَمْتَنِعُونَ أَنْ يَكُونَ الْمَمْلُوكُ لَكُمْ نَظِيرًا فَكَيْفَ تَرْضَوْنَ لِي أَنْ تَجْعَلُوا مَا هُوَ مَخْلُوقِي وَمَمْلُوكِي شَرِيكًا لِي: يُدْعَى وَيُعْبَدُ - كَمَا أُدْعَى وَأُعْبَدَ - كَمَا كَانُوا يَقُولُونَ فِي تَلْبِيَتِهِمْ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك إلَّا شَرِيكًا هُوَ لَك تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ - وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ عَظِيمٌ جِدًّا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ]؛ كذا نصاً بأحرفه في مجموع الفتاوى [ت الباز والجزار (3/302)]؛

فأقول: والله، الذي لا إله إلا هو، ما جعل مشركو العرب لله شريكا يدعى، ويعبد، وهم في نفس الوقت يعتقدون أنه (مخلوق مربوب) أصلاً كما تخيل الإمام، قدوة الأنام. وإنما جعلوا معه آلهة أخرى: إما من جنسه وعنصره، متولدة منه، كالملائكة؛ أو مخلوقة له، ولكنها تمردت عليه: فاختبأت منه، وأعجزته هرباً، كالجن؛ أو حادثة بطريقة غامضة رغم إرادته، تفسد عليه أمره، كإله الشر الحادث عند بعض المجوس، وكإبليس عند عامة العرب في الأرجح؛ وإما مستقلة عنه غير مخلوقة له أصلاً كإله الشر القديم عند عامة المجوس وبعض العرب.

ثم أقول: أليس (تَنْزِيهِهِ وَتَقْدِيسِهِ) ركن جوهري في ما أسماه الإمام أبو العباس أحمد بن تيمية: (توحيد الأسماء والصفات)، فما باله ها هنا ذكر (التوحيد)، هكذا معرفاً بالألف واللام، بعد (تَنْزِيهِهِ وَتَقْدِيسِهِ)، مشعراً بأن هذا غير ذاك؟! أم أن ما يسميه الإمام، قدوة الأنام: (توحيد الأسماء والصفات) إنما يستخدم في المباحث الثانوية العقيمة حول الأسماء والصفات، وللإرهاب الفكري ضد أهل الإسلام من الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة والأباضية والشيعة، الذين فهموا (التوحيد)، بما في ذلك (توحيد الأسماء والصفات) خيراً من فهمه؟!

 

وأزيد: أليس نسبة الولد إلى الله، جل جلاله، من أشد وأقبح ما وقع من الكفر والشرك من كفرة بني آدم كما فصلناه في باب سابق، في فصل مستقل بعنوان: ( نسبة (الولد) إلى الله من أبشع الكفر): فماله لم يرفع بذلك رأساً؟!

 

* وقد جاء في (تفسير الطبري) ــ (11/7 ــ 10): [القول في تأويل قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾؛ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وجعل هؤلاء العادلون بربهم الآلهةَ والأندادَ لله شركاء، الجن، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾، [سورة الصافات: 158]. وفي الجن وجهان من النصب، أحدهما: أن يكون تفسيرًا للشركاء؛ والآخر: أن يكون معنى الكلام؛ وجعلوا لله الجن شركاء، وهو خالقهم.

واختلفوا في قراءة قوله: ﴿وخلقهم﴾؛ فقرأته قراء الأمصار: (وَخَلَقَهُمْ)، على معنى أن الله خلقهم، منفردًا بخلقه إياهم. وذكر عن يحيى بن يعمر ما يلي:

13680 ــ حدثني به أحمد بن يوسف قال: حدثنا القاسم بن سلام قال: حدثنا حجاج، عن هارون، عن واصل مولى أبي عيينة، عن يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر: أنه قال: ﴿شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلْقَهُمْ﴾ بجزم ﴿اللام﴾ بمعنى أنهم قالوا: إنّ الجنّ شركاء لله في خلقه إيّانا.

قال أبو جعفر: وأوْلى القراءتين بالصواب، قراءة من قرأ ذلك: (وَخَلَقَهُمْ)، لإجماع الحجة من القرأة عليها.

وأما قوله: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، فإنه يعني بقوله: (خرقوا) اختلقوا؛ يقال: (اختلق فلان على فلان كذبًا) و(اخترقه)، إذا افتعله وافتراه. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

13681 ــ حدثني المثنى قال: حدثنا أبو صالح قال: حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ، يعني أنهم تخرَّصوا.

13682 ــ حدثني محمّد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ، قال: جعلوا له بنين وبنات بغير علم.

13683 ــ حدثني محمّد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ، قال: كذبوا.

13684 ــ حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

13685 ــ حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ كذبوا ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونْ﴾، عما يكذبون. أما العرب فجعلوا له البنات، ولهم ما يشتهون من الغلمان؛ وأما اليهود فجعلوا بينه وبين الجِنّة نسبًا ولقد علمت الجِنّة أنهم لمحضرُون.

13686 ــ حدثنا محمّد بن عبد الأعلى قال: حدثنا محمّد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ قال: خرصوا له بنين وبنات.

13687 ــ حدثني محمّد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ، يقول: قطعوا له بنين وبنات. قالت العرب: (الملائكة بنات الله)، وقالت اليهود والنصارى: (المسيح وعزير أبناء الله).

13688 ــ حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ، قال: ﴿خرقوا﴾، كذبوا، لم يكن لله بنون ولا بنات؛ قالت النصارى: المسيح ابن الله؛ وقال المشركون: الملائكة بنات الله؛ فكلٌّ خرقوا الكذب، ﴿وخرقوا﴾، اختلقوا.

13689 ــ حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾، قال: قول الزنادقة؛ ﴿وخرقوا له﴾، قال ابن جريج، قال مجاهد: ﴿خرقوا﴾، كذبوا.

13690 ــ حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبو أسامة، عن جويبر، عن الضحاك: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ، قال: وصفوا له.

13691 ــ حدثنا عمران بن موسى قال: حدثنا عبد الوارث، عن أبي عمرو: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ، قال: تفسيرها: وكذبوا.

قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذاً: وجعلوا لله الجنَّ شركاءَ في عبادتهم إياه، وهو المنفرد بخلقهم بغير شريك ولا معين ولا ظهير ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ، يقول: وتخرَّصوا لله كذبًا، فافتعلوا له بنين وبنات بغير علم منهم بحقيقة ما يقولون، ولكن جهلا بالله وبعظمته، وأنه لا ينبعي لمن كان إلهًا أن يكون له بنون وبنات ولا صاحبة، ولا أن يشركه في خلقه شريك]، انتهى؛

 

فأقول: أيا ما قرأنا: ﴿وَخَلْقَهُمْ﴾، أو قرأنا: ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾:

أولاً: في القراءة الشاذة ﴿وَخَلْقَهُمْ﴾، فالجن شركاء لله في الخلق، خلق الإنسان وغيره، فهم مشاركون في الخلق: وهذا شرك صريح في (الخالقية

ثانياً: أو قرأنا: ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾، فهذا تقرير من الله يبين فيه، ويؤكد، حقيقة الجن أنهم من جملة خلقه، وهذا لا يتناسب مع فصاحة القرآن وبلاغته إلا إذا كان المخاطبون يعتقدون أن الجن غير مخلوقين لله، فسارع فوراً بتكذيبهم لتصحيح الاعتقاد. وإذا كان الجن غير مخلوقين لله، في معتقد بعض مشركي العرب، وهم في نفس الوقت شركاء له، فلا يخرج الأمر عن واحدة من الآتي:

(أ)- أنهم غير مخلوقين أصلا: فهم إذا من جنس إلاهي: آلهة أزلية أصيلة؛ أو هم أولاد لله؛ أو أولاد لإله آخر (إبليس مثلاً في قول الزنادقة وعامة المجوس): وهذا شرك في الذات، أو بلفظ أدق: شرك في (الجنس الإلاهي)، من أقبح ما يكون؛

(ب)- أو أنهم مخلوقون لخالق آخر: وهذا شرك صريح في (الخالقية

(ج)- أو أنهم حادثون بدون خالق أو محدِث، بطريقة غامضة رغم إرادة الله، يفسدون على الله أمره، كإله الشر الحادث عند بعض المجوس: وهذا شرك صريح في التصرف والتدبير، وشرك غير مباشر في (الخالقية) لأنه يناقض كون الله خالق كل شيء؛

 

* وجاء في (تفسير الطبري)، (15/145 ــ 146): [القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾؛ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال هؤلاء المشركون بالله من قومك، يا محمّد: ﴿اتخذ الله ولدًا﴾، وذلك قولهم: (الملائكة بنات الله). يقول الله منزهًا نفسه عما قالوا وافتروا عليه من ذلك: ﴿سبحان الله﴾، تنزيهًا لله عما قالوا وادَّعوا على ربهم؛ ﴿هو الغني﴾ يقول: الله غنيٌّ عن خلقه جميعًا، فلا حاجة به إلى ولد، لأن الولد إنما يَطْلُبه من يطلبه، ليكون عونًا له في حياته وذكرًا له بعد وفاته، والله عن كل ذلك غنيٌّ، فلا حاجة به إلى معين يعينه على تدبيره، ولا يَبيدُ فيكون به حاجة إلى خلف بعده؛ (له ما في السموات وما في الأرض)، يقول تعالى ذكره: لله ما في السموات وما في الأرض مِلْكًا، والملائكةُ عباده وملكه، فكيف يكون عبد الرجل وملكه له ولدًا؟ يقول: أفلا تعقلون أيها القوم خطأ ما تقولون؟ ﴿إن عندكم من سلطان بهذا﴾، يقول: ما عندكم أيها القوم، بما تقولون وتدّعون من أن الملائكة بنات الله، من حجة تحتجون بها، وهي السلطان؟ أتقولون على الله قولا لا تعلمون حقيقته وصحته، وتضيفون إليه ما لا يجوز إضافته إليه، جهلا منكم بما تقولون، بغير حجة ولا برهان؟]، انتهى؛

 

* وجاء في (تفسير الطبري) ــ (17/231): [القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرِطُونَ﴾. يقول تعالى ذكره: ويجعل هؤلاء المشركون لله ما يكرهونه لأنفسهم. ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾، يقول: وتقول ألسنتهم الكذب وتفتريه، أن لهم الحسنى، فأن في موضع نصب، لأنها ترجمة عن الكذب. وتأويل الكلام: ويجعلون لله ما يكرهونه لأنفسهم، ويزعمون أن لهم الحسنى، الذي يكرهونه لأنفسهم. البنات يجعلونهن لله تعالى، وزعموا أن الملائكة بنات الله. وأما الحُسنى التي جعلوها لأنفسهم فالذكور من الأولاد، وذلك أنهم كانوا يئدون الإناث من أولادهم، ويستبقون الذكور منهم، ويقولون: لنا الذكور ولله البنات، وهو نحو قوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾؛ وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل]، انتهى؛

 

* وجاء في (تفسير الطبري) ــ (17/452 ــ 453): [القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلا عَظِيمًا﴾. يقول تعالى ذكره للذين قالوا من مشركي العرب: الملائكة بنات الله؛ ﴿أفأصْفاكُمْ﴾، أيها الناس، ﴿رَبُّكُمْ بالبَنينَ﴾، يقول: أفخصكّم ربكم بالذكور من الأولاد ﴿وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا﴾ وأنتم لا ترضونهن لأنفسكم، بل تئدونهن وتقتلونهن، فجعلتم لله ما لا ترضونه لأنفسكم: ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلا عَظِيمًا﴾ يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين الذين قالوا من الفرية على الله ما ذكرنا: إنكم أيها الناس لتقولون بقيلكم: (الملائكة بنات الله)، قولا عظيما، وتفترون على الله فرية منكم. وكان قتادة يقول في ذلك ما حدثنا محمّد، قال: حدثنا محمّد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا﴾ قال: قالت اليهود: الملائكة بنات الله]، انتهى؛

 

* وجاء في (تفسير الطبري) ــ (17/595 ــ 596): [القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا﴾، والصواب من القراءة في ذلك عندي، قراءة من قرأ: ﴿كَبُرَتْ كَلِمةً﴾، نصباَ، لإجماع الحجة من القراء عليها، فتأويل الكلام: عَظُمت الكلمة كلمة تخرج من أفواه هؤلاء القوم الذين قالوا: اتخذ الله ولدا، والملائكة بنات الله. كما حدثنا ابن حُمَيْد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿كَبُرَتْ كَلِمةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾، قولهم: (إن الملائكة بنات الله)، وقوله: ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا﴾، يقول عز ذكره: ما يقول هؤلاء القائلون اتخذ الله ولدا بقيلهم ذلك إلا كذبا وفرية افتروها على الله]، انتهى؛

 

* وجاء في (تفسير الطبري) ــ (19/65 ــ 66): [القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (90) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (92)﴾. يقول: ما الأمر كما يزعم هؤلاء المشركون بالله، من أن الملائكة بنات الله، وأن الآلهة والأصنام ألهة دون الله]، انتهى؛

 

* وجاء في (تفسير الطبري) ــ (19/236): [القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾؛ ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾، يقول: تكذيبا لمن أضاف إليه الولد، وقال: الملائكة بنات الله، ما اتخذ الذي نزل الفرقان على عبده ولدا، فمن أضاف إليه ولدا فقد كذب وافترى على ربه، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ يقول تكذيبا لمن كان يضيف الألوهة إلى الأصنام ويعبدها من دون الله من مشركي العرب، ويقول في تلبيته: (لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك)، كذب قائلو هذا القول، ما كان لله من شريك في مُلكه وسلطانه، فيصلح أن يعبد من دونه]، انتهى؛

 

* وجاء في (تفسير الطبري) ــ (21/117 ــ 118): [﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ * أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. وقوله (فَاسْتَفْتِهِمْ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمّد، صلى الله عليه وسلم: سل يا محمّد مشركي قومك من قريش.

كما حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾، يعني مشركي قريش.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ قال: سلهم، وقرأ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ﴾، قال: يسألونك.

حدثنا محمّد، قال: حدثنا أحمد قال: حدثنا أسباط، عن السديّ ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ يقول: يا محمّد سلهم.

وقوله: ﴿أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾: ذكر أن مشركي قريش كانوا يقولون: (الملائكة بنات اللهوكانوا يعبدونها، فقال الله لنبيه محمّد عليه الصلاة والسلام: سلهم، وقل لهم: ألربي البنات ولكم البنون؟. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:

ــ حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، ﴿أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾؟ لأنهم قالوا: يعني مشركي قريش: لله البنات، ولهم البنون.

ــ حدثنا محمّد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن المفضل، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾، قال: كانوا يعبدون الملائكة.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ * أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. يعني تعالى ذكره: أم شهد هؤلاء القائلون من المشركين: (الملائكة بنات الله)، خلقي الملائكة وأنا أخلقهم إناثا، فشهدوا هذه الشهادة، ووصفوا الملائكة بأنها إناث. وقوله: ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ﴾، يقول تعالى ذكره: ألا إن هؤلاء المشركين من كذبهم ﴿لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، في قيلهم ذلك]، انتهى؛

 

* وجاء تفصيل ونقاش جيد في (تفسير الرازي) ــ (6/405): [﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾؛ في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر هذه البراهين الخمسة من دلائل العالم الأسفل والعالم الأعلى على ثبوت الإلهية، وكمال القدرة والرحمة. ذكر بعد ذلك أن من الناس من أثبت لله شركاء، واعلم أن هذه المسألة قد تقدم ذكرها إلا أن المذكور ههنا غير ما تقدم ذكره وذلك لأن الذين أثبتوا الشريك لله فرق وطوائف.

فالطائفة الأولى: عبدة الأصنام، فهم يقولون: الأصنام شركاء لله في العبودية، ولكنهم معترفون بأن هذه الأصنام لا قدرة لها على الخلق والإيجاد والتكوين.

والطائفة الثانية: من المشركين الذين يقولون: مدبر هذا العالم هو الكواكب، وهؤلاء فريقان منهم من يقول: إنها واجبة الوجود لذاتها، ومنهم من يقول: إنها ممكنة الوجود لذواتها محدثة، وخالقها هو الله تعالى، إلا أنه سبحانه فوض تدبير هذا العالم الأسفل إليها، وهؤلاء هم الذين حكى الله عنهم أن الخليل، صلى الله عليه وسلم، ناظرهم بقوله: ﴿لا أُحِبُّ الآفلين﴾ وشرح هذا الدليل قد مضى.

والطائفة الثالثة: من المشركين الذين قالوا: لجملة هذا العالم بما فيه من السموات والأرضين إلهان، أحدهما فاعل الخير. والثاني فاعل الشر، والمقصود من هذه الآية حكاية مذهب هؤلاء فهذا تقرير نظم الآية والتنبيه على ما فيها من الفوائد. فروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء الجن﴾ نزلت في الزنادقة الذين قالوا: إن الله وإبليس أخوان، فالله تعالى خالق الناس والدواب والأنعام والخيرات، وإبليس خالق السباع والحيات والعقارب والشرور.

واعلم أن هذا القول الذي ذكره ابن عباس أحسن الوجوه المذكورة في هذه الآية، وذلك لأن بهذا الوجه يحصل لهذه الآية مزيد فائدة مغايرة لما سبق ذكره في الآيات المتقدمة، قال ابن عباس: والذي يقوي هذا الوجه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً﴾ [الصافات: 158] وإنما وصف بكونه من الجن لأن لفظ الجن مشتق من الاستتار، والملائكة والروحانيون لا يرون بالعيون فصارت كأنها مستترة من العيون، فبهذا التأويل أطلق لفظ الجن عليها، وأقول: هذا مذهب المجوس، وإنما قال ابن عباس: هذا قول الزنادقة، لأن المجوس يلقبون بالزنادقة، لأن الكتاب الذي زعم زرادشت أنه نزل عليه من عند الله مسمى بـ(الزند)، والمنسوب إليه يسمى (زندي). ثم عرب فقيل (زنديق). ثم جمع فقيل (زنادقة).

واعلم أن المجوس قالوا: كل ما في هذا العالم من الخيرات فهو من (يزدان) وجميع ما فيه من الشرور فهو من (أهْرُمُنْ)، وهو المسمى بإبليس في شرعنا، ثم اختلفوا فالأكثرون منهم على أن (أهْرُمُنْ) محدث، ولهم في كيفية حدوثه أقوال عجيبة، والأقلّون منهم قالوا: إنه قديم أزلي؛ وعلى القولين فقد اتفقوا على أنه شريك لله في تدبير هذا العالم، فخيرات هذا العالم من الله تعالى وشروره من إبليس. فهذا شرح ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما]؛ انتهى كلام الإمام الرازي.

 

ولنا ملاحظة واستدراك على كلام الرازي، على جودته، عن طوائف المشركين حيث قال: [فالطائفة الأولى: عبدة الأصنام، فهم يقولون: الأصنام شركاء لله في العبودية، ولكنهم معترفون بأن هذه الأصنام لا قدرة لها على الخلق والإيجاد والتكوينفهذا كلام مشكل غامض لأن القضية ليست هي حصراً: (قدرة على الخلق والإيجاد والتكوين)، فأين ذكر (النسب) أو (الجنس) أو (النوع) الإلاهي الذي ترتب عليه كون (الأصنام شركاء لله في العبودية)؟! وقد أسلفنا أن الأصنام، أي التماثيل، رموز أو قنوات اتصال أو مساكن أو أبدان لكائنات إلاهية، بعضها سماوي علوي ملائكي، وبعضها أرضي سفلي شيطاني. فلعل بعض هذه الكائنات الإلاهية السماوية العلوية من جنس الكواكب (أو بلفظ أدق: العقول أو الأرواح أو النفوس الكوكبية)، فيدخل هذا في الصنف الثاني؛ وبعضها نوع آخر سماوي، وليس كوكبياً، وهذا نوع لا يدخل في صنفه الثاني، بل هو صنف مستقل. ثم إن الأرواح الأرضية السفلية ينبغي أن يكون لها تصنيف أو تصنيفات مستقلة: أرواح أرضية طيبة خيرة ملائكية، وأخرى أرضية خبيثة شريرة شيطانية، وربما أخري: بين بين. على أن نفيه لقدرة ما أسماه بـ(الأصنام) على الخلق والإيجاد والتكوين ليس صحيحاً هكذا على إطلاقه، كما سبق وسيأتي، لأنه قطعاً يعني الكائنات الإلاهية التي تمثلها الأصنام (بوصفها: رموز أو قنوات اتصال أو مساكن أو أبدان للكائنات الإلاهية)؛ وليس فقط المادة التي صنع منها الصنم.

 

والأرجح عندي أن غموض عبارة الرازي آنفة الذكر إنما هي سبق ذهن لأنه كاد أن يحرر حقيقة الأصنام في موضع آخر من تفسيره العظيم كما سقناه في مناقشتنا لأنواع الأوثان؛ أو لعلها كتبت قديماً قبل هذا التحرير الجيد. وقد وقع هذا منه في مسائل عديدة تدل على أنه كان دائم المدارسة والمراجعة والتنقيح والتحقيق، رحمه الله. وإليك النص الذي كاد أن يحرر فيه حقيقة الأصنام، نسوقه – لأهميته – مرة أخرى:

* فقد جاء في تفسير الرازي [مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (26/421)]: [الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» قُرِئَ الدِّينُ بِالرَّفْعِ، ثُمَّ قَالَ وَحَقُّ مَنْ رَفَعَهُ أَنْ يَقْرَأَ مُخْلَصًا بِفَتْحِ اللَّامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ [النِّسَاءِ: 146] حَتَّى يُطَابِقَ قَوْلَهُ: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالْخَالِصُ وَالْمُخْلَصُ وَاحِدٌ إِلَّا أَنَّهُ وَصَفَ الدِّينَ بِصِفَةِ صَاحِبِهِ عَلَى الْإِسْنَادِ الْمَجَازِيِّ كَقَوْلِهِمْ شِعْرُ شَاعِرٍ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ رَأْسَ الْعِبَادَاتِ وَرَئِيسَهَا الْإِخْلَاصُ فِي التَّوْحِيدِ أَرْدَفَهُ بِذَمِّ طَرِيقَةِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى﴾: وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ يَقُولُونَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَخَبَرُ الَّذِينَ مَحْذُوفٌ وَهُوَ قَوْلُهُ يَقُولُونَ.

وَاعْلَمْ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى عَائِدٌ عَلَى الْأَشْيَاءِ الَّتِي عُبِدَتْ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَهِيَ قِسْمَانِ الْعُقَلَاءُ وَغَيْرُ الْعُقَلَاءِ، أَمَّا الْعُقَلَاءُ فهو أن قوما عبدوا المسيح وعزيرا وَالْمَلَائِكَةَ، وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ وَيَعْتَقِدُونَ فِيهَا أَنَّهَا أَحْيَاءٌ عَاقِلَةٌ نَاطِقَةٌ، وَأَمَّا الْأَشْيَاءُ الَّتِي عُبِدَتْ مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مَوْصُوفَةً بِالْحَيَاةِ وَالْعَقْلِ فَهِيَ الْأَصْنَامُ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ الْكَلَامُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْكُفَّارُ لَائِقٌ بِالْعُقَلَاءِ، أَمَّا بِغَيْرِ الْعُقَلَاءِ فَلَا يَلِيقُ، وَبَيَانُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ: أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: مَا نَعْبُدُهُمْ ضَمِيرٌ لِلْعُقَلَاءِ فَلَا يَلِيقُ بِالْأَصْنَامِ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَعْتَقِدَ أُولَئِكَ الكفار في المسيح والعزيز والملائكة أن يشفعوا لهم عند الله، أما يبعد من العاقل أن يعتقد في الأصنام والجمادات أَنَّهَا تُقَرِّبُهُ إِلَى اللَّهِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَمُرَادُهُمْ أَنَّ عِبَادَتَهُمْ لَهَا تُقَرِّبُهُمْ إِلَى اللَّهِ، ويمكن أن يقال: إن العاقل لا يعبد الصَّنَمَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ خَشَبٌ أَوْ حَجَرٌ، وَإِنَّمَا يَعْبُدُونَهُ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّهَا تَمَاثِيلُ الْكَوَاكِبِ أَوْ تَمَاثِيلُ الْأَرْوَاحِ السَّمَاوِيَّةِ، أَوْ تَمَاثِيلُ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ الَّذِينَ مَضَوْا، وَيَكُونُ مَقْصُودُهُمْ مِنْ عِبَادَتِهَا تَوْجِيهُ تِلْكَ الْعِبَادَاتِ إِلَى تِلْكَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي جَعَلُوا هَذِهِ التَّمَاثِيلَ صُوَرًا لَهَا. وَحَاصِلُ الْكَلَامِ لِعُبَّادِ الْأَصْنَامِ أَنْ قَالُوا إِنَّ الْإِلَهَ الْأَعْظَمَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَعْبُدَهُ الْبَشَرُ لَكِنَّ اللَّائِقَ بِالْبَشَرِ أَنْ يَشْتَغِلُوا بِعِبَادَةِ الْأَكَابِرِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مِثْلَ الْكَوَاكِبِ وَمِثْلَ الْأَرْوَاحِ السَّمَاوِيَّةِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَشْتَغِلُ بِعِبَادَةِ الْإِلَهِ الْأَكْبَرِ، فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِمْ: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى]، انتهى؛ وقد سبق أن عقبنا عليه تعقيباً مفصلاً فيه أمور في غاية الأهمية، فراجعه.

 

* وأما العلامة المحقق عبد الرحمن المعلمي اليماني، رحمه الله، فقد كان قد اقترب من الحق، أو كاد، في كتابه (التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل) - (3/360)، حيث قال: [وحديث البخاري يدل على أن أشد ما كان المشركون يعتدون فيه في حق الله تبارك وتعالى هو شكهم في قدرته على البعث، وقد أخبر به؛ ونسبتهم إليه الولد، والقرآن يؤيد ذلك فإنه كرر تثبيت البعث ونفي الولد في مواضع كثيرة، فأما شركهم في الألوهية فكان عندهم مرتبطاً بدعوى الولد كما هو بين من عدة آيات، وقد أوضحت ذلك في كتاب (العبادة) وتبين لي أن أول ما سرى إلى العرب نسبته إليه تعالى كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، على معنى أنهم مقربون إليه، ولم يقولوا: أبناء الله، خشية إيهام أن يكونوا نظراءه فقالوا: بنات الله، لأن الإناث عندهم ضعيفات، وليس لهن ميراث من آبائهن، ثم طال الزمان فصار أخلافهم يقولون: بنات الله، ولا يحققون المعنى، ولم يكونوا يثبتون أن الله عز وجل صاحبة، ولذلك يقولون: احتج عليهم القرآن بقوله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾. فدل هذا على أن انتفاء الصاحبة أمر مسلم، وفي قصة إسلام طلحة أنه جاء وجماعة معه إلى أبي بكر، فقال: أدعوك إلى عبادة اللات والعزى، فقال أبو بكر: واللات والعزى؟ فقال طلحة: بنات الله، فقال أبو بكر: ومن أمهم؟ فأسكت طلحة، ثم قال أبو لأصحابه: أجيبوا الرجل، فأسكتوا، فأسلم طلحة. فأما قول الله عز وجل: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبا﴾، فالمراد بالجنة هاهنا: الملائكة، والمعنى أنهم جعلوا الملائكة بنات له، وما روي أنهم كانوا يقولون إن أمهاتهم بنات سروات الجن، ولم يصح، ولو صح لكان الظاهر أنهم اخترعوا هذا بعد قصة طلحة، واللات والعزى ومناة كانت عندهم أسماء لتلك الإناث التي زعموا أنها بنات الله، ثم جعلوا لتلك الإناث تماثيل وسموها بأسمائها، كما جرت به عادة المشركين في أصنامهم، بل عادة الناس جميعاً في إطلاقهم على التمثال والصورة اسم من يرون أن ذلك تمثال أو صورة له. وبهذا التحقيق يتضح معنى آيات النجم، وقد أوضحت ذلك في كتاب (العبادة) بما يثلج الصدر. والحمد لله. والمقصود هنا أن الذي يظهر من الآثار أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما صارح المشركين بإبطال قولهم في الإناث التي يجعلونها آلهة من دون الله، يزعمون أنها الملائكة، وأنها بنات الله، ويمثلون التماثيل بأسمائها ويعظمونها تعظيماً لها، وصارحهم بتنزيه الله عن الولد، قالوا: أنسُب لنا ربك، طمعاً منهم أن يجيبهم بما يستخرجون منه شبهة يشدون بها قولهم، فأنزل الله تعالى هذه السورة]، انتهى كلام المعلمي، رحمه الله.

فنقول: بالرغم من اقتراب المعلمي من الحق كثيراً إلا أن خلفيته الوهابية أضرت به ضررا بالغاً:

ــ فقوله: [كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، على معنى: أنهم مقربون إليه، ولم يقولوا: أبناء الله، خشية إيهام أن يكونوا نظراءه فقالوا: بنات الله، لأن الإناث عندهم ضعيفات، وليس لهن ميراث من آبائهن، ثم طال الزمان فصار أخلافهم يقولون: بنات الله، ولا يحققون المعنى]، فرضية خيالية، لا تدعمها الوقائع التاريخية؛ ولا يجوز أن تصرف لفظة: (بنت)، أو (ابن) عن معنى البنوة الحقيقي (بنوة الصلب، أو التبني الحقيقي كما سلف بيانه) إلا ببرهان، وإلا فستختل مقاييس اللغة والعقل؛ وستأتي أمثلة كثيرة على ذلك؛

ــ وقوله: [احتج عليهم القرآن بقوله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾. فدل هذا على أن انتفاء الصاحبة أمر مسلم، وفي قصة إسلام طلحة ... إلخ] ليس بصحيح، كما سلف في فصل سابق، وسيأتي مزيد، وليس في لفظ تقريره، جل جلاله: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ ما يشعر أصلاً بتسليمهم بذلك من عدمه؛ بل الأولى أنهم يعتقدون أن له صاحبة، تماماً كما كانوا يعتقدون أن له ولداً. وقد شهد القرآن بذلك: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (3) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (4) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (5) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (7) ﴾، (الجن؛ 72: 1 – 8)، فهذه أكاذيب الإنس والجن على الله تعالى مجده؛

ــ وقوله: [وما روي أنهم كانوا يقولون إن أمهاتهم بنات سروات الجن ، ولم يصح]، لا مبرر له لأنه إسناد هذه: (بنات سروات الجن) ليس بدون إسناد قصة طلحة، بل هو أقوى وأجود، وقد سبق نقاش هذا؛ ولكن قوله: [ولو صح لكان الظاهر أنهم اخترعوا هذا بعد قصة طلحة] قارب الصواب، مع اعتراضنا على لفظة: (اخترعوا)، فالأصح أنهم وعوا الدرس من إسلام طلحة، وخطورة أسئلة أبي بكر المحرجة، فسارعوا إلى تلقين الجهال من عامتهم بالجواب (الصحيح) الذي نحسب أنه كان مستقراً معلوماً عن خواصهم وسدنتهم وكهنتهم.

 

قلت: لعل في هذه النقول كفاية، وفوق الكفاية، وإلا طال الأمر جداً، ولتعب القاريء وكلَّ وملَّ. والخلاصة هي: أن العرب كانت تعتقد أن (الملائكة بنات الله) وأنها إنما عبدتها لذلك، أي لكونها من هذا النسب الإلاهي الرفيع، قولاً واحداً من جميع المفسرين من السلف؛ وليس هناك ذكر للصالحين أو القبور، أو غير ذلك من أكاذيب ووساوس الدعوة الوهابية المخبولة، وخيالها الجامح المارق.

فصل: حقيقة شرك العرب

مما سلف من الروايات المتباينة المتواترة يتبين:

أولاً: تأكيد ما أسلفنا ذكره أن عامة الأصنام إنما هي، في معتقد عابديها، قطعاً ولا بدّ، رموز أو قنوات اتصال أو مساكن أو أبدان للكائنات الإلاهية، تقوم مقامها، وتنوب عنها: منها ما هو سماوي علوي: ملائكي أو كوكبي، ومنها ما هو أرضي سفلي: ملائكي طيب طاهر، أو شيطاني شرير خبيث (وربما كان هناك صنف جني وسط معتدل، بين بين: فيه خير وشر)؛

 

ثانياً: أن هذه الكائنات الإلاهية، في معتقد عابديها، لها استقلالية، ومشاركة معتبرة في الخلق والتكوين؛ أو في التصرف والتدبير والتقدير (وخاصة في النفع والضر)؛ أو في الأمر والنهي والتشريع: في بعض ذلك أو في كل ذلك؛

 

ثالثاً: قريش خاصة (وقسم كبير من مشركي العرب العدنانية) كانوا يعتقدون:

(1) ــ أن (الملائكة بنات الله وأمهاتهم بنات سروات الجن!)، ولعل «اللات» واحدة من (بنات سروات الجن) هؤلاء، كما سيأتي قريباً في الفصل المخصص لها، والمعنون: (ما هي حقيقة «اللات»؟!)!

(2) ــ أن لله نسباً، وأنه ينتمي إلى قبيلة كثيرة الأفراد، لذلك طالبت قريش النبي بإيضاح معتقده في «ماهية» الله، فنزلت سورة الإخلاص، التي ثبت أنها تعدل ثلث القرآن، ولا عجب: فـ«النسب» الإلهي أهل لتلك المكانة الرفيعة!

(3) ــ أن بعض العرب كان قد عجز عن أن يتصور إلاهاً بدون صنم مناسب، يمثله وينوب عنه، لذلك سألوا عن الله، جل جلاله: أمن ذهب هو، أمن فضة هو، ... إلخ: يقصدون: الصنم الممثل له، وإلا فإن جمهورهم يعتقد أن (الله) كائن سماوي فوق الطبيعة، بعيد متعالي. وقد قال حصين الخزاعي، والد عمران بن حصين، رضي الله عنهما، قبل إسلامه: (سَبْعَةً: سِتَّةً فِي الأَرْضِ وَوَاحِدًا فِي السَّمَاءِ)، إجابة للنبي عنما سأله: («يَا حُصَيْنُ كَمْ تَعْبُدُ اليَوْمَ إِلَهًا؟»)، كذا جاء في سنن الترمذي [ت شاكر (5/519/3483)]. فهذا (الواحد) الذي في (السماء) هو (الله) العزيز الحكيم بدون أدنى شك!

 

رابعاً: أن بعض العرب (من تميم، والقبائل النازلة في أطراف العراق)، كانوا قد اعتنقوا المجوسية؛ ورجال متفرقون من قريش (قيل: أن أبا سفيان بن حرب كان منهم) كانوا ثنوية زنادقة، يؤمنون بإلاهين اثنين: النور والظلمة؛ فقد جاء – على سبيل المثال – في نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب (ص: 76): [وقال ابن قتيبة: كانت النصرانية في ربيعة وغسان وبعض قضاعة؛ وكانت اليهودية في حمير وكنانة وبني الحارث بن كعب وكندة؛ وكانت المجوسية في تميم منهم زرارة بن عدس وابنه حاجب والأقرع بن حابس؛ وكانت الزندقة في قريش وأخذوها من أهل الحيرة].

هذا كله مع كون وثنية العرب كانت وثنية ساذجة، منحطة المستوى، قليلة المحتوى الفكري، لا تجاري أو تقارب ما كان لدى الشعوب المجاورة من تعقيد فكري، وتنطع فلسفي؛ ولكنها بالقطع ليست خلوا من أي مضمون فكري أو عقدي كما بالغ الأستاذ محمد إبراهيم الفيومي (المتوفى: 1427هـ) في مقدمة كتابه تاريخ الفكر الديني الجاهلي (ص: 8): [أما الوثنية المنتشرة في العرب فإنها كانت وثنية ساذجة ليس لها مضمون فكري]، ولعله إنما قصد المضمون الفكري الفلسفي المدرسي الممنهج.

فلا صحة مطلقاً، إذاً، لما يقال أنهم لم يكن لديهم شرك اعتقادي في «الذات»، أي في «النوع أو الجنس الإلاهي» وأنه يجوز فيه التعدد؛ أو شرك في «الأسماء والصفات»؛ أو شرك في «الربوبية»، أياً ما كان تعريفها، بل هذا هو عين شركهم وحقيقته، لا غير، وعليه ترتّب الإشراك في العبادات والحكم والتشريع، وليس العكس، كما زلت القدم بالإمام أبي العباس أحمد بن تيمية، تلك الزلة المهلكة الشنعاء، التي تحولت بيد الأزرقي المارق بن عبد الوهاب ومقلدته إلى سيف صارم مسلول، مسلول على أهل الإسلام فقط: يقتل أهل الإسلام المسالمين، ويدع أهل الأوثان المعتدين المحاربين.

 

فليتَّعِظ كل مسلم، بل كل عاقل من مثل هذا، وليعوّد نفسه على المراجعة والتدقيق، والنقد والتمحيص، مع الرد إلى الله ورسوله، ولا تهولنه أقوال الرجال: فإن الرجال يُعْرَفون بالحق، وليس الحق يعرف بالرجال، وإنما يعرف الحق بالبرهان.

 

ومن أراد التوسع وإشباع المطالعة في تفاصيل عقائد العرب، وأساطيرهم، وخرافاتهم، وأصنامهم، وما إلى ذلك فليرجع إلى المجلد السادس من كتاب «تاريخ العرب» للدكتور جواد علي، فقد خصص أكثره لذلك، فجمع وأوعى. وأكثر ذلك لا يهمنا، إلا أنه من المهم معرفة كيف تسرّب الشرك إلى عرب الشمال، أبناء إسماعيل بن إبراهيم، صلوات الله عليهما وعلى آلهما، بعد أن كانوا قروناً طويلة على التوحيد. هذا ما سنعالجه في الفصول المقبلة بإذن الله، ولكن بعد فصل استطرادي قصير عن (الصابئين).

 

ولما سمعت بصدور كتاب بعنوان (الشرك في القديم والحديث) سارعت إلى اقتنائه أملاً في أن أجد فيه ضالتي لمعرفة (حقيقة) شرك العرب، ولكن خيبة الأمل كانت كبيرة. وهذا الكتاب: (الشرك في القديم والحديث) لأبي بكر محمد زكريا، طباعة ونشر مكتبة الرشيد في مدينة الرياض، سنة 1422 هـ، الموافقة 2001 م، أصله رسالة ماجستير أو دكتوراه. وهو كتاب كبير من ثلاثة أجزاء في قرابة 1700 صفحة، ويحتوي كمية هائلة من النقولات إلا أنه سلَّم بصحة القسمة الثلاثية الوهابية المشؤومة، كأنها نزلت من فوق سبع سموات، فبقي يتخبط مع الذين ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾. ولا يحل للقارئ الكريم أن يقبل قولي من غير بينة، فعليه أن يقرأ الكتاب بنفسه، ويفكر بعقله، ويقرر بنفسه.

 

فصل استطرادي: من هم « الصابئون»؟!

* جاء في تبيين الحقائق، شرح كنز الدقائق لعثمان بن علي بن محجن البارعي، فخر الدين الزيلعي الحنفي (المتوفى: 743 هـ) (وعليه حاشية الشلبي) (2/110): [قَالَ ــ رَحِمَهُ اللَّهُ ــ (وَالصَّابِئَةِ) أَيْ حِلُّ تَزَوُّجِ الصَّابِئَةِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: (لَا يَجُوزُ نِكَاحُهَا، وَهَذَا الْخِلَافُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ أَمْ لَا فَعِنْدَهُمَا هُمْ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ، فَإِنَّهُمْ يَعْبُدُونَ النُّجُومَ)، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَيْسُوا بِعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، وَإِنَّمَا يُعَظِّمُونَ النُّجُومَ كَتَعْظِيمِ الْمُسْلِمِ الْكَعْبَةَ، فَإِنْ كَانَ كَمَا فَسَّرهُ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ وَإِنْ كَانَ كَمَا فَسَّرَاهُ لَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُمْ مُشْرِكُونَ وَقِيلَ: فِيهِمْ الطَّائِفَتَانِ. وَقِيلَ: هُمْ صِنْفٌ مِنْ النَّصَارَى يَقْرَؤُنَّ الزَّبُورَ، وَهُمْ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ مِنْ اعْتِقَادِهِمْ، وَهُمْ بِنَفْسِهِمْ يَعْتَقِدُونَ الْكَوَاكِبَ آلِهَةً وَيُضْمِرُونَ ذَلِكَ، وَلَا يَسْتَجِيزُونَ إظْهَارَ مَا يَعْتَقِدُونَ الْبَتَّةَ فَبَنَى أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى مَا يُظْهِرُونَ، وَبَنَيَا عَلَى مَا يُضْمِرُونَ. وَقَالَ السُّدِّيَّ: هُمْ طَائِفَةٌ مِنْ الْيَهُودِ كَالسَّامِرَةِ، وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ: هُمْ قَوْمٌ يُقِرُّونَ بِاَللَّهِ وَيَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ وَيُصَلُّونَ إلَى الْكَعْبَةِ، أَخَذُوا مِنْ كُلِّ دِينٍ شَيْئًا، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِمْ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَلَوْ أَوْرَدْنَاهُ لَطَالَ الْكَلَامُ فِيهِ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي مُنَاكَحَتِهِمْ فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا نَشَأَ الْخِلَافُ مَبْنِيًّا عَلَى اشْتِبَاهِ مَذَاهِبِهِمْ فَكُلٌّ أَجَابَ بِمَا عِنْدهُ مِنْ أَحْوَالِهِمْ].

* وجاء في حاشيه الشهاب الخفاجي على تفسير البيضاوي المسمَّى عنايه القاضي وكفاية الراضي (2/171): [وفي كتب الفروع اختلف في تفسير الصابئة فعندهما: هم عبدة الأوثان وأنهم يعبدون النجوم؛ وعند أبي حنيفة، رحمه الله: ليسوا بعبدة أوثان وإنما يعظمون النجوم كما تعظم الكعبة، وعليه بني الاختلاف في النكاح].

 

* وجاء في تفسير الألوسي، روح المعاني (1/279): [وَالصَّابِئِينَ هم قوم مدار مذهبهم على التعصب للروحانيين واتخاذهم وسائط، ولما لم يتيسر لهم التقرب إليها بأعيانها والتلقي منها بذواتها: فزعت جماعة منهم إلى هياكلها، فصابئة الروم مفزعها السيارات، وصابئة الهند مفزعها الثوابت؛ وجماعة نزلوا عن الهياكل إلى الأشخاص التي لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عن أحد شيئا. فالفرقة الأولى هم عبدة الكواكب، والثانية هم عبدة الأصنام وكل من هاتين الفرقتين أصناف شتى مختلفون في الاعتقادات والتعبدات، والإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه يقول: إنهم ليسوا بعبدة أوثان وإنما يعظمون النجوم كما تعظم الكعبة، وقيل: هم قوم موحدون يعتقدون تأثير النجوم ويقرون ببعض الأنبياء كيحيى عليه السلام، وقيل: إنهم يقرون بالله تعالى ويقرؤون الزبور ويعبدون الملائكة ويصلون إلى الكعبة، وقيل: إلى مهب الجنوب، وقد أخذوا من كل دين شيئا، وفي جواز مناكحتهم وأكل ذبائحهم كلام للفقهاء يطلب في محله].

 * وجاء في [تاريخ الفكر الديني الجاهلي لمحمّد إبراهيم الفيومي (المتوفى: 1427هـ) ــ دار الفكر العربي ــ الطبعة الرابعة 1415هـ ــ 1994]؛ (ص:273): [أما الإسلام: فأطلقها على صنف ذي عقيدة، أخطأت تنزيه الله، فوسطت الكواكب بينها وبينه، إذ الكواكب في عرفهم تحتوي على النور الإلهي. وبعضهم عبد الملائكة لخاصتها الروحانية، وكان ذلك اجتهادا منهم أو توجيها من بعض حكمائهم. يقول أبو حنيفة: إنهم ليسوا بعبدة أوثان، وإنما يعظمون النجوم كما تعظم الكعبة. وقيل: هم قوم موحدون يعتقدون تأثيرهم النجوم ويقرون ببعض الأنبياء كيحيى. ولعل هذا النص ظاهر الوضع والانتحال، لأنهم يقولون بالوسائط الروحانية ولا يقولون بوسيط بشري مثل وساطة الأنبياء، وهذا من أهم عقائدهم التي صادمهم فيها القرآن، ويمكن حمله على صنف معين، صابئة المنديا أي: الذين اتبعوا يوحنا المعمدان وخرجوا على تعاليم اليهود وهذا ما ذهبت إليه دوائر المعارف الأجنبية واختارته، لكن المصادر الإسلامية عدتهم فرقة من فرقهم. أما نص أبي حنيفة فإن القرآن يؤيده؛ لأنه عدهم وسطا بين اليهود والنصارى. ويورد الطبري نصا عن ابن وهب، يؤكد ما ورد عن أبي حنيفة، يقول: الصابئون ليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي إلا قول: "لا إله إلا الله". فهم قوم يعظمون الكواكب بناء على تفسيرين: الأول: أن خالق العالم الله، إلا أنه أمر بتعظيم هذه الأجرام؛ الثاني: أنه خلق الأفلاك والكواكب وفوض التدبير إليها، فيجب على البشر تعظيمها، لأنها هي المدبرة لهذا العالم].

 

* وجاء في أيضاً في تاريخ الفكر الديني الجاهلي [لمحمّد إبراهيم الفيومي (المتوفى: 1427هـ) ــ دار الفكر العربي ــ الطبعة الرابعة 1415هـ ــ 1994]؛ (ص:276 ــ 282): [ أقسام الصابئة: أولا ــ الصابئة الأولى أو صابئة الحنفاء: أصل فكر الصابئة الأولى من جهة نظرنا: القول باحتياجها في معرفة الله، ومعرفة طاعته وأوامره وأحكامه، إلى متوسط، والتي يقال عنها أنها تنسب إلى "هرمس" و"أنماثاذيمون" على ما تذهب إليه مصادر الإسلاميين.

والحنفاء: هم الذين اتبعوا ملة إبراهيم، وعندما يرتبط الاصطلاحان بعضهما ببعض يصبح المعنى الاصطلاحي مغايرًا لكل من الاصطلاحين على حدة، وينفرد بمعنى جديد وسوف نتتبع معالمه؛ فالصابئة كانوا يرون في الوسيط وجوب روحانيته، وذلك لزكاء الروحانيات وطهارتها، وقربها من رب الأرباب، وروحانية الوسيط يرون فيها أنها تتنافى مع الجسماني، فجسمانية الوسيط تجعله بشرًا مثلنا، يحتاج مثل ما نحتاج إليه من أكل وشرب ويماثلنا في المادة والصورة. عبر عن هذا المعنى الفكري القرآن فقال عنهم حاكيا: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾، (المؤمنون؛ 21: 34).

فهم يرون: أن بشرية الوسيط تتنافى مع وساطته وعدم الجمع بينها وبين النبوة، فبشريته تحجبه عن الاتصال بالله، يبنون ذلك على أصل فكري لديهم يقول: إن أصل وجود العالم يتقدس أن يتوسط بينه وبين عالم الأرض بشر من الأرض أو النفس الإنسانية، لتغلبها في عالم الرذائل والشهوات وإنما يتقرب إليه وسيط من القوى الروحانية المفارقة للمادية قالوا عنها: هي آلهتنا وأربابنا ووسائلنا إلى حجتنا وبهم يتقرب إلى الله وهي المدبرة للكواكب.

ثم قالوا ــ من وجهة نظرهم: إن الكواكب الفلكية هي هياكل هذه الروحانيات، وإن نسبة الروحانيات إليها في التدبير لها نسبة الأنفس الإنسانية إلى أبدانها، وأن لكل روحاني هيكلا يخصه ولكل هيكل فلكا يكون فيه:

 ــ فهم يومنون بالله.

 ــ ويؤمنون بالوسيط من العالم العلوي مثل: النيرات الشفافية نورها وروحانيتها، فهم يقدسونها دون العبادة.

 ــ ينكرون: أن النبوة تجامع البشرية.

وهؤلاء هم الذين قال فيهم أبو حنيفة: إنهم ليسوا بعبدة أوثان إنما يعظمون النجوم كما تعظم الكعبة، وقول أبي حنيفة: يلقى مزيدا من الفهم للوسيط حيث يجعل تعظيمهم للنجوم ليس تعظيم عبادة إنما تعظيم تقديس كما تعظم الكعبة.

لكن ابن كثير قال: اختار الرازي أن الصابئين قوم يعبدون الكواكب بمعنى أن الله جعلها قبلة للعبادة والدعاء، أو بمعنى أن الله فوض لها تدبير أمر هذا العالم.

ثم قال: وهذا القول المنسوب إلى الحرانانيين الذين جاءهم إبراهيم رادًّا عليهم ومبطلا لقولهم.

قال ابن كثير: قال القرطبي: والذي تحصل من مذهبهم فيما ذكر بعض العلماء أنهم موحدون ويعتقدون تأثير النجوم وأنها فاعلة، ويبدو أن ما اختاره الرازي وما حصله القرطبي متعلق بنوع معين هم الكلدانيون. وما قاله أبو حنيفة يصدق على أتباع "هرمس".

ويرجع تقديسهم الكواكب لما يقررونه عن "روحانية الوسيط" فلما وجدوا في النيرات ونورها شفافية الروحانيات قدسوها، كما نقدس الكعبة أو كما نقدس الرسل تقديسا دون العبادة.

يقول الألوسي: إنهم قوم موحدون يعتقدون تأثير النجوم. فهؤلاء هم الصابئة الأولى أو صابئة الحنفاء قال فيهم الألوسي: صابئة الحنفاء شاركوا أهل الإسلام في الحنيفية. منهم هلال بن محسن الصابئ صاحب الديوان الإنشائي والرسائل. وأبو إسحاق الصابئ كان صابئا وعرض عليه عز الدولة أن يسلم فامتنع، وقيل بذل له ألف دينار على أن يأكل الفول فلم يفعل؛ والصابئون يحرمون الفول والحمام.

يقول الدكتور زكي مبارك: ولكن حرصه على دينه لم يحل بينه وبين التحلي بأكرم الخصال في رعاية الإسلام، فقد كان يصوم رمضان مساعدة وموافقة للمسلمين، وحسن عشرة منه لهم ويحفظ القرآن حفظا يدور على طرف لسانه وسن قلمه.

حتى إنه لما مات بكاه الشريف الرضي في قصيدته، واستكثر الناس عليه في دينه وجاهه، أن يبكي رجلا صابئا بمثل هذا الشعر الحزين ولكنه أجاب بأنه إنما بكاه لفضله.

نأخذ على الدكتور زكي مبارك قوله: مساعدة وموافقة للمسلمين وحسن عشرة منه لهم؛ قد يكون هذا التعليل راجعا إلى حفظه للقرآن، وقد يكون حفظ القرآن راجعا إلى حرصه على الأدب لا على الدين الإسلامي، أما صومه رمضان فهذا يرجع إلى شريعة الصابئة الحنيفية.

وأما تحليه بأكرم الخصال فهم قوم يخرجون على رذائل الخصال ودناءة الطبع إلى كريم السجايا وطهارة الطوايا. راجع قول الألوسي السابق في تسميتهم صائبين، فإسحاق الصابئ فاضلا فما ظنه الدكتور زكي مبارك فيه وحمله على محمل حسن عشرة منه للإسلام والمسلمين، وهو في واقع الأمر شريعة صابئية كما قدمنا، وأما بكاء الشريف عليه فإنما هو كما قال: "بكاء لفضله".

ونرجع فنقول: أما تسميتهم صابئة حنفاء فمردّ ذلك في نظرنا إلى أنهم وافقوا الحنيفية من حيث العقيدة في التوحيد، ومن حيث الشريعة في بعض مبادئها، لذلك صح تسميتهم بحنفاء. وفارقوا الحنيفية في إنكارهم أن يكون الوسيط "النبي" بشريًّا. وقولهم: بوسائط الكواكب لروحانيتها ونورانيتها. فيقول الألوسي: ولهذا لم تكن الصابئة من الأمم المستقلة التي لها كتاب ونبي، وإن كانوا من أهل دعوة الرسل، فما من أمة إلا ولها نبي قد أقام حججه وقطع عنها حجتها؛ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وتكون حجته عليهم. فلكونهم من قوم إبراهيم وأخذوا ببعض دينه، وأعرضوا عن جانب منه أطلق عليهم "صابئة حنفاء" أي فيهم جانب من الفكر الصابئ، وجانب من الدين الحنفي.

فالصابئة الأولى: كان منهم الصابئة الحنفاء، بيد أننا بعد التعرض لشرح تسميتهم نضيف بعض تمايز رأيناه تمايزا مهما هو:

أن الصابئة الأولى: هي التي نشأت بعيدة عن الجزيرة العربية.

ويذكر عن بعض الباحثين: "إن الصابئة الذين ورد ذكرهم في القرآن سكنوا بلاد العرب ومصر قبل الإسلام، وقبل النصرانية، واليهودية، وقد انقرضوا وعفت أخبارهم فأصبح من المتعذر علينا بيان معتقدهم بالتفصيل".

وصابئة الحنفاء يكونون هم الذين خرجوا من الحنفية العربية إلى تعاليم الصابئة التي وفدت إلى الجزيرة العربية واعتنقتها "سبأ الحميرية"، ومن هنا أصبحت صابئية الحنفاء مذهبا عربيا له مكوناته الفكرية التي من أهمها إنكار بشرية الرسول مع بقائهم على روحانياتهم وبقايا من دين إبراهيم، كذلك يفيد واقع تسميتهم أنهم جوزوا بفكرهم العقلي الجمع بين دينهم ومذهبهم الصابئ؛ أي الأخذ ببعض مبادئ الوحي ــ مذهبهم الوحي ــ ومع بعض مبادئهم الوضعية ــ نحلتهم البشرية ــ ويذكر البيروني أنه كانت لهم أصنام وهياكل كما يذكر حكاية أن الكعبة وأصنامها كانت لهم]، انتهى النص الطويل المنقول من (تاريخ الفكر الديني الجاهلي).

 

* وجاء في تاريخ الفكر الديني الجاهلي (ص:276)، في الهامش: [ولعل أحسن من توسع في هذا البحث وبيَّن الفرق الصابئية مستندا إلى العقل والنقل هو ابن الإمام أبو الحسن على بن محمّد المكنّى بأبي علي بن سالم التغلبي الفقيه الأصولي الملقب سيف الدين الآمدي المتوفى عام 631 هـ؛ فقد ذكر في كتاب خطي له يدعى (كتاب أبكار الأفكار)، حقق بعضه د. أحمد المهدي. أن أشهر فرق هذه الجماعة أربع وهي:

الفرقة الأولى: أصحاب الرُّوحانيات: وقد يقال ذلك بالرفع أخذا من الروح وهو جوهر. وقد يقال بالنصب وهو حالة خاصة به. وقد زعم هؤلاء أن أصل وجود العالم يتقدس عن سمات الحدث وهو أجلّ وأعلى من أن يتوصل إلى جلاله بالعبودية له والخدمة من السفليات وذوات الأنفس المنغمسة في عالم الرذائل والشهوات، وإنما يتقرب إليه بالمتوسطات بينه وبين السفليات وهي أمور روحانية مقدسة عن المواد الجُرْمَانيةــ نسبة إلى الجرم ــ والقوى الجسمانية والحركات المكانية والتغيرات الزمانية في جوار رب العالمين. وهم مجبولون على تقديسه وتمجيده وتعظيمه دائما وسرمدا. قالوا: وهم آلهتنا وأربابنا ووسائلنا إلى حاجاتنا وبهم يُتقرب إلى الله تعالى.

وهي المدبّرة للكواكب الفلكية والمديرة لها على التناسب المخصوص، حيث يتبعها انفعالات في العناصر السفلية وحركات بعضها إلى بعض وانفعال بعضها من بعض عند الاختلاط والامتزاج المفضي إلى التركيب الموجب؛ لتنوع المركبات إلى أنواع المعادن والنباتات والحيوانات وتصريف موجودات الأعيان من حال إلى حال ومن شأن إلى شأن، إلى غير ذلك من الآثار العلوية والسفلية.

وزعموا أن الكواكب الفلكية هي هياكل هذه الروحانيات وأن نسبة الروحانيات إليها في التقدير لها والتدوير، نسبة الأنفس الإنسانية إلى أبدانها وأن لكل روحاني هيكلا يخصه ولكل هيكل فلكًا يكون فيه.

وزعموا أن المعرف لهم "غارميون وهرمس" اللذان هما أصل علم الهيئة وصناعة النجامة. وهرمس هو أول من قسم البروج ووضع أسماءها وأسماء الكواكب السيارة ورتبها في بيوتها وبيّن الشرف والوبال والأوج والحضيض والمناظر والتثليث والتسديس والتربيع والمقابلة والمقارنة والرجوع والاستقامة والميل والتعديل، واستقل باستخراج أكثر الكواكب وأحوالها، وقيل إن غارميون هو شيث وهرمس وهو إدريس "عليه السلام".

الفرقة الثانية: أصحاب الهياكل: أنهم قالوا: إذا كان لا بد للإنسان من متوسط فلا بد من أن يكون ذلك المتوسط كما نشاهده ونراه حتى نتقرب إليه، والروحانيات ليست كذلك، فلا بد من متوسط بينها وبين الإنسان، وأقرب ما إليها هياكلها؛ فهي الإله والأرباب المعبودة والله تعالى رب الأرباب وإليه التوسل والتقرب، فإن التقرب إليه هو تقرب إلى الروحانيات التي هي كالأرواح بالنسبة إليها، ولا جرم أنهم دعوا إلى عبادة الكواكب السبعة السيارة، ثم أخذوا في تعريفها وتعريف أحوالها بالنسبة إلى طبائعها وبيوتها ومنازلها ومطالعها ومغاربها واتصالاتها ونسبتها إلى الأماكن والأزمان والليالي والساعات وما دونها إلى غير ذلك، ثم تقربوا إلى كل هيكل وسألوه بما يناسبه من الدعوات فيما يناسبه من الأماكن والأزمان واللباس الخاص به، وبالخاتم المطبوع على صورته، والهياكل عندهم أحياء ناطقة بحياة الروحانيات التي هي أرواحها، ومتصرفة فيها.

ومنهم من جعل هيكل الشمس رب الهياكل والأرباب، وهذه الهياكل هي المدبرة لكل ما في عالم الكون والفساد على ما سلف في تعريف مذهب الفريق الأول، وربما احتجوا على وجود هذه المدبرات وأنها أحياء ناطقة بأن حدوث العالم؛ إذ الكلام فيه إما أن يكون مستندا إلى حادث أو قديم، ولا جائز أن يكون مستندا إلى حادث، إذ الكلام فيه كالكلام في الأول، والتسلسل والدور محالان، فلم يبقَ إلا أن يكون مستندا إلى ما في نفسه قديم، وذلك القديم إما أن يكون موجبا لذاته أو بالاختبار. فإن كان الأول فإما أن يكون كل ما لا بد منه في إيجاد الحوادث متحققا معه، أو أنه متوقف على تجدد، فإن كان الأول فيلزم قدم المعلوم والقدم علته وشرطه، وإن كان الثاني فالكلام في تحديد ذلك الأمر كالكلام في الأول، وهو تسلسل، فلم يبقَ إلا أن يكون فاعلا مختارا، وليس في عالم الكون والفساد فاعل قديم مختار إلا الأفلاك والكواكب؛ ولذلك حكموا بأنها أحياء ناطقة.

الفرقة الثالثة: أصحاب الأشخاص: وهؤلاء زعموا أنه إذا كان لا بد من متوسط مرئي والكواكب وإن كانت مرئية إلا أنها قد تُرى في وقت دون وقت؛ لطلوعها وأفولها وظهورها وصفائها نهارا، فدعت الحاجة إلى وجود أشخاص مشاهدة نصب أعيينا، تكون لنا وسيلة إلى الهياكل التي هي وسيلة إلى الروحانيات، التي هي وسيلة إلى الله تعالى، فاتخذوا بذلك أصناما وصورا على صور الهياكل السبعة، كل صنم من جسم مشارك في طبيعته لطبيعة ذلك الكوكب، فدعوه وسألوه بما يناسب ذلك الكوكب في الوقت والمكان واللبس والتختم، بما يناسبه والتحيز المناسب له، على حسب ما يفعله أرباب الهياكل، لا أنها هي المعبودة على الحقيقة. وهذا هو الأشبه بسبب اتخاذ الأصنام.

ويحتمل أن يكون اتخاذ الأصنام بالنسبة إلى غير هذه الفرقة وتعظيمها، لاتخاذها قبلة لعبادتها أو لأنها على صورة بعض من كان يعتقد فيه النبوة والولاية تعظيما له؛ أو لأن القدماء أرباب الهياكل والأصنام وعلماءهم ركبوا فراغ طلاسم ووضعوها فيها، وأمروهم بتعظيمها، لتبقى محفوظة بها، وإلا فالاعتقاد الألوهية فيما اتخذوه من صور من الأخشاب والأحجار وكونه خالقا لمن صوره ومبدعا لما وجده قبل وجوده من العالم العلوي والسفلي. ومما لا يستجيزه عقل عاقل بل البداهة برده وإبطاله، وإن كان وقع ذلك معتقدا لبعض الرعاع ومن لا خلاق له من العوام منه، فلا يلتفت إليه ولا معول عليه.

الفرقة الرابعة: الحلولية: وقد سماها ابن بطوطة وغيره من ثقات المؤرخين بالحرنانية، وهو الأصح عندنا وزعموا أن الإله المعبود واحد في ذاته، أبدع أجرام الأفلاك وما فيها من الكواكب، وجعل الكواكب مدبرة لما في العالم السفلي؛ فالكواكب آباء أحياء ناطقة، والعناصر أمهات، وما تؤديه الآباء للأمهات تقبلها بأرحامها فتحمل عند ذلك المواليد، وهي المركبات. والإله تعالى يظهر في الكواكب السبعة ويتشخص بأشخاصها من غير تعدد في ذاته؛ وقد يظهر أيضا في الأشخاص الأرضية الخيرة الفاضلة، وهي ما كان من المواليد، وقد يتركب من صفوة العناصر دون كدرها واختص بالمزاج القابل لظهور الرب تعالى فيه، إما بذاته وإما بصفة من صفات ذاته على قدر استعداد مزاج ذلك الشخص، وزعموا أن الله يتعالى عن خلق الشرور والقبائح والأشياء الخسيسة الدنيئة كالحشرات الأرضية ونحوها بل هي واقعة ضرورة اتصالات الكواكب سعادة ونحوسة واجتماعات العناصر صفوة وكدرة. وزعموا أيضا أنه على رأس ستة وثلاثين ألف وسنة أربعمائة وخمس وعشرين سنة يحدث روحاني على رأس الدور الآخر وكذا إلى ما يتناهى، وأن الثواب والعقاب على أفعال الخير والشر كل دور واقع لكن في الدور الذي بعده في هذه الدار لا غيرها. [الصابئة: قديما وحديثا، للسيد عبد الرازق الحسيني، تقديم أحمد زكي باشا ط 1 1925 المطبعة الرحمانية ــ مصر، ص17] انتهى النص الطويل المنقول من (تاريخ الفكر الديني الجاهلي)؛ ثم قال المؤلف معقباً: (أعطانا نسخة منه زميلنا الدكتور مصلح بيومي).

* وجاء في تفسير الرازي، مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (3/536): [وَثَالِثُهَا: وَهُوَ الْأَقْرَبُ أَنَّهُمْ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ، ثُمَّ لَهُمْ قَوْلَانِ. الْأَوَّلُ: أَنَّ خَالِقَ الْعَالَمِ هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، إِلَّا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِتَعْظِيمِ هَذهِ الْكَوَاكِبِ وَاتِّخَاذِهَا قِبْلَةً لِلصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّعْظِيمِ. وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الْأَفْلَاكَ وَالْكَوَاكِبَ، ثُمَّ إِنَّ الْكَوَاكِبَ هِيَ الْمُدَبِّرَةُ لِمَا فِي هَذَا الْعَالَمِ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ، وَالْخَالِقَةُ لَهَا، فَيَجِبُ عَلَى الْبَشَرِ تَعْظِيمُهَا لِأَنَّهَا هِيَ الْآلِهَةُ الْمُدَبِّرَةُ لِهَذَا الْعَالَمِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَعْبُدُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ؛ وَهَذَا الْمَذْهَبُ هُوَ الْقَوْلُ الْمَنْسُوبُ إِلَى الْكِلْدَانِيِّينَ الَّذِينَ جَاءَهُمْ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَادًّا عَلَيْهِمْ وَمُبْطِلًا لِقَوْلِهِمْ].

 

* وقال أبو حيان الأندلسي (هو: أثير الدين عبد الله محمّد بن يوسف بن علي بن حيان الأندلسي الغرناطي الجبائي الشهير بأبي حيان المولود في 654 والمتوفَّى بالقاهرة 745هـ) عن الصابئة في تفسيره البحر المحيط (1/539): [وقيل: قوم يعبدون الكواكب ثم لهم قولان: أحدهما: أن الله هو خالق العالم إلا أنه أمر بتعظيم الكواكب واتخاذها قبلة للصلاة والتعظيم والدعاء. والثاني: أنه تعالى خالق الأفلاك والكواكب، ثم إن الكواكب هي المدبرة لما في هذا العالم من الخير والشر والصحة والمرض. فيجب على البشر تعظيمها، لأنها هي الآلهة المدبرة لهذا العالم، ثم أنها تعبد الله؛ وهذا المذهب هو المنسوب للذين جاءهم إبراهيم عليه السلام رادا عليهم]؛ قلت: وهذا كما ترى هو قول الرازي نصاً.

وفي الخاتمة: أولاً: أكثر الأقوال التي يذكرها الإسلاميون - خصوصاً السيف الآمدي – يبدوا أنها أقوال المتكلمين والمتفلسفين من أهل (حران) والرها وجينديسابور، الذي أخذ منهم علماء المسلمين الكثير عن تاريخ العراق القديم، وطرفاً من علوم المنطق والفلسفة والطب. فهذه أقوال فلسفية متأخرة، نشأت بعد مراجعة وتنظير وتقعيد للأقوال البدائية القديمة، وليست هي أقوال أهل العراق القدامى من السومريين والكدانيين والبابليين والأشوريين.

وثانياً: من العسير، بالرغم من هذه النصوص المتعددة المتنافرة، الوصول إلي رأي قاطع في (الصابئين) الذين عناهم الله، جل وعز، بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، (البقرة؛ 2 : 62)؛ وبقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، (المائدة؛ 5: 69)؛ وبقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، (الحج؛ 20 : 17).

 

ولكن الملفت للنظر على كل حال هو: أن الإمام أبا حنيفة رأى جواز نكاح نسائهم لأنهم (لَيْسُوا بِعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، وَإِنَّمَا يُعَظِّمُونَ النُّجُومَ كَتَعْظِيمِ الْمُسْلِمِ الْكَعْبَةَ)، بالرغم من كل المظاهر والشعائر التي قد يظن البعض، وبخاصة المهووسين من منسوبي الفرقة الوهابية، أنها عبادات. نعم: خالفه تلميذاه، أبو يوسف ومحمّد بن الحسن، في الحكم، لأنهما رجحا أن يكون ذلك بناءً على اعتقادهم ألوهية الكواكب، وليس لمجرد الأفعال التقديسية، فهم عبدة وثن إذاً؛ ولكنهم كانوا موافقين له في كونهم (أهل الكواكب).

 

ولا شك أن الإمام أبا حنيفة مقدم على تلميذيه في جميع الاعتبارات، فهو من القرون الثلاثة الفاضلة (والأرجح أنه من القرن الثاني، قرن التابعين، إذ أنه رأى أنس بن مالك في صغره، وروى عنه)، وهو أفقه، وأصلب ديناً، كما أنه عرف بمناظرة طوائف كثيرة من الملاحدة والمشركين، بخلاف تلميذيه؛ ومن باب أولى هو مقدم على الإمام ابن تيمية، وبن عبد الوهاب ومقلدتهما، بل هو أعلى من هؤلاء بألف درجة، إن شاء الله تعالى.

 

كما أن القرآن حجة قاطعة مع أبي حنيفة، بشرط إن يكون القرآن قد أراد بالصابئين صنفاً من أهل الكواكب، وهو قول معتبر، وليس فرقة من اليهود أو النصارى، ولكن كل هذه الأقوال ليست باليقينية المقطوع بها، وفيها نزاع كبير.

 

ثم استدركنا أن رفع لفظة: (الصَّابِئُونَ)، في قوله، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، (المائدة؛ 5: 69)مرفوعة، فهي قطعاً ليسن اسما لـ(إِنَّ)، وذلك إنما هو لأنها أعربت على الابتداء، وهذا يكاد أن يوجب القطع بأن تقدير الكلام هو: (._._.وَالَّذِينَ هَادُوا- وَمنهم الصَّابِئُونَ - وَالنَّصَارَى._._.)، أو: (._._.وَالَّذِينَ هَادُوا- وَالصَّابِئُونَ فرقة منهم - وَالنَّصَارَى._._.): فهم فرقة من اليهود إذاً.

 

فلعل الصابئين إنما كانوا أتباع يحيى بن زكريا، صلوات الله عليهما، الذين فروا من بطش الرومان، وعملائهم من ملوك وأحبار اليهود الخونة، الذين قتلوا يحيى بن زكريا، وقتلوا – في ظن أنفسهم، بعد أن شُبِّه لهم – المسيح عبسى بن مريم، إلى بلاد العراق، حيث تقطن جموع غفيرة من اليهود منذ أيام الأسر البابلي، وبخاصة في (الحيرة)، مستفيدين من تسامح الدولة الساسانية الديني، وعدائها السياسي للرومان، والله أعلم.

 

والذي يظهر لي أيضاً – والله أعلم –أن هؤلاء الصابئين الأصليين الموحدين قد انقرضوا، أو قلت أعدادهم جداً، بعد الفتح الإسلامي للعراق لدخولهم في الإسلام أفواجاً، فاغتنم بقايا الوثنيين هذه الفرصة الذهبية وانتحلوا (الصابئية)، وتسموا بها، لإيهام المسلمين أنهم من أهل الكتاب، وليستمعوا بمزايا أهل الكتاب، وكان ذلك في (حران) خاصة، كما تلمح إليه بعض المصادر التاريخية.

 

فلعل رجالات وكهنة وفلاسفة وثنيي ((حران)) حرصوا على أن يقدموا أنفسهم للمسلمين على أنهم يعظمون الكواكب، ويتخذونها قبلة في الصلاة والدعاء، كتعظيم المسلمين للكعبة، فراجت هذه أول الأمر، وانطلت حتى على الإمام الأكبر أبي حنيفة النعمان، رضي الله عنه: ولا لوم عليه لأن الناس يعاملون بما يظهرون من أقوال، وبما يصدر عنهم من أفعال. ثم انكشفت حقيقتهم لتلميذيه الأئمة: قاضي القضاة أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي، وأبي عبد الله محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني الكوفي، فقالا ما قالا. فالإمام أبو حنيفة مصيب، والإمامان أبو يوسف وأبو عبد الله مصيبان، لأن الواقع المحكوم عليه مختلف: والجميع متفقون على أن مجرد تقديم شعائر التعظيم لا قيمة له، وإنما العبرة بحقيقة محتوي وجوهر المعتقد فقط!

 

فصل: كيف تركت العرب العدنانية دين إسماعيل؟!

لا شك أن تفسير ذلك التحول الخطير، تحول العرب من توحيد الحنيفية الإبراهيمية، إلى الشرك والكفر، كان مما أقض مضاجع المفكرين والمؤرخين، وشغل بالهم منذ عهود مبكرة، بل إن أوائل ذلك بدأت في عهد الصحابة، رضي الله عنهم، فمن تلك المحاولات:

* المحاولة الأولى: وتتلخص في ما أخرجه البخاري بإسناد ظاهره الصحة عن ابن عباس قال: [كان اللات رجلاً يلتّ السويق للحاج]، وسنفصل الكلام عن هذه الرواية، تفصيلاً تاماًن مبرهنين على بطلانها، قريباً بإذن الله؛

* وأخرج ابن جرير بسنده عن مجاهد في تفسير قوله تعالى: ﴿أفرأيتم الات والعزى﴾، (النجم؛ 53:19) أنه قال: [كان يلتّ لهم السويق فمات، فعكفوا على قبره]؛

ــ وأخرجه ابن أبي حاتم عنه بلفظ: [كان يلت السويق على الحجر، فلا يشرب منه أحد إلا سمن، فعبدوه]؛
ــ وأخرجه سعيد بن منصور لفظاً آخر هو: [كان يلت لهم السويق، فيطعم من يمر من الناس، فلما مات عبدوه، وقالوا: هو اللات]،

فأقول: هذا إذا صح هكذا: أولاً عن ابن عباس؛

وثانياً: إذا صح أنه إنما أراد بهذه القصة بيان كيفية بدء الشرك عند العرب، وأن اللات لم تكن موجودة معروفة قبل ذلك،

 

وكل ذلك باطل بيقين، وسنشبعه بياناً في فصل مستقل: فهذه، وغيرها من الروايات المشابهة، وهي لا تخرج عن هذا المعنى، كلها موقوفة، ليس منها حرف واحد مرفوع إلى النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، فليست هي من الوحي، ولا حجة فيها، بل ما هي إلا خرافات عربية، وأساطير شعبية، كما سنقيمن عليه البرهان اليقيني القاطع، في فصل خاص، والحمد لله رب العالمين، فسقطت هذه المحاولة، وتمزقت، وانتهى أمرها، وفرغ منها.

 

* وجاءت محاولة ثانية، فاشلة في «السيرة النبوية»، (ج1/ص203): [قال ابن اسحاق: ويزعمون أن أول ما كانت عبادة الحجارة في بني إسماعيل أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن منهم حين ضاقت عليهم والتمسوا الفسح في البلاد إلا حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم فحيثما نزلوا وضعوه فطافوا به كطوافهم بالكعبة حتى سلخ ذلك بهم الى ان كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة وأعجبهم، حتى خلف الخلوف ونسوا ما كانوا عليه واستبدلوا بدين إبراهيم واسماعيل غيره، فعبدوا الأوثان وصاروا الى ما كانت عليه الأمم قبلهم من الضلالات وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم يتمسكون بها من تعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة والوقوف على عرفة والمزدلفة وهدي البدن والإهلال بالحج والعمرة، مع إدخالهم فيه ما ليس منه؛ فكانت كنانة وقريش إذا أهلوا قالوا: (لبيك اللهم لبيك، لبيكك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك) فيوحدونه بالتلبية ثم يدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده يقول الله تبارك وتعالى لمحمّد، صلى الله عليه وسلم: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾، أي ما يوحدونني لمعرفة حقي إلا جعلوا معي شريكا في خلقي].

وهذا مشكل للغاية:

(1)ــ لأننا سوف نرى قريباً أن العرب كانت تسمي أولادها بأسماد وثنية مثل: زيد اللات، وتيم اللات، وزيد مناة، وعبد مناة، وغيرها قبل مجيء النبي، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، بأكثر من اثني عشرة جيلاً. والعرب العدنانية، عرب الشمال، أمة أمية لا تكتب ولا تحسب، ونقل الأخبار لا يعتمد عليه إن كان مشافهة محضة إلا عبر عدد قليل من الأجيال (ثلاثة أو أربعة أجيال فقط، على أكثر تقدير). فلا يمكن الاعتداد بهذا «الزعم»، كما سمَّاه الإمام محمّد بن إسحاق، ولا بحال من الأحوال؛

(2)ــ كما أن تعظيم الكعبة قديم قدم إسماعيل بن إبراهيم، عليهما وعلى آلهما الصلاة والسلام، وهما قبل زمن النبي محمّد، عليه وعلى اله الصلاة والسلام، بأكثر من سبعين جيلاً، فكيف تأخر الانحراف إلى قبل نحو من خمسة عشر جيلاً، ثم ظهر فجأة، حيث انتشرت التسمية بالأسماء الوثنية؟!

 

وليس ما سلف مشكل فحسب، بل هو في الحقيقة زعم باطل، لأن الصحيح، وهو الحق اليقيني، الذي لا ريب فيه، ما ثبت عنه، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، بأصح الأسانيد، بل بنقل التواتر، أنه قال: «رَأَيْت عَمْرَو بْنَ لُحَيِّ بْنِ قَمْعَةَ بْنِ خِنْدِف يَجُرّ قُصْبَهُ فِي النّارِ»، وأنه قال عنه: «إنّهُ كَانَ أَوّلَ مَنْ غَيّرَ دِينَ إسْمَاعِيلَ فَنَصَبَ الْأَوْثَانَ وَبَحَّر الْبَحِيرَةَ وَسَيّبَ السّائِبَةَ وَوَصَلَ الْوَصِيلَةَ وَحَمَى الْحَامِي»:

* فقد أخرج الإمام البيهقي في سننه الكبرى (ج10/ص10/ح19493) بأصح أسانيد الدنيا عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو طاهر الفقيه وأبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي وأبو سعيد بن أبي عمرو قالوا: حدثنا أبو العباس محمّد بن يعقوب أنبأ محمّد بن عبد الله بن عبد الحكم أنبأ أبي وشعيب قالا: أنبأ الليث عن بن الهاد عن بن شهاب عن بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: (رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار كان أول من سيب السوائب)؛ قال سعيد: (السائبة التي تسيب فلا يحمل عليها شيء؛ والبحيرة التي يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد؛ والوصيلة الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل بأنثى ثم تثني بعد بأنثى فكانوا يسيبونها للطواغيت يدعونها الوصيلة إن وصلت إحداهما بالأخرى؛ والحام فحل الإبل يضرب العشر من الإبل فإذا قضى ضرابه جدعوه للطواغيت فأعفوه من الحمل فلم يحملوا عليه شيئا فسموه الحام)]؛ ثم قال الإمام البيهقي: (أخرجاه في الصحيح من حديث صالح بن كيسان وغيره عن بن شهاب؛ قال البخاري ورواه بن الهاد)؛ وأخرجه البخاري في صحيحه (ج4/ص2091/ح4347)؛

ــ وأخرجه الإمام البيهقي في سننه الكبرى (ج6/ص203/ح12094): [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني (ح) وأنبأ أبو سعيد بن أبي عمرو حدثنا أبو محمّد أحمد بن عبد الله المزني حدثنا علي بن محمّد بن عيسى حدثنا أبو اليمان أخبرني شعيب عن الزهري قال: سمعت سعيد بن المسيب يقوله بنحوه بتمامه]؛ ثم قال الإمام البيهقي: (رواه البخاري في الصحيح عن أبي اليمان)؛ وأخرجه البخاري في صحيحه (ج3/ص1297/ح3333)؛ ومسلم في صحيحه (ج4/ص2192/ح2856)؛ وابن حبان في صحيحه (ج14/ص156/ح6260)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج2/ص366/ح8773)، و(ج2/ص275/ح7696)؛ والنسائي في سننه الكبرى (ج6/ص338/ح11156)؛ والطبراني في معجمه الأوسط (ج8/ص329/ح8774)؛ وربما غيرهم؛

ــ وهو في الإرشاد في معرفة علماء الحديث للخليلي (1/57/20، بترقيم الشاملة آليا): [حدثني أبو مسلم غالب بن علي، أخبرنا محمد بن عبد الله الأبهري، بإفادة ابن بكير، حدثنا بكر بن محمد بن العلا، حدثنا أحمد بن مضارب الكلبي، حدثنا أبي، عن محمد بن عمر، عن سليمان بن بلال، حدثنا ربيعة بن أبي عبد الرحمن، قال: سمعت ذاك الفتى مالكا، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار وهو أول من سيب السوائب»)؛ قال سليمان بن بلال: حدثني به مالك، عن الزهري، ويحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب؛ قال محمد بن عمر: ثم سمعته من مالك]؛

قلت: وهذا الكسوف هو قطعاً كسوف يوم الإثنين 29 شوال 10 هـ، الموافق: 27 يناير 632 م (يوليانية) الذي بدأ بعد طلوع الشمس، وبلغ غايته بعد ساعة وربع الساعة، وانتهي بعد ثلاث ساعات إلا ربعاً، على التقريب. فهذا هو يوم موت إبراهيم بن محمد، صلوات الله على والده، وعليه وعلى آلهما: مات صباحاً، ودفن ثم كسفت الشمس.

 

* وأخرج مسلم في صحيحه (ج4/ص2191/ح2856) من طريق أبي صالح عن أبي هريرة: [حدثني زهير بن حرب حدثنا جرير عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم:

(رأيت عمرو بن لُحَيِّ بن قمعة بن خِنْدِف أبا بنى كعب هؤلاء يجر قصبه في النار)]؛ وأخرج البخاري في صحيحه (ج3/ص1297/ح3332) بعضه: [حدثني إسحاق بن إبراهيم حدثنا يحيى بن آدم أخبرنا إسرائيل عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله قال: عمرو بن لُحَيِّ بن قمعة بن خِنْدِف أبو خزاعة]

ــ وهو في سيرة ابن هشام (1/76) بإسناد في غاية الصحة: [قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التّيْمِيّ أَنّ أَبَا صَالِحٍ السّمّانِ حَدّثَهُ أَنّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ (قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ أَبِي هُرَيْرَةَ. عَبْدُ اللّهِ بْنُ عَامِرٍ، وَيُقَالُ اسْمُهُ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ صَخْرٍ) يَقُولُ: سَمِعْت رَسُولَ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ لِأَكْثَمَ بْنِ [أبي] الْجَوْنِ الْخُزَاعِيّ: (يَا أَكْثَمُ: رَأَيْت عَمْرَو بْنَ لُحَيِّ بْنِ قَمْعَةَ بْنِ خِنْدِف يَجُرّ قُصْبَهُ فِي النّارِ فَمَا رَأَيْت رَجُلًا أَشْبَهَ بِرَجُلِ مِنْك بِهِ وَلَا بِك مِنْهُ). فَقَالَ أَكْثَمُ: (عَسَى أَنْ يَضُرّنِي شَبَهُهُ يَا رَسُولَ اللّهِ؟!)، قَالَ: (لَا، إنّك مُؤْمِنٌ وَهُوَ كَافِرٌ: إنّهُ كَانَ أَوّلَ مَنْ غَيّرَ دِينَ إسْمَاعِيلَ فَنَصَبَ الْأَوْثَانَ وَبَحَرَ الْبَحِيرَةَ وَسَيّبَ السّائِبَةَ وَوَصَلَ الْوَصِيلَةَ وَحَمَى الْحَامِي)]؛ وبعينه هو في الروض الأنف (1/204)؛ وهو في السيرة النبوية لابن كثير (1/65) بعينه أيضاً، ثم قال الإمام ابن كثير: [ليس في الكتب من هذا الوجه. وقد رواه ابن جرير عن هناد عن عبدة، عن محمّد بن عمرو، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة عن النبي، صلى الله عليه وسلم، بنحوه أو مثله، وليس في الكتب أيضا]؛ قلت: بل طريق أبي سلمة عن أبي هريرة في كتب الحديث، وستأتي؛ كما رواه ابن جرير من الطريق السابقة:

ــ فهو في تفسير الطبري (11/117 – 120/12820): [حدثنا هناد بن السري قال: حدثنا يونس بن بكير قال: حدثنا محمّد بن إسحاق قال: حدثني محمّد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قاله، بعينه]

ــ وجاء في الإنباه على قبائل الرواة (ص:19، بترقيم الشاملة آليا): [حدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا أحمد بن زهير، قال: حدثنا الفضل بن غانم، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمّد بن إبراهيم بن الحارث التيمي: أن أبا صالح حدَثه أنه سمع أبا هريرةِ يقول: سمعت رسول الله، يقول لأكثم، فذكر الحديث. وذكر مصعب الزبيري حديث أبي هريرة هذا دون إسناد، ثم قال: وما قال رسول الله، فهو الحق، إن كان قاله]؛

ــ وهو – مختصراً - في مسند البزار [كاملا من 1 - 14 مفهرسا (2/473/8914)]: [وبه (يعني الإسناد السابق: حَدَّثنا عَبد الله بن شَبِيب حَدَّثنا إسحاق بن مُحَمد حَدَّثنا مُحَمد بن جعفر بن أبي كثير، عَن زَيد بن أسلم، عَن أبي صالح، عَن أبي هُرَيرة) عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (أول من سيب السوائب ونصب النصب وغير عهد أبي إبراهيم عَمْرو بن لحي لقد رأيته في النار يجر قصبة)]؛

قلت: أكثم بن أبي الجون (واسمه عبد العزى) بن منقذ بن ربيعة ابن أصرم بن ضبيس بن حرام بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو بن لُحَيِّ، أبو معبد الخزاعي؛ صحابي، وهو الذي مر النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مع أبي بكر أثناء الهجرة على خيمته، وهو غائب، فضيفتهما زوجه أم معبد، وهو عم الصحابي الجليل سليمان بن صرد بن أبي الجون.

 

* وأخرجه الإمام الحاكم في مستدركه (ج4/ص647/ح8789) من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة: [أخبرني عبد الرحمن بن أبي الوزير حدثنا أبو حاتم الرازي حدثنا محمّد بن عبد الله الأنصاري حدثنا محمّد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (عرضت علي النار فرأيت فيها عمرو بن لُحَيِّ بن قَمْعَة بن خندف، أبو عمرو، وهو يجر قصبه في النار؛ وهو أول من سيب السوائب؛ وغير عهد إبراهيم عليه السلام؛ وأشبه من رأيت به أكثم بن أبي الجون)؛ قال: فقال أكثم: (يا رسول الله: يضرني شبهه؟!)؛ قال: (لا: إنك مسلم، وإنه كافر)]؛ ثم قال الإمام الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه)؛ وهو كما قال؛ وأخرجه الإمام ابن حبان في صحيحه (ج20/ص536/ح7490): [أخبرنا عبد الله بن محمّد الأزدي قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا الفضل بن موسى حدثنا محمّد بن عمرو حدثنا أبو سلمة عن أبى هريرة بنحوه إلى منتهاه]؛ وأبو يعلى في مسنده (ج10/ص505/ح6121): [حدثنا أبو موسى حدثنا محمّد بن عبد الله الأنصاري حدثنا محمّد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة بنحوه إلى منتهاه]؛ وفي تفسير الطبري (11/117 – 120/12822): [حدثنا هناد قال: حدثنا عَبْدة، عن محمّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قاله بنحوه إلى منتهاه]؛ وغيرهم.

 

* وهو في تفسير مجاهد (1/368/363 ، بترقيم الشاملة آليا): [أنبأ عبد الرحمن، قال: حدثنا إبراهيم، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو معشر، عن محمد بن قيس، عن أبي هريرة، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: أبو معشر، وحدثنا سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «إن أول من أله الإله، وسيب السيوب، وبحر البحاير، وغير دين إبراهيم عليه السلام، عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف»، قال النبي، صلى الله عليه وسلم: فرأيته يجر قصبه في النار يتأذى به أهل النار، صنماه على ظهره، وناقتان كان سيبهما، ثم استعملهما يعضانه بأفواههما، ويطآنه بأخفافهما، أشبه ولده به أكثم بن أبي الجون، فقال أكثم: يا رسول الله: أيضرني ذلك شيئا؟ قال: «لا، أنت رجل مؤمن، وهو كافر»]؛

فالحديث مروي عن أبي هريرة بأصح الأسانيد من طريق أثبت رواته وأجلهم مرتبة، الأئمة: سعيد بن المسيب، وأبي صالح ذكوان، وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف؛ وكلك ربما من طريق كحكد بن قيس: فهذا نقل تواتر عن أبي هريرة.

 

* وأخرجه البخاري في صحيحه (ج4/ص2091/ح4348) من طريق عروة عن عائشة: [حدثني محمّد بن أبي يعقوب أبو عبد الله الكرماني حدثنا حسان بن إبراهيم حدثنا يونس عن الزهري عن عروة أن عائشة قالت: قال رسول الله: (رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا ورأيت عمرا يجر قصبه وهو أول من سيب السوائب)]؛ وأخرجه البخاري في صحيحه (ج1/ص406/ح1154) في موضع آخر: [حدثنا محمّد بن مقاتل أخبرنا عبد الله أخبرنا يونس عن الزهري عن عروة به، مع زيادات]؛ أخرجه مسلم في صحيحه (ج2/ص620/ح901) بتمام طوله: [حدثني حرملة بن يحيى أخبرني بن وهب أخبرني يونس (ح) وحدثني أبو الطاهر ومحمّد بن سلمة المرادي قالا: حدثنا بن وهب عن يونس عن بن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي، صلى الله عليه وسلم، قالت: خسفت الشمس في حياة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فخرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى المسجد فقام وكبّر وصفّ الناس وراءه فاقترأ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قراءة طويلة ثم كبر فركع ركوعا طويلا ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، ثم قام فاقترأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الأولى ثم كبر فركع ركوعا طويلا هو أدنى من الركوع الأول ثم قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، ثم سجد (ولم يذكر أبو الطاهر ثم سجد) ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك حتى استكمل أربع ركعات وأربع سجدات وانجلت الشمس قبل أن ينصرف؛ ثم قام فخطب الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا حياته، فإذا رأيتموها فافزعوا للصلاة، وقال أيضا: فصلوا حتى يفرج الله عنكم، وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: رأيت في مقامي هذا كل شيء وُعدتم، حتى لقد رأيتني أريد أن آخذ قطفا من الجنة حين رأيتموني جعلت أقدم (وقال المرادي أتقدم)، ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا حين رأيتموني تأخرت ورأيت فيها بن لُحَيِّ وهو الذي سيب السوائب (وانتهى حديث أبي الطاهر عند قوله فافزعوا للصلاة ولم يذكر ما بعده)]؛ وأخرجه مسلم في صحيحه (ج2/ص619 ــ 620/ح901) من عدة طرق؛ والنسائي في سننه (ج3/ص132/ح1472)؛ وفي سننه الكبرى (ج1/ص571/ح1857)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج2/ص265/ح3246) بطوله، ثم قال: (رواه البخاري في الصحيح عن محمّد بن مقاتل عن عبد الله بن المبارك وأخرجه مسلم من حديث بن وهب عن يونس)، والبيهقي في سننه الكبرى (ج3/ص341/ح6206) ثم قال: (رواه مسلم في الصحيح عن محمّد بن سلمة).

 

* وأخرج الإمام عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه (ج3/ص99/ح4926): [عبد الرزاق عن ابن جريج قال: سمعت عطاء يقول: سمعت عبيد بن عمير يقول: أخبرني من أصدق (فظننت أنه يريد عائشة أنها قالت): كسفت الشمس على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقام بالناس قياما شديدا يقوم بالناس ثم يركع ويقوم ثم يركع ويقوم ثم يركع، فركع ركعتين في كل ركعة ثلاث ركعات يركع الثالثة ثم يسجد، فلم ينصرف حتى تجلت الشمس وحتى أن رجالا يومئذ لغشى عليهم حتى أن سجال الماء ليصب عليهم مما قام بهم، ويقول إذا ركع: الله أكبر، وإذا رفع: سمع الله لمن حمده، ثم قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته ولكنها آيتان من آيات الله يخوفكم بهما، فإذا كسفهما فافزعوا إلى ذكر الله حتى ينجلى؛ (وزيد على عطاء في هذه الخطبة: ولكنه ربما مات الخيار بأطراف من الارض فأذاعت بذلك الجن فكان لذلك القتر)؛ قال: فأخبرني غير عبيد يقول: قال: عرضت الجنة والنار على النبي، صلى الله عليه وسلم، وهو في صلاته يوم كسفت الشمس فتأخر عن مصلاه وراءه حتى أن الناس ليركب بعضهم على بعض ويقول أي رب وأنا أي رب وأنا، ثم عاد يسير حتى رجع في مصلاه فرأى إذ عرضت عليه النار: أبا خزاعة عمرو بن لُحَيِّ في النار يجر قصبه؛ قال: وكانوا زعموا يسرق الحاج بمحجن له ويقول أي رب لا أسرق إنما يسرق محجني؛ قال: وصاحبة الهرة امرأة ربطتها فلم تطعمها ولم ترسلها ولم تسقها فتأكل وتشرب حتى ماتت هزالا؛ وإذا رجع عرضت عليه الجنة فذهب يمشي حتى رجع في مصلاه ثم قال: أردت أن آخذ منها قطفا لأريكموه فلم يقدر. قال ابن جريج: وقال الحسن: فزع النبي، صلى الله عليه وسلم، يومئذ حتى أنه يجر رداءه، قال عبد الرزاق: أذاعت يعني اخبرت الجن بعضها بعضا، ويعني القترة الحمرة التي تكون في القمر، والذي يجر قصبه يعني حشاه]؛ قلت خلَّط الراوية المبهم (أو من دونه من الرواة) بين عمرو بن لُحَيِّ، وصاحب المحجن الذي كان يسرق الحاج، وهو رجل آخر، وهما غير المدلجي الذي بحَّر البحائر. وأما حديث عبيد بن عمير إلى قوله: (فافزعوا إلى ذكر الله حتى ينجلى)، فصحيح متصل أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (ج2/ص621/ح901)؛ وغيره من الأئمة.

 

* وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج3/ص353/ح14842) بإسناد حسن عن جابر: [حدثنا زكريا أنبأنا عبيد الله؛ وحسين بن محمّد قال: حدثنا عبيد الله، عن عبد الله بن محمّد بن عقيل عن جابر قال بينما نحن مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في صفوفنا في الصلاة صلاة الظهر أو العصر فإذا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يتناول شيئا ثم تأخر فتأخر الناس، فلما قضى الصلاة قال له أُبي بن كعب: شيئا صنعته في الصلاة لم تكن تصنعه، قال: عرضت علي الجنة بما فيها من الزهرة والنضرة فتناولت منها قطفا من عنب لآتيكم به فحيل بيني وبينه ولو أتيتكم به لآكل منه من بين السماء والأرض لا ينقصونه شيئا، ثم عرضت علي النار فلما وجدت سفعها تأخرت عنها وأكثر من رأيت فيها النساء اللاتي إن ائتمن أفشين وإن يسئلن بخلن وإن يسألن الحفن، قال حسين: وإن أعطين لم يشكرن؛ ورأيت فيها لُحَيِّ بن عمرو يجر قصبه في النار وأشبه من رأيت به معبد بن أكثم الكعبي؛ قال معبد يا رسول الله أيُخشى علي من شبهه، وهو والدي، فقال: لا أنت مؤمن وهو كافر)؛ قال حسين: (وكان أول من حمل العرب على عبادة الأوثان)؛ قال حسين: (تأخرت عنها ولولا ذلك لغشيتكم)]؛ وقد انقلبت الأسماء على بعض الرواة، وإنما هو: عمرو بن لُحَيِّ، وأبو معبد أكثم بن أبي الجون الخزاعي ثم الكعبي. وكذلك وهم راوية فجعلها (صلاة الظهر أو العصر)، وإنما هي (صلاة كسوف)؛

ــ وتجده أيضاً من حديث زكريا بن عدي عند عبد بن حُمَيْد في مسنده (ج1/ص317/ح1036): [حدثني زكريا بن عدي حدثنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الله بن محمّد بن عقيل عن جابر بنحوه وتمام طوله]؛

ــ وأخرجه الحاكم في مستدركه (ج4/ص647/ح8788) بنحوه وتمام طوله، إلا أنه قال: [أخبرنا عبد الرحمن بن حمدان الجلاب بهمدان حدثنا هلال بن العلاء الرقي حدثنا أبي حدثنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الله بن محمّد بن عقيل عن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه رضي الله عنه؛... فساقه]؛ ثم قال الإمام الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه).

قلت: هو الحديث السابق عن جابر، غلط فيه العلاء بن هلال بن عمرو بن هلال بن أبي عطية الباهلي الرقي، وهو والد هلال بن العلاء الرقي، فجعله عن أبي بن كعب؛ وهذا العلاء بن هلال بن عمرو ضعيف يقلب الأسانيد ويغير الأسماء، لا يجوز الاحتجاج به بحال، كما قال الإمام ابن حبان.

 

ولكن الحديث، حديث جابر، صحيح بشهادة الصحاح الأخرى، وبالمتابعات التالية:

ــ فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه (ج2/ص622/ح904): [وحدثني يعقوب بن إبراهيم الدورقي حدثنا إسماعيل بن علية عن هشام الدستوائي قال: حدثنا أبو الزبير عن جابر بن عبد الله قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في يوم شديد الحر فصلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بأصحابه فأطال القيام حتى جعلوا يخرون، ثم ركع فأطال ثم رفع فأطال ثم ركع فأطال ثم رفع فأطال ثم سجد سجدتين ثم قام فصنع نحوا من ذاك، فكانت أربع ركعات وأربع سجدات، ثم قال: إنه عرض علي كل شيء تولجونه، فعرضت علي الجنة حتى لو تناولت منها قطفا أخذته ــ أو قال: تناولت منها قطفا ــ فقصرت يدي عنه، وعرضت علي النار فرأيت فيها امرأة من بني إسرائيل تُعذب في هرة لها ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض، ورأيت أبا ثمامة عمرو بن مالك يجر قصبه في النار؛ وإنهم كانوا يقولون إن الشمس والقمر لا يخسفان إلا لموت عظيم، وإنهما آيتان من آيات الله يريكموهما فإذا خسفا فصلوا حتى تنجلي]؛ وبنحوه أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (ج2/ص320/ح1381)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج3/ص374/ح15060)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج3/ص324/ح6107)؛ وغيرهم.

قوله: (عمرو بن مالك) من أوهام الرواة، وإنما هو عمرو بن عامر، كما سنحرره قريباً، إن شاء الله؛ وكذلك قوله: (امرأة من بني إسرائيل)، وإنما هي من حمير.

 

* وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج1/ص446/ح4258) عن عبد الله بن مسعود: [حدثنا عبد الله قال: قرأت على أبي حدثك عمرو بن مجمع حدثنا إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (ان أول من سيب السوائب وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن عامر: وأني رأيته يجر أمعاءه في النار)]؛

قلت: أبو المنذر عمرو بن مجمع بن يزيد بن أبي سليمان السكوني الكندي الكوفي، ثم البغدادي، الأرجح أنه صدوق، ولكنه كثير الخطأ؛ إبراهيم الهجري شيخ صالح وإنما عابوا عليه فقط أنه رفع بعض آثار عبد الله بن مسعود، وهذا الحديث قطعاً ليس منها، فلذلك نستخير الله فنقول بحسن الإسناد لذاته، وصحة الحدبث عن عبد الله بن مسعود.

 

* وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج4/ص245/ح18207) عن المغيرة بن شعبة: [حدثنا عبد الله قال: وجدت في كتاب أبي بخط يده: حدثني عبد المتعال بن عبد الوهاب حدثنا يحيى بن سعيد الأموي حدثنا المجالد عن عامر قال: كسفت الشمس ضحوة حتى اشتدت ظلمتها فقام المغيرة بن شعبة فصلى بالناس فقام قدر ما يقرأ سورة من المثاني ثم ركع مثل ذلك ثم رفع رأسه ثم ركع مثل ذلك ثم رفع رأسه فقام مثل ذلك ثم ركع الثانية مثل ذلك، ثم ان الشمس تجلت فسجد ثم قام قدر ما يقرا سورة ثم ركع وسجد، ثم انصرف فصعد المنبر فقال: إن الشمس كسفت يوم توفي إبراهيم بن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد وإنما هما آيتان من آيات الله عز وجل، فإذا انكسف واحد منهما فافزعوا إلى الصلاة، ثم نزل فحدث ان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان في الصلاة فجعل ينفخ بين يديه ثم إنه مد يده كأنه يتناول شيئا فلما انصرف قال: (ان النار أدنيت مني حتى نفخت حرها عن وجهي، فرأيت فيها صاحب المحجن، والذي بحر البحيرة، وصاحبة حمير صاحبة الهرة)]؛ يحيى بن سعيد الأموي كوفي ولد سنة 114 هـ، فسماعه من مجالد بن سعيد قديم، عندما كان مجالد قوياً، فهذا إسناد من الحسن المرتفع، والأرجح أنه صحيح. وهذا الكسوف الذي رآه أهل الكوفة هو – والله أعلم – كسوف يوم الأربعاء 24 جمادى الثانية 47 هـ، الموافق: 25 أغسطس 667 م (يوليانية) الذي كاد أن يكون كلياً، بدأ مع طلوع الشمس، وبلغ غايته بعد ساعة، وانتهي بعد ساعتين تقريباً.

 

* وأخرج الطبراني في معجمه الكبير (ج10/ص328/ح10808) عن بن عباس: [حدثنا أحمد بن المعلى الدمشقي حدثنا هشام بن عمار حدثنا عبد الله بن يزيد البكري عن بن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة عن بن عباس قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (أول من غير دين إبراهيم عليه السلام: عمرو بن لُحَيِّ بن قمعة بن خِنْدِف أبو خزاعة)]؛ وهو بعينه في معجمه الأوسط (ج1/ص72/ح201)؛ ثم عقَّب الإمام الطبراني قائلاً: (لم يرو هذا الحديث عن صالح مولى التوأمة إلا بن أبي ذئب ولا عن بن أبي ذئب إلا عبد الله بن يزيد البكري تفرد به هشام بن عمار)؛ سماع ابن أبي ذئب من صالح مولى التوأمة جيد قديم قبل اختلاطه؛ ولكن البلاء، إن وجد، فهو من عبد الله بن يزيد البكري لأنه ضعيف الحديث؛ (وليس هو أبو هلال عبد الله بن يزيد السعدي البكري فهذا ثقة قديم من طبقة شيوخ ابن أبي ذئب، يروي عن سعيد بن المسيب)؛ ولكن لعله حفظ ها هنا، وقد يثبت الحديث عن بن عباس بالشواهد السابقة والتالية؛ وبالمتابعات التالية؛ وبمراسيل جياد كأنها عنه:

ــ فقد جاءت متابعة في أخبار مكة للأزرقي (1/152/128، بترقيم الشاملة آليا): [حدثنا جدي، قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: أخبرني ابن جريج، قال: قال عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه - يعني أمعاءه - في النار، على رأسه فروة»، فقال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «من في النار؟». فقال: من بيني وبينك من الأمم. وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «هو أول من جعل البحيرة والسائبة والوصيلة، والحام، ونصب الأوثان حول الكعبة، وغير الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام»]؛

ــ وجاءت متابعة في الأصنام لهشام بن محمّد بن السائب الكلبي (ص:11، بترقيم الشاملة آليا): [قال هشام: فحدثنا الكلبى عن أبي صالح عن ابن عباس قال: قال النبي، عليه السلام: (رفعت لي النار فرأيت عمراً رجلاً قصيراً أحمر أزرق يجر قصبه في النار. قلت: من هذا؟ قيل: هذا عمرو بن لُحَيِّ، أول من بحر البحيرة، ووصل الوصيلة، وسيب السائبة، وحمى الحامى، وغير دين إبراهيم، ودعا العرب إلى عبادة الأوثان). قال النبي، صلى الله عليه وسلم: (أشبه بنيه به قطن بن عبد العزى. فوثب قطن فقال: يا رسول الله! أيضُرني شبهه شيئا؟ قال: لا، أنت مسلم وهو كافر). وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (ورفع لي الدجال، فإذا رجل أعور، آدم، جعد. وأشبه بني عمرو به أكثم بن عبد العزى). فقام أكثم فقال: (يا رسول الله! هل يضُرني شبهي إياه شيئاً؟ قال: لا، أنت مسلم وهو كافر)]؛ وهي متابعة لا يفرح بها كثيراً، لأن محمّد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس من أضعف الأسانيد؛ كما خلَّط فيها أحد الرواة تخليطاً شديداً بين عبد العزى بن قطن، رجل هلك في الجاهلية، الذي يشبه الدجال، وأكثم بن أبي الجون، الذي يشبه عمرو بن لُحَيِّ، وهو الذي تسائل مشفقاً عن ضرر الشبه. كما أضاف من خياله الجامح صحابياً لم يخلق قط سمَّاه: قطن بن عبد العزى، وجعله يتسائل مشفقاً عن ضرر الشبه أيضاً(؟!).

ــ وقال الحافظ في «الفتح»: [....، وروى الطبراني من حديث بن عباس، رفعه: «أول من غير دين إبراهيم عمرو بن لحي بن قمعه بن خندف أبو خزاعة»، وذكر الفاكهي من طريق عكرمة نحوه مرسلاً، وفيه: فقال المقداد: (يا رسول الله من عمرو بن لحي؟!)، قال: «أبو هؤلاء الحي من خزاعة!»].

* وجاءت مرسلة جيدة أخرجها الإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج7/ص256/ح35830)؛ وفي طبعة أخرى (235) (14/92/36980): [حَدَّثَنَا الْفَضْلُ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم: (قَدْ عَرَفْت أَوَّلَ النَّاسِ بَحَرَ الْبَحَائِرَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ كَانَتْ لَهُ نَاقَتَانِ فَجَدَعَ آذَانَهُمَا وَحَرَّمَ أَلْبَانَهَا وَظُهُورَهُمَا، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَإِيَّاهُمَا فِي النَّارِ تَخْبِطَانِهِ بِأَخْفَافِهِمَا وَتَقْضِمَانِهِ بِأَفْوَاهِهِمَا؛ وَلَقَدْ عَرَفْت أَوَّلَ النَّاسِ سَيَّبَ السَّوَائِبَ وَنَصَبَ النُّصُبَ وَغَيَّرَ عَهْدَ إبْرَاهِيمَ عَمْرُو بْنُ لُحَي، وَلَقَدْ رَأَيْته يَجُرُّ قَصَبَهُ فِي النَّارِ يُؤْذِي أَهْلَ النَّارِ جَرُّ قَصَبِهِ]؛

ــ وهو في تفسير الطبري (11/117 – 120/12824): [حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (إني لأعرف أوّل من سيب السوائب، وأوّل من غيَّر عهد إبراهيم! قالوا: من هو، يا رسول الله؟ قال: عمرو بن لُحَيّ أخو بني كعب، لقد رأيته يجرّ قُصْبه في النار، يؤذي ريحه أهل النار؛ وإني لأعرف أوّل من بحر البحائر! قالوا: من هو، يا رسول الله؟ قال: رجل من بني مدلج، كانت له ناقتان، فجدع آذانهما، وحرّم ألبانهما، ثم شرب ألبانهما بعدَ ذلك، فلقد رأيته في النار هو، وهما يعضّانه بأفواههما، ويخبطانه بأخفافهما]؛

ــ وبعضه في تفسير الطبري (11/117 – 120/12821): [حدثنا هناد قال: حدثنا يونس قال: حدثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: قد عرفت أوّلَ من بَحَر البحائر، رجلٌ من مُدْلج كانت له ناقتان، فجدَع آذانهما، وحرّم ألبانهما وظهورَهما، وقال: هاتان لله! ثم احتاج إليهما، فشرب ألبانهما، وركب ظهورهما. قال: فلقد رأيته في النار يؤذِي أهل النار ريح قُصْبه]؛

ــ وهو في أحكام القرآن لابن العربي (3/371): [وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: ﴿أَوَّلُ مَنْ نَصَبَ النُّصُبَ، وَسَيَّبَ السَّوَائِبَ، وَغَيَّرَ عَهْدَ إبْرَاهِيمَ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ؛ وَلَقَدْ رَأَيْته يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، يُؤْذِي أَهْلَ النَّارِ بِرِيحِهِ﴾]؛

قلت: لعل أصله عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عباس؛ كما هو في حديث البخاري: حيث أخرج البخاري في صحيحه (ج1/ص206/ح421): [حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عباس قال: انخسفت الشمس فصلى رسول الله ثم قال: (أريت النار فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع)]، فيثبت بها حديث ابن عباس. ولكن هذا ليس قطعياً، فما زال احتمال كونه عَن أبي صالح، عَن أبي هُرَيرة، قائما:

* حيث جاء في مسند البزار [كاملا من 1 - 14 مفهرسا (2/473/8914)]: [وبه (يعني الإسناد السابق: حَدَّثنا عَبد الله بن شَبِيب حَدَّثنا إسحاق بن مُحَمد حَدَّثنا مُحَمد بن جعفر بن أبي كثير، عَن زَيد بن أسلم، عَن أبي صالح، عَن أبي هُرَيرة) عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (أول من سيب السوائب، ونصب النصب، وغير عهد أبي إبراهيم: عَمْرو بن لحي؛ لقد رأيته في النار يجر قصبة)].

وجاءت مراسيل جياد أخرى، منها:

* ما جاء في سيرة ابن هشام (1/76): [قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حُدّثْت أَنّ رَسُولَ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: (رَأَيْت عَمْرَو بْنَ لُحَيِّ يَجُرّ قُصْبَهُ فِي النّارِ؛ فَسَأَلْته عَمّنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مِنْ النّاسِ فَقَالَ هَلَكُوا)]؛

 

* وأخرج ابن حنبل في فضائل الصحابة (ج2/ص833/ح1524): [حدثنا عبد الله بن يزيد قال: حدثنا سعيد يعني بن أبي أيوب قال: حدثني عبد الله بن خالد عن عبد الله بن الحارث بن هشام المخزومي أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (لا تسبوا مُضَر فإنه كان على دين إبراهيم؛ وإن أول من غير دين إبراهيم لعمرو بن لُحَيِّ بن قمعة بن خِنْدِف، وقال: رأيته يجر قصبه في النار)]؛ عبد الله بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي من كبار التابعين، ولد على عهد النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قيل أن روايته عن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مرسلة؛ وعبد الله بن خالد، هو الوابصي، ليس بالمشهور، ولكن يشهد لصحة الحديث الشواهد السابقة، وكذلك الشواهد والمتابعات اللاحقة:

ــ كما جاء في فتح الباري لابن حجر (10/293): [وَرَوَى اِبْن حَبِيب فِي تَارِيخه عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ: (مَاتَ عَدْنَان وَأَبُوهُ وَابْنه مَعْد وَرَبِيعَة وَمُضَر وَقَيْس وَتَمِيم وَأَسَد وَضَبَّة عَلَى الْإِسْلَام عَلَى مِلَّة إِبْرَاهِيم)؛ وَرَوَى الزُّبَيْر بْن بَكَّار مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس: (لَا تَسُبُّوا مُضَر وَلَا رَبِيعَة فَإِنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ)، وَلِابْنِ سَعْد مِنْ مُرْسَل عَبْد اللَّه بْن خَالِد رَفَعَهُ: (لَا تَسُبُّوا مُضَر فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ)].

ــ وجاء أيضاً في فتح الباري لابن حجر (11/208): [قَوْله: (اِبْن عَدْنَان) بِوَزْنِ فَعْلَان مِنْ الْعَدْن تَقُول عَدَنَ: أَقَامَ، وَقَدْ رَوَى أَبُو جَعْفَر بْن حَبِيب فِي تَارِيخه (الْمُحَبَّر) مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس قَالَ: (كَانَ عَدْنَان وَمَعَدّ وَرَبِيعَة وَمُضَر وَخُزَيْمَة وَأَسَد عَلَى مِلَّة إِبْرَاهِيم، فَلَا تَذْكُرُوهُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ)؛ وَرَوَى الزُّبَيْر بْن بَكَّار مِنْ وَجْه آخَر مَرْفُوعًا: (لَا تَسُبُّوا مُضَر وَلَا رَبِيعَة فَإِنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ)، وَلَهُ شَاهِد عِنْد اِبْن حَبِيب مِنْ مُرْسَل سَعِيد بْن الْمُسَيِّب].

ــ وهو في عمدة القاري شرح صحيح البخاري (24/9، بترقيم الشاملة آليا) مع ذكر إسناد ابن حبيب: [وقال ابن حبيب: حدثنا أبو جعفر عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: (مات أدد والد عدنان وعدنان ومعد وربيعة ومُضَر وقيس عيلان وتيم وأسد وضبة على الإسلام على ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام فلا تذكروهم إلا كما يذكر به المسلمون)؛ وعن سعيد بن المسيب أن رسول الله قال: (لا تسبوا مُضَر فإنه كان مسلما على ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام)؛ وعند الزبير بن بكار من حديث ميمون بن مهران عن ابن عباس يرفعه: (لا تسبوا مُضَر ولا ربيعة فإنهما كانا مسلمين)].

ــ وفي سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (1/291) تجويد بعض الأسانيد آنفة الذكر: [ورى ابن حبيب بسند جيد عن سعيد بن المسيب مرسلا أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (لا تسبوا مُضَر فإنه كان على ملة إبراهيم)، ورواه الزبير والبلاذري بسند جيد عن الحسن مرسلا مثله، ورواه البلاذري عن عبيد الله بن خالد مرسلا نحوه. وروى ابن حبيب بسند جيد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (مات أدد والد عدنان، وعدنان، ومعد، وربيعة، ومضر، وقيس عيلان وتيم وأسد وضبة وخزيمة على الإسلام على ملة إبراهيم، صلى الله عليه وسلم)].

ــ وجاء في معجم ابن عساكر (1/300/612): [أخبرنا عبد الباقي بن الحسين بن إبراهيم أبو الحسين النجاد المعروف أبوه بكتيلة بقراءتي عليه ببغداد أنبأنا أبو جعفر محمّد بن أحمد بن محمّد بن عمر بن المسلمة الرفيلي قراءة عليه أنبأنا أبو طاهر محمّد بن عبد الرحمن بن العباس بن عبد الرحمن المخلص أنبأنا أبو عبد الله أحمد بن سليمان بن داود بن محمّد الطوسي قال: حدثني الزبير بن أبي بكر بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير حدثني أبو المكرم عقبة بن المكرم الضبي قال: حدثني محمّد بن زياد عن ميمون بن مهران عن ابن عباس قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا مُضَر وربيعة فإنهما كانا مسلمين ولا تسبوا قسا فإنه كان مسلماً)].

ــ وجاء في المناقب المزيدية في اخبار الملوك الاسدية لأبي البقاء الحلي (ص:92، بترقيم الشاملة آليا):أخبرنا الحسن بن محمّد أجازة عن أبيه عن أحمد بن عبدون عن أبي طالب الانباري عن أبي بشر أحمد بن أبراهيم العمي عن أحمد بن عمرو الزيبقي عن عبد الله بن المكرم الضبي عن محمّد بن زياد عن الميمون بن مهران عن أبن العباس رضي الله عنه. قال: قال رسول الله (لا تسبوا مُضَر وربيعة، ولا تسبوا قساً فأنه كان مسلماً)]؛ عبد الله بن المكرم الضبي تصحيف، وإنما هو أبو نعيم عقبة بن المكرم الضبي الكوفي، أخباري ثقة.

ــ وجاء كذلك في المنتظم لابن الجوزي (1/106، بترقيم الشاملة آليا): [وأنبأنا الحسين بن محمّد الدياس، قال: أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة، قال: أخبرنا أبو طاهر المخلص، قال: أخبرنا أحمد بن سليمان الطوسي، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثني عقبة المكرم، قال: حدثني محمّد بن زياد، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا مُضَر وربيعة فإنهما كانا مسلمين)]؛ ولكن محمّد بن زياد اليشكري الطحان، هو الميموني، ضعيف جدا، متروك، اتهموه بالكذب، ولكن لعله صدق وحفظ ها هنا.

ــ وجاء في الحاوي للفتاوي للسيوطي (3/323 ــ 324): [فأخرجه أبو بكر محمّد بن خلف بن حيان المعروف بوكيع في كتاب (الغرر من الأخبار) قال: حدثنا إسحاق بن داود بن عيسى المروزي حدثنا أبو يعقوب الشعراني حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي حدثنا عثمان بن فايد عن يحيى بن طلحة بن عبيد الله عن إسماعيل بن محمّد بن سعد بن أبي وقاص عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (لا تسبوا ربيعة ولا مُضَر فإنهما كانا مسلمين)؛ واخرج بسنده عن عائشة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (لا تسبوا تميما وضبة فإنهما كانا مسلمين)؛ وأخرج بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا قساً فإنه كان مسلما)]؛ قلت: وعثمان بن فائد ضعيف متهم، لا يجوز الاحتجاج به، ولكن لعله حفظ وصدق ها هنا.

 

قلت: عمرو بن لُحَيِّ بن قَمْعَة بن خِنْدِف، هو: عمرو بن عامر بن لُحَيِّ بن قَمْعَة بن إلياس بن مُضَر بن نزار بن معد بن عدنان؛ وخِنْدِف جدته، إمرأة إلياس، ينسب إليها عامة ولد إلياس؛ وقد اشتهر بنسبته إلى جده لُحَيِّ، فيقال: عمرو بن لُحَيِّ، فالظاهر أن أباه عامراً كان خامل الذكر، فأسقطه الناس من سلسلة النسب، ويكتفي الناس بذلك: عمرو بن لُحَيِّ، لأنه لم يوجد في العالم إنسان آخر، يعتد به، بهذا الإسم. وهو أيضاً: عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر، لما مات أبوه عامر خلف على إمرأته – والدة عمرٍ هذا – ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر، وتبنَّى عمراً؛ فهو إذاً بالتبني: عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو (مزيقياء) بن عامر (ماء السماء) بن حارثة (الغطريف) بن امرىء القيس (البطريق) بن مازن (وهو جماع غسان) بن الأزد (واسمه درا) بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، هكذا زعم النسابون، فالله أعلم.

 

فالنسب الأول بالولادة، فهو عدناني صليبة، والنسب الآخر بالتبني، فهو قحطاني تبنياً وحلفاً، وكان هذا كثيراً في العرب، وأكثر منه النسب بمجرد الحلف والولاء؛ وكان عمرو بن لُحَيِّ هذا يكنَّى: أبا ثمامة.

 

وآباء القبائل المذكورون في حديث ابن عباس عند أبي جعفر بن حبيب، وبعضهم عند غيره عن صحابة آخرين، وهم: أدد والد عدنان، وعدنان، ومعد، وربيعة، ومضر، وقيس عيلان، وتميم (أو: تيم)، وأسد، وضبة، كلهم أقدم من عمرو بن لُحَيِّ، فهم كانوا قطعاً على ملة إبراهيم؛ وإنما يستفاد فوق هذا من الأحاديث (وهي يشد بعضها بعضاً) تزكيةً لهم بأعيانهم، وأنهم ماتوا على خير وإسلام، فلله الحمد والمنة.

 

وأما قس، فالظاهر الأرجح أنه قس بن ساعدة الإيادي أسقف عمان، الخطيب الشهير، فقد توفي قبيل بعثة النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وتدل خطبه على أنه كان مثل ورقة بن نوفل، فيرجى لهما الخير، إن شاء الله تعالى؛ وإن كان (قس) تصحيفاً لـ(قيس)، فهو قيس عيلان بن مضر، الجد الأعلى لشعبة مضر الثانية الكبرى، والله أعلم.

وعلى كل حال فإن قصة عمرو بن لُحَيِّ، كما ترى، وأنه أوَّلُ من غير عهد إبراهيم وإسماعيل، صلوات الله وسلامه عليهما وعلى آلهما، ثابتة يقيناً بالتواتر، وهي مشهورة عند العلماء، ويذكرها بعضهم بصيغة الجزم من غير إسناد، كما هو في ترجمة الإمام الشهيد أحمد بن نصر الخزاعي في «تاريخ بغداد»، وفي «تهذيب الكمال».

 

وعمرو بن لُحَيِّ بن قَمْعَة بن خِنْدِف هذا كان زعيماً لخزاعة قادهم في حروب مريرة ضد (جرهم) حكام مكة، وسدنة البيت، منذ أيام إسماعيل، حتى غلبهم على الحرم، وأجلاهم عنه، فأصبح سيد مكة، وسادن البيت الحرام، غير منازع. والظاهر أنه كان يدعي الكهانة، والاتصال بالجن، والمعرفة بالروحانيات، وأمور الدين. وكان ذا ثروة هائلة حتى قيل أنه فقأ عين عشرين بعيراً، فصارت العادة أن يفقأ عين الفحل من الإبل إذا بلغت الإبل ألفًا، حماية للألف من أعين الحاسدين بزعمهم الخرافي الفاسد. فإذا بلغت ألفين، فقئت العين الأخرى، وهكذا؛ وهذا يقتضي أنه كان يمتلك عشرين ألف بعير، وزيادة. وقيل أنه كان يطعم الناس، ويكسو في الموسم، فربما نحر في الموسم عشرة آلاف بدنة، وكسا عشرة آلاف حلة، فبلغ من السؤدد والرياسة ما لم يبلغه عربي قبله، ولا بعده حتى جاء الإسلام، وحتى أن العرب جعلته (ربًّا): لا يبتدع لهم بدعة إلا اتخذوها شرعة؛ كما أن قصاص العرب حاكوا حوله الخرافات والأساطير. وقد نسب إليه كلام طويل. وزُعم له عمر مديد، وأرجع عصره إلى أيام (العماليق) وإلى أيام (سابور ذي الأكتاف). وذكروا أنه كان ملكًا على الحجاز، وكان كبير الذكر في أيامه، إلى غير ذلك من قصص أخرى أخرجته من عالم الواقع إلى عالم القصص والأساطير؛ [راجع مثلاً: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام (11/79))].

 

ولعل تغيير التلبية الإبراهيمية بدعة من بدع عمرو بن لُحَيِّ هذا:

* فقد جاء في المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام (11/80): [وكان (عمرو بن لُحَيِّ) كاهنًا على ما يذكره أهل الأخبار، وهو من (خزاعة)، التي انخزعت من اليمن. ثبت حكمه على مكة، بعد أن انتزع الحكم من جرهم، وغلب قومه عليها، فصاروا يطيعونه ويتبعون ما يضعه لهم. وقد نسبوا إليه وضع بقية الأصنام، مثل اللات وإساف ونائلة، فهو على رأي أهل الأخبار مؤسس هذه الأصنام التي بقيت إلى أيام النبي، والتي حطمت بأمره عام الفتح، وباستيلاء المسلمين على المواضع الأخرى. وذكر أهل الأخبار أن (عمرو بن لُحَيِّ) كان أول من غير تلبية (إبراهيم). وكانت: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، لبيك)، فجعلها: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما لك)، وقد كان (إبليس) قد ظهر له في صورة شيخ نجدي على بعير أصهب، فسايره ساعة، ثم لبى إبليس، فلبى (عمرو) تلبيته حتى خدعه. فلباها الناس على ذلك]؛ (شيخ نجدي)؟! ما أكثر ظهور الشيطان في هذه الصورة!!.

ــ ولعل هذه الروايات الأخبارية هي التي عناها أنس بن مالك، رضي الله عنه، كما هو في مسند البزار [كاملا من 1 - 14 مفهرسا (2/340/7188)]: [حَدَّثنا أبو كامل وهلال بن يحيى، حَدَّثنا أبو عَوَانة، عَن قَتادة، عَن أَنَسٍ، قال: كان الناس بعد إسماعيل على الإسلام، فكان الشيطان يحدث الناس بالشيء، يريد أن يردهم عن الإسلام، حتى أدخل عليهم في التلبية: (لبيك اللهم لبيك * لبيك لا شريك لك * إلا شريكاً هو لك * تملكه وما ملك)، قال: فما زال، حتى أخرجهم عن الإسلام إلى الشرك]؛ وهو في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد [ محقق (3/283/5362)]؛ ثم قال الهيثمي: (رواه البزار ورجاله رجال الصحيح).

قلت: أستبعد أن يكون هذا هو أول الشرك، لأن عبارة: (إلا شريكاً هو لك * تملكه وما ملك) توجب أن يكون هناك (شريك)، أو (شركاء) معروفون من قبل، حاضرون في الذهن؛ وإنما يراد بإدخالهم في التلبية إشراكهم في مناسك الحج؛ وإلا فهم شركاء معروفون معتبرون قبل ذلك.

 

وإليك أفاعيل بعض هذا الشيطان المفتون، وفق مزاعم الأخباريين:

* فقد جاء في أخبار مكة للأزرقي (3/125/923، بترقيم الشاملة آليا): [حدثني جدي، حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: أخبرني محمد بن إسحاق، أن عمرو بن لحي، نصب بمنى سبعة أصنام، نصب صنما على القرين الذي بين مسجد منى والجمرة الأولى على بعض الطريق، ونصب على الجمرة الأولى صنما، وعلى المدعا صنما، وعلى الجمرة الوسطى صنما، ونصب على شفير الوادي صنما، وفوق الجمرة العظمى صنما، وعلى الجمرة العظمى صنما، وقسم عليهن حصى الجمار إحدى وعشرين حصاة، يرمى كل وثن منها بثلاث حصيات، ويقال للوثن حين يرمى: أنت أكبر من فلان - الصنم الذي يرمى قبله]؛

ــ وهو في أخبار مكة للفاكهي (7/217/2626، بترقيم الشاملة آليا): [حدثنا عبد الله بن عمران المخزومي قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج قال: أخبرني محمد بن إسحاق، «أن عمرو بن لحي، نصب بمنى سبعة أصنام ونصب صنما على القرين الذي بين مسجد منى والجمرة الأولى على بعض الطريق، ونصب على الجمرة الأولى صنما وعلى المدعى صنما وعلى الجمرة الوسطى صنما، ونصب على شفير الوادي فوق الجمرة العظيمة صنما، وعلى الجمرة العظمى صنما، وقسم عليهن حصى الجمرات إحدى وعشرون حصاة يرمي كل وثن بثلاث حصيات، ويقال للوثن حين يرمى أنت أكبر من فلان الصنم الذي يرمى قبله»]؛

 

* وجاء في أخبار مكة للأزرقي (1/207/140، بترقيم الشاملة آليا): [حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، قال: حدثنا سعيد بن سالم القداح، عن عثمان بن ساج، قال: أخبرني ابن إسحاق، قال: «نصب عمرو بن لحي الخلصة بأسفل مكة، فكانوا يلبسونها القلائد، ويهدون إليها الشعير والحنطة، ويصبون عليها اللبن، ويذبحون لها، ويعلقون عليها بيض النعام، ونصب على الصفا صنما يقال له نهيك مجاود الريح، ونصب على المروة صنما يقال له مطعم الطير»]

ــ وبعضه في أخبار مكة للفاكهي (4/91/1392، بترقيم الشاملة آليا): [حدثنا عبد الله بن عمران قال: حدثنا سعيد بن سالم القداح قال: قال عثمان بن ساج: أخبرني محمد بن إسحاق، «أن عمرو بن لحي نصب على الصفا صنما يقال له نهيك مجاود الريح، ونصب على المروة صنما يقال له مطعم الطير»]؛

 

* وجاء في أخبار مكة للأزرقي (1/173/144، بترقيم الشاملة آليا): [حدثني جدي، قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق، أن عمرو بن لحي اتخذ العزى بنخلة، فكانوا إذا فرغوا من حجهم وطوافهم بالكعبة لم يحلوا حتى يأتوا العزى، فيطوفون بها، ويحلون عندها، ويعكفون عندها يوما، وكانت لخزاعة. وكانت قريش وبنو كنانة كلها يعظم العزى مع خزاعة وجميع مضر، وكان سدنتها الذين يحجبونها بنو شيبان من بني سليم حلفاء بني هاشم]؛

 

* وجاء في أخبار مكة للأزرقي (1/209/141، بترقيم الشاملة آليا): [حدثنا أبو الوليد قال: حدثني جدي، قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: أخبرني محمد بن إسحاق «أن عمرو بن لحي، نصب مناة على ساحل البحر مما يلي قديدا، وهي التي كانت للأزد وغسان، يحجونها ويعظمونها، فإذا طافوا بالبيت وأفاضوا من عرفات وفرغوا من منى، لم يحلقوا إلا عند مناة، وكانوا يهلون لها، ومن أهل لها لم يطف بين الصفا والمروة؛ لمكان الصنمين اللذين عليهما: نهيك مجاود الريح، ومطعم الطير، فكان هذا الحي من الأنصار يهلون بمناة، وكانوا إذا أهلوا بحج أو عمرة لم يظل أحدا منهم سقف بيت حتى يفرغ من حجته أو عمرته، وكان الرجل إذا أحرم لم يدخل بيته، وإن كانت له فيه حاجة تسور من ظهر بيته؛ لأن لا يجن رتاج الباب رأسه، فلما جاء الله بالإسلام، وهدم أمر الجاهلية، أنزل الله تعالى في ذلك: ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى﴾. قال: وكانت مناة للأوس والخزرج وغسان من الأزد ومن دان بدينهم من أهل يثرب وأهل الشام، وكانت على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد»]؛

 

وقد جاء في بعض الروايات أنه رأى تلك الأصنام في الشام، فأعجبته، فاستوردها، ولعل منها أساف ونائلة:

* جاء في (الأصنام لهشام بن محمّدٍ الكلبي)، (ص:1، بترقيم الشاملة آليا): [وكانت أم عمرو بن لحي، فهيرة بنت عامر عمرو بن الحارث بن عمرو الجرهمي، ويقال: قمعة بنت مضاض الجرهمي. وكان الحارث هو الذي يلي أمر الكعبة. فلما بلغ عمرو بن لُحَيِّ، نازعه في الولاية، وقاتل جرهما ببني إسماعيل. فظفر بهم وأجلاهم عن الكعبة. ونفاهم من بلاد مكة، وتولى حجابة البيت بعدهم. ثم إنه مرض مرضاً شديداً، فقيل له: إن بالبلقاء من الشام حمةً إن أتيتها، برأت. فأتاها فاستحم بها، فبرأ. ووجد أهلها يعبدون الأصنام، فقال: ما هذه؟ فقالوا نستسقي بها المطر ونستنصر بها على العدو. فسألهم أن يعطوه منها، ففعلوا فقدم بها مكة ونصبها حول الكعبة].

 

* وجاء في (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام)، (11/78): [وفي رواية أخرى عن (ابن الكلبي) كذلك، وهي في كتابه الأصنام، ترجع أيضًا عبادة الأصنام إلى عمرو بن لحي، غير أنها تروي الخبر في صيغة أخرى، فتقول: (وكان عمرو بن لحي، وهو ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن مازن بن الأزد، وهو أبو خزاعة. وأمه فهيرة بنت الحارث، ويقال: إنها كانت بنت الحارث بن مضاض الجرهمي، وكان كاهنًا. وكان قد غلب على مكة وأخرج منها جرهمًا، وتولى سدانتها. وكان له رئي من الجن، وكان يكنى أبا ثمامة، فقال له: أجب أبا ثمامة، فقال: لبيك من تهامة، فقال له: ارحل بلا ملالة (أو: عجل بالمسير والظعن من تهامة)، بالسعد والسلامة، قال له: جير ولا إقامة، قال: (ائت صف جدة، تجد فيها أصناماً معدة، فأورد بها تهامة، ولا تهب، ثم ادع العرب قاطبة إلى عبادتها تُجب). فأتى شط جدة، فاستثارها، ثم حملها حتى ورد تهامة، وحضر الحج، فدعا العرب إلى عبادتها قاطبة. فأجابه عوف بن عذرة بن زيد اللآت بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلون بن عمران بن الحاف بن قضاعة، فدفع إليه ودًّا. فحمله إلى وادي القرى، فأقره بدومة الجندل. وسمى ابنه عبد ود. فهو أول من سُمي به، وهو أول من سُمي عبد ود، ثم سمت العرب به بعد. فهذه الرواية هي على شاكلة الرواية الأولى في منشإ عبادة الأصنام بين العرب قبل الإسلام بحسب رأي الأخباريين بالطبع، سوى اختلافها عنها في المكان الذي أخذت الأصنام منه. فهنا (جدة) على ساحل البحر الأحمر، وهناك البلقاء من أعمال الشام. والموضعان، وإن كانا يختلفان موقعًا، يتفقان في شيء واحد هو وقوعهما على حد مقصود، يرده الأجانب منذ القديم للإتجار. فهل يعني هذا استيراد تلك الأصنام من الخارج، من بلاد الشأم أو من مصر، وأنها كانت من عمل أهل الشام أو أهل مصر أو من عمل الروم أو الرومان؟ وتذكر رواية أخرى أن (عمرو بن لحي) إنما جاء بالصنم (هبل)، من (هيت) بالعراق حتى وضعه في الكعبة]؛ انتهى بتصرف طفيف، وإصلاح لبعض جمل الروايات كما هي في مصادرها الأصلية.

 

ولا أستبعد أن يكون عمرو بن لحي قد أصيب بـ(صدمة حضارية) عندما ذهب للتطبب في بلاد الشام، التي كانت آنذاك تحت السيطرة الرومانية. وكانت الحضارة الرومانية، والثقافة الإغريقية، وعلوم الطب، وفنون العمارة والنحت قد بلغت ذروتها. وكان الرومان، وعامة شعوب بلاد الشام، يدينون بالوثنية. وأما اليهود، أبناء عمومة العرب، الذين يدينون بالتوحيد، فقد تم إخضاعهم وإذلالهم من قبل الرومان. وإذا صح قولنا أن الرجل كان قد سيطر على مكة في منصف القرن الميلادي الثاني (حوالي 140 م)، كما سنحرره بعد قليل، فلا شك أنه قد سمع بهدم الهيكل بعد هزيمة اليهود في ثورة 70م، والمذابح اليشعة التي أوقعها الرومان باليهود في ثورة (بار كوخبا) حوالي 130م، التي هزموا أيضاً فيها هزيمة نكراء، وحرم عليهم الرومان بعدها دخول بيت المقدس، وبعثروهم في البلاد. ولا يبعد أن يكون قد وقف بنفسه على الأطلال، ورأى بعيني رأسه آثار الدمار: فأصيب عالمه الفكري بزلازال شديد.

 

أحسب أن الرجل قد عجز أن يستوعب كيف يتفوق الوثنيون هذا التفوق الساحق، حضارياً وعسكرياً، على أهل التوحيد، فدخل في دوامة من الشكوك والظنون حتى وسوست له نفسه القلقة المعذبة، أو رفقته من شياطين الجن، أن هؤلاء المتحضرين المتفوقين قد اطلعوا – بالنظر أو بالكشف والإلهام - على حقائق جديدة عن (الملائكة)، تلك الكائنات السماوية الروحانية التي يؤمن العرب الأميون البدائيون المتخلفون بوجودها في دينهم الإسماعيلي، ولا يعلمون عنها إلا أقل القليل. الحقيقة الجديدة هي: أن (الملائكة) هي أبناء وبنات الله، وكل إليهم التصرف والتدبير في الكون، كل في اختصاصه، إذ لا يليق بالملك أن يولي أعماله للسوقة، وأولاده (بالصلب أو التبني الحقيقي) موجودون متوافرون. فهم إذا (آلهة) تستحق العبادة، وأبوهم يفرح بعبادتهم، ويثيب عليها، بالإضافة للمنفعة العظيمة الحاصلة من شفاعتهم ووساطتهم. وهذه (الآلهة) لا بأس بتمثيلها بمنحوتات وتصاوير، كما تفعل الأمم الراقية!

 

بهذه النظرية الجديدة، والتماثيل الفنية الرائعة، لم يجد عمرو بن لحي، سادن مكة الأعظم، وزعيم العرب الأوحد، لا سيما إذا أحال إلى الكشف والمنامات والإلهامات التي اشتهر بها؛ لم يجد كبير صعوبة في إقناع العرب العدنانيين الطيبين البسطاء بـ(تطوير) دينهم (الساذج) لكي يلحقوا بركب الحضارة!

 

فالتحول من التوحيد إلى الشرك جاء فجأة، على وجه الطفرة، بفعالية رجل داعية واحد: عمرو بن لُحَيِّ بن قَمْعَة بن خِنْدِف، الذي كان هو الشيطان المفتون الملعون الذي دعى إلى الشرك، وروّج له، فانحسر التوحيد، وبُدِّل دين إبراهيم، في جيل واحد؛ حتى جاء إمام الهدى، ومصباح الدجى، سيدي أبو القاسم محمّد بن عبد الله، خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، فاقتلع الشرك من جذوره، ومحى الله به الكفر، وأظهر مِلَّة الحق: الحنيفية الإبراهيمية السهلة السمحة، كذلك طفرة في جيل واحد، فلله الحمد والمنة، لا إله إلا هو، ولا رب سواه، عليه نتوكل، وبه نتأيد.

 

وهذا هو قولنا، وما تؤكده المصادر التاريخية المتضافرة، وكله يبطل الخرافات والأساطير، من مثل:

(1)- هراء «اللات» الذي كان يلت السويق للحجاج، ذلك «السويق» المعجز العجيب الذي يسمِّن الناس من فورهم(؟؟!!)؛

(2)- ويبطل غيره من خرافات «أساف»، و«نائلة»، اللذين زنيا في الكعبة فمسخا تماثيلاً، غيرها من الخرافات الشاطحة، والأساطير الشعبية المكذوبة؛

(3)- وينقض «مزاعم» الطواف حول أحجار الكعبة، التي «تطوَّرت» إلى آلهة فيما بعد (على طريقة داروين في نظرية النشوء والارتقاء؟!)، بل وينسفها نسفاً؛

فلا يمكن أن يقول بشيء مما سلف من الأساطير إلا جاهل معذور بجهله، أو كافر بنبوة سيدنا محمد خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله!

 

وهذا الشيطان المفتون، عمرو بن لُحَيِّ بن قَمْعَة بن خِنْدِف، لم يخترع تلك الآلهة من خياله المحض، ولا هو الذي نحت أصنامها، وإنما هو ناقل مقتبس من الشعوب المجاورة، حتى لو سلمنا جدلاً بأن له رفقة من شياطين الجن وسوست له ببعض ذلك أو دلَّته إلى مواقع بعض الأصنام المدفونة، والأوثان الأثرية القديمة المهجورة، فهذه الأوثان والأصنام تعود قطعاً إلى شعوب مجاورة ورثت بعضها، مثل ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، من شعوب قديمة سابقة. وعليه فإن معتقدات الشعوب المجاورة لجزيرة العرب، وخرافاتها، وشعائرها، تعطينا صورة تقريبية لمثيل ذلك عند العرب.

 

وعمرو بن لُحَيِّ بن قَمْعَة بن خِنْدِف ليس قديماً موغلاً في القدم كما يظهر من القراءة المتأنية للأنساب التالية:

* فقد جاء في «الثقات»: [دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس بن الخزرج بن عامر بن بكر بن عامر بن عوف بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة الكلبي كان يشبه بجبريل عليه السلام بعثه النبي، صلى الله عليه وسلم، رسولا إلى قيصر سكن مصر فمات في ولاية معاوية بن أبى سفيان]، فبين دحية، رضي الله عنه، وبين زيد اللات (بن رفيدة بن ثور بن كلب) 13 عشر أباً.

ــ وكما جاء في «الثقات»: [أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى بن يزيد بن امرئ القيس بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن كنانة بن عوف بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن ثعلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كنيته أبو زيد وقد قيل أبو محمّد. ويقال: أبو زيد توفى بعد أن قتل عثمان بن عفان ونقش خاتمه حِب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قبض رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو بن عشرين سنة وكان قد نزل وادى القرى، وأمه أم أيمن اسمها بركة مولاة رسول الله، صلى الله عليه وسلم]، فبين أسامة بن زيد، الحِب بن الحب، رضوان الله وسلامه عليهما، وبين زيد اللات (بن رفيدة بن ثور بن كلب) 12 أباً.

ــ وجاء في «الإصابة في تمييز الصحابة»: [امرؤ القيس بن عدي بن أوس بن جابر بن كعب بن عليم بن هبل بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب الكلبي له إدراك ذكره بن الكلبي قال: وقد أمره عمر بن الخطاب على من أسلم بالشام من قضاعة وخطب إليه علي ومعه ابناه حسن وحسين فزوجهم بناته، وفي بنته الرباب يقول الحسين بن علي وكان له منها ابنته سكينة: لعمرك إنني لأحب دارا تكون بها سكينة والرباب]؛ قلت: فبين الصحابي امرؤ القيس بن عدي، رضي الله عنه، وبين زيد اللات (بن رفيدة بن ثور بن كلب) 11 أباً.

ــ وجاء في «الطبقات الكبرى»: [محمّد بن السائب الكلبي بن بشر بن عمرو بن الحارث بن عبد الحارث بن عبد العزى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن كنانة بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب، ويكنى محمّد بن السائب الكلبي أبا النضر وكان جده بشر بن عمرو وبنوه السائب وعبيد وعبد الرحمن شهدوا الجمل مع علي بن أبي طالب عليه السلام، وقتل السائب بن بشر مع مصعب بن الزبير]، فبين بشر بن عمرو، وهو من جيل الصحابة، وبين زيد اللات (بن رفيدة بن ثور بن كلب) 12 أباً.

* وجاء في «الجزء المتمم لطبقات ابن سعد»، (1/30)، عند الكلام عن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان: [وأمه ميسون بنت بحدل بن أنيف بن دلجة بن قنافة بن عدي بن زهير بن حارثة بن جناب بن ذهل بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب]؛ فبين جده لأمه بحدل (وهو من جيل الصحابة) وبين زيد اللات (بن رفيدة بن ثور بن كلب) 13 أباً.

 

* وجاء في «السيرة النبوية»، (ج:1 ص:237): [فأم العباس وضرار: نُتَيْلَة بنت جَنَاب بن كليب بن مالك (بن عبد مناف) بن عمرو بن عامر بن زيد مناة بن عامر، وهو الضحيان بن سعد بن الخزرج بن تيم اللات بن النمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار، ويقال أفصى بن دعمي بن جديلة]، فبين العباس، رضي الله عنه، وبين تيم اللات بن النمر بن قاسط، 10 أو 11 أباً (من جهة أمه).

فالعرب كانت تسمي (زيد اللات)، و(تيم اللات) قبل النبي، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، بحوالي اثني عشر جيلاً على أقل تقدير، على فرض أن سلاسل النسب صحيحة لا حذف فيها.

 

ولكن الأحوط أن يقال أن الأسماء الستة الأولى في أي من سلاسل النسب تلك صحيحة بعينها، لا حذف فيها، فهذه ستة أجيال. وأما الستة التي فوقها فيحتمل أن يكون فيها بعض الحذف والاختصار، أي أنها في الحقيقة والأصل لتسعة أسماء، حذف ثلثها لقلة شهرتهم، فلعل عدد الأجيال الكلي إنما هو في الحقيقة حوالي 20؛ وهذا يعادل 500 سنة تقريباً، فعمرو بن لُحَيِّ بن قَمْعَة بن خِنْدِف كان بالقطع موجوداً قبل ذلك، فلعله كان في أوائل القرن الميلادي الثاني. وهذا ينسجم أيضاً مع كون قريش بقيادة قصي بن كلاب إنما سيطرت على مكة، وطردت خزاعة منها حوالي 440م. وخزاعة كانت حكمت مكة حوالي ثلاثمائة سنة بعد أن هزمت جرهم وأجلتها حوالي 140م.

 

* وجاءت ملاحظة مبتكرة طريفة في كتاب الأصنام لأبي المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي - (1/2): [ثم اتخذوا العزى: وهي أحدث من اللات ومناة. وذلك أني سمعت العرب سمت بهما قبل العزى:

ــ تميم بن مر سمى ابنه زيد مناة بن تميم بن مر بن أد بن طابخة.

ــ وعبد مناة بن أد.

ــ وباسم اللات سمى ثعلبة بن عكابة ابنه تيم اللات.

ــ وتيم اللات بن رفيدة بن ثور.

ــ وزيد اللات بن رفيدة بن ثور بن وبرة بن مر بن أد بن طابخة.

ــ وتيم اللات بن النمر بن قاسط.

ــ وعبد العزى بن كعب بن سعد ابن زيد مناة بن تميم.

ــ تميم بن مر سمى ابنه زيد مناة بن تميم بن مر بن أد بن طابخة.

ــ وعبد مناة بن أد.

ــ وباسم اللات سمى ثعلبة بن عكابة ابنه تيم اللات.

ــ وتيم اللات بن رفيدة بن ثور.

ــ وزيد اللات بن رفيدة بن ثور بن وبرة بن مر بن أد بن طابخة.

ــ وتيم اللات بن النمر بن قاسط.

ــ وعبد العزى بن كعب بن سعد ابن زيد مناة بن تميم.

فهي أحدث من الأولين، وعبد العزى بن كعب من أقدم ما سمت به العرب، وكان الذي اتخذ العزى ظالم بن أسعد، وكانت بواد من نخلة الشامية يقال له حراض، بإزاء الغمير عن يمين المصعد إلى العراق من مكة، وذلك فوق ذات عرق إلى البستان بتسعة أميال، فبنى عليها بسا يريد بيتا، وكانوا يسمعون فيه الصوت، وكانت العرب وقريش تسمي بها عبد العزى، وكانت أعظم الأصنام عند قريش، وكانوا يزورونها ويهدون لها ويتقربون عندها بالذبائح]؛

ــ وهو في «معجم البلدان»، (ج:4 ص:120 وما بعدها): [العُزَّى، بضم أوله، في قوله تعالى: ﴿أفرأيتم اللات والعزى﴾، اللات صنم كان لثقيف، والعزى سمرة كانت لغطفان يعبدونها، وكانوا بنوا عليها بيتا وأقاموا لها سدنة، فبعث النبي، صلى الله عليه وسلم، خالد بن الوليد إليها فهدم البيت وأحرق السمرة. والعزى تأنيث الأعز مثل الكبرى، والأعز بمعنى العزيز والعزى بمعنى العزيزة. وقال ابن حبيب: العزى شجرة كانت بنخلة عندها وثن تعبده غطفان وسدنتها من بني صرمة بن مرة، قال أبو منذر: بعد ذكر مناة واللات ثم اتخذوا العزى؛ فساقه نصاً]

ــ وقد جاء نحو هذا في فتح الباري لابن حجر (8/612) بشيء من التلخيص: [قَالَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ: كَانَتْ مَنَاةٌ أَقْدَمُ مِنَ اللَّاتِ، فَهَدَمَهَا عَلِيٌّ عَامَ الْفَتْحِ بِأَمْرِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم،؛ وَكَانَتِ اللَّاتُ أَحْدَثُ مِنْ مَنَاةَ، فَهَدَمَهَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، لِمَا أَسْلَمَتْ ثَقِيفٌ؛ وَكَانَتِ الْعُزَّى أَحْدَثُ مِنَ اللَّاتِ، وَكَانَ الَّذِي اتَّخَذَهَا ظَالِمُ بْنُ سَعْدٍ بِوَادِي نَخْلَةَ فَوْقَ ذَاتِ عِرْقٍ، فَهَدَمَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِأَمْرِ النَّبِيُّ، صلى الله عليه وسلم، عَامَ الْفَتْحِ].

 قلت: قول أبي المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي: [تميم بن مر سمَّى ابنه زيد مناة بن تميم بن مر بن أد بن طابخة]، فيه شيء من التجاوز لأن الأرجح أن تميماً مات على الإسلام – كما سلف قريباً على ضعف الرواية – فيبعد أن يكون زيد مناة ابناً لتميم صليبة وإنما هو: زيد مناة بن فلان بن تميم، واختصر أهل النسب بحذف (فلان)، وربما كان هناك أكثر من فلان، لقلة شهرتهم؛ وهذا كثير جداً في سلاسل الأنساب.

ونسارع فنقول أن كل ما سلف إنما يتعلق في جوهره فقط بعرب الشمال، ولد إسماعيل، ومن كانوا يجاورونهم من القبائل غير الإسماعيلية مثل جرهم في قديم الأزمنة، والموحدين المؤمنين، أتباع نبي الله صالح، من بقايا ثمود، وبقايا مدين، وربما بعض المؤمنين من أتباع هود، بقايا عاد، وإن كانت ديارهم في الأرجح يمانية، وليست في شمال الجزيرة العربية. وحديثاً: خزاعة، وبطون من قضاعة وكلب وبلي وطي، ومن نزل في تلك الديار العربية الشمالية.

 

أما عرب الجنوب، العرب اليمانية القحطانية، وكذلك الأنباط في العراق والشام، فالظاهر أنهم كانوا أكثر مدنية، وكانوا أهل مدن وقرى وزراعة وصناعة وتجارة، قل أن يوجد فيهم بدو رحَّل، من رعاء الإبل، كما هو غالب حال عرب شمال جزيرة العرب، كما كانوا أهل خط وكتابة ونقوش وتماثيل. هؤلاء بقوا فيما يظهر على الشرك في الجملة، كما تشهد بذلك قصة ملكة سبأ، التي أسلمت على يد سليمان بن دواد، عليهما الصلاة والسلام. وتاريخ الجنوب معروف في الجملة فقد فشت اليهودية والتوحيد في اليمن تدريجياً، ولكن بقيت أقليات وثنية هنا وهناك، ثم جاءت النصرانية، وأخبار أصحاب الأخدود، وصراع الحبشة وملوك اليمن، ثم الفرس والحبشة، موجودة في كتب التاريخ، فلا نطيل بذكرها.

 

فصل: ما هي حقيقة «اللات»؟!

وحتى تعلم أهمية هذا المبحث (حقيقة «اللات»)، وعلاقته بالتوحيد، نسوق إليك هذا النص الخطير:

* ما جاء في «مؤلفات الشيخ الإمام محمّد بن عبد الوهاب»، (ج: 1 ص: 146) بتمام سياقه: [فإذا تدبرت هذا الأمر العظيم وعرفت أن الكفار يقرون بهذا كله لله وحده لا شريك له وأنهم إنما اعتقدوا في آلهتهم لطلب الشفاعة والتقرب إلى الله كما قال تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾، وفي الآية الأخرى: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾، فإذا تبين لك هذا وعرفته معرفة جيدة بقي للمشركين حجة أخرى وهي أنهم يقولون هذا حق ولكن الكفار يعتقدون في الأصنام، فالجواب القاطع: أن يقال لهم إن الكفار في زمانه، صلى الله عليه وسلم، منهم من يعتقد في الأصنام؛ ومنهم من يعتقد في قبر رجل صالح مثل اللات؛ ومنهم من يعتقد في الصالحين وهم الذين ذكر الله في قوله عز وجل: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه﴾، يقول تعالى هؤلاء الذين يدعونهم الكفار ويدّعون محبتهم قوم صالحون يفعلون طاعة الله ومع هذا راجون خائفون فإذا تحققت أن العلي الأعلى تبارك وتعالى ذكر في كتابه أنهم يعتقدون في الصالحين وأنهم لم يريدوا إلا الشفاعة عند الله والتقرب إليه بالاعتقاد في الصالحين وعرفت أن محمّدا، صلى الله عليه وسلم، لم يفرق بين من اعتقد في الأصنام ومن اعتقد في الصالحين بل قاتلهم كلهم وحكم بكفرهم]، انتهى بأحرفه؛

لاحظ – بكل دقة وعناية - الزعم المكذوب الجامح: (أن الكفار يقرون بهذا كله لله وحده لا شريك له). وأما ربطه (الاعتقاد في قبر رجل صالح) بـ(اللات)، وجعله حجة قاطعة في المسألة، فيدلنا على أن حسم موضوع (حقيقة «اللات») ليس فقط من المواضيع المهمة، بل هو قضية إسلام أو كفر، أي: قضية حياة أو موت!

 

ولا شك أن خير ما نبتدئ به لمعرفة حقيقة «اللات» هو الكتاب العزيز، الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾، حيث ورد ذكر «اللات» مرة واحدة فقط في سورة النجم:

* حيث قال الله، جل جلاله، وسمى مقامه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (20) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)﴾، (النجم، 53: 1 - 18)؛ ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى (21) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى (22) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى (23) أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّى (24) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (25) وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى (26) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَى (27) وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (28) فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (30)، (النجم، 53: 19 ــ 30)؛ ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32) أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (33) وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى (34) أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (35) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى (41) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى (42) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى (45) مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (47) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (48) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (49) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى (50) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (51) وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (52) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (53) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (54) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكَ تَتَمَارَى (55) هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الْأُولَى (56) أَزِفَتْ الْآزِفَةُ (57) لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (58) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (60) وَأَنتُمْ سَامِدُونَ (61) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62)﴾، (النجم، 53: 31 - 62)؛

نعم: هذه هي السورة كاملة. فأما الآيات الأولى حتى الثامنة عشر فسياق واحد مستقل لتأكيد عصمة النبي، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، في كل جوانبها: فهو لا ينطق عن الهوى، ولا يزيغ بصره فيرى غير الحقيقة، ولا تخطر الشكوك والوساوس على قلبه. وليس في هذا السياق أي ذكر للملائكة، أو غيرها من الكائنات (السماوية)، اللهم إلا إشارة إلى جبريل، صلوات الله وسلامه عليه، في قوله تعالى أول السورة: ﴿علَّمه شديد القوى﴾، وقد قيل أنها إشارة إلى الرب جل وعلا. وجبريل، ليس معروفاً لقريش ولا لمن جاورها من العرب، وهم المخاطبون بهذا في المقام الأول. وأيا ما كانت حقيقة (شديد القوى) هذا فقد جاء الكلام عنه بضمير المذكر (هو). وليس في هذا السياق شيء مؤنث، ولو مجازاً، إلا: (سدرة المنتهى)، و(جنة المأوى)، وكلاهما من عالم الغيب، وعامة المخاطبين لم يسمعوا بها من قبل، أو هم منكرون لوجودها. ومن المقطوع به أنهم لم يكونوا يعتقدون فيها شيئاً من الألوهية أو الربوبية إطلاقاً، ولم يكونوا ينسبونها إلى الله نِسْبَة ولادة، أو نِسْبَة مصاهرة، أو نِسْبَة صحبة وزواج، أو غير ذلك من النسب التي تقتضي المشاركة في النوع أو الجنس الإلاهي: فهي – قطعاً - ليست من معبوداتهم أصلاً.

 

وأما الآيات من التاسعة عشر وحتى الثلاثين فموضوع جديد مستأنف، وسياق مستقل يتحدث، بصفة أساسية، عن كائنات ثلاثة هي: (اللات، والعزى، ومناة): فـ﴿الأنثى﴾ أو (الإناث) المنسوبة إلى الله، جل وعز، في قوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾، نِسْبَة (مخصوصة) لا يمكن أن تكون عائدة على شيء غير (اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى). فلا يوجد من أول السورة، إلى الآية محل البحث شيء يصلح أصلاً أن تشير هذه الجملة إليه، إلا هذه الكائنات الثلاثة: (اللات، والعزى، ومناة الثالثة)، فهذه الثلاث بالقطع إناث، ومن المحال الممتنع أن يكون شيء غير ذلك.

 

وبما أن نسبة الإناث إلى الله خلقاً وأيجاداً، أي نسبة عبودية (تماما كنسبة الذكور)، أمر بديهي يقيني، متفق عليه بين القرآن وخصومه، وليس فيه أصلاً ما يعاب أو يستنكر: فمن المحال إذاً ان يكون هذا النوع من النسبة هو المقصود ها هنا: فوجب أن تكون هذه النِسْبَة المخصوصة، المستنكرة في هذه الآيات، ضرورة ولا بد، نسبة تقتضي المشاركة في (الألوهية) بمعنى من المعاني: كالمشاركة في النوع أو الجنس الإلاهي؛ أو المشاركة، في الخلق والتصرف والتدبير، أو في بعض الخلق والتصرف والتدبير، على وجه الاستقلال، أي على وجه الشراكة الحقيقية.

 

ثم شنع عليهم هذه القسمة الجائرة: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾، كما أتى، وسيأتي بعض تفصيله. وأردف ببيان حقيقة هذه الإناث الثلاثة بأنها خيالات مجردة، بنيت على ظنون وأماني وأهواء نفس، لا وجود لها في الواقع بتاتاً: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى (23) أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّى (24) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (25)﴾.

 

ثم قال، جل جلاله، وسمى مقامه: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى (26) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَى (27) وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (28)﴾: فأكد بعد ذلك أن في السماوات ملائكة كثيرين لا شفاعة أصلاً لهم إلا بإذن الله. وأن هذه الملائكة ليست إناثاً كما ظن الكافرون بالآخرة. فذكر التأنيث يوجب القطع بأن معتقد المخاطبين، الكافرين بالآخرة، في هذه الكائنات الثلاثة: (اللات، والعزى، ومناة) أنها إناث، وأن لها (نسبة مخصوصة) إلى الله، تعالى وتقدس، تقتضي اعتبارها كائنات إلاهية؛ وأنها، أو بعضها: ملائكة، ولهذه شفاعة نافعة مقبولة، لا تحتاج إلى استئذان، وحري بها أن لا ترد، وإلا لما كان تقرير الله خلاف ذلك مناسباً للسياق.

 

وبقية الآيات من قوله، تعالى وتقدس: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ إلى آخر السورة سياق أو سياقات جديدة، لا علاقة لها بموضوعنا أصلاً.

 

فهذه (اللات، والعزى، ومناة) كانت العرب العدنانية، أو بعضها، تعتقد إما:

(1) ــ أنها ملائكة، وأنها بنات الله، سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيرا، فتكون «اللات» إحدى بنات الله. وهم على كل حال يكرهون أن يكون الولد بنتاً، ومع ذلك طابت أنفسهم بجعل ولد الله إناثاً، بدلاً من الذكور، الذين يفضلونهم، لذلك جاء التوبيخ: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾. وحتى على قول قريش، المبالغة في تعظيم «العُزَّي»، التي هي (بنت الله)، وأم «اللات» و«مناة» عندهم، تكون «اللات» (حفيدة الله)، فهي أيضاً إحدى (بنات الله)؛

(2) ــ أو: أن «اللات» هي صاحبة الله، وهي من جنس الجن، فتكون من (بنات سروات الجن). والجن عندهم قبيلة من الملائكة، أو العكس: الملائكة قبيلة من الجن: فقد جاء في بعض الروايات أنهم كانوا يعتقدون أنه، تعالى وتقدس، صاهر إلى الجن أو إلى إبليس خاصة، تعالى الله عن ذلك، فولدت له العزَّى ومناة: فهاتان بنات الله من جنس الملائكة. وحتى لوكانت (اللات) في الأصل ليست من جنس الملائكة، فإنها قد أدخلت فيهم بـ(الترقية)، ولا بد، بعد أن أصبحت (صاحبة) الله، تعالى وتقدّس عن ذلك. وهم كذلك يحتقرون المرأة، ويكرهون أن تكون الزوجة شريكاً في الأمر، ولا يأذنون للنساء بالقيادة أو الزعامة، كعضوية دار الندوة المكية مثلاً، بل إن المرأة عندهم بمثابة الأمة المملوكة: تجبر على النكاح، ولا ترث شيئاً أصلاً، بل يرثها أبناء الزوج كما يرثون البهيمة؛ ولكنهم جعلوا (صاحبة) الله، تعالى وتقدّس، مشاركة له في المقام والمرتبة الإلاهية، شريكة في الملك والتدبير شراكة حقيقية. وهذا كذلك أهل للتوبيخ: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾. وعلى هذا الاحتمال الثاني تكون (اللات) عندهم إلاهة أنثى هي (صاحبة) الله، تعالى وتقدّس عن ذلك، في حين أن العزّى ومناة ابنتان له، وهذا هو قول ثقيف، المعظمة لـ(اللات). وهذا القول الثاني هو الصحيح المنسجم مع ترجيح أئمة التفسير أن اللات تأنيث لفظ الجلالة، أو بتعبير أدق: أن لفظة (اَلْلَات)، بمعنى (الإلاهة) [وكذلك (اليلات) و(إيلات) في أكثر اللغات السامية]، وهذه بدون شك تأنيث لفظة (إيل)، وهي بمعنى (الإله)، وهو ما استنبطه علماء الآثار من النقوش والحفريات، خصوصاً الكلدانية والبابلية منها، وسيأتي المزيد في موضعه بعد قليل.

وكون (اللات) أنثى أمر مقطوع به، مجمع عليه في جمهور الروايات التي أسلفنا إيرادها في هذا الباب: فهو قول زيد بن عمرو بن نفيل كما جاء في كتاب الأصنام لهشام بن محمد الكلبي، وهو قول أبي مالك، والسدي، وابن زيد، والضحاك، محمد بن السائب الكلبي؛ وهو المصرح به مراراً وتكراراً في قصة هدم المغيرة بن شعبة لمعبدها في الطائف كما هي في تاريخ المدينة لابن شبة عن الزهري، ومن غير طريق الزهري في مغازي الواقدي. وهو قول أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، عندما شتم عروة بن مسعود الثقفي عندما أغضبه، فقال أبو بكر له: (امصص ببظر اللات: أنحن نفر عنه وندعه؟!)، كما جاء بأصح الأسانيد:

 * فقد قال الإمام البخاري في «الجامع الصحيح المختصر»: [حدثني عبد الله بن محمّد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر قال: أخبرني الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه قالا: خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، زمن الحديبية حتى كانوا ببعض الطريق]، فساق حديث الحديبية الطويل حتى ذكر مجيء عروة بن مسعود لمفاوضة النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: [فجعل يكلم النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم، نحوا من قوله لبديل فقال عروة عند ذلك: (أي محمّد: أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك، وإن تكن الأخرى فإني والله لأرى وجوها وإني لأرى أشوابا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك!)، فقال له أبو بكر: (امصص ببظر اللات: أنحن نفر عنه وندعه؟!)، فقال: (من ذا؟!)، قالوا: (أبو بكر!)، قال: (أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك!)،..؛ الحديث]، وهو من عدة طرق في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»، وفي «سنن البيهقي الكبرى»، وفي «مسند أبي يعلى» مختصراً، وفي غيرها.

 

* وجاء في «تفسير الطبري»، (ج 27، ص 58 وما بعدها): [القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى * ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى، يقول تعالى ذكره: أفرأيتم أيها المشركون اللاّت، وهي من الله، ألحقت فيه التاء فأنثت، كما قيل عمرو للذكر وللأنثى عمرة، وكما قيل للذكر عباس ثم قيل للأنثى عباسة، فكذلك سمى المشركون أوثانهم بأسماء الله تعالى ذكره وتقدست أسماؤه فقالوا من الله اللاّت، ومن العزيز العزى، وزعموا أنهن بنات الله تعالى الله عما يقولون وافتروا، فقال جل ثناؤه لهم: أفرأيتم أيها الزاعمون أن اللات والعزى ومناة الثالثة بنات الله؟ ألكم الذكر؟ يقول: أتختارون لأنفسكم الذكر من الأولاد وتكرهون لها الأنثى، وتجعلون له الأنثى التي لا ترضونها لأنفسكم ولكنكم تقتلونها كراهة منكم لهن؟!

واختلفت القراء في قراءة قوله اللاّت فقرأته عامة قراء الأمصار بتخفيف التاء على المعنى الذي وصفت. وذكر أن اللاّت بيت كان بنخلة تعبده قريش، وقال بعضهم كان بالطائف، ذكر من قال ذلك:

ــ حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد عن قتادة، أفرأيتم اللات والعزى، أما اللات فكان بالطائف.

ــ حدثني يونس قال: أخبرنا بن وهب قال: قال بن زيد في قوله أفرأيتم اللاّت والعزى قال: اللاّت بيت كان بنخلة تعبده قريش.

وقرأ ذلك بن عباس ومجاهد وأبو صالح اللاتَّ بتشديد التاء، وجعلوه صفة للوثن الذي عبدوه وقالوا: (كان رجلا يلت السويق للحاج، فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه)، ذكر الخبر بذلك عمن قاله:

ــ حدثنا بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا سفيان عن منصور عن مجاهد، أفرأيتم اللات والعزى، قال: (كان يلت السويق للحاج فعُكِف على قبره).

ــ حدثنا مؤمل قال: حدثنا سفيان عن منصور عن مجاهد، أفرأيتم اللات، قال: اللات كان يلت السويق للحاج.

ــ حدثنا بن حُمَيْد قال: حدثنا مهران عن سفيان عن منصور عن مجاهد، اللات، قال: كان يلت السويق فمات فعكفوا على قبره.

ــ حدثنا بن حُمَيْد قال حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد في قوله اللات قال رجل يلت للمشركين السويق فمات فعكفوا على قبره.

ــ حدثنا أحمد بن هشام قال: حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي صالح في قوله: اللات، قال: اللات الذي كان يقوم على آلهتهم، يلت لهم السويق وكان بالطائف.

ــ حدثني أحمد بن يوسف قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الرحمن عن أبي الأشهب عن أبي الجوزاء عن بن عباس قال: (كان يلت السويق للحاج).

وأولى القراءتين بالصواب عندنا في ذلك قراءة من قرأه بتخفيف التاء، على المعنى الذي وصفت لقارئه كذلك لإجماع الحجة من قراء الأمصار عليه.

وأما العزى فإن أهل التأويل اختلفوا فيها، فقال بعضهم: كان شجرات يعبدونها.

ذكر من قال ذلك:

ــ حدثنا بن بشار قال: حدثنا مؤمل قال: حدثنا سفيان عن منصور عن مجاهد، والعزى، قال: العزى شجيرات.

وقال آخرون: كانت العزى حجرا أبيض. ذكر من قال ذلك:

ــ حدثنا بن حُمَيْد قال: حدثنا يعقوب عن جعفر عن سعيد بن جبير قال: العزى حجر أبيض.

وقال آخرون كان بيتا بالطائف تعبده ثقيف. ذكر من قال ذلك:

ــ حدثني يونس قال: أخبرنا بن وهب قال: قال بن زيد في قوله والعزى، قال: العزى بيت بالطائف تعبده ثقيف.

وقال آخرون بل كانت ببطن نخلة. ذكر من قال ذلك:

ــ حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد عن قتادة، ومناة الثالثة الأخرى، قال: أما مناة فكانت بقديد آلهة كانوا يعبدونها، يعني اللات والعزى ومناة.

ــ حدثني يونس قال: أخبرنا بن وهب قال: قال بن زيد في قوله ومناة الثالثة الأخرى، قال: مناة بيت كان بالمشلل يعبده بنو كعب.

واختلف أهل العربية في وجه الوقف على اللات ومناة، فكان بعض نحويي البصرة يقول: إذا سكت قلت اللات وكذلك مناة تقول منات، وقال بعضهم: اللات فجعله من اللت الذي يلت، ولغة للعرب يسكتون على ما فيه الهاء بالتاء، يقولون: رأيت طلحت، وكل شيء مكتوب بالهاء فإنها تقف عليه بالتاء نحو نعمة ربك وشجرة، وكان بعض نحويي الكوفة يقف على اللات بالهاء أفرأيتم اللاه، وكان غيره منهم يقول الاختيار في كل ما لم يضف أن يكون بالهاء: ﴿رحمة من ربي﴾، و﴿وشجرة تخرج﴾، وما كان مضافا فجائزا بالهاء والتاء. فالتاء للإضافة والهاء لأنه يفرد ويوقف عليه دون الثاني، وهذا القول الثالث أفشى اللغات وأكثرها في العرب، وإن كان للأخرى وجه معروف.

وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب من أهل البصرة يقول: اللات والعزى ومناة الثالثة أصنام من حجارة كانت في جوف الكعبة يعبدونها]، انتهى كلام الإمام الطبري بتصرف طفيف جداً.

 

فأنت تلاحظ أن الإمام الطبري قد اعتصم بالحق اليقيني الثابت ألا وهو: (إجماع الحجة من قراء الأمصار على قراءة اللات بالتاء المخففة)، خلافاً القراءة الشاذة، المنسوبة لابن عباس ، والذي تبعه عليها نفر قليل؛ والأظهر أن هذه النسبة لابن عباس مكذوبة باطلة. والقرآن لا تثبت قراءاته إلا بالنقل المتواتر أو الإجماع المتيقن، المنقول نقل تواتر ولا بد، فقط لا غير. فهو لم ينخدع بتلك القصص الخرافية عن «اللات»، الذي كان بزعمهم رجلاً (كان يلت السويق)... إلخ.

 

وقد اعترض على هذا «متعالم دعي»، من أغبياء الوهابية، خضنا معه نقاشاً حول هذه المسألة في الشبكة العنكبوتية، فزعم تواتر القراءة بتشديد التاء، مستشهداً بطريق اللهبي عن البزي عن ابن كثير، وكذلك برواية رويس عن يعقوب، كما هو في الملحق.

فنقول: هذا غير صحيح فتواتر القراءات، كل واحدة بمفردها على حدة، أمر مختلف فيه، كما يظهر من كلام الإمام الطبري، وأبي شامة، ومخالفة ابن الجزري لهما. والظاهر أن الأمر يحتاج إلى تفصيل، وقد فصلنا بعض هذا في الملحق. وعلى كل حال فرواية اللهبي عن البزي لا تثبت شيئاً لأن الإمام البزي، سامحه الله، عرف بالشذوذ ومخالفة الجمهور، وقد تراجع هو نفسه عن بعض ذلك، كما هو مبرهن عليه أيضاً في الملحق. وأما يعقوب، وهو يعقوب بن إسحاق بن زيد الحضرمي (المتوفى 205هـ)، من المتأخرين من طبقة صغرى أتباع التابعين، فلم يعرف بالتزامه بالتواتر، خلافاً لشيخه التابعي أبي عمرو بن العلاء (المتوفى 154هـ) الذي كان لا يقرأ إلا بما ثبت عنده عن الكافة، أي بنقل التواتر أو بالإجماع.

 

أما بالنسبة لموضوعنا وهو (اللاّت) هل هي بالتشديد أو التخفيف، فنقول، وبالله التوفيق، أنه من المقطوع به أنه إنما وردت هاتان القراءتان، ولم يرد غيرها مطلقاً:

(1)ــ فمن المحال الممتنع أن تكونا كلاهما باطلتين، هذا خلاف النقل المتواتر، والحجة اليقينية القاطعة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ، وهذه مقولة كفر، يكفر قائلها بها، ويخرج من الإسلام، إلا إذا قام به بعينه مانع من موانع تكفير المعيَّن!

(2)ــ كذلك محال ممتنع أن تكون الرواية بالتخفيف باطلة، لأنها قطعاً بمفردها متواترة، فهي إجماع السبعة، بما فيهم ابن كثير فهي المشهورة عنه، ما عدا طريق اللهبي عن البزي عن ابن كثير: وهي لا شيء: قراءة شاذة باطلة، كما أسلفنا قريباً، والأرجح أنه لم يأخذها من ابن كثير أصلاً؛ وإجماع العشرة ما عدا يعقوب برواية رويس، والسلف قاطبة ما عدا بن عباس ومجاهد وأبو صالح، وربما بعض تلامذة ابن عباس أو تلامذة تلامذتهم، وكلهم في الحقيقة متبعون في هذه القراءة لابن عباس، فيما يقال، كما هو عند الطبري حيث قال: [واختلفت القراء في قراءة قوله «اللات»، فقرأته عامة قراء الأمصار بتخفيف التاء على المعنى الذي وصفت، (._._.)، وقرأ ذلك بن عباس ومجاهد وأبو صالح اللاتَّ بتشديد التاء]. فعليها (أي: الرواية بالتخفيف) إجماع الحجة من القراء، قديماً وحديثاً، كما نص عليه الإمام الطبري في «تفسير الطبري»، (ج 27، ص 58 وما بعدها): [وأولى القراءتين بالصواب عندنا في ذلك قراءة من قرأه بتخفيف التاء على المعنى الذي وصفت لقارئه كذلك لإجماع الحجة من قراء الأمصار عليه]؛ والإجماع المذكور ها هنا ليس إجماعاً على رأي أو قضية نظرية، وإنما هو إجماع على نقل، أي على قضية روائية نصِّية، فهو إذا من أعلى أنواع نقل التواتر. والإمام الطبري إمام كبير، ومجتهد مطلق، وهو رأس في التفسير والقراءات، فلا بد من حمل قوله ذلك محمل الجد، فهو إذا يعتقد أن من قرأ بالتشديد لا تقوم به حجة، ونحن لا نزعم أن ذلك أمر مقطوع به، يكفر منكره، وإنما هو أمر اجتهادي، ولكن سعة علم الطبري، وإمامته في القراءات والتفسير تعطي قوله أهمية خاصة، وهو أولى بالتقديم على الأئمة المتأخرين من أمثال أبي شامة، والجزري، والسبكي. فالقراءة بالتاء المخففة هي قرآن قطعاً، لا يشك في ذلك إلا كافر، وليس كذلك بالنسبة للمثَقَّلة. والأمر أوضح وأبين من أن يحتاج إلى تطويل الكلام لذلك ضرب الحافظ عن ذلك صفحا مكتفياً بقوله في فتح الباري لابن حجر (8/612): [وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِالتَّخْفِيفِ؛ وَقد روى التَّشْدِيد عَن قِرَاءَة بن عَبَّاس وَجَمَاعَة من أَتْبَاعه؛ وَرويت عَن بن كَثِيرٍ أَيْضًا، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ التَّخْفِيفُ كَالْجُمْهُورِ]، انتهى كلام ابن كثير؛ ولعلنا نلاحظ قوله: (وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ التَّخْفِيفُ كَالْجُمْهُورِ)، وهو يقوي قولنا بأن نسبة (التقيل) لابن كَثِيرٍ مكذوبة باطلة.

* وقد حاول الإمام ابن كثير التأليف بين الأقوال المتباينة بعض الشيء، إلا أنه لم يأت بكبير جديد، خلافاً لعوائده الجميلة، حيث جاء في «تفسير ابن كثير»، (ج: 4 ص: 254 وما بعدها): [يقول تعالى مقرعا للمشركين في عبادتهم الأصنام والأنداد والأوثان واتخاذهم لها البيوت مضاهاة للكعبة التي بناها خليل الرحمن عليه السلام: ﴿أفرأيتم اللات... الآيات﴾، وكانت اللات صخرة بيضاء منقوشة عليها بيت بالطائف له أستار وسدنة وحوله فناء معظم عن أهل الطائف، وهم ثقيف ومن تابعها، يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش. قال ابن جرير: (وكانوا قد اشتقوا عدا من اسم الله فقالوا: اللات، يعنون مؤنثة منه، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا). وحكي عن ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس أنهم قرؤوا اللاتَّ، بتشديد التاء، وفسروه بأنه كان رجلا يلت للحجيج في الجاهلية السويق، فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه. وقال البخاري: حدثنا مسلم - هو ابن إبراهيم - حدثنا أبو الأشهب حدثنا أبو الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله: اللات والعزى، قال: كان اللات رجلا يلت السويق سويق الحاج. قال ابن جرير: وكذا العزى من العزيز، وكانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة، وهي بين مكة والطائف، كانت قريش يعظمونها، كما قال أبو سفيان يوم أحد: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: قولوا الله مولانا ولا مولى لكم.

وروى البخاري من حديث الزهري عن حُمَيْد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: من حلف فقال في حلفه واللات والعزى فليقل لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه تعالى أقامرك فليتصدق؛ فهذا محمول على من سبق لسانه في ذلك، كما كانت ألسنتهم قد اعتادته من زمن الجاهلية، كما قال النسائي في اليوم والليلة: أخبرنا أحمد بن بكار حدثنا عبد الحُمَيْد بن محمّد قالا: حدثنا مخلد حدثنا يونس عن أبيه حدثني مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: حلفت باللات والعزى فقال لي أصحابي: بئس ما قلت، قلت هجرا، فأتيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له فقال: قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وانفث عن شمالك ثلاثا وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم ثم لا تعد]، ثم تكلم الإمام ابن كثير عن العزى ومناة، حتى قال: [قال ابن إسحاق وكانت اللات لثقيف بالطائف، وكان سدنتها وحجابها بني معتب، قلت: وقد بعث إليها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المغيرة بن شعبة وأبا سفيان صخر بن حرب فهدماها وجعلا مكانها مسجدا بالطائف]؛ انتهى نص «تفسير ابن كثير».

 

* وجاء نحو ما سبق في «فتح القدير»، (ج: 5 ص: 107 وما بعدها) للإمام الشوكاني، مع إضافات ولمحات جيدة: [أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى: لما قص الله سبحانه هذه الأقاصيص قال للمشركين موبخا لهم ومقرعا: أفرأيتم! أي أخبروني عن الآلهة التي تعبدونها من دون الله، هل لها قدرة توصف بها وهل أوحت إليكم شيئا كما أوحى الله إلى محمّد أم هي جمادات لا تعقل ولا تنفع؟! ثم ذكر هذه الأصنام الثلاثة التي اشتهرت في العرب وعظم اعتقادهم فيها وقال الواحدي وغيره: وكانوا يشتقون لها أسماء من أسماء الله تعالى، فقالوا من الله اللات ومن العزيز العزى، وهي تأنيث الأعز بمعنى العزيزة، ومناة من منى الله الشيء إذا قدره.

قرأ الجمهور اللات، بتخفيف التاء: فقيل هو مأخوذ من أسم الله سبحانه كما تقدم. وقيل أصله لات يليت فالتاء أصلية، وقيل: هي زائدة، وأصله لوى يلوي، لأنهم كانوا يلوون أعناقهم إليها أو يلتوون عليها ويطوفون بها.

واختلف القراء هل يوقف عليها بالتاء أو بالهاء! فوقف عليها الجمهور بالتاء، ووقف عليها الكسائي بالهاء، واختار الزجاج الفراء الوقف بالتاء لاتباع رسم المصحف، فإنها تكتب بالتاء؛ وقرأ أبن عباس وأبن الزبير ومجاهد ومنصور بن المعتمر وأبو الجوزاء وأبو صالح وحُمَيْد (اللاتّ) بتشديد التاء، ورويت هذه القراءة عن ابن كثير، فقيل: هو أسم رجل كان يلت السويق ويطعمه الحاج فلما مات عكفوا على قبره يعبدونه، فهو أسم فاعل في الأصل غلب على هذا الرجل. قال مجاهد: كان رجلا في رأس جبل وسمنها حيسا ويطعم الحاج وكان ببطن نخلة، فلما مات عبدوه. وقال الكلبي: كان رجلا من ثقيف له صرمة غنم، وقيل: إنه عامر بن الظرب العدواني وكان هذا الصنم لثقيف وفيه يقول الشاعر:

لا تنصروا اللات إن الله مهلكها **** وكيف ينصركم من ليس ينتصر

قال في الصحاح: واللات أسم صنم لثقيف، وكان بالطائف، وبعض العرب يقف عليها بالتاء وبعضهم بالهاء]، ثم تكلم الإمام الشوكاني عن العزى ومناة، حتى قال: [قوله: الثالثة الأخرى، هذا وصف لمناة وصفها بأنها ثالثة وبأنها أخرى، والثالثة لا تكون إلا أخرى. قال أبو البقاء: فالوصف بالأخرى للتأكيد، وقد استشكل وصف الثالثة بالأخرى، والعرب إنما تصف به الثانية؛ فقال الخليل: إنما قال ذلك لوفاق رؤوس الآي، كقوله مآرب أخرى. وقال الحسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير، والتقدير أفرأيتم اللات والعزى الأخرى ومناة الثالثة. وقيل: إن وصفها بالأخرى لقصد التعظيم، لأنها كانت عند المشركين عظيمة. وقيل: إن ذلك للتحقير والذم، وإن المراد المتأخرة الوضيعة كما في قوله: قالت أخراهم لأولاهم، أي: وضعاؤهم لرؤسائهم، ثم كرر سبحانه توبيخهم وتقريعهم بمقالة شنعاء قالوها فقال: ﴿ألكم الذكر وله الأنثى﴾، أي كيف تجعلون لله ما تكرهون من الإناث وتجعلون لأنفسكم ما تحبون من الذكور!؟ وقيل وذلك قولهم إن الملائكة بنات الله، وقيل: المراد كيف تجعلون اللات والعزى ومناة وهي إناث في زعمكم شركاء الله، ومن شأنهم أن يحتقروا الإناث]، انتهى نص الشوكاني، رحمه الله، إلا من ترتيب السطور، وعلامات الترقيم فبعضها من اجتهادنا.

 

* وجاء تلخيص مقتضب في تفسير الماوردي [النكت والعيون (5/397)]: [أما اللات فقد كان الأعمش يشددها، وسائر القراء على تخفيفها، فمن خففها فلهم فيها قولان: أحدهما: أنه كان صنماً بالطائف زعموا أن صاحبه كان يلت عليه السويق لأصحابه، قاله السدي. الثاني: أنه صخرة يلت عليها السويق بين مكة والطائف، قاله عكرمة. وأما من شددها فلهم فيها قولان: أحدهما: أنه كان رجلاً يلت السويق على الحجر فلا يشرب منه أحد إلا سمن معبوده، ثم مات فقلبوه على قبره، قاله ابن عباس، ومجاهد. الثاني: أنه كان رجلاً يقوم على آلهتهم ويلت لهم السويق بالطائف قاله السدي]؛

وبتأمل أقوال المفسرين أعلاه لعلي أعقب، فأقول:

أولاً: هذه الأقوال عن «اللات» وما هيتها ومكانها، التي يبدو لأول وهلة أنها متباينة متنافرة، ليست كذلك في الحقيقة، لأن ما سماه القدامى: «اللات» إنما هو أحد دور عبادتها، أو بعض النصب الوثنية المتعلقة بها، أو بعض الأصنام الممثلة لها أو النائبة عنه، فلا يستغرب أن يكون معبد «اللات» الرئيس في الطائف، ثم تكون لها معابد في أماكن أخرى، وفي مكة على الخصوص، ولا شك أن تلك المعابد تضم بعض أصنامها وأنصابها وأوثانها وأشجارها في داخل بناء المعبد أو في فنائه، وقد يكون بعض ذلك أشجار وصخور في «الحرم» المخصص والمحيط بذلك المعبد أو النصب، ومن المستبعد أن لا يكون ثمة صنم لـ«اللات» في جوف الكعبة، التي كانت تضم مئات الأصنام. وما قلناه عن اللات ينطبق حرفاً بحرف على «مناة»، أو «العزّى»، و«ود»، و«سواع»، و«يغوث»، و«يعوق»، و«نسر»، وغيرها من الطواغيت، إلا أن المعبد أو المشهد الرئيس سيكون عادة في مكان آخر، فمعبد «مناة» الرئيس كان على الأرجح في «المشلل»، وهكذا.

 

وثانياً: استشكال لفظة (الأخرى)، التي تعني، عادة، الثانية، مع كون مناة هي ثالثة الآلهة المذكورة، ومحاولة حل الإشكالية بمراعاة الفواصل ليست مقنعة. وبعد طول تأمل نقول: إن في الكلام المحكم العزيز حذفاً واختصاراً تقديره: ﴿أرأيتم اللات (الإلاهة الأولى في الرتبة، وهي الأم)، والعزى (الإلاهة الثانية في الرتبة، ابنتها الأولى)، ومناة (الإلاهة) الثالثة (في الرتبة، وهي ابنتها) الأخرى﴾؛ فالله أعلم.

 

وثالثاً: الوقوف على لفظة «اللات» بالهاء، بدلاً من التاء الذي هو الأنسب لرسم المصحف، يؤكد بطلان القراءة بتشديد التاء في لفظة «اللات». وقد نسبه الشوكاني للكسائي الكوفي، وجعله الطبري عن بعض نحويي الكوفة من غير تسمية. وجاء في تاج العروس (5/75): [الكسائيّ يقف عِنْد اللاَّت بالهَاءِ، قَالَ أَبو إِسحاق: وَهَذَا قِيَاس، والأَجْوَدُ اتّباعُ المُصْحَفِ، والوقوفُ عَلَيْهَا بالتّاءِ، قَالَ أَبو مَنْصُور: وَقَول الكسائيّ يوقَفُ عَلَيْهَا بالهاءِ يَدُلّ على أَنه لم يَجْعَلْها من اللَّتِّ، وَكَانَ المُشْرِكونَ الَّذين عبَدُوها عَارَضوا باسْمِها اسمَ الله، تَعالى الله عُلُوًّا كَبِيراً عَن إِفْكِهم ومُعارَضتِهم وإِلْحَادِهم فِي اسْمه العَظيم. قلت: وعَلى قراءَةِ التَّخْفِيف قولٌ آخر حَكَاهُ أَهل الِاشْتِقَاق، وَهُوَ أَن يكون الَّلاتُ فَعْلَة من لَوَى؛ لأَنَّهم كَانُوا يَلْوُونَ عَليْها، أَي يَطُوفُون بهَا، قَالَ شَيخنَا: وَبِه صَدع البيضاويّ تَبَعاً للزمخشريّ]

 

ورابعاً: يجب أن نلاحظ بكل دقة عدم ورود ذكر قبر أو قبور عند الكلام عن تلك الآلهة، وأصنامها، وأوثانها، ومعابدها، وسدنتها، وكهنتها، وأساطيرها، إلا في القصة الخرافية الباطلة عن «اللات»، الذي كان يلت السويق، وذلك في رواية مجاهد فقط حيث يقول: (كان يلتّ لهم السويق فمات، فعكفوا على قبره)، كما سيأتي قريباً بتفصيل مشبع، ومع ذلك فلم يرد ذكر لذلك القبر المزعوم في غير هذه القصة، ولم يرد قط أن بيوت الطواغيت كانت فيها قبور أصلاً. نعم كانت فيها أشجار، وستور، ورايات، وصخور منقوشة، كالصخرة البيضاء الطويلة المنقوشة في الطائف، وأنصاب تعلق عليها الذبائح، ولكن ما ورد ذكر قبر قط.

وخامساً: لا بد من الحكم القاطع ببطلان القراءة بتشديد التاء في لفظة «اللاتّ» إلا إذا وجدنا وجها من العربية يجعلها مؤنثاً. لأن جعل «اللاتّ»، بتشديد التاء، بمعنى: (اللاتت: رجل يلت السويق)، كما ورد في أكثر الروايات عند المفسرين أعلاه، يتناقض مع نصوص القرآن القطعية الدالة على كون اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، ثلاثة آلهة إناث، من جنس الملائكة، ويتناقض أيضاً مع النصوص المتواترة، التي أوردناها أو أشرنا إليه أعلاه.

وقد بحثا في أكثر المراجع، وفحصنا عامة الروايات، ودققنا في أوجه اللغة العربية: فلم نجد لـ«اللاتّ»، بتشديد التاء، معنى أو وجهاً إلا هذا: «اللاتّ» أو بلغة أهل نجد «اللاتِت» رجل يلت السويق. وعليه فلا بد من الحكم القاطع ببطلان القراءة بتشديد التاء في لفظة «اللاتّ»، ورد الروايات القاضية بخلاف ذلك دراية، إن لم نبطلها رواية، وهذا ما سنفرغ له الآن، إن شاء الله تعالي.

 

وأما بالنسبة للروايات: فلا شك أن ما ورد عن ترجمان القرآن، الحبر البحر، الإمام عبد الله بن العباس، رضوان الله وسلامه عليهما، وعن الثقات من تلاميذه، هو أول ما ينبغي تناوله بالفحص والتدقيق، فمن ذلك:

* الأثر الأول: أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (6/141/4859): [حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْهَبِ، حَدَّثَنَا أَبُو الجَوْزَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ: ﴿اللَّاتَ وَالعُزَّى﴾، (النجم: 19)، «كَانَ اللَّاتُ رَجُلًا يَلُتُّ سَوِيقَ الحَاجِّ»]، هكذا فقط: (كان اللات رجلاً يلتّ السويق للحاج)، من غير ذكر لموت أو قبر، أو غير ذلك مطلقا؛

ــ وهو كذلك في موسوعة أقوال الإمام أحمد بن حنبل في رجال الحديث وعلله (1/197): [حدثنا يحيى حدثنا أبو الأشهب، حدثنا أبو الجوزاء... ذكرت له قول من قال: أبو الأشهب لم يلق أبا الجوزاء

* وجاء في «تفسير الطبري»، (ج 27، ص 58 وما بعدها): [حدثني أحمد بن يوسف قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الرحمن عن أبي الأشهب عن أبي الجوزاء عن بن عباس قال: (كان يلت السويق للحاج)]

 

* وجاء في مجموع الفتاوى لابن تيمية (27/357): [وَقَالَ (يعني: عَبْدُ بْنُ حميد فِي تَفْسِيرِهِ): حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُد عَنْ أَبِي الْأَشْهَبِ عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (اللَّاتُ) رَجُلٌ يَلُتُّ السَّوِيقَ لِلْحُجَّاجِ]؛

فنقول: أبو الأشهب هذا هو: جعفر بن حيان العطاردي البصري، ثقة إجماعاً، ولكن إمكانية سماعه من أبي الجوزاء في غاية البعد، لأن أبا الجوزاء استشهد بالجماجم سنة 83 هـ، وولادة أي الأشهب لا يمكن أن تكون قبل سنة 70 هـ، فقد جاء في مسند ابن الجعد (ص: 459/3148): [حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ «أَبُو الْأَشْهَبِ وُلِدَ عَامَ الْحُفْرَةِ»]؛ وأيضاً في تهذيب التهذيب (2/88/135): [قال الأصمعي عن أبي الأشهب ولدت عام الحفرة سنة 70 هـ، أو 71 هـ]؛ وقد عاصر أنس بن مالك في البصرة بضع وعشرين سنة، ولم يرو عنه شيئاً يعتد به؛ وجاء في تهذيب التهذيب (2/88/135): [وقال بن أبي خيثمة حدثنا موسى بن إسماعيل قال كان حماد بن زيد يقول: (لم يسمع أبو الأشهب من أبي الجوزاء)]، وحماد بن زيد من أئمة البصرة الأثبات المتقنين لا يتصور أنه يجزم بهذا إلا لأنه علمه من أبي الأشهب نفسه: فأنى لأبي الأشعب الرواية عن أبي الجوزاء؟! فالأرجح أن أبا الأشهب ما سمع شيئاً قط من أبي الجوزاء، فلفظة: (حدثنا) عند البخاري وهم من أبي الأشهب، أو تدليس من نوع عجيب:

* فقد جاء موسوعة أقوال الإمام أحمد بن حنبل في رجال الحديث وعلله (1/197): [قال عبد الله: حدثني أبي، عن عبد الرحمن بن مهدي. قال: كنا إذا وقفنا أبا الأشهب، نقول له: قل: سمعت الحسن، يقول: سمعت الحسن، أو غيره. «العلل» (396)]؛

* وجاء أيضاً في موسوعة أقوال الإمام أحمد بن حنبل في رجال الحديث وعلله (1/197): [قال عبد الله: حدثني أبي. قال: حدثنا عفان. قال: حدثنا أبو الأشهب. قال: حدثنا خليد العصري. قال أبو جزي: أين لقيت خليداً؟ قال: لا أدري. «العلل» (2070 و2452 و5280)]؛

 

* ورواه الأئمة عبد الرحمن بن مهدي (كما هو عند الطبري)، وأبو داود الطيالسي (كما ذكره ابن تيمية عن عبد بن حميد في تفسيره)، كلاهما معنعناً. وهما لا شك أنهما أولى بالتقديم من مسلم بن إبراهيم، على فضله ووثاقته. لا سيما:

(أ) - أن مسلم بن إبراهيم أصغر منهما بنحو من عشرين سنة، وأقدم سماع له حديث واحد من عبد الله بن عون المتوفى 151 هـ؛ فسماعه من أبي الأشهب بعد 150 هـ، ولا بد، وأبو الأشهب شيخ ضرير يعتمد على حفظه، وقد تجاوز آنذاك الثمانين وهي سن لا تؤمن فيها الذاكرة؛

(ب) - وأن في مسلم بن إبراهيم طيبة وسلامة، بخلاف عبد الرحمن بن مهدي الذي كان متبعاً لشعبة في التشديد على الشيوخ، وإيقافهم، ومسائلتهم عن سماعاتهم.

 

* والفظ المنسوب لابن عباس عند البخاري مناقض للفظ أبي الجوزاء الصحيح (وسياتي فوراً). ومن المستبعد جداً أن يخالف أبو الجوزاء، الذي لزم الصحابي عبد الله بن العباس حوالي عشر سنوات سأله فيها عن كل آي القرآن، شيخه الصحابي الجليل؛

فنقول: فحديث الإمام البخاري منقطع، وقد سقط عن مرتبة الاحتجاج. ولا لوم على البخاري في إخراجه لأنه وصله هكذا مصرحا فيه بالسماع، ولم تبلغه العلل التي ذكرنا: فسبحان من وسع كل شيء علماً.

 

وحتى لو فرضنا، جدلاً، ثبوته عن ابن عباس فلا بن أن نلاحظ بكل دقة في كلامه المزعوم (وكله موقوف عليه، ليس فيه حرف مرفوع):

(1)ــ أنه ليس فيه تصنيف للرجل بأنه صالح أو طالح؛

(2)ــ وليس فيه أصلاً ذكر لـ(الحجر) الذي كان يلت عليه السويق، كما زعمت روايات أخرى [بيان عن ماهية ذلك (الحجر) الذي كان يلت عليه السويق العجيب، الذي يسمن من شربه الناس لفورهم(!)، فإن صحت الرواية عن ابن عباس؛ فلعله الصخرة الطويلة المنقوشة التي كانت بالطائف في معبد اللات، وسيأتي عنها مزيد بيان]؛

(3)ــ وليس فيه ذكر لموت أو قبر؛

(4)ــ وليس فيه بيان لماهية (الحاج) في القصة: هل هم حجاج بيت الله الحرام، أم هم الحاج إلى (معبد اللات) أو إلى غيرها من الطواغيت.

* الأثر الثاني: وهو في مجموع الفتاوى لابن تيمية (27/357): [وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ قَالَ: (اللَّاتُ) حَجَرٌ كَانَ يُلَتُّ السَّوِيقُ عَلَيْهِ فَسُمِّيَ: (اللَّاتُ)]؛ هكذا موقوفاً على أبي الجوزاء؛ وسليمان بن حرب وحماد بن زيد من أحفظ وأثبت الأئمة، وعمرو بن مالك النكري هو راوية أبي الجوزاء المعتمد، ثقة، فالإسناد صحيح، تقوم به الحجة بدون أدنى شك. فهذا إذاً من كلام أبي الجوزاء، وهو كان قد جاور ابن عباس وعائشة، أم المؤمنين، في المدينة اثني عشر سنة سألهما فيها عن كل آية في القرآن.

ــ وقريب من هذا ما جاء في المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها (2/294): [قال أبو الفتح: روينا عن قطرب: كان رجل بسوق عكاظ يلت السويق والسمن عند صخرة، فإذا باع السويق والسمن صب على الصخرة، ثم يلت. فلما مات ذلك الرجل عبدت ثقيف تلك الصخرة، إعظاما لذلك الرجل صاحب السويق]

لاحظ بكل دقة في كلام أبي الجوزاء (وكله موقوف عليه، ليس فيه حرف مرفوع، ولا ذكر لابن عباس، ولا لعائشة، ولا ممن أخذه ممن أدرك الجاهلية):

(1)ــ أنه فيه كون (اللات) ليس رجلاً أصلاً: فلا هو صالح، ولا هو طالح؛ بل هو أو هي: صخرة أو حجر؛

(2)ــ ومن باب أولي: عدم ورود ذكر لموت أو قبر، (فكأن مجاهداً هو المتفرد بذكر ذلك، وهو – أي مجاهد – لم ينسبه قط لابن عباس، كما سيأتي)؛

(3) ــ وأنه لا ينسجم مع كلام مجاهد وأبي صالح، فلا بد من كونه عن غيرهم، وغير شيوخهم؛ ولا ينسجم مع كلام المنسوب لابن عباس عند البخاري، مما يقوي الحكم ببطلان رواية البخاري وانقطاعها؛

 

فـ(اللات) عند أبي الجوزاء إذاً حجر أو صخرة، كانوا يلتون عليه السويق في قديم الأزمنة. والظاهر عندي، إن كان للقصة أصل: أن ذلك السويق كان إما ضيافة لزوار الإلاهة (اللات)، أو هدياً يشتريه الزوار لتقديمه قرباناً لـ(الربة)، كما كان أهل الطائف يسمونها. ومع تطاول الزمن اتسع معبد الإلاهة (اللات)، وأدخلت الصخرة في حرمه وتوقف (لتُّ) السويق عليها، ثم أصبحت الصخرة وثنا صنميا لـ(اللات)، وسميت باسمها، إلا أن أهل الأجيال اللاحقة، أو بعضهم، ظن أن التسمية إنما جاءت اشتقاقاً من لفظة (لتَّ). وعليه فتكون قراءة (اللاتُّ) مثقلةً، اجتهاداً غير موفق لمن قبل بهذه القصة، ولا يحدث أي مناقضة للقرآن.

 

* الأثر الثالث: جاء في «تفسير الطبري»، (ج 27، ص 58 وما بعدها) بإسناد في غاية الصحة عن مجاهد: [حدثنا بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا سفيان عن منصور عن مجاهد، أفرأيتم اللات والعزى، قال: (كان يلت السويق للحاج فعُكِف على قبره)]؛

ــ وجاء أيضاً في «تفسير الطبري»، (ج 27، ص 58 وما بعدها)بإسناد صحيح: [حدثنا مؤمل قال: حدثنا سفيان عن منصور عن مجاهد، أفرأيتم اللات، قال: (اللات كان يلت السويق للحاج)]؛

ــ وهو في مجموع الفتاوى (27/357) بإسناد صحيح: [وقَالَ عَبْدُ بْنُ حميد فِي تَفْسِيرِهِ: حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَلُتُّ السَّوِيقَ فَمَاتَ فَاُتُّخِذَ قَبْرُهُ مُصَلًّى]

ــ وجاء أيضاً في «تفسير الطبري»، (ج 27، ص 58 وما بعدها): [حدثنا بن حُمَيْد قال: حدثنا مهران عن سفيان عن منصور عن مجاهد، اللات، قال: كان يلت السويق فمات فعكفوا على قبره]، ولكن بن حُمَيْد فيه الكلام المعروف؛

ــ وجاء أيضاً في «تفسير الطبري»، (ج 27، ص 58 وما بعدها): [حدثنا بن حُمَيْد قال حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد في قوله اللات قال: (رجل يلت للمشركين السويق فمات فعكفوا على قبره)]، وفيه بن حُمَيْد أيضاً؛

ــ وجاء في مجموع الفتاوى (27/357): [وَرُوِيَ عَنْ الْأَعْمَشِ قَالَ: كَانَ مُجَاهِدٌ يَقْرَأُ (اللَّاتَّ) مُثَقَّلَةً وَيَقُولُ: كَانَ رَجُلٌ يَلُتُّ السَّوِيقَ عَلَى صَخْرَةٍ فِي طَرِيقِ الطَّائِفِ وَيُطْعِمُهُ النَّاسَ فَمَاتَ فَقُبِرَ فَعَكَفُوا عَلَى قَبْرِهِ]

فلعلنا نلاحظ ها هنا بكل دقة في كلام مجاهد (وكله موقوف عليه، ليس فيه حرف مرفوع، ولا ذكر لابن عباس، ولا ممن أخذه ممن أدرك الجاهلية):

(1)ــ أنه ليس فيه تصنيف للرجل بأنه صالح، صاحب كرامات؛ أو أنه طالح ذو أحوال شيطانية؛

(2)ــ وليس فيه بيان لماهية (المارة) في القصة: أهم حجاج بيت الله الحرام؛ أم هم الحاج إلى (معبد اللات) أو لغيره من الطواغيت؛ أو إذا قبلنا رواية بن حُمَيْد، وهي مؤيدة بروايات أخرى سنسوقها قريباً: كل (المارة) بغض النظر عن وجهته، ولعلهم من (المشركين)؛

(3)ــ وأنه زادنا قولهم: (هو اللات)؛ وهي عبارة ليست بالقطعية في دلالتها:

                        (أ)ــ فيحتمل أن مجاهداً قصد أنهم اخترعوا إلاهاً جديداً، وهو المسمَّى بـ(اللات)؛

                        (ب)ــ أو أن اللات (كائن إلاهي) موجود من قبل، ولكنه حل أو اتحد أو تجسد في ذلك الرجل بحيث يصلح أن يقال عنه: (هو اللات

 

وإليك بعض المتابعات لأثر مجاهد:

ــ فقد أخرج سعيد بن منصور لفظاً آخر هو: [كان يلت لهم السويق، فيطعم من يمرّ من الناس، فلما مات عبدوه، وقالوا: هو اللاّت]، وهذا أيضاً موقوف على مجاهد، وفيه ذكر إطعام (من يمرّ من الناس)، لا فرق بين حاج وغيره؛

ــ وجاء عن مجاهد: (كان اللاّت رجلا في الجاهلية، وكان له غنم، فكان يسلو من رسلها، ويأخذ من زبيب الطائف والأقط، فيجعل منه حيسا، فيطعم من يمر من الناس، فلما مات عبدوه وقالوا: هو اللاّت)؛ وكان يقرأ اللاّت مشددة، رواه سعيد بن منصور والفاكهي؛

ــ وهو في أخبار مكة للفاكهي (5/143/75) بدون إسناد: [عَن مُجَاهِد قَالَ كَانَ رجل فِي الْجَاهِلِيَّة على صَخْرَة بِالطَّائِف وَعَلَيْهَا لَهُ غنم فَكَانَ يسلوا من رسلها وَيَأْخُذ من زبيب الطَّائِف والأقط فَيجْعَل مِنْهُ حَيْسًا وَيطْعم من يمر بِهِ من النَّاس فَلَمَّا مَاتَ عبدوه]؛

ــ وفي تفسير الألوسي [روح المعاني (14/55)]: [وأخرج الفاكهي عنه أنه لما مات قال لهم عمرو بن لحي: إنه لم يمت ولكنه دخل الصخرة فعبدوها وبنوا عليها بيتا، وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج أنه قال: كان رجل من ثقيف يلت السويق بالزيت فلما توفي جعلوا قبره وثنا، وزعم الناس أنه عامر بن الظرب أحد عدوان]

قلت: ليس فيها أمر جوهري جديد، وإنما هي تأكيد لما ثبت بالإسناد الصحيح، وتقوية لما ذكره الطبري عن بن حُمَيْد أن الإطعام كان لعموم المارة، الذين هم من المشركين، فالضاهر أن بن حُمَيْد ها هنا قد صدق وأدى كما ينبغي.

 

* الأثر الرابع: جاء في تفسير الطبري [جامع البيان ط هجر (22/48)] بإسناد ظاهره الصحة إلى أبي صالح: [حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، فِي قَوْلِهِ: «اللَّاتَّ» قَالَ: (اللَّاتُّ: الَّذِي كَانَ يَقُومُ عَلَى آلِهَتِهِمْ، يَلُتُّ لَهُمُ السَّوِيقَ، وَكَانَ بِالطَّائِفِ)]؛

ــ وهو في مجموع الفتاوى لابن تيمية (27/357): [وَقَالَ (يعني: عَبْدُ بْنُ حميد فِي تَفْسِيرِهِ أو سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ): حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ السدي عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: (اللَّاتُ) الَّذِي كَانَ يَقُومُ عَلَى آلِهَتِهِمْ وَكَانَ يَلُتُّ لَهُمْ السَّوِيقَ]

قلت: أبو عبد الله أحمد بن هشام بن بهرام المدائني ثقة، ولكن كل من الإمام عبد بن حميد أو الإمام سليمان بن حرب بن بجيل أوثق وأثبت، وزيادة الثقة مقبولة، فلا بد من ترجيح وجود السدي في الإسناد، فالإسناد حسن لذاته، من الحسن المرتفع القريب من الصحيح، إلى أبي صالح باذام مولى أم هانئ؛ وأبو صالح باذام مولى أم هانئ نفسه لم يتركه أو يتهمه أحد، وإنما عابوا عليه التدليس الفاحش عن ابن عباس، وهو قد أخذ قطعاً عن مولاته أم هانئ بنت أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وغيرهم من الصحابة وكبار التابعين، فمعرفته لأخبار الجاهلية من نوع معرفة مجاهد وأبي الجوزاء، وحقنا أن نعتبر بروايته لذلك كاعتبارنا برواية مجاهد وأبي الجوزاء.

 

لاحظ بكل دقة في كلام أبي صالح (وكله موقوف عليه، ليس فيه حرف مرفوع، ولا ذكر لابن عباس، ولا ممن أخذه ممن أدرك الجاهلية):

(1)ــ أنه فيه الجزم بتصنيف الرجل بأنه ليس بصالح، بل هو طالح: سادن للآلهة، مشرك كافر؛

(2)ــ وأنه منسجم تمام الانسجام مع كلام مجاهد، ولكنه مناقض لكلم أبي الجوزاء للوهلة الأولى؛

(3)ــ عدم ورود ذكر لموت أو قبر: فكأن مجاهداً هو المتفرد بذكر (القبر)، وهو – أي مجاهد – لم ينسبه قط لابن عباس.

 

هذا مجمل أحسن ما ورد؛ وقد جاءت رواية أخرى عن ابن عباس فيها زيادات منكرة، ولا ينبغي أن يكون هناك أدنى شك في ردها دراية لنكارة متنها:

* الأثر الخامس: جاء في فتح الباري لابن حجر (8/612): [وَأَخْرَجَ بن أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الجوزاء عَن بن عَبَّاسٍ وَلَفْظُهُ فِيهِ زِيَادَةٌ: (كَانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ عَلَى الْحَجَرِ فَلَا يَشْرَبُ مِنْهُ أَحَدٌ إِلَّا سَمِنَ فَعَبَدُوهُ)

ــ وجاء في الدر المنثور في التفسير بالمأثور (7/653): [وَأخرج ابْن أبي حَاتِم وَابْن مرْدَوَيْه عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: كَانَ اللات يلت السويق على الْحَاج فَلَا يشرب مِنْهُ أحدا إِلَّا سمن فعبدوه]؛

ــ وهو في تفسير الألوسي [روح المعاني (14/55)]: [وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس أنه كان يلت السويق على الحجر فلا يشرب منه أحد إلا سمن فعبدوه]؛

ــ وجاء في المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها (2/294): [قال أبو حاتم: كان رجل يلت لهم السويق، فإذا شرب منه أحد سمن، فعبدوا ذلك الرجل]؛ كذا: (أبو حاتم)، وإنما هو: ابن أبي حاتم؛

قلت: ولم أجد أصلها عند بن أبي حاتم. وكل من جاء بعد الحافظ ينسبها إلى فتح الباري؛ وتجدها أحياناً منسوبة أيضاً لابن مردويه من غير ذكر للإسناد.

ونكارة المتن لا تحتاج إلى تدليل: فأي سويق هذا الذي يشربه الحجاج فيسمنون منه، بعد حسوات قليلة أو شرب أيام يسيرة؟! وهل في التخريف والشطح أوغل من ذلك؟! وأما الإسناد: فبين الإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم وعمرو بن مالك النكري، مفاوز مهلكة: رجلان أو أكثر، ضرورة ولا بد. ولعلي أرجم بالغيب فأقول: أحد هؤلاء إما راوية ضعيف مغفل خلط شرقاٌ بغرب، أو كذاب أشر، عليه من الله ما يستحق.

وقد جاءت روايات أخرى فيها زيادات معتبرة، وقصص أخرى، وإن كانت أسانيدها ليست بذاك:

* ذكر الأخباريون قصصاً جاء طرف منها في شرح السيرة للسهيلي، المسمَّى: الروض الأنف (1/206): [وَكَانَ عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ حِينَ غَلَبَتْ خُزَاعَةُ عَلَى الْبَيْتِ، وَنَفَتْ جُرْهُمُ عَنْ مَكّةَ، قَدْ جَعَلَتْهُ الْعَرَبُ رَبّا لَا يَبْتَدِعُ لَهُمْ بِدْعَةً إلّا اتّخَذُوهَا شِرْعَةً لِأَنّهُ كَانَ يُطْعِمُ النّاسَ وَيَكْسُو فِي الْمَوْسِمِ فَرُبّمَا نَحَرَ فِي الْمَوْسِمِ عَشَرَةَ آلَافِ بَدَنَةٍ وَكَسَا عَشَرَةَ آلَافِ حُلّةٍ حَتّى قِيلَ: إنّهُ اللّاتِي الّذِي، يَلُتّ السّوِيقَ لِلْحَجِيجِ عَلَى صَخْرَةٍ مَعْرُوفَةٍ تُسَمّى: صَخْرَةَ اللّاتِي

ــ ويؤيد ذلك ما جاء في مجموع الفتاوى لابن تيمية (27/357): [وَقَالَ (يعني: عَبْدُ بْنُ حميد فِي تَفْسِيرِهِ أو سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ): حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ إسْرَائِيلَ عَنْ السدي عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: (اللَّاتُ) الَّذِي كَانَ يَقُومُ عَلَى آلِهَتِهِمْ وَكَانَ يَلُتُّ لَهُمْ السَّوِيقَ]؛ وأيضاً ما جاء في تفسير الطبري [جامع البيان ط هجر (22/48)]: [حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، فِي قَوْلِهِ: «اللَّاتَّ» قَالَ: (اللَّاتُّ: الَّذِي كَانَ يَقُومُ عَلَى آلِهَتِهِمْ، يَلُتُّ لَهُمُ السَّوِيقَ، وَكَانَ بِالطَّائِفِ)]؛

فـ(اللات) إذاً ليس برجل صالح، وإنما هو سادن من سدنة الآلهة، مشرك كافر، بل لعله رأس السدنة، المشركين الكفرة: عمرو بن لُحَيِّ بن قَمْعَة بن خِنْدِف؛ وعمرو بن لُحَيِّ ذلك الرجل الخطير، الذي أسهبنا القول عنه آنفا في الفصل السابق؛

 

* وجاءت قصة أخرى في شرح السيرة للسهيلي، المسمَّى: الروض الأنف (1/206): [وَيُقَالُ: إنّ الّذِي يَلُتّ كَانَ مِنْ ثَقِيفٍ، فَلَمّا مَاتَ قَالَ لَهُمْ عَمْرٌو: إنّهُ لَمْ يَمُتْ وَلَكِنْ دَخَلَ فِي الصّخْرَةِ ثُمّ أَمَرَهُمْ بِعِبَادَتِهَا، وَأَنْ يَبْنُوا عَلَيْهَا بَيْتًا يُسَمّى: اللّاتِي

ــ وهو في أخبار مكة للفاكهي (5/143/76) بدون إسناد: [عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ أَن اللات لما مات قَالَ لَهُم عَمْرو بن لحي إِنَّه لم يمت وَلكنه دخل الصَّخْرَة فعبدوها وبنوا عَلَيْهَا وبنوا عَلَيْهَا بَيْتا وَكَانَت اللات بِالطَّائِف]؛

 ــ وهي في تفسير الألوسي [روح المعاني (14/55)]: [وأخرج الفاكهي عنه أنه لما مات قال لهم عمرو بن لحي: إنه لم يمت ولكنه دخل الصخرة، فعبدوها وبنوا عليها بيتا. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج أنه قال: كان رجل من ثقيف يلت السويق بالزيت، فلما توفي جعلوا قبره وحدثنا، وزعم الناس أنه عامر بن الظرب أحد عدوان، وقيل غير ذلك]؛

ــ وهو في الدر المنثور في التفسير بالمأثور (7/653): [وَأخرج ابْن الْمُنْذر عَن ابْن جريج فِي قَوْله ﴿أَفَرَأَيْتُم اللات﴾ قَالَ: كَانَ رجل من ثَقِيف يلت السويق بالزيت فَلَمَّا توفّي جعلُوا قَبره ودثناً وَزعم النَّاس أَنه عَامر بن الظرب]

ــ وجاء نحو هذا، مع بعض التعقيب، أيضاً في المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام (11/81): [وإذا أخذنا برأي ابن الكلبي من أن عمرو بن لُحَيِّ قال للناس: (إن ربكم كان قد دخل في هذا الحجر)، أو أن الرجل الذي كان عند الصخرة لم يمت، ولكن دخل فيها أو أن روح ميت حلت فيها، ونظرنا إلى رأيه هذا بشيء من الجد، فلا يستبعد أن يشير هذا الرأي إلى ما يسمى بـ(الفتيشزم) fetichism أي عبادة الأحجار في اصطلاح علماء الأديان. ويعنون بها: عبادة الأرواح التي يزعم المتعبدون لها أنها حالة في تلك الأحجار، وخاصة الأحجار الغريبة التي لم تصقلها الأيدي، بل عبدت على هيئتها وخلقتها في الطبيعة، وهي من العبادات المنحطة بالنسبة إلى عبادة الصور والتماثيل والأصنام]؛

 

فنقول: فعلى هذا يكون عمرو بن لُحَيِّ بن قَمْعَة بن خِنْدِف هو الذي اخترع لهم قصة دخول ذلك الرجل، في الصخرة بعد فقدانه بدون أثر، أو موته وفقدان بدنه، ولعله برر ذلك بأن الربة (اللات)، اصطفته لتفانيه في عبادتها وخدمة زوارها، وحلت فيه، أو اتحدت به، فأصبح هو (اللاتأو لعله برر ذلك بأنه إنما كان تجسداً لـ(اللات)، التي هي إلاهة من أصل سفلي أرضي شيطاني، مكثت بين أظهر البشر فوق الأرض حينا، متنكرة في هيئة رجل، ثم عادت إلى الأرض، مقرها الأصلي. وليس أي من هذه التبريرات، على كل حال، ببعيد على عبدة الوثن، فما أكثر خرافاتهم ورموزهم وتشاؤمهم وطيرتهم.

 

ولا يقولن قائل إن العرب الإسماعيلية لم تكن على هذه الدرجة من التفلسف والتنطع، والخوض في مسائل الحلول والاتحاد والتجسد، فنقول: وهل قلنا أنهم اخترعوا ذلك؟ حسبهم استيراد مثل هذه الأفكار، وتبسيطها، وتنقيحها بما يناسب البيئة المحلية، تماماً كما استورد عمرو بن لُحَيِّ الخزاعي الأصنام (كما سلف ذكر نتف منه)، لا سيما أن الطائف كانت منذ القدم مدينة مسورة، على درجة من التحضر والتمدن، وقد ارتحل بعض أبنائها، من أمثال الحارث بن كَلَدَة، لدراسة الطب والفلسفة وأخبار ملوك فارس والروم في الحيرة وغيرها.

 

فـ(اللات) وفق هذه الرواية إذاً إنما هو سادن من سدنة الآلهة، مشرك كافر. ولا أستبعد أن يكون ذلك الرجل – إن كان له وجود تاريخي أصلاً - قد كسب محبة الناس، وانتشر ذكره، ولعله عامر بن الظرب العدواني الشهير، كما زعمت بعض الروايات الأخبارية، فخشي عمرو بن لُحَيِّ من منافسته، فتخلص منه بطريقة ماكرة، ثم اخترع لهم تلك الأكذوبة الخبيثة. فإن صح هذا فلا علاقة له بموضوع: «اتخاذ القبور مساجد»، أو ما تسميه الفرقة الوهابية المخبولة: «عبادة القبور»؛ لأنهم إنما عكفوا عليه لأنه - في اعتقادهم - كائن إلاهي: [هو (اللات)]. ولعل هذا هو أعدل الأقوال، وأجمعها لـ(الحفريات التاريخية) جمعاً معقولاً متناسقاً،

 

وقد اضطر الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي، وهو محسوب من الوهابيين، مُعَظَّم عندهم، إلى مناقضة المارق بن عبد الوهاب، وإلى القول بنحو مما قلنا:

* حيث جاء في آثار الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي اليماني (2/508): [قد يكون عَمْرُو بن لُحَيًّ قال لهم: إنَّ تلك الصخرة مباركة لأنها كانت بقرب الأصنام وكان يلتُّ عليها السويق للحاجَّ، ثم إنها ابتلعت صاحبها مع أنَّ وصف ذلك السادن وهو لفظ اللات مشدَّدًا يقارب اسم أحد الملائكة اللات مخفَّفة، اختلق لهم عَمرو هذا الاسم مروَّجًا لصحته بأنه مشتقٌّ من لفظ الجلالة كما ذكره الواحدي وغيره، فينبغي أن تُجعل تذكارًا لهذا الملَك وتُسمَّى باسمه اللات]، وذكر احتمالات أخرى، ثم قال: [وفي القصَّة تخليط شديد فراجِعْ]، انتهى كلام المعلمي؛

 

وقريب منه القول الذي اختاره زكريا بن محمد بن محمود القزويني (المتوفى: 682هـ) في آثار البلاد وأخبار العباد:

* حيث جاء في آثار البلاد وأخبار العباد (ص: 98): [بها (يعني: الطائف) حجر اللات تحت منارة مسجدها، وهو صخرة كان في قديم الزمان يجلس عليه رجل يلت السويق للحجيج، فلما مات قال عمرو بن لحي: إنه لم يمت لكن دخل في هذه الصخرة! وأمر قومه بعبادة تلك الصخرة، وكان في اللات والعزى شيطانان يكلمان الناس، فاتخذت ثقيف اللات طاغوتاً وبنت لها بيتاً وعظمته وطافت به، وهي صخرة بيضاء مربعة، فلما أسلمت ثقيف بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أبا سفيان بن حرب ومغيرة بن شعبة فهدماه، والحجر اليوم تحت منارة مسجد الطائف]؛

 

وأما تصنيف الدكتور جواد علي لذلك على أنه من [(الفتيشزم) fetichism] أي عبادة الأحجار في اصطلاح علماء الأديان. ويعنون بها: عبادة الأرواح التي يزعم المتعبدون لها أنها حالة في تلك الأحجار]، فغلط بيِّن، نشأ من عدم الجمع بين النصوص، وعدم قراءتها بدقة، إذ أن قراءة جملة: (إن ربكم كان قد دخل في هذا الحجر) توجب القطع بأن دخول ذلك الرجل، أو روحه، في الصخرة إنما هو دخول أو حلول (كائن إلاهي)، وليس مجرد أي (روح) لميت، فأصبحت الصخرة بذلك (وثناً خاصاً)، أي: وثن له خصائص صنمية.

 

على أن من أسماهم الدكتور جواد علي (علماء الأديان)، لا يعتد بهم في تحرير عقائد أهل الأديان المختلفة، وتصنيفها إلى بدائية ومتطورة، فبالرغم من أنهم أتعبوا أنفسهم في جمع (مادة وصفية) و(معلومات رصدية) ضخمة، إلا أنهم عند التحليل والتقعيد ينطلقون من إسقاطات نفسية مسبقة، أوحت لهم بخيالات فاسدة، وفرضيات لا أساس لها، بالمضادة للمنهج العلمي السليم.

 

وقد حاول الإمام ابن حجر استيعاب الأقوال المتباينة بعض الشيء، من غير كبير ترجيح أو مناقشة، إلا أنه جزم بأن (اللَّاتَ غَيْرُ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ)، وكأنه اختار القول بأنه الذي أفتى: (إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ وَلَكِنَّهُ دَخَلَ الصَّخْرَةَ فَعَبَدُوهَا وَبَنَوْا عَلَيْهَا بَيْتًا)، وذكر تفاصيل أخرى، بعضها مهم، كما تجده في فتح الباري لابن حجر (8/612): [وَأَخْرَجَ بن أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الجوزاء عَن بن عَبَّاسٍ وَلَفْظُهُ فِيهِ زِيَادَةٌ كَانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ عَلَى الْحَجَرِ فَلَا يَشْرَبُ مِنْهُ أَحَدٌ إِلَّا سَمِنَ فَعَبَدُوهُ وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِ هَذَا الرَّجُلِ فَرَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: (كَانَ رَجُلٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى صَخْرَةٍ بِالطَّائِفِ وَعَلَيْهَا لَهُ غَنَمٌ فَكَانَ يَسْلُو مِنْ رَسَلِهَا وَيَأْخُذُ مِنْ زَبِيبِ الطَّائِفِ وَالْأَقِطِ فَيَجْعَلُ مِنْهُ حَيْسًا وَيُطْعِمُ مَنْ يَمُرُّ بِهِ مِنَ النَّاسِ فَلَمَّا مَاتَ عَبَدُوهُ). وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقْرَأُ اللَّاتَّ مُشَدَّدَةً، وَمن طَرِيق بن جُرَيْجٍ نَحْوَهُ قَالَ: (وَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ عَامِرُ بْنُ الظَّرِبِ) انْتَهَى. وَهُوَ بِفَتْحِ الظَّاءِ الْمُشَالَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٌ وَهُوَ الْعُدْوَانِيُّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الدَّالِ وَكَانَ حَكَمَ الْعَرَبَ فِي زَمَانِهِ وَفِيهِ يَقُولُ شَاعِرُهُمْ وَمِنَّا حَكَمٌ يَقْضِي وَلَا يُنْقَضُ مَا يَقْضِي. وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ أَنَّهُ عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ قَالَ: (وَيُقَالُ هُوَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ وَهُوَ رَبِيعَةُ بْنُ حَارِثَةَ وَهُوَ وَالِدُ خُزَاعَةَ)، انْتَهَى. وَحَرَّفَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ كَلَامَ السُّهَيْلِيِّ وَظَنَّ أَنَّ رَبِيعَةَ بْنَ حَارِثَةَ قَوْلٌ آخَرُ فِي اسْمِ اللَّاتِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا رَبِيعَةُ بْنُ حَارِثَةَ اسْمُ لُحَيٍّ فِيمَا قِيلَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ اللَّاتَ غَيْرُ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ؛ فَقَدْ أَخْرَجَ الْفَاكِهِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ بن عَبَّاسٍ أَنَّ اللَّاتَ لَمَّا مَاتَ قَالَ لَهُمْ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ وَلَكِنَّهُ دَخَلَ الصَّخْرَةَ فَعَبَدُوهَا وَبَنَوْا عَلَيْهَا بَيْتًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبِ قُرَيْشٍ أَنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ هُوَ الَّذِي حَمَلَ الْعَرَبَ عَلَى عِبَادَةِ الْأَصْنَام وَهُوَ يُؤَيّد هَذِه الرِّوَايَة. وَحكى بن الْكَلْبِيِّ أَنَّ اسْمَهُ صِرْمَةُ بْنُ غَنْمٍ وَكَانَتِ اللَّاتُ بِالطَّائِفِ وَقِيلَ بِنَخْلَةَ وَقِيلَ بِعُكَاظٍ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْفَاكِهِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مقسم عَن بن عَبَّاسٍ قَالَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ كَانَتْ مَنَاةٌ أَقْدَمُ مِنَ اللَّاتِ فَهَدَمَهَا عَلِيٌّ عَامَ الْفَتْحِ بِأَمْرِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، وَكَانَتِ اللَّاتُ أَحْدَثُ مِنْ مَنَاةَ فَهَدَمَهَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، لِمَا أَسْلَمَتْ ثَقِيفٌ وَكَانَتِ الْعُزَّى أَحْدَثُ مِنَ اللَّاتِ وَكَانَ الَّذِي اتَّخَذَهَا ظَالِمُ بْنُ سَعْدٍ بِوَادِي نَخْلَةَ فَوْقَ ذَاتِ عِرْقٍ فَهَدَمَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِأَمْرِ النَّبِيُّ، صلى الله عليه وسلم، عَامَ الْفَتْحِ]، انتهى كلام الحافظ.

 

أما الإمام ابن تيمية، وهو عند الوهابيين: شيخ الإسلام، وقدوة الأنام، المرجع الأعلى والقطب الأعظم، الذي شهد له العدو والصديق أنه من (أذكياء العالم): فإليك غاية ما لديه من التحرير والتدقيق، والتقعيد والتفريع، كما هو بأحرفه في مجموع الفتاوى (27/358)؛ وأترك لك التعقيب، أو الضحك بصوت مرتفع، إن شئت: [وَقَدْ قَرَأَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ اللَّاتَّ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ. وَقِيلَ إنَّهَا اسْمٌ مَعْدُولٌ عَنْ عَنْ اسْمِ اللَّهِ. قَالَ الخطابي: الْمُشْرِكُونَ يَتَعَاطَوْنَ اللَّهَ اسْمًا لِبَعْضِ أَصْنَامِهِمْ فَصَرَفَهُ اللَّهُ إلَى اللَّاتِ صِيَانَةً لِهَذَا الِاسْمِ وَذَبًّا عَنْهُ. قُلْت: وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ وَالْقِرَاءَتَيْنِ فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلٌ يَلُتُّ السَّوِيقَ عَلَى حَجَرٍ وَعَكَفُوا عَلَى قَبْرِهِ وَسَمُّوهُ بِهَذَا الِاسْمِ وَخَفَّفُوهُ وَقَصَدُوا أَنْ يَقُولُوا هُوَ الْإِلَهُ كَمَا كَانُوا يُسَمُّونَ الْأَصْنَامَ آلِهَةً فَاجْتَمَعَ فِي الِاسْمِ هَذَا وَهَذَا. وَكَانَتْ (اللَّاتُ) لِأَهْلِ الطَّائِفِ وَكَانُوا يُسَمُّونَهَا (الرَّبَّةَ)]؛ كذا: (لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ وَالْقِرَاءَتَيْنِ!!).

 

ونكرر أننا ندين الله بأن عبد الله بن العباس، رضي الله عنهما، لم يرد منه شيء من تلك الروايات، ولا تلفظ بشيء من جملها. وحتى لو سلمنا جدلاً بثبوت أبشعها عنه: (كَانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ عَلَى الْحَجَرِ فَلَا يَشْرَبُ مِنْهُ أَحَدٌ إِلَّا سَمِنَ فَعَبَدُوهُ) عنه بنقل التواتر، فنقول: فكان ماذا: نعم، الإمام الحبر البحر عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما، هو والله ترجمان القرآن، وهو والله من آل البيت الطاهر، الذين حرمت عليهم الصدقة، تكريماً وتنزيهاً، وهو والله الإمام الثبت الحجة، والثقة الصادق المأمون، ولكنه ما قال قط أنه شهد هذا الرجل «اللاّت» الأسطوري، ولا شرب أو أكل من ذلك السويق العجيب الخرافي بنفسه. ولا هو زعم أن مشيخته من كبار الصحابة الثقات، ذوي الأسنان العالية، حضر ذلك أو شهده أو طعم سويقه بأنفسهم.

 

وأصح الروايات عنه لا تذكر موتاً أو قبراً، فلا علاقة لها بالقبور، والروايات الأخرى فيه كلام غامض عن (دخول الرجل في الصخرة، وأنه لم يمت،... إلخ). وأما الرواية بذكر (الموت) و(القبر) فهي فقط عن الإمام الحجة، الصادق المأمون، مجاهد بن جبر، وما جاء عنه قط أنه وقف على قبر ذلك الرجل العجيب ولا سمعه ممن وقف على قبره. وهو – أي الإمام مجاهد بن جبر ــ مولود في الإسلام، ولم يذكر لنا من أي صحابي أو مخضرم أخذ هذا، حتى نقول أنه يخبرنا بمعتقد أهل الجاهلية في أقل تقدير؛ وكذلك الحال بالنسبة لأبي صالح مولى أم هانئ؛ ولأبي الجوزاء.

 

فلم يبق إذاً إلا احتمال واحد: أنه مما تداولته العرب من أخبارها، ومروياتها وأساطيرها، وكل ذلك لا حجة فيه مطلقاً، لا سيما أن رواة ذلك إنما هم من العرب الأميين الجهلة، المشركين الفجرة، المتغطرسين العنصريين، المعروفين بالكبر، والتفاخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والتنابز بالألقاب، ومع ذلك فلا نستبعد أن يكون لهذه القصص أصل تاريخي ضاع في غمار الخرافات والأساطير، أو تشنيع القبائل بعضها على بعض في صراعها على المراكز القيادية والموارد الاقتصادية. ولعلنا وجدنا في بعض النصوص (حفريات) يمكن بها استجلاء بعض ملامح ذلك الأصل التاريخي.

 

ولا يقولن قائل: إن ابن عباس، رضوان الله وسلامه عليهما، وكذلك مجاهد بن جبر وأبو الجوزاء وأبو صالح، رضي الله عنهم، إنما رووا القصة بأسلوب المصدق لها، الموقن بوقوعها. وهما إنما روياها كذلك لاعتقادهما بصحتها. فنقول: هذا حق، خاصة بالنسبة للحبر البحر عبد الله بن العباس، وهو الصادق البر الأمين، ولكن من قال لكم أنه معصوم أن ينخدع بخرافة عربية، أو أكذوبة إسرائيلية، أو أن يقع فريسة كذب الكذابين، أو خداع المخادعين أو شهادة زور من فجرة كاذبين؛ وكذلك من باب أولى: مجاهد بن جبر أو أبو الجوزاء أو أبو صالح؟!

 

بل إن خاتمة رسل الله، المعصوم بعصمة الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، لم يُعصم من أن يُخدع بكذب كاذب، أو يحكم بالظاهر بناءً على شهادة فاجر، أو حسن بيان محاجج ماهر، كما فصلناه في موضع سابق بأدلته القطعية اليقينية، التي يكفر منكرها، ويخرج من الإسلام بجحدها. فإن كان ذلك كذلك، وهو الحق اليقيني المقطوع به، كما سلف في موضعه، فمن باب أولى أن ينخدع ابن عباس، وغيره من أكابر الصحابة وصغارهم، بمثل هذه الروايات.