كتاب التوحيد - الباب الرابع: التوحيد: تعريفه، وبراهينه

الفهرس

 

القسم الأول: أصول الدين وقواعده

الباب الرابع: التوحيد: تعريفه، وبراهينه

فصل: «توحيد الله» هو «عبادة الله ومعرفته»

فصل: براهين «لا اله إلا الله»

فصل: واجب الوجود لا يمكن إلا أن يكون واحداً

فصل: واجب الوجود لا يمكن إلا أن يكون بسيطاً، غير مركب

فصل: طرائق بعض الأئمة في إثبات أن (واجب الوجود لا يمكن إلا أن يكون واحداً بسيطاً، غير مركب)

فصل: الله، جل جلاله: ﴿لم يلد ولم يولد﴾

فصل: نسبة (الولد) إلى الله من أبشع الكفر

فصل: بطلان الحلول والاتحاد

فصل: هل تتعلق القدرة الإلاهية بالمستحيلات المنطقية أو العقلية؟!

فصل استطرادي: معنى الآية ﴿قُلْ: إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾

فصل: أفعال الله وأحكامه لا تعلّل، بل هو يفعل ما يشاء ويختار، ويحكم ما يريد

فصل: القدر خيره وشره من الله تعالى

فصل: برهان (التمانع)

فصل: آية (الفساد)

فصل: ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾

فصل: تحرير معنى قوله، تعالى وتقدس: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾؛ ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾؛ ونحوها

فصل: براهين شهادة أن: «مُحَمَّداً رسول الله»

فصل: من دلائل نبوته، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: إخباره أن أمته سوف تقاتل (الترك)

فصل: من دلائل نبوته، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: التنبؤ بالهواتف المحمولة، (وما هو من جنسها)

فصل: من دلائل نبوته، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: إسلام أهل اليمن، وتحديد قبلة مسجد صنعاء القديم بدقة متناهية

 

الباب الرابع: التوحيد: تعريفه، وبراهينه

 

فصل: «توحيد الله» هو «عبادة الله ومعرفته»

التوحيد مصدر من وحَّد ــ بتشديد الحاء المهملة ــ وهو يعني واحدًا من أمرين:

أولا: جَمَعَ الأشياء المتفرقة وجعلها وحدة، فنقول أن الزعيم الفلاني جاء إلى قبائل وكيانات متنافرة فوحدها في كيان واحد توحيداً.

ثانيا: إدراك الشيء الواحد أو الوحدة أو الوحدانية والإقرار بذلك فيقال: وحَّدت الله توحيدًا، أي أدركت أنه واحد، وأقررت بذلك، وهذا المعنى هو المقصود هنا.

 

* قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا، (الاسراء؛ 17: 46).

* وقال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ، (الزمر؛ 39: 45).

* وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ، (غافر؛ 40: 40).

* وعن طارق بن أشيم ــ رضى الله عنهما ــ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «من وحّد الله، وكفر بما يعبد من دونه، حرُمَ ماله ودمه، وحسابه على الله عز وجل»، حديث صحيح، أخرجه مسلم، واحمد.

 

* وعن ابن عمر ــ رضى الله عنهما ــ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «بُنى الإسلام على خمس: على أن يُوحَّد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان»، حديث صحيح، أخرجه مسلم.

* وفي الحديث الطويل الصحيح عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما في سياق حجة الوداع: «فأهَلّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بـ«التوحيد». أخرجه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وأحمد، وعبد بن حميد، وغيرهم.

 

* وعن ابن عباس ــ رضى الله عنهما ــ أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: «إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يُوحِّدوا الله تعالى»، حديث صحيح، أخرجه البخاري واللفظ له، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وأبو داود، وابن ماجه، وأحمد، وغيره. وقد جاء حديث ابن عباس هذا من طرق صحاح بألفاظ متباينة تستحق دراسة مفصلة:

 * فقد أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (ج2/ص529/ح1389): [حدثنا أمية بن بسطام حدثنا يزيد بن زريع حدثنا روح بن القاسم عن إسماعيل بن أمية عن يحيى بن عبد الله بن صيفي عن أبي معبد عن بن عباس أن رسول الله لما بعث معاذا على اليمن قال إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة من أموالهم وترد على فقرائهم فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس]؛ وابن حبان في صحيحه (ج1/ص371/ح156)، و(ج6/ص178/ح2419): [أخبرنا الحسن بن سفيان الشيباني قال حدثنا أمية بن بسطام قال حدثنا يزيد بن زريع قال حدثنا روح بن القاسم عن إسماعيل بن أمية عن يحيى بن عبد الله بن صيفي به]؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج4/ص101/ح7095): [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني أبو النضر محمد بن محمد بن يوسف الفقيه حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد والحسن بن سفيان قالا حدثنا أمية بن بسطام حدثنا يزيد بن زريع حدثنا روح بن القاسم عن إسماعيل بن أمية عن يحيى بن عبد الله بن صيفي]؛ والطبراني في معجمه الكبير (ج11/ص426/ح12207): [حدثنا أحمد بن علي الأبار والحسين بن إسحاق التستري قالا حدثنا أمية بن بسطام حدثنا يزيد بن زريع عن روح بن القاسم عن إسماعيل بن أمية عن يحيى بن عبد الله بن صيفي به؛ إلا أنه قال: (فإذا عرفوا ذلك)، بدلا من قوله: (فإذا عرفوا الله)]

 

* وأخرجه الإمام البخاري في صحيحه (ج6/ص2685/ح6937): [(حدثنا أبو عاصم حدثنا زكريا بن إسحاق عن يحيى بن عبد الله بن صيفي عن أبي معبد عن بن عباس رضي الله عنهما أن النبي، صلى الله عليه وسلم، بعث معاذا إلى اليمن) وحدثني عبد الله بن أبي الأسود حدثنا الفضل بن العلاء حدثنا إسماعيل بن أمية عن يحيى بن عبد الله بن محمد بن صيفي أنه سمع أبا معبد مولى بن عباس يقول سمعت بن عباس يقول لما بعث النبي، صلى الله عليه وسلم، معاذ بن جبل إلى نحو أهل اليمن قال له إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم فإذا صلوا فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم فإذا أقروا بذلك فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس]؛ وأخرجه البيهقي في سننه الكبرى (ج7/ص2/ح12891): [أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي المقري أنبأ الحسن بن محمد بن إسحاق الإسفرائيني حدثنا يوسف بن يعقوب حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا الفضل بن العلاء حدثنا إسماعيل بن أمية عن يحيى بن عبد الله بن محمد بن صيفي أنه سمع أبا معبد يقول سمعت بن عباس رضي الله عنهما يقول لما بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، معاذ بن جبل نحو اليمن فقال إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم أن يوحدوا الله عز وجل فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله عز وجل قد افترض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم فإذا صلوا فأخبرهم أن الله عز وجل قد افترض عليهم زكاة في أموالهم تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم فإذا أقروا بذلك فخذ منهم وتوق كرائم أموالهم]، وقال البيهقي: (رواه البخاري في الصحيح عن عبد الله بن أبي الأسود عن الفضل بن العلاء؛ وأخرجه مسلم من وجه آخر عن إسماعيل)

* ويؤيد هذا اللفظ الأخير ما أخرج الإمام عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه (ج5/ص215/ح9420) من طريق مستقلة، على ضعفها بسبب اختلاط المثنى بن الصباح: [عبدالرزاق عن المثنى بن الصباح عن طاووس قال سمعته يقول أوصى النبي، صلى الله عليه وسلم، معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن فقال إنك ستأتي على ناس من أهل الكتاب فادعهم إلى التوحيد فإن أقروا بذلك فقل إن الله قد فرض عليكم خمس صلوات بالليل والنهار فإن أقروا بذلك فقل إن الله قد فرض عليكم صيام شهر في إثني عشر شهرا فإن اقروا بذلك فقل إن الله قد فرض عليكم زكاة في أموالكم تؤخذ من أغنيائكم فإن أقروا بذلك فخذ من أموالهم واجتنب كرائم أموالهم وإياك ودعوة المظلوم فإنه لا حجاب لها دوني]

 

* وأخرجه الإمام البخاري في صحيحه (ج2/ص544/ح1425): [حدثنا محمد أخبرنا عبد الله أخبرنا زكريا بن إسحاق عن يحيى بن عبد الله بن صيفي عن أبي معبد مولى بن عباس عن بن عباس قال: قال رسول الله لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن إنك ستأتي قوما أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب]؛ والبخاري في صحيحه (ج4/ص1580/ح4090): [حدثني حبان أخبرنا عبد الله عن زكريا بن إسحاق عن يحيى بن عبد الله بن صيفي به]؛ وأخرجه مسلم في صحيحه (ج1/ص51/ح19): [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب وإسحاق بن إبراهيم جميعا عن وكيع قال أبو بكر حدثنا وكيع عن زكريا بن إسحاق قال حدثني يحيى بن عبد الله بن صيفي به]؛ والنسائي في سننه (ج5/ص4/ح2435)، وفي سننه الكبرى (ج2/ص5/ح2215): [أخبرنا محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي عن المعافى عن زكريا بن إسحاق المكي قال حدثنا يحيى بن عبد الله بن صيفي به]؛ وابن حبان في صحيحه (ج11/ص476/ح5081): [أخبرنا الحسن بن سفيان من كتابه قال حدثنا إسحاق بن منصور الكوسج قال حدثنا أبو عاصم قال حدثنا زكريا بن إسحاق قال حدثنا يحيى بن عبد الله بن صيفي به]؛ وابن خزيمة في صحيحه (ج4/ص23/ح2275): [حدثنا محمد بن بشار وعبد الله بن إسحاق الجوهري وهذا حديث بندار قالا حدثنا أبو عاصم حدثنا زكريا بن إسحاق حدثني يحيى بن عبد الله بن صيفي به]؛ والترمذي في سننه (ج3/ص22/ح625): [حدثنا أبو كريب حدثنا وكيع حدثنا زكريا بن إسحاق المكي حدثنا يحيى بن عبد الله بن صيفي]؛ وابن ماجه في سننه (ج1/ص568/ح1783): [حدثنا علي بن محمد حدثنا وكيع بن الجراح حدثنا زكريا بن إسحاق المكي عن يحيى بن عبد الله بن صيفي به]؛ والإمام أبو داود في سننه (ج2/ص105/ح1584): [حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا وكيع حدثنا زكريا بن إسحاق المكي عن يحيى بن عبد الله بن صيفي]؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج1/ص233/ح2071): [حدثنا وكيع حدثنا زكريا بن إسحاق المكي عن يحيى بن عبد الله بن صيفي]؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج4/ص96/ح7068): [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس القاسم بن القاسم السياري بمرو حدثنا أبو الموجه حدثنا عبدان أنبأ عبد الله أنبأ زكريا بن إسحاق عن يحيى بن عبد الله بن صيفي به]؛ والبيهقي في سننه الكبرى ج7/ص7/ح12907): [أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الله الأديب أنبأ أبو بكر الإسماعيلي أخبرني الحسن بن سفيان حدثنا حبان أنبأ عبد الله عن زكريا بن إسحاق عن يحيى بن عبد الله بن صيفي به] ؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج7/ص9/ح12915): [أخبرنا أبو صالح بن أبي طاهر العنبري أنبأ جدي يحيى بن منصور القاضي حدثنا أحمد بن سلمة حدثنا إسحاق بن إبراهيم أنبأ وكيع حدثنا زكريا بن إسحاق المكي عن يحيى بن عبد الله بن صيفي به]؛ والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج2/ص353/ح9831): [حدثنا وكيع قال حدثنا زكريا بن إسحاق المكي قال حدثني يحيى بن عبد الله بن صيفي به]

 

فأقول: زكريا بن إسحاق المكي، ثقة بلا شك، ولكنه لا يسامي إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص المكي، فهذا أثبت وأقوى. وروح بن القاسم ، ثقة حافظ مشهور، فوق الصدوق الفضل بن العلاء، بمراحل: فلفظة: (فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله)، هي الأولى بالتقديم، ولعلها هي أصل اللفظ النبوي الشريف، ثم رواها الفضل بن العلاء بالمعنى، فقال: (فليكن أول ما تدعوهم أن يوحدوا الله عز وجل فإذا عرفوا ذلك)، وكذلك فعل طاووس أو المثنى بن الصباح. وأما زكريا بن إسحاق المكي فقد ترجمها بما يقابلها ضرورة: (أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله).

 

وأيا ما كان الأمر فهو حجة قاطعة أن السلف من طبقة صغار التابعين (خامسة ابن حجر، وكذلك السادسة الذين لم يدركوا الصحابة) من أمثال: يحيى بن عبد الله بن صيفي، وإسماعيل بن أمية، وروح بن القاسم، وزكريا بن إسحاق، ومن جاء بعدهم من المحدثين المصنفين، كانوا لا يفرقون بين الجمل آنفة الذكر، فكلها عندهم بمعنى واحد: (فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله) = (فليكن أول ما تدعوهم أن يوحدوا الله عز وجل فإذا عرفوا ذلك) = (أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله).

 

ولكن الحق أن هذه المعادلات أو المساوات أقدم من ذلك بكثير: ففي الفصل المعنون (مــراتـب الـدّيـن) من الباب الأول ذكرنا حديث جبريل المشهور برواية أبي هريرة، كما هو عند البخاري ومسلم وعامة الأئمة، وفيه الإجابة عن سؤاله عن الإسلام: «لاَ تُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا؛ وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ؛... إلخ»؛ وفي لفظ للبخاري: «تعبد الله ولا تشرك به؛ وتقيم الصلاة؛... إلخ»؛ وفي رواية لمسلم بأتم لفظ: «تعبد الله ولا تشرك به شيئا؛ وتقيم الصلاة المكتوبة؛... إلخ»، وهي كذا بأتم لفظ في صحيح ابن خزيمة، وعند جهور الأئمة المصنفين.

وأما في حديث جبريل برواية عبد الله بن عمر بن الخطاب سماعاً من أبيه، وقد أخرجه مسلم، وجمع من الأئمة، ولم يخرجه البخاري، فقد جاءت الإجابة عن نفس السؤال: «أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ الله وَأَنّ مُحَمّدا رَسُولُ اللّهِ؛ وَتُقِيمَ الصّلاَةَ؛... إلخ»، وهو كذا، أو بنحوه في عامة الطرق.

وكذلك جاءت الإجابة في رواية عبد الله بن العباس لحديث جبريل: «أَنْ تُسْلِمَ وَجْهَكَ لِلَّهِ، وَتَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ».

 

فإن كان جبريل، صلوات الله عليه، جاء أكثر من مرة، فبها ونعمت: ويكون تنوع الألفاظ من نبي الله الخاتم المعصوم، عليه وعلى آله أزكى الصلوات وأتم التسليم. وإن كانت مرة واحدة فتنوع الألفاظ من اجتهاد الصحابة. وأولى الألفاظ بالصحة لفظ أبي هريرة لأنه أحفظ، وأدق في تأدية الألفاظ، ولاتفاق الشيخين على إخراج الحديث؛ ولأن عبد الله بن عمر لم يحضر الواقعة، وكذلك ابن عباس، لم يحضرها في الأرجح، وإنما أخذها من كبار من حضرها من الصحابة.

 

وهذا يقتضي، ضرورةً، أن المعنى التام لجملة: «تعبد الله ولا تشرك به شيئا» مطابق للمعنى التام لجملة: «أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ الله وَأَنّ مُحَمّدا رَسُولُ اللّهِ»، أو: «أَنْ تُسْلِمَ وَجْهَكَ لِلَّهِ، وَتَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ»

 

وفي الفصل المعنون (أساس الإسلام، وأركانه، وأهم شرائعه، وأسهمه) من نفس الباب الأول، ذكرنا أحاديث كثيرة، من أهمها حديث: (بني الإسلام على خمس)، وعامة طرقه تقول: (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله)، أو بالمعنى: (إيمان بالله ورسوله)؛ وبعضها قد يختصر فيقول فقط: (شهادة أن لا إله إلا الله)؛ وربما قالها البعض بالمعنى: (أن يوحد الله)، أو (أن يعبد الله ويكفر بما دونه):

* كما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (ج1/ص45/ح20): [حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير الهمداني حدثنا أبو خالد يعني سليمان بن حيان الأحمر عن أبي مالك الأشجعي عن سعد بن عبيدة عن بن عمر عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال بني الإسلام على خمسة على أن يوحد الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان والحج فقال رجل الحج وصيام رمضان قال لا صيام رمضان والحج هكذا سمعته من رسول الله، صلى الله عليه وسلم]؛

 

* وكما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (ج1/ص45/ح20): [وحدثنا سهل بن عثمان العسكري حدثنا يحيى بن زكريا حدثنا سعد بن طارق قال حدثني سعد بن عبيدة السلمي عن بن عمر عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال بني الإسلام على خمس على أن يعبد الله ويكفر بما دونه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان].

 

وجاءت أحاديث أخرى مؤيدة للجمل الأخرى:

* فقد أخرج الإمام الترمذي في سننه (ج5/ص148/ح2863): [حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَعِيلَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَعِيلَ حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ أَنَّ أَبَا سَلَّامٍ حَدَّثَهُ أَنَّ الْحَارِثَ الْأَشْعَرِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا وَيَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا وَإِنَّهُ كَادَ أَنْ يُبْطِئَ بِهَا فَقَالَ عِيسَى إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ لِتَعْمَلَ بِهَا وَتَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا فَإِمَّا أَنْ تَأْمُرَهُمْ وَإِمَّا أَنْ آمُرَهُمْ فَقَالَ يَحْيَى أَخْشَى إِنْ سَبَقْتَنِي بِهَا أَنْ يُخْسَفَ بِي أَوْ أُعَذَّبَ فَجَمَعَ النَّاسَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَامْتَلَأَ الْمَسْجِدُ وَتَعَدَّوْا عَلَى الشُّرَفِ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ أَعْمَلَ بِهِنَّ وَآمُرَكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِنَّ أَوَّلُهُنَّ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَإِنَّ مَثَلَ مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ فَقَالَ هَذِهِ دَارِي وَهَذَا عَمَلِي فَاعْمَلْ وَأَدِّ إِلَيَّ فَكَانَ يَعْمَلُ وَيُؤَدِّي إِلَى غَيْرِ سَيِّدِهِ فَأَيُّكُمْ يَرْضَى أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ كَذَلِكَ؛ وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ؛... إلخ]؛

 

* وقد جاء في مصنف ابن أبي شيبة (235) (11/7/30950): [حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ النَّزَّالِ يُحَدِّثُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمَّا رَأَيْته خَالِيًا قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، فقَالَ: بَخٍ، لَقَدْ سَأَلْت عَنْ عَظِيمٍ، وَهُوَ يَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ: تُقِيمُ الصَّلاةَ الْمَكْتُوبَةَ وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَلْقَى اللَّهَ لاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، أَوَلا أَدُلُّك عَلَى رَأْسِ الأَمْرِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ؟ أَمَّا رَأْسُ الأَمْرِ فَالإِسْلام مَنْ أَسْلَمَ سَلِمَ، وَأَمَّا عَمُوده فَالصَّلاة، وَأَمَّا ذِرْوَته وَسَنَامه فَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ]؛

 

* وأخرج الإمام الطبراني في مسند الشاميين (ج1/ص243/ح429) بإسناد رجاله رجال الصحيح عن أبي هريرة، رضي الله عنه: [حدثنا محمد بن عمرو بن خالد الحراني حدثنا أبي عن عيسى بن يونس عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أبي هريرة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (إن للإسلام صوى ومنارا كمنار الطريق من ذلك: أن يعبد الله لا يشرك به شيئا، وتقام الصلاة، وتؤتى الزكاة، ويحج البيت، ويصام رمضان، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتسليمك على أهل بيتك إذا دخلت عليهم، وتسليمك على بني آدم إذا لقيتهم فإن ردوا عليك ردت عليهم الملائكة وإن لم يردوا عليك ردت عليك الملائكة ولعنتهم أو سكتت عنهم؛ ومن انتقص منهن شيئا فهو سهم من الإسلام تركه؛ ومن نبذهن فقد ولى الإسلام ظهره)]

 

فثبت ثبوتاً يكاد يصل إلى درجة القطع واليقين أن تنوع الألفاظ والعبارات، مع تطابق المعنى التام للجمل الواردة فيها، إنما هو من نبي الله الخاتم المعصوم، عليه وعلى آله أزكى الصلوات وأتم التسليم.

وبهذا تحصلنا على تطابق المعنى التام للجمل الآتية، بالرغم من تباين ألفاظها: «أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ الله وَأَنّ مُحَمّدا رَسُولُ اللّهِ» = «أَنْ تُسْلِمَ وَجْهَكَ لِلَّهِ، وَتَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» = «تعبد الله ولا تشرك به شيئا» = «تعبد الله وتكفر بما دونه» = «توحد الله» = «(أن تُحَقِّقَ) عبادة الله، ومعرفة الله».

 

واللفظ في رواية بن عباس، وهو: («أَنْ تُسْلِمَ وَجْهَكَ لِلَّهِ، وَتَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ») فيه تكرار وتوكيد؛ فشبه الجملة: (وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ) في قوله: (وَتَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ) ليس فيها ما يزيد أصلاً على (وَتَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ)

وإنما هي للتوكيد. وكذلك جملة: (أَنْ تُسْلِمَ وَجْهَكَ لِلَّهِ) تكرار للتوكيد بلفظ وأسلوب آخر لجمل: (وَتَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ). وحتى لفظة (عَبْدُهُ) إنما هي توكيد: فبمجرد ثبوت (لا إله ألا الله)، ثبت أن كل ما سوى الله عبد مملوك له ضرورة.

 

وبهذا تصح (المعادلة)، أو المساواة، التالية:

«تَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ الله وَأَنّ مُحَمّدا رَسُولُ اللّهِ» = «توحد الله» = «تعبد الله، ولا تشرك به شيئا» = «تعبد الله وتكفر بما دونه» = «تعبد الله، وتعرف الله»

 

ويمكن تلخيص جوهرها أيضاً في صورة (المعادلة)، أو المساواة، التالية:

(م1)- شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله = عبادة الله ومعرفته = عبادة الله والكفر بما دونه = عبادة الله غير مشرك به شيئا = توحيد الله

 

وسنقيم في الباب الآتي البراهين القاطعة على صحة هذه (المعادلة) الهامة الخطيرة، بحيث تصبح حينئذ – بعد بلوغها مرتبة القطع واليقين - أصلاً ترد إليه الفروع، وتؤسس عليه قضايا الإيمان والكفر؛ وإن كنا - قبل بلوغها مرتبة القطع واليقين - ربما استأنسنا بها مجرد استئناس.

 

ومهما يكن الحال ففي هذه النصوص ما يكفي للاستدلال على أن لفظة (التوحيد) لفظ شرعي، وأنه مكافئ للشهادتين فلا فرق بين قولك: «توحيد الله»؛ أو قولك: «شهادة أن لا اله إلا الله، وأن مُحَمَّداً رسول الله»؛ أو قولك: «عبادة الله»؛ أو قولك: «عبادة الله، والكفر بمن دونه»؛ أو قولك: «عبادة الله، ومعرفة الله»؛ أو قولك: «عبادة الله غير مشرك به شيئاً».

 

فصل: براهين «لا اله إلا الله»

كتابنا هذا هو في الأصل لأهل الإسلام، وهم الذين صدَّقوا تصديقاً جازما، وآمنوا إيماناً خالصاً أنه: «لا اله إلا الله، وأن مُحَمَّداً رسول الله». وكل واحد من هؤلاء قامت عنده البراهين اليقينية على صحة معتقده هذا، ولا نظن أحداً يكون في العالم يعتقد شيئاً اعتقاداً جازما إلا بدليل اقتنع هو به، حتى ولو كان في نفس الأمر باطلاً. لذلك لا نطيل في مناقشة البراهين على وجود الله، سبحانه وتعالى، ووحدانيته، وعلى صدق نبوة مُحَمَّد بن عبد الله، عليه وعلى اله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، ونحيل في كل ذلك على كتابنا: «طريق الإيمان»، وهو ما زال تحت الإعداد، ونقتصر ها هنا على مناقشة مختصرة محدودة.

 

البرهان اليقيني القاطع على صحة «لا اله إلا الله»: أن الإنسان من لحظة وعيه على نفسه، ووعيه على العالم المحيط به، يدرك ضرورة، وعلى الفور للوهلة الأولى، أن له بداية، لم يكن موجوداً قبلها، وكذلك والديه، ووالدَي والديه. وهذا ينطبق على كل الأشياء المحيطة به، كلها جدت بعد أن لم تكن موجودة، مها طال زمن وجودها وبقائها. ويشاهد موت الأقارب والأحبة، ويعالج مشكلة الموت والبِلَى والفناء، لا يستطيع منها هروباً.

 

ثم يرتقي الإنسان في مدارج الفكر والتجريد، فيدرك أن كل ما يمكن تعقّله من الموجودات هو بالضرورة إما محتاج لغيره في وجوده، أي أن وجوده ليس من ذاته، ولا هو مكتف بنفسه، قائم بذاته، مستقل عن غيره، وهذا يستحيل أن ينشأ من العدم من غير سبب أو علة كافية، فلا بد له إذاً من مُوجِد. هذا النوع من الموجودات يسمَّى: «ممكن الوجود»، أو، بلفظ مختصر، «الممكن» لأنه ليس مستحيلاً، وإلا لم يوجد أصلاً، ولكان مجرّد تقدير ذهني لا غير.

والصنف الآخر: هو ما كان قائماً بذاته، مستقلاً بها عن غيرها، لا يحتاج في وجوده إلى غيره مطلقاً، ولا بأي صورة من الصور، أو بأي اعتبار من الاعتبارات، وهذا هو «واجب الوجود»، أو «القيُّوم»، لأن وجوده وجب له من نفسه بنفسه، لا من غيره. ولا يوجد غير هاذان الصنفان مطلقاً.

 

أما «مستحيل الوجود» فهو تقدير وفرض ذهني لا غير، وليس هو من الموجودات أصلاً، ولا هو كائن أصلاً، فهو من «أشياء» الذهن وفرضياته، لا من أشياء الواقع.

 

فإذا تقرر هذا علمنا ضرورة أن بين الأشياء الموجودة حقيقة، أي خارج الذهن، لابد أن يكون بينها «واجب وجود» واحد على الأقل، لأن الممكن يحتاج إلى غيره لكي يوجد، ولا بد، وإلا لم يظهر في الوجود أصلاً. فكل ممكن الوجود مشروط بغيره، معلول له، وهذه العلة إما أن تكون كافية بذاتها، مستقلة بذاتها، غنية بذاتها، خالقة موجدة محدثة لغيرها، وهذا هو «القيوم» أو «واجب الوجود» الذي نبحث عنه، وإما أن تكون ممكنة، فالبحث فيها إذاً كالبحث في سابقتها، فلا بد لسلسلة العلل والمعلولات من علة أو سبب أول: هو واجب الوجود ضرورة؛ أو يدور الأمر بحيث يكون (أ) مثلاً علة (ب)، وفي نفس الوقت يكون (ب) علة (أ)، وهذا يقتضي أن يكون (أ) موجوداً ومعدوماً في نفس الوقت، من نفس الجهة، ونفس الاعتبار، وهذا «دور قَبْلي» مستحيل، وكذلك بالنسبة لـ(ب)؛ أو يتسلسل الأمر إلى غير حد ونهاية، وهو مستحيل.

 

فائدة هامة عن (الدور)، وأنواعه: [يقول الفلاسفة والمناطقة: (الدور هو توقف كل واحد من الشيئين على الآخر). والدور ينقسم إلى نوعين رئيسين: (الدور القبلي السبقي)، و(الدور المَعِيُّ الاقتراني). يقول الإمام ابن تيمية في مواضع عدة (الصفدية 1/12، درء التعارض 3/143، منهاج السنة 1/438): (والدور نوعان: أحدهما الدور القبلي السبقي، فهذا ممتنع باتفاق العقلاء، مثل أن يقال: لا يكون هذا إلا بعد ذاك، ولا يكون ذاك إلا بعد هذا؛ فهذا ممتنع باتفاق العقلاء، ونفس تصوره يكفي في العلم بامتناعه؛ فإن الشيء لا يكون قبل كونه، ولا يتأخر كونه عن كونه؛ وأما الدور المعي الاقتراني، مثل أن يقال: لا يكون هذا إلا مع ذاك، لا قبله ولا بعده، فهذا جائز، كما إذا قيل: لا تكون الأبوة إلا مع البنوة) ]، انتهى.

 

فالمحال الممتنع هو (دور التقدم)، أي: الدور القبلي السبقي؛ وهو توقّف الشيء على ما يتوقف عليه، لاستلزام تقدم الشيء على نفسه، فيكون موجوداً ومعدوماً في نفس الوقت ومن جميع الزوايا والاعتبارات؛ وأوضح مثال له: قول القائل: أن الكائن (أ) خلق الكائن (ب)، وهذا يقتضي ضرورة أن (أ) خالق وموجود وسابق لـ(ب) المخلوق، وفي نفس الوقت أن الكائن (ب) خلق الكائن (أ)، وهذا يقتضي ضرورة أن (ب) خالق وموجود وسابق لـ(أ) المخلوق، فتحصَّل أن (أ) موجود ومعدوم، وخالق ومخلوق، في نفس الوقت ومن جميع الاعتبارات، وهذا هو الجمع بين النقيضين، وهو محال ممتنع؛ وكذلك الأمر، حرفاً بحرف، بالنسبة لـ(ب).

 

وأما (دور المعية) فليس بمحال، بل جائز واقع، لأنه لا يقتضي إلا حصول الشيئين معا في الخارج، أو في الذهن؛ ومن أوضح أمثلته أنه لا يُتصور والد إلا إذا كان له ولد، ولا ولد إلا وله والد في نفس الوقت؛ وهذا يكون عادة لأن الشيئين في الحقيقة فرع من أصل ثالث: فمفهوم (التولّد)، مثلاً، يقتضي خروج شيء من شيء أو انبثاق شيء من شيء؛ فالأصل الذي يكون منه الخروج أو الانبثاق يسمَّى: (والد)، والشي الخارج أو المنبثِق هو (الولد) أو (المولود).

 

وكل ما لوجوده بداية فهو ممكن ضرورة، لأنه مسبوق بالعدم، إما بالزمان أو في رتبة الوجود. ومجرد التصفح لجميع موجودات هذا الكون المادي الفسيح، التي يقع عليها الحس مباشرة، أو التي يُسْتدل على وجودها من مقدمات حسية وبراهين رياضية ملزمة، كلها ذات بداية، ولها مهما طال الأمد نهاية، حتى الشموس والنجوم، وهي أجرام في غاية الضخامة، ذات أعمار طويلة جداً، ثبت بالرصد المباشر والاستدلال الحسابي اليقيني أنها تفقد ملايين الأطنان كل ثانية من كتلتها، ولا بد، ولو بعد آلاف الملايين من السنين، أن تستهلك مادتها وتنتهي، هذا إذا لم تنفجر أو تنهار قبل ذلك، كما هو مشاهد في مجرتنا وفي غيرها من المجرات، حيث يرصد علماء الفلك هذه الظواهر يومياً ثم يقوموا بنشر نتائج الرصد على الكافة.

 

وعلماء الفلك هؤلاء ينتمون إلى دول وأمم وأعراق وأديان ومذاهب سياسية مختلفة، وهم (مجتمع علمي منضبط): جمع غفير، من أعراق وشعوب وأمم مختلفة، وينتمون لأديان وعقائد متناقضة؛ جمع متناقض الشخصيات والأهواء والمشارب: فيستحيل تواطؤهم على الكذب علينا عمداً، أو وقوعهم في نفس الخطأ في الإخبار بنتائج الرصد والتجربة مصادفة.

 

فوجب أن يكون لهذا الكون موجداً، يختلف في ذاته وصفاته عن مادة العالم، وصنف العالم. وهو ضرورة خارج إطار الزمان والمكان لأن الزمان والمكان صفة من صفات هذا العالم المحسوس، كما دل عليه نظر حذاق الفلاسفة والمتكلمين في الماضي، وضرورات العلم التجريبي، وبراهينه الرياضية في زمننا الحاضر.

 

وقد جاء الكتاب العزيز بهذا البرهان في صورة أخرى تضمنها قوله، تباركت أسماؤه، وسمى مقامه: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ، (الطور؛ 52: 35 - 36).

 

فهذه سلسلة من الأسئلة الاستنكارية: إذا لم يكن الله هو الذي خلقك، وخلق السماوات والأرض من حولك:

(1) - فهل خلقت من غير شيء، أي هل جئت من العدم المحض؟! هذا محال ممتنع!

(2) - فلعلك أنت الذي خلقت نفسك، أي كنت ضرورة موجوداً قبل أن توجد؟! وهذا أوغل في الاستحالة والبطلان!

(3) - هل خلقت أنت السماوات والأرض؟! طبعاً لا!

(4) - فهل جاء الكون من العدم المحض؟! هذا مستحيل كذلك!

(5) - ومحال أن يكون الكون خلق نفسه، تماماً بنفس الحجة التي أبطلنا بها خلقك لنفسك!

 

ونزيد ذلك بسطاً بصياغته على شكل حوار:

أنت تعلم أنك حادث وجدت بعد أن لم تكن، فإما أن تكون وجدت من العدم المحض، أو أن يكون شيئاً آخر قد أوجدك؟!

ومن المستحيل أن تكون جئت من العدم المحض، إذاً لا بد لك من مُوجد!

هذا المُوجد أما أن يكون أنت أو غيرك.

ومن المستحيل أن تكون أنت الذي أوجدت نفسك، أي كنت ضرورة موجوداً قبل أن توجد؟! هذا أوغل في البطلان!

إذاً لا بد أن يكون مُوجدك غيرك، ضرورة.

هذا الغير إما أن يكون محتاجاً إلى مُوجد، أو أن لا يكون.

لا يجوز أن يكون مثلك محتاجاً لأن ما قلناه عنك ينطبق عليه تماماً.

إذاً لا بد أن يكون المُوجد خالقاً قيوماً، أي قائما بذاته، غنياً بنفسه غير محتاج إلى مُوجد أصلاً: وهذا هو الله العزيز الحكيم!

 

وقال الإمام أبو مُحَمَّد علي بن حزم من زاوية أخرى طريفة: [إن العالم بكل ما فيه ذو زمان لم ينفك عنه قط، ولا يتوهم ولا يمكن أن يخلو العالم عن زمان. ومعنى الزمان هو مدة بقاء الجسم متحركا أو ساكنا، ومدة وجود العرض في الجسم، وإذا الزمان مدة كما ذكرنا فهو عدد معدود ويزيد بمروره ودوامه، والزيادة لا تكون البتة إلا في ذي مبدأ ونهاية من أوله إلى ما زاد فيه. والعدد أيضا ذو مبدأ ولا بد، والزمان مركب بلا شك من أجزائه، وكل جزء من أجزاء الزمان فهو بيقين ذو نهاية من أوله ومنتهاه. والكل ليس هو شيئا غير أجزائه، وأجزاؤه كلها ذات مبدأ، فهو كله ذو مبدأ ضرورة. فلما كان الزمان لا بد له من مبدأ ضرورة، وكان العالم كله لا ينفك عن زمان، والزمان ذو مبدأ، فما لم يتقدم ذا المبدأ فهو ذو مبدأ ولا بد. فالعالم كله جوهره وعرضه ذو مبدأ، وإذ هو ذو مبدأ فهو محدث، والمحدث يقتضي محدثا ضرورة، إذ لا يتوهم أصلا ولا يمكن محدث إلا وله محدث. فالعالم كله مخلوق وله خالق لم يزل. وهو ملك كل ما خلق، فهو إله كل ما خلق ومخترعه لا إله إلا هو]، انتهى نص كلام أبي مُحَمَّد، وفيه اختصار، فإن عسر عليك فخذ ورقة وقلماً، وأعد كتابته مفصلاً مطولاً، مع ضرب الأمثال العملية، حتى تستوعبه، مع ملاحظة أن المحدث هو بالضرورة «ممكن الوجود»، ومحال أن يكون «واجب الوجود» وإلا لما كان لوجوده بداية، ومن المحال أن يكون مستحيلاً، لأنه موجود في الواقع خارج الذهن فعلياً الآن.

 

على أن العلوم الرياضية والفيزيائية قد بلغت الآن شأواً بعيداً، وأصبحت لدينا نظريات تفصيلية عن البنية الأساسية للكون: حقوله (Fields)، وجسيماته (Particles)، وقواه الأساسية (Forces). كما أن لدينا وصفاً جيداً لتطور الكون من لحظاته الأولى: لحظة الانفجار العظيم. كل ذلك صمد للنقد، ومحاولة الإبطال والتزييف، صموداً جيداً، وتطابق مع التجربة المحكومة، والرصد المتقن، والحساب الرياضي، بل وكذلك التطبيق الهندسي الذي نستمتع به يومياً، إلى أبعد الحدود.

 

نعم، نحن لا ننكر أن هذه النظريات ما زالت تخضع لمزيد من التنقيح والتطوير إلا أنها، جميعها وكذلك كل تنقيحاتها وتعميماتها وتطويراتها وصورها المستقبلية المتخيلة، عجزت عن حل مشكلة الشروط الابتدائية، ومن المحال أن تحلها لأنها، بالضرورة، في صورة معادلات تفاضلية جزئية، لا يمكن حلها إلا بوضع شروط ابتدائية، أو شروط حدية.

 

وذلك لأن المعادلات الرياضية التي تصف بنية الكون، وعلاقة مركباته بعضها ببعض، ليست ضرورية أو مكتفية بذاتها لإيجاد حلولها، بل تحتاج إلى تحديد شروط ابتدائية أو حدية، وقيم أولية لبعض النسب والمتغيرات الحرة. وهذه النسب والقيم والشروط «حرة» بحق، أي أنها مستقلة عن القوانين، والمعادلات الواصفة للكون وأجزائه، مغايرة لها في الماهية؛ فلا القوانين والمعادلات تحدد تلك القيم، ولا القيم تحدد أو تفرض قوانين ومعادلات بعينها، فهما شيئان متغايران، ومفهومان مستقلان تمام الاستقلال.

 

هذه الشروط والنسب والقيم الابتدائية لا بد أن تكون محددة معينة عند لحظة البدء نفسها، ثم يتطور الكون بعد ذلك بموجب قوانينه على النحو الذي حددته تلك الشروط الابتدائية. كما أن الرصد التجريبي، والدرس الفيزيائي، والحساب والتحليل الرياضي، قد أثبتت أن حال الكون الآن يتعلق بـ«حسن» اختيار تلك الشروط والقيم الابتدائية، وأن تغييراً طفيفاً في بعضها، ولو بجزء من مائة مليون، مليون، مليون، كاف لإنتاج كون ميت مقفر، لا حياة فيه مطلقاً.

 

ولما كانت القوانين والمعادلات لا تحدد تلك الشروط والقيم والنسب الابتدائية، بل هي مستقلة عنها تمام الاستقلال، كما أسلفنا، ولما كانت تلك الشروط الابتدائية «ضرورية التحقق عند لحظة الابتداء»، أي لا بد أن تكون معينة محددة موجودة، لحظة «الصفر» بعينها، وليست هي من جنس تلك القيم والمعطيات والمتغيرات الأخرى التي تنشأ بعد لحظة «الصفر»، ثم تتطور وتتغير أثناء مسيرة الكون وتطوره: فكيف إذاً نفسر أننا موجودون الآن هنا ندرس ونتأمل؟! ومن الذي حدد القيم الابتدائية هكذا بحيث ينتهي الحال إلى ما هو عليه الآن: أرض تزخر بالأحياء، وإنسان منتصب القامة، مرفوع الرأس إلى السماء، يفكر ويتكلم ويتفلسف ويسعى إلى غزو الفضاء؟!

 

سيقول الملحدون: هكذا بفعل الصدفة، من دون فعل فاعل، أو ترجيح مرجح. فنقول: هذا كلام فارغ، وهراء محض، فلفظة الصدفة مجرد وصف لحال، وليست تفسيراً أو برهاناً على شيء، وهي تعني:

(1)- إما من غير فاعل أو مرجح أو علة أصلاً، وهذه سفسطة وبهلوانيات لفظية، فبدلا من القول الصريح: (بدون فاعل أو مرجح)، أي: (بفعل لا شيء)، أو بلفظ آخر: بفعل (العدم المحض)؛ قالوا تدليساً: (بفعل الصدفة): وهذا ليس تفسيراً، وإنما هو هروب من التفسير، وهو هدم لمبدأ العلة الكافية، الذي قام عليه بنيان العقل، وبنيت عليه جميع العلوم والمعارف. فإن كنتم رضيتم لأنفسكم بهدم العقل، أي بالجنون، فهنيئاً لكم، أما نحن فمستمسكون بالعقل، الذي هو من أكبر نعم الله علينا، لا نرضى به بديلاً؛

 (2)- أو: أن هناك أفراد كثيرون من نفس النوع أو الجنس تشترك في الكثير من الصفات، وتخضع في الجملة لنفس القوانين، ولكن لكل فرد منها ظروفه التي تتفاوت في مدى معين، ويمكن جمعها ذهنيا في مجموعة أو زمرة متميزة (Set)، لها خواص معينة، وهذا المجموعات أو الزمرة المتميزة هي التي يدرسها علم الإحصاء الرياضي، وكذلك نظرية الاحتمالات، ويسميها حينئذ (حقل احتمالات أو فضاء احتمالات)، (Probability Space or Probability Field)، ويخضعها لدراسة علمية رياضية محترمة صارمة. فإذا التقطنا أحد هذه الأفراد فلا غرابة أن تكون القيمة محل الدرس بذلك القدر الذي وجدناه، بنسب معينة أو احتمال معين، وفق أصول رياضية منضبطة، وليس بالفوضى والمزاج والمزاعم المجردة. وهذا لا ينطبق على هذا الكون فما ثمة إلا هذا الكون الواحد فقط، هذا الذي نرصده.

 

ولم يخْف علينا أن بعضكم، معشر الملحدين، يزعم أن هناك عدد غير متناه من الأكوان، (The multiple universe theory of Alan Guth)، طبعاً نحن لا نراها ولا نحسها، يتحقق في كل واحد منها بعض تلك القيم الابتدائية بمحض الصدفة. فنقول: نعم، وفي أحدها كوكب فيه قرود تكتب الشعر على آلة كاتبة انبثقت من الصخر مباشرة، وفي كون آخر قرآن، كقرآننا هنا، محفور في الصخر بفعل الرياح وعوامل التعرية هناك؟! أما نحن فلا نتعاطى المخدرات والعقاقير المهلوسة، فتناولوها أنتم وزودونا بمزيد من الخيالات الشاطحة، والكوابيس المزعجة.

 

وهذا - على كونه هلوسة وتخريفاً محضاً - لا يحل الإشكالية:

(أ)- لأن القيم الابتدائية لكوننا هذا ما هي إلا نقطة واحدة محددة بالضبط في فضاء احتمالات لا نهائي النقاط، بحيث لا يقبل عدد نقاطه الترقيم (uncountable infinity)، وتحقق نقطة واحدة محددة بالضبط احتماله يساوي صفراً، أي أنه مستحيل، إلا إذا افترضنا دالة توزيع غاية في الشذوذ والخصوصية: فأبرزوا دالة التوزيع هذه لنا، وبينوا لنا بالبرهان الحسي العلمي الضروري، أو الحساب الرياضي اليقيني أنها ضرورية بذاتها، مكتفية بذاتها، ليس فيها أي شيء من الإمكان: فهي لا تحتاج إلى تحديد شروط ابتدائية أو حدية، وقيم أولية لبعض النسب والمتغيرات الحرة... وإلا لتسلسل الأمر إلى لا حد ولا غاية ولا نهاية؛

(ب)- ولأن نظرية الاحتمالات والإحصاء الرياضي إنما هي نظرية وصفية ودراسة لخواص (حقل احتمالات أو فضاء احتمالات)، (Probability Space or Probability Field)، معيَّن، يفترض أنه أمامنا موجود مُعْطَى، وليست هي نظرية تفسيرية لنشأة (حقل احتمالات أو فضاء احتمالات) محل الدرس من أين أتى، وكيف تكون؛ أو للبرهنة على أنه (واجب الوجود)، مكتف بذاته، لا يحتاج لتفسير من خارجها؛

(ج)- ولأن فرضية عدد لا متناهي من الأكوان، عددها فوق الترقيم (uncountable infinity)، كل واحد منها ممكن الوجود، وليس واجب الوجود، لا تحل إشكالية استحالة أن مجموعها ليس واجب وجود، وإنما هو ممكن ولا بد: وذلك لأن الممكنات مهما تفاعلت وتركبت لا تصبح ضرورية واجبة أصلاً، بل إن الممكن المركب أضعف وأحرى أن لا يكون واجب وجود لاحتياجه إلى التركيب بالإضافة إلى إمكان ومحدودية وضعف كل مركبة على حدة، مثال ذلك في الحسيِّات: قطعة الصلب المسبوكة، المصبوبة من قالب واحد، أمتن وأقوي من مثيلتها التي صنعت من قطعتين تم تركيبهما باللحام، أو ربطهما بالبراغي؛ وإن كانت الممكنات محل البحث مستقلة عن بعضها البعض تمام الاستقلال، ولا يتفاعل بعضها مع بعض، ولا يؤثر بعضها على البعض مطلقاً، فكثرتها أو قلتها، وجمعها ذهنيا في مجموعة، أو عدم جمعها، لا يؤثر بضرورة العقل على حقيقة الإمكان؛

 

وهناك في داخل هذا الكون الذي نعيش فيه عجائب وغرائب أخرى تجعل فرضيات الملحدين أوغل في الجنون أو الهلوسة أو «السكر»، وما ثمة تفسير محترم معتبر، شامل لكل الظواهر، متسق خال من التناقض، إلا أن لهذا الكون خالقاً، فاعلاً بالمشيئة والاختيار الحر، حدد الشروط الابتدائية، وأخرجه من ثم إلى الوجود، قال: كن، فكان!

 

وهذا الخالق، الذي خلق هذا الكون الذي نحن فيه الآن، فاعل مختار، أي فاعل بالمشيئة والإرادة الحرة الطليقة، المتعالية على كل قيد أو شرط؛ وهذا يقتضي ضرورة، كما أسلفنا، أنه يدرك نفسه، ويعلم بها، ويعلم كافة الضرورات والكليات العقلية والمنطقية والرياضية، ويعلم حقائق كل الممكنات، ويحيط بها علماً، ويختار منها ما يشاء من العوالم والكائنات الممكنة، ويعلم علماً قطعياً يقينياً شاملاً محيطاً أن هذه الشروط الابتدائية المعينة تنتج ذلك الكون المعيّن، ثم يخرجه من العدم بالكيفية والشروط الابتدائية التي يختار، فهو: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾.

 

فصل: واجب الوجود لا يمكن إلا أن يكون واحداً

واجب الوجود لا يمكن إلا أن يكون واحداً، لأنه لو كان هناك ثمة اثنان «واجبان الوجود» لزم أن يتميز أحدهما عن الآخر ولو في صفة واحدة أو اعتبار واحد على أقل تقدير وإلا كانا متطابقين لا تمايز بينهما مطلقاً، ولا يمكن الإشارة إلى أحدهما دون الإشارة إلى الآخر، ولا التعبير عن أحدهما دون التعبير عن الآخر، ولا الكلام عن أحدهما، دون الكلام عن الآخر، أي لكانا شيئاً واحداً، وهذا مناقض لمفهوم الإثنينية أصلاً، فيكون المشار إليه واحداً هو اثنين، في نفس الوقت، ومن نفس الجهة، ومن نفس الاعتبار، ويكون المشار اليهما اثنان هما واحد، في نفس الوقت، ومن نفس الجهة، ومن نفس الاعتبار، وهذا تناقض، وخُلْف مستحيل.

 

فإذاً لا بد من اختلافهما في صفة أو اعتبار واحد على الأقل. وهذه الصفة أو الاعتبار لا تخلو أن تكون ضرورية لمن قامت به منهما، بموجب «وجوب الوجود»، وهي من ضرورات وجوده، لا يعقل أن يكون واجباً إلا بها، بتلك الكيفية وعلى ذلك النحو، فيكون الآخر الذي يفتقد هذه الصفة ليس واجباً لأنه فقد إحدى ضروريات الوجود، التي يقتضيها كونه «واجب الوجود»، فعاد ممكناً، وليس هو بواجب، فتحصل لنا «واجب وجود» واحد فقط لا اثنان، وهو المطلوب إثباته.

 

أو تكون تلك الصفة ليست ضرورية لوجوده، لا يحتاج إليها لتحقيق كونه واجب الوجود، فتكون بالضرورة غيره، لأن وجوده واجب، هكذا محضاً، لا تشوبه شائبة إمكان، ولا بأي اعتبار من الاعتبارات، لأن هذا هو معنى «وجوب الوجود»، هذه ضرورة عقلية مفاهيمية مطلقة. ولكن هذا مستحيل لأن «واجب الوجود» لا يحتاج إلى غيره مطلقاً، وإلا جعلناه واجباً ممكناً في آن واحد، وهذا تناقض مستحيل، بل هو شر من ذلك لأننا جعلنا الواجب محتاجاً للمكن، وهذا هو هدم كل عقل، بل هو انتكاس العقل، وانعكاس المفاهيم، ومسخ كل فطرة، وكل ذوق، وهو الجنون المحض، والهوس الخالص.

 

فتحصل ضرورة أن مفهوم «وجوب الوجود» لا يمكن أن ينطبق إلا على كائن واحد، لا غير، على أقصى تقدير، ولا يجوز أن ينطبق على اثنين فصاعداً. وقد برهنا من قبل أنه لا بد من وجود «واجب وجود» واحد على الأقل، وإلا استحال أن يكون هناك كون أو موجودات البتة، بما فيها كاتب هذه السطور وقارئها، خلافاً لضرورة الحس والعقل والوجدان والإدراك المباشر.

 

إذاً هناك «واجب وجود» واحد فقط لا غير، لا أكثر، ولا أقل، من غير زيادة ولا نقصان، ويستحيل خلاف ذلك؛ هذه هي (الواحدية) المطلقة لواجب الوجود، و(الواحد) هو ضرورة: الله، لا إله إلا هو العزيز الحكيم.

 

هذه (الواحدية) أو (الفردانية) الذاتية لواجب الوجود، (واحدية) أو (فردانية) مطلقة بمعنى أنه ليس فرداً من نوع تتعدد أفراده (ومن باب أولى ليس هو من أفراد نوع ينتمي لجنس تتعدد أنواعه). وليس هو (واحد)، (فرد) بالذات فقط، بل متفرد بصفاته ليس في الوجود من يماثله أو يكافئه في أي واحدة منها، ولو حتى في جانب واحد، أو اعتبار واحد، بأي نوع من (المماثلة) أو (المكافئة) مطلقاً. هذه هي (الواحدية) المطلقة لواجب الوجود، وهي بعض ما شمله التنزيل المعجز: ﴿قُلْ: هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ، (الإخلاص؛ 112 : 1-4).

 

فصل: واجب الوجود لا يمكن إلا أن يكون بسيطاً، غير مركب

وواجب الوجود لا يمكن إلا أن يكون بسيطاً، غير مركب من أجزاء أو أعضاء أو ذوات مستقلة قابلة للانفصال أصلاً، وهذا ما يعبر عنه المتكلمون والفلاسفة بقولهم: (واجب الوجود واحد في ذاته)؛ مثال ذلك من المعقولات، ولله المثل الأعلى: النقطة الهندسية الرياضية المثالية: بسيطة، لا يتخيل أو يتصور أو يتعقل أن تقبل التجزئة أو الانقسام؛

 

برهان قولنا: (واجب الوجود واحد في ذاته): أننا لو فرضنا، جدلاً، أن (واجب الوجود) يقبل التبعيض، أي أنه مركب من ذاتين، أي: من جزئين، كل واحد منهما يمكن أن يكون، ولو من حيث المبدأ، ذاتاً مستقلة، فلا مناص من أحد الأقسام الثلاثة التالية:

الأول: أن الذاتين واجبتين كل على حدة، وهذا محال:

(1)- لاستحالة وجود أكثر من واجب وجود واحد، كما أسلفنا قريباً؛

(2)- وحتى لو قدرنا هذا المحال الممتنع لما كان للتركيب معنى أصلاً لأن كل واحد منهما واجب بذاته، مستغن عن غيره، لا حاجة لذاته مطلقاً إلى أي إضافة أو تكميل من خارجها أو من غيرها؛

الثاني: أن يكون أحدهما، ولنسمه (الأول)، واجباً، والآخر ممكناً، فهذا محال أيضاً لأنه ليس للتركيب معنى أصلاً لأن (الأول) واجب بذاته، مستغن عن غيره، فلا يحتاج إلى غيره مطلقاً، ومن باب أولى لا حاجة لذاته مطلقاً إلى أي إضافة أو تكميل من خارجها أو من غيرها، بل هذا أوغل في الاستحالة من القسم السابق لأن التركيب يقتضي احتياج الواجب للمكن، وهذا أقبح في ميزان العقل من احتياج الواجب إلى الواجب: وهذا هو هدم كل عقل، بل هو غاية انتكاس العقل، وانعكاس المفاهيم، ومسخ كل فطرة وذوق، وهو الجنون المحض، والهوس الخالص؛

الثالث: أن الذاتين ممكنتين كل على حدة: وهذا محال كما أسلفنا قريباً لأن الممكنات مهما تركبت لا تصبح ضرورية واجبة أصلاً، بل إن الممكن المركب أضعف وأحرى أن لا يكون واجب وجود لاحتياجه إلى التركيب بالإضافة إلى إمكان وضعف كل مركبة على حدة، وإن شئت فقل: إن المركب محتاج إلى اجزائه وإلى فاعل يركبها ويؤلف بينها، والمحتاج لا يكون واجب الوجود؛ مثال ذلك في الحسيِّات: قطعة الصلب المسبوكة، المصبوبة من قالب واحد، أمتن وأقوي من مثيلتها التي صنعت من قطعتين تم تركيبهما باللحام، أو ربطهما بالبراغي؛

 

وهذا البرهان ينطبق أيضاً على التركيب العقلي، تماماً كما انطبق على التركيب الحقيقي، فلا يجوز أن يكون واجب الوجود مركبا من (وجود) و(ماهية)، فهو وجود محض، لا ماهية له: فإن سألت (ما هو؟!)، كان الجواب: هو، هو الكائن واجب الوجود الواحد الأحد؛ ولا يمكن أن يكون الجواب: هو من نوع كذا، أم صنف كيت، أو جنس كذا!

 

أما التركيب من ذات وصفة، إن صح تسميته تركيباً، فليس ممنوعاً بهذا البرهان لأن الصفة يستحيل إلا أن تكون قائمة بالموصوف، فليست هي (ذات) أصلاً، وإلا لما كانت (صفة) أصلاً، فليس ثمة انفكاك يتعقل، وما ثمة قابلية انفكاك أصلاً، ومن المحال الممتنع أن يكون هناك انفكاك أصلاً بالضرورة المفاهيمية المطلقة التي يقتضيها معنى لفظة: (صفة).

 

هذه هي (الأحدية) المطلقة لواجب الوجود، و(الأحد) هو ضرورة: الله، لا إله إلا هو العزيز الحكيم. وهذا بعض ما شمله التنزيل المعجز: ﴿قُلْ: هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾، (الإخلاص؛ 112 : 1-4).

 

و(الصَّمَد)، ومثله في اللغة: (الصَّمَت)، هو المُصْمَت، الذي لا جوف له؛ هذا مفهوم أو معنى مأخوذ منتزع من الحسيات. وفي ما سواها: هو ما ليس فيه خلاء أو نقص أو عدم: أي ما ليس فيه نقص من مادته أو جوهره أو عنصره أو صفته؛ وبضرورة الحس والعقل نعلم أن قضيب الفولاذ المصمت أمتن وأقوى وأعصى على الكسر من أنبوب الفولاذ (والأنبوب قضيب أجوف) الذي يماثله مادة وطولاً وقُطْراً، وكل ما قل التجويف، زادت القوة والمتانة؛ وحتى أقل الأعراب ثقافة، وأبسطهم تفكيراً، يدرك: أن العصا المصمتة أمتن من البوصة أو الخيزرانة الجوفاء.

 

فواجب الوجود إذاً صمد مطلق، وجود واجب كامل خالص محض، ليس فيه شيء من التجويف أو الفراغ أو العدم أو الخلل أو النقص، قوي متين ليس لقوته ومتانته نهاية أو حد: فالله، لا إله إلا هو، هو الصمد، وهو القوي المتين.

 

فصل: طرائق بعض الأئمة في إثبات أن (واجب الوجود لا يمكن إلا أن يكون واحداً بسيطاً، غير مركب)

* قال الإمام العبقري الحجة الكبير أبو مُحَمَّد علي بن حزم، رضي الله عنه، من زاوية أخرى، بعضها يشبه ما قلنا آنفاً، وإن كانت مجملة، وبعضها مختلف: [هو الله لا إله إلا هو، وأنه تعالى واحد لم يزل ولا يزال، برهان ذلك أنه لما صحّ ضرورة أن العالم كله مخلوق وأن له خالقا، وجب أن لو كان الخالق أكثر من واحد أن يكون قد حصرهما العدد، وكل معدود فذو نهاية كما ذكرنا وكل ذي نهاية فمحدث. وأيضا فكل اثنين فهما غيران، وكل غيرين ففيهما أو في أحدهما معنى ما صار به غير الآخر، فعلى هذا كان يكون أحدهما ولا بد مركبا من ذاته ومما غاير به الآخر. وإذا كان مركبا فهو مخلوق مدبر، فبطل كل ذلك وعاد الأمر إلى وجوب أنه واحد ولا بد، وأنه بخلاف خلقه من جميع الوجوه، والخلق كثير محدث. فصح أنه تعالى بخلاف ذلك، وأنه واحد لم يزل، إذ لو لم يكن كذلك لكان من جملة العالم، تعالى الله عن ذلك. قال تعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌانتهى كلام الإمام الكبير أبي مُحَمَّد علي بن حزم.

* وقال الإمام الحجة الكبير الفخر الرازي في تفسيره [مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (20/219)]: [(سورة النحل (20): الآيات 51 الى 55): ﴿وَقالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51) وَلَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (52) وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ (53) ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (55)﴾. اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى أَنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ عَالَمِ الْأَرْوَاحِ أَوْ مِنْ عَالَمِ الْأَجْسَامِ، فَهُوَ مُنْقَادٌ خَاضِعٌ لِجَلَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَكِبْرِيَائِهِ، أَتْبَعَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِالنَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ وَبِالْأَمْرِ بِأَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ فَهُوَ مُلْكُهُ وَمِلْكُهُ وَأَنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ الْكُلِّ فَقَالَ: لَا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَفِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ الْإِلَهَيْنِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَا اثْنَيْنِ، فَمَا الْفَائِدَةُ فِي قَوْلِهِ: إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ.

وَجَوَابُهُ مِنْ وُجُوهٍ:

أَحَدُهَا: قَالَ صَاحِبُ «النَّظْمِ»: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَالتَّقْدِيرُ: لَا تَتَّخِذُوا اثْنَيْنِ إِلَهَيْنِ.

وَثَانِيهَا: وَهُوَ الْأَقْرَبُ عِنْدِي: أَنَّ الشَّيْءَ إِذَا كَانَ مُسْتَنْكَرًا مُسْتَقْبَحًا، فَمَنْ أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ فِي التَّنْفِيرِ عَنْهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِعِبَارَاتٍ كَثِيرَةٍ لِيَصِيرَ تَوَالِي تِلْكَ الْعِبَارَاتِ سَبَبًا لِوُقُوفِ الْعَقْلِ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْقُبْحِ. إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَالْقَوْلُ بِوُجُودِ الْإِلَهَيْنِ قَوْلٌ مُسْتَقْبَحٌ فِي الْعُقُولِ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى فَإِنَّ أَحَدًا مِنَ الْعُقَلَاءِ لَمْ يَقُلْ بِوُجُودِ إِلَهَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْوُجُوبِ وَالْقِدَمِ وَصِفَاتِ الْكَمَالِ، فَقَوْلُهُ: لَا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ الْمَقْصُودُ مِنْ تَكْرِيرِهِ تَأْكِيدُ التَّنْفِيرِ عَنْهُ وَتَكْمِيلُ وُقُوفِ الْعَقْلِ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ الْقُبْحِ.

وَثَالِثُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ: إِلهَيْنِ لَفْظٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى أَمْرَيْنِ: ثُبُوتِ الْإِلَهِ وَثُبُوتِ التَّعَدُّدِ، فَإِذَا قِيلَ: لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ لَمْ يُعْرَفْ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ أَنَّ النَّهْيَ وَقَعَ عَنْ إِثْبَاتِ الْإِلَهِ أَوْ عَنْ إِثْبَاتِ التَّعَدُّدِ أَوْ عَنْ مَجْمُوعِهِمَا. فَلَمَّا قَالَ: لَا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ ثَبَتَ أَنَّ قَوْلَهُ: لَا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ نَهْيٌ عَنْ إِثْبَاتِ التَّعَدُّدِ فَقَطْ.

وَرَابِعُهَا: أَنَّ الِإثْنَيْنِيَّةَ مُنَافِيَةٌ لِلْإِلَهِيَّةِ، وَتَقْرِيرُهُ مِنْ وُجُوهٍ:

الْأَوَّلُ: أَنَّا لَوْ فَرَضْنَا مَوْجُودَيْنِ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاجِبًا لِذَاتِهِ لَكَانَا مُشْتَرِكَيْنِ فِي الْوُجُوبِ الذَّاتِيِّ وَمُتَبَايِنَيْنِ بِالتَّعَيُّنِ، وَمَا بِهِ الْمُشَارَكَةُ غَيْرُ مَا بِهِ الْمُبَايَنَةُ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُرَكَّبٌ مِنْ جُزْأَيْنِ، وَكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهُوَ مُمْكِنٌ، فَثَبَتَ أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ وَاجِبَ الْوُجُودِ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ يَنْفِي القول بكونهما واجبي الوجود.

الثاني: أَنَّا لَوْ فَرَضْنَا إِلَهَيْنِ وَحَاوَلَ أَحَدُهُمَا تَحْرِيكَ جِسْمٍ وَالْآخَرُ تَسْكِينَهُ امْتَنَعَ كَوْنُ أَحَدِهِمَا أَوْلَى بِالْفِعْلِ مِنَ الثَّانِي، لِأَنَّ الْحَرَكَةَ الْوَاحِدَةَ وَالسُّكُونَ الْوَاحِدَ لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ أَصْلًا وَلَا التَّفَاوُتَ أَصْلًا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أَنْ تَكُونَ الْقُدْرَةُ عَلَى أَحَدِهِمَا أَكْمَلَ مِنَ الْقُدْرَةِ عَلَى الثَّانِي، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا امْتَنَعَ كَوْنُ إِحْدَى الْقُدْرَتَيْنِ أَوْلَى بِالتَّأْثِيرِ مِنَ الثَّانِيَةِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِمَّا أَنْ يَحْصُلَ مُرَادُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَهُوَ مُحَالٌ، أَوْ لَا يَحْصُلَ مُرَادُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَهُوَ مُحَالٌ أَوْ لَا يَحْصُلَ مُرَادُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَتَّةَ. فَحِينَئِذٍ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَاجِزًا وَالْعَاجِزُ لَا يَكُونُ إِلَهًا. فَثَبَتَ أَنَّ كَوْنَهُمَا اثْنَيْنِ يَنْفِي كَوْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَهًا.

الثَّالِثُ: أَنَّا لَوْ فَرَضْنَا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ لَكَانَ إِمَّا أَنْ يَقْدِرَ أَحَدُهُمَا عَلَى أَنْ يَسْتُرَ مُلْكَهُ عَنِ الْآخَرِ أَوْ لَا يَقْدِرَ، فَإِنْ قَدَرَ ذَاكَ إِلَهٌ وَالْآخَرُ ضَعِيفٌ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَهُوَ ضَعِيفٌ،

وَالرَّابِعُ: وَهُوَ أَنَّ أَحَدَهُمَا إِمَّا أَنْ يَقْوَى عَلَى مُخَالَفَةِ الْآخَرِ، أَوْ لَا يَقْوَى عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَقْوَ عَلَيْهِ فَهُوَ ضَعِيفٌ، وَإِنْ قَوِيَ عَلَيْهِ فَذَاكَ الْآخَرُ إِنْ لَمْ يَقْوَ عَلَى الدَّفْعِ فَهُوَ ضَعِيفٌ، وَإِنْ قَوِيَ عَلَيْهِ فَالْأَوَّلُ الْمَغْلُوبُ ضَعِيفٌ.

فَثَبَتَ أَنِ الِإثْنَيْنِيَّةَ وَالْإِلَهِيَّةَ مُتَضَادَّتَانِ.

فَقَوْلُهُ: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ الْمَقْصُودُ مِنْهُ التَّنْبِيهُ عَلَى حُصُولِ الْمُنَافَاةِ وَالْمُضَادَّةِ بَيْنَ الْإِلَهِيَّةِ وَبَيْنَ الِإثْنَيْنِيَّةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ هَذَا الْكَلَامَ قَالَ: إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ لَمَّا دَلَّتِ الدَّلَائِلُ السَّابِقَةُ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْعَالَمِ مِنَ الْإِلَهِ، وَثَبَتَ أَنَّ الْقَوْلَ بِوُجُودِ الْإِلَهَيْنِ مُحَالٌ، ثَبَتَ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الْحَقُّ الصَّمَدُ]، انتهى كلام الإمام الكبير فخر الدين الرازي.

 

فأنت ترى أن الإمام الرازي ذكر ببعض الاختصار ما أسلفناه أعلاه من البرهنة القاطعة على الوحدانية ببرهان (استحالة الإثنينية والتركيب على واجب الوجود)، وهو كاف شاف، لا يستند إلى أي مقدمات إلا إلى مفهوم وجوب الوجود فقط؛ وزاد على ذلك بأن ذكر، ببعض البسط، بعض الجوانب الرئيسة لبرهان آخر على الوحدانية يسمَّى: (برهان التمانع)، وهو الذي يذكر عادة عند تفسير قوله، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ، وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ: سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، (المؤمنون؛ 23: 91)، وسنعود إلى بسطه واستكماله في أحد الفصول التالية، لبس فقط في البرهنة على الوحدانية، بل لأهميته القصوى في تعريف لفظة (إله).

 

فصل: الله، جل جلاله: ﴿لم يلد ولم يولد﴾

أقمنا من قبل البرهان القاطع على أن مفهوم «وجوب الوجود» لا يمكن أن ينطبق إلا على كائن واحد، فقط لا غير، ولا يجوز أن ينطبق على اثنين فصاعداً. وهذا «الكائن» له أسماء وصفات ونعوت تعبّر عن معاني ومفاهيم تتعلق به، أي بذاته، وهي قائمة بهذه الذات، مرتبطة بها ارتباطاً حتمياً، ويستحيل أن تنفكّ عنها، لأن ذلك لو جاز لعاد «ممكناً» ولو في اعتبار واحد، أو موضوع واحد، أو صفة واحدة، أو نعت واحد، وهذا مناقض لمفهوم «واجب الوجود» الذي يقتضي أنه واجب، ضروري في ذاته وصفاته وارتباطاتهما من كل وجه، وفي كل اعتبار، أزلاً وأبداً، بغض الزمن عن الزمان والمكان، أو في جميع الأزمنة، إن جاز، أصلاً، التعبير عنه بمفاهيم الزمان.

 

وهذا «الكائن» يستحيل أيضاً أن يكون مركّبا من أبعاض، أي من جزئين فصاعداً، يقبلان الانفصال بحيث يمكن أن يكون كل جزء ذاتاً مستقلة قائمة بنفسها، كما هو حال الجوارح عند الانسان، إذ يجوز أن تقطع يده وتدفن، ويبقى هو بعدها حياً لمدة طويلة، ولو على قصور ونقص. هذا ظاهر الاستحالة في حق «واجب الوجود» كما أقمنا عليه البرهان القاطع آنفاً في الفصل المعنون: (واجب الوجود لا يمكن إلا أن يكون بسيطاً، غير مركب).

ولعلنا نسترجع ذلك، ونزيده شرحاً ووضوحاً لأهميته القصوى فنقول: إن وجود جزء من (واجب الوجود) يقبل الانفصال يعني أن فيه شيء من معاني الإمكان؛ فيمكن أن يوجد بذلك الجزء، ويجوز أن يبقى بعد انفصاله، وهذا يعني أحد أمرين:

الأول: أن ذلك الجزء ليس ضرورياً لوجوده، وأن ذاته تقبل الزيادة والنقصان، وجاز أن يقتطع بعضه، أو أن يقتطع نصفه، أو أن يزول كله، وهذا مناقض لمعنى «وجوب الوجود»، أي أنه «واجب» و«ممكن» في نفس الوقت، في آن واحد، من نفس الجهة والاعتبار، وهذا من ثم مستحيل.

الثاني: أنه كامل، قائم بذاته، غني بذاته غنىً مطلقاً من دون ذلك الجزء، فيكون ذلك الجزء ليس منه أي ليس بعضاً، وهو بعضُ في نفس الوقت، ومن نفس الاعتبار، وهذا كذلك جمع بين النقيضين، وهو كذلك محال.

 

ولا يقال: لعله مركب من ذاتين مستقلتين، كل منهما كانت بمفردها ذات كاملة «واجبة الوجود»، ثم قررت الاندماج واختارته، وهذا محال أيضاً من عدة وجوه:

أولها: لأننا أثبتنا أن «وجوب الوجود» لا ينطبق إلا على ذات واحدة فقط، لا على اثنين فصاعداً، فما ثمة ذاتان واجبتان في الوجود أصلاً، فمن أين أتت الذات الواجبة الثانية التي تركبت مع الأولى؟!

وثانيها: أنه مع تقدير ذلك المحال، والتسليم جدلاً بتعدد الكائنات «الواجبة» لا يبقى للتركيب معنى لأن كل واحد منها قد بلغ غاية النهاية من الكمال المطلق، فلن يزيده التركيب كمالاً، فلا معنى له إذاً على الإطلاق، بل إن التركيب يلزم كل واحد منهما بأخذ الآخر في الاعتبار، أي مراعاة «خاطره»، والقيام بحق «الألفة والصحبة»، ولو في معنى واحد، أو فعل واحد، وهذا «تحديد»، و«تقييد»، وهو من ثم نقص، وليس كمالاً، فيعود كل واحد منهما ناقصاً؛ فيالها من صفقة «خاسرة»، مع كونها أوغل في الاستحالة، لأنها بنيت على مقدمات مستحيلة!

 

وأوغل في الاستحالة أن يكون مركباً من ذات واجبة وأخرى أو أخريات ممكنة، لأن الواجب لا يحتاج الممكن، وهو قائم بذاته، مكتمل بذاته، فليس ثمة تركيب أصلاً، وهذا يناقض مفهوم كونه مركباً، الذي افترضناه في البداية جدلاً.

 

فواجب الوجود إذاً ضرورة «أحد صمد»، بكل معاني الأحدية والصمدية، أي أنه ذات واحدة «بسيطة» غير مركبة، لا تقبل التبعيض ولا التجزئة بأي معنىً من المعاني مطلقاً، أزلاً وأبداً. فهو لم يتركب أصلاً من عدة ذوات «واجبة» موجودة من قبل، ولا يتفكك أو يتجزأ أو يتبعّض إلى ذوات متعددة منفصلة، يقوم كل منها مستقلاً بنفسه، أيا كان نوع هذه الذوات الناشئة من التفكك: واجبة أم ممكنة. هذا كله محال، ولا يجوز على «واجب الوجود» الأزلي الأبدي مطلقاً.

 

كما يظهر من ذلك استحالة أن يكون «واجب الوجود» والداً، لأن القول بأن أحد الكائنات، ولنسمه «ب» مولود من آخر «أ» يقتضي أن يكون جزءٌ من «أ» قد انفصل منه فتكون منه «ب» إما:

(1) ــ بـ«الانقسام» فوراً، كما هو الحال في بعض الأحياء البسيطة، التي تتكاثر بالانقسام فتنقسم الخلية الأم إلى خليتين ابنتين، وتبدأ هاتان في النمو إلى تمام حجمهما، وهكذا دواليك. أما الأم فهي على التحقيق، تزول تماماً وتنعدم. ولا داعي لإطالة القول أن ذلك على «واجب الوجود» محال، فهو لا يتبعض ولا يفنى.

 

ثم على فرض المحال فإن «المولود» الناتج كان بعد أن لم يكن، فهو مسبوق بالعدم إما بمقاييس الزمان أو في رتبة الوجود، وهذا يعني أنه ليس «واجباً»، فهو إذن ليس من جنس «والده»، بل هو من جنس «المخلوقات»، و«الحادثات» و«الممكنات». والمولود، ولا بد، من جنس والده، إلا أن يكون «ولد حرام»، عياذاً بالله، أي ليس ولداً أصلاً لمن نسب إليه، وإنما هي نسبة مكذوبة!

 

فإن وجدنا بين الكائنات من نشأ هكذا فهو في الحقيقة مخلوق «ممكن الوجود» قطعاً. ومن عبّر عنه بلفظ التبرعم، أو الولادة، أو الانبثاق، أو غيرها من الألفاظ فقد غلط غلطاً فادحاً، وأساء إساءة منكرة إلى العقل ومفاهيمه، واللغات ومصطلحاتها، وضل ضلالاً بعيداً.

 

(2) ــ بـ«التبرعم»، كما هو الحال بالنسبة لكثير من الطحالب والفطريات، بل وبعض النباتات الراقية. وذلك يتم بانفصال جزء من «الوالد«، مع بقاء الوالد على حاله أو بنقص طفيف، ونمو الجزء المنفصل إلى كائن من نوع الوالد في مدة مناسبة له. وهذا محال أيضاً، فـ«واجب الوجود» يستحيل عليه الانقسام والتجزئة، كما اسلفنا. أما «المولود» فحاله كحال المولود في القسم السابق، ما هو إلا «مخلوق» أسيء التعبير عنه إساءة بالغة.

 

(3) ــ بـ«التزاوج»، كما هو الحال بالنسبة للحيوانات وبعض النباتات الراقية. في هذه الحالة يشترك والدان في انتاج «المولود»، فينفصل من الأب «لقاح» يتحد مع «بويضة» أو «بذرة» من الأم. هذا أوغل في الاستحالة من سوابقه، فما ثمّ في الوجود إلا واجب واحد، فمن أين جاء الطرف الآخر في هذه الزيجة العجيبة؟! ولعل أحد الطرفين «ممكن» مخلوق، والآخر «واجب وجود»؟! فتحصل جميع المحالات التي أسلفنا بالنسبة لـ«واجب الوجود» منهما، وزيادة محالات تتعلق باندماج أو اتحاد «الواجب» في «الممكن»، أو حتى حلوله فيه، تحتاج إلى بعض تفصيل ونظر مستقل، لذا سنتطرق إليها قريباً، إن شاء الله.

 

(4) ــ أو بأي طريقة أخرى، حقيقية لها انموذج واقعي موجود في العالم أو مقدّرة متخيّلة في الذهن؛ وهذه، مهما كانت، لا بد من أن تتضمّن انفصال جزء من «واجب الوجود»، وإلا كان التعبير بالولادة تخليطاً وعبثاً. وكل تجزئة وتبعّض، على كل حال، محال لا يجوز على «واجب الوجود». أو تقتضي مشاركة ذات أخرى في «وجوب الوجود»، على أي نحو من الأنحاء، وهذا كما برهنا محال أيضاً، فما ثم إلا «واجب وجود» واحد فقط، لا غير، من غير زيادة ولا نقصان.

 

وما فصّلناه آنفاً بالنسبة لـ«التولّد» من الله، ينطبق حرفياً على القول بأن الكائن الفلاني «انبثق» عن الله، أو «انبثق» من الله، أو «فاض» عن الله، أو «فاض» من الله، وما شابه، لأن كل ذلك يتضمَّن، ضرورة، مفهوم خروج شيء من شيء، أو تولد شيء من شيء، كما «ينبثق» الماء من الصخر، و«يفيض» السائل من الوعاء، ونحوه، وكل ذلك محال في حق «واجب الوجود»، إلا أن يكون إساءة تعبير عن «خلق» كائن مستقل، بائن عن خالقه، وما عدا ذلك فهو باطل ومحال: فكل ذلك محال من حيث هو بغضّ النظر عن مفاهيم الزمان والمكان، فـ«التولّد» من الله محال سواء كان التولّد الآن، أو في الماضي، أو قبل جميع الأزمنة والدهور. بل إن جعل ذلك قبل الأزمنة والدهور، كما هو في «الأمانة» النيقية (Nicene creed)، التي يؤمن بها جمهور النصارى المثلّثين المبتدعين الضُلاّل، يزيد المشكلة تعقيداً، ويضيف محالات أخرى إلى ما برهنا عليه آنفاً من التناقضات والمستحيلات.

 

وربما اعترض بعض المؤمنين بـ«الأمانة» النيقية (Nicene creed) قائلين: لم تنصفونا لأن قولنا بـ(التولد)، وبـ(الفيض) فيه شيء من الكناية والمجاز، وإنما نقصد شيئاً يشبه (استنباط) قضية منطقية أو عقلية أو رياضية، تسمى حينئذ (النتيجة)، من قضية أخرى، وتسمى حينئذ (المقدمة)، كما هو في المثال المعين التالي: إذا كان لدينا مثلث قائم الزاوية في مستوى أُقليدي، فتمكن البرهنة على أن مربع الوتر يساوي مجموع مربعي الضلعين الآخرين المجاورين، وهو ما يسمَّى بنظرية فيثاغورس؛ وعليه فيجوز أن نقول: فيثاغورية المثلث (أي كون مربع أحد الأضلاع يساوي مجموع مربعي الضلعين الآخرين) انبثقت أو تولدت من قائمية المثلث، ولو بضرب من المجاز.

 

فنقول، أولاً: لسنا ننكر أن الخطباء والأدباء والشعراء لا يجدون مندوحة من استخدام شيء من أساليب البلاغة، وضروب المجاز، لإثارة خيال الإنسان، وتحريك عاطفته، وحفز إرادته؛ وهذا أمر ضروري لأن الإنسان ليس عقلاً خالصاً، وإنما هو كائن مركب معقد: فيه العقل والتفكير، وفيه العواطف والمشاعر (أي ما يسمَّى: القلب)، وهو فاعل بالإرادة والاختيار. ولكن العاطفة والإرادة خيل شُمْس جياد إذا لم تضبط بلجام (العقل) فإنها تجمح بصاحبها، ولا بد، إلى الهاوية: هاوية من السفسطة والغواية، فالضلالة والظلم: ﴿وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾، (الشعراء؛ 26 : 224-227)؛

وثانياً: إن العقل الإنساني، على محدوديته، قد وهبه الله قدرة فذة على التقدير الذهني للمستحيلات، والقدرة على التعبير عنها في اللغة بجمل وعبارات صحيحة في ميزان قواعد النحو والصرف، وربما أمكن تذوق جمالها الأدبي، وقد تبدوا كأنها جمل ومقولات يمكن الحكم عليها بالصدق أو الكذب:

(أ)- وهي إما في الحقيقة فارغة المحتوى، مثل القول: (روح الإنسان خضراء اللون)، لأن الروح ليست من الماديات التي تسري عليه مفاهيم الألوان أصلاً، والصواب في هذه الحالة أن يقال: هذا كلام فارغ: فالروح لا تسري عليها مفاهيم الألوان مطلقاً، لأنك لو قلت: روح الإنسان ليست خضراء اللون، فلربما وهم واهم أنها حمراء مثلاً؛

(ب)- أو قد تبدوا كأنها جمل ومقولات يمكن الحكم عليها بالصدق أو الكذب، وهي في الحقيقة تقدير ذهني لبعض المستحيلات؛ مثال ذلك قول القائل لحبيبته: (غلبني إليك الوله والشوق، فتدحرجت من أسفل إلى فوق)، لأن مفهوم (التدحرج) يتضمن ضرورة التحول من فوق إلى أسفل!

 

فإذا تذكرنا هذه البديهيات واستحضرناها في الذهن سنجد أن المثال المذكور، ألا وهو: [فيثاغورية المثلث انبثقت أو تولَّدت من قائمية المثلث]، مجازاً بدلاً من القول: [فيثاغورية المثلث تُسْتَنْبط من قائمية المثلث] أنموذج باطل لأسباب منها:

            (أ)- أن الولادة فعل أصيل للوالد (أباً كان أو أماً) ينتج منه الولد (ابناً كان أو بنتاً)، وبهذا الفعل أصبح الوالد والداً، ولو لم يكن الفعل فعله لما استحق أن يكون هذا هو اسمه؛ في حين أن (الاستنباط) هو فعل العقل وليس من أفعال المقدمة (وهي هنا: قائمية المثلث) أو النتيجة (وهي هنا: فيثاغورية المثلث)، بل هاتان شيئان موجودان – في مثالنا على أقل تقدير – كمفهومين عن المثلث (أو صفتين للمثلث أو اعتبارين للمثلث) مستقلين ساكنين لا فعالية لهما، ولا نشاط؛ والعقل، وهو شيء ثالث غيرهما، هو النشط الفعال: فإن كانت هناك ولادة أصلاً فالعقل أولى بأن تنسب إليه؛

            (ب)- أن (الولادة) لها اتجاه واحد، فالوالد هو الفاعل، وهو الذي يلد، والمولود هو المفعول به، وهو الذي يولد: فمن المحال الممتنع أن ينعكس اتجاهها فتكون من الابن إلى الأب؛ اما علاقة الاستنباط فتقبل الانعكاس: ففي مثالنا خاصة من الممكن جداً أن نجعل المقدمة هي (فيثاغورية المثلث)، ثم نستنبط منها النتيجة (قائمية المثلث)، ولو بشيء من العسر والصعوبة.

 

والحق أن (فيثاغورية المثلث)، و(قائمية المثلث) صفات أو اعتبارات لصنف معين من المثلثات، إما أن توجدان في آن، أو تنعدمان في آن: فلم تلد أولاهما ثانيتهما، ولا الثانية ولدت الأولى؛ والعقل النهائي النظري هو الذي يحتاج إلى ربط هذه بتلك، وتلك بهذه، في عملية (الاستنباط)؛ أما العقل الانهائي المطلق فتنكشفان له في آن، فيعلمها، ويعلم تكافؤهما، على الفور علماً يقينياً مطلقاً.

 

استطراد هام: أما صفات واجب الوجود، كالعلم والقدرة والإرادة والحياة، وهي أشياء مختلفة، فمفهوم العلم قطعاً ليس هو مفهوم القدرة، ومفهوم الإرادة، ضرورة، ليس هو مفهوم العلم، وهلمّ جراً؛ هذه الصفات ليست أبعاضاً أو أجزاءً بالمعنى المبيّن أعلاه، فهي ليست ذوات مستقلة قابلة للانفصال، فليست هي جارحة يمكن أن تنفصل وتقطع كيد الإنسان مثلاً، وإنما هي معان تقوم بالذات المناسبة لها. وتفكيكها إلي أشياء مستقلة، أو مفاهيم مستقلة، وكذلك الكلام عن الذات «المجرّدة» من كل صفاتها بوصفها شيئاً، كل ذلك إنما هو في «التقدير الذهني» لتسهيل دراستها، والتمكين من البحث في موضوعها، وترتيب ذلك وتبويبه: كل ذلك تقدير ذهني، أو إشارة لغوية، كما يقدر الذهن (المستحيلات).

 وكذلك القول بأن الصفات هي غير الذات، أي أن الصفات المقدّرة أشياءً مستقلة في الذهن هي غير الذات المحضة المجردة من صفاتها مقدّرة في الذهن. كل هذه الأقوال والتعبيرات، وما شابهها، إنما هي فيما يتعلق بالتقدير الذهني، أو الفرض الجدلي، لتسهيل الدراسة والبحث.

 

أما في الواقع الموجود، أي خارج الذهن، فإن الصفة الموجودة في الخارج قائمة بالذات الحقيقية، المتّصفة بتلك الصفة الموجودة في الخارج، مرتبطة بها، لا تستطيع عنها فكاكاً، فلا يقال أن الصفة غير الذات، بإجماع جميع العقلاء والنظّار والباحثين، قولاً واحداً؛ وقال جمهور الفلاسفة والمتكلمين والنظّار: لا يقال أنها «عين الذات»، ولكن قالت جماعة من حذاقهم أنها «عين الذات» الموجودة في الخارج، وذلك فقط في حق «واجب الوجود»، وهي ليست عين الذات في حق «ممكن الوجود».

فنقول: هذه مباحث فلسفية ثانوية، وليست هي مباحث شرعية، فهي من ثمّ لا تعنينا، ولا يترتب عليها كفر ولا إيمان، ولا زيادة تَقْوى أو يقين، ولا تُقرّب قيد أنملة من رب العالمين، خلافاً لمزاعم الغلاة المارقين من رجالات الفرقة الوهابية، الذين يدعون (السلفية) زوراً وبهتاناً، و(السلفية) منهم براء؛ أو بعض الغلاة المهووسين من النظّار والمتكلمين.

 

وأما كون (الله)، جل جلاله، لم يولد فبديهي من التعريف، لأن لفظ الجلالة لا يطلق إلا على الإله واجب الوجود الأزلي:

* وقد جاء في أضواء البيان [موافق للمطبوع (9/152)]: [وقد تمدح سبحانه في قوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مَّنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾. أما أنه لم يولد. فلم يدع أحد عليه ذلك. لأنه ممتنع عقلاً، بدليل الممانعة المعروف وهو كالآتي: لو توقف وجوده سبحانه على أن يولد لكان في وجوده محتاجاً إلى من يوجده، ثم يكون من يلده في حاجة إلى والد، وهكذا يأتي الدور والتسلسل وهذا باطل. وكذلك فإن الحاجة إلى الولد بنفيها معنى الصمدية المتقدم ذكره، ولو كان له والد لكان الوالد أسبق وأحق، تعالى الله عن ذلك.

وقد يقال: من جانب الممانعة العقلية لو افترض على حد قوله: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾. فنقول على هذا الافتراض: لو كان له ولد فما مبدأ وجود هذا الولد وما مصيره؟ فإن كان حادثاً فمتى حدوثه؟ وإن كان قديماً تعدد القدم، وهذا ممنوع. ثم إن كان باقياً تعدد البقاء، وإن كان منتهياً فمتى انتهاؤه؟ وإذا كان مآله إلى الانتهاء فما الحاجة إلى إيجاده مع عدم الحاجة إليه، فانتفى اتخاذ الولد عقلاً ونقلاً، كما انتفت الولادة كذلك عقلاً ونقلاً.

وقد أورد بعض المفسرين سؤالاً في هذه الآية، وهو: لماذا قدم نفي الولد على نفي الولادة؟ مع أن الأصل في المشاهد أن يولد ثم يلد؟. وأجاب بأنه من تقديم الأهم لأنه رد على النصارى في قولهم: عيسى ابن اللَّه، وعلى اليهود في قولهم: ﴿عزيز ابن اللَّه﴾، وعلى قول المشركين: الملائكة بنات الله، ولأنه لم يدع أحد أنه سبحانه مولود لأحد، فكانت دعواهم الولد للَّه فرية عظمى. ا ه. كما قال تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا﴾. وقوله: ﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِذّاً تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً﴾. فلشناعة هذه الفرية قدم ذكرها، ثم الرد على عدم إمكانها بقوله: ﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِى الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾. وقد قدمنا دليل المنع عقلاً ونقلاً]، انتهى كلام الشنقيطي.

 

فصل: نسبة (الولد) إلى الله من أبشع الكفر

قد سبق قبل عدة أسطر إيرادنا لكلام العلامة الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي كما جاء نصاً في أضواء البيان [موافق للمطبوع (9/152)]: [وقد أورد بعض المفسرين سؤالاً في هذه الآية، وهو: لماذا قدم نفي الولد على نفي الولادة؟ مع أن الأصل في المشاهد أن يولد ثم يلد؟. وأجاب بأنه من تقديم الأهم لأنه رد على النصارى في قولهم: عيسى ابن اللَّه، وعلى اليهود في قولهم: ﴿عزيز ابن اللَّه﴾، وعلى قول المشركين: الملائكة بنات الله، ولأنه لم يدع أحد أنه سبحانه مولود لأحد، فكانت دعواهم الولد للَّه فرية عظمى. ا ه. كما قال تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا﴾. وقوله: ﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِذّاً تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً﴾. فلشناعة هذه الفرية قدم ذكرها، ثم الرد على عدم إمكانها بقوله: ﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِى الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾]، انتهى كلام الشنقيطي.

 

* وقد جاء في تفسير جامع البيان للطبري (18/257): [يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء الكافرون بالله: ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾؛ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾، يقول تعالى ذكره للقائلين ذلك من خلقه: لقد جئتم أيها الناس شيئا عظيما من القول منكراً. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل]؛ ثم ساق بضع روايات متطابقة؛ ثم قال: [وفي الإدّ لغات ثلاث، يقال: لقد جئت شيئا إدّا، بكسر الألف، وأدّا بفتح الألف، وآدا بفتح الألف ومدّها، على مثال مادّ فاعل. وقرأ قرّاء الأمصار: إدّا، وبها نقرأ، وقد ذكر عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه قرأ ذلك بفتح الألف، ولا أرى قراءته كذلك لخلافها قراءة قرّاء الأمصار، والعرب تقول لكلّ أمر عظيم: إدّ، وإمر، ونُكر؛ ومنه قوله الراجز: (قَدْ لَقِيَ الأَعْدَاءُ مِنِّي نُكْرَا... دَاهِيَةٌ دَهْياءَ إدّا إمْرَا)؛ ومنه قول الآخر: (فِي لَهَثٍ منهُ وَحَثْلٍ إدًّا)]؛

 * وجاء في تفسير اللباب لابن عادل [أبي حفص عمر بن على ابن عادل الدمشقي الحنبلي – (المتوفى بعد سنة 880 هـ) - (ص: 3394)]: [فصل: واعلم أنَّ المثبتين لله تعالى الولد ثلاث طوائف: الأولى: كفار العرب الذين قالوا: الملائكة بناتُ الله. الثانية: النصارى قالوا: المسيحُ ابن الله. الثالثة: اليهود، حيث قالوا: العزير ابنُ الله. واعلم أنَّ إثبات الولد لله كفرٌ عظيمٌ، وتقدَّم الكلام على ذلك في سورة الأنعام في قوله: ﴿وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 100] وسيأتي تمامه - إن شاء الله تعالى - في سورة مريم]؛

 

* وجاء في أضواء البيان [موافق للمطبوع (3/157)]: [وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا﴾، بين فيه أن ادعاء الأولاد لله سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً أمر عظيم جداً. وقد بين شدة عظمه بقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ اتَّخَذَ الرَّحْمَانُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَانِ وَلَداً وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَانِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً إِن كُلُّ مَن فِى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَانِ عَبْداً لَقَدْ أحْصَاهُم وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾، فالمشركون قبحهم الله جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً، ثم ادعوا أنهم بنات الله، ثم عبدوهم. فاقترفوا الجريمة العظمى في المقامات الثلاث]؛

 

* وجاء في أحكام القرآن لابن العربي (5/347): [الْآيَةُ الْخَامِسَةُ: قَوْله تَعَالَى: ﴿إنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾. فِيهَا مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: لَقَدْ كَادَ أَعْدَاءُ اللَّهِ أَنْ يُقِيمُوا عَلَيْنَا السَّاعَةَ بِقَوْلِهِمْ هَذَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾.

وَصَدَقَ، فَإِنَّهُ قَوْلٌ عَظِيمٌ سَبَقَ الْقَضَاءَ وَالْقَدْرَ، وَلَوْلَا أَنَّ الْبَارِئَ لَا يَضَعُهُ كُفْرُ الْكَافِرِ، وَلَا يَرْفَعُهُ إيمَانُ الْمُؤْمِنِ، وَلَا يَزِيدُ هَذَا فِي مُلْكِهِ، كَمَا لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِهِ، مَا جَرَى شَيْءٌ مِنْ هَذَا عَلَى الْأَلْسِنَةِ، وَلَكِنَّهُ الْقُدُّوسُ الْحَكِيمُ الْحَلِيمُ، فَلَمْ يُبَالِ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا يَقُولُهُ الْمُبْطِلُونَ]، انتهى كلام ابن العربي؛

ونسبة الولد إلى الله قول على الله بغير علم: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، (يونس؛ 10: 68)؛ و(القول على الله بغير علم) هو أشد أصناف المحرمات حرمة، لقوله، جل جلاله وسما مقامه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً، وَأَنْ «تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ»﴾، (لأعراف؛ 7: 33): فلا عجب أن يكون (القول على الله بغير علم) هو مطلب الشيطان الأسمى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (209)﴾ (البقرة؛ 2: 208، 209).

 

وقد وبخ الله نوحاً، فقال: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ: إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، (هود؛ 11: 46) لمجرد ظنه أن ابنه من أهله المشمولين بالوعد الحسن؛ وقد حذر الله نبيه، وجميع المخاطبين، تحذيراً عاما: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾، (الإسراء؛ 17: 36): فكيف بالقول على الله بغير علم؟!

 

بل إن نسبة الولد إلى الله أقبح وأشنع، فهي ليست فقط من (القول على الله بغير علم)، بل هي: كذب على الله، ومكابرة لبراهين العقل، وقد جعل الله تعالى الكذب عليه من أشد الكفر، فقال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾، (الزمر؛ 39: 32)، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾، (الزمر؛ 39: 60).

 

ونسبة الولد إلى الله ليست فقط كذب على الله، ومكابرة لبراهين العقل، بل هي زيادة على ذلك فحش وإيذاء وشتيمة لله، جل جلاله، وسما مقامه:

* فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه (ج5/ص2262/ح5748)؛ وفي صحيح البخاري [م م (8/25/6099)]: [حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي الْأَعْمَشُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: (لَيْسَ أَحَدٌ (أَوْ لَيْسَ شَيْءٌ) أَصْبَرَ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنْ اللَّهِ: إِنَّهُمْ لَيَدْعُونَ لَهُ وَلَدًا وَإِنَّهُ لَيُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ)]]؛ وأخرجه البخاري في في صحيحه (ج6/ص2687/ح6943)، وفي الأدب المفرد ج1/ص141/ح389؛ ومسلم في صحيحه ج4/ص2200/ح2804؛ وابن حبان في صحيحه ج2/ص409؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج4/ص401/ح19604، ج4/ص405/ح19650؛ والحميدي في مسنده ج2/ص341/ح774؛ والنسائي في سننه الكبرى ج4/ص406/ح7708؛ وغيرهم.

 

* وأخرج الإمام البخاري في صحيحه (ج4/ص1903/ح4691): [حدثنا إسحاق بن منصور قال وحدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ﴿كذبني بن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك: أما تكذيبه إياي أن يقول إني لن أعيده كما بدأته، وأما شتمه إياي أن يقول اتخذ الله ولدا وأنا الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفؤا أحد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد﴾: كفؤا وكفيئا وكفاء واحد]؛ وهو في صحيفة همام بن منبه (ج1/ص56/ح106)؛ وأخرجه ابن حبان في صحيحه (ج3/ص129/ح848)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج2/ص318/ح8204)؛ وغيرهم؛

ــ وأخرجه الإمام البخاري في صحيحه (ج3/ص1206/ح3021): [حدثني عبد الله بن أبي شيبة عن أبي أحمد عن سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال النبي أراه قال: ﴿يشتمني بن آدم وما ينبغي له أن يشتمني؛ ويكذبني وما ينبغي له: أما شتمه فقوله إن لي ولدا؛ وأما تكذيبه فقوله ليس يعيدني كما بدأني﴾]؛ وأخرجه البخاري في صحيحه (ج4/ص1903/ح4690)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج2/ص394/ح9103)؛ والنسائي في سننه (ج4/ص112/ح2078)؛ والنسائي في سننه الكبرى (ج1/ص666/ح2205)، و(ج6/ص409/ح11338)، و(ج4/ص395/ح7667)؛ وابن حبان في صحيحه (ج1/ص501/ح267)؛ وغيرهم.

ــ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج2/ص351/ح8595) بإسناد جيد: [حدثنا حسن حدثنا بن لهيعة حدثنا أبو يونس عن أبي هريرة عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال ان الله عز وجل قال: ﴿كذبني عبدي ولم يكن له ليكذبني؛ وشتمني عبدي ولم يكن له شتمي: فأما تكذيبه إياي فيقول لن يعيدني كالذي بدأني وليس آخر الخلق أهون على ان أعيده من أوله فقد كذبني ان قالها؛ واما شتمه إياي فيقول اتخذ الله ولدا انا الله أحد الصمد لم ألد﴾]؛

 

* وأخرج الإمام لبخاري في صحيحه (ج4/ص2029/ح4212): [حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن عبد الله بن أبي حسين حدثنا نافع بن جبير عن بن عباس عن النبي قال: قال الله: ﴿كذبني بن آدم ولم يكن له ذلك؛ وشتمني ولم يكن له ذلك: فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان؛ وأما شتمه إياي فقوله لي ولد فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا﴾]؛ والطبراني في معجمه الكبير (ج10/ص309/ح10751)؛ والطبراني في مسند الشاميين (ج4/ص139/ح2941)؛ وغيرهم.

 

قلت: أحاديث البخاري آنفة الذكر تدل على أن أشدَّ ما كان المشركون يتطاولون به على الله، تبارك وتعالى، هو شكُّهم في قدرته على البعث، تكذيباً لإخباره به، ونسبتُهم إليه الولد. والقرآنُ يصدق هذا: فإنه كرَّر نفيَ الولد في نحو من عشرين موضع، سنأتي بها نصاً في مواضعها، وكرر تقرير البعث في مواضع كثيرة جداً. وقد أدرك هذه العلامة المحقق عبد الرحمن المعلمي اليماني، رحمه الله، فقد قال في كتابه (التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل) - (3/360): [وحديث البخاري يدل على أن أشد ما كان المشركون يعتدون فيه في حق الله تبارك وتعالى هو شكهم في قدرته على البعث، وقد أخبر به؛ ونسبتهم إليه الولد، والقرآن يؤيد ذلك فإنه كرر تثبيت البعث ونفي الولد في مواضع كثيرة].

 

ومع ذلك فقد ضرب الإمام ابن تيمية صفحاً عن كل النصوص القطعية اليقينية المتضافرة، والروايات المتواترة، التي سنسوقها قريباً، القاطعة بأن مشركي العرب اعتقدوا أن الملائكة (بنات) الله، وأنهم إنما عبدوها لذلك، وليس لأمر آخر؛ وانغمس في أبحاث عن الأموات والقبور، والرمال والصخور، وتبعته الفرقة الوهابية اتباع الدواب لقائدها، إلا قليلاً من العقلاء من أمثال المعلمي:

* فقد جاء في آثار الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي اليماني (11/443): [فأما شركهم في الألوهية، فكان عندهم مرتبطًا بدعوى الولد، كما هو بيِّنٌ من عدة آيات. وقد أوضحتُ ذلك في كتاب "العبادة". وتبيَّن لي أن أولَ ما سرى إلى العرب نسبةُ الولد إليه تعالى كانوا يقولون: (الملائكة بنات الله)]، انتهى؛ كذا قال فأحسن وأجاد؛ إلا أنه لم يستطع من خلفيته الوهابية إفلاتاً حين قال: (شركهم في الألوهية)، وهو إنما يعني: (شركهم في العبادة)؛ ثم زعم: [يقولون: (الملائكة بنات الله)، على معنى أنهم مقرَّبون إليه. ولم يقولوا: أبناء الله، خشية إيهام أن يكونوا نظراءه، فقالوا: بنات الله؛ لأن الإناث عندهم ضعيفات، وليس لهن ميراث من آبائهن. ثم طال الزمان فصار أخلافهم يقولون: بنات الله، ولا يحققون المعنى، ولم يكونوا يُثبتون أن لله عزَّ وجلَّ صاحبةً،... إلخ]، وسنعود إلى هذه الخيالات والتخاريص بالإبطال التام لاقتلاعه من جذوره، بإذن الله، في مواضعه قريباً.

 

فصل: بطلان الحلول والاتحاد

قول القائل إن صفات الله سبحانه وتعالى، ومن ذلك معاني أسماء الله الحسنى، صارت أوصافا لغيره من الموجودات، وهذا «الغير» هو من ثمّ بالضرورة عبد مخلوق، لأن «واجب الوجود» هو كائن واحد فقط، لا غير، من غير زيادة ولا نقصان، وهو الله تبارك وتعالى، كما أشبعناه برهاناً وتفصيلاً. هذا القول لا يخلو إما أن يعني به:

(1) عين تلك الصفات.

(2) أو مثلها.

 فإن عنى به عينها، وهو القسم الرئيس الأول، فلا بد إما أن يكون:

(1.أ): بطريق انتقال الصفات من الرب إلى العبد.

(1.ب): أو من غير انتقال.

فإن لم يكن بالانتقال فلا يخلو إما أن يكون:

(1.ب.1): باتحاد ذات العبد بذات الرب حتى يكون هو هو، فتكون صفاته.

(1.ب.2): وإما أن يكون بطريق الحلول، فهذه أقسام ثلاثة وهي: الانتقال والاتحاد والحلول.

وإن عنى به مثلها فلا بد أن يكون المعنى به:

(2.أ): مثلها مطلقا من كل وجه.

(2.ب): وإما أنه عنى به مثلها من حيث الاسم والمشاركة في التعليق بعموم الصفات دون خواص المعاني، فهذان قسمان متفرعان من القسم الرئيس الثاني.

 

فهذه خمسة أقسام الصحيح الممكن منها قسم واحد، وهو المرقوم (2.ب)، أي أن يثبت للمخلوق من هذه الصفات أمور تناسبها على الجملة وتشاركها في الاسم، ولكن لا تماثلها مماثلة تامة.

 

وأما القسم الثاني، المرقوم (2.أ)، وهو أن يثبت له أمثالها على التحقيق فمحال، فإن من جملته أن يكون للمخلوق علم محيط بجميع المعلومات حتى لا يعزب عنه ذرة في الأرض ولا في السموات، أو أن تكون له حياة كاملة مطلقة، لا يتطرق إليها الموت، ولا يدركها الفوْت، أو أن يكون له قدرة واحدة تشمل جميع المخلوقات حتى يكون هو بها خالق الأرض والسموات وما بينهما. وكيف يتصور هذا لغير الله تعالى!؟ وكيف يكون العبد خالق السموات والأرض وما بينها، وهو من جملة ما بينهما!؟ فكيف يكون خالق نفسه!؟ ثم إن ثبتت هذه الصفات لعبدين، يكون كل واحد منهما خالق صاحبه؛ فيكون كل واحد خالقا لمن خلقه. وكيف يتصف مخلوق ممكن حادث محدود بصفة، على النحو والكيفية والدرجة التي اتصف بها واجب الوجود الأزلي الانهائي المطلق، على ذلك النحو وبتلك الدرجة، بسبب كونه واجباً!؟ وكيف تحمل ذات «محدودة» صفة غير محدودة؟! كل ذلك ترهات ومحالات، بل جنون وهوس.

وأما القسم الثالث، المرقوم (1.أ)، وهو انتقال عين صفات الألوهية، فهو أيضا محال لأن الصفات يستحيل مفارقتها للموصوفات؛ وهذا لا يختص بالذات الواجبة القديمة، أي ذات الله تبارك وتعالى فحسب، بل لا يُتصور أن ينتقل عين علم زيد إلى عمرو، بل لا قيام للصفات إلا بخصوص الموصوفات. ولأن الانتقال يوجب فراغ المنتقل عنه، فيوجب أن تتعرّى الذات عن تلك الصفة التي انتقلت عنها، فلا تعود صفتها، ولا تجوز نسبتها إليها. وهذا في حق واجب الوجود، القديم الأزلي، محال مطلقاً، ومناقِضة لمفهوم «وجوب الوجود» من أساسه، كما يترتب على انتقال صفات الألوهية أن يتعرى عن الألوهية، فلا يعود لا رباً ولا إلاهاً، وهذا ظاهرُ الاستحالة.

 

وأما القسم الرابع، المرقوم (1.ب.1)، وهو الاتحاد، فذلك أيضا أظهر بطلانا، لأننا إذا تأملنا وتفكرنا بدقة وعناية، وتعقّلنا بعمق واستنارة، وأدركنا ذاتين مستقلتين: زيداً وحده وعمرا وحده، ثم قيل إن زيدا صار عمروا واتحد به؛ فلا يخلو، عند الاتحاد، إما أن يكون كلاهما موجودين أو كلاهما معدومين، أو زيد موجودا وعمرو معدوما أو بالعكس، ولا يمكن قسم وراء هذه الأربعة.

فإن كانا موجودان فلم يصر عين أحدهما عين الآخر، بل عين كل واحد منهما موجودة وإنما الغاية أن يتّحد مكانهما أو محلهما، وذلك لا يعني الاتحاد؛ فإن العلم والإرادة والقدرة قد تجتمع في ذات واحدة ولا تتباين محالُّها، ولا تكون القدرة هي العلم، ولا يكون العلم هو الإرادة، بل يبقى كل شيء من هذه الأشياء مستقلاً مختلفاً عن الآخر، ولا يكون قد اتحد البعض بالبعض، بل هذا اجتماع يمكن إلغائه بالتفريق والتمييز، ولو بالتفريق والتمييز العقلي. وقد يكون خلطاً أو مزجاً، كما يحصل من مزج الماء والكحول، أو من مزيج الهيدروكاربونات الذي يتكون منه سائل النفط (البترول)، وهذه المركبات يمكن الحصول عليها من المزيج بالتقطير أو الإذابة، كما حال الملح في ماء البحر، ويسمَّى الناتج محلولاً؛ ويمكن الحصول على أجزائه بالتبخير أو الترسيب. وكل ذلك ليس اتحاداً، ولا يجوز أن يسمَّى اتحاداً على التحقيق، وإن كابر مكابر وسمَّى ذلك اتحاداً فهو عابث بالألفاظ، لا يصِحّ معه حوار حتى يحدد معاني ألفاظه التي يستخدمها.

وإن كانا معدومان فما اتحدا بل عدما، ولعل الحادث شيء ثالث، أي ذات ثالثة غير زيد وعمرو الذين بدأنا بهما؛ وكما هو الحاصل في اتحادٍ بين دولتين فتنعدما، ولا يبقى لهما وجود مستقل في الموقف الدولي، وينشأ من ثم كيان جديد، وربما تحولت كل من الدولتين السابقتين إلى ولاية في الكيان الجديد، فيصبح لدينا دولة جديدة في الموقف الدولي، وولايتان تابعتان لها، لا وجود لهما في الموقف الدولي، ولا تتعاملان مباشرة مع الدول المستقلة الأخرى. وهذا أيضاً هو الحاصل في التفاعلات الكيمياوية، فإذا حرقنا غاز الهيدروجين في الهواء، مثلاً، انعدم ذلك الهيدروجين وذهب، وانعدم معه مقدار من غاز الأكسجين، ونشأت مادة جديدة هي الماء، وهو من السوائل، وهو غير غاز الهيدروجين أو غاز الأكسجين، ولا يمكن الحصول على الغازين مرة ثانية إلا بإعدام الماء، وتحليله كيمياوياً أو كهربائياً إلى الغازين الذين نشأ منهما ابتداءً.

 

وكل هذا في حق واجب الوجود الأزلي محال مطلقاً، فهو واجب باقي أبداً لا يفنى.

 

وإن كان أحدهما معدوما والآخر موجودا فلا اتحاد، إذ لا يتحد موجود بمعدوم، كما لو ابتلعت دولةٌ دولةً أخرى، وأزالتها بالكلية من الوجود بوصفها كياناً مستقلاً، هذا «ابتلاع» وليس «اتحاد». وهذا محال في حق واجب الوجود الأزلي، فهو باقي لا يفنى، ومحال أن يفنى، فلا يمكن أن يكون هو الذي انعدم؛ وهو كامل بذاته، ضروري بذاته، مكتف بذاته، فلا يحتاج إلى ابتلاع غيره، فلم «الابتلاع» إذاً؟! والابتلاع يؤدي إلى نشوء ذات جديدة مركبة من الذات الأصلية مضافا إليها كل أو بعض ما ابتلع، وهذا التركيب محال في حق «واجب الوجود» كما أسلفنا، فلا يمكن هذا أيضاً.

 

فاتحاد واجب الوجود الأزلي بغيره من الممكنات في غاية الاستحالة، لأن انعدام واجب الوجود الأزلي مستحيل، وتحوله إلى ممكن مستحيل، وتحول الممكن إلى واجب مستحيل، ونشوء شيء ليس بواجب ولا ممكن مستحيل أيضاَ، واحتياج الواجب الأزلي لغيره، بحيث يتحد به من أجل ذلك، محال أيضاً. وإذا فني الممكن فقد ذهب وانتهى وليس ثمة اتحاد إذاً، وبقي الأزلي واجب الوجود فقط، وخالصاً من كل شائبة، ليس هذا «اتحادٌ»، بل هو «إفناءٌ» للمكن المخلوق، و«إعدامٌ» له بالكامل!

 

ونسارع بالقول: لم يخف علينا أن الكنائس غير الخلقيدونية التي كانت قديماً، عند الانشقاق بعد مجمع خلقدونية، تضم الكنيسة القبطية (ومعها الحبشية)، وكنيسة أنطاكية ، وكنيسة أورشليم، وكنائس آسيا الصغرى (عدا القسطنطينية)، وتضم حالياً الكنائس الشقيقة للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وهي الكنائس الحبشية والإريترية والسريانية والهندية والأرمنية، سوف تحتج، وتزعم أنها ظلت متمسكة بقرارات المجامع الأولى ومعتقدات أثناسيوس وكيرلس وديسقوروس في (طبيعة واحدة للمسيح أي: اتحاد اللاهوت بالناسوت بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير)، وليس هذا هو الاتحاد الذي أبطلناه آنفاً!

 

فنقول: هذه الصياغة أدهى وأمر، نعم: هي صحيحة لغوياً، تتكون من مبتدأ (اتحاد اللاهوت بالناسوت في المسيح) وخبر ("هو" بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير)، تماماً كالصحة اللغوية لجملة: (هذه الدائرة مربعة)؛ ولكنها إما متناقضة ذاتياً كقولك: (اتحاد هو ليس اتحاداً)، أو فارغة المعنى كقولك: (اتحاد هو أبراكادابرا) ولا ندري ما هو (أبراكادابرا) أصلاً.

 

وقول الكنائس المشرقية بالطبيعة الواحدة للمسيح، التي هي قد نشأت ضرورةً من (اتحاد اللاهوت بالناسوت في المسيح) لا بد منه حتى يكون للفداء والخلاص معنى، كما هو في الأمانة «النيقية»: [أؤمن بإله واحد أبٍ ضابط الكل. خالق السماء والأرض. وكل ما يُرى وما لا يُرى. وبربٍّ واحد يسوع المسيح. ابن الله الوحيد. المولود من الأب قبل كل الدهور. نور من نور. إله حق. من إله حق. مولود غير مخلوق. مساوٍ للأب في الجوهر. الذي به كان كل شيء. الذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا، نزل من السماء. وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء وتأنس. وصلب عنا على عهد بيلاطس البنطي. وتألم وقبر وقام في اليوم الثالث على ما في الكتب. وصعد إلى السماء. وجلس عن يمين الأب. وأيضاً يأتي بمجد ليدين الأحياء والأموات. الذي لا فناء لملكه]، وقد ألحق بها في مجمع القسطنطينية المسكوني الثاني: [وبالروح القدس الرب المحيي. المنبثق من الأب. الذي هو مع الأب والابن. مسجود له وممجد. الناطق بالأنبياء. وبكنيسة واحدة جامعة مقدسة رسولية. وأعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا. وأترجى قيامة الموتى والحياة في الدهر الآتي. آمين]، وربما أضافت بعض الكنائس الغربية الإبن في جملة انبثاق الروح القدس: (المنبثق من الأب والأبن): فإذا بطلت الطبيعة الواحدة، أي بطل الاتحاد، فقد الخلاص معناه، ولم يعد للصلب معنى أصلاً، إلا بهدم ألوهية المسيح فيكون استشهاداً فقط، كما حصل ليحيى بن زكريا، سلام الله عليه.

وقد هربت الكنائس الخلقدونية التي كانت تضم قديما كنيسة رومية، وكنيسة القسطنطينية، وحديثاً عامة الكنائس الغربية إلى القول بأن للمسيح طبيعتين ومشيئتين، وهذا ينسجم مع (الحلول)، فلا يتطلب اتحاداً، تخلصاً من (الاتحاد)، وتناقضاته المستحيلة، ولوازمه المرعبة. وسنرى قريباً هل أفلح القوم في التخلص من المحالات والتناقض؟

 

وأما (الحلول)، وهو القسم الخامس فمحال أيضاً، ووجه استحالة الحلول لا يفهم إلا بعد فهم دقيق لمعنى الحلول، فإن المعاني المفردة إذا لم تدرك بطريق التصوّر، ولو على نحو مجمل، لم يمكن أن يفهم نفيها أو إثباتها؛ فمن لا يدري معنى الحلول فمن أين يدري أن حلول الخالق في المخلوق، أو حلول واجب الوجود في ممكن الوجود، ممكن أو مستحيل؟!

 

المفهوم من الحلول أمران، أحدهما:

الأمر الأول: النسبة التي بين الجسم الممتد، الذي تسري عليه مفاهيم «المكان»، أي الذي له طول وعرض وارتفاع، وبين مكانه الذي يكون فيه، وذلك لا يكون إلا بين جسمين ممتدين تسري عليهما مقولات «المكان»، فحقيقة الحلول إنما هي أن يحصل جسم أو متحيز في شيء أو على شيء فيسمى الحاصل حالا، والمحصول فيه يسمى محلا، وتسمى النسبة بينهما حلولا. فالبريء عن معنى الجسمية يستحيل في حقه ذلك، لأنه لا تنطبق عليه مفاهيم «المكان» أصلاً. ومن ذلك ضرب النصارى المثل بـ«حلول» الماء في الزجاجة، فواقع ذلك أن الزجاجة جوفاء، فيها فراغ داخلي يملؤه الهواء، فإذا صب فيها الماء طرد الهواء واحتل الماء مكانه، أما الزجاجة فهي كما كانت لم يطرأ عليها تغيير. فالماء لم يحل في الزجاجة، وإنما هو حل مكان الهواء في التجويف الذي حدّدته بنية الزجاجة، لأنها صنعت جوفاء لهذا الغرض، أي لتكون وعاءً. وحلول «ذات» الله في مكان بهذا المعنى محال، لأنه، جل وعلا، على الصحيح: لا تسري عليه مفاهيم الزمان والمكان: فليس هو (في مكان) أصلاً؛ ولو فرضنا الأخرى، جدلاً، وأنها تسري عليه، لم يجز أن يكون محدوداً محصوراً في «وعاء» مادي محدود، بخلاف السوائل، ومنها الماء، التي تحتاج إلى الأوعية لحفظها، وتحديد شكلها وقوامها، بل هو حينئذ ضرورة: (في كل مكان)؛ هذا بالنسبة للذات الإلاهية.

 

أما الصفات فهي قائمة بذواتها، لا تنفصل عنها ضرورة، ما دامت موجودة، وما دامت الذات تستحق تلك الصفة أو النعت، وهذا في حق الذات الإلاهية أوكد، لأنه، جل وعلا، واجب الوجود، لا تنفك ذاته عن صفاته، ولا صفاته عن ذاته، أزلاً وأبداً، وهو مستحقّ لتلك الصفات دوماً وسرمداً، فأنى لصفته أن تنفصل وتَبِين عنه، فكيف تحل صفته في مخلوق، بدون أن يحل هو بـ«ذاته» في ذلك المخلوق؟!

 

ولو فرضنا المستحيل، أي أن الصفة تنفصل عن الموصوف، وأن واجب الوجود يعرى منها ويفتقدها، فينفصل عنه «العلم»، أو «الحكمة»، مثلاً، فيعود جاهلاً، أو سفيهاً، تعالى عن ذلك، لزمنا محال آخر أن «صفة» بلغت غاية النهاية في كمالها المتصور لمفهومها، أي أنها لا نهائية حلت في مخلوق محدود نهائي: لا نهائي حل و«حُشِر» في نهائي، أي أن المحدود النهائي أصبح قادراً على حمل غير المحدود الانهائي؛ فهو إذا أكثر أو أكبر أو أقدر من المطلق اللانهائي، ولو من زاوية واحدة، أو اعتبار واحد: ولا بأس حينئذ أن يصبح الجزء أكبر من الكل. أو لعل الصفة لم تنفصل عن الموصوف الأول، بل قامت في نفس الوقت والزمن، ومن نفس الاعتبار بذاتين متباينتين، ومرحباً بمستشفى الأمراض العقلية؟!

 

والأمر الثاني المفهوم من الحلول: النسبة التي بين الصفة والموصوف، فإن الصفة يكون قوامها بالموصوف، فقد يعبر عنه بأنها، أي الصفة، حالّة في الموصوف، على وجه التساهل والتجاوز في التعبير في حق الأعراض والصفات، فيقال: (حل العرض في محلّه)، ومعناه صار المحل متصفا به، وصار العرض قائما به وموجودا فيه، أو: (حلت الصفة في محلّها)، ومعناه صار المحل متصفا بها، وصارت الصفة قائمة به وموجودة فيه، أو ما شاكل ذلك من العبارات؛ ولكن الأدق والأولى أن يقال: (إن الصفة محلُّها الموصوف)، لأنها هكذا دائماً وأبداً، ما دامت موجودة.

 

أما ما كان قوامه بنفسه، فذلك محال في حقه. فإن كل ما قوامه بنفسه يستحيل أن يحل فيما قوامه بنفسه إلا بطريق المجاورة الواقعة بين الأجسام، كما أسلفناه قريباً، فلا يُتصور الحلول بين عبدين مخلوقين، فكيف يتصور بين العبد والرب؟! فدع عنك ذكر الرب تعالى وتقدس في هذا المعرض أصلاً. فكيف يتصور أن يقال: إن الرب تبارك وتعالى حل في العبد أو العبد حل في الرب، تعالى رب الأرباب عن قول الظالمين علواً كبيرا.

 

ولقد حاول النصارى عبر العصور الخروج من إشكاليات الحلول والاتحاد بالقول بـ«ظهور اللاهوت على الناسوت»، أو «ظهور اللاهوت في الناسوت»، وربما عبّروا عن ذلك بـ«الفيض»، وغير ذلك من العبارات الغامضة، التي لا مفهوم لها؛ فقد حاولوا التمثيل لذلك على أوجه متعددة:

* ــ فمنهم من قال: مثاله ما ينطبع في الأجسام الصقيلة من الأشياء التي تقابلها، أي كظهور الشيء في المرآة. وربما سمَّوا ذلك «ظهوراً» أو «فيضاً».

هذا تجلٍّ أو ارتسام صورة، وليس هو حلول أو اتحاد؛ فصاحب الصورة، أمام المرآة، بائن منفصل عنها، فهو لم يتّحد بها ولا هو في داخلها. بل هناك ذاتان مستقلتان: الشخص صاحب الصورة، والعاكس أو المرآة. ولو ضرب إنسان المرآة فصدعها أو حطمها فلن يصل شيء من ذلك إلى الشخص صاحب الصورة مطلقاً، ولا يقول أنه تصدع أو تألم أو زال لزوال صورته إذا تحطمت المرآة. فلا يقال ولا يعقل أن المرآة أصبحت شخصاً، ولا الشخص أصبح مرآةً، ولو قال هذا أحد، لزُجّ به في مستشفى الأمراض العقلية. والخالق، جل وعلا، يتجلّى في جميع مخلوقاته بهذا المعنى، فكلها مظهر للقدرة الإلاهية العليّة، ولكن إدراك ذلك يحتاج إلى فكر مستنير عميق، وحس مرهف دقيق. وهو يتجلى في أنبيائه وأوليائه؛ ففيهم تتجلى الهداية والنعمة الإلاهية، وللسيد المسيح، بأبي هو وأمي، من ذلك أوفى نصيب، وليس هو الوحيد في ذلك، فما معنى تخصيصه به؟!

 

وجسد عيسى بن مريم، صلوات الله عليه، ليس مرآةً، ولا هو من جنسها، و«الكلمة» لم تتجلى فيه تجلي الصورة في المرآة، وإلا لصعق وذهل، وآمن قسراً كل من رآه. هذا كله لم يحصل، بل خانه واحد من أقرب التلاميذ، لقاء ثمن بخس، دراهم معدودة، كما هو في مرويات القوم؛

 

* ــ ومنهم من قال: مثاله الطابع المنقوش إذا اتصل بشمع وما يضاهيه، فيظهر نقش الطابع عليه، وإن لم يحل فيه شيء من الطابع.

وهذا ليس من مثال المرآة ببعيد، فالختم أو الطابع لم يحل في الشمع أو اندمج معه، بل بقي الختم موجوداً مستقلاً، كما كان قبل استخدامه، لم يطرأ علية تغير مطلقاً؛ والشمع موجود مستقل بعد ختمه بالختم، إلا أنه ارتسمت فيه «صورة» الخاتم، كما هو الحال في المرآة، إلا أنها صورة، نشأت من تشكل وزحزحة الشمع تحت ضغط الختم، وهي ثابتة تبقى بعد إعادة الختم إلى صندوق حفظه، لا كصورة المرآة التي تزول إذا زال «الشخص» من أمامها. فالشمع، هكذا صرفاً خالصاً، هو المتغير فقط. فإذا فهمنا «فيض اللاهوت على الناسوت»، أو «ظهور اللاهوت في الناسوت»، هكذا فلا بأس ويتحصل منه ارتقاء «الناسوت» في مراتب «الناسوت» الأعلى منطبعاً بطبعة إلاهية، أو منصبغاً بصبغة ربانية: فهذا من باب النبوة والاصطفاء، ولا علاقة له بحلول أو اتحاد؛

 

* ــ ومنهم من قال: معنى ظهور اللاهوت على المسيح كمعنى استواء الإله على العرش عند الإسلاميين. وهذا كذلك لا مفهوم له، ولا علاقه له بالحلول أو الاتحاد أو التجسد، لأن الاستواء، مهما اختلف فيه أهل الإسلام، لم يتحول به العرش إلى كائن إلاهي أو نصف إلاهي، ولم يتجسد فيه الإله ولا حل فيه، ولا به اتحد. ثم إن القول باستواء الله على العرش ليس قصراً على أهل الإسلام فهم يقولون كذلك بأن (الأب) مستو على «العرش السماوي»، وأن «المسيح الإبن» صعد بعد صلبه ثم قيامته، فقعد على يمين «الأب» فوق العرش الإلهي، ولكنهم لا يقولون أن العرش كائن «إلهي»، فمن أين جاؤوا بهذا التمثيل؟!

* ــ وربما يعبّرون عن الاتحاد بالتدرع، كأنهم أخذوا ذلك من لفظ الدرع، يشيرون إلى أن «اللاهوت اتخذ ناسوت المسيح درعا». وهذا يشبه مثال «الزجاجة» أو «الوعاء» آنف الذكر، لأن الدرع «وعاء» لمن ارتداه، يحيط به من كل أو بعض جوانبه، ويفصله عن الخارج، وقد فصّلنا القول في هذا آنفاً. مع أن في هذه اللفظة، ألا وهي «التدرّع»، شيء من قلة الأدب، فكأن «اللاهوت» يحتاج درعاً لحمايته، وهو محال.

 

* ــ ومنهم من قال: (إن «الكلمة» خالطت جسم المسيح ومازجته امتزاج الخمر باللبن).

وهذا مثال لا محصول منه، لأن «الكلمة» عندهم «أقنوم» من أقانيم الثالوث، وأحسن ما يقال عن هذا هو: أن «الكلمة» إنما هي كناية عن «العلم الإلاهي»، والعلم الإلاهي ليس بجسد ولا جوهر ولا هو ذات مستقلة، فمحال، كما أسلفنا، أن ينفصل عن الموصوف به، جل وعلا، فيعود الرب جاهلاً، بل يصبح كالأموات لا يعلم شيئاً، ولا يدرك شيئاً، بما في ذلك ذاته المقدّسة، أي أنه يصبح كالميت أو يموت بالفعل!

وحتى لو قدّرنا ذلك المحال، وزعمنا أن الكلمة خالطت جسد المسيح وامتزجت به امتزاجاً حقيقياً تاماً، بحيث نشأ كائن جديد، ليس هو «الكلمة» فقط، ولا هو «الجسد» فقط، لوقعنا في محالات وتناقضات لا تنتهي؛ ماذا حدث لـ«الكلمة» الأصلية؟! هل فنيت؟ هذا محال لأنها واجبة الوجود أزلية، وفق الفرضية الني زعمناها في البداية، هل طرأ عليها تغير جوهري في ماهيتها؟ هذا محال لأنها واجبة الوجود، فكل صفاتها لازمة لها بالضرورة لا تنفك عنها. فالكلمة إذا محال أن تكون تغيرت أو اتّحدت، فما ثم اتحاد إذا ولا امتزاج؛ أما الجسد فأمره أهون، فلعله فني وذهب، وبقيت صورة خيالية يراها الناس، ولكن ليس لها وجود حقيقي. فالمسيح، إذا، إله خالص، ليس فيه «ناسوت» قط، فإن كان كذلك، فعلى من وقع الصلب، والتعذيب، ومن هو المُتألم المُعاني؟!

* ــ ومنهم من قال: إن الكلمة، التي هي عندهم كائن أزلي وأقنوم إلهي، انقلبت لحماً ودماً.

أما هذا فخيال شاطح جامح، بل هو خيال مريض لا معنى له، ولا محصول من ورائه؛ فالأزلي الواجب محال أن ينقلب إلى أي شيء آخر، ومن باب أولى: محال أن ينقلب إلى محدود حادث مركب نهائي. فإن جاز ذلك، فخروج العالم إلى الوجود من غير خالق مُوجد أولى وأقرب إلى العقل.

 

* ــ ومنهم من أثبت «الاتحاد»، ولكنه قال: (لا يُسأل عنه ولا يُكيّف) لأنه (سر إلاهي).

فأما هؤلاء فقد كفونا، بحمد الله، مؤنة الرد عليهم، لأنهم اعترفوا بجهلهم، ولكن يبقى السؤال: كيف أثبتم ذلك للمسيح وأنتم لا تعرفون عنه شيئاً مطلقاً؟! لا بد أن في أذهانكم تصوراً أو مفهوماً، أو تعريفاً لـ«الاتحاد»، ولو بشكل مجمل؛ ولا بد أنه يمكنكم التعبير عنه، ولو بشكل مشوّش غامض ناقص، وإلا فلم أثبتموه للمسيح إذاً؟!

 

هذه مذاهب المشتهرين من طوائفهم، وأما اختلاف آحادهم وعوامهم فلا يكاد ينضبط ولا يرتبط، وهو أوغل في التخليط والخيال.

 

وحتى لو سلمنا – جدلاً - بحلول اللاهوت في الناسوت بأي معنى من المعاني (كالزيت في الزجاجة؛ أو الجني في من به مس؛ أما سريان الروح في الجسد فلا يصلح نموذجاً لأنه ينتج طبيعتين بإرادة واحدة)، وما يترتب عليه من طبيعتين ومشيئتين ضرورة، لبطل الفداء والخلاص لأنه مرتبط ارتباطاً حتمياً بصلب المسيح وتألمه كما هو في الأمانة «النيقية»: [وصلب عنا على عهد بيلاطس البُنطي. وتألم وقبر وقام في اليوم الثالث على ما في الكتب]، لأن الصلب والألم والموت وقع لا محالة فقط على الناسوت، أما اللاهوت فمحال أن يصيبه ضرر أو نقص أو أذى، ومن ثم فمن المحال أن يحس أو ينفعل بألم ونحوه، لأن ذلك (أي الإحساس بالألم) في الحيوانات المخلوقة إنما هو إنذار بوجود مرض أو أذى وضرر ليتخذ الحيوانات إجراءً مناسباً: كالهروب من النار، أو حك مكان القرصة، أو التداوي من المرض. والإحساس في الحيوانات كمال نسبي بالمقارنة مع النباتات والجوامد إلا أنه كمال مشروط بوجود نقص، بل نقائص:

ــ قابلية للتضرر، وهذا نقص في (الصمدية) و(المتانة

ــ وحاجة إلى المباشرة والتحسس، وهذا نقص في (العلم): فلا يرد أصلاً في حق الإله: الواحد الأحد، الحكيم العليم، القوي المتين.

 

وإذا بطل الحلول والانتقال والاتحاد والاتصاف بأمثال صفات الله سبحانه وتعالى، على سبيل الحقيقة، لم يبق لقول القائل: (أن العبد اتصف بصفات الرب)، أو (أن صفات الرب انتقلت أو تمثّلت في العبد)، أو (أن الألوهية تجلّت في فلان)، أو (أن الألوهية تجسّدت في فلان)، أو (أن فلان تجسّدت فيه الألوهية)، أو ما شابه، معنى صحيحاً إلا ما أشرنا إليه، ألا وهو: (أن يثبت للمخلوق من هذه الصفات أمور تناسبها على الجملة وتشاركها في الاسم ولكن لا تماثلها مماثلة تامة). وحتى مقولة بولس الطرسوسي عن المسيح أنه: (تجسّدت فيه الألوهية الكاملة) على ما فيه من مبالغة شاطحة جامحة في الإطراء والتمجيد، لا بد من تأويلها بنحو مناسب.

 

فما أسلفتاه يمنع من إطلاق القول بأن معاني أسماء الله تعالى تصير أوصافا للعبد، إلا على نوع من التقييد لدفع ما قد يطرأ من الإيهام، وإلا فمطلق هذا اللفظ موهم، وربما يكون فيه نوع من التوسع والاستعارة والمجاز، فإن معاني الأسماء هي صفات الله تعالى، وصفاته لا تصير صفة لغيره ولكن معناه أنه يحصل له ما يناسب تلك الأوصاف، كما يقال: فلان حصل علم أستاذه، مع أن «عين» علم الأستاذ لا يحصل للتلميذ، بل يحصل له «مثل» علمه، أو «نسخة»، من علمه.

 

ولعل هذا سبب غلط جمهور النصارى المثلثين، أتباع بولص الطرسوسي، حيث رأوا تلك المعاني الكاملة والصفات الباهرة في ذات المسيح عيسى بن مريم، الوجيه المقرب، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى والدته، والمعجزات الخارقة التي فعلها، فقالوا: هو الإله؛ بل هو غلط من ينظر إلى مرآة قد انطبعت فيها صورة متلونة بتلونه، فيظن أن تلك الصورة هي صورة المرآة، وأن ذلك اللون لون المرآة ... وهيهات، بل المرآة في ذاتها لا لون لها، وشأنها قبول صور الألوان على وجه يتخايل إلى الناظرين إلى ظاهر الأمور أن ذلك صورة المرآة، حتى إن الطفل الصغير إذا رأى إنسانا في المرآة ظن أن الإنسان في داخل المرآة، أو ورائها حقيقة، بل قد يحصل هذا للكبير المجرب في مواقف معينة، لا سيما إذا أخذ على غرة ولم ينتبه لوجود المرآة.

 

وكل ما ذكرناه آنفاً في هذا الفصل المخصص لإبطال الحلول والاتحاد إنما هو – في جوهره - نقل من كلام الإمام أبي عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي (المتوفى: 671 هـ) في كتابه القيم "الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإظهار محاسن الإسلام" [(ص: 127، وما بعدها) - تحقيق د. أحمد حجازي السقا - ونشر دار التراث العربي - القاهرة ، 1398]، بعد تهذيب وتنقيح واسع. ثم اكتشفت أن الأمام شمس الدين بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي إنما هو ناقل – ببعض تصرف - لكلام الإمام أبي حامد الغزالي أثناء مناقشته لحديث: (تخلقوا بأخلاق الله تعالى) في ختام الفصل الأول من كتابه القيم المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى (ص: 150)، فأثاب الله الإمامين ورحمهما.

 

ولكن بقيت شبهة واحدة يستخدمها القائلون بأن لله ولداً، أو أنه حل في فلان، أو أن الله أو بعض الله أو كلمة الله قد انقلبت لحماً ودماً، وهي أن القول باستحالة ذلك يعني تقييد قدرة الله، فلا يعود الله: ﴿على كل شيء قدير﴾.

 

فصل: هل تتعلق القدرة الإلاهية بالمستحيلات المنطقية أو العقلية؟!

الحق، الذي لا ينبغي أن تكون فيه أدنى شبهة، هو: أن القدرة الإلاهية إنما تتعلق بالممكنات العقلية والمنطقية فقط، ولا تتعلق بالمستحيلات المنطقية أو العقلية أصلاً.

 

فأما المستحيل عادة أو طبيعة، أي وفق العادة الجارية أو وفق قانون الطبيعة، كانقلاب العصا حية على الفور، فليس هو من المستحيلات العقلية أو المنطقية، أو الممنوعات بالضرورة المفاهيمية المطلقة، لأن العصا ممكنة، وهي موجودة الآن وقد بدأ وجودها بعد عدم، وهناك في الواقع المُشاهد عُصِيّ كثيرة، والحيّة ممكنة، وهي موجودة الآن، وقد بدأ وجودها بعد عدم، وهناك في الواقع المحسوس حيّات كثيرة، وانعدام العصا أو الحية وتحولهما إلى (لا شيء) أمر ممكن، وكذلك نشوء العصا أو الحية من (لا شيء) أمر ممكن أيضاً، والكون كله قد نشأ من (لا شيء) في بدايته، مهما طالت سلسلة الأسباب والمسببات بين تلك البداية وبين هذه اللحظة الآنية.

 

فثبت إذاً أن انقلاب العصا حية، وعودة الحية عصاً ممكن عقلاً، فهو مقدور لله، وقد وقع ذلك فعلاً لموسى بن عمران، صلوات الله وسلامه عليه وعلى أخيه هارون، وإن كان ذلك محالاً في العادة، أي وفق قانون الطبيعة، ولكنه ممكن عقلاً، فليس هو من المحالات العقلية المنطقية.

 

أما القول بأن القدرة الإلاهية تتعلق بالمحالات العقلية، فيجوز لله، من ثمّ، أن يتخذ ولداً حقيقياً ذي عنصر وجوهر إلاهي، ويجوز للكلمة الإلاهية أن تنقلب لحماً ودماً. القول بذلك ونحوه يفضي إلى جعل الله، تعالى وتقدس، باطلاً؛ فيجوز أن ينقلب من واجب وجود إلى ممكن، فالأولى أن يُحكم بأنه معدوم، ونشوء الكون من لا شيء، بغير خالق، أهون من ذلك وأسهل قبولاً. وبهذا ينهدم العقل، وتبطل اللغات والشرائع، عياذاً بالله.

 

وهذا المبحث في حقيقة القدرة والإرادة والمشيئة والأمر من أخطر مباحث العقيدة، لذلك زلّت فيه الأقدام واحتارت فيه الأفهام. فالقدرة لا تتعلق بالواجب لذاته، أي واجب الوجود، ولا بالمستحيل لذاته؛ لأنها إن تعلقت بوجود الواجب لزم تحصيل الحاصل، وهذا لغو لا معنى له، وإن تعلقت بعدمه، لزم انقلاب حقيقة الواجب، وحقيقته لا تقبل العدم أصلاً بالضرورة المفاهيمية المطلقة، لأن انعدام واجب الوجود محال مطلقاً.

 

والقدرة أيضاً لا تتعلق بالمستحيل، لأنها ان تعلقت بالمستحيل لإعدامه، لزم تحصيل الحاصل أيضا، وهو هراء لا معنى له. وان تعلقت به لإيجاده، لزم انقلاب حقيقة المستحيل لذاته، وحقيقته لا تقبل الوجود أصلاً، بالضرورة المفاهيمية المطلقة؛ فلزم ضرورة أن القدرة لا تتعلق إلا بالممكن.

 

والله، جل جلاله وسما مقامه، هو الحق المبين، الذي قد أحاط بكل شيء علماً، القدوس المنُزه عن كل عيب ونقص؛ فمن المحال الممتنع أن تتجه مشيئته وإرادته أصلاً إلى الباطل، لذلك لا يمكن أن تتجه المشيئة والإرادة لا إلى الواجب بذاته، ولا إلى المستحيل لذاته.

 

بناءً على هذا فان القدرة والإرادة كلاهما لا تتعلقان بالمستحيل لذاته ولا بالواجب بذاته، ولا يلزم من عدم تعلقهما بالواجبات والمستحيلات نسبة العجز والقصور إليهما، وإنما يلزم ذلك فقط فيما يمكن أن تتعلق به القدرة والإرادة؛ وليس هذا هو الحال ها هنا، لأن القدرة لم تتعلق به أصلاً، ولا المشيئة اتجهت إليه ابتداءً.

 

ولا شك أن هذه المسألة قد أعضلت بالكثير من المفكرين والفلاسفة والمتكلمين والنظَّار، فها هو الإمام الحجة الكبير أبو محمد على بن حزم في الفصل في الملل والأهواء والنحل [طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (3/22)] يقول: [قَالَ أَبُو مُحَمَّد: وَقد أجَاب فِي هَذِه الْمَسْأَلَة عبد الله بن أَحْمد الكعبي الْبَلْخِي أحد رُؤَسَاء الْأَصْلَح من المعتزلة بِأَن قَالَ إننا لَا نَخْتَلِف فِي أَن الله عز وَجل قَادر على تسكين المتحرك وتحريك السَّاكِن وَلَيْسَ يُوصف بِالْقُدْرَةِ على أَن يَجعله سَاكِنا متحركاً مَعًا. قَالَ أَبُو مُحَمَّد: وَلَيْسَ كَمَا قَالَ الْجَاهِل الملحد فِيمَا وصف الله تَعَالَى بِهِ بل الله تَعَالَى قَادر على أَن يَجْعَل الشَّيْء سَاكِنا متحركاً مَعًا فِي وَقت وَاحِد من وَجه وَاحِد وَلَكِن كَلَام الْبَلْخِي هَذَا لَازم لمن الْتزم هَذِه الْكَفْرَة الصلعاء من أَن الله تَعَالَى لَا يُوصف بِالْقُدْرَةِ على الْمحَال وَيُقَال لَهُم لم لَا يُوصف بِالْقُدْرَةِ على ذَلِك لِأَن لَهُ قدرَة على ذَلِك وَلَا يُوصف بهَا أم لِأَنَّهُ لَا قدرَة لَهُ على ذَلِك وَلَا محيد لَهُم عَن هَذَا]، فيبالغ، رحمه الله، مبالغة شنعاء فاحشة، جاعلاً ذلك (كَفْرَةً صلعاء)!

 

فنجيب أبا محمد قائلين: إساءة عبد الله بن أَحْمد الكعبي الْبَلْخِي للعبارة، لا تعني بالضرورة بطلان حقيقة قوله، الذي لم يعبر عنه كما ينبغي. وكذلك رد أبي محمد بقسمته الثنائية: إما أن نقول: (لَهُ قدرَة على ذَلِك وَلَا يُوصف بهَا)، أو: (لَا قدرَة لَهُ على ذَلِك) فيه سفسطة، ومصادرة على المطلوب، لأن النص الشرعي اليقيني المقطوع به هو: ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾، فالجواب هو أن (المحال ليس شيئاً من الأشياء أصلاً)، فالقدرة الإلاهية الشاملة المطلقة لا تتعلق بالمحال أصلاً، فالحق إذا هو: أن (لَهُ قدرَة، لا تتعلق بالمحال): فلا صحة للزعم بأنه لا محيد عن الثنائية: (لَهُ قدرَة على المحال)، أو: (لَا قدرَة لَهُ على المحال).

 

ولا شك كذلك أن الكثير من الناس، من أهل الإسلام، يتخوّف من النص على ما قلناه، وهو: (أن القدرة الإلاهية إنما تتعلق بالممكنات العقلية والمنطقية فقط، ولا تتعلق بالمحالات العقلية أو المنطقية)، وذلك تعظيماً لله، وتأدباً معه.

فنقول: أحسنت وأجدت إذ التزمت الأدب عند الكلام عن الرب، جل جلاله، وتقدست أسماؤه، ولكن لا تخافوا، فقد جاء هذا من كلام الله نصاً، حيث قال، تعالى ذكره: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ: سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾، (الزمر؛ 39 : 4): فهذا تقدير امتناع لامتناع من أوضح ما يكون: فلو فرض المحال جدلاً أن الله يشتهي الولد، ويريد أن يتخذ ولداً، تعالى وتقدس عن تلك الشهوات والإرادات، لما كان في الإمكان أكثر من أن «يصطفي» من مخلوقاته ما يشاء اصطفاءً خاصاً، فقط لا غير. وهذا (الاصطفاء) الخاص ربما سماه البعض – مجازاً – بـ«التبني» هو وحده الممكن، وما سواه فمحال ممتنع:

(أ)- ولد للصُلْب فمحال؛

(ب)- وتبني كائنا إلاهيا آخر فيصبح ولداً متبنىً فمحال أيضاً؛ إذْ ما ثمّ إلا كائن إلاهي واحد، فقط لا غير، من غير زيادة ولا نقصان، هو الله العزيز الحكيم؛

(ج)- وتبني مخلوقاً تبنياً حقيقياً، فينقلب المخلوق إلى كائن إلاهي فخيال شاطح جامح، وهو محال أيضاً.

 

وهذا هو قولنا الذي سلف، حرفاً بحرف. فالحمد لله الذي أنزل الذكر، قرآناً وسنّة، شفاءً لما في الصدور، وهدىً ورحمة لقوم يوقنون.

 

هذا هو الهدى والنور الذي أنزله الله على خاتمة أنبياء الله، مُحَمَّد بن عبد الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، يبين أيضاً: أن الله، جل جلاله، لا يشتهي الولد أصلاً ولا يريده، ومن ثمّ فهو لا «يتبنى» مطلقاً، فلا يجوز أن يوصف إنسان من البشر في الأرض، أو ملك من ملائكة السماء، أو أي مخلوق آخر بأنه «ابن» الله، أو «بنت» الله. لذلك فإن القول بأن المسيح عيسى بن مريم، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى والدته، ابن الله، حتى بمعنى «التبني» هذا، باطل؛ ومن قال به بعد نزول القرآن فهو كافر لأنه مُكذب لله تعالى.

 

غير أن طوائف من النصارى من أتباع آريوس، وبولس الشمشاطي، وكذلك أغلب اليهود المتنصرين الأوائل، قد قالوا بذلك قديماً. وهم بذلك مخطئون، إلا أنهم ليسوا كفاراً ولا مشركين، إن شاء الله تعالى، لأن الكتب الأولى لم تذكر من هذا شيئاً، بل قد جاءت ألفاظ في الكتب القديمة يفهم منها «التبني» بمعنى «الاصطفاء» الخاص، فهم إذاً مؤمنون موحدون، لم يكذبوا لله خبراً، ولم يجعلوا لله شريكاً، ولم ينسبوا له ولداً «حقيقياً»، أي من طبيعة أو عنصر إلاهي، مساوياً لأبيه في الجوهر، كما فعل المثلثون، وغيرهم من فرق الشرك والكفر، كما سيأتي تفصيله.

 

وحتى من قال بـ«البنوّة» الحقيقية، وهي مقولة شرك وكفر بذاتها، كثير منهم قد يكون معذوراً بجهل أو تأويل، أو بعض موانع التكفير المعروفة، وذلك قبل بزوغ شمس الرسالة المُحَمَّدية، وانبلاج نور الحجة الرسالية. فإلى الله ينبغي تفويض أمرهم، كما سيقول السيد المسيح عيسى بن مريم، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى والدته، نفسه يوم القيامة: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وهكذا نقول؛ والثانية، أي المغفرة، نرجو، ولن يهلك على الله إلا هالك!

ولقد كان المفروض أن يكفي إنكار ألوهية المسيح بحمل مقولة بولس الطرسوسي عن المسيح أنه: (تجسّدت فيه الألوهية الكاملة) على المجاز، لا سيما أن الرجل كان يصرح ويصيح (أن الإله واحد)، وما قال قط عن المسيح أنه (إله)، ولكنه خلع عليه فقط لقب: (kyrios) باليونانية، (رب) أو (سيد)، و(رب) لقب يخاطب به الملوك وكبار السادة الإقطاعيين، ويخاطِب به الرقيق المماليك أسيادهم قديماً وحديثاً؛ كما أكثر من تسميته: (ابن الله)، التي يمكن أن تحمل على التبني والاصطفاء؛ كان المفروض أن يكفي ذلك لحل جميع إشكاليات طبيعة المسيح. وإذا تحققت بشرية المسيح فلا حاجة للقول بألوهية روح القدس أصلاً؛ وإذا تقرر هذا فلا حاجة للتثليث أصلاً. ولكن مسيرة التاريخ لم تسر هكذا للأسف الشديد وتطور الأمر على يد الفلاسفة والمتكلمين النصارى إلى نظرية متكاملة عن (تثليث) في غاية الغموض والتعقيد الفلسفي، تحتاج إلى نقد فلسفي منضبط لاستكمال البرهان العقلي على التوحيد. ولكننا بعد مراجعة موضوع (الثليث) لاستيعاب كل الأقوال والتنظيرات تبين أنه يطول جداً بحيث لا يكفيه مجرد فصل من فصول هذا الباب، بل لا بد من بحث مستقل، مع أنه ضئيل الأهمية، قليل المحصول، كما أسلفنا: فلعلنا نلحقه بهذا الكتاب، أو نخرجه بحثاً مستقلاً، إن شاء الله.

 

فصل استطرادي: معنى الآية ﴿قُلْ: إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾

المعنى الصحيح، كما أسلفنا، هو: [قل (يا محمد): لو كان لله ولد – كما تزعمون – لكنت أنا الأسبق إلى عبادته، فلا حاجة لكم إلى المزايدة بالباطل؛ ولكن زعمكم باطل لأن الله منزه عن النقائص: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، (الزخرف؛ 43: 81)، فوجود ولد لله محال ممتنع]؛ وهذا أيضاً هو الذي رجحه الإمام الطبري في تفسيره جامع البيان [ت شاكر (21/651)]: [فالذي هو أشبه المعنيين بها الشرط. وإذ كان ذلك كذلك، فبينة صحة ما نقول من أن معنى الكلام: قل يا محمد لمشركي قومك الزاعمين أن الملائكة بنات الله: إن كان للرحمن ولد فأنا أول عابديه بذلك منكم، ولكنه لا ولد له، فأنا أعبده بأنه لا ولد له، ولا ينبغي أن يكون له. وإذا وجه الكلام إلى ما قلنا من هذا الوجه لم يكن على وجه الشكّ، ولكن على وجه الإلطاف من الكلام وحسن الخطاب، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿قُلِ اللَّهُ: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾. وقد علم أن الحقّ معه، وأن مخالفيه في الضلال المبين]؛ وذلك بعد أن عدد أقوالاً أخرى للسلف غير هذه ذكرها بأسانيدها التي لا نبالي بصحتها من عدمه؛ وقد ضربنا عنها صفحاً لأنها ستأتي في الكلام النفيس القيم للإمام الرازي مع بيان تهافتها وسقوطها.

 

* فقد جاء في تفسير الرازي [مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (27/645)]: [الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ ظَنُّوا أَنَّ قَوْلَهُ قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ لَوْ أَجْرَيْنَاهُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الشَّكِّ فِي إِثْبَاتِ وَلَدٍ لِلَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ مُحَالٌ فَلَا جَرَمَ افْتَقَرُوا إِلَى تَأْوِيلِ الْآيَةِ، وَعِنْدِي أَنَّهُ لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَلَيْسَ فِي ظَاهِرِ اللَّفْظِ مَا يُوجِبُ الْعُدُولَ عَنِ الظَّاهِرِ، وَتَقْرِيرُهُ: أَنَّ قَوْلَهُ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ وَالْقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ مُرَكَّبَةٌ مِنْ قَضِيَّتَيْنِ خَبَرِيَّتَيْنِ أَدْخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا حَرْفَ الشَّرْطِ وَعَلَى الْأُخْرَى حَرْفَ الْجَزَاءِ فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِهِمَا قَضِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَمِثَالُهُ هَذِهِ الْآيَةُ فَإِنَّ قَوْلَهُ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ قَضِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ قَضِيَّتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: قَوْلُهُ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ، وَالثَّانِيَةُ:

قَوْلُهُ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ ثُمَّ أَدْخَلَ حَرْفَ الشَّرْطِ وَهُوَ لَفْظَةُ إِنَّ عَلَى الْقَضِيَّةِ الْأُولَى وَحَرْفَ الْجَزَاءِ وَهُوَ الْفَاءُ عَلَى الْقَضِيَّةِ الثَّانِيَةِ فَحَصَلَ من مجموعهما قضية الأولى واحدة، وهو الْقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ، إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَنَقُولُ: الْقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ لَا تُفِيدُ إِلَّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا للجزاء، وليس فيه إِشْعَارٌ بِكَوْنِ الشَّرْطِ حَقًّا أَوْ بَاطِلًا أَوْ بِكَوْنِ الْجَزَاءِ حَقًّا أَوْ بَاطِلًا، بَلْ نَقُولُ الْقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الْحَقَّةُ قَدْ تَكُونُ مُرَكَّبَةً مِنْ قضيتين حقيتين أَوْ مِنْ قَضِيَّتَيْنِ بَاطِلَتَيْنِ أَوْ مِنْ شَرْطٍ بَاطِلٍ وَجَزَاءٍ حَقٍّ أَوْ مِنْ شَرْطٍ حَقٍّ وَجَزَاءٍ بَاطِلٍ، فَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْقَضِيَّةُ الشَّرْطِيَّةُ الْحَقَّةُ مُرَكَّبَةً مِنْ شَرْطٍ حَقٍّ وَجَزَاءٍ بَاطِلٍ فَهَذَا مُحَالٌ. وَلْنُبَيِّنْ أَمْثَالَ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ:

فَإِذَا قُلْنَا إِنْ كَانَ الْإِنْسَانُ حَيَوَانًا فَالْإِنْسَانُ جِسْمٌ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ وهي مركبة من قضيتين حقيتين، إِحْدَاهُمَا قَوْلُنَا الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ، وَالثَّانِيَةُ قَوْلُنَا الْإِنْسَانُ جِسْمٌ؛

وَإِذَا قُلْنَا إِنْ كَانَتِ الْخَمْسَةُ زَوْجًا كَانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَسَاوِيَيْنِ فَهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ لَكِنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ قَوْلِنَا الْخَمْسَةُ زَوْجٌ، وَمِنْ قَوْلِنَا الْخَمْسَةُ مُنْقَسِمَةٌ بِمُتَسَاوِيَيْنِ وَهُمَا بَاطِلَانِ، وَكَوْنُهُمَا بَاطِلَيْنِ لَا يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ اسْتِلْزَامُ أَحَدِهِمَا للآخر حقا، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْقَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةَ لَا تُفِيدُ إِلَّا مُجَرَّدَ الِاسْتِلْزَامِ؛

وَإِذَا قُلْنَا إِنْ كَانَ الْإِنْسَانُ حَجَرًا فَهُوَ جِسْمٌ، فَهَذَا جِسْمٌ، فَهَذَا أَيْضًا حَقٌّ لَكِنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ شَرْطٍ بَاطِلٍ وَهُوَ قَوْلُنَا الْإِنْسَانُ حَجَرٌ، وَمِنْ جُزْءٍ حَقٍّ وَهُوَ قَوْلُنَا الْإِنْسَانُ جِسْمٌ، وَإِنَّمَا جَازَ هَذَا لِأَنَّ الْبَاطِلَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِنْ فرض وقوعه وقوع حق، فإنا فَرَضْنَا كَوْنَ الْإِنْسَانِ حَجَرًا وَجَبَ كَوْنُهُ جِسْمًا فهذا شرط باطل يستلزم جزءا حَقًّا.

وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ: وَهُوَ تَرْكِيبُ قَضِيَّةٍ شَرْطِيَّةٍ حَقَّةٍ مِنْ شَرْطٍ حَقٍّ وَجَزَاءٍ بَاطِلٍ، فَهَذَا مُحَالٌ، لِأَنَّ هَذَا التَّرْكِيبَ يَلْزَمُ مِنْهُ كَوْنُ الْحَقِّ مُسْتَلْزِمًا لِلْبَاطِلِ وَذَلِكَ مُحَالٌ بِخِلَافِ الْقِسْمِ الثَّالِثِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ كَوْنُ الْبَاطِلِ مُسْتَلْزِمًا لِلْحَقِّ وَذَلِكَ لَيْسَ بِمُحَالٍ؛

إِذَا عَرَفْتَ هَذَا الْأَصْلَ فَلْنَرْجِعْ إِلَى الْآيَةِ فَنَقُولُ قَوْلُهُ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ حَقَّةٌ مِنْ شَرْطٍ بَاطِلٍ وَمِنْ جَزَاءٍ بَاطِلٍ لِأَنَّ قَوْلَنَا كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ بَاطِلٌ، وَقَوْلَنَا أَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ لِذَلِكَ الْوَلَدِ بَاطِلٌ أَيْضًا إِلَّا أَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ كَوْنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَاطِلًا لَا يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ اسْتِلْزَامُ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ حَقًّا كَمَا ضَرَبْنَا مِنَ الْمِثَالِ فِي قَوْلُنَا إِنْ كَانَتِ الْخَمْسَةُ زَوْجًا كَانَتْ مُنْقَسِمَةً بِمُتَسَاوِيَيْنِ، فَثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا امْتِنَاعَ فِي إِجْرَائِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ لِذَلِكَ الْوَلَدِ، فَإِنَّ السُّلْطَانَ إِذَا كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَكَمَا يَجِبُ عَلَى عَبْدِهِ أَنْ يَخْدِمَهُ فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْدِمَ وَلَدَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا التَّرْكِيبَ لَا يَدُلُّ عَلَى الِاعْتِرَافِ بِإِثْبَاتِ وَلَدٍ أَمْ لَا. وَمِمَّا يَقْرُبُ مِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الْأَنْبِيَاءِ: 22] فَهَذَا الْكَلَامُ قَضِيَّةٌ شَرْطِيَّةٌ وَالشَّرْطُ هُوَ قَوْلُنَا فِيهِما آلِهَةٌ وَالْجَزَاءُ هُوَ قولنا لَفَسَدَتا فَالشَّرْطُ فِي نَفْسِهِ بَاطِلٌ وَالْجَزَاءُ أَيْضًا بَاطِلٌ لِأَنَّ الْحَقَّ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمَا آلِهَةٌ، وَكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفَاءَ الشَّيْءِ بِانْتِفَاءِ غَيْرِهِ لِأَنَّهُمَا مَا فَسَدَتَا ثُمَّ مَعَ كَوْنِ الشَّرْطِ بَاطِلًا وَكَوْنِ الْجَزَاءِ بَاطِلًا كَانَ اسْتِلْزَامُ ذَلِكَ الشَّرْطِ لهذا الجزاء حقا فكذا هاهنا؛

فإن قالوا الفرق أن هاهنا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ بِصِيغَةِ لَوْ فَقَالَ: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ وَكَلِمَةُ لَوْ تُفِيدُ انْتِفَاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفَاءِ غَيْرِهِ، وَأَمَّا فِي الْآيَةِ الَّتِي نَحْنُ فِي تَفْسِيرِهَا إِنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى كَلِمَةَ إِنْ وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ لَا تُفِيدُ انْتِفَاءَ الشَّيْءِ لِانْتِفَاءِ غَيْرِهِ، بَلْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ تُفِيدُ الشَّكَّ فِي أَنَّهُ هَلْ حَصَلَ الشَّرْطُ أَمْ لَا، وَحُصُولُ هَذَا الشَّكِّ لِلرَّسُولِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، قُلْنَا الْفَرْقُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ صَحِيحٌ إِلَّا أَنَّ مَقْصُودَنَا بَيَانُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ من كون الشرطية صادقة كون جزءيها صَادِقَتَيْنِ أَوْ كَاذِبَتَيْنِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ أَمَّا قَوْلُهُ إِنَّ لَفْظَةَ إِنْ تُفِيدُ حُصُولَ الشَّرْطِ هَلْ حَصَلَ أَمْ لَا، قُلْنَا هَذَا مَمْنُوعٌ فَإِنَّ حَرْفَ إِنْ حَرْفُ الشَّرْطِ وَحَرْفُ الشَّرْطِ لَا يُفِيدُ إِلَّا كَوْنَ الشَّرْطِ مُسْتَلْزِمًا لِلْجَزَاءِ، وَأَمَّا بَيَانُ أَنَّ ذَلِكَ الشَّرْطَ مَعْلُومُ الْوُقُوعِ أَوْ مَشْكُوكُ الْوُقُوعِ، فَاللَّفْظُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ الْبَتَّةَ، فَظَهَرَ مِنَ الْمَبَاحِثِ الَّتِي لَخَّصْنَاهَا أن الكلام هاهنا مُمْكِنُ الْإِجْرَاءِ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ وَأَنَّهُ لَا حَاجَةَ فِيهِ الْبَتَّةَ إِلَى التَّأْوِيلِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ لِذَلِكَ الْوَلَدِ وَأَنَا أَوَّلُ الْخَادِمِينَ لَهُ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ بَيَانُ أَنِّي لَا أُنْكِرُ وَلَدَهُ لِأَجْلِ الْعِنَادِ وَالْمُنَازَعَةِ فَإِنَّ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِ هَذَا الْوَلَدِ كُنْتُ مُقِرًّا بِهِ مُعْتَرِفًا بِوُجُوبِ خِدْمَتِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هَذَا الْوَلَدُ وَلَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِهِ الْبَتَّةَ، فَكَيْفَ أَقُولُ بِهِ؟ بَلِ الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ قَائِمٌ عَلَى عَدَمِهِ فَكَيْفَ أَقُولُ بِهِ وَكَيْفَ أَعْتَرِفُ بِوُجُودِهِ؟ وَهَذَا الْكَلَامُ ظَاهِرٌ كَامِلٌ لَا حَاجَةَ بِهِ الْبَتَّةَ إِلَى التَّأْوِيلِ وَالْعُدُولِ عَنِ الظَّاهِرِ، فَهَذَا مَا عِنْدِي فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَنُقِلَ عَنِ السُّدِّيِّ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ حَمْلُ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا مُمْكِنٌ وَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّأْوِيلِ، وَالتَّقْرِيرُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي قَالَهُ هُوَ الْحَقُّ، أَمَّا الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ من التأويل فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا:

الْأَوَّلُ: قَالَ الْوَاحِدِيُّ كَثُرَتِ الْوُجُوهُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَالْأَقْوَى أَنْ يُقَالَ الْمَعْنَى إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فِي زَعْمِكُمْ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ أَيِ الْمُوَحِّدِينَ لِلَّهِ الْمُكَذِّبِينَ لِقَوْلِكُمْ بِإِضَافَةِ الْوَلَدِ إِلَيْهِ،

وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: إِنْ يَثْبُتْ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَأَنَا أَوَّلُ الْمُنْكِرِينَ لَهُ أَوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ إِنْ يثبت لكم ادعاء أن لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا فَأَنَا أَوَّلُ الْمُنْكِرِينَ لَهُ، وَالْأَوَّلُ: بَاطِلٌ لِأَنَّ ثُبُوتَ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ لَا يَقْتَضِي كَوْنَ الرَّسُولِ مُنْكِرًا لَهُ، لِأَنَّ قَوْلَهُ إِنْ كَانَ الشَّيْءُ ثَابِتًا فِي نَفْسِهِ فَأَنَا أَوَّلُ الْمُنْكِرِينَ يَقْتَضِي إِصْرَارَهُ عَلَى الْكَذِبِ وَالْجَهْلِ وَذَلِكَ لَا يَلِيقُ بِالرَّسُولِ، وَالثَّانِي: أَيْضًا بَاطِلٌ لِأَنَّهُمْ سَوَاءٌ أَثْبَتُوا لِلَّهِ وَلَدًا أَوْ لَمْ يُثْبِتُوهُ لَهُ فَالرَّسُولُ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ الْوَلَدِ، فَلَمْ يَكُنْ لِزَعْمِهِمْ تَأْثِيرٌ فِي كَوْنِ الرَّسُولِ مُنْكِرًا لِذَلِكَ الْوَلَدِ فَلَمْ يَصْلُحْ جَعْلُ زَعْمِهِمْ إِثْبَاتَ الْوَلَدِ مُؤَثِّرًا فِي كَوْنِ الرَّسُولِ مُنْكِرًا لِلْوَلَدِ.

الْوَجْهُ الثَّانِي: قَالُوا مَعْنَاهُ: إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ الْآنِفِينَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ مِنْ عَبِدَ يَعْبَدُ إِذَا اشْتَدَّتْ أَنَفَتُهُ فَهُوَ عَبِدٌ وَعَابِدٌ، وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ (عبدين).

واعلم أن السؤال المذكور قائم هاهنا لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ: إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَأَنَا أَوَّلُ الْآنِفِينَ مِنَ الْإِقْرَارِ بِهِ، فَهَذَا يَقْتَضِي الْإِصْرَارَ عَلَى الْجَهْلِ وَالْكَذِبِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فِي زَعْمِكُمْ وَاعْتِقَادِكُمْ فَأَنَا أَوَّلُ الْآنِفِينَ، فَهَذَا التَّعْلِيقُ فَاسِدٌ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَنَفَةَ حَاصِلَةٌ سَوَاءٌ حَصَلَ ذَلِكَ الزَّعْمُ وَالِاعْتِقَادُ أَوْ لَمْ يَحْصُلْ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ هَذَا التَّعْلِيقُ جَائِزًا.

وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: قَالَ بعضهم إن كلمة إن هاهنا هِيَ النَّافِيَةُ وَالتَّقْدِيرُ مَا كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْمُوَحِّدِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَنْ لَا وَلَدَ لَهُ.

وَاعْلَمْ أَنَّ الْتِزَامَ هَذِهِ الْوُجُوهِ الْبَعِيدَةِ إِنَّمَا يَكُونُ لِلضَّرُورَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ الْبَتَّةَ فَلَمْ يَجُزِ الْمَصِيرُ إِلَيْهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُانتهى كلام الإمام الرازي؛

 

فنقول أولاً: لم يطل الإمام الرازي في الرد على الوجه الثالث لأن جعل (إن) بمعنى: (ما) تأويل بعيد جداً لا أعلمه معهوداً في كلام العرب، بل لعله كذب عليهم: فلا يصار إليه، إن جاز ذلك أصلاً، إلا لضرورة ملجئة.

ونقول ثانياً: تأمل في هذا الفكر العميق المستنير الذي ما وصل إليه الإمام الرازي إلا لأنه قد تمرس في العلوم المنطق والكلام؛ تأمله جيداً لتعلم الحق، ليس فقط في قضيتنا الجزئية، بل أيضاً في حقيقة الأقوال الوهابية المخذولة الخائبة: (علم الكلام جهل، وجهل الكلام علم)، و(من تمنطق فقد تزندق): نعوذ بك اللهم من الخذلان، ونسألك، بأسمائك الحسنى، وصفاتك العلى، أن تمتعنا بعقولنا بكل ملكاتها عامة، وبإتقان علوم المنطق والفلسفة والكلام خاصة؛ وأن تمتعنا بكل قواتنا، وحواسنا، وأسماعنا، وأبصارنا، أبداً ما أحييتنا!

 

فالصحيح أنَّ (إِنْ) في هذه الآية شرطية، وعدل عن استخدام (لو) المفيدة لتقدير امتناع لامتناع إلى (إن) لأسباب بلاغية ذكر الإمام الطبري بعضها. وليست الآية، في تمام سياقها إذا ضمت للتي تليها، من المتشابه، كما وهم بعضهم فذهب إلى التأويلات البعيدة الساقطة الفاسدة: بل هي من القطعي المحكم، الذي ترد إليه الظنيات والمتشابهات. والآية ترشد بدقة أن (ولد الصلب) من جنس أبيه، لا محالة: فإن كان الأب إلاها، مستحقاً للعبادة، فالابن كذلك ضرورة، ولا عجب أن تأتي آية التمانع هكذا: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ، وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ: سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، (المؤمنون؛ 23: 91): فتنفى البنوة أولاً في الآية، إبطالاً للجنس الإلاهي، ثم يساق برهان التمانع إبطالاً لتعدد الآلهة المستقلين: فيتم إبطال تعدد الآلهة، أيا ما كان نوعها، إبطالاً تاماً مطلقاً.

والآية أيضاً، بما أرشدت إليه أهل العقول المستنيرة، من أمثال الإمام الفخر الرازي، حول حقيقة القضايا الشرطية، بأسهل عبارة، وأوجز بيان، من معالم إعجاز هذا الكتاب العظيم، حقاً: ﴿قُل: لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾، (الإسراء؛ 17 : 88).

 

فصل: أفعال الله وأحكامه لا تعلّل، بل هو يفعل ما يشاء ويختار، ويحكم ما يريد

أفعال الله، جل جلاله، لا تعلّل، فهو: ﴿فعَّالٌ لما يُريد﴾، (البروج؛ 85: 20)، ﴿إنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيد﴾، (المائدة؛ 4: 1)، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ، (القصص؛ 28: 68)، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، (الأنبياء؛ 21: 23).

فهو، جل جلاله وسما مقامه، خالق فاعل آمر حاكم بالمشيئة والإرادة الحرة الطليقة من كل قيد ولا شرط، إلا ما قيّد هو به نفسه أو اشترطه على نفسه أو أوجبه على نفسه، ليس وراءه أو فوقه سلطة تلزمه، لا يغالبه غالب، ولا يفلت منه هارب.

 

هذا وحده هو الذي يفهم ضرورة من نصوص القرآن القطعية ثبوتاً، والقطعية دلالة بمجموعها، وتفسير بعضها ببعض، وكذلك من السنّة النبوية، وهي بمجموعها قطعية ثبوتاً ودلالة كذلك: فالله سبحانه وتعالى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ، (القصص؛ 28: 68)، أي أنه خالق بالإرادة الحرة المطلقة، المتعالية على كل قيد أو شرط، لا لعلة أو ضرورة أوجبت عليه ذلك. هذه ضرورة عقلية، أكدها الوحي، ويستحيل عقلاً غير ذلك:

* فقد قال الإمام الحجة أبو مُحَمَّد علي بن حزم في المحلى بالآثار [ط دار الفكر – بيروت؛ (1/23)]: [(مَسْأَلَة فِي بَيَان أَنْ اللَّه خلق كُلّ شَيْء لِغَيْرِ عِلَّة وبرهان ذَلِكَ) - 4 - مَسْأَلَةٌ: وَأَنَّهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ لِغَيْرِ عِلَّةٍ أَوْجَبَتْ عَلَيْهِ أَنْ يَخْلُقَ. بُرْهَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِمَّا فَعَلَ لِعِلَّةٍ لَكَانَتْ تِلْكَ الْعِلَّةُ إمَّا لَمْ تَزَلْ مَعَهُ وَإِمَّا مَخْلُوقَةً مُحْدَثَةً وَلَا سَبِيلَ إلَى قِسْمٍ ثَالِثٍ، فَلَوْ كَانَتْ لَمْ تَزَلْ مَعَهُ لَوَجَبَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئَانِ مُمْتَنِعَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَعَهُ تَعَالَى غَيْرَهُ لَمْ يَزَلْ، فَكَانَ يُبْطِلُ التَّوْحِيدَ الَّذِي قَدْ أَبَنَّا بُرْهَانَهُ آنِفًا؛

وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ يَجِبُ إذْ كَانَتْ عِلَّةُ الْخَلْقِ لَمْ تَزَلْ أَنْ يَكُونَ الْخَلْقُ لَمْ يَزَلْ، لِأَنَّ الْعِلَّةَ لَا تُفَارِقُ الْمَعْلُولَ، وَلَوْ فَارَقَتْهُ لَمْ تَكُنْ عِلَّةً لَهُ، وَقَدْ أَوْضَحْنَا آنِفًا بُرْهَانَ وُجُوبِ حُدُوثِ الْعَالَمِ كُلِّهِ.

وَأَيْضًا: فَلَوْ كَانَتْ هَهُنَا عِلَّةٌ مُوجِبَةٌ عَلَيْهِ تَعَالَى أَنْ يَفْعَلَ مَا فَعَلَ لَكَانَ مُضْطَرًّا مَطْبُوعًا أَوْ مُدَبِّرًا مَقْهُورًا لِتِلْكَ الْعِلَّةِ، وَهَذَا خُرُوجٌ عَنْ الْإِلَهِيَّةِ، وَلَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ مُحْدَثَةً لَكَانَتْ وَلَا بُدَّ إمَّا مَخْلُوقَةً لَهُ تَعَالَى وَإِمَّا غَيْرَ مَخْلُوقَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَخْلُوقَةٍ فَقَدْ أَوْضَحْنَا آنِفًا وُجُوبَ كَوْنِ كُلِّ شَيْءٍ مُحْدَثٍ مَخْلُوقًا، فَبَطَلَ هَذَا الْقِسْمُ. وَإِنْ كَانَتْ مَخْلُوقَةً وَجَبَ وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مَخْلُوقَةً لِعِلَّةٍ أُخْرَى أَوْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ، فَإِنْ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ مَخْلُوقَةً لِعِلَّةٍ أُخْرَى وَجَبَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْعِلَّةِ الثَّانِيَةِ وَهَكَذَا أَبَدًا، وَهَذَا يُوجِبُ وُجُوبَ مُحْدِثِينَ لَا نِهَايَةَ لِعَدَدِهِمْ. وَهَذَا بَاطِلٌ لِمَا ذَكَرْنَا آنِفًا وَبِأَنَّ كُلَّ مَا خَرَجَ إلَى الْفِعْلِ فَقَدْ حَصَرَهُ الْعَدَدُ ضَرُورَةً بِمِسَاحَتِهِ أَوْ بِزَمَانِهِ وَلَا بُدَّ، وَكُلُّ مَا حَصَرَهُ الْعَدَدُ فَهُوَ مُتَنَاهٍ. فَبَطَلَ هَذَا الْقِسْمُ أَيْضًا وَصَحَّ مَا قُلْنَاهُ وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ.

وَإِنْ قَالُوا: بَلْ خُلِقَتْ الْعِلَّةُ لَا لِعِلَّةٍ. سَأَلُوا: مِنْ أَيْنَ وَجَبَ أَنْ يَخْلُقَ الْأَشْيَاءَ لِعِلَّةٍ وَيَخْلُقَ الْعِلَّةَ لَا لِعِلَّةٍ؟ وَلَا سَبِيلَ إلَى دَلِيلٍ]، انتهى كلام أبي مُحَمَّد نصاً، إلا من بعض علامات الترقيم.

 

قلت: كلام أبي مُحَمَّد تضمَّن براهين ضرورية لا مزيد عليها، وإن كانت مختصرة، فتدبَّرها بدقة. ونحن نزيدها، ها هنا، إيضاحاً وبياناً فنقول: أن من زعم أن لأفعال الله وأقضيته (التكوينية القدرية) أو لأوامره وأحكامه وأقضيته (التشريعية الدينية) علل، (والعلل ضرورية موجبة) قيل لهم: أخبرونا عن أي واحدة من هذه العلل الضرورية الموجبة التي تزعمون:

(1) ــ أهي من فعل غيره أو حكم غيره أو قضاء غيره أو أمر غيره؟!

(2) ــ أم ليس من فعله أو حكمه أو قضائه أو أمره تعالى، وليس من فعل غيره ولا من حكمه ولا من قضائه ولا من أمره؟!

(3) ــ أم من فعل الله تعالى وحكمه وأمره وقضائه؟!

ومن المحال الممتنع أن يجدوا قسماً رابعاً أصلاً!

فإن قالوا مِنْ فعل غير الله، أو من حكم غيره، جعلوا ههنا خالقا غيره، وحاكماً غيره، وهذا شرك مجرد وكفر صريح، بل هو أشنع من ذلك. جعلوا فعل ذلك الفاعل، أو حكم ذلك الحاكم، موجبا على الله تعالى أن يفعل ما فعل وأن يحكم بما حكم به، فليس مع الله شركاء فحسب، بل منهم من هو أعلى منه مرتبة، وأشد قوة، وأسمى مقاماً!

 

وإن قالوا ليست من فعله ولا من فعل غيره، لزمهم أن في الوجود أشياء قديمة لم تزل، لا فاعل لها؛ أو أنهم في هذا الحاكمون على الله تعالى بها، وهم الذين يحللون ويحرمون ويقضون على الباري عز وجل، وهذا كذلك كفر وشرك مجرد، وهو في غاية التناقض:

 (أ) ــ لأن تعدد واجبي الوجود القدماء محال، كما قام عليه البرهان، وأن واجب الوجود الأول الأزلي القديم من غير ابتداء واحد فقط لا غير،

(ب) ــ وعلى فرض تعدد القدماء (وهو مستحيل) جدلاً، فإن تسلط بعضهم على بعض محال، وعلو بعضهم على بعض محال، وحكم بعضهم على بعض محال، لأنهم في مرتبة واحدة ضرورة.

(ج) ــ وخروج شيء إلى الوجود مع تمانع القدماء وتساويهم في مراتب القدرة والسيادة والعلو والحاكمية محال أيضاً، لأن كل واحد يقدر على منع الآخر، وكل واحد منهم يقدر على إبطال فعل الآخر (كما هو مشبع تفصيلاً في مناقشة برهان التمانع)، فإن كان الأمر كذلك: فمن أين جاءت هذه الممكنات التي لا تحصى في هذا الكون الفسيح؟!

 

فمذهب منكري الصانع، من الدهريين والماديين، أمثل من هذا وأعدل، وأقل تناقضاً، لأنهم يقولون بقديم واحد هو الطبيعة الخلاقة الفعالة بالضرورة، لا بالاختيار، وهذا إنما يتناقض فقط مع الواقع، أي مع حالة الكون المحسوس المشاهد، كما هو اليوم، ولا يستلزم ذلك البحر المتلاطم من التناقضات والمستحيلات!

 

فإن رجعوا إلى الحق، وقالوا: بل هي من فعل الله عز وجل وحكمه، وحده لا شريك له؛ قلنا لهم أخبرونا عن أي علة من تلك العلل، ولعلنا نفرض علة واحدة معينة، نجعلها نصب أعيننا، وموضع نظرنا وبحثنا، هذه العلة المعينة موضع الدرس:

(أ) ــ أفعلها الله تعالى أو حكم بها لعلة أخرى؟!

(ب) ــ أو فعلها وحكم بها لغير علة أصلاً؟!

فإن أصابوا الحق وقالوا: بل فعلها الله تعالى، أو حكم بها لغير علة أصلاً، تركوا مقولتهم الشنعاء، وأقروا أنه، تبارك وتعالى، يفعل الأشياء لا لعلة، من حيث المبدأ.

وإن قالوا بل فعَل الأشياء الثانوية أو حكَم الأحكام الثانوية لعلة، أما الأوليِّات، وهي العلل نفسها، فهي هكذا بدون علة، قيل لهم: ما الذي أوجب أن تكون الأفعال والأحكام الثواني لعلل، وتكون الأفعال والأحكام الأول، التي هي علل تلك الأفعال والأحكام الثواني، لا لعلل؟! وهذا تحكّم بلا دليل، ودعوى ساقطة لا برهان عليها؛ إلا أنه أمر ممكن في ذاته، لا تناقض فيه، فإذا جاء من الله خبر بذلك نأخذ به، ونتوقَّف عنده. وعلى كل حال فهذا هدم لقاعدتهم الأصلية: أنه، جل جلاله وسما مقامه، لا يفعل أو يحكم مطلقاً إلا لعلة!

وإن قالوا بل فعلها الله تعالى، أو حكم بها لعلل أخر، سئلوا عن هذه العلل أيضا كما سئلوا عن التي قبلها، وهكذا أبدا إلى غير حد، ولا نهاية. فلا بد لهم، بالضرورة العقلية المطلقة، من أحد أمرين، لا ثالث لهما:

(أ) ــ إما أن يصلوا إلى أفعال وأحكام ما، فيقولون إنه فعلها لغير علة، فيكونون بذلك تاركين لقولهم المكذوب الباطل: (إنه، تعالى ذكره، لا يفعل شيئا، أو يحكم ويأمر بشي، إلا لعلة)، فيكون الرب، جل جلاله وسمى مقامه، لا يفعل أو يحكم أو يأمر أو يقضي بشيء لعلة في التحليل النهائي، وإن كان ربما جعل شيئاً علة لشيء، أو شيئاً سبباً لشيء، في النظر المتوسط، أو المراتب المتوسطة، مهما كثرت هذه الوسائط، أما في التحليل والنظر النهائي، فلا!

(ب) ــ أو يقولون بمفعولات وأحكام وأوامر وأقضية لا بداية لها، مع ترتّب بعضها على بعض بالعلية أو السببية الضرورية، وهذا تسلسل في العلل والمعلولات، وهو مستحيل بإجماع العقلاء، لأنه هدم للعقل، وتحطيم له، وهو مع هذا كفر وخروج عن الإسلام بإجماع الأمة. فقبّح الله قولاً يؤول إلى المستحيل الممتنع عقلاً، وإلى الكفر المناقض للشريعة من كل وجه!!

 

فهذا هو البرهان الضروري الذي لا انفكاك عنه على صحة قولنا: (إن الله، تعالى وتقدَّس، يفعل ما يشاء ويختار، ويحكم ما يريد، لا لعلة أوجبت عليه ذلك الفعل أو الحكم أصلا، ولا بوجه من الوجوه، على وجه الابتداء في التحليل والنظر النهائي: بل هو الحر المطلق، إن شاء فعل وحكم، وإن شاء لم يفعل ولم يحكم)، وبطلان غيره من الأقوال المتناقضة.

 

فواجب الوجود، وهو كائن واحد فقط لا غير، من غير زيادة ولا نقصان، ليس جماداً ميتاً، ولا هو قوة خارقة ميتة عمياء صماء تخلق بالضرورة وهي لا تعي ما تفعل، كما هو الحال بالنسبة لـ(الطبيعة) الخلاقة بالاضطرار كما يقول الملحدون، فهذا كله محال كما سلف؛ وإنما هو فاعل مختار، أي فاعل بالمشيئة والإرادة الحرة الطليقة المتعالية على كل قيد أو شرط، وهذا يقتضي ضرورة أنه: يدرك نفسه، ويعلم بها، ويعلم علما يقينياً شاملاً محيطاً بحقائق كل الضروريات، وبكل الممكناتً، ويختار منها ما يشاء من العوالم والكائنات الممكنة، ثم يخرجه من العدم بالكيفية والشروط الابتدائية التي يختارها هو، فهو: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ، (القصص؛ 28: 68).

والكائن الموصوف بالعلم والإدراك وبالمشيئة والإرادة والفعل الاختياري، يسمّى حياً؛ وواجب الوجود ضرورة، له من معاني «الحياة» أكمل معانيها، ومنتهى غايتها، حياة أزلية أبدية دائمة، لا يتصور في حقها موت ولا ذهول، ولا سِنة ولا نوم، ولا ضعف أو مرض أو قصور؛ فالله هو «الحي»، وهو واجب الوجود، قائم بذاته، غني بذاته عن غيره، وهذا هو: «القيُّوم»: فهو: ﴿الله لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ، جل جلاله، وسمى مقامه، وتباركت أسماؤه، وتقدست صفاته: حقاً وصدقاً. أزلاً وأبداً.

 

فصل: القدر خيره وشره من الله تعالى

أسلفنا أن العالم كله، بما في ذلك الكون المرئي وغيره من الأكوان غير المرئية، والأكوان القديمة التي بادت وذهبت قبل كوننا هذا، إن كان ذلك قد وقع أصلاً، والأكوان التي ستأتي وليست هي موجودة الآن بعد، أي كل الممكنات، أي كل الكائنات والموجودات، باستثناء الله الحي القيوم واجب الوجود الواحد الأحد، إنما خلقها الله، ووضع نظامها، وقدر مقاديرها، وحدد شروطها الابتدائية المحدِّدة لمسار تطورها، وعلم على التفصيل والإجمال ما سيكون واقعاً فيها أو ما يمكن أن يقع فيها، وأذن بوقوع ذلك كله، ولو لم يأذن بوقوعه وخروجه إلى الوجود لما خرج إلى الوجود فعلاً، ضرورة ولا بد بحكم العقل، لا محيص من التسليم لها، فليس ثمة إلاهين اثنين، أحدهما طيب، يخلق الخير، والآخر خبيث، يخلق الشر: كلا، إنما هو إله واحد، خالق كل شيء، ومليكه، صاحب القهر والهيمنة والسيادة النهائية العليا: لا يغالبه غالب، ولا يفلت نه هارب. وهكذا جاء الشرع آمراً بالإيمان والتسليم بـ(القدر خيره وشره من الله تعالى).

 

ومن حق قائل أن يقول: خيره، فهمناها، وعلى العين والرأس، ولكن شره؟!

نعم، وشره: بغض النظر عن كون الإنسان قد يحكم على أمور حكماً خاطئاً أو نسبياً بأنها شر من وجهة النظر الإنسانية المحدودة، لأنها مؤلمة مثلاً، كافتراس أسد كاسر لإنسان، وهي ليست كذلك، أي ليست شراً، أو ليست شراً بإطلاق، بل هي بعض ما يقتضيه تناسق نظام الكون، واطراد قواعده.

 

وقد يكون ما يسميه الإنسان شراً، هو شر بحق، كمعصية أمر الله، من بعض المخلوقين، المتمتعين بالعقل والإدراك والتمييز، الذين منَّ الله عليهم بحرية الإرادة والاختيار، وهي حرية حقيقية، فهم فاعلون بالاختيار في داخل هذا الكون، وفي إطار نظامه. فبدلاً من شكر المنعم بطاعته، والإحسان إلى خليقته، انقلب هذا الإنسان إلى خصيم مُبين، فعصى وتمرّد، وأجرم وتجبّر، ونشر الفساد والدمار، وأهلك الحرث والنسل، هذا شر قطعاً! وما كان هذا ليقع ويخرج إلى الوجود إلا بإذن الله ومشيئته، بالرغم من كراهية الله لذلك وسخطه على فاعله؛ ومن المحال، عقلاً وشرعاً، أن يكون غير ذلك.

 

وقد يقول قائل هذا ثمن زهيد في مقابل نعمة العقل والتمييز والإرادة الحرة، وهو مترتّب عليها ضرورة. فمن المحال أن يتمتع مخلوق بالعقل والتمييز والإرادة الحرة، ثم يمنع من اختيار ما يريد، مع تحمله لكافة مسؤوليته.

فنقول: نعم، ولكن هذا لا يفسر لم وقع اختيار الله على كون كهذا، فلولا خلق كوناً من الآلات المجبرة، أو الملائكة المعصومة المسخّرة المسيّرة؟! والجواب: لأن الله، جل جلاله وتباركت أسماؤه، هكذا هو، كما هو في نفسه هو: ﴿لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ. وأنت تفهم ذلك وتتعقله، ولكنك لن تدرك ذلك إدراك إحاطة واستيعاب إلا إذا أحطت به علماً، وهذا محال.

 

فليس لك إذاً إلا القبول والتسليم، بضرورة العقل، قبل ورود الشرع؛ فكما سلمت بأنه موجود، وأنه الأزلي الأول واجب الوجود، فكذلك سلم بهذه، أي أن: (القدر خيره وشره من الله تعالى)، وأنه: ﴿لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ.

 

فإذا بلغت هاهنا فتوقَّف وأمسك: فليس فوق الله مرجعية، ولا لفعله مسائلة، ولا لقضائه تعقيب أو مراجعة، لأنه هو غاية الغاية، ونهاية النهاية: ﴿لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ. وهبك أردت أن تراجع أو تعقِّب أو تقاضي أو تحاكم، فإلى من يا ترى؟!

(1) ــ إلى واجب وجود آخر يعلو عليه أو يساويه في المرتبة؟! ولكن ما ثمة في الوجود واجب غيره، فاستحال هذا!

(2) ــ أو إلى عقلك، أو عقول جمهور العقلاء من المخلوقين؛ فهذا العقل من خلق الله، والعقل نهائي ممكن، دون الله في المرتبة، فكيف يحكم الأسفل على الأعلى؟!

ولو تواقحت وحكمت بعقلك الأدنى أن ما تسميه شراً غير مقبول، وأنه ظلم وتجاوز من الله، تعالى الله عن ذلك، فكذلك عقلك ليس بموثوق به؛ فلعله مختل في أصل خلقته، فكما أنك جوَّزت أن الله، تعالى وتقدس، قد ظلم، فكذلك يجوز أن يكون قد تلاعب وعبث: فخلق عقلك آلة مختلة، لا تصلح للحكم، فبعض أحكامها مناقض للحق. بل إن الحق والصدق لم يعد لهما معنى أصلاً، وكذلك الخير والشر: فمرحباً بك في مصحة الأمراض العقلية!!

(3) ــ أم إلى «عقله»، أي علمه وإدراكه المحيط بكل شيء؟! هذا تحاكم حسن جميل، ولكنه وقع فعلاً، وفرغ منه؛ ولولا أنه، تبارك وتعالى، قد حكم (من قبل أن تخلق أنت أصلاً، وتأت مجادلاً محاججاً) أن هذا الكون حسن جميل، (من "وجهة نظره" هو طبعاً، وبالضرورة، تعالى وتقدس)، وأهل أن يخلق هكذا، بهذه الصفة، لولا ذلك لما خلقه أصلاً، ولما كنت أنت ها هنا تجادل وتسأل، وتطلب التحكيم. فمجرد وجودك اليوم ها هنا، وتساؤلك وجدالك، هو «عينه» جواب سؤالك، والحكم الفيصل في قضيتك!

 

فمشكلة القدر، كما ترى أيها الإنسان المجادل، أي مشكلة وجود ما يسمَّى بـ«الشر» في العالم، أو بلفظ أعم: لماذا العالم هكذا على هذه الصفة، وليس على غيرها، مع كون ذلك ممكن من الممكنات، وليس من الضروريات: بحر ليس له قرار، ولا يدرك له غوار، إلا لمن استوعب ادركاً، وأحاط علماً بذات الواحد القهار، الملك الجبار، وليس علم ذلك، علماً شاملاً، وادراكه، وإدراك إحاطة واستيعاب كامل، ليس ذلك ممكناً (إن سلمنا أصلاً أنه ممكن، وليس من المحالات العقلية والمنطقية) إلا لكائن واحد فقط: هو الله الحي القيوم، العزيز الغفار: إذاً توقَّف وأمسك، وسلّم واستسلم!!

 

فهذا إذاً هو الحل العقلاني الوحيد لمشكلة القدر: أن تعلم علماً قاطعاً، وتوقن يقيناً جازماً بأن القدر خيره وشره من الله تعالي: فليس ثمة إلاهين اثنين: إنما هو إله واحد، خالق كل شيء. وليس هذا هو الواجب عقلاً فحسب، بل هو المتعين شرعا: فقد جاء الشرع آمراً أمراً جازماً بالإيمان والتسليم بـ(القدر خيره وشره من الله تعالى)، فتعلم: (أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك)، فجعله من أركان الإيمان، من مات غير مؤمن به، بعد بلوغ الرسالة، وقيام الحجة، كان من أهل النار يوم القيامة: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ * إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾، (القمر؛ 54 : 47-50).

 

وربما ظن بعض الناس أن (الإلحاد)، أي إنكار وجود الله، الحي القيوم، العليم الحكيم، الخالق بالمشيئة والاختيار، ونسبة كل الموجودات إلى الطبيعة الميتة الصماء العمياء، الفاعلة بالضرورة، هو الحل الأمثل لمشكلة (القدر). فنقول: بغض النظر من قيام قواطع الأدلة على وجود الله، الحي القيوم، العليم الحكيم، الخالق بالمشيئة والاختيار، التي سبق ذكرها، والتي ستأتي في الكلام عن النبوات، بغض النظر عن كل ذلك، فلا راحة لكم – معشر الملحدين - في هذا الحل (العاطفي الخيالي)، الذي ربما صلُح لدغدغة مشاعر بعض السطحيين السذج من الناس: فها هو الكون، كما هو في واقعه ضرورة، بما فيه من (شرور) و(مصائب)، وهو - بزعمكم - كالبحر المتلاطم من الحوادث من الأزل إلى الأبد: وما أنت أيها الإنسان المعاني من مشكلة (القدر)، أي: مشكلة الخير والشر، إلا (فقاعة) في خضم هذا البحر المتلاطم بالأمواج العاتية في مسرح الزمان والمكان: مسرحية هائلة لا معنى لها، وليس لها بداية أو انتهاء: فاستمتع إن شئت بحياة محدودة مملوءة بالمنغصات، مع اليأس المطلق من أي خلاص أو خلود؛ أو أغرق بؤسك وهمومك في الخمور والمخدرات؛ أو انتحر: فياله من حل كئيب!

 

وأما المؤمنون بالله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره من الله تعالى فلهم من الثقة بحكمة الله، وحسن اختياره، ما يجلب طمأنينة النفس، وراحة البال: حياة طيبة في الدنيا؛ مع أعظم الرجاء في حياة أبدية، وسعادة سرمدية، في رياض الأنوار، ومرابع الأُنس، وحضائر القُدْس: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾، (القمر؛ 54 : 54-55)؛ وكان، جل جلاله، وسما مقامه، قد قال قبيلها، في تناسق بديع: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (47) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (50) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (51) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (53)﴾، (القمر؛ 54 : 47 – 53)!

 

فصل: برهان (التمانع)

برهان (التمانع) هو برهان الوحدانية المستند إلى قوله، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ، وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ: سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، (المؤمنون؛ 23: 91)، فإليك بسطه:

قال الإمام أبو العباس أحمد بن تيمية، ليس مكذا بأحرفه نصاً، وإنما بتهذيب وتصرف، وتجميع وتركيب من مراجع متعددة: [لو قدَّر قديمان أو واجبان، كلٌّ منهما إنما صار قادرًا بإقدار الآخر كان هذا ممتنعًا في ضرورة العقل، وكان مستلزمًا للدور القبلي، وهو محال ممتنع بضرورة العقل وإجماع العقلاء، وذلك بأن هذا لا يكون قادرًا حتى يجعله ذاك قادرًا، وذاك لا يكون قادرًا حتى يجعله هذا قادرًا، فلا يكون كلّ واحدٍ منهما قادرًا، فإنّ كون القادر قادرًا في نفسه هو سابقٌ لكونه يجعل غيره قادرًا، فمن ليس بقادرٍ في نفسه يمتنع أن يجعل غيره قادرًا، فالامتناع يعلم من جهتين: من جهة بطلان الدور القبلي؛ ومن جهة أن من ليس بقادرٍ يمتنع أن يجعل غيره قادراً:. فعلمنا مما سلف ضرورة أنّ واجب الوجود لا بد أن يكون قادرًا بنفسه، أي أن قدرته ذاتية، فلا تكون قدرته مستفادةً من غيره أصلاً، وأن تكون تامة مطلقة تتعلق بكل مقدور، وإلا لكان في الإمكان استكمالها والزيادة فيها، وهذا الإمكان مناقض لمفهوم وجوب الوجود.

وحينئذٍ فإذا قدّر قادران، كل واحد منهما تام القدرة الذاتية، مستقل عن الآخر، أي باختصار: إذا قدر إلاهان (لأن (الإله) بحق: هو الكائن ذاتي القدرة، تام القدرة الذاتية، الفاعل بالمشيئة والاختيار بكامل الحرية، المستقل عن الغير تمام الاستقلال)، كان اجتماعهما على فعل المفعول الواحد ممتنعًا لذاته بصريح العقل واتفاق العقلاء، فإن فعل أحدهما له يوجب استقلاله فيمتنع أن يكون له شريك فضلًا عن أن يكون هناك فاعلٌ آخر مستقلّ،

 

ولهذا كان من المعلوم عند العقلاء بصريح العقل أنه يمتنع اجتماع مؤثرين تامين على أثرٍ واحد، وإن شئت قلت: يمتنع اجتماع علتين تامتين على معلولٍ واحد، وإن ظن خلاف ذلك فهي علة واحدة عُبِّرَ عنها بجمل مختلفة فحصل التوهم أنهما علتان، أو كلتاهما ليست بالتامة، فكل واحدة إنما هي جزء علة أو علة ناقصة، والعلة التامة اجتماعهما فقط: وذلك لأنّ العلتين التامتين إذا اجتمعتا لم يَجُزْ أن يقال: إن الحكم الواحد ثبت بكلٍّ منهما حال الاجتماع على سبيل الاستقلال. وذلك لأن استقلال العلة بالحكم هو ثبوته بها دون غيرها، فإذا قيل: (ثبت بهذه دون غيرها، وثبت بتلك دون غيرها؛ كان ذلك جمعًا بين النقيضين، وكان التقدير، أي حقيقة الكلام هو: (ثبت بهذه ولم يثبت بها، وثبت بتلك ولم يثبت بها)؛ فكان ذلك جمعًا بين إثبات التعليل بكلٍّ منهما، وبين نفي التعليل عن كلٍّ منهما. وهذا معنى ما يقال: إن تعليله بكل منهما على سبيل الاستقلال ينفي ثبوته بواحدة منهما، وما أفضى إثباته إلى نفيه كان باطلًا؛ لأنه متناقض ذاتياً.

 

وإذا كان كذلك فإذا قدِّر إلاهان امتنع استقلال كلٍّ منهما بفعل الشيءٍ المعين واحد، بل إذا فعل أحدهما شيئًا كان الآخر فاعلًا لشيءٍ آخر، وهذا تحقيق قوله تعالى: ﴿إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾.

 

وأيضًا فإذا كانا قادرين، فإن أمكن أحدهما أن يفعل بدون الآخر، أمكن أن يريد ضد مراد الآخر: فيلزم التمانع فإنه إن وجد مرادهما لزم اجتماع الضدين، وإن لم يوجد مراد واحدٍ منهما لزم عجزهما جميعًا، ولزم خُلُوُّ المحل من أحد المتقابلين المتضادين اللذين لا يخلو الجسم عنهما، مثل أن يريد أحدهما إحياء جسمٍ ويريد الآخر إماتته، أو يريد تحريكه ويريد الآخر تسكينه، ونحو ذلك.

 

وإن قيل لا يمكن لأحدهما أن يفعل بدون الآخر فيجب اتفاقهما في الفعل، فنقول هذا يحتمل عدة معاني:

 الأول: أن يكون بمعنى أنه إذا فعل أحدهما شيئًا لم يعارضه الآخر فيه، أي أن لكل واحد منهما إرادة حرة مستقلة: لم يكن واحدٌ منهما قادرًا إلا بشرط تمكين الآخر له والإمساك عن معارضته، وهذا يستلزم ألّا يكون واحدٌ منهما قادرٌ بنفسه، وهو ممتنعٌ كما تقدم.

والثاني: أن تكون مراداتهم متطابقة، وهذا محال على البديهة من ذاتين مستقلتين، إلا لأمر خارج عن ذاتهما أوجب عليهم ذلك، كهروب جماعة من البشر في اتجاه واحد من نار أحاطت بهم ولم تترك لهم إلا منفذاً واحداً، وهذا محال في حق الإله لأنه تام القدرة ذاتياً على وجه الاستقلال، فتحصل أن كلا منهما مجبور عاجز. وربما قيل: بل هما أقنومان (أي: أصلان أو شخصان) مريدان متحابان تمام الحب، متفقان في الإرادة تمام الاتفاق، في ذات واحدة، هي الإله الواحد، فهذا لا ينافي التوحيد، ولا يتعلق به هذا البرهان: فنقوا نعم: ولكن تعدد الأشخاص أو الأقانيم أو الأوجه في ذات واحدة واجبة الوجود، محال ممتنع لضرورات أخرى، كما هو مفصل في موضعه، وقد أشبعناه فيما مضى، بحمد الله؛

والثالث: إن فسر الاتفاق في الفعل بمعنى الاشتراك، وهذا متصور في فرعين:

(1)- الاشتراك في الفعل: فالاشتراك في المفعول الواحد بمعنى أن كلًّا منهما مستقلٌ بالمفعول ممتنعٌ كما تقدم.

(2)- والاشتراك بمعنى أن هذا له فعلٌ ومفعولٌ غير فعلِ هذا ومفعولِه يوجب أن يذهب كل إله بما خلق، والعالم المشاهد المحسوس مرتبطٌ بعضه ببعض ارتباطًا، ويحتاج بعضه إلى بعض احتياجًا يمتنع معه أن يكون بعضه مفعولًا لواحدٍ وبعضُه مفعولًا لآخر]، انتهى نص ابن تيمية المنقح، وهو كلام ابن تيمية بمعناه، مع تهذيب وتصرف.

 

وربما ظن إنسان أن البرهان الآنف لا يمنع تعدد الآلهة بحيث يكون لكل إله مخلوقاته وعوالمه ومملكته الخاصة المستقلة تمام الاستقلال أي أن (ذهاب كل إلهٍ بما خلق)، ينجي من ورطة: (أن يعلو بعضهم على بعض)، ولكن الأمر ليس كذلك لأن (ذهاب الإله بما خلق) فعل من الممكنات، فلا بد أن يكون مقدوراً لكل واحد منهم، ويمكن أن تتعلق به إرادة كل واحد منهم: تركاً وفعلاً ومنعاً لغيره من فعله. فلو أراد أحد الآلهة خلق مملكة مستقلة فمن الممكن أن يريد الآخر منعه، فإما أن يحتاج أحدهم لإذن الثاني، فهو عاجز تابع، وليس بمستقل، أو يعجز الثاني عن منعه، فهو إذا عاجز ليس بتام القدرة، أو يحصل التمانع، تماماً كما هو موضح أعلاه؛ ولا يقال: يجب اتفاقهما، لأن ذلك مبرهن على بطلانه أعلاه، حرفاً بحرف، عند قولنا: (لا يمكن لأحدهما أن يفعل بدون الآخر فيجب اتفاقهما في الفعل) بمعانيه الثلاثة المفصلة أعلاه: الأول، والثاني، والثالث في فرعه رقم (1)، أما الفرع رقم (2) فلا يرد ها هنا أصلاً.

 

فتحصل أنه إذا قُدِّرَ إلاهان لزم أن يذهب كل إلهٍ بما خلق، ولزم أيضاً في نفس الوقت أن يعلو بعضهم على بعض، ضرورة عقلية مطلقة ولا بد، كما قال جل جلاله، وسما مقامه: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ، وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ: سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، (المؤمنون؛ 23: 91)، فقال: ﴿وَلَعَلَا﴾، ولم يقل: ﴿أْو لَعَلَا؛ فذهاب كل إلهٍ بما خلق لأن مفعول هذا غير مفعول هذا، وعلو بعضهم على بعضٍ لأن كونهما قادرين يوجب أن كلًّا منهما غنيٌّ في قدرته عن الآخر، وأنه يمكنه أن يفعل بدونه، فيمتنع أن يفعلا شيئًا سواء كانا متفقين لامتناع صدور الفعل الواحد عن فاعلين، أو كانا مختلفين لأن ذلك يستلزم التمانع فيكون كل منهما مانعًا للآخر، فلا بد أن يكون أحدهما هو القادر دون الآخر، فيكون القادر هو القاهر للآخر فيعلو عليه، كما قال تعالى: ﴿لَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: فحتى لو ذهب كل إلهٍ بما خلق فإن علو بعضهم على بعض واقع لا محالة.

 

ما سلف هو في جوهره، وحتى بأكثر ألفاظه وعباراته، ما قاله الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوي (2/32 - 37)، (20/170 - 183)، ومواضع أخرى بتهذيب وإضافات وتصرف واسع، وخاصة باستعمالنا للفظة (إله)، بدلاً من لفظة (رب) التي أكثر الشيخ من استخدامها، مخالفاً، بل مصادماً، بذلك نص الآية الصريح في محاولة فاشلة لتطبيق تعريفه الخاطئ لـ(الربوبية) ولـ(الألوهية)، ولإعمال قسمته الثلاثية الباطلة الشنيعة، كما وسيأتي بيان أخطائه الفادحة، بل المهلكة القاتلة، في تلك التعريفات، وإبطال قسمته، في هذه الرسالة بما لا مزيد عليه، إن شاء الله تعالى، في أبوابه المخصوصة، إلا أنه لا يعنينا ها هنا، ولا يضر صحة برهاننا.

 

وقد فطن الإمام الرازي، وهو مسبوق في هذه النقطة بالإمام الماتريدي، لشبهة قد ترد بأن أحد الآلهة ربما أراد ستر أحد مخلوقاته، أو كل مملكته، بحيث لا يعلم بها الآخر، فلا ترد مسألة التمانع أصلاً، ورد عليها بأن القادر على ستر مملكته هو الإله الكلي القدرة، الكلي العلم، والآخر عاجز، وإن تساوت قدرتهما على الفعل والإدراك والعلم لزم التمانع، لا محالة.

 

والحق أن ما قاله الإمام ابن تيمية آنفا إنما هو تقصير في حق الآية الكريمة، حيث يقول، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ؛ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ، وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ: سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، (المؤمنون؛ 23: 91)؛ فماذا عن الفقرة الأولي: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ﴾؟!

 

لا شك أن (ولد) الإله من جنس والده، ببديهية العقل وضرورته، وإلا لما كان ولداً البتة، فهو إله، ولا بد؛ وهذا إما أن يكون:

(1)- ليست له إرادة أصلاً، أو إن كان ذا إرادة فإرادته تبع لأبيه تبعية مطلقة، وليست مستقلة أصلاً؛ وكذلك الأمر بالنسبة للخلق: ليس له خالقية أصلاً، أو إن كانت له خالقية فخالقيته تبع لأبيه تبعية مطلقة، وليست مستقلة أصلاً، بل لعله (آلة) الخلق كقول النصارى أن المسيح الابن هو الكلمة التي يخلق بها الأب؛ فهذا النوع من الولد إذاً بلغ غاية النهاية من الخضوع لأبيه، وغاية النهاية من الألفة والمحبة والانسجام المتبادل مع أبيه: فلا يمكن أن يكون له تأثير مستقل في المخلوقات مطلقاً يمكن أن يستدل بها على وجوده؛ ولا يتصور وقوع (تمانع) يستدل به على عدم وجوده؛ وقد مضت البرهنة على استحالة وجود هذا الصنف أصلاً، ولكن لو قدرنا المحال تنزلاً في الجدل: لم يبق إلا الخبر الصادق على وجوده: وها هو الخبر الصادق من (الأب المحب)، المفترى عليه، تنكر وجود مثل هذا (الابن المحبوب) المزعوم أصلاً؛

(2)- وإما أن تكون له إرادة ذاتية مستقلة، وخلق ذاتي مستقل، وقدرة ذاتية مستقلة: فالتمانع ولا بد، كما هو في الفقرة الثانية: ﴿إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ، وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، وقد سبق بيانه.

 

ولكن الحق أن الآية فيها زيادة على ما أسلفنا، فقوله، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ﴾، بدلا من أن يقول: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً)، و(مِن) ها هنا للجنس، وليست للتبعيض: فهذه بلاغة رائعة تقتضي أنه ما اتخذ أي شيء يمكن اعتباره من جنس الولد، فيكون مستحقاً لمسمى (الولد) في لغة العرب؛ وهذا يبطل حتى الولد بالتبني مجازاً، الذي لا يعرف عدم وجوده إلا بالخبر من الله، بخلاف ولد الصلب، مثلاً، الذي علم استحالة وجوده بالبرهان العقلي: ﴿قُلْ: هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾، (الإخلاص؛ 112 : 1-4)؛ وأكده خبر الله الصادق ها هنا.

 

وكذلك حال (مِنْ) التي يسميها النحاة (زائدة)، في قوله، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿مَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ، لها مقاصد بلاغية مهمة تقتضي أنه ليس مع الله شيء فيه أي اعتبار من اعتبارات (الألوهية)، مهما كان جزئياً أو محدوداً، بحيث يمكن اعتباره مستحقاً لمسمى (الإله) في لغة العرب زمن نزول القرآن.

 

فصل: آية (الفساد)

لا شك أن ضرورة العقل تمنع أن يكون (الإله) بحق إلا قديماً أزلياً، ومع ذلك فقد وجدت أنواع من الشرك تنسب بعض الألوهية لما هو حادث، وليس بقديم، وهو مكابرة للعقل، ومع ذلك أبطلها القرآن بحجج مستقلة في آية (الفساد)، وإليك بسط ذلك الآن:

وآية (الفساد)، وهي قوله، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾؛ وإليك الآية الكريم في سياقها التام، بل وآيات سابقة ولاحقة خارج السياق: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (20) لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (20) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21) لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (23) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (24) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (26) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29)﴾، (الأنبياء؛ 21: 20 - 29).

 

وحتى نعطي هذه الآية الكريمة حقها، مع إبطال فهم الإمام ابن تيمية لها، وإبطال شغب وسخافات مقلدته من أمثال ابن أبي العز الحنفي في شرحه على الطحاوية، لا بد لنا من لمحة للواقع التاريخي عند نزول القرآن فيما يتعلق بمواقف الناس وأقولهم في مشكلة (القدر)، التي هي حصراً: كيف يوجد شر في العالم مع أن الخالق هو الطيب الطاهر القدوس السلام؟!

 

كانت مشكلة (القدر) هذه هي مشكلة المشاكل منذ ظهور المجوسية الأولى وانتصار الدولة الفارسية الكردية الأولى أيام كورش الأكبر، وذلك قبل الإسلام بأكثر من ألف عام. وانتشر الجدل حول (القدر) في جميع أنحاء العالم القديم، وشارك فيه اليهود والفلاسفة اليونان، ثم متكلمة النصارى الذين أجهدوا أنفسهم في فهم (صلب المسيح) وهل فداءً للبشرية وتخليصاً لها من براثن الشيطان، أو هو كفارة للخطيئة الموروثة المزعومة التي جلبت الموت والدمار إلى العالم، وهي أيضاً من أفاعيل الشيطان... إلخ، واستمر الجدل الساخن حتى مجيء الإسلام. هذه حقيقة تاريخية مقطوع بثبوتها: تجدها في كتب أهل الإسلام، وأهل الكتاب، والكتب الفارسية المجوسية، واليونانية الوثنية، ومداولات الفلاسفة؛ وكذلك في النقوش والآثار.

 

وطبعاً حسم الإسلام هذه القضية، وألهم الله نبيه أن يجعل الإيمان بالقدر، الذي هو ضرورة فصل من فصول الإيمان بالله، بابا سادساً مستقلاً في حديث جبريل الشهير، مما يشعر بالأهمية القصوى لهذه الإشكالية.

 

والآن إلى الآيات الكريمات، نتلو ونفسر: الآيات الثلاث الأولى: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ... إلى قوله: وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18)﴾ خارج السياق بالمعنى الضيق، وإن كانت تمهيداً ضرورياً للتأكيد على أن حال الكون _ كما هو عليه الآن – ليس لهواً، وعبثاً، وإنما هو موافق للحكمة؛ قوله: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (20)﴾ تأكيد على أن كل من (فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) عبيد مملوكون له، ثم خص من عنده في السماء، وهم الملائكة أو الروحانيون أو النورانيون بأنهم - خلافاً لمزاعم المشركين - شاهدين لله بالألوهية، ولأنفسهم بالعبودية، مستسلمين، راضين، فرحين، غير مكرهين: (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ)، فهم عبيد إذاً وليسوا كائنات إلاهية. والجدير بالذكر أن السماء في عرف أهل ذلك العصر هي مكان الكمال والخير والبراءة من الفساد. وبعد إنجاز أمر السماء، وثبوت خلوها إلا من كائن إلاهي واحد: هو المعبر عنه بلفظ الجلالة: (الله)، باتفاق الجميع، توجه إلى شأن الأرض: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21)﴾، ولم يقل (أرباباً) على طريقة ابن تيمية المبتدعَة الشنيعة، فهؤلاء، في الأرجح، (ظلاميون)، أو (شرانيون)، إن صح التعبير، من جنس الجن والشياطين، ولا بد؛ ولعل آلهة حصين الخزاعي، والد عمران بن حصين، الستة الأرضية من هذا الصنف. والجن والشياطين هم إبليس أو أهريمن ومن تولد منه ولا بد. وهو عدو الله المضاد لله من كل وجه، المتمرد عليه، المراغم له، الذي يخلق الشر والأمراض ويتسبب في العدوى بزعمهم. فإن كان كذلك فلا بد أن يكون كلي القدرة، أو لا نهائي القدرة، وإلا لما استطاع أن يغلب الله في كبيرة أو صغيرة أصلاً: لأن النهائي بالنسبة لما هو لا نهائي: لا شيء، أو صفر إذا تكلمنا بلغة الرياضيات.

وإبليس هذا:

(أ)- إما أن يكون قديماً أزلياً، فلا يمكن أن توجد أكوان أصلاً كما برهنت عليه آية الممانعة، وليس هذا الصنف هو المقصود ها هنا؛

(ب)- أو أن يكون حادثاً بعد خلق السموات والأرض أول الأمر على وجه الإحكام والكمال، كما هو قول الثنوية المجوس الذين أسوق أحد أساطيرهم للتندر: (أن الله لما فرغ من الخلق، نظر إليه وأعجبه، تفكر: هل يوجد من ينازعه ملكه، ويفسد هذا الكون المحكم، فتحولت الفكرة الخبيثة شيطاناً مريداً، شراً مطلقاً محضاً، لا معنى لوجوده إلا أن يفسد على الله أمره، وينازعه في ملكه)، فإن كان إبليس (أو: أهريمن) هذا محدثاً، وليس بقديم، فهو إذا من النوع الثاني فلا معنى لإفساده لبعض شؤون الأرض فقط، بل هو مفسد لجميع الخلائق: السماوات والأرض وما فيها؛ ولكن الواقع أن السموات، بإقراركم، على أقل تقدير، ليس فيها فساد: إذاً بطل قولكم أن في الأرض آلهة ذات قدرة وقهر كما زعمتم؛ وثبت أن وجود ما تسمونه شراً في العالم - بغض النظر عن كونه شراً بحق، أو مجرد تقويم إنساني قاصر لنظام الكون – إنما هو بعلم الله وتقديره وخلقه وإذنه الكوني، ضرورة ولا بد. وليس لكم أن تسألوا الله: لم خلق العالم هكذا، لأنه: ﴿لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾، لأنه تبارك وتعالي هو الحق المبين، وعلمه هو العالم الشامل، فمسائلته أو التعقيب عليه تؤدي إلى هدم العقل، وانعدامه فلا يعود ثمة عقل أو جنون، ولا فرق بين كلام وسكوت، ولا مسائلة أو تسليم؛ وقد أشبعنا هذا في كتابنا هذا، في الفصل المعنون: (القدر: خيره وشره من الله تعالى) فليراجع.

 

وبقية الآيات غنية بحمد الله عن البيان، ولكننا نلاحظ على نفي الولد، مرة أخرى، عن الله بتاتاً: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ﴾، وفي نفس الوقت إبطال أن تكون الملائكة، أو أحد من الأنبياء كعيسى مثلاً، ولداً لله أصلا: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾، ولو فرضنا جدلاً أن منهم من زعم ذلك، أو أنه إله من دون الله بأي اعتبار كان، كما فعل إبليس مثلاً، فإنه كذاب مفتر ظالم، مصيره إلى لعنة الله وناره: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾: وهذا التفسير لآية (الفساد) هو الوحيد، فيما نعلم، الذي يبين مناسبة الآية العجيبة: ﴿لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾، للسياق؛ وكل الأقوال الأخرى تجعلها مقحمة، كأنها لا علاقة لها بالموضوع، وهو ما تأباه بلاغة القرآن المعجز.

 

ولم يصب ابن تيمية في شيء يتعلق بهذه الآية إلا قوله: (قال: لفسدتا، ولم يقل لعدمتا)، أما بقية كلامه فهو إما صواب لا جدال فيه، ولكن لا علاقة له بالآية، أو باطل كما أسلفنا، وكما سيأتي:

* حيث قال في جامع الرسائل لابن تيمية [رشاد سالم (2/200)]: [والإلهية الْمَذْكُورَة فِي كتاب الله هِيَ الْعِبَادَة والتأله وَمن لَوَازِم ذَلِك أَن يكون هُوَ الرب الْخَالِق وَأما مَا يَظُنّهُ طوائف من أهل الْكَلَام أَن الألوهية هِيَ نفس الربوبية وَأَن مَا ذكر فِي الْقُرْآن من نفي إِلَه آخر والأمثال المضروبة الْبَيِّنَة فالمقصود بِهِ نفي رب يشركهُ فِي خلق الْعَالم كَمَا هُوَ عَادَتهم فِي كتب الْكَلَام فَهَذَا قُصُور وتقصير مِنْهُم فِي فهم الْقُرْآن وَمَا فِيهِ من الْحجَج والأمثال أَتَوا فِيهِ من جِهَة أَن مبلغ علمهمْ هُوَ مَا سلكوه من الطَّرِيقَة الكلامية فاعتقدوا أَن المقصودين وَاحِد وَلَيْسَ كَذَلِك]، أتوقف هنا وأعلق: لقد أقمنا الأدلة اليقينية على أن الربوبية، بتعريفها اللغوي والقرآني الصحيح، إنما هي بعض الألوهية، إذا عرفت التعريف القرآني الصحيح (وتجد الرهان مفصلاً مبسوطاً في مواضعه في الأبواب الآتية)؛ وأما ما أسماه ابن تيمية: (الألوهية) فإنما اسمه في الحقيقة (المعبودية)، وفعل ابن تيمية قلب للحقائق، وتحريف خطير للكلم عن مواضعه، وإلحاد في آيات الله، وهو في حقيقته من أقوال الكفر؛

 

ثم قال: [بل الْقُرْآن يَنْفِي أَن يعبد غير الله أَو أَن يَتَّخِذهُ إِلَهًا فَيُحِبهُ ويخضع لَهُ محبَّة الْإِلَه وخضوعه كَمَا بيّنت ذَلِك عَامَّة آيَات الْقُرْآن مثل قَوْله تَعَالَى وَمن النَّاس من يتَّخذ من دون الله أندادا وَلِهَذَا قَالَ الْخَلِيل لَا أحب الآفلين]؛ أتوقف هنا وأعلق: هذا هراء محض، وما معنى عبارة: (محبَّة الْإِلَه)، أليس هذا يوجب تعريف الإله أولا تعريفاً مستقلاً عن مفهم (الحب)، وإلا دار التعريف وتسلسل إلى لا نهاية؟ّ

ثم قال: [وَمن الْمَعْلُوم أَن كل حَيّ فَلهُ إِرَادَة وَعمل بِحَسبِهِ وكل متحرك فَأصل حركته الْمحبَّة والإرادة وَلَا صَلَاح للموجودات إِلَّا أَن يكون كَمَال محبتها وحركتها لله تَعَالَى كَمَا لَا وجود لَهَا إِلَّا أَن يبدعها الله]؛ أتوقف هنا وأعلق: هذا حق ولكن محله كتب الرقائق والمواعظ، ولا يفيدنا شيئاً في معرفة ماهية الإيمان والكفر أو الشرك والتوحيد؛

 

ثم قال: [وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا وَلم يقل لعدمتا إِذْ هُوَ قَادر على أَن يبقيها على وجهة الْفساد لَكِن لَا يُمكن أَن تكون صَالِحَة إِلَّا أَن يعبد الله وَحده لَا شريك لَهُ فَإِن صَلَاح الْحَيّ إِنَّمَا هُوَ صَلَاح مَقْصُوده وَمرَاده وَصَلَاح الْأَعْمَال والحركات بصلاح إرادتها ونياتها]؛ أتوقف هنا وأعلق تعليقاً ختامياً: ليس في هذا من الصواب إلا جملة: (لفسدتا وَلم يقل لعدمتا)، وإن كان الأدق أن يقال: (لفسدتا وَلم يقل: لبقيتا معدومتين، ولما وجدتا أصلاً)، والباقي ما هو إلا كلام مرسل، فيه بعض الحق، ولكن لا علاقة له بالآية لا من قريب ولا من بعيد، كما أوضحناه آنفاً. وابن أبي العز الحنفي في شرحه للطحاوية لم يأت بجديد، بلا ردد كلام ابن تيمية في جوهره ترديد الببغاء.

 

ولا شك أن عبادة غير الله، إن كانت عبادة بحق، وهي مسبوقة باعتقاد شيء من الألوهية (ومنها الربوبية، كما سيأتي – بإذن الله - مفصلا بما لا مزيد عليه في الأبواب الآتية) في غير الله، تدل على فساد دماغ صاحبها، وقلة عقله، وانحراف فكره، ويترتب على ذلك – وفق سنن الله المطردة، ونظام الكون المستقر - وبخلق الله وتقديره وإذنه الكوني - فساد لأحوال المشرك، وربما ظهور فساد نسبي في البر والبحر ﴿بما كسبت أيدي الناس﴾... أما أن تفسد السماوات والأرض، كما هو نص الآية، فحاشا لله، وكلا وألف كلا: بل الحق المقطوع به هو:

* قول موسى، نبي الله الصادق، في كتاب الله الصادق: ﴿إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن الله لغني حميد﴾؛

 

* وما رواه النبي الصادق عن ربه: (يا عبادي: إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني؛ يا عبادي: لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا؛ يا عبادي: لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا)، كما هو في صحيح مسلم.

 

فآية (الفساد) مكملة ومؤيدة لآية (التمانع) وكلاهما مثبت للصحة اليقينية لتعريف (الإله) على النحو الآتي: [الإله هو:

(أ)- إما أن يكون ذلك الكائن الفاعل بالمشيئة والاختيار الحر حرية تامة مطلقة، بقدرته الذاتية، على وجه الاستقلال: فهو، مثلاً، الذي يخلق؛ وهو الذي يعلو على غيره ويقهر، فلا ينافس ولا يقهر: فلا يغالبه غالب، ولا يفلت منه هارب؛

(ب)- أو: هو ذلك الكائن المتولد من إله آخر، فهو إذاً فرد من أفراد (النوع الإلاهي) أو (الجنس الإلاهي)]؛

 

وبضرورة العقل ندرك:

(أ)- أنه لا بد أن تنتهي سلسلة التولد إلى كائن لم يولد، وهو حينئذ، بالضرورة، من النوع الأول؛

(ب)- وأنه لا فرق في هذا التعريف بين إله قديم أو إله حادث. فهذا يشمل كل آلهة وخرافات المشركين؛

(ج)- أن كل هذه الاعتبارات التي ورد ذكرها في تعريف (الإله) أمور وجودية متعلقة بذات ذلك الكائن وصفاته وأفعاله، ولا علاقة لها أصلاً بوجود أو عدم وجود كائنات أخرى تخضع وتتذلل، أو تحب وتتقرب وتتودد، أو تعظم وترهب، أو تستشفع وتتوسط، أو تطلب جلب المنافع ودفع المضار، أو تسجد وتركع وتخشع أو تصفق وترقص، أو توقد الشموع وتطلق البخور، أو تقدم الذبائح والقرابين والنذور لهذا (الكائن) الذي أطلقنا عليه لفظة (إله).

 

وكل إنسان يدرك، بالحس الداخلي، أي بالوجدان والاستبطان، وبالتأمل في ذاته، إدراكاً يقينياً، راسخاً لا يتزعزع، أن قدرته على الفعل ليست مستقلة عن الغير تمام الاستقلال؛ كما يدرك إدراكاً يقينياً، راسخاً لا يتزعزع، أنه، وإن كان فاعلاً بالاختيار، إلا انه ليس تام الحرية، مطلق المشيئة والاختيار، من غير قيد أو شرط خارج عن ذاته. وكذلك يدرك إدراكاً يقينياً، راسخاً لا يتزعزع، بأول الحس والتجربة، وبضرورة العقل، أن هذا هو الحال بالنسبة لسائر الأشياء المحسوسة الملموسة في الكون. فلا يوجد في (الطبيعة) كائن ينطبق عليه تعريف (الإله)، كما سلف قريباً. فـ(الإله)، إن وجد، إذاً إنما هو كائن (فوق الطبيعة).

 

والظاهر أن السلف من المفسرين فهموا آية (الفساد) على الفطرة، فلم يرد منهم كبير كلام عنها؛ ولكنها أعضلت بالإمام الطبري فزعم أن (فسدتا) إنما هي مجاز لـ(أهل السماء والأرض)، هكذا زعماً مرسلاً من غير برهان معتبر لإخراج الكلام عن حقيقته إلى المجاز:

* حيث جاء في تفسير الطبري [جامع البيان ط هجر (20/246)]: [الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 22] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَوْ كَانَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ آلِهَةٌ تَصْلُحُ لَهُمُ الْعِبَادَةُ سِوَى اللَّهِ الَّذِي هُوَ خَالِقُ الْأَشْيَاءِ، وَلَهُ الْعِبَادَةُ وَالْأُلُوهَةُ الَّتِي لَا تَصْلُحُ إِلَّا لَهُ ﴿لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22] يَقُولُ: لَفَسَدَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 22] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَتَنْزِيهٌ لِلَّهِ، وَتَبْرِئَةٌ لَهُ مِمَّا يَفْتَرِي بِهِ عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الْكَذِبِ. كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: حدثنا يَزِيدُ، قَالَ: حدثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 22] يُسَبِّحُ نَفْسَهُ إِذْ قِيلَ عَلَيْهِ الْبُهْتَانُ]؛ انتهى كلام الطبري؛

* وجاء في تفسير ابن أبي حاتم [محققا (8/2449/13633)] كلام قتادة فقط، وبدون إسناد: [عَنْ قَتَادَة فِي قَوْلِهِ: أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأَرْض يَعْنِي مما اتخذوا مِنَ الحجارة والخشب. وفي قوله: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ قَالَ: لو كَانَ معهما آلهة إلا الله لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ يسبح نفسه تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِذَا قِيلَ عليه البهتان]؛

 

وجمهور المفسرين بعد ذلك على أنها من باب (التمانع)، حتى جاء الإمام ابن تيمية بزلته الشنعاء، وبدعته النكراء:

* فقد جاء في لطائف الإشارات [تفسير القشيري (2/497)]: [أخبر أنّ كلّ أمر يناط بجماعة لا يجرى على النظام إذ ينشأ بينهم النزاع والخلاف. ولمّا كانت أمور العالم في الترتيب منسّقة فقد دلّ ذلك على أنها حاصلة بتقدير مدبّر حكيم فالسماء في علوّها تدور على النظام أفلاكها، وليس لها عمد لإمساكها، والأرض مستقرة بأقطارها على ترتيب تعاقيب ليلها ونهارها. والشمس والقمر والنجوم السائرة تدور في بروج، ورقعة السماء تتسع من غير فروج.. ذلك لتقدير العزيز العليم علامة، وعلى وحدانيته دلالة]

* وجاء في تفسير السمعاني (3/374): [وَمَعْنَاهُ: لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة وَالله (أَيْضا) لفسدتا، وَمعنى الْفساد فِي السَّمَاء وَالْأَرْض إِذا كَانَ الْإِلَه اثْنَيْنِ، هُوَ فَسَاد التَّدْبِير وَعدم انتظام الْأُمُور بِوُقُوع الْمُنَازعَة والمضادة، وَهُوَ أَيْضا معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿ولعلا بَعضهم على بعض﴾. وَقَوله: ﴿فسبحان الله رب الْعَرْش عَمَّا يصفونَ﴾ نزه نَفسه عَمَّا يصفه بِهِ الْمُشْركُونَ من الشَّرِيك وَالْولد].

 

وإليك نقول متعددة عن ابن تيمية حتى لا نتهم بأننا ظلمنا الرجل، أو تقولنا عليه بالباطل:

* جاء في جامع المسائل لابن تيمية [عزير شمس (6/174)]: [فقد تبين بالقياس العقلي امتناعُ أن يكون معبودٌ إلا الله، كما امتنع أن يكون رب إلا الله، وهذا قصد بقوله: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) قصد نفي إله سواه. ولهذا قيل: (لَفَسَدَتَا) وهذا يتضمنُ نَفْيَ رب غيره. والمتكلمون قَصَّروا في معنى الآية من وجهين:

أحدهما: من جهة ظنهم أنه إنما معناها نفي تعدُّدِ الأرباب فقط، كما أقاموا هم الدليل على ذلك.

والثاني: ظنهم أن دليل ذلك هو ما ذكروه من التمانع، وليس كذلك، فإن التمانع يوجب عدم الفعل، والتقدير أن الفعل قد وُجد، ثم الاشتراك في الفعل يوجب العجز فيهما، والقرآن إنما أَخبر بفسادهما، لم يخبر بعدمهما، والفساد يكون عن الإرادات الفاسدة، وهو ضد الصلاح الذي يكون عن الإرادات الصالحة، والله قد أمر بالصلاح ونهى عن الفساد في غير آية] انتهى كلام ابن تيمية؛

ــ قلت: ولم يكتف ابن تيمية بزلته الفادحة في فهم الآية بحيث أفسد معناها تماماً، وأخرجها من سياقها، بل زاد بأن اتهم المتكلمين بالتقصير، كذا ، بكل جرأة، بل وقاحة، مع أنه هو في الحقيقة المقصر المبتدع المخطئ!

 

* وجاء في مجموع الفتاوى (2/443): [وَمَعْلُومٌ أَنَّ الَّذِينَ خَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَاَلَّذِينَ قَالُوا: وَلَدَ اللَّهُ؛ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ وَاَلَّذِينَ قَالُوا: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وَعُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ: لَمْ يُرِدْ عُقَلَاؤُهُمْ وِلَادَةً حِسِّيَّةً مِنْ جِنْسِ وِلَادَةِ الْحَيَوَانِ بِانْفِصَالِ جُزْءٍ مِنْ ذَكَرِهِ فِي أُنْثَاهُ يَكُونُ مِنْهُ الْوَلَدُ. فَإِنَّ النَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مُتَّفِقُونَ عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ مُشْرِكُو الْعَرَبِ مَا أَظُنُّ عُقَلَاؤُهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا وَصَفُوا الْوِلَادَةَ الْعَقْلِيَّةَ الرُّوحَانِيَّةَ مِثْلَ مَا يَقُولُهُ النَّصَارَى: إنَّ الْجَوْهَرَ الَّذِي هُوَ اللَّهُ مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ الْكَلِمَةُ مِنْ وَجْهٍ تَدَرَّعَتْ بِإِنْسَانِ مَخْلُوقٍ مِنْ مَرْيَمَ فَيَقُولُونَ تَدَرَّعَ اللَّاهُوتُ بِالنَّاسُوتِ فَظَاهِرُهُ - وَهُوَ الدِّرْعُ وَالْقَمِيصُ - بَشَرٌ وَبَاطِنُهُ - وَهُوَ الْمُتَدَرِّعُ - لَاهُوتٌ هُوَ الِابْنُ الَّذِي هُوَ الْكَلِمَةُ لِتَوَلُّدِ هَذَا مِنْ الْأَبِ الَّذِي هُوَ جَوْهَرُ الْوُجُودِ.

فَهَذِهِ الْبُنُوَّةُ مُرَكَّبَةٌ عِنْدَهُمْ مِنْ أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْجَوْهَرَ الَّذِي هُوَ الْكَلِمَةُ تُولَدُ مِنْ الْجَوْهَرِ الَّذِي هُوَ الْأَبُ كَتَوَلُّدِ الْعِلْمِ وَالْقَوْلِ مِنْ الْعَالِمِ الْقَائِلِ.

وَالثَّانِي: أَنَّ هَذَا الْجَوْهَرَ اتَّحَدَ بِالْمَسِيحِ وَتَدَرَّعَ بِهِ وَذَلِكَ الْجَوْهَرُ هُوَ الْأَبُ مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ الِابْنُ مِنْ وَجْهٍ. فَلِهَذَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ تَارَةً أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ. وَتَارَةً أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَأَمَّا حِكَايَتُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: إنْ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ فَالْمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ: اللَّهُ وَالْمَسِيحُ وَأُمُّهُ كَمَا قَالَ: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وَلِهَذَا قَالَ فِي سِيَاقِ الْكَلَامِ: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ أَيْ غَايَةُ الْمَسِيحِ الرِّسَالَةُ وَغَايَةُ أُمِّهِ: الصديقية لَا يَبْلُغَانِ إلَى اللَّاهُوتِيَّةِ؛ فَهَذَا حُجَّةُ هَذَا. وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْأَقَانِيمُ الثَّلَاثَةُ وَهِيَ الْأَبُ وَالِابْنُ وَرُوحُ الْقُدُسِ وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ. فَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أَيْ مُبْدِعُهُمَا كَمَا ذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْبَقَرَةِ؛ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمَا بَدِيعَةٌ سَمَاوَاتُهُ وَأَرْضُهُ كَمَا تَحْتَمِلُهُ الْعَرَبِيَّةُ لَوْلَا السِّيَاقُ. لِأَنَّ الْمَقْصُودَ نَفْيُ مَا زَعَمُوهُ مَنْ خَرْقِ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ لَهُ وَمِنْ كَوْنِهِ اتَّخَذَ وَلَدًا] انتهى كلام ابن تيمية؛

ــ قلت: قوله: (وَكَذَلِكَ مُشْرِكُو الْعَرَبِ مَا أَظُنُّ عُقَلَاؤُهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ) لتعلم مدى ضحالة علمه بشرك العرب، مع أنه قال في اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (2/157): [ومن أراد أن يعلم كيف كانت أحوال المشركين في عبادة أوثانهم، ويعرف حقيقة الشرك الذي ذمه الله، وأنواعه، حتى يتبين له تأويل القرآن، ويعرف ما كرهه الله ورسوله، فلينظر سيرة النبي، صلى الله عليه وسلم، وأحوال العرب في زمانه، وما ذكره الأزرقي في أخبار مكة، وغيره من العلماء]، فليته هو نفسه التزم بذلك، وسترى ذلك مفصلاً عياناً في الباب المخصص لشرك العر؛ وأما قوله: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْأَقَانِيمُ الثَّلَاثَةُ وَهِيَ الْأَبُ وَالِابْنُ وَرُوحُ الْقُدُسِ وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ.) فيوجب الشك حتى في دقة معرفته لأقوال النصارى!!!

 

* وجاء في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية (6/36): [وَإِذَا كَانَ لَا بُدَّ لِلنَّفْسِ مِنْ مُرَادٍ مَحْبُوبٍ لِذَاتِهِ لَا تَصْلُحُ إِلَّا بِهِ، وَلَا تَكْمُلُ إِلَّا بِهِ، وَذَلِكَ هُوَ إِلَهُهَا، فَلَيْسَ لَهَا إِلَهٌ يَكُونُ بِهِ صَلَاحًا إِلَّا اللَّهَ، وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾، [الأنبياء: 22]، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْإِنْسَانِ فَقَطْ بَلْ لِلْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ فَإِنَّهُمْ كُلَّهَمْ أَحْيَاءٌ عُقَلَاءُ نَاطِقُونَ، لَهُمْ عِلْمٌ وَعَمَلٌ اخْتِيَارِيٌّ، وَلَا صَلَاحَ لَهُمْ إِلَّا بِمُرَادِهِمُ الْمَحْبُوبُ لِذَاتِهِ، وَهُوَ مَعْبُودُهُمْ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْبُودًا مَحْبُوبًا لِنَفْسِهِ إِلَّا اللَّهُ، فَلَوْ كَانَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَهٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا. فَلِهَذَا كَانَ دِينُ جَمِيعِ الرُّسُلِ عِبَادَةَ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ]، انتهى كلام ابن تيمية؛

 

* وجاء في جامع المسائل لابن تيمية [عزير شمس (6/87)]: [(فصل في التوحيد): قال الله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22))، قد كتبنا فيما تقدم قواعد تتعلق بذلك في توحيد الربوبية، وفي توحيد الإلهية، وفي أنه كما يمتنع أن يكون للخلق رَبان، يمتنع أن يكون له إلهان، وتكلمنا على العللِ والأسباب الفاعلية والغائية، وما يتعلق بقوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)) وفي أن جميع الحركات ناشئة عن المحبة التي هي حقيقة العبادة، وبسطنا الكلام في هذه المواضع بسطًا شريفا نافعا كاشفًا، ولله الحمد]، انتهى كلام ابن تيمية؛

 

* وجاء في جامع المسائل لابن تيمية [عزير شمس (6/126)]: [كما قال تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا)، ولم يقل: عُدِمَتا، إذْ لو جاز أن يشرع أن تكون المخلوقات آلهة مقصودة معبودة لذواتها لزم من ذلك تجويز عبادة كل شيء، وتجويز كل فعل وكل قصد، وذلك مستلزمٌ فساد السموات والأرض، قال الله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ)، فإذا لم يكن الدين لله فتكون حركات العباد لغير الله، كانت الفتنة والفساد، فالصلاح أن تكون الحركات لله، والفساد أن تكون لغير الله، وهذا - والله أعلم - من أحسن الأمور، لكنه يحتاج إلى بسط وإكمال]، انتهى كلام ابن تيمية؛

 

* وجاء في درء تعارض العقل والنقل (9/369): [ولهذا قال تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [الأنبياء: 22]، فلم يقل: لو كان فيهما إلهان، بل المقدر آلهة غير الإله المعلوم أنه إله، فإنه لم ينازع أحد في أن الله إله حق، وإنما نازعوا هل يتخذ غيره إلهاً مع كونه مملوكاً له؟ ولهذا قال: ﴿ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم﴾ [الروم: 28]. وقال تعالى: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [الزمر: 3]. وقال: ﴿أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أو لو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون * قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون * وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون﴾ [الزمر: 43 - 45]، وقد بسط الكلام على هذا في موضعه]، انتهى كلام ابن تيمية؛

 

* وجاء في مجموع الفتاوى (1/24): [﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ فَإِنَّ قِوَامَهُمَا بِأَنْ تَأَلَّهَ الْإِلَهُ الْحَقُّ فَلَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ غَيْرُ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ إلَهًا حَقًّا؛ إذْ اللَّهُ لَا سَمِيَّ لَهُ وَلَا مِثْلَ لَهُ؛ فَكَانَتْ تَفْسُدُ لِانْتِفَاءِ مَا بِهِ صَلَاحُهَا، هَذَا مِنْ جِهَةِ الْإِلَهِيَّةِ. وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الرُّبُوبِيَّةِ فَشَيْءٌ آخَرُ؛ كَمَا نُقَرِّرُهُ فِي مَوْضِعِهِ]، انتهى كلام ابن تيمية؛

 

* وجاء في مجموع الفتاوى (1/55): [فَإِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ مُحْتَاجًا إلَى جَلْبِ مَا يَنْفَعُهُ وَدَفْعِ مَا يَضُرُّهُ وَنَفْسُهُ مُرِيدَةٌ دَائِمًا وَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ مُرَادٍ يَكُونُ غَايَةَ مَطْلُوبِهَا لِتَسْكُنَ إلَيْهِ وَتَطْمَئِنَّ بِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا لِلَّهِ وَحْدَهُ؛ فَلَا تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ إلَّا بِهِ وَلَا تَسْكُنُ النُّفُوسُ إلَّا إلَيْهِ و﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ فَكُلُّ مَأْلُوهٍ سِوَاهُ يَحْصُلُ بِهِ الْفَسَادُ وَلَا يَحْصُلُ صَلَاحُ الْقُلُوبِ إلَّا بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ]، انتهى كلام ابن تيمية؛

 

* وجاء في مجموع الفتاوى (10/607): [بَلْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحَبّ شَيْءٌ مِنْ الْمَوْجُودَاتِ لِذَاتِهِ إلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ فَكُلُّ مَحْبُوبٍ فِي الْعَالَمِ إنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يُحَبّ لِغَيْرِهِ لَا لِذَاتِهِ وَالرَّبُّ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُحَبّ لِنَفْسِهِ وَهَذَا مِنْ مَعَانِي إلَهِيَّتِهِ و﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ فَإِنَّ مَحَبَّةَ الشَّيْءِ لِذَاتِهِ شِرْكٌ فَلَا يُحَبُّ لِذَاتِهِ إلَّا اللَّهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ إلَهِيَّتِهِ فَلَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ وَكُلُّ مَحْبُوبٍ سِوَاهُ إنْ لَمْ يُحَبّ لِأَجْلِهِ أَوْ لِمَا يُحَبُّ لِأَجْلِهِ فَمَحَبَّتُهُ فَاسِدَةٌ]، انتهى كلام ابن تيمية؛

وله أقوال مماثلة في مواضع كثيرة جداً، وفيما مضي كفاية، وإلا لطال الأمر جداً: وكلها إما صواب، ولكن لا علاقة له بالآية، وإما خطأ وتلبيس.

 

فصل: ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾

ولعلنا نختم دراستنا لآية (التمانع)، وآية (الفساد)، بدراسة قوله، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾، (الإسراء؛ 17: 42)، فقد جاء في تفسير السمعاني (وهو: أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار ابن أحمد المروزي السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي، المتوفى: 489هـ)، (3/243): [وَقَوله: ﴿كَمَا يَقُولُونَ إِذا لابتغوا إِلَى ذِي الْعَرْش سَبِيلا﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: إِذا لطلبوا إِلَى ذِي الْعَرْش سَبِيلا بالتقرب إِلَيْهِ، وَالْآخر: وَهُوَ الْأَصَح إِذا لابتغوا إِلَى ذِي الْعَرْش سَبِيلا بالمفازة والمغالبة وَطلب الْملك، وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾]

 

* وجاء في أضواء البيان [موافق للمطبوع (3/158)]: [قرأ جمهور القراء ﴿كما تقولون﴾ بتاء الخطاب. وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم ﴿كما يقولون﴾ بياء الغيبة. وفي معنى هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير، كلاهما حق ويشهد له قرآن. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن الآية قد يكون فيها وجهان كلاهما حق، وكلاهما يشهد له قرآن فنذكر الجميع لأنه كله حق.

الأول من الوجهين المذكورين أن معنى الآية الكريمة: لو كان مع الله آلهة أخرى كما يزعم الكفار لابتغوا أي الآلهة المزعومة أي لطلبوا إلى ذي العرش أي إلى الله سبيلاً أي إلى مغالبته وإزالة ملكه، لأنهم إذاً يكونون شركاءه كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض. سبحان الله وتعالى عن ذلك علواً كبيراً. وهذا القول في معنى الآية هو الظاهر عندي، وهو المتبادر من معنى الآية الكريمة. ومن الآيات الشاهدة لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، وقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ وهذا المعنى في الآية مروي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وأبي علي الفارسي، والنقاش، وأبي منصور، وغيره من المتكلمين.

الوجه الثاني في معنى الآية الكريمة: أن المعنى ﴿لابْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾، أي طريقاً ووسيلة تقربهم إليه لاعترافهم بفضله. ويدل لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾. ويروى هذا القول عن قتادة. واقتصر عليه ابن كثير في تفسيره.

ولا شك أن المعنى الظاهر المتبادر من الآية بحسب اللغة العربية هو القول الأول، لأن في الآية فرض المحال، والمحال المفروض الذي هو وجود آلهة مع الله مشاركة له لا يظهر معه أنها تتقرب إليه، بل تنازعه لو كانت وجودة، ولكنها معدومة مستحيلة الوجود. والعلم عند الله تعالى]؛

 

وإليك، أولاً، السياق بتمامه حتى تتضح لك الصورة: قال، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلآئِكَةِ إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً (40) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً (41) قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً (42) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً (43) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً (44)﴾، (الإسراء؛ 17: 40-44)، وهو ينكر عليهم صراحة، وبكل قوة، افتراءهم وإفكهم القائل بأن الملائكة كائنات إلاهية مؤنثة، وأنهن بنات الله (كما سيأتي مفصلاً في الباب المخصص لشرك العرب).

 

قلت: لا عجب أن يجمع رجالات الفرقة الوهابية الغالية المارقة على القول بأنها للتقرب والزلفى، وليس بالمغالبة والمنازعة، لظنهم موافقته لباطلهم، مع كونه مرجوحاً. والحق أنه باطل قطعاً، ولا جدال، بالبراهين التالية:

أولاً: لأنه يفضي لإبطال حجة الله على المشركين، أو بعضهم، القائلين عن آلهتهم: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾، فلهم أن يقولوا: هذا هو عين قولنا: آلهتنا كانت، وما زالت، تتقرب إلى ذي العرش، وتبحث عن كل سبيل توصل إليه: وصول الخضوع والاستعطاف والتقرب، طالبة الوصول إلى مرضاته؛ ونحن نتقرب بتقربهم: فهي إذا موجودة حقيقة، وبطل التوحيد: عياذا بالله!

وثانياً: أنه قول شذ به قتادة من السلف الأول، وقد جاء خلافه عن ابن عباس وسعيد بن جبير، وهم أقدم وأعلم بالعربية والقرآن، ثم هو كالإجماع من المتأخرين، وبالأخص من المتكلمين؛

وثالثاً: كلام الله لا يتناقض، فلا بد أن تنسجم هذه الآية مع آية (التمانع)، وآية (الفساد) اللتان تحتمان أن تكون الآلهة إما:

            (أ)- من صنف (الذي يخلق بقدرته الذاتية، على وجه الاستقلال؛ وهو الذي يعلوا على غيره ويقهر، بقدرته الذاتية، على وجه الاستقلال، فلا ينافس ولا يقهر)، وهو مع هذا قديم: فلا بد من التمانع في جميع أحوال الاتفاق والاختلاف؛

            (ب)- أو أن يكون حادثاً، وهو مع ذلك، إما كلي القدرة، أو لا نهائي القدرة، عدواً لله، مضاداً لله من كل وجه، متمرداً عليه، مراغماً له، يفسد على الله أمره؛ أو له قدرة تساوي قدرة الله، ولو على بعض الأفعال فقط، كأن يقدر على الاختفاء من الله، وأن يعجزه هرباً. فلا يرد ها هنا إلا التمانع أصلاً، ولا معنى لابتغاء السبيل إلى ذي العرش على وجه التقرب أصلاً؛

(ج)- أو هو ذلك الكائن المتولد من إله آخر، فهو إذاً فرد من أفراد (النوع الإلاهي) أو (الجنس الإلاهي)، وهذا لا يمكن أن تكون له قدرة مستقلة على الخلق، أو علو وقهر مستقل، أو إرادة واختيار مستقل وإلا فالتمانع والتنازع، لا محالة. فلم يعد إلا أن خَلْقَه خَلْقُ والده، إن كان يخلق أصلاً، وإرادته إرادة والده، إن كانت له إرادة أصلاً: فهما قد بلغا النهاية في القرب حتى كأنهما وجهان لشيء واحد: فهذا النوع لا يمكن أن يكون مقصوداً ها هنا، لأنه (كأنه هو بعينه ذو العرش: فهو واصل تمام الوصول وغايته) عند ذي العرش بالفعل فمن المحال أن يكون أصلاً ممن (يبتغي إلى ذي العرش سبيلاً)؛ وإبطال كونه موجوداً قد تم ببراهين أخرى، منها الآية السابقة لهذه في نفس السياق: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلآئِكَةِ إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً (40)﴾، (الإسراء؛ 17: 40).

 

وعلى كل حال فإن كل ما سبق إنما هو مجرد لمحة خاطفة في أهم المباحث المتعلقة بتوحيد الرب، جل جلاله وسما مقامه، على وجه الإجمال والاختصار. أما بسط الكلام في هذا فيحتاج المجلدات، وله موضع غير هذا. نسأل الله فسحة في الأجل، وصحة في البدن لمحاولته، لا إله إلا هو، عليه نتوكل، وبه نستعين.

 

ولكن قبل أن نتفرغ للمحة مختصرة مركزة عن براهين شهادة أن: «مُحَمَّداً رسول الله»، يحسن بنا ابطال شبهة شيطانية مفادها أن نص القرآن يلمح إلى إمكانية قيام البرهان على وجود إله آخر مع الله، عياذاً بالله.

 

فصل: تحرير معنى قوله، تعالى وتقدس: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾؛ ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾؛ ونحوها

ربما تبادر إلى الذهن – للوهلة الأولى – أن قوله، جل جلاه، وسما مقامه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ... وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ لا يحرم (الشرك)، إذا جاء به من الله سلطان؛ وقوله: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ يعني إمكانية قيام البرهان على وجود إله آخر مع الله، عياذاً بالله. نعم: قد يتبادر إلى الذهن خصوصاً عند من غلبت عليه العجمة فلم يستوعب تفنن العرب في كلامها، الذي بلغ فيه كتاب الله، الذي جاء بلسان عربي مبين، غاية النهاية في فنون البلاغة والبديع والبيان: فلا بد من بحث مدقق لجلاء هذا الوهم الخطير، واقتلاع هذه الشبهة الشيطانية من جذورها.

 

ولعل خير ما نبتدئ به هذا البحث هو تدبر فواتح سورة الكهف المباركة، حيث قال الحق، تقدست ذاته، وتباركت أسماؤه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (3) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾، (الكهف؛ 18: 1 - 5):

* فقد جاء في تفسير الكشاف عن حقائق الترتيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل للزمخشري (2/658): [﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾، (أي بالولد أو باتخاذه، يعني أنّ قولهم هذا لم يصدر عن علم ولكن عن جهل مفرط وتقليد للآباء، وقد اشتملته آباؤهم من الشيطان وتسويله. فإن قلت: اتخاذ الله ولداً في نفسه محال، فكيف قيل: ما لهم به من علم؟ قلت: معناه ما لهم به من علم؛ لأنه ليس مما يعلم لاستحالته، وانتفاء العلم بالشيء إمّا للجهل بالطريق الموصل إليه، وإما لأنه في نفسه محال لا يستقيم تعلق العلم به

 * وجاء في تفسير الرازي [مفاتح الغيب - (10/156، بترقيم الشاملة آليا)]: [في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن قوله تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الذين قَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا﴾ معطوف على قوله: ﴿لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مّن لَّدُنْهُ﴾ [الكهف: 2] والمعطوف يجب كونه مغايراً للمعطوف عليه فالأول عام في حق كل من استحق العذاب. والثاني خاص بمن أثبت لله ولداً، وعادة القرآن جارية بأنه إذا ذكر قضية كلية عطف عليها بعض جزئياتها تنبيهاً على كونه أعظم جزئيات ذلك الكلي كقوله تعالى: ﴿وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال﴾ [البقرة: 98] فكذا ههنا العطف يدل على أن أقبح أنواع الكفر والمعصية إثبات الولد لله تعالى.

المسألة الثانية: الذين أثبتوا الولد لله تعالى ثلاث طوائف. أحدها: كفار العرب الذين قالوا: الملائكة بنات الله. وثانيها: النصارى حيث قالوا: المسيح ابن الله. وثالثها: اليهود الذين قالوا: عزيز ابن الله؛ والكلام في أن إثبات الولد لله كفر عظيم ويلزم منه محالات عظيمة قد ذكرناه في سورة الأنعام في تفسير قوله تعالى: ﴿وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 100] وتمامه مذكور في سورة مريم، ثم إنه تعالى أنكر على القائلين بإثبات الولد لله تعالى من وجهين. الأول: قوله: ﴿مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبائهم﴾ فإن قيل اتخاذ الله ولداً محال في نفسه فكيف قيل ﴿ما لهم به من علم﴾؟ قلنا: انتفاء العلم بالشيء قد يكون للجهل بالطريق الموصل إليه؛ وقد يكون لأنه في نفسه محال لا يمكن تعلق العلم به. ونظيره قوله: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ الله إِلَهَا ءاخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: 117] واعلم أن نفاة القياس تمسكوا بهذه الآية فقالوا: هذه الآية تدل على أن القول في الدين بغير علم باطل، والقول بالقياس الظني قول في الدين بغير علم فيكون باطلاً وتمام تقريره مذكور في قوله: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36] وقوله: ﴿وَلاَ لآبائهم﴾ أي ولا أحد من أسلافهم، وهذا مبالغة في كون تلك المقالة باطلة فاسدة. النوع الثاني: مما ذكره الله في إبطاله قوله: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾،... إلخ]، حتى قال: [البحث الرابع: قوله: ﴿تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ يدل على أن هذا الكلام مستكره جداً عند العقل؛ كأنه يقول: هذا الذي يقولونه لا يحكم به عقلهم وفكرهم ألبتة لكونه في غاية الفساد والبطلان، فكأنه شيء يجري به لسانهم على سبيل التقليد، لأنهم مع أنها قولهم عقولهم وفكرهم تأباها وتنفر عنها ثم قال تعالى: ﴿إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا﴾ ومعناه ظاهر، واعلم أن الناس قد اختلفوا في حقيقة الكذب. فعندنا: أنه الخبر الذي لا يطابق المخبر عنه سواء اعتقد المخبر أنه مطابق أم لا؟ ومن الناس من قال شرط كونه كذباً أن لا يطابق المخبر عنه مع علم قائله بأنه غير مطابق، وهذا القيد عندنا باطل، والدليل عليه هذه الآية فإنه تعالى وصف قولهم بإثبات الولد لله بكونه كذباً، مع أن الكثير منهم يقول ذلك، ولا يعلم كونه باطلاً، فعلمنا أن كل خبر لا يطابق المخبر عنه فهو كذب سواء علم القائل بكونه مطابقاً أو لم يعلم]؛

ــ وتكرر بعض هذا بحوه في تفسير اللباب لابن عادل [أبي حفص عمر بن على ابن عادل الدمشقي الحنبلي – (المتوفى بعد سنة 880 هـ) - (ص: 3394)]، فكأنه نقل من الرازي: [فصل واعلم أنَّ المثبتين لله تعالى الولد ثلاث طوائف: الأولى: كفار العرب الذين قالوا: الملائكة بناتُ الله. الثانية: النصارى قالوا: المسيحُ ابن الله. الثالثة: اليهود، حيث قالوا: العزير ابنُ الله. واعلم أنَّ إثبات الولد لله كفرٌ عظيمٌ، وتقدَّم الكلام على ذلك في سورة الأنعام في قوله: ﴿وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 100] وسيأتي تمامه - إن شاء الله تعالى - في سورة مريم؛ لأنَّه تعالى أنكر على القائلين بإثبات الولد من وجهين: الأول: قوله: ﴿مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ﴾. فإن قيل: اتخاذ الله تعالى الولد محالٌ في نفسه، فكيف قيل: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الزخرف: 20]؟. فالجوابُ: أنَّ انتفاء العلم بالشيء قد يكون للجهل بالطريق الموصل إليه؛ وقد يكون لأنَّه في نفسه محالٌ، لا يمكن تعلق العلم به، ونظيره قوله: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾، (المؤمنون: 117)]؛

ــ وكذلك في تفسير السراج المنير للشربيني [السراج المنير في الاعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير لمحمد بن أحمد الخطيب الشربيني - (المتوفى: 977 هـ) - (2/272)]: [﴿وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً﴾ معطوف على قوله تعالى: ﴿لينذر بأساً شديداً من لدنه﴾ والمعطوف يجب كونه مغايراً للمعطوف عليه، فالأوّل عام في حق كل كافر، والثاني خاص بمن أثبت لله ولداً. وعادة القرآن جارية بأنه إذا ذكر قضية كلية عطف عليها بعض جزئياتها تنبيهاً على كونه أعظم جزئيات ذلك الكلي كقوله تعالى: ﴿وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾ (البقرة، 98) فكذا ههنا هذا العطف يدل على أنّ أقبح أنواع الكفر إثبات الولد لله تعالى. تنبيه: الذين أثبتوا لله ولداً ثلاث طوائف الأولى: كفار العرب الذين قالوا الملائكة بنات الله. الثانية: النصارى الذين قالوا المسيح ابن الله. الثالثة: اليهود الذين قالوا عزير ابن الله. ثم إنه تعالى أنكر على القائلين ذلك من وجهين الأوّل: قوله تعالى: ﴿ما لهم به﴾، أي: القول. ﴿من علم﴾، أي: أصلاً لأنه مما لا يمكن أن يتعلق العلم به لأنه لا وجود له ولا يمكن وجوده، ثم قرّر تعالى هذا المعنى وأكده بقوله: ﴿ولا لآبائهم﴾ الذين يغتبطون بتقليدهم في الدين حتى في هذا الذي لا يتخيله عاقل ولو أخطؤوا في تصرف دنيوي لم يتبعوهم فيه. فإن قيل: اتخاذ الله ولداً محال في نفسه فكيف قيل ما لهم به من علم؟ أجيب: بأن انتفاء العلم بالشيء قد يكن للجهل بالطريق الموصل إليه وقد لا يكون لأنه في نفسه محال لا يمكن تعلق العلم به، ونظيره قوله تعالى: ﴿ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به﴾ (المؤمنين، 117)]؛

فأقول: كلام الرازي جيد في جملته، إلا أن قوله: (الذين أثبتوا الولد لله تعالى ثلاث طوائف. أحدها: كفار العرب الذين قالوا: الملائكة بنات الله. وثانيها: النصارى حيث قالوا: المسيح ابن الله. وثالثها: اليهود الذين قالوا: عزيز ابن الله)، ففيه تساهل، إلا أن يكون قصد من خاطبهم القرآن على وجه الابتداء. والحق أن معظم شرك العالم، لا فرق بين الهنود والبابليين والمصريين القدامى واليونان والرومان وغيرهم، يعود إلى نسبة الولد إلى الله، أو بلفظ أعم وأدق: أن الألوهية نوع تتعدد أفراده، أو حتى جنس تتعدد أنواعه.

 

وقد فطن لهذه الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، بالرغم من انتسابه للفرقة الوهابية، فقال: [منه: قوله تعالى في الإنكار على من جعل مع الله إلهاً آخر، وإبطال زعمه الكاذب الذي هو أساس الوثنية: أن هؤلاء الأولياء والآلهة أبناء الله؛ لأنهم النور الذي انبثق منه تجسدوا بشراً ثم عادوا إلى النورانية، فيقول: ﴿مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ﴾]، ولكنه للأسف الشديد لم يرفع بها رأساً، ولم يسأل نفسه: هل هذا معتقد من تنبزهم فرقته الوهابية المارقة بلقب (القبوريين)؟! فلم يرفع بها رأساً، ذلك لأن خلفيته الوهابية قصمت عنقه، فلم يعد يستطيع رفع رأسه، كما سيظهر مستقبلاً في العديد من نقولنا عنه.

 

وأما الجملة المهمة الخطيرة: (انتفاء العلم بالشيء قد يكون للجهل بالطريق الموصل إليه؛ وقد يكون لأنه في نفسه محال لا يمكن تعلق العلم به)، كما هي عند الزمخشري والرازي، فهي ضرورة عقلية تنبع من التعريف الصحيح لـ(العلم)؛ وهي واسعة الانتشار في مصنفات القدامى، بعد عصر الإمام الطبري، والمتأخرين، مثال ذلك ما جاء في تفسير الخازن [تفسير الخازن المسمى لباب التأويل في معاني التنزيل لعلاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم البغدادي الشهير بالخازن - (4/191)]: [فإن قلت اتخاذ الله ولداً في نفسه محال فكيف قيل ما لهم به من علم. قلت: انتفاء العلم يكون للجهل بالطريق الموصل إليه؛ وقد يكون في نفسه محالاً لا يستقيم تعلق العلم به].

وأما الطبري، ومن سبقه، ففهموها على الفطرة بدون تقعيد منطقي أو تنظير فلسفي:

* فقد جاء في تفسير جامع البيان في تأويل القرآن للطبري (17/595): [كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ن يعني قريشا في قولهم: إنما نعبد الملائكة، وهنّ بنات الله، وقوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾، يقول: ما لقائلي هذا القول، يعني قولهم ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ن ﴿بِهِ﴾: يعني بالله من علم، والهاء في قوله (بِهِ) من ذكر الله]، قلت: واستنكر الطبري هذا فقال بعدها فوراً: [وإنما معنى الكلام: ما لهؤلاء القائلين هذا القول بالله إنه لا يجوز أن يكون له ولد من علم، فلجهلهم بالله وعظمته قالوا ذلك]؛

ــ وتبعه في بعض ذلك القرطبي، رغم كونه من المتأخرين، في تفسيره الجامع لأحكام القرآن (10/353): [قوله تعالى: - ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً﴾ وهم اليهود، قالوا عزير ابن الله، والنصارى قالوا المسيح ابن الله، وقريش قالت الملائكة بنات الله. فالإنذار في أول السورة عام، وهذا خاص فيمن قال لله ولد]؛

ــ وكذلك في تفسير ابن كثير (5/135): [﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ قال ابن إسحاق: وهم مشركو العرب في قولهم: نحن نعبد الملائكة، وهم بنات الله]؛

 

ولعلنا نقوم بمزيد تحرير، وتحسين صياغة، للجملة المهمة الخطيرة:

قاعدة معرفية مهمة: (انتفاء العلم بوجود الشيء قد يكون للجهل بالطريق الموصل إلى العلم؛ وقد يكون لأن الشيء معدوم لا يمكن تعلق العلم به، لأنه ما كان موجوداً، أو غير موجود فعلاً، أو في نفسه محال لا يمكن أن يكون موجوداً أصلاً).

فأما زيادتنا: (لأنه ما كان موجوداً، أو غير موجود فعلاً)، فمستندها قوله، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ: أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، (يونس؛ 10: 18): فذكر السموات والأرض يرجح أن الكلام إنما هو منصب على (عن عدم وجودها فعلاً) عند ورود هذا الخطاب. وأما كونها مستحيلة الوجود أصلاً، فلا يمكن أن تكون موجودة في السموات والأرض، ولا في غيرها من الأكوان فحق ببراهين إضافية. وعلى كل حال، فقوله، جل ذكره: ﴿أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾: إنما هو من أعلى درجات نفى الشريك، فحاكم بلدة ربما قال: (أنا لا أعلم أن للبلدة حاكما غيرى)، مبالغة في النفي؛ ومن هذا الباب أيضاً، قوله، تعالى مجده: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾، (الرعد؛ 13: 33)، والله أعلم.

وقد تطرق العلامة المعاصر محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي لهذه القضية الخطيرة بنحو ما تطرق إليها الإمام الرازي، مع زيادات قيمة تستحق التدبر والتأمل:

* فقد جاء في أضواء البيان [موافق للمطبوع (3/197)]: [﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (5)﴾: - وهذا من عطف الخاص على العام، لأنه قوله ﴿لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ﴾ [الكهف: 2] شامل للذين قالوا اتخذ الله ولداً، ولغيرهم من سائر الكفار. وقد تقرر في فن المعاني: أن عطف الخاص على العام - إذا كان الخاص يمتاز عن سائر أفراد العام بصفات حسنة أو قبيحة - من الإطناب المقبول، تنزيلاً للتغاير في الصفات منزلة التغاير في الذوات. ومثاله في الممتاز عن سائر أفراد العام بصفات حسنة قوله تعالى: ﴿وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: 98] الآية، وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ﴾ [الأحزاب: 7]. ومثاله في الممتاز بصفات قبيحة الآية التي نحن بصددها، فإن ﴿الذين قالوا اتخذ الله ولداً﴾ امتازوا عن غيرهم بفرية شنعاء. ولذا ساغ عطفهم على اللفظ الشامل لهم ولغيرهم. والآيات الدالة على شدة عظم فريتهم كثيرة جداً. كقوله هنا: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف: 5] الآية، وكقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً أَن دَعَوْا للرحمن وَلَداً وَمَا يَنبَغِي للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ [مريم: 88 - 92]، وقوله: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بالبنين واتخذ مِنَ الملائكة إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً﴾ [الإسراء: 40] والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة. وقد قدمنا أن القرآن بين أن الذين نسبوا لله سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً ثلاثة أصناف من الناس: اليهود، والنصارى، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله وَقَالَتْ النصارى المسيح ابن الله ذلك قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾، [التوبة: 30] الآية. والصنف الثالث مشركو العرب. كما قال تعالى عنهم: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البنات سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: 57]، والآيات بنحوها كثيرة معلومة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ﴾ يعني أن ما نسبوه له جلَّ وعلا من اتخاذ الولد لا علم لهم به. لأنه مستحيل. والآية تدل دلالة واضحة على أن نفي الفعل لا يدل على إمكانه. ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى ﴿وَمَا ظَلَمُونَا ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: 57] لأن ظلمهم لربنا وحصول العلم لهم باتخاذه الولد - كل ذلك مستحيل عقلاً. فنفيه لا يدل على إمكانه. ومن هذا القبيل قول المنطقيين: السالبة لا تقتضى وجود الموضوع، كما بيناه في غير هذا الموضع. وما نفاه عنهم وعن آبائهم من العلم باتخاذه الولد سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً - بينه في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: 100]، وقوله في آبائهم: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: 104] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ يعني أن ما قالوه بأفواههم من أن الله اتخذ ولداً امر كبير عظيم. كما بينا الآيات الدالة على عظمه آنفاً]؛ وفي مواضع أخرى منها: أضواء البيان [موافق للمطبوع (2/221)]؛

 

وهنا تساهل الشنقيطي، رحمه الله، أشد من تساهل الرازي لأنه معاصر، وكان بإمكانه الاطلاع على علوم الآثار، وعلوم السلالات البشرية، وعلوم الأديان المعاصرة التي لم تكن متاحة للإمام الرازي في زمنه، فقال: (وقد قدمنا أن القرآن بين أن الذين نسبوا لله سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً ثلاثة أصناف من الناس: اليهود، والنصارى، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله وَقَالَتْ النصارى المسيح ابن الله ذلك قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾، [التوبة: 30] الآية. والصنف الثالث مشركو العرب. كما قال تعالى عنهم: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البنات سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: 57]، والآيات بنحوها كثيرة معلومة)، والحق أن معظم شرك العالم، لا فرق بين الهنود والبابليين والمصريين القدامى واليونان والرومان وغيرهم، يعود إلى اعتقاد (أن الألوهية نوع تتعدد أفراده، أو حتى جنس تتعدد أنواعه)، ونسبة الولد إلى (الله)، ما هي إلا حالة خاصة لأولئك الذين يعترفون بإله مركزي واحد: (الله).

وزاد، رحمه الله، الموضوع مناقشة وتفصيلا في كتابه القيم (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب):

* فقد جاء في دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب (ص: 47): [الرَّابِعُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ أَنَّهُمْ لَمْ يُوَفَّقُوا لِلتَّوْبَةِ النَّصُوحِ حَتَّى تُقْبَلَ مِنْهُمْ، وَيَدُلَّ لِهَذَا الْوَجْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾، [4\ 137]. فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَدَمَ غُفْرَانِهِ لَهُمْ لِعَدَمِ تَوْفِيقِهِمْ لِلتَّوْبَةِ وَالْهُدَى. كَقَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ [4\208]. وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ الْآيَةَ [10\96]. وَنَظِيرُ الْآيَةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [74\48]، أَيْ لَا شَفَاعَةَ لَهُمْ أَصْلًا حَتَّى تَنْفَعَهُمْ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ الْآيَةَ [23\117]. لِأَنَّ الْإِلَهَ الْآخَرَ لَا يُمْكِنُ وُجُودُهُ أَصْلًا، حَتَّى يَقُومَ عَلَيْهِ بُرْهَانٌ أَوْ لَا يَقُومَ عَلَيْهِ. قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: مِثْلُ هَذَا الْوَجْهِ الْأَخِيرِ هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ النُّظَّارِ، بِقَوْلِهِمُ السَّالِبَةُ: (لَا تَقْضِي بِوُجُودِ الْمَوْضُوعِ)، وَإِيضَاحُهُ أَنَّ الْقَضِيَّةَ السَّالِبَةَ عِنْدَهُمْ صَادِقَةٌ فِي صُورَتَيْنِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا عَدَمُ اتِّصَافِ الْمَوْضُوعِ بِالْمَحْمُولِ وَعَدَمُ اتِّصَافِهِ بِهِ يَتَحَقَّقُ فِي صُورَتَيْنِ:

الْأُولَى: أَنْ يَكُونَ الْمَوْضُوعُ مَوْجُودًا إِلَّا أَنَّ الْمَحْمُولَ مُنْتَفٍ عَنْهُ، كَقَوْلِكَ: لَيْسَ الْإِنْسَانُ بِحَجَرٍ، فَالْإِنْسَانُ مَوْجُودٌ وَالْحَجَرِيَّةُ مُنْتَفِيَةٌ عَنْهُ.

وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْمَوْضُوعُ مِنْ أَصْلِهِ مَعْدُومًا لِأَنَّهُ إِذَا عَدِمَ تَحَقَّقَ عَدَمُ اتِّصَافِهِ بِالْمَحْمُولِ الْمَوْجُودِيِّ، لِأَنَّ الْعَدَمَ لَا يَتَّصِفُ بِالْوُجُودِ كَقَوْلِكَ: لَا نَظِيرَ لِلَّهِ يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ، فَإِنَّ الْمَوْضُوعَ الَّذِي هُوَ النَّظِيرُ لَيْسَ مُسْتَحِيلًا مِنْ أَصْلِهِ، وَإِذَا تَحَقَّقَ عَدَمُهُ تَحَقَّقَ انْتِفَاءُ اتِّصَافِهِ بِاسْتِحْقَاقِ الْعِبَادَةِ ضَرُورَةً.

وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ أَسَالِيبِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَمِنْ شَوَاهِدِهِ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ: (عَلَى لَاحِبٍ لَا يَهْتَدِي بِمَنَارِهِ *** إِذَا سَافَهُ الْعَوْدُ النُّبَاطِيُّ جَرْجَرَا)، لِأَنَّ الْمَعْنَى عَلَى لَاحِبٍ لَا مَنَارَ لَهُ أَصْلًا حَتَّى يُهْتَدَى بِهِ. وَقَوْلُ الْآخَرِ: (لَا تُفْزِعُ الْأَرْنَبَ أَهْوَالُهَا *** وَلَا تَرَى الضَّبَّ بِهَا يَنْجَحِرْ)، لِأَنَّهُ يَصِفُ فَلَاةً بِأَنَّهَا لَيْسَ فِيهَا أَرَانِبُ وَلَا ضِبَابٌ حَتَّى تُفْزِعَ أَهْوَالُهَا الْأَرْنَبَ، أَوْ يَنْجَحِرَ فِيهَا الضَّبُّ أَيْ يَدْخُلُ الْجُحْرَ أَوْ يَتَّخِذُهُ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ مَسْأَلَةَ أَنَّ السَّالِبَةَ لَا تَقْتَضِي وُجُودَ الْمَوْضُوعِ فِي أُرْجُوزَتِي فِي الْمَنْطِقِ فِي مَبْحَثِ انْحِرَافِ السُّوَرِ، وَأَوْضَحْتُ فِيهَا أَيْضًا فِي مَبْحَثِ التَّحْصِيلِ وَالْعُدُولِ أَنَّ مِنَ الْمُوجِبَاتِ مَا لَا يَقْتَضِي وُجُودَ الْمَوْضُوعِ نَحْوَ: ((بَحْرٌ مِنْ زِئْبَقٍ) (مُمْكِنٌ))، وَ((الْمُسْتَحِيلُ) (مَعْدُومٌ))، فَإِنَّهَا مُوجِبَتَانِ وَمَوْضُوعُ كُلٍّ مِنْهُمَا مَعْدُومٌ، وَحَرَّرْنَا هُنَاكَ التَّفْصِيلَ فِيمَا يَقْتَضِي وُجُودَ الْمَوْضُوعِ وَمَا لَا يَقْتَضِيهِ]؛

 

وإليك الآن المزيد من التفصيل، وأقوال الأئمة، بالنسبة لقوله، جل جلاله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾، (المؤمنون؛ 23: 117)؛ ومن بابها، وفي معناها: قوله، تعالى ذكره: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، (يونس؛ 10: 68)؛

 

* فقد جاء في أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن (5/377): [﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117)﴾: (البرهان): الدليل الذي لا يترك في الحق لبساً، وقوله: لا برهان له به كقوله ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً﴾ [الحج: 71] الآية. والسلطان: هو الحجة الواضحة وهو بمعنى: البرهان وقوله في هذه الآية الكريمة ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ قد بين أن حسابه الذي عند ربه، لا فلاح له فيه بقوله بعده ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون﴾ وأعظم الكافرين كفراً هو من يدعو مع الله إلهاً آخر، لا برهان له به، ونفي الفلاح عنه يدل على هلاكه وأنه من أهل النار، وقد حذر الله من دعاء إله معه في آيات كثيرة كقوله: ﴿وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ الله إلها آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [الذاريات: 51] وقوله: ﴿وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها آخَرَ لاَ إله إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الحكم وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: 88] وقوله تعالى: ﴿لاَّ تَجْعَل مَعَ الله إلها آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً﴾ [الإسراء: 22] والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً، ولا خلاف بين أهل العلم أن قوله هنا: ﴿لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ لا مفهوم مخالفة له، فلا يصح لأحد أن يقول: أما من عبد معه إلهاً آخر له برهان به فلا مانع من ذلك، لاستحالة وجود برهان على عبادة إله آخر معه، بل البراهين القطعية المتواترة، دالة على أنه هو المعبود وحده جل وعلا ولا يمكن أن يوجد دليل على عبادة غيره ألبتة. وقد تقرر في فن الأصول أن من موانع اعتبار مفهوم المخالفة، كون تخصيص الوصف بالذكر لموافقته للواقع فيرد النص ذاكراً لوصف الموافق للواقع ليطبق عليه الحكم، فتخصيصه بالذكر إذاً ليس لإخراج المفهوم عن حكم المنطوق، بل لتخصيص الوصف بالذكر لموافقته للواقع. ومن أمثلته في القرآن هذه الآية لأن قوله: ﴿لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ وصف مطابق للواقع، لأنهم يدعون معه غيره بلا برهان، فذكر الوصف لموافقته الواقع، لا لإخراج المفهوم عن حكم المنطوق. (. -. -) وإلى هذا أشار في مراقي السعود في ذكره موانع اعتبار مفهوم المخالفة بقوله:

أو امتنان أو وفاق الواقع *** والجهل والتأكيد عند السامع]؛

* وجاء في أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن (3/291)، وهو في نسخة الشاملة الموافقة للمطبوع (3/220): [﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ - قوله تعالى: ﴿هؤلاء قَوْمُنَا اتخذوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾. «لولا» في هذه الآية الكريمة للتخصيص، وهو الطلب بحث وشدة. والمراد بهذا الطلب التعجيز، لأنه من المعلوم أنه لا يقدر أحد أن يأتي بسلطان بين على جواز عبادة غير الله تعالى. والمراد بالسلطان البين: الحجة الواضحة. وما ذكره جل وعلى في هذه الآية الكريمة: من تعجيزهم عن الإتيان بحجة على شركهم وكفرهم وإبطال حجة المشركين على شركهم - جاء موضحاً في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: 148]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأرض أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السماوات ائتوني بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هاذآ أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف: 4]، وقوله تعالى منكراً عليهم: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف: 21]، وقوله جل وعلا: ﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: 35]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأرض أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السماوات أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ على بَيِّنَةٍ مِّنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ الظالمون بَعْضُهُم بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً﴾ [فاطر: 40]، وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ الله إِلَهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون﴾ [المؤمنون: 117]، والآيات الدالة على أن المشركين لا مستند لهم في شركهم إلا تقليد آبائهم الضالين كثيرة جداً]؛

 

* وجاء في أحكام القرآن للجصاص (3/109): [قال الله تعالى ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات قال أبو بكر الذي اقتضته هذه الآية إباحة نكاح الإماء المؤمنات عند عدم الطول إلى الحرائر المؤمنات لأنه لا خلاف أن المراد بالمحصنات ههنا الحرائر وليس فيها حظر لغيرهن لأن تخصيص هذه الحال بذكر الإباحة فيها لا يدل على حظر ما عداها؛ كقوله تعالى ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق لا دلالة فيه على إباحة القتل عند زوال هذه الحال؛ وقوله تعالى ولا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة لا يدل على إباحته إذا لم يكن أضعافا مضاعفة؛ وقوله تعالى: ﴿ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به﴾، ليس بدلالة على أن أحدنا يجوز أن يقوم له برهان على صحة القول بأن مع الله إلها آخر، تعالى الله عن ذلك: وقد بينا ذلك في اصول الفقه فإذا ليس في قوله تعالى ومن لم يستطع منكم طولا الآية إلا إباحة نكاح الإماء لمن كانت هذه حاله ولا دلالة فيه على حكم من وجد طولا إلى الحرة لا بحظر ولا إباحة]؛

 

* وجاء في القواعد الحسان في تفسير القرآن (ص: 71): [(القاعدة السادسة والعشرون: الأحكام في الآيات المقيدة): - الأصل: أن الآيات التي فيها قيود لا تثبت أحكامها إلا بوجود تلك القيود، إلا في آيات يسيرة. وهذه قاعدة لطيفة. فإن الله متى رتب في كتابه حكماً على شيء، وقيده بقيد، أو شرط لذلك شرطاً، تعلق الحكم به على ذلك الوصف، الذي وصفه الله تعالى. وهذا في القرآن لا حصر له. وإنما المقصود ذكر المستثنى من هذا الأصل الذي يقول كثير من المفسرين - إذا تكلموا عليها -: هذا قيد غير مراد. ففي هذه العبارة نظر؛ فإن كل لفظة في كتاب الله فإن الله أرادها لما فيها من فائدة، وقد تظهر للمخاطب وقد تخفى. وإنما مرادهم بقولهم [غير مراد] ثبوت الحكم لها. فاعلم أن الله تعالى يذكر الأحكام الشرعية من أصول وفروع، ويذكر أعلى حالة لها ليبرزها لعباده، وليظهر لهم حسنها، إن كانت مأموراً بها، أو قبحها إن كانت منهياً عنها. وعند تأمل هذه الآيات التي بهذا الصدد يظهر لك هذا منها عياناً. فمنها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون: 117] ومن المعلوم أن من دعا مع الله إلهاً آخر فإنه كافر، وأنه ليس له برهان مطلقاً. وإنما قيدها الله بهذا القيد بياناً لشناعة الشرك والمشرك وأن الشرك ليس له دليل شرعي، ولا عقلي قطعاً، والمشرك ليس بيده ما يُسوِّغ له شيئاً من ذلك. ففائدة هذا القيد: التشنيع البليغ على المشركين من المعاندة ومخالفة البراهين الشرعية والعقلية، وأنه ليس بأيديهم إلا أغراض نفسية ومقاصد سيئة، وأنهم لو التفتوا أدنى التفات لعرفوا أن ما هم عليه لا يستجيزه من له أدنى إيمان ولا معقول]؛

 

* وجاء في الدر المصون في علم الكتاب المكنون (ص: 4331): [قوله: ﴿وَمَن يَدْعُ﴾: شرطٌ. وفي جوابِه وجهان أصحُّهما: أنه قوله "فإنما حِسابُه" وعلى هذا ففي الجملة المتقدمة وهي قولُه: ﴿لاَ بُرْهَانَ لَهُ﴾ وجهان، أحدُهما: أنها صفةٌ لـ"إلهاً" وهو صفةٌ لازمةٌ. أي: لا يكون الإلَهُ المَدْعُوُّ من دون اللهِ إلاَّ كذا، فليس لها مفهومٌ لفسادِ المعنى. ومثلُه: ﴿وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ لا يُفْهم أنَّ ثَمَّ إلَهاً آخرَ مَدْعُوَّاً من دونِ اللهِ له برهان، وأن ثَمَّ طائراً يطير بغير جناحيه. الثاني: أنها جملةٌ اعتراضٍ بين الشرطِ وجوابِه. وإلى الوجهين أشار الزمخشري بقولِه: (وهي صفةٌ لازمةٌ كقوله: (يَطير بجناحيه)، جيء بها للتوكيد لا أَنْ يكونَ في الآلهة ما يجوز أَنْ يقومَ عليه بُرْهانٌ). ويجوز أَنْ يكونَ اعتراضاً بين الشرطِ والجزاءِ كقولك: (مَنْ أحسن إلى زيدٍ ـ لا أحقَّ بالإِحسان منه ـ فاللهُ مُثيبُه).

الثاني: من الوجهين الأولين: أنَّ جوابَ الشرطِ "قولُه لا بُرْهانَ له به" كأنه فَرَّ مِنْ مفهومِ الصفةِ لِما يلزمُ مِنْ فسادِه فَوَقَعَ في شيءٍ لا يجوزُ إلاَّ في ضرورةِ شعرٍ، وهو حَذْفُ فاءِ الجزاءِ من الجملةِ الاسميةِ، كقوله:

3432ـ مَنْ يَفْعَلِ الحسناتِ: اللهُ يَشْكُرُها *....................البيت.

وقد تقدَّم تخريجُ كونِ (لا برهانَ له) على الصفةِ. ولا إشكال؛ لأنها صفةٌ لازمةٌ، أو على أنها جملةٌ اعتراضٍ]، انتهى نص الدر المصون؛

فأقول: أصل صدر البيت هو: (مَنْ يَفْعَلِ الحسناتِ فـاللهُ يَشْكُرُها)، ثم حذفت الفاء لضرورة الشعر. وإليك تحرير الوجوه، وتقدير الكلام مبسوطاً في كل حالة ذكرها - على وجه الاختصار - صاحب (الدر المصون):

الأول: (الصفة اللازمة)، فيكون تقدير الكلام: (ومَن يَدْعُ مع الله إلهاً آخر، الذي صفته الضرورية اللازمة له أنه لا بُرهان له، فإنما حِسابُه عند ربه)؛ وهذا هو الوجه الثاني الذي جاء في تفسير الماوردي النكت والعيون (4/69): [قوله: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾، فيه وجهان: (. -. -). الثاني: أن هذه صفة الإله الذي يدعى من دون الله أن لا برهان له]، انتهى؛ والغرض البلاغي هنا هو التأكيد؛

 

الثاني: (الاعتراض)، فيكون تقدير الكلام: (ومَن يَدْعُ - ولا بُرهان له لاستحالة وجود برهان - مع الله إلهاً آخر، فإنما حِسابُه عند ربه)؛ وهذا هو الوجه الأول الذي جاء في تفسير الماوردي النكت والعيون (4/69): [قوله: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾، فيه وجهان: أحدهما: معناه ليس له برهان ولا صحة بأن مع الله إلهاً آخر]، والغرض البلاغي هنا هو المبالغة في بيان حال الداعي القبيح، والتشنيع عليه؛

 الثالث: (جواب الشرط، مع حذف الفاء)، فيكون تقدير الكلام أنه جملتان: (ومَن يَدْعُ مع الله إلهاً آخر، فلا بُرهان له به)؛ (ومَن يَدْعُ مع الله إلهاً آخر، فإنما حِسابُه عند ربه)، ثم حذف الشرط المكرر، وحذفت الفاء الأولى لثقلها اكتفاء بالثانية. والغرض البلاغي هنا اختصار الجملتين في واحدة، مع بيان حال الداعي القبيح، والتشنيع عليه؛

 

وأما بخصوص قوله، تعالى ذكره: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾، (آل عمران؛ 3: 151)؛ وقوله: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، (الأنعام، 6: 81)؛ وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، (الأعراف؛ 7: 33)؛ وقوله: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾، (الأعراف؛ 7: 70، 71)؛ وقوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، (يوسف؛ 12: 40)؛ وقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾، (الحج؛ 22: 71)؛ وقوله: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾،[(لروم؛ 30: 35)؛ وقوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾، (النجم؛ 53: 23)؛ وما شابهها:

* فقد جاء في مفاتيح الغيب للرازي [ترقيم الشاملة موافق للمطبوع (9/28)]: [المسألة الثانية: قوله مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَاناً يوهم أن فيه سلطانا إلا أن الله تعالى ما أنزله وما أظهره إلا أن الجواب عنه: (أنه لو كان لأنزل الله به سلطانا فلما لم ينزل به سلطاناً وجب عدمه) وحاصل الكلام فيه ما يقوله المتكلمون أن هذا مما لا دليل علي فلم يجز إثباته ومنهم من يبالغ فيقول لا دليل عليه فيجب نفيه ومنهم من احتج بهذا الحرف على وحدانية الصانع فقال لا سبيل إلى اثبات الصانع إلا باحتياج المحدثات اليه ويكفي في دفع هذه الحاجة اثبات الصانع الواحد فما زاد عليه لا سبيل إلى اثباته فلم يجز اثباته.

المسألة الثالثة: هذه الآية دالة على فساد التقليد وذلك لأن الآية دالة على أن الشرك لا دليل عليه فوجب أن يكون القول به باطلا وهذا إنما يصح إذا كان القول بإثبات ما لا دليل على ثبوته يكون باطلا فيلزم فساد القول بالتقليد]؛

فأقول: قول الرازي: (أنه لو كان لأنزل الله به سلطانا فلما لم ينزل به سلطاناً وجب عدمه) فيه اختصار شديد، وبعض التقصير، والأولى أن يقال: (أنه لو كان ثمة سلطان في هذه القضية الكبرى، التي هي أم القضايا التي أرسل بها الرسل، ونزلت بها الكتب، لأنزل الله به سلطانا مع كل نبي مرسل، وخاصة في القرآن الذي أنزله ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، فلما لم ينزل به سلطاناً: وجب عدمه)

 

* وجاء في تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي (3/62): [وما مصدرية: أي بسبب إشراكهم بالله آلهة لم ينزل بإشراكها حجة ولا برهاناً، وتسليط النفي على الإنزال، والمقصود: نفي السلطان، أي آلهة لا سلطان في إشراكها، فينزل نحو قوله: (على لاحب لا يهتدى بمناره)، أي لا منار له فيهتدى به؛ وقوله: (ولا ترى الضب بها ينجحر)، أي لا ينجحر الضب فيرى بها. والمرادُ نفي السلطان والنزول معاً]؛

* وجاء نحو هذا بعبارة أخرى في التحرير والتنوير ـ الطبعة التونسية (4/126): [﴿ما لم ينزل به سلطانا﴾: أي ما لا سلطان له. والسلطان: الحجّة والبرهان لأنَّه يتسلّط على النّفس، ونُفي تنزيله وأريد نَفْيُ وجوده، لأنّه لو كان لنَزْل أي لأوْحى الله به إلى النَّاس، لأنّ الله لم يكتم النَّاسَ الإرشادَ إلى ما يجب عليهم من اعتقاد على ألْسنةِ الرسل، فالتنزيل إمَّا بمعنى الوحي، وإمَّا بمعنى نصب الأدلَّة عليهم كقولهم: (نزلت الحكمة على ألْسنة العرب وعقول الفرس وأيدي الصّين) ولمَّا كان الحقّ لا يعدو هذين الحالين: لأنَّه إمَّا أن يعلم بالوحي، أو بالأمارات، كان نفي تنزيل السلطان على الإشراك كناية عن نفي السلطان نفسه، كقول الشاعر الّذي لا يعرف اسمه: لا تُفْزع الأرْنَبَ أهوالُهَا *** ولا تَرَى الضبّ بها يَنْجَحِرْ]؛

 

* ولكن جاء في تفسير الألوسي (3/263، بترقيم الشاملة آليا): [﴿مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ﴾ أي بإشراكه، وقيل: بعبادته، وما نكرة موصوفة أو موصولة اسمية وليست مصدرية ﴿سلطانا﴾ أي حجة، والإتيان بها للإشارة بأن المتبع في باب التوحيد هو البرهان السماوي دون الآراء والأهواء الباطلة، وسميت بذلك لأنه بها يتقوى على الخصم ويتسلط عليه، والنون زائدة، وقيل: أصلية، وذكر عدم إنزال الحجة مع استحالة تحققها من باب انتفاء المقيد لانتفاء قيده اللازم أي لا حجة حتى ينزلها، فهو على حد قوله في وصف مفازة: (لا يفزع الأرنب أهوالها *** ولا ترى الضب بها ينجحر)؛ إذ المراد لا ضب بها حتى ينجحر. فالمراد نفيهما جميعاً. وهذا كقولهم: السالبة لا تقتضي وجود الموضوع. وما ذكرنا من استحالة تحقق الحجة على الاشراك يكاد يكون معلوماً من الدين بالضرورة أما في الاشراك بالربوبية فظاهر إذ كيف يأمر الله سبحانه باعتقاد أن خالق العالم اثنان مشتركان في وجوب الوجود والاتصاف بكل كمال، وأما الاشراك في الألوهية الذي عليه أكثر المشركين في عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلأنه يفضي إلى الأمر باعتقاد أشياء خلاف الواقع مما كان المشركون يعتقدونه في أصنامهم وقد ردّه عليهم، فقول عصام الملة: (ونحن نقول الحجة على الاشراك تحت قدرته تعالى لو شاء أنزلها إذ لو أمر بإشراك الأصنام به في العبادة لوجبت العبادة) لا أراه إلا حلا لعصام الدين لأن لا إله إلا الله المخاطب بها الثنوية والوثنية تأبى إمكان ذلك كما لا يخفى على من اطلع على معنى هذه الكلمة الطيبة رزقنا الله تعالى الموت عليها ولا جعلنا ممن أشركوا بالله تعالى ما لم ينزل به سلطاناً]؛

فأقول: قول الألوسي: (الأمر باعتقاد أشياء خلاف الواقع مما كان المشركون يعتقدونه في أصنامهم وقد ردّه عليهم)، كلام ضعيف، ليس فيه التفصيل الواجب في هذا المقام الخطير، وهو نفسه قد قال بقوة في موضع آخر من تفسيره (3/283، بترقيم الشاملة آليا): [﴿بالله مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ﴾ أي بوجوده ﴿سلطانا﴾ أي حجة إذ لا حجة على وجوده حتى ينزلها لتحقق عدمه بحسب ذاته].

 

فأما قول عصام الملة: (ونحن نقول الحجة على الاشراك تحت قدرته تعالى لو شاء أنزلها إذ لو أمر بإشراك الأصنام به في العبادة لوجبت العبادة) فكلام فارغ لا معنى له:

ــ لأن المشركين ما عبدوا الأصنام إلا لاعتقادهم (الألوهية)، أيا ما كان تعريفها، في الأصنام، أو استحقاق (العبادة)، أيا ما كان تعريفها، لها؛

ــ والله قد شهد لنفسه أنه لا إله إلا هو، وأنه وحده المستحق لـ(العبادة) – وهو أمر بتلك الشهادة وشدد في الأمر بها؛

ــ و(الشرك) هو حصراً أن تجعل مع الله إلاها آخر أو أن تعبد غير الله، بنص القرآن وبالإجماع المتيقن من أهل الإسلام وغيرهم:

* فلو أمر الله، تعالى وتقدس، بعبادة الأصنام لكان في الحقيقة قائلاً: (أطيعوني بأن تكذبوني) – (وأطيعوني بأن تعصوني): وهذا كلام لا يصدر عن المجانين، عياذاً بالله، فكيف برب العالمين؟!

 

ومثل كلام عصام الملة في السقوط قول أبي محمد علي بن حزم: (وَهَذَا فِي غَايَة الْفساد لِأَن الله تَعَالَى لَو أمرنَا بذلك لم يكن عوداً فِي مِلَّة الْكفْر بل كَانَ يكون ثَابتا على الْإِيمَان وتزايداً فِيهِ) رداً على قول المعتزلة كما هو في الفصل في الملل والأهواء والنحل (3/83): [وَقَالَ تَعَالَى مثنياً على قوم ومصدقاً لَهُم فِي قَوْلهم ﴿قد افترينا على الله كذبا إِن عدنا فِي ملتكم بعد إِذْ نجانا الله مِنْهَا وَمَا يكون لنا أَن نعود فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاء الله رَبنَا﴾ فَقَالَ النَّبِيُّونَ عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام واتباعهم قَول الْحق الَّذِي شهد الله عز وَجل بتصديقه أَنهم إِنَّمَا خلصوا من الْكفْر بِأَن الله تَعَالَى نجاهم مِنْهُ وَلم ينج الْكَافرين مِنْهُ وَأَن الله تَعَالَى إِن شَاءَ ان يعودوا فِي الْكفْر عَادوا فِيهِ فصح يَقِينا أَنه تَعَالَى شَاءَ ذَلِك مِمَّن عَاد فِي الْكفْر وَقد قَالَت الْمُعْتَزلَة فِي هَذِه الْآيَة معنى هَذَا: (إِلَّا ان يَأْمُرنَا الله بتعظيم الْأَصْنَام كَمَا أمرنَا بتعظيم الْحجر الْأسود والكعبة)؛ قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا فِي غَايَة الْفساد لِأَن الله تَعَالَى لَو أمرنَا بذلك لم يكن عوداً فِي مِلَّة الْكفْر بل كَانَ يكون ثَابتا على الْإِيمَان وتزايداً فِيهِ]؛

فأقول: هذا قول نشأ حالة ذهول وغياب للعقل بسبب اللجاج في الخصومة؛ والجواب الصحيح أن الحجر الأسود والكعبة ليست أصناما، وحتى مشركو العرب كانوا يدركون ذلك ويعظمونها ولا يعبدونها، وأما تعظيم الْأَصْنَام فهو (عبادة): فالرد على المعتزلة يكون بمثل ردنا على عصام الملة؛ وليس بجملة أبي محمد علي بن حزم التي هي زلة شنعاء، إن لم نكن ((كَفْرَةً صلعاء))!

 

فصل: براهين شهادة أن: «مُحَمَّداً رسول الله»

إن كل ما غاب عنا، أي ما لم يقع عليه حسنا مباشرة، أو كان قبلنا، فلا يمكن أن يُعرف إلا بالخبر عنه. وخبر التواتر يوجب العلم الضروري، ولا بد؛ ولو دَخَلتْ في نقل التواتر داخلةٌ أو شك، لوجب أن يدخل الشك: هل كان قبلنا خلق من بني آدم أم لا؟ إذ لم نعرف كون الخلق موجودا قبلنا بهذه الصفة إلا بالخبر المتواتر، ومن شك في هذا هدم العقل ولحق بالمجانين، ولم يعد يحسن معه خطاب أو حوار أو كلام.

 

والتواتر هو نقل عدد يستحيل تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه، بحيث يكون المنتهى مما يقع عليه الحس، أي مما يمكن أن يكون السامع لخبره ناقلاً له من جملة الناقلين، لو كان حضره فشهده ببصره أو سمعه أو كليهما. أما إجماع الجمع الغفير على معتقد أو رأي فلا قيمة له، وهو ليس بتواتر يثبت به شيء، وكدلك إجماعهم على ضروريات العقل ليس بتواتر، وإن كانت ضروريات العقل هي المرجع والحكم النهائي في كل معرفة، ولكنه ليس بتواتر، ولا من جنسه، وإن كان أعلى منه في القيمة المعرفية؛ إنما التواتر هو النقل الموصوف أعلاه المنتهي إلى الحس، أي إلى «الشهادة» بالسمع أو البصر أو بكليهما، وربما بغيرهما من الحواس، لا غير.

وبنقل التواتر المذكور، ثبت أن قوما من الناس أتوا أهل زمانهم يزعمون أن الله تعالى، خالق الخلق، أوحى إليهم يأمرهم بإنذار قومهم بأوامر ألزمهم الله تعالى إياها، فسئلوا برهانا على صحة ما قالوا، فأتوا بأعمال هي خلاف لطبائع ما في العالم لا يمكن البتة في العقل أن يقدر عليها مخلوق، حاشا خالقها الذي ابتدعها كما شاء:

ــ كقلب عصا حية تسعى.

ــ وشق البحر لشعب عظيم جازوا فيه وغرق من اتبعهم، وهم جيش كبير عليه ملك جبار.

ــ وكإحياء ميت قد صح موته يقيناً بعد موته بأيام عديدة، وفي أكثر الأحيان يكون قد دب فيه العفن المتقدم، أو يكون قد تطاول عليه الزمن حتى عاد عظاماً نخرة.

ــ وكإبراء أكمه ولد أعمى فارتد بصيراً على الفور.

ــ وكناقة حية من لحم ودم تأكل وتشرب وتُحلب خرجت من صخرة صمَّاء ميتة.

ــ وكإنسان رمي في النار المتأججة فلم يحترق.

ــ وكإشباع مئات من الناس من صاع شعير.

ــ وكنبعان الماء من بين أصابع إنسان حتى روي العسكر كله.

فثبت ضرورة أن الله تعالى شهد لهم بما أظهر على أيديهم بصحة ما أتوا به عنه، وأنه تعالى صدّقهم فيما قالوه.

 

وثبوت النبوة والرسالة لإنسان يعني أن من أرسله هو الله، خالق الكون والإنسان والحياة، وأن هذا الشخص نبي صادق، وأنه مؤيد بتلك البينات من الذي أرسله؛ فثبوت النبوة والرسالة يثبت فوراً، وللوهلة الأولى، وجود المرسل، فهو إذاً يغني عن البراهين المستقلة على وجود الخالق تبارك وتعالى: أي أن براهين النبوة والرسالة هي في نفس الوقت، وعلى الفور للوهلة الأولى، أدلة على وجود المُرسل، تبارك وتعالى، فلا حاجة لما ذكرناه من البراهين العقلية المحضة، آنفة الذكر، على وجود الخالق تبارك وتعالى، إذ أن براهين النبوة تُجزئ عنها.

 

فما قد يقدّمه بعض الفلاسفة من استشكالات على تلك البراهين العقلية، تتعلق أكثرها بإشكالية حدود تعقّل وتصور الزمان والمكان، لا يضر شيئاً، إذ أن النبوة والرسالة تبرهن برهاناً قاطعاً على وجود المرسل، وتخبر عن أهم صفاته، من غير أن ترد عليها تلك الإشكاليات. فالحمد لله الذي أقام صنوفاً مختلفة من البراهين على وجوده ووحدانيته وألوهيته وربوبيته، لا إله إلا هو، عليه نتوكل، وبه نتأيد!

 

ومُحَمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي العدناني العربي، هو رسول الله إلى جميع الإنس والجن كافرهم ومؤمنهم، بالبراهين القطعية الكثيرة، ومنها:

 

معجزة القرآن:

وهي أهم معجزاته وأعلاها، أنه أتى بهذا القرآن المنقول إلينا بأتم ما يكون من نقل التواتر، المحفوظ حرفاً، حرفاً، بل حركة، حركة، مع كيفية ترتيله والتغني به وتجويده، وأنه دعا من خالفه إلى أن يأتوا بمثله متحدياً لهم، ساخراً منهم، في أسلوب كله تقريع وتوبيخ، فعجزوا كلهم عن ذلك، وهذا التعجيز لجميع العرب عن أن يأتوا بمثله أولهم عن آخرهم موجود في نص القرآن في مواضع عديدة، بل إن التحدي على الإتيان بمثله كان لكل الجن والإنس، ثم قطع أنهم لا يستطيعون ذلك ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ومعيناً، وقد عجزوا عن ذلك، وما زالوا عاجزين، وسيبقون عاجزين إلى يوم القيامة.

 

ولا يهم ماهية هذا الإعجاز: أهو لأمر ذاتي في القرآن، أي لأنه معجز بذاته، أو بـ«الصرفة» أي لأن الله صرفهم، وأحبط عزيمتهم، وأفشل إرادتهم، فكلا الأمرين خارق لنظام الكون، لا يمكن أن يكون مقدوراً إلا لكائن فوق الطبيعة (Supernatural). وعلى كل حال فالتحدي بالقرآن قد تمّ، وعجْزُ العرب وغيرهم قد ثبت، هذه حقيقة تاريخية ثابتة.

 

نعم: لقد قامت الحجة واكتمل البرهان، لا سيما وأن العرب الأقحاح الذين يتكلمون اللسان العربي الفصيح على الفطرة والسليقة، بوصفه (لسان الأم) لهم، قد انقرضوا في أواسط القرن الهجري الرابع، أي الميلادي العاشر، ولم يبق من يتكلم باللسان العربي الفصيح، وهو محفوظ في بطون الكتب كما يعرفه العلماء المتخصصون، إلا بعد تكلّف وتعليم، وليس أحد منهم حجة على العربية الفصحى، فلا يقبل حكمه في القرآن: لا بالقول أنه معجز، ولا بالقول أنه ليس بمعجز من الناحية اللغوية البلاغية المحضة.

 

وأما التحدي بالقرآن من ناحية معانيه، وما فيه من إبداع أدبي وبلاغي؛ وما تميز به من تصوير فني، وإخراج قصصي مسرحي؛ وما فيه من إخبار صادق عن الأمم السابقة؛ وما فيه من معجزات علمية، وخُلُوه من التناقض؛ وتأثيره المذهل في النفوس حتى في ترجماته، إلى لغات أخرى، التي غالباً ما تكون ركيكة هزيلة؛ فهذا التحدي ما زال قائماً إلى اليوم، وسيبقى قائماً إلى أبد الأبد. قال، جل وعز، عن هذا القرآن نفسه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، (فصلت؛ 41: 53)، أي أن القرآن حق من عند الله، أو أن ما جاء به مُحَمَّد حق من عند الله، وكل ذلك متلازم يقتضي بعضه بعضاً.

 

* وجاء نحو ما ذكرنا بالنسبة لإعجاز القرآن – مع زيادة نسط وتفصيل - في تفسير الإمام الفخر الرازي (1/389، بترقيم الشاملة آليا) عند الكلام على آية التحدي: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)﴾، (البقرة؛ 2 : 23-24)، حيث قال الإمام المتكلم الكبير: [(الكلام في النبوة في الآية مسائل): المسألة الأولى: اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أقام الدلائل القاهرة على إثبات الصانع وأبطل القول بالشريك عقبه بما يدل على النبوة، وذلك يدل على فساد قول التعليمية الذين جعلوا معرفة الله مستفادة من معرفة الرسول، وقول الحشوية الذين يقولون لا تحصل معرفة الله إلا من القرآن والأخبار، ولما كانت نبوة محمد، صلى الله عليه وسلم، مبنية على كون القرآن معجزاً أقام الدلالة على كونه معجزاً. واعلم أن كونه معجزاً يمكن بيانه من طريقين:

الأول: أن يقال إن هذا القرآن لا يخلو حاله من أحد وجوه ثلاثة: إما أن يكون مساوياً لسائر كلام الفصحاء، أو زائداً على سائر كلام الفصحاء بقدر لا ينقض العادة أو زائداً عليه بقدر ينقض، والقسمان الأولان باطلان فتعين الثالث، وإنما قلنا إنهما باطلان، لأنه لو كان كذلك لكان من الواجب أن يأتوا بمثل سورة منه إما مجتمعين أو منفردين، فإن وقع التنازع وحصل الخوف من عدم القبول فالشهود والحكام يزيلون الشبهة، وذلك نهاية في الاحتجاج لأنهم كانوا في معرفة اللغة والاطلاع على قوانين الفصاحة في الغاية. وكانوا في محبة إبطال أمره في الغاية حتى بذلوا النفوس والأموال وارتكبوا ضروب المهالك والمحن، وكانوا في الحمية والأنفة على حد لا يقبلون الحق فكيف الباطل، وكل ذلك يوجب الاتيان بما يقدح في قوله والمعارضة أقوى القوادح، فلما لم يأتوا بها علمنا عجزهم عنها فثبت أن القرآن لا يماثل قولهم، وأن التفاوت بينه وبين كلامهم ليس تفاوتاً معتاداً فهو إذن تفاوت ناقض للعادة فوجب أن يكون معجزاً، فهذا هو المراد من تقرير هذه الدلالة فظهر أنه سبحانه كما لم يكتف في معرفة التوحيد بالتقليد فكذا في معرفة النبوة لم يكتف بالتقليد؛ واعلم أنه قد اجتمع في القرآن وجوه كثيرة تقتضي نقصان فصاحته، ومع ذلك فإنه في الفصاحة بلغ النهاية التي لا غاية لها وراءها فدل ذلك على كونه معجزاً:

أحدها: أن فصاحة العرب أكثرها في وصف مشاهدات مثل وصف بعير أو فرس أو جارية أو ملك أو ضربة أو طعنة أو وصف حرب أو وصف غارة وليس في القرآن من هذه الأشياء شيء فكان يجب أن لا تحصل فيه الألفاظ الفصيحة التي اتفقت العرب عليها في كلامهم؛

وثانيها: أنه تعالى راعى فيه طريقة الصدق وتنزه عن الكذب في جميعه وكل شاعر ترك الكذب والتزم الصدق نزل شعره ولم يكن جيداً ألا ترى أن لبيد بن ربيعة وحسان بن ثابت لما أسلما نزل شعرهما. ولم يكن شعرهما الإسلامي في الجودة كشعرهما الجاهلي وأن الله تعالى مع ما تنزه عن الكذب والمجازفة جاء بالقرآن فصيحاً كما ترى.

وثالثها: أن الكلام الفصيح والشعر الفصيح إنما يتفق في القصيدة في البيت والبيتين. والباقي لا يكون كذلك، وليس كذلك القرآن لأنه كله فصيح بحيث يعجز الخلق عنه كما عجزوا عن جملته.

ورابعها: أن كل من قال شعراً فصيحاً في وصف شيء فإنه إذا كرره لم يكن كلامه الثاني في وصف ذلك الشيء بمنزلة كلامه الأول. وفي القرآن التكرار الكثير ومع ذلك كل واحد منها في نهاية الفصاحة ولم يظهر التفاوت أصلاً.

وخامساً: أنه اقتصر على إيجاب العبادات وتحريم القبائح والحث على مكارم الأخلاق وترك الدنيا واختيار الآخرة، وأمثال هذه الكلمات توجب تقليل الفصاحة.

وسادسها: أنهم قالوا إن شعر أمرئ القيس يحسن عند الطرب وذكر النساء وصفة الخيل. وشعر النابغة عند الخوف، وشعر الأعشى عند الطلب ووصف الخمر، وشعر زهير عند الرغبة والرجاء، وبالجملة فكل شاعر يحسن كلامه في فن فإنه يضعف كلامه في غير ذلك الفن، أما القرآن فإنه جاء فصيحاً في كل الفنون على غاية الفصاحة، ألا ترى أنه سبحانه وتعالى قال في الترغيب: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: 17] وقال تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس وَتَلَذُّ الأعين﴾ (الزخرف 71) وقال في الترهيب: ﴿أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ البر﴾ [الإسراء: 68] وقال: ﴿أأمنتم مَّن فِى السماء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأرض فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنتُمْ﴾ [الملك: 20، 17] الآية وقال: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: 15] إلى قوله: ﴿ويأتيه الموت من كل مكان﴾ [إبراهيم: 17] وقال في الزجر ما لا يبلغه وهم البشر وهو قوله: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ﴾ [العنكبوت: 40] إلى قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت: 40] وقال في الوعظ ما لا مزيد عليه ﴿أَفَرَأَيْتَ إِن متعناهم سِنِين﴾ [الشعراء: 205] وقال في الإلهيات: ﴿الله يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى مَا تَغِيضُ الأرحام وَمَا تَزْدَاد﴾ [الرعد: 8] إلى آخره.

وسابعها: أن القرآن أصل العلوم كلها فعلم الكلام كله في القرآن، وعلم الفقه كله مأخوذ من القرآن، وكذا علم أصول الفقه. وعلم النحو واللغة، وعلم الزهد في الدنيا وأخبار الآخرة، واستعمال مكارم الأخلاق، ومن تأمل «كتابنا في دلائل الإعجاز» علم أن القرآن قد بلغ في جميع وجوه الفصاحة إلى النهاية القصوى؛

الطريق الثاني: أن نقول: القرآن لا يخلوا إما أن يقال إنه كان بالغاً في الفصاحة إلى حد الإعجاز، أو لم يكن كذلك فإن كان الأول ثبت أنه معجز. وإن كان الثاني كانت المعارضة على هذا التقدير ممكنة فعدم إتيانهم بالمعارضة مع كون المعارضة ممكنة ومع توفر دواعيهم على الإتيان بها أمر خارق العادة فكان ذلك معجزاً فثبت أن القرآن معجز على جميع الوجوه وهذا الطريق عندنا أقرب إلى الصواب]، انتهى كلام الإمام الرازي.

 

ولعلنا نؤكد حقيقة أساسية هامة، وهي أن خلو القرآن من التناقض جاء في صورة تحدي للخصوم بأن يتدبروه بكل دقة بقصد إثبات تناقضه، أي بقصد إبطاله، ثم قال متحدياً: لن تجدوا أبد الدهر فيه شيء من ذلك، لأنه من عند الله، كما قال رب العزة والجلال، تباركت أسماؤه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، (النساء؛ 4: 82)؛ وقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا، وَلَنْ تَفْعَلُوا: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)﴾، (البقرة؛ 2: 23، 24)؛ وقال: ﴿قُلْ: لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (89)﴾، (الإسراء؛ 17: 88 – 90).

 

فقوله، جل جلاله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، (النساء؛ 4: 82)، إنما هو تحد صارخ، ودعوة صريحة للنقد والتمحيص، وليست دعوة للتسليم من غير برهان، وهي تقرير لمبدأ «الإبطال والتزييف»: أي أن كل ما لم يصمد للفحص والتدقيق، ومحاولة التزييف، فهو خلو من البرهان، وهو من ثم باطل، ومدعيه كاذب، حتى لو أصاب الحقيقة بالصدفة: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، (النمل؛ 27: 64)، وهذه آية مكية، وكذلك: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، (البقرة؛ 2: 111)، وهذه مدنية. فالحقيقة، وإن كانت في ذاتها ثمينة مطلوبة، إلا أنها لا تصمد في ذهن المؤمن بها، ولا تنتج فكراً مستنيراً أو عملاً فعالاً بحقٍّ إلا إذا كانت قد قامت على البرهان، وإلا عصفت بها الرياح. ومن قبل بدعوى، مستيقناً بها، جازماً بصحتها، بغير برهان، فهو متقوّل بغير دليل، حتى ولو كانت المقولة صحيحة صادقة في ذاتها، وهو من ثمّ كاذب: لأن من لم يأت بالبرهان كاذب: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ: أي إن كنت صادقاً فأرني برهانك، وإلا فأنت كاذب، لأنه ليس ثمة إلا صادق أو كاذب، لا ثالث لهما!

 

وقوله، تعالى ذكره: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، (فصلت؛ 41 : 53)، إذا تدبرته مع ما أسلفناه دعوة صريحة للنظر في الآفاق، وفي ذات الإنسان، للبحث عما يُثبت بطلان القرآن، من قِبلِ من يزعم أنه ليس من عند الله، لأن الله الذي أنزل القرآن وعد أنه سيأتي بمزيد أدلة على صدق القرآن، شيئاً فشيئاً، في العالم المحسوس، في الآفاق وفي أنفسنا، وقد تحقق من ذلك الكثير، فمثلاً:

ــ ذكر القرآن العظيم العديد من الأمور المتعلقة بتشكّل الجنين وتطوره، وبعضها يستحيل الوصول إليه بمجرد التشريح المعتاد، بل هو بحاجة إلى استخدام المجاهر وآليات حديثة أخرى. وقد جمع أكثر ذلك بعض الدارسين وترجموه بكل دقة ثم عرضوه، كما هو الواجب عقلاً وشرعاً، على أهل الاختصاص من أساتذة علم الأجنة، ومنهم: الأستاذ الدكتور "كيث مور"، أستاذ علم الأجنة في جامعة "تورونتو" بكندا، فدهش الرجل من دقة تلك المعلومات، وقام بإجراء تعديلات على الطبعة الثانية من أحد كتبه، وقام بإظهار ذلك على الملأ، في الإذاعة والتلفاز، وحظي ذلك بتغطية في الصحافة التي خرج بعضها بعناوين مثل: (أشياء مدهشة وجدت في كتاب عتيق):

(SURPRISING THINGS FOUND IN ANCIENT BOOK)

ــ نص القرآن على أن الأحياء خلقت كلها «من» الماء. ليس هذا هو القول بأن الكائنات الحية «تحتاج» الماء، كما هو معروف لكل أحد منذ أقدم الأزمنة، وإنما هو أنها مكونة في جوهرها من الماء، وأن الماء مكون أساسي لها. وهذا إنما ثبت حديثاً من دراسة جميع الخلايا الحية دراسة مجهرية فثبت أن الزلال الخلوي يحتوي على 80% من الماء، وأن وظائف الحياة المعروفة كلها تتعذر إلا في الوسط المائي. كما ثبت ان الحياة إنما بدأت على الأرض أول أمرها في الوسط المائي، ثم نشئت الكائنات البرية بعد ذلك بدهور طويلة.

 

* ومن معجزاته، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أنه شُقّ له القمر قال الله عز وجل: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُر، ورآه الكثير منهم عيانا. وقد استشكل أقوام أن ذلك ما رؤي إلا في مكة وما حولها، لم يره غيرهم، فأين بقية سكان الأرض، على كثرتهم.

فنقول:

(1)- حادثة انشقاق القمر إنما استغرقت ثوان قليلة، ورآها أهل مكة، ومن حولهم، وهم المخاطبين بها لا غيرهم. وقد أثبتنا في بحث مستقل أن ذلك كان في مكة المكرمة نفسها ليلاً، وقت الفجر، قبيل طلوع الشمس، والقمر قد اكتمل بدراً. وقد كان القمر قد غرب، وطلعت الشمس فعلاً على كل البلاد التي تقع إلى الشرق من وسط الجزيرة العربية: فأهل العراق، وأهل كل بلد إلى الشرق من العراق حتى الصين واليابان، مرورا بالهند: كل هؤلاء يستحيل عليهم رؤية الواقعة أصلاً. وهذه البلاد هي المتحضرة آنذاك، والمعروفة بعنايتها ، بمراقبة السماء، وبالأرصاد الفلكية، وتسجيل ظواهرها؛

(2)- وأما البلاد الواقعة غرباً من مكة كعامة بلاد أفريقيا، باستثناء مصر والحبشة، فهي بلاد غير متحضرة، لا تعرف بأرصاد فلكية، ولا عناية لأهلها بهذا الشأن، بل لا توجد لها لغات مكتوبة؛ وأما مصر، والحبشة وأسيا الصغرى وجنوب أوروبا فقد وقعت – قبل ذلك - منذ بضعة قرون تحت سيطرة الكنائس النصرانية المتصارعة، وهجمات البرابرة، فدخلت في ظلمات القرون الوسطى: فأقفلت المراصد، وحرقت المكتبات، وطورد الفلاسفة والعلماء؛

(3)- ولو تابعنا نشرة الأحوال الجوية في التلفاز لأدركنا أن قارات بأكملها قد تغطيها السحب إلا بقاعاً قليلة مرات عديدة في السَّنة. فلعل البلاد الواقعة غرباً من مكة، في جانبنا هذا من الكرة الأرضية، فكانت تغطيها السحب؛ لا سيما أن الأرجح أن الواقعة كانت في أوائل فصل الشتاء، وهو الفصل الذي تكثر فيه السحب والأمطار على مصر، وأسيا الصغرى، وجنوب أوروبا.

(4)- والواقعة كانت ليلاً والغالبية العظمى من الناس نيام؛ والقلة النادرة المستيقظة لأرق أو مرض أو عبادة كالرهبان في أديرتهم مثلاً، والناس تكون عادة تحت السقف في البيوت والأديرة والكهوف، ولها ما يشغلها عن النظر إلى السماء. وما لم يتعمد الإنسان رفع رأسه إلى السماء متفحصاً، فإنه لا يمكنه رؤية تلك الحادثة أو إدراكها حيثما كانت السماء صحواً.

(5)- ويحتمل أن قلةً شاذة من الناس رأت الواقعة فلم تجرؤ على الكلام عنها خشية أن تكذَّب أو تتهم في عقولها، فالحدث إنما دام ثوان معدودة، أو بضع دقائق على أقصى تقدير.

 

وأما من زعم أن هذا سيكون عند، أو قبيل، القيامة الكبرى فما أصاب، بل هو أفحش في الخطأ، ونصُّ الآية قطعي على أنهم رأوا الآية وأعرضوا واتهموا مُحَمَّداً، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بالسحر، فلِم المكابرة والتكلف إذاً؟! على أنه قد جاءت روايات صحيحة، في البخاري وغيره، عن نفر من الصحابة بوقوع ذلك في مكة، ولنا بحث مستقل في هذا فليراجع.

 

* ودعا اليهود إلى تمني الموت إن كانوا صادقين في زعمهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، وأنهم «شعب الله المختار» من دون الناس، وأن الجَنة لهم وحدهم محجوزة مرتّبة، وأخبرهم أنهم لا يتمنونه أبداً لكذبهم وسوء عملهم، فعجزوا كلهم جهاراً عن تمني الموت، ولزمتهم الفضيحة إلى آخر الأبد.

 

* ودعا النصارى، نصارى نجران، إلى مباهلته لحسم الخلاف حول طبيعة السيد المسيح عيسى بن مريم، صلوات الله وسلامه عليه وعلى والدته، ووصفهم بالكذب والكفر، وتوعّدهم بالنار، فأبوا كلهم وقبلوا أن يخضعوا لسلطانه، وأن يدفعوا الجزية وهم صاغرون، من غير كر ولا فر ولا قتال، ولزمتهم الفضيحة كذلك إلى آخر الدهر: وقد ارتحل (القديس) فرانسيسكو الأسيزي من إيطالياً إلى مصر – في محاولة لغسل عار تلك الهزيمة - مطالباً من مشايخ الأزهر مباهلتهم، فأجابه هؤلاء بأن (المباهلة) الآن، مهما كانت نتيجتها، لا يمكن أن تغير من حقيقة ما وقع تاريخياً قبل ستة قرون، فهي إذاً لا معنى لها.

 

* وقطع على أن عمّه، أبا لهب بن عبد المطلب، وزوجه أم جميل من أهل النار في سورة تتلى إلى اليوم، وإلى الأبد، وبقي عمه بعد نزول السورة أعواماً في ضلاله وغيه حتى مات على الكفر وعلى معاداة مُحَمَّد، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله. وكان أسهل شيء في الدنيا عليه أن يتقدم إليه معلناً التوبة والرغبة في اتباعه، فيظهر بذلك تناقضه، فلا يستطيع مُحَمَّد محو السورة أو إنكارها من غير أن يفتضح، ولا هو بمستطيع الإفلات من مضمونها، وهو قطعي الدلالة لا محيص عنه، ولكن ذلك كله لم يحصل، مع أن أولياء أبي لهب من المشركين كان فيهم الدهاة، ورجال المناورة، ومن اعتاد دبلوماسية الملوك، مثل عمرو بن العاص، ولكنهم كلهم أعماهم الله عن هذه المناورة السهلة البسيطة، بالرغم من استماتتهم في البحث عما يبطل نبوته، وتآمرهم ليل نهار عليه وعلى دعوته وأصحابه، وتواطؤهم على تعذيبهم، وسجنهم وحصارهم، ومصادرة أموالهم، وقتلهم وإخراجهم.

 

* وجاء في القرآن العظيم أن الفرعون الذي غرق في مطاردة بني إسرائيل نُجِّي ببدنه: ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً، وهو أمر لم تذكره كتب بني إسرائيل، الذين شهدوا الواقعة، بل ذكروا أنه قد غرق وجيشه فقط، ثم انقطعت أخبار مصر عنهم بعد ذلك. وبالفعل وجدت أجسام جميع الفراعنة الذين كانوا قبل وبعد ذلك الزمن محنطة محفوظة، لم يفقد منهم أحد مطلقاً. وهذا سبّب إشكالات كبيرة لعلماء الآثار المحاولين التحقق من صدق «العهد القديم»، وروايات بني إسرائيل. وهذه آية كبرى لمُحَمَّد بن عبد الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، تقوم بها وحدها الحجة اليقينية على نبوته.

 

* وأخبر في القرآن العظيم، والنص موجود فيه يقرأ حتى هذه الساعة، أن الروم الذين غلبهم الفرس وألحقوا بهم هزيمة نكراء، أوشكت أن تبيد دولتهم، وحاصروهم في عاصمتهم القسطنطينية، أخبر أنهم ستكون لهم كرة أخرى ينتصرون فيها على الفرس. وقد كانت قريش الوثنية فرحت بهزيمة الروم، وهم أهل كتاب، على يد الفرس، وهم وثنيون يؤمنون بإلهين متحاربين متخاصمين: إله النور وإله الظلمة، وقالت قريش متفائلة ما معناه: (كما أن الفرس هزموا الروم، أهل الكتاب، ويوشكون على استئصالهم، فنحن كذلك سوف نستأصل مُحَمَّداً وأتباعه)، وكانت هزيمة الروم على يد الفرس هزيمة ساحقة في موقعة أنطاكية الشهيرة عام 613م، ثم استولى الفرس على عامة بلاد الشام، وأخذوا بيت المقدس، وأسروا (الصليب الأكبر) في أواخر 614م. فجاء القرآن مكذباً لفأل قريش، مخبراً أن الوضع سينقلب إلى ضده في بضع سنين. وقد قامر أبو بكر الصديق، رضوان الله وسلامه عليه، أحد المشركين على أن الروم سوف ينتصرون بعد ثلاث سنين وأخبر النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، بذلك فسأله: «ما البضع في لسان قومك؟!»، فقال: (من ثلاث إلى تسع)، فأمره بالزيادة في الرهان مقابل الزيادة في المدة، ففعل أبو بكر، وانعقد الرهان على تسع سنين، وربح الرهان، بانتصار الروم عام 622م، وذلك قبل مجيء الحُكم بتحريم القمار والمراهنة، وهذه الأحداث مذكورة في (تاريخ الدولة البيزنطية) للمؤرخ الروسي «أوستروجورسكي»، وهو كذلك عند المؤرخ الإنجليزي الشهير «جيبون» في موسوعته العظيمة: (انحدار وسقوط الامبراطورية الرومانية)؛ وغيرها من المراجع التاريخية.

 

* وجاءت في القرآن بعض الأخبار عن الأمم السابقة التي لا وجود لها أصلاً في كتب أهل الكتابين السابقين، كما أنها لم تكن معلومة للمؤرخين والأخباريين زمن نزول القرآن:

ــ ذكر القرآن أن أحد وزراء فرعون، أو لعله أحد رجالات الدولة الفرعونية القياديين، كان يسمّى، أو يلقب، بـ«هامان»، وذلك في نصوص القرآن التالية:

            (1) ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾، (غافر؛ 40: 36)؛

            (2) ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، (القصص؛ 28: 38)؛

            (3) ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾، (القصص؛ 28: 6)؛

            (4) ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾، (القصص؛ 28: 8)؛

            (5) ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾، (العنكبوت؛ 29: 39)؛

            (6) ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾، (غافر؛ 40: 23 - 24).

وقد أشكلت هذه الإشارة على كثيرين ممن يزعم أن مُحَمَّداً، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، إنما اقتبس معلوماته التاريخية من الكتب المتقدّمة. ولكن الكتب الأولى لا تذكر هذا الإسم عند الكلام عن موسى وفرعون.

نعم: هناك هامان آخر، ولكن هذا كان وزيراَ لأحد ملوك بابل، بعد الأسر البابلي لبني إسرائيل؛ لذلك سارع بعض المستشرقين والمنصّرين بالقول أن مُحَمَّداً اختلطت عليه الأمور، فنقل هذا الوزير إلى قصة موسى، وهي متقدمة على الأسر البابلي بما يقارب الألف عام.

 

إلا أن الحقّ الذي لا مرية فيه هو أن لفظة «هامان» لفظة فرعونية، وجدت هكذا بعينها منقوشة على حجر رشيد الشهير، الذي كان المفتاح لفك رموز الكتابة الهيروغليفية، وليس هذا فحسب بل أنه موصوف بكونه (رئيس عمال المحاجر، وقطع الصخور)، أي ما يشبه (وزير الأشغال العامة) في العرف الحديث،؛ فهو إذاً المسؤول عن المشاريع المعمارية الضخمة للدولة الفرعونية، تماماً كما هو في النص القرآني آنف الذكر.

 

بل إن هناك في الآيات مؤشرات أخرى، من أهمها أن ذلك الـ«هامان» المعين، الموجود في زمن فرعون موسى، كان يلعب دوراً سياسياً بارزاً، يشبه دور رئيس الوزراء أو الوزير الأول، ولا يتناسب عادة مع منصب (وزير الأشغال العامة) في الأحوال العادية. لذلك لا بد أن يكون ذلك العهد عهد منشئات ضخمة، وأعمال معمارية كبيرة، بحيث كان تأثير (وزير الأشغال العامة) كبيراً وبارزاً على نحو ملفت للنظر، أو كان رئيس الوزراء يحتفظ لنفسه بهذه «الحقيبة» المهمة. هذا يتناسب جيداً مع كون زمن موسى هو، في الأرجح، أيام تحتمس الثالث، (اسمه الملكي: من-خبر-رع)، (1450 ق.م)، الفرعون الأسطورة، سادس فراعنة الأسرة الثامنة عشر، ويعتبر أعظم حكام مصر وأحد أقوى الاباطرة في التاريخ، حيث أسس أول إمبراطورية مصرية في ذلك الوقت؛

 

ــ وجاء في نص القرآن: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ﴾، (الفجر؛ 89: 6 - 8).

هذا النص يجعلنا نقطع بأن (إرم) هذه مدينة مهمّة، لعلها عاصمة دولة (عاد) أو أهم مدنها، وأنها عديمة النظير في الدنيا آنذاك. كما أن نصوص القرآن الأخرى التي تذكر الأنبياء بترتيبهم الزمني تجعلنا نقطع أن قوم عاد، وكذلك ثمود، كانوا سابقين على زمن موسى وهارون، بل على زمن إبراهيم، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، بمدة طويلة.

 

وقد بقي ذكر القرآن لمدينة (إرم) هذه هو الذكر الوحيد لها، ولم يوجد لها ذكر أو أثر في أي مرجع أو أثر تاريخي آخر، حتى وردت إشارة إليها في أحد الألواح المكتوبة بالخط المسماري، التي كانت ضمن مجموعة تزيد على خمسة عشر ألف لوحة مسمارية تشكل أكبر أرشيف تم اكتشافه على الإطلاق، ويعود هذا الأرشيف إلى الألفية الثالثة (قبل المسيح). وقد تم اكتشاف تلك «المكتبة» في أطلال قصر دُمِّر في القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد. (راجع مجلة الجمعية القومية الجغرافية، ديسمبر 1978م).

 

فمن أين أتى مُحَمَّد، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، بذكر هذه المدينة التي دمرت في الماضي السحيق، قبل مولده بحوالي ثلاثة آلاف عام، ولم يعد لها ذكر؟! وحتى مع التسليم جدلاً أنها كانت من ضمن أساطير العرب، فكيف وثق بوجودها أصلاً وذكرها في القرآن؟!

 

ويزداد ذكر (إرم) في القرآن غرابة أنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، لم يرِدْ عنه أن كان يذكر شيئاً من أساطير العرب إلا على وجه التكذيب والإنكار؛ حتى روي أنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، كان يقف بنسبه الشريف عند عدنان، ويكتفي بالنص على أن عدنان من ولد إسماعيل بدون ذكر سلسلة نسب فوق ذلك، ثم يقول: «كذب النسّابون»، فكيف جزم ها هنا بوجود (إرم)، بل وذكرها في القرآن؟! يا لها من حماقة كبرى من متنبئ كاذب!

 

* وجاء في القرآن الكثير من أخبار الأمم السابقة على نحو يشبه، ولكنه لا يتطابق مع الكتب القديمة، بل وأحياناً على خلاف جوهري لما في كتب أهل الكتابين السابقين:

ــ فمن ذلك رفعه لشأن سليمان الذي يتهمه اليهود بالرِّدة والكفر والسحر، وأكثرهم على أنه في أحسن أحواله ملك حكيم، وليس بنبي، فمن أين أتى مُحَمَّد بهذا؟! لو كان متنبِّئاً كاذباً ماكراً لما أدخل نفسه في هذه الورطات من غير ضرورة أو سبب موجب. ولو كان مُوسْوساً مغلوباً على عقله، يعتقد في نفسه النبوة لعاطفة جامحة، أو لخيال مريض، فما هي دوافعه؟! أو دوافع «عقله الباطن» المزعومة، في التحمس لسليمان ووصفه بالنبوة، ومصادمة ما هو مشهور عند عامة اليهود، ويعتقده حتى صغار الأطفال فيه من السحر وتنصيب الأوثان؛ وليس بينه وبين سليمان قرابة، أو مودة أو أي علاقة مصلحية من قريب أو بعيد، بل بينهما فوق ألف وخمسمائة عام، وهما من شعبين مختلفين، يكره كل منهما الآخر ويحتقره.

ــ وكذلك تبرئة هارون، صلوات الله عليه، من مزاعم اليهود، كما هي في العهد القديم، أنه هو الذي صنع «العجل الذهبي»، فكيف جاء هذا كله؟ وما هي دوافعه؟ ولماذا خالف ما وصل إلى علمه من أهل الكتاب، إن كان قد تعلم منهم؟!، كما يزعم مكذّبوه في جميع العصور، وبخاصة من المستشرقين «المتعالمين».

ــ وفي قصة يوسف وإخوته، خالف في نقاط مهمة ما جاء في «العهد القديم»، كما هو في أيدي اليهود والنصارى. فمثلاً ينص «العهد القديم» على أن إخوة يوسف باعوه لقافلة من «الإسماعيليين». ولكن القرآن ينص على أنهم لم يباشروا ذلك بأنفسهم، وإنما ألقوه في الجب آملين أن يلتقطه بعض السيارة، أي أحد القوافل التي تعبر بانتظام؛ ولعلّهم رصدوا في الأفق قافلة مقبلة من بعيد فألقوه حينئذ. ومهما كان الأمر فإن قصة العهد القديم غير معقولة، وتفوح منها رائحة الكذب. فبنو إسماعيل، وهو الأخ الأكبر لإسحاق، الجد الأول المباشر ليوسف وإخوته، لا يمكن أن تتكاثر أعدادهم في تلك المدة القصيرة بحيث يمكن أن تتكون منهم قافلة تتجه إلى مصر للتجارة، تستحق أن تسمَّى قافلة من «الإسماعيليين»، لا سيما وأنهم كانوا في أعماق الجزيرة العربية. هذه أكذوبة متأخرة، بعد أن أصبح الإسماعيليون أمة كبيرة، لها قوافل منظّمة، وكانت بينهم وبين بني إسرائيل مناوشات وعداوات وحروب، فقام بعض المتأخرين من كذبة بني إسرائيل بوضع تلك الأكذوبة لإظهارهم بصورة سيئة، على عوائد أساطين الدعاية الكذّابين، عندما يخوضون الحروب المعنوية، وحرب الدعاية؛ فما دام إخوة يوسف، بنو يعقوب بن إسحاق، سلام الله عليهما، سقطوا تلك السقطة الشنيعة، وقاموا بذلك العمل القبيح في حق أخيهم يوسف، فلِم لا نشرك بني إسماعيل معهم، حتى يصبح الجميع في القبح والإجرام سواء؟!

 

سيقول المستشرقون والمنصّرون، كعادتهم طبعاً، هذا من نباهة مُحَمَّد وعبقريّته! فيا لله للعجب من هذا الرجل:

ــ فهو تارة عبقري فذ، وفيلسوف كبير، وسياسي ماهر يتعمّد الكذب ويتقنه، وكان يتظاهر بالأمية والعامية؛ هذه «فضيحة». ولهذا قلّ من يقول بها اليوم، فحياة مُحَمَّد من أولها إلى آخرها تظهر أنه كان على يقين راسخ وإيمان جازم لا يتزعزع، بأنه نبي مرسل؛

ــ وهو أخرى جاهل أبله يغلط في البديهيات، حتى فاته أن هارون هو صانع العجل الذهبي، وأنه لم يكن في زمن موسى من يسمًّى (سامري)، وأن (الصلب) عقوبة رومانية لم توجد في العالم قط، فكيف صلب فرعون السحرة؟! ولما كان قد درس على أهل الكتب السابقة فهو، ضرورة، تلميذ «خائب»، تكثر غلطاته حتى في البديهيات؛

ــ وهو تارة درس على أحبار النصارى واليهود وحفظ، لذلك روى عنهم بدقّة كبيرة، ولكنه ما أتى بكبير جديد، وإنما هو يجترّ ما أبدعوه اجتراراً؛

ــ بل لعله أسقف نصراني، متمكن في علوم النصرانية، تمرّد على الكنيسة واتبع المبتدع «آريوس»، الذي ينكر ألوهية المسيح؛

والمعضلة، بل «الفضيحة»، في هذه الحالة أعظم، لأن ذلك يتناقض مع النقل التاريخي المقطوع به، أنه كان أمياً، ولم تكن له أي علاقة مطلقاً بكنائس النصارى أو أحبار اليهود، كما يتناقض مع عدم وجود نص قرآني، أو حديث صحيح ثابت، يشبه أن يكون منقولاً، ولو بتصرف، من القصص الموجودة في الكتب الأولى، أو يقترب من أسلوب سردها.

ــ بل لعله متطرف متحمّس مهووس، يريد إصلاح المجتمع المكي «البورجوازي» الفاسد، فغلبه عقله الباطن، فاعتقد في نفسه النبوة اعتقاداً جازماً، فهو مخلص في ادعائه، ولكنه مغلوب على عقله،

ــ طبعاً قلّ اليوم جداً من يقول أن الشيطان هو الذي أوحى لمُحَمَّد بالقرآن. هذا الكلام «عيب»، ولا يوافق عقلية العصر الحديث، التي تنكر الجن والعفاريت والشياطين!

ولكن لا بأس: فما أحسن هذا «الشيطان» الذي يوحي بمثل هذا القرآن المملوء بالمواعظ والحكم، والأمر بالعدل والإحسان، وصلة الأرحام، والرحمة باليتيم والمسكين والضعيف؟! وأي «شيطان» عجيب هذا الذي يعلم غيوب المستقبل، ومطويات الماضي؟!

 

ولعلّ القوم يُتحفوننا قريباً بنظرية جديدة لتفسير «الظاهرة المُحَمَّدية». وعلى كل حال فلا خير في أي تفسير لا يكون:

(1)- «شاملاً» يفسر جميع جوانب «الظاهرة المُحَمَّدية»، بدون استثناء؛

(2)- مع كونه «متناسقاً»، أي خالياً من التناقض.

 

براهين أخرى نقلت نقل التواتر، خارج النص القرآني

ما سبق ذكره من البراهين مذكور كله في نص القرآن، وهناك براهين كثيرة أخرى نقلت نقل التواتر، خارج النص القرآني، منها:

* حن الجذع إذ فقده حنينا سمعه كل من حضره، وهم جموع كثيرة،

 

* ونبع لهم الماء من بين أصابعه الشريفة في أكثر من واقعة، وفي مناسبات عديدة، فسقى به الجيش الكبير، وتوضئوا، واغتسل بعضهم، وتزوَّدوا.

 

* وأطعم مئات من الناس من طعام قليل لا يكفي العشرة، مثل صاع شعير وجدي، فأكلوا حتى شبعوا، وزادت فضلة. وقد حدث هذا كذلك في مناسبات عديدة.

 

* وأذعن ملوك اليمن والبحرين وعمان لأمره، للآيات التي صحت عندهم عنه، فنزلوا عن مُلكهم كلهم طوعا، دون رهبة أصلا ولا خوفا من أن يغزوهم ولا برغبة رغّبهم بها، بل كان فقيرا يتيما. وكان هناك قوم يدّعون النبوة كصاحب صنعاء وكصاحب اليمامة، كلاهما أقوى جيشا وأوسع منه بلادا، فما التفت لهم أحد غير قومهما، وكان هو أضعفهم جندا وأضعفهم بلدا وأبعدهم من بلاد الملوك داراً.

 

* ودعا العرب ــ وهم شعب عنصري متغطرس متمرد لا يعترف بسلطة مركزية، ويأنف من الطاعة والانضباط، ويحتقر الشعوب الأخرى ــ إلى إقامة الصلاة وأداء الزكاة والتخلي عن الفخر والتجبّر والتزام التواضع والصبر للقصاص في النفس فما دونها من كل حقير أو رفيع، والسمع والطاعة للولاة الشرعيين؛ وتقديم أهل العلم والفضل، حتى ولو كانوا من العبيد السود، دون أن يكون معه مال ولا عشيرة تنصره. بل إن قبيلته كانت هي الأولى والأسبق لتكذيبه، ومطاردة أتباعه وتعذيبهم، حتى فرّوا بجلودهم إلى النجاشي في الحبشة، وكان من رؤوس المكذّبين عمُّه وبنو عمومته. بل اتبعه كل من اتبعه مذعنا لما بهرهم من آياته ولم يأخذ قط بلدة عنوة وغلبة إلا خيبر ومكة فقط.

 

* وتنبأ بكثير من الأحداث المستقبلية، ذاكراً لبعض جزئياتها بدقّة وتفصيل، وليس على عادة الكُهان في الكلام الغامض، والعموميات التي تكاد تنطبق على كل واقعة. وقد تحقق الكثير مما أخبر به أو أنذر، وما زال الكثير في مطويات المستقبل ورحم الغيب.

بعض تلك النبوءات تحقق في حياته، وبعضه بعد وفاته بمُدد متفاوتة، ولعلنا نستقصي ذلك في كتابنا «طريق الإيمان»، إن شاء الله تعالى، إلا أننا نكتفي ها هنا ببعض تلك النبوءات المفصلة التي تحققت بعده بزمن طويل، بعد أن تمّ تدوين كتب الحديث، ونقلها بالتواتر عن مؤلفيها، وانتشارها في الآفاق بحيث يستحيل العبث بها، أو إدراج شيء فيها من خارجها، يعني بعد أن أصبحت كتب الحديث كتباً قانونية معتمدة (canonical books)؛ وقد تمّ كل ذلك قبل تحقق تلك النبوءات.

 

وإنما بالغْنا في هذا الاحتياط إبطالاً لكل اعتراضات بعض المكابرين، الذين ربما زعموا أن تلك الروايات إنما افتريت ووضعت ثم أدخلت في الكتب بعد وقوع الأحداث، لا قبلها، ثم نسبها بعض «الأتقياء» إلى نبيهم لإثبات نبوته، وتكثير البراهين على صدقه: فهذا محال بموجب ما أسلفنا، بل الحق الذي لا شبهة فيه أن بأيدينا نسخاً أصلية قديمة جداً لأهم كتب الحديث كانت قد كتبت، وكانت موجودة بالفعل، قطعاً ويقيناً، قبل تحقق النبوءات موضع البحث.

 

وإليك بعض تلك النبوءات الصادقة التي تحققت قبل كتابة هذه السطور، وبعد تكامل تدوين كتب الحديث وانتشارها في الآفاق، بحيث يستحيل العبث بها أو تزويرها، أي بعد 450 هـ تقريباً، الموافقة لعام 1050 م.

 

من دلائل نبوته، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، قوله: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى»

وجاء في بعض الروايات زيادة تفصيل أن ذلك في واد من «حرة بني سليم»، جنوب شرق المدينة المنورة، اسمه «حبس سيل». وقد حاولنا استيعاب تلك الأحاديث المتعددة بطرقها المختلفة عن كل من أبي هريرة، وعاصم بن عدي الأنصاري، وبشير السلمي، رضي الله عنهم، في بحث مستقل. كما أننا نجد هذه الروايات في كتب نقلت نقل تواتر عن مؤلفيها: «صحيح البخاري»، و«صحيح مسلم»، و«مسند الإمام أحمد بن حنبل»، و«صحيح ابن حبان»، و«المعجم الكبير»، و«المستدرك على الصحيحين»، وغيرها. وهذه الكتب قد انتشرت في الآفاق، وتجاوزت نسخها الألوف، بل مئات الألوف، مما يجعل العبث بها كلها في آن واحد من المستحيلات؛ نقل تواتر يُحدث علماً يقينياً بصدور تلك النبوءة عن أبي القاسم، رسول الله وخاتم النبيين، عليه وعلى آله أتم الصلاة وأكمل التسليم؛ ولعلنا نلخص بحثنا المذكور في ما يلي:

* أخرج البخاري في صحيحه (ج6/ص2605/ح6701): [حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال سعيد بن المسيب أخبرني أبو هريرة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى)]؛ وأخرجه مسلم في صحيحه ج4/ص2228/ح2902؛ وابن حبان في صحيحه ج15/ص254/ح6839؛ والحاكم في مستدركه ج4/ص491/ح8369؛ وقد رواه أبضا عقيل بن خالد، وغيره، عن الزهري.

* وجاء في المستدرك على الصحيحين للحاكم (4/489/8367): [أَخْبَرْنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ الْقَاضِي، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَوْفِيُّ، حدثنا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ فَارِسٍ، أَنْبَأَ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، عَنْ رَافِعِ بْنِ بِشْرٍ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: (تَخْرُجُ نَارٌ مِنْ حَبْسِ سَيْلٍ تَسِيرُ بِسَيْرٍ بَطِيئَةٍ، تَكْمُنُ بِاللَّيْلِ وَتَسِيرُ بِالنَّهَارِ، تَغْدُو وَتَرُوحُ، يُقَالُ: غَدَتِ النَّارُ أَيُّهَا النَّاسُ فَاغْدُوا، قَالَتِ النَّارُ أَيُّهَا النَّاسُ فَقِيلُوا، رَاحَتِ النَّارُ أَيُّهَا النَّاسُ فَرُوحُوا، مَنْ أَدْرَكَتْهُ أَكَلَتْهُ)]؛ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج3/ص443/ح15696): [حدثنا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ به]؛ وأخرجه ابن حبان في صحيحه (ج15/ص255/ح6840)؛ والحاكم في مستدركه (ج4/ص490/ح8367)؛ وأبو يعلى في مسنده (ج2/ص234/ح934)؛ وابن أبي عاصم عمرو الشيباني في الآحاد والمثاني (ج3/ص98/ح1414)؛ وهو في معجم الصحابة للبغوي [في ترجمة (بشير (ويقال: بِشْر ويقال: بُسْر) السلمي) - (1/300/196)]؛

 ــ وطرفه في التاريخ الكبير للبخاري [بحواشي محمود خليل (2/131/1943)]: [(بُشير، السلَميّ، حِجازيّ) - قَالَ لَنَا أَبو عَاصِمٍ: أَخبرني عَبد الْحَمِيدِ، سَمِعَ عِيسَى بْنَ عَلِيٍّ، عَنْ رَافِعِ بْنِ بُشَير السلَميّ، عَنْ أَبيه، عَن النبيِّ، صلى الله عليه وسلم،؛ تَخرُجُ نارٌ مِن حُبْسِ سَيْلٍ]؛ وهو في معرفة الصحابة لأبي نعيم (1/404/1209؛ وجاء في سؤالات ابن الجنيد (ص: 318/184): [ذكر ليحيى بن معين وأنا شاهد حديث عن عبد الحميد بن جعفر: (تخرج نار من حبس سيل)، فقال: «رواه عثمان بن عمر، فقال كذا، ورواه أبو عاصم، ورواه علي بن ثابت»، فقال يحيى: «علي بن ثابت أثبت هؤلاء وأكيس»]؛

 

* وجاء في المستدرك على الصحيحين للحاكم (4/490/8368): [فَحَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أَنْبَأَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ الْأَسْفَاطِيُّ، حدثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنَا عَبَايَةُ بْنُ بَكْرِ بْنِ أَبِي لَيْلَى الْمُزَنِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَمِّعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْبَدَّاحِ بْنِ عَاصِمٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: سَأَلَنَا رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، حِدْثَانَ مَا قَدِمَ، فَقَالَ: «أَيْنَ حَبْسُ سَيْلٍ؟» قُلْنَا: لَا نَدْرِي، فَمَرَّ بِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟ فَقَالَ: مِنْ حَبْسِ سَيْلٍ، فَدَعَوْتُ بِنَعْلَيَّ، فَانْحَدَرْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ سَأَلْتَنَا عَنْ حَبْسِ سَيْلٍ، وَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَنَا بِهِ عَلْمٌ، وَإِنَّهُ مَرَّ بِي هَذَا الرَّجُلُ فَسَأَلْتُهُ، فَزَعَمَ أَنَّ بِهِ أَهْلُهُ، فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «أَيْنَ أَهْلُكَ؟» قَالَ: بِحَبْسِ سَيْلٍ، فَقَالَ: «أَخِّرْ أَهْلَكَ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهُ نَارٌ تُضِيءُ أَعْنَاقَ الْإِبِلِ بِبُصْرَى»]، وقال الإمام الحاكم: (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ)؛

 

* وجاء في معجم البلدان لشهاب الدين أبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي (المتوفى: 626هـ) (2/213): [حُبْسٌ: بالضم ثم السكون، والسين مهملة، والحبس، بالضم، جمع الحبيس، يقع على كل شيء وقفه صاحبه وقفا محرما، قال الزمخشري: الحُبْس، بالضم، جبل لبني مُرَّةَ، وقال غيره: الحُبْس بين حرّة بني سليم والسوارقية، وفي حديث عبد الله بن حبشيّ: تخرج نار من حبس سيل، قال أبو الفتح نصر: حّبْس سيل، ورواه بالفتح، إحدى حرّتي بني سليم، وهما حرّتان بينهما فضاء كلتاهما أقل من ميلين]

 

فيتحصل من قراءة النصوص، قراءة صحيحة: أن حرة المدينة الشرقية [وتسمى أيضاً: (حرة بين سليم)، أو (حرة واقم) أو (حرة بني قريظة) أو (زهرة)؛ وهي الطرف الشمالي لحرة رهط الكبيرة) تظهر كأنها تنقسم إلى حرتين: (الحِذْرِيَةُ)، الملاصقة للمدينة، ثم بعد فضاء ليس بالواسع، أو هو وادٍ (لعله وادي أحيليين الذي دمره الصهير البركاني، فذهب وانقرض): (حّبْس سيل). وكان الطريق إلى السوارقية (وتسمَّى اليوم: السويريقية) تخرج شرقاً من المدينة النبوية الشريفة حتى تتجاوز الحرة الأولى (الحِذْرِيَةُ)، والأرض الفضاء، ثم تتيامن متجهة جنوباً بحذاء الجانب الشرقي لحرة (حّبْس سيل)، ثم تلتقي بالطريق المعبدة الحديثة المتجهة إلى مهد الذهب والسويريقية.

 

وقد ظهرت هذه النار بالفعل، وكانت مقدمتها زلزلة عظيمة مساء يوم الثلاثاء، ليلة الأربعاء، بعد صلاة العشاء، 03/جمادى الثانية/654 هـ، الموافق 27/يونيو/1256م (يوليانية = 04/يوليو/1256م جريجورية)؛ ودوّن المؤرخون والمؤلفون أخبارها، ووصفوهاً وصفاً حياً دقيقاً يثير الإعجاب، يتبين منه أنها ثورة بركانية دامت عدة أشهر، وتدفّقت في أثنائه كمية كبيرة من الصهير والحمم (قدرها بعض الباحثين المعاصرين بنحو نصف كيلومتر مكعب) والغبار والغازات، انبجست من صدع طوله حوالي ميل وربع الميل، إلا أن التدفق تركز حول ست نقاط خلَّفت ستة من مخاريط الرماد (scoria cones)، أبرزها جبل الملساء (وربما قيل بالتصغير: المليساء). وقد سار الصهير شمالاً مسافة لا يستهان بها في الوادي أو الأرض الفضاء (وادي أحيليين)، حتى لامس حرم المدينة المنورة، ثم انحرف شرقاً.

 

ولعل أبا الحسن نور الدين علي بن عبد الله بن أحمد الحسني الشافعي السمهودي (المتوفى: 911هـ) هو من أكثر المؤرخين استيعاباً لأخبار تلك النار في تاريخه القيم: (وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى)، لا سيما وأنه قد أكثر النقل من كتاب خاص بهذه الحادثة من تأليف الإمام الزاهد، والمؤرخ المدقق الثقة قطب الدين محمد بن أحمد بن علي بن محمد بن الحسن بن عبد الله بن ميمون القسطلاني، التوزري الأصل، المصري ثم المكي:

* فقد جاء في وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى (1/115 - 121): [وكان ابتداء الزلزلة بالمدينة الشريفة مستهلّ جمادى الآخرة أو آخر جمادى الأولى سنة أربع وخمسين وستمائة، لكنها كانت خفيفة لم يدركها بعضهم مع تكررها بعد ذلك، واشتدت في يوم الثلاثاء على ما حكاه القطب القسطلاني، وظهرت ظهورا عظيما اشترك في إدراكه العام والخاص، ثم لما كان ليلة الأربعاء ثالث الشهر أو رابعه في الثلث الأخير من الليل حدث بالمدينة زلزلة عظيمة أشفق الناس منها، وانزعجت القلوب لهيبتها، واستمرت تزلزل بقية الليل، واستمرت إلى يوم الجمعة ولها دوي أعظم من الرعد، فتموج الأرض، وتتحرك الجدارات، حتى وقع في يوم واحد دون ليله ثمانية عشر حركة على ما حكاه القسطلاني. وقال القرطبي: (قد خرجت نار بالحجاز بالمدينة، وكان بدؤها زلزلة عظيمة في ليلة الأربعاء بعد العتمة الثالث من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة، واستمرت إلى ضحى النهار يوم الجمعة فسكنت، وظهرت بقريظة بطرف الحرة، ترى في صفة البلد العظيم، عليها سور محيط عليه شراريف وأبراج ومآذن، وترى رجال يقودونها، لا تمر على جبل إلا دكته وأذابته، ويخرج من مجموع ذلك مثل النهر أحمر وأزرق له دوي كدوي الرعد، يأخذ الصخور بين يديه، وينتهي إلى محط الركب العراقي، واجتمع من ذلك ردم صار كالجبل العظيم، فانتهت النار إلى قرب المدينة، ومع ذلك فكان يأتي المدينة نسيم بارد، وشوهد لهذه النار غليان كغليان البحر، وقال لي بعض أصحابنا: رأيتها صاعدة في الهواء من نحو خمسة أيام، وسمعت أنها رئيت من مكة ومن جبال بصرى)، اه. (وفي) كتاب الشريف سنان قاضي المدينة الشريفة وغيره: (أن في ليلة الأربعاء ثالث جمادى الآخرة حدث بالمدينة في الثلث الأخير من الليل زلزلة عظيمة أشفقنا منها وباتت في تلك الليلة تزلزل، ثم استمرت تزلزل كل يوم وليلة مقدار عشر مرات - وفي كتاب بعضهم أربع عشرة مرة - قال: والله لقد زلزلت مرة ونحن حول الحجرة فاضطرب لها المنبر إلى أن سمعنا منه صوتا للحديد الذي فيه، واضطربت قناديل الحرم الشريف، زاد القاشاني: ثم في اليوم الثالث - وهو يوم الجمعة - زلزلت الأرض زلزلة عظيمة، إلى أن اضطربت منائر المسجد، وسمع لسقف المسجد صرير عظيم، قال القطب: فلما كان يوم الجمعة نصف النهار ظهرت تلك النار، فثار من محل ظهورها في الجو دخان متراكم غشى الأفق سواده، فلما تراكمت الظلمات وأقبل الليل سطع شعاع النار، فظهرت مثل المدينة العظيمة في جهة المشرق]؛ ثم ذكر فزع الناس، ومسارعتهم – أمراء وعامة – إلى التوبة، ورد المظالم، وأحاطتهم بالحجرة النبوية الشريفة كاشفين رؤوسهم مقرّين بذنوبهم مبتهلين مستجيرين بنبيهم، صلى الله عليه وسلم، حتى النساء والصغار، فلم يبق أحد في النخل إلا جاء إلى الحرم الشريف، ثم قال: [فصرف الله تعالى عنهم تلك النار العظيمة ذات الشمال، ونجوا من الأوجال، فسارت تلك النار من مخرجها وسالت ببحر عظيم من النار، وأخذت في وادي أحيليين وأهل المدينة يشاهدونها من دورهم كأنها عندهم، ومالت من مخرجها إلى جهة الشمال واستمرت مدة ثلاثة أشهر على ما ذكره المؤرخون. وذكر القطب القسطلاني في كتاب أفرده لهذه النار، وهو ممن أدركها، لكنه كان بمكة فلم يشاهدها: (أن ابتداءها يوم الجمعة السادس من شهر جمادى الآخرة، وأنها دامت إلى يوم الأحد السابع والعشرين من رجب، ثم خمدت، فجملة ما أقامت اثنان وخمسون يوما، لكنه ذكر بعد ذلك أنها أقامت منطفية أياما، ثم ظهرت، قال: وهي كذلك تسكن مرة وتظهر أخرى؛ فهي لا يؤمن عودها، وإن طفئ وقودها)، انتهى؛ فكأن ما ذكره المؤرخون من المدة باعتبار انقطاعها بالكلية، وطالت مدتها ليشتهر أمرها فينزجر بها عامة الخلق ويشهدوا من عظمها عنوان النار التي أنذرهم بها حبيب الحق. وذكر القسطلاني عمن يثق به: (أن أمير المدينة أرسل عدة من الفرسان إلى هذه النار للإتيان بخبرها، فلم تجسر الخيل على القرب منها، فترجل أصحابها وقربوا منها، فذكروا أنها ترمي بشرر كالقصر، ولم يظفروا بجلية أمرها، فجرد عزمه للإحاطة بخبرها، فذكر أنه وصل منها إلى قدر غلوتين بالحجر ولم يستطع أن يجاوز موقفه من حرارة الأرض وأحجار كالمسامير تحتها نار سارية ومقابله ما يتصاعد من اللهب، فعاين نارا كالجبال الراسيات، والتلال المجتمعة السائرات، تقذف بزبد الأحجار كالبحار المتلاطمة الأمواج، وعقد لهيبها في الأفق قتاما حتى ظن الظان أن الشمس والقمر كسفا إذ سلبا بهجة الإشراق في الآفاق، ولولا كفاية الله كفتها لأكلت ما تقدم عليه من الحيوان والنبات والحجر)، انتهى]؛ وذكر أقوالاً أخرى لجمال الدين المطري، كأنها خرافات أو أكاذيب، ثم قال: [قلت: وذكر القسطلاني أن هذه النار لم تزل مارة على سبيلها حتى اتصلت بالحرة ووادي الشظاة، وهي تسحق ما والاها، وتذيب ما لاقاها من الشجر الأخضر والحصى من قوة اللظى، وأن طرفها الشرقي أخذ بين الجبال فحالت دونه ثم وقفت، وأن طرفها الشامي - وهو الذي يلي الحرم - اتصل بجبل يقال له وعيرة على قرب من شرقي جبل أحد، ومضت في الشظاة الذي في طرفه وادي حمزة رضي الله عنه، ثم استمرت حتى استقرت تجاه حرم النبي، صلى الله عليه وسلم، فطفئت، قال: وأخبرني شخص أعتمد عليه أنه عاين حجرا ضخما من حجارة الحرة كان بعضه خارجا عن حد الحرم، فعلقت بما خرج منه، فلما وصلت إلى ما دخل منه في الحرم طفئت وخمدت، انتهى. وهذا أولى بالاعتماد من كلام المطري؛ لأن المطري لم يدرك هذه النار وإن أدرك من أدركها، بخلاف القطب فإنه أدركها، واعتنى بجمع أخبارها، وأفردها بالتصنيف، ولم يقف عليه المطري، وهذا أبلغ في الإعجاز، حيث لم تدخل هذه النار حرمه الشريف؛ إذ هي للإنذار والتخويف وهو نبي الرحمة، صلى الله عليه وسلم. وقد نقل أبو شامة عن مشاهدة كتاب القاضي سنان الحسيني أن سيل النار انحدر مع وادي الشظاة حتى حاذى جبل أحد، وكادت النار تقارب حرة العريض وخاف الناس منها خوفا عظيما، ثم سكن قتيرها الذي يلي المدينة، وطفئت مما يلي العريض بقدرة الله تعالى، فرجعت تسير في الشرق، وهو مؤيد لما ذكره القطب، ومشاهدة آثارها اليوم تقضي بذلك. قال المطري: (وأخبرني بعض من أدركها من النساء أنهن كن يغزلن على ضوئها بالليل على أسطحة البيوت بالمدينة الشريفة). وقال القسطلاني: (إن ضوئها استوى على ما بطن من القيعان، وظهر من القلاع، حتى كأن الحرم النبوي عليه الشمس مشرقة، وجملة أماكن المدينة بأنوارها محدقة، ودام على ذلك لهبها حتى تأثر له النيران، وصار نور الشمس على الأرض تعتريه صفرة، ولونها من تصاعد

الالتهاب يعتريه حمرة، والقمر كأنه قد كسف من اضمحلال نوره)، قال: (وأخبرني جمع ممن توجه للزيارة على طريق المشيان أنهم شاهدوا ضوئها على ثلاثة مراحل للمجدّ، وآخرون أنهم شاهدوها من جبال ساية). قلت: نقل أبو شامة عن مشاهدة كتاب الشريف سنان قاضي المدينة أن هذه النار رئيت من مكة ومن الفلاة جميعها، ورآها أهل ينبع. قال أبو شامة: وأخبرني بعض من أثق به ممن شاهدها بالمدينة أنه بلغه أنه كتب بتيماء على ضوئها الكتب. وقال المجد: والشمس والقمر في المدة التي ظهرت بها ما يطلعان إلا كاسفين. قال أبو شامة: (وظهر عندنا بدمشق أثر ذلك الكسوف من ضعف النور على الحيطان، وكنا حيارى من سبب ذلك، إلى أن بلغنا الخبر عن هذه النار)، وكل من ذكر هذه النار يقول في آخر كلامه: وعجائب هذه النار وعظمتها يكلّ عن وصفها البنان والأقلام، وتجل عن أن يحيط بشرحها البيان والكلام؛ فظهر بظهورها معجزة للنبي، صلى الله عليه وسلم، لوقوع ما أخبر به وهي هذه النار؛ إذ لم تظهر من زمنه، صلى الله عليه وسلم، قبلها ولا بعدها نار مثلها.

وقال القسطلاني: (إن جاء من أخبر برؤيتها ببصرى فلا كلام، وإلا فيحتمل أن يكون ذكر ذلك في الحديث على وجه المبالغة في ظهورها، وأنها بحيث ترى، وقد جاء من أخبر أنه أبصرها بتيماء، وبصرى منها مثل ما هي من المدينة في البعد). قلت: قد تقدم عن القرطبي أنه بلغه أنها رئيت من جبال بصرى، وصرح الشيخ عماد الدين بن كثير بما يقتضي أنه أضاءت من هذه النار أعناق الإبل ببصرى، فقال: (أخبرني قاضي القضاة صدر الدين الحنفي قال: أخبرني والدي الشيخ صفي الدين مدرس مدرسة بصرى أنه أخبره غير واحد من الأعراب صبيحة الليلة التي ظهرت فيها هذه النار ممن كان يحاضره ببلد بصرى أنهم رأوا صفحات أعناق إبلهم في ضوء تلك النار، فقد تحقق بذلك أنها الموعود بها). قال المؤرخون: وكان ظهور هذه النار من صدر واد يقال له وادي الأحيليين وقال البدر بن فرحون: إنها سالت في وادي أحيليين، وموضعها شرقي المدينة على طريق السوارقية مسيرة من الصبح إلى الظهر. قال القطب القسطلاني: ظهرت في جهة المشرق على مرحلة متوسطة من المدينة في موضع يقال له قارع الهيلاء على قرب من مساكن قريظة شرقي قباء، فهي بين قريظة وموضع يقال له أحيليين، فثارت من هذا القاع، ثم امتدت فيه آخذة في الشرق إلى قريب من أحيليين، ثم عرجت واستقبلت الشام سائلة إلى أن وصلت إلى موضع يقال له قرين الأرنب بقرب من أحد، فوقفت وانطفت وانصرفت، انتهى.

قال المؤرخون: واستمرت هذه النار مدة ظهورها تأكل الأحجار والجبال، وتسيل سيلا ذريعا في واد يكون طوله مقدار أربعة فراسخ وعرضه أربعة أميال وعمقه قامة ونصف، وهي تجري على وجه الأرض والصخر يذوب حتى يبقى مثل الآنك، فإذا خمد اسودّ بعد أن كان أحمر، ولم يزل يجتمع من هذه الحجارة المذابة في آخر الوادي عند منتهى الحرة حتى قطعت في وسط وادي الشظاة إلى جهة جبل وعيرة، فسدت الوادي المذكور بسد عظيم من الحجر المسبوك بالنار ولا كسد ذي القرنين، يعجز عن وصفه الواصف، ولا مسلك لإنسان فيه ولا دابة. قلت: وهذا من فوائد إرسال هذه النار؛ فإن تلك الجهة كثيرا ما يطرق منها المفسدون لكثرة الأعراب بها؛ فصار السلوك إلى المدينة متعسّرا عليهم جدّا. قال القسطلاني: أخبرني جمع ممن أركن إلى قولهم إن النار تركت على الأرض من الحجر ارتفاع رمح طويل على الأرض الأصلية.

قال المؤرّخون: وانقطع وادي الشظاة بسبب ذلك، وصار السيل إذا سال ينحبس خلف السد المذكور حتى يصير بحرا مد البصر عرضا وطولا، فانخرق من تحته في سنة تسعين وستمائة لتكاثر الماء من خلفه، فجرى في الوادي المذكور سنتين كاملتين، أما السنة الأولى فكان قد ملأ ما بين جانبي الوادي، وأما الثانية فدون ذلك، ثم انخرق مرة أخرى في العشر الأول بعد السبعمائة فجرى سنة كاملة أو أزيد، ثم انخرق في سنة أربع وثلاثين وسبعمائة وكان ذلك بعد تواتر أمطار عظيمة في الحجاز، فكثر الماء وعلا من جانبي السد ومن دونه مما يلي جبل وعيرة وتلك النواحي، فجاء سيل طام لا يوصف، ولو زاد مقدار ذراع في الارتفاع وصل إلى المدينة، وكان أهل المدينة يقفون خارج باب البقيع على التل الذي هناك فيشاهدونه ويسمعون خريرا توجل القلوب دونه، فسبحان القادر على ما يشاء!]

 

* وكرر الإمام الذهبي بعض الشهادات آنفة الذكر، وأضاف أخري، مع تعقيبات جيدة موفقة، في موسوعته العظيمة: تاريخ الإسلام [ت بشار (14/660)]: [(سنة أربع وخمسين وستمائة - ظهور النار بالمدينة): قال أَبُو شامة: (جاء إلى دمشق كُتُبٌ من المدينة بخروج نارٍ عندهم فِي خامس جُمادى الآخرة، وكُتِبت الكُتب فِي خامس رجب، والنار بحالها بعدُ، ووصلت إلينا الكُتُب فِي شعبان، فاخبرني مَن أثق به ممن شاهدها بالمدينة أنه بلغة أنه كُتب بتَيماء على ضوئها الكُتُب، قال: وكنا فِي بيوتنا بالمدينة تلك الليالي، وكأنَّ فِي دار كلّ واحدٍ سراجًا. ولم يكن لها حَرَّ ولا لفحٌ على عِظَمها، إنما كانت آية. قال أَبُو شامة: وهذه صورة ما وقفتُ عليه من الكُتُب: لما كانت ليلة الأربعاء ثالث جمادي الآخرة ظهر بالمدينة دَوِيٌّ عظيم ثم زلزلةٌ عظيمة فكانت ساعةً بعد ساعه إلى خامس الشَّهر، فظهرت نارٌ عظيمة فِي الحَرّة قريبًا من قُريظة نبصرها من دُورنا من داخل المدينة كأنها عندنا، وسالت أودية منها إلى وادي شظا مسيل الماء، وقد سدّت مسيل شظا وما عاد يسيل، والله لقد طلعنا جماعةٌ نُبصرها فإذا الجبال تسيل نيرانا، وقد سَدّت الحرَّة طريق الحاج العراقي، فسارت إلى أنْ وصلت إلى الحرَّة، فوقفت ورجعت تسير فِي الشرق يخرج من وسطها مُهود وجبال نار تأكل الحجارة، فيها أُنموذج ما أخبر الله: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ﴾. وقد أكلت الأرض. ولها الآن شهر وهي فِي زيادة، وقد عادت إلى الحرار فِي قُريظة طريق الحاج إلى بُحيرة العراقي كلها نيران تشتعل نبصرها فِي الليل من المدينة كأنها مشاعل، وأما أمُّ النيران الكبيرة فهي جبال نيران حُمر، وما أقدر أصف هذه النار﴾.

ومن كتاب آخر: (ظهر فِي شرقي المدينة نارٌ عظيمة بينها وبين المدينة نصف يوم انفجرت من الأرض، وسال منها وادٍ من نار حتى حاذت جبل أُحُد، ثم وقفت. ولا ندري ماذا نفعل. ووقت ظهورها دخل أهلُ المدينة إلى نبيهم، صلى الله عليه وسلم، مستغفرين تائبين إلى ربّهم).

وفي كتاب آخر: (في أول جُمادى الآخرة ظهر بالمدينة صوت كالرعد البعيد، فبقي يومين، وفي ثالث الشهر تعقبه زلزال فتقيم ثلاثة أيّام، يقع فِي اليوم والليلة أربع عشرة زلزلة. فلما كان يوم خامسة انبجست الأرض من الحرَّة بنارٍ عظيمة يكون قدرها مثل مَسْجِدَ رَسُول اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وهي برأي العين من المدينة تُشاهد، وهي ترمي بشَرَر كالقصر. وهي بموضع يقال له أحلين، وقد سال من هذه النار وادٍ يكون مِقداره أربعة فراسخ، وعرضه أربعة أميال، وعُمقه قامةٌ ونصف، وهو يجري على وجه الأرض وتخرج منه أمهاد وجبال صغار، ويسير على وجه الأرض، وهو صخر يذوب حتّى يبقى مثل الآنك، فإذا خمد صار أسود، وقبْل الخمود لونه أحمر، وقد حصل إقلاعٌ عن المعاصي وتقرُّبٌ بالطاعات. وخرج أمير المدينة عن مظالم كثيرة). ومن كتاب قاضي المدينة سِنان الحُسينيّ يقول فِي التاريخ: (لقد واللهِ زُلزِلت مرة ونحن حول الحُجْرة النَّبوية، فاضطرب بها المِنبر والقناديل. ثم طلع في رأس أحيلين نارٌ عظيمة مثل المدينة العظّيَمة، وما بانت لنا إلا ليلة السبت وأشفقنا منها، وطلعتُ إلى الأمير وكلمته وقلت: قد أحاط بنا العذاب، ارجعْ إلى الله. فأعتقَ كل مماليكه وردّ على جماعةٍ أموالهم. فلما فعل ذلك قلت: اهبط معنا إلى النَّبِيّ، صلى الله عليه وسلم، فهبط وبتنا ليلة السّبت، النّاسُ جميعُهم والنّسوانُ وأولادُهم، وما بقي أحدٌ لا فِي النَّخل ولا فِي المدينة إلا عند النَّبِيّ، صلى الله عليه وسلم، وأشفقنا منها، وظهر ضوؤها إلى أن أُبصرت من مكة، ومن الفَلاة جميعها. ثم سال منها نهرٌ من نارٍ، وأخذ في وادي أُحيلين وسد الطريق، ثم طلع إلى بحرة الحاج، وهو بحرُ نارٍ يجري وفوقه حرَّة تسير إلى أن قطعت وادي الشَّظاة، وما عاد يجيء فِي الوادي سيْلٌ قط لأنَّها حرة، تجيء قامتين وثلث عُلُوُّها. واللهِ يا أخي إن عيشتنا اليوم مكدَّرة، والمدينة قد تاب أهلُها ولا بقي يُسمع فيها ربابٌ ولا دُف ولا شُرْب. وتمّت تسير إلى أن سدت بعض طريق الحاج، وكان في الودي إلينا منها قَتِير، وخفنا أن تجيئنا، واجتمع الناس وباتوا عند النَّبِيّ، صلى الله عليه وسلم، ليلة الجمعة وقد طُفِئ قَتِيُرها الَّذِي يلِينا بقُدرة الله، وإلى الساعة ما نقَصَتْ بل ترمي مثل الجمال حجارةً من نار، ولها دوِيّ، ما تدعنا نرقد ولا نأكل ولا نشرب، وما أقدِر أصِف لك عظَمَها ولا ما فيها من الأهوال. وأبصرها أهلُ ينبُع، ونَدَبوا قاضيهم ابنَ أسعد، وجاء وغدا إليها، وما أصبح يقدر يصفُها من عِظمها، وكتب يوم خامس رجب، والشمس والقمر من يوم طلعت ما يطلعان إلا كاسِفين). ومن كتاب آخر من بعض بني الفاشاني يقول: (جرى عندنا أمرٌ عظيم. إلى أن قال في النّار: ظهر دخان عظيم في السماء ينعقد حتى يبقى كالسحاب الأبيض إلى آخر النهار ظهر للنّار ألسُنٌ تصَّعَّد فِي الهواء حمراء كأنها العَلَقة، وعظُمت ففزع الناس إلى المسجد، وابتهلوا إلى الله، وغطَّت حُمرةُ النار السماءَ كلَّها حتى بقي الناس فِي مثل ضوء القمر، وأيقنا بالعذاب. وصعِد القاضي والفقيه إلى الأمير يعِظُونه فطرح المكس، وأعتق رقيقه كلَّهم، ورد علينا كلَّ ما لنا تحت يده، وعلى غيرنا، وبقيت كذلك أيّامًا، ثمّ سالت في وادي أُحلين تتحدر مع الوادي إلى الشَّظاة، حتى لحِق سَيَلانُها ببَحْرة الحاج، والحجارةُ معها تتحرَّك وتسير حتى كادت تقارب حرَّة العِراض، ثمَّ سَكَنتْ ووقفت أيامًا، ثم عاد يخرج منها ترمي بحجارة من خلفها وأمامها حتى بَنَتْ جبلين خلفَها وأمامها، وما بقي يخرج منها من بين الجبلين، لسانٌ لها أيامًا. ثمّ إنّها عظُمت الآن وشبَاها إلى الآن، وهي تتقد كأعظم ما يكون، ولها كل يوم صوتٌ عظيمٌ من آخر الليل إلى ضَحْوِة، والشمس والقمر كأنهما منكسفان إلى الآن، وكتب هذا ولها شهر).

قلت: أمر هذه النار متواتر، وهي مما أخبر به المصطفى صلوات الله عليه وسلامه حيث يقول: (لا تقوم الساعة حتى تخرج نارٌ من أرض الحجاز تُضيء لها أعناق الإبل بِبُصرى)، وقد حكى غيرُ واحدٍ ممن كان بِبُصْرى فِي الليل ورأى أعناق الإبل فِي ضوئها]، انتهى كلام الإمام الذهبي؛

 

فأقول معقباً:

أولاً: قول القطب القسطلاني، رحمه الله: (إن جاء من أخبر برؤيتها ببصرى فلا كلام، وإلا فيحتمل أن يكون ذكر ذلك في الحديث على وجه المبالغة في ظهورها، وأنها بحيث ترى، وقد جاء من أخبر أنه أبصرها بتيماء، وبصرى منها مثل ما هي من المدينة في البعد) يدلك على دقة الثقات من علماء المسلمين، وأمانتهم في النقل؛

وثانياً: قول المؤرخين عن الصهير أنه ملأ وادياً (طوله مقدار أربعة فراسخ وعرضه أربعة أميال وعمقه قامة ونصف)، يدل أيضاً على دقتهم وأمانتهم لأن القامة أربعة أذرع = 4 * 45 سم = 180 سم = 1.8 م؛ والفرسخ = ثلاثة أميال بحرية = 1852 * 3 = 5556 متراً: فهذا يقتضب أن حجم ذلك الصهير كان = 4 * 5556 م * 4 * 1852 م * 2.7 م = 444515558.4 متر مكعب = 0.44 كلم مكعب؛ وهذا قريب من التقديرات الجيولوجية المعاصرة.

 

ومع كل هذه الأهوال فإن تلك الثورة البركانية ما كانت إلا متوسطة أو دون المتوسطة، ويصنفها الجيولوجيون على أنها من الدرجة الرابعة (Volcanic Explosivity Index= VEI 4) في أقصى تقدير، وربما قال بعضهم أنها من الدرجة الثالثة فقط (VEI 3)، على مقياس شدة البراكين الذي ينتظم ثمان درجات.

وقد درس بعض الباحثين المعاصرين، من علماء طبقات الأرض (الجيولوجيا)، الصخور التي تكونت من تلك الثورة البركانية، وقدَّروا حجمها، وتثبتوا من أعمارها، فلعلك تتأكد بنفسك من بعض ذلك في المراجع التالية:

(1) Sindi، H.O.; The Geochemical - Geophysical aspects of the tectonism in the Arabian Shield.

Workshop on the "Geophysics and its tectonic implications in the Arabian peninsula and the Red Sea region" held in 25 - 31 October 1986، at the Department of Geology، Faculty of Science، Sana،a University، Sana،a، Yemen Arab Republic.

Bulletin of the Faculty of Science (Special volume)، Sana،a University، Sana،a، Yemen Arab Republic. 1987.

(2) Sindi، H.O.; Geochemical Evolution and Basement Tectonism of the Arabian - Nubian Dome.

Proceeding of the "Ninth international Conference on Basement Tectonics" held at the Australian National University، Geology Department، A.C.T.S.، Canberra، Australia، July/1 - 7/1990.

International Basement Tectonic Association Incorporated، Publication No. 7، (Applied Geophysics، Inc)، M. J. Rickard، et al. (eds)، Salt Lake city، Utah، U.S.A; and Kluwer Academic Publishers; Printed in Netherlands. p. 201 - 208، 1992.

(3) Sindi، H.O.; The Geology and Geochemistry of the Red Sea، Saudi Arabia، and its relation to the Pacific region.

Proceeding of the "Fifth International conference and exhibition of the Circum - Pacific council for Energy and Mineral resources Transactions"، convened at the Hilton Hawaiian Village، Honolulu، Hawaii، U.S.A. on July 29 - August 3، 1990.

Gerald P. Salisbury and Alice C. Salisbury (eds)، cosponsored by the American Association of Petroleum Geologists (A.A.P.G)، Gulf Publishing Company، Houston، Texas، U.S.A، p. 411 - 420، 1996.

(4) Victor E. Camp; Peter R. Hooper; M. John Roobol; D. L. White: The Madinah eruption، Saudi Arabia: Magma mixing and simultaneous extrusion of three basaltic chemical types

Bulletin of Volcanology 1986 Vol: 49: 489 - 508. DOI: 10.1007/BF01245475

فصل: من دلائل نبوته، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: إخباره أن أمته سوف تقاتل (الترك)

تكلمت الأحاديث عن قوم فطس الأنوف، صغار العيون ذلفها، حمر الوجوه، كأن وجوههم «المجان المطرقة»، وهذا وصف دقيق للشعوب التركمانية المغولية الصينية، بل قد جاء التصريح بأنهم هم «الترك». وقد أكدت الروايات أن ذلك سيكون في هجمات كبرى ثلاث مرات في أقل تقدير، وربما أكثر، لأن هذه السلالة البشرية سوف تشكل القوام الأكبر لجنود المسيح الدجال، فهذه هجمة كبرى، وبعضهم هم يأجوج ومأجوج، وهؤلاء لهم هجمة كبرى بُعيْد القضاء على الدجال، لعنه الله، بمدة قليلة، لعلها انتقاماً لهزيمته، والقضاء عليه.

ولكن النصوص ذكرت هجمات كبرى لا علاقة لها بواقعة الدجال، أو بهجمة يأجوج ومأجوج، إذ هم من كل حدب ينسلون. وقد صورت الروايات بعض ما يكون في الهجمات من مآسي مفزعة:

* الهجمة، أو موجة الهجمات، الأولى:

ــ «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الترك صغار الأعين، حمر الوجوه، ذلف الأنوف، كأن وجوههم المجان المطرقة؛ ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما نعالهم الشعر».

ــ «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزا وكرمان من الأعاجم، حمر الوجوه فطس الأنوف صغار الأعين، وجوههم المجان المطرقة نعالهم الشعر».

ــ «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما صغار الأعين، عراض الوجوه، كأن أعينهم حدق الجراد، كأن وجوههم المجان المطرقة، ينتعلون الشعر ويتّخذون الدرق: حتى يربطوا خيولهم بالنخل»

ــ «يجيء قوم صغار العيون عراض الوجوه كأن وجوههم الحجف، فيلحقون أهل الإسلام بمنابت الشيح، كأني أنظر إليهم وقد ربطوا خيولهم بسواري المسجد»،

ــ «إن أمتي يسوقها قوم عراض الوجوه، صغار الأعين، كأن وجوههم الحجف، ثلاث مرار حتى يلحقوهم بجزيرة العرب؛ أما الساقة الأولى فينجو من هرب منهم، وأما الثانية فيهلك بعض وينجوا بعض، وأما الثالثة فيصطلون كلهم من بقي منهم»، قالوا: (يا نبي الله: من هم؟!)، قال: «هم الترك»، قال: «أما والذي نفسي بيده، ليربطن خيولهم إلى سواري مساجد المسلمين».

ــ وقال أبو هريرة: (ليسوقنهم حمرا غضابا كأنما وجوههم المجان المطرقة، حتى يلحقوا ذا الزرع بزرعه وذا الضرع بضرعه).

ــ وقال عبد الله بن عمرو بن العاصي: (ليوشكن بنو قنطوراء بن كركري، خنس الأنوف صغار الأعين، كأن وجوههم المجان المطرقة، في كتاب الله المنزل، أن يسوقونكم من خراسان وسجستان سياقا عنيفا. قوم يوفون اللّمم وينتعلون الشعر، ويحتجزون السيوف على أوساطهم، حتى ينزلوا الأيلة)، ثم قال: (وكم الأيلة من البصرة؟!)، قلنا: (أربع فراسخ!)، قال: (ثم يعقدون بكل نخلة من نخل دجلة رأس فرس!)

ــ وقال شداد بن معقل: قال عبد الله: (يوشك أن لا تأخذوا من الكوفة نقدا ولا درهما!)، قلت: (وكيف يا عبد الله بن مسعود؟!)، قال: (يجيء قوم كأن وجوههم المجان المطرقة، حتى يربطوا خيولهم على السواد، فيجلوكم إلى منابت الشيح، حتى يكون البعير والزاد أحب إلى أحدكم من القصر من قصوركم هذه).

ــ وقال الربيع بن ناجذ عن ابن مسعود قال: (يأتيكم قوم من قبل المشرق، عراض الوجوه صغار العيون كأنما ثقبت أعينهم في الصخر، كأن وجوههم المجان المطرقة، حتى يوثقوا خيولهم بشط الفرات).

ــ وقال ابو هريرة: «أعينهم كالودع ووجوههم كالحجف، لهم وقعة بين الدجلة والفرات، ووقعة بمرج حمار، ووقعة بدجلة، حتى يكون الجواز أول النهار بمائة دينار للعبور إلى الشام، ثم يزيد آخر النهار»

ــ وقال حذيفة لأهل الكوفة: (ليخرجنكم منها قوم صغار الأعين، فطس الأنف، كأن وجوههم المجان المطرقة، ينتعلون الشعر، يربطون خيولهم بنخل جوخا، ويشربون من فرض الفرات).

ــ وفي «شرح سنن ابن ماجه»: [قال النووي: (وقد وجد في زماننا هكذا، وفي رواية حمر الوجوه أي بيض الوجوه مشوبة بحمرة، وهذه كلها معجزات لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقد وجد قتال هؤلاء الترك بجميع صفاتهم التي ذكرها، صلى الله عليه وسلم، صغار الاعين حمر الوجوه ذلف الانوف عراض الوجوه كأن وجوههم المجان المطرقة، ينتعلون الشعر. فوجدوا بهن الصفات كلها في زماننا، وقاتلهم المسلمون مرات وقاتلهم الآن، ونسأل الله الكريم إحسان العاقبة للمسلمين في أمرهم وأمر غيرهم وسائر أحوالهم، وادامة اللطف بهم والحماية، وصلى الله على رسوله الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو الا وحي يوحى)].

ــ وفي «فتح الباري شرح صحيح البخاري»: [ثم جاءت الطامة الكبرى،...، فكان خروج جنكزخان بعد الستمائة فأسعرت بهم الدنيا نارا خصوصا المشرق بأسره، حتى لم يبق بلد منه حتى دخله شرهم، ثم كان خراب بغداد، وقتل الخليفة المستعصم، آخر خلفائهم، على أيديهم في سنة ست وخمسين وستمائة، ثم لم تزل بقاياهم يخربون إلى أن كان آخرهم اللنك ومعناه الأعرج، واسمه تَمُر (بفتح المثناة وضم الميم، وربما أشبعت: تَمُّر)؛ فطرق الديار الشامية وعاث فيها، وحرق دمشق حتى صارت خاوية على عروشها، ودخل الروم والهند وما بين ذلك، وطالت مدّته إلى أن أخذه الله، وتفرق بنوه البلاد، وظهر بجميع ما أوردته مصداق قوله، صلى الله عليه وسلم، إن بني قنطورا أول من سلب أمتي ملكهم، وهو حديث أخرجه الطبراني من حديث معاوية، والمراد ببني قنطورا: الترك].

وفي الملحق سرد لأكثر الطرق والروايات، ومصادرها من الكتب والمؤلفات، فلتراجع هناك.

 

* ثم هجمة عدو الله الأعور، المسيح الدجال:

ــ «إن الدجال يخرج من أرض بالمشرق يقال لها خراسان، يتبعه أقوام كأن وجهوهم المجان المطرقة».

ــ «يهبط الدجال خوز وكرمان في ثمانين ألفا ينتعلون الشعر ويلبسون الطيالسة كأن وجوههم المجان المطرقة».

ــ «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزا وكرمان من الأعاجم، حمر الوجوه فطس الأنوف صغار الأعين وجوههم المجان المطرقة نعالهم الشعر».

وتفصيل أخبار هذه الهجمة تجده في كتب أشراط الساعة، والمراجع المتخصصة لدراستها، ودراسة غيرها من المصائب والفتن، وأكثر ذلك لم يأت بعد، وهذه الهجمة، قطعاً، لم تأت بعد، فراجعها هناك.

 

* فهجمة يأجوج ومأجوج:

ــ «إنكم تقولون لا عدو، وإنكم لا تزالون تقاتلون عدوا حتى يأتي يأجوج ومأجوج، عراض الوجوه، صغار العيون، شهب الشعاف، من كل حدب ينسلون، كأن وجوههم المجان المطرقة».

وتفصيل أخبار هذه الهجمة تجده أيضاً في كتب أشراط الساعة، وهي، قطعاً، لم تأت بعد، فراجعها أيضاً هناك.

فصل: من دلائل نبوته، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: التنبؤ بالهواتف المحمولة، (وما هو من جنسها)

ومن دلائل نبوته، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، أنه ذكر بعض أشراط الساعة، ومنها كلام السباع للإنس، بلفظ: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُكَلِّمَ السِّبَاعُ الْإِنْسَ)، لاحظ استخدام اسم الجنس: (السِّبَاعُ)، و(الْإِنْسَ) مما يشعر بكفاية حدوث واقعة واحدة من هذا الأمر الخارق للعادة الطبيعية، حتى يصدق الخبر؛ وقد وقع بعض ذلك في عهده فعلاً، وهناك روايات عن وقوع ذلك بعد عهده، وبذلك تكون هذه النبوءة قد تحققت، وانتهى أمرها، وفرغ منها، مع بقاء احتمال وقوع مثل هذا في الحاضر والمستقبل، ولكن ليس هذا هو موضوعنا. وجاء عنه بالإضافة إلى ذلك في نفس الحديث الثابت الصحيح:

ــ أنه قال: («صَدَقَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُكَلِّمَ السِّبَاعُ الْإِنْسَ؛ وَيُكَلِّمَ الرَّجُلَ عَذَبَةُ سَوْطِهِ، وَشِرَاكُ نَعْلِهِ، وَيُخْبِرَهُ فَخِذُهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ بَعْدَهُ»)؛ أو:

ــ أنه قال: («لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ أَحَدُكُمْ مِنْ أَهْلِهِ، فَتُخْبِرَهُ نَعْلُهُ أَوْ سَوْطُهُ أَوْ عَصَاهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ بَعْدَهُ»)؛ أو:

ــ أنه قال: («وَيُكَلِّمَ الرَّجُلُ نَعْلَهُ، وَعَذَبَةَ سَوْطِهِ، وَيُخْبِرَهُ فَخِذُهُ بِحَدِيثِ أَهْلِهِ بَعْدَهُ»)؛ أو:

ــ أنه قال: («وَتُكَلِّمَ الرَّجُلَ عِلَاقَةَ سَوْطِهِ، وَشِرَاكُ نَعْلِهِ، وَيُخْبِرُهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ بَعْدَهُ»)؛ أو:

ــ أنه قال: («يُخْبِرَهُ سَوْطُهُ أَوْ عَصَاهُ أَوْ نَعْلُهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ مِنْ بَعْدِهِ»)؛ أو:

ــ أنه قال: («فَتُخْبِرُهُ نَعْلُهُ، أَوْ سَوْطُهُ، أَوْ عَصَاهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ بَعْدَهُ»)؛ أو:

ــ أنه قال: («يُوشِكُ الرَّجُلُ إِذَا غَابَ عَنْ أَهْلِهِ أَنْ يُحَدِّثَهُ مِثْلُ عَذْبَةِ سَوْطِهِ بِمَا صَنَعُوا بَعْدَهُ»

 

فالدنيا إذاً لن تنتهي حتى يوجد شيء أو جهاز، أو توجد أشياء وأجهزة:

(1) - يكلمها الإنسان، وتكلمه، تماماً مثل كلام البشر الناطقين بلغتهم، ولبعضهم البعض، وتخبره بما صنع أهله في غيابه، وذلك بصفة يومية روتينية اعتيادية؛

(2) - وهذا الشيء أو هذا الجهاز، أو هذه الأشياء والأجهزة، يمكن التمثيل لها بأشياء من المعهود عند أهل المدينة النبوية الشريفة أثناء مخاطبتهم بهذا الكلام، وهي من أجناس متعددة:

الجنس الأوَّل: ما يصنع من الجلود ويكن أن يقال أن الإنسان يلبسه أو يرتديه، كالنعل. وهذا الجنس يشمل بداهة شتى أنواع الأحذية، والأخفاف؛ ويشمل أيضاً: الأحزمة والمناطق الجلدية، وغيرها، وكانت نادرة آنذاك، ولكن أدى تطور الصناعات الجلدية وانخفاض أسعار منتوجاتها إلى سعة انتشارها بحيث أصبحت يستخدمها كل أحد؛ ويشمل هذا بداهة مثيلاتها مما يصنع حديثاً من الجلود التركيبية (الصناعية)، ومن الألياف الكثيفة، عالية المتانة (Kevlar)، وغيرها؛

الجنس الثاني: ما يحمله الإنسان لحاجته اليومية عند خروجه من بيته لبعض شأنه كالعصا والسوط وعلاقته، وهي أبرز ما كان يحمله الرجل في المدينة النبوية الشريفة آنذاك. وقد تطور هذا مع ازدياد تعقيدات الحياة المدنية فأصبح يشمل الحقائب المتعلقة بالأحزمة والمناطق (وقد يكون منها ما هو جزء من بنية الحزام أو المنطقة، فيكون من الجنسين الأول والثاني في نفس الوقت)؛ ومحافظ النقود وأكياسها؛ والحقائب المحمولة باليد أو المعلقة على الكتف؛ بل وفي كثير من الأحيان: حقائب الظهر؛

الجنس الثالث: الفخذ، وقد يكون مقصوداً بذاته، أو يكون المقصود جهته، وقد يكون مثالاً لما يشبهه في الوظيفة كالعضد مثلاً وإن كنت استبعد ذلك؛ والأرجح عندي أن الجهة هي المقصودة في المقام الأول: فيكون المقصود بـ(الفخذ) هو: الحقائب المتدلية بحذاء الفخذ، وهي المعلقة بالأحزمة والمناطق، لا فرق بين المستقل منها، وما هو جزء من بنية الحزام أو المنطقة؛

وعلى هذا فتكون الحقائب المتدلية بحذاء الفخذ، التي هي جزء من بنية الحزام أو المنطقة، من أوضح الأمثلة على الأجناس الثلاثة في آن واحد؛ وقريب منها الحقائب المستقلة بذاتها، المعلقة بالحزام أو المنطقة، فتتدلَّى بحذاء الفخذ.

 

ولا يحتاج القارئ الفطن إلى أي عبقرية ليدرك أن هذا قد تحقق حوالي 1990م بكل دقة في الهواتف الخلوية المحمولة، وبخاصة في أوائل عهدها حتى حوالي 2005، قبل ظهور الهواتف الذكية، وانضمام الحاسوبات المحمولة واللوحية، وغيرها إلى تلك الأجهزة التي تحقق النبوءة. ولعلنا نلاحظ أموراً عدة:

(1) - أن ذكر (الأهل) ليس حصراً، وإنما هو لأن لأهل الإنسان وبيته خصوصية بديهية، فإذا أمكن لجهاز محمول معه أن يخبره بما حدث في بيته، فمن باب أولى أن يكون من الممكن وصول أخبار من مكان عمله، وربما غير ذلك من الأماكن التي ليست بخصوصية البيت؛

(2) - أنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، قد نسب الإخبار أو التكلم إلى الجهاز، في مثل قوله: «يُخْبِرَهُ سَوْطُهُ أَوْ عَصَاهُ أَوْ نَعْلُهُ»، وهذا أعم من نسبة الإخبار أو التكلم إلى الأهل؛ فيجوز أن يكون مصدر الخبر جهاز رقابة مماثل في بيته أو مقر عمله؛

(3) - أن الإخبار، وإن كان أكثره في معهود البشر إنما يكون كلاماُ ملفوظاً بصوت: قد يكون بإشارات ورموز صوتية أو مكتوبة كما هو في أجهزة النداء (Pager)، وهي قد سبقت الهواتف المحمولة ببضع سنين، والتي قد تطالب بسرعة الاتصال بوسيلة أخرى أو العودة إلى المنزل أو مقر العمل، أو قد تنذر بخلل في أجهزة المنزل أو دخول لصوص إلى بيت خال؛ وقد يكون الإخبار أيضاً بكتابة نص، وهذا قد تحقق في الرسائل المكتوبة التي تنقلها الهواتف المحمولة (SMS)؛ وقد يكون الإخبار بنقل الصورة والصوت (Video) كما نشاهد أوائله في أيامنا هذه بواسطة الهواتف الذكية، الحاسوبات المحمولة واللوحية، وكثير من الناس يراقب بيته الخالي من بعيد وقد أدى ذلك بالفعل إلى القبض على بعض اللصوص حال تلبسهم بالجريمة. وقد فصلنا الكلام عن هذه النبوءة في بحث مستقل منشور، فليراجع.

 

فصل: من دلائل نبوته، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: إسلام أهل اليمن، وتحديد قبلة مسجد صنعاء القديم بدقة متناهية

* جاء في تاريخ الطبري [تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري (2/654)]: [حَدَّثَنَا ابْنُ حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَبِيبٍ، قَالَ: وَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ، إِلَى كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ مَلِكُ فَارِسٍ وَكَتَبَ مَعَهُ: (بِسْمِ الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتَّبَعَ الْهُدَى، وَآمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَشَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَدْعُوكَ بِدُعَاءِ اللَّهِ، فَإِنِّي أَنَا رَسُولُ اللَّهِ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً لأُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ، فَأَسْلَمَ تَسْلَمْ، فَإِنْ أَبَيْتَ، فَإِنَّ إِثْمَ الْمَجُوسِ عَلَيْكَ)؛ فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ، وَقَالَ: يَكْتُبُ إِلَيَّ هَذَا وَهُوَ عَبْدِي!

ــ حَدَّثَنَا ابن حميد، قال: حَدَّثَنَا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أَبِي بَكْرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ قَدِمَ بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، عَلَى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأَهُ شَقَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله: (مُزِّقَ مُلْكُهُ!)، حِينَ بَلَغَهُ أَنَّهُ شَقَّ كِتَابَهُ.

ــ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ قَالَ: ثُمَّ كَتَبَ كِسْرَى إِلَى بَاذَانَ، وَهُوَ عَلَى الْيَمَنِ: أَنِ ابْعَثْ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي بِالْحِجَازِ رَجُلَيْنِ مِنْ عِنْدِكَ جَلْدَيْنِ، فَلْيَأْتِيَانِي بِهِ، فَبَعَثَ بَاذَانَ قَهْرَمَانَهُ وَهُوَ بَابَوَيْهِ - وَكَانَ كَاتِبًا حَاسِبًا بِكِتَابِ فَارِسَ - وَبَعَثَ مَعَهُ رَجُلا مِنَ الْفُرْسِ يُقَالُ لَهُ خرخسرهُ، وَكَتَبَ معهما الى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يَأْمُرُهُ أَنْ يَنْصَرِفَ مَعَهُمَا إِلَى كِسْرَى، وَقَالَ لِبَابَوَيْهِ: ائْتِ بَلَدَ هَذَا الرَّجُلِ، وَكَلِّمْهُ وَأْتِنِي بِخَبَرِهِ، فَخَرَجَا حَتَّى قَدِمَا الطَّائِفَ فَوَجَدَا رِجَالا مِنْ قُرَيْشٍ بِنَخْبٍ مِنْ أَرْضِ الطَّائِفِ فَسَأَلاهُمْ عَنْهُ، فَقَالُوا: هُوَ بِالْمَدِينَةِ، وَاسْتَبْشَرُوا بِهِمَا وَفَرِحُوا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَبْشِرُوا فَقَدْ نَصَبَ لَهُ كِسْرَى مَلِكُ الْمُلُوكِ، كُفِيتُمُ الرَّجُلَ! فَخَرَجَا حَتَّى قدما على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فكلمه بابويه، فقال: (ان شاهانشاه مَلِكَ الْمُلُوكِ كِسْرَى، قَدْ كَتَبَ إِلَى الْمَلِكِ بَاذَانَ، يَأْمُرُهُ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْكَ مَنْ يَأْتِيهِ بِكَ، وَقَدْ بَعَثَنِي إِلَيْكَ لِتَنْطَلِقَ مَعِي، فَإِنْ فَعَلْتَ كَتَبَ فِيكَ إِلَى مَلِكِ الْمُلُوكِ يَنْفَعُكَ وَيَكُفُّهُ عَنْكَ، وَإِنْ أَبَيْتَ فَهُوَ مَنْ قَدْ عَلِمْتَ! فَهُوَ مُهْلِكُكَ وَمُهْلِكُ قَوْمِكَ، وَمُخَرِّبُ بِلادِكَ، ودخلا على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وَقَدْ حَلَقَا لِحَاهُمَا، وَأَعْفَيَا شَوَارِبَهُمَا، فَكَرِهَ النَّظَرَ إليهما، ثم أَقْبَلَ عَلَيْهِمَا فَقَالَ: وَيْلَكُمَا! مَنْ أَمَرَكُمَا بِهَذَا؟ قَالا: أَمَرَنَا بِهَذَا رَبُّنَا - يَعْنِيَانِ كِسْرَى؛ فَقَالَ رسول الله: لَكِنَّ رَبِّي قَدْ أَمَرَنِي بِإِعْفَاءِ لِحْيَتِي وَقَصِّ شَارِبِي. ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: ارْجِعَا حَتَّى تَأْتِيَانِي غدا، واتى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ سَلَّطَ عَلَى كِسْرَى ابْنَهُ شِيرَوَيْهِ، فَقَتَلَهُ فِي شَهْرِ كَذَا وَكَذَا لَيْلَةَ كَذَا وَكَذَا مِنَ اللَّيْلِ، بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ، سَلَّطَ عَلَيْهِ ابْنَهُ شِيرَوَيْهِ فَقَتَلَهُ.

ــ قَالَ الواقدي: قَتَلَ شِيرَوَيْهِ أَبَاهُ كِسْرَى لَيْلَةَ الثُّلاثَاءِ لِعَشْرِ لَيَالٍ مَضَيْنَ مِنْ جُمَادَى الأُولَى مِنْ سَنَةِ سَبْعٍ لِسِتِّ سَاعَاتٍ مَضَتْ مِنْهَا.

ــ رَجَعَ الْحَدِيثُ إِلَى حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ: فَدَعَاهُمَا فَأَخْبَرَهُمَا، فَقَالا: (هَلْ تَدْرِي مَا تَقُولُ! إِنَّا قَدْ نَقِمْنَا عَلَيْكَ مَا هُوَ أَيْسَرُ مِنْ هَذَا، أَفَنَكْتُبُ هَذَا عَنْكَ، وَنُخْبِرُهُ الْمَلِكَ! قَالَ: نَعَمْ، أَخْبِرَاهُ ذَلِكَ عَنِّي، وَقُولا لَهُ: إِنَّ دِينِي وَسُلْطَانِي سَيَبْلُغُ مَا بَلَغَ مُلْكُ كِسْرَى، وَيَنْتَهِي إِلَى مُنْتَهَى الْخُفِّ وَالْحَافِرِ، وَقُولا لَهُ: إِنَّكَ إِنْ أَسْلَمْتَ أَعْطَيْتُكَ مَا تَحْتَ يَدَيْكَ، وَمَلَّكْتُكَ عَلَى قَوْمِكَ مِنَ الأَبْنَاءِ، ثُمَّ أَعْطَى خرخسرهَ مِنْطَقَةً فِيهَا ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ، كَانَ أَهْدَاهَا لَهُ بَعْضُ الْمُلُوكِ). فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى قَدِمَا عَلَى بَاذَانَ، فَأَخْبَرَاهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا هَذَا بِكَلامِ مَلِكٍ، وَإِنِّي لأَرَى الرَّجُلَ نَبِيًّا كَمَا يَقُولُ، وَلْنَنْظُرَنَّ مَا قَدْ قَالَ، فَلَئِنْ كَانَ هَذَا حَقًّا مَا فِيهِ كَلامٌ، إِنَّهُ لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَسَنَرَى فِيهِ رَأْيَنَا. فَلَمْ يَنْشَبْ بَاذَانَ أَنْ قَدِمَ عَلَيْهِ كِتَابُ شِيرَوَيْهِ، أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي قَدْ قَتَلْتُ كِسْرَى، وَلَمْ أَقْتُلْهُ إِلا غَضَبًا لِفَارِسَ لِمَا كَانَ اسْتَحَلَّ مِنْ قَتْلِ أَشْرَافِهِمْ وَتَجْمِيرِهِمْ فِي ثُغُورِهِمْ، فَإِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا فَخُذْ لِي الطَّاعَةَ مِمَّنْ قِبَلَكَ، وَانْظُرِ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ كِسْرَى كَتَبَ فِيهِ إِلَيْكَ فَلا تُهِجْهُ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي فِيهِ. فَلَمَّا انْتَهَى كِتَابُ شِيرَوَيْهِ إِلَى بَاذَانَ قَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَرَسُولٌ فَأَسْلَمَ وَأَسْلَمَتِ الأَبْنَاءُ مَعَهُ مِنْ فَارِسَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ بِالْيَمَنِ، فَكَانَتْ حمير تقول لِخرخسرهَ: ذُو الْمُعْجِزَةِ، لِلْمِنْطَقَةِ الَّتِي أَعْطَاهُ إِيَّاهَا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، - وَالْمِنْطَقَةُ بِلِسَانِ حِمْيَرَ الْمُعْجِزَةُ - فَبَنُوهُ الْيَوْمَ يُنْسَبُونَ إِلَيْهَا خرخسرهَ ذُو الْمُعْجِزَةِ. وَقَدْ قَالَ بَابُوَيْهِ لِبَاذَانَ: مَا كَلَّمْتُ رَجُلا قَطُّ أَهْيَبَ عِنْدِي مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ بَاذَانُ: هَلْ مَعَهُ شُرَطٌ؟ قَالَ: لا]، انتهى نص الطبري.

ــ ولا خوف من ضعف ابن حميد، فقد جاء في تفسير ابن المنذر (1/237/565): [حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، قَبْلَ وَفَاتِهِ قَدْ فَرَّقَ رِجَالا مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى مُلُوكِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ دُعَاةً إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا بَيْنَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَوَفَاتِهِ، صلى الله عليه وسلم. قَالَ محمد بْن إِسْحَاق: حَدَّثَنِي يزيد بْن أبي حبيب المصري، أَنَّهُ وجد كتابا فِيهِ تسمية من بعث رَسُول اللهِ، صلى الله عليه وسلم، إِلَى ملوك النَّاس، وَمَا قَالَ لأصحابه حين بعثهم، فبعث بِهِ إلي ابْن شهاب الزهري مع ثقة مِنْ أَهْلِ بلده، فعرفه فِي الْكِتَاب]، فساق الخبر كما سبق عند الطبري؛ إلى أن قال: [وبعث عَبْد اللهِ بْن حذافة بْن قيس بْن عدي بْن سعيد بْن سهم إِلَى كسرى بْن هرمز ملك فارس، وكتب معه فَلَمَّا قرأه شقه]، فساق الخبر كما سبق عند الطبري.

 

* جاء في دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني (ص: 348/241): [حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: حدثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ قَالَ: حدثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، بَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَى كِسْرَى فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ؛ (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيِّبِ قَالَ: دَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ)؛ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ إِلَى كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ مَلِكِ فَارِسَ وَكَتَبَ مَعَهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ إِلَى كِسْرَى عَظِيمِ فَارِسَ سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى وَآمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَشَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ اللَّهِ فَإِنِّي أَنَا رَسُولُ اللَّهِ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً؛ لِأُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَإِنَّ إِثْمَ الْمَجُوسِ عَلَيْكَ)، فَلَمَّا قُرِئَ كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، شَقَّقَهُ وَقَالَ: يَكْتُبُ إِلَيَّ بِهَذَا الْكِتَابَ وَهُوَ عَبْدِي. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: فَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: (مَزَّقَ اللَّهُ مُلْكَهُ)، حِينَ بَلَغَهُ أَنَّهُ شَقَّ كِتَابَهُ ثُمَّ كَتَبَ كِسْرَى إِلَى بَاذَانَ وَهُوَ عَلَى الْيَمَنِ ابْعَثْ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي بِالْحِجَازِ مِنْ عِنْدِكَ رَجُلَيْنِ جَلْدَيْنِ فَلْيَأْتِيَانِي بِهِ، فَبَعَثَ بَاذَانُ قَهْرَمَانَهُ وَهُوَ أبَابوه وَكَانَ كَاتِبًا حَاسِبًا بِكِتَابِ مَلِكِ فَارِسَ وَبَعَثَ مَعَهُ بِرَجُلٍ مِنَ الْفُرْسِ خَرْخِسْرُو وَكَتَبَ مَعَهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَأْمُرُهُ أَنْ يَنْصَرِفَ مَعَهُ إِلَى كِسْرَى وَقَالَ لِأَبَابوه: وَيْلَكَ انْظُرْ مَا الرَّجُلُ؟ وَكَلِّمْهُ وَائْتِنِي بِخَبَرِهِ فَخَرَجَا حَتَّى قَدِمَا الطَّائِفَ فَوَجَدُوا رِجَالًا بِنَدْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ أَرْضِ الطَّائِفِ فَسَأَلُوهُمْ عَنْهُ فَقَالُوا: هُوَ بِالْمَدِينَةِ؛ وَاسْتَبْشَرُوا بِهِمَا وَفَرِحُوا وَقَالَ بَعْضهُمْ لِبَعْضٍ: أَبْشِرُوا فَقَدْ نَصَبَ لَهُ كِسْرَى مَلِكُ الْمُلُوكِ وَكُفِيتُمُ الرَّجُلَ فَخَرَجَا حَتَّى قَدِمَا إِلَى الْمَدِينَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَكَلَّمَهُ أبابوه وَقَالَ: إِنَّ شَاهَانْ شَاهَ مَلِكَ الْمُلُوكِ كِسْرَى كَتَبَ إِلَى الْمَلِكِ بَاذَانَ يَأْمُرُهُ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْكَ مَنْ يَأْتِيهِ بِكَ وَقَدْ بَعَثَنِي إِلَيْكَ لِتَنْطَلِقَ مَعِي فَإِنْ فَعَلْتَ كَتَبَ فِيكَ إِلَى مَلِكِ الْمُلُوكِ بِكِتَابٍ يَنْفَعُكَ وَيَكُفَّ بِهِ عَنْكَ وَإِنْ أَبَيْتَ فَهُوَ مَنْ قَدْ عَلِمْتَ وَهُوَ مُهْلِكُكَ وَمُهْلِكُ قَوْمِكَ وَمُخَرِّبُ بِلَادِكَ وَقَدْ دَخَلَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَقَدْ حَلَقَا لِحَاهُمَا وَأَعْفَيَا شَوَارِبَهُمَا فَكَرِهَ النَّظَرَ إِلَيْهِمَا وَقَالَ: وَيْلَكُمَا مَنْ أَمْرَكُمَا بِهَذَا؟ قَالَا: أَمَرَنَا بِهَذَا رَبُّنَا يَعْنِيَانِ كِسْرَى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: لَكِنَّ رَبِّي قَدْ أَمَرَنِي بِإِعْفَاءِ لِحْيَتِي وَقَصِّ شَارِبِي. ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: ارْجِعَا حَتَّى تَأْتِيَانِي غَدًا وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، الْخَبَرُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ سَلَّطَ عَلَى كِسْرَى ابْنَهُ شِيرَوَيْهِ فَقَتَلَهُ فِي شَهْرِ كَذَا وَكَذَا فِي لَيْلَةِ كَذَا وَكَذَا لِعِدَّةِ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ فَلَمَّا أَعْلَمَهُمَا الرَّسُولُ بِذَلِكَ قَالَا: (هَلْ تَدْرِي مَا تَقُولُ قَدْ نَقِمْنَا مِنْكَ مَا هُوَ يَسِيرٌ أَيْسَرُ مِنْ هَذَا فَنَكْتُبُ بِهَذَا عَنْكَ وَنُخْبِرُ الْمَلِكِ)، قَالَ: (نَعَمْ أَخْبِرَاهُ ذَلِكَ عَنِّي وَقُولَا لَهُ: إِنَّ دِينِي وَسُلْطَانِي سَيَبْلُغُ مَا بَلَغَ مُلْكُ كِسْرَى وَيَنْتَهِي إِلَى مُنْتَهَى الْخُفِّ وَالْحَافِرِ)، وَقُولَا لَهُ: (إِنَّكَ إِنْ أَسْلَمْتَ أَعْطَيْتُكَ مَا تَحْتَ يَدَيْكَ وَمَلَّكْتُكَ عَلَى قَوْمِكَ مِنَ الْأَبْنَاءِ). ثُمَّ أَعْطَى خَرْخِسْرُو مِنْطَقَةً فِيهَا ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ كَانَ أَهْدَاهَا لَهُ بَعْضُ الْمُلُوكِ فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى قَدِمَا عَلَى بَاذَانَ وَأَخْبَرَاهُ الْخَبَرَ فَقَالَ: (وَاللَّهِ مَا هَذَا بِكَلَامٍ مَلِكٍ وَإِنِّي لَأَرَى هَذَا الرَّجُلَ نَبِيًّا كَمَا يَقُولُ وَلَنَنْظُرُنَّ مَا قَدْ قَالَ فَلَئِنْ كَانَ مَا قَالَ حَقًّا مَا فِيهِ كَلَامٌ أَنَّهُ لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَسَنَرَى فِيهِ رَأَيْنَا)؛ فَلَمْ يَنْشَبْ بَاذَانُ إِذْ قَدِمَ عَلَيْهِ كِتَابُ شِيرَوَيْهِ: (أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي قَدْ قَتَلْتُ كِسْرَى وَلَمْ أَقْتُلْهُ إِلَّا غَضَبًا لِفَارِسَ لِمَا كَانَ قَدِ اسْتَحَلَّ مِنْ قَتْلِ أَشْرَافِهِمْ وَتَجْمِيرِ بُعُوثِهِمْ فَإِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا فَخُذْ لِيَ الطَّاعَةَ مِمَّنْ قِبَلَكَ وَانْظُرِ الرَّجُلَ الَّذِي كَتَبَ إِلَيْكَ كِسْرَى فِيهِ فَلَا تُهَيِّجْهُ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي)؛ فَلَمَّا انْتَهَى كِتَابُ شِيرَوَيْهِ إِلَى بَاذَانَ قَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلُ لَرَسُولٌ فَأَسْلَمَ وَأَسْلَمَتِ الْأَبْنَاءُ مِنْ فَارِسَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ بِالْيَمَنِ فَكَانَتْ حِمْيَرُ تَقُولُ لِخِرْخِسْرُو ذُو الْمَعْجَزَةِ – (للْمِنْطَقَةُ الَّتِي أَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَالْمِنْطَقَةُ بِلِسَانِ حِمْيَرَ الْمُعْجِزَةُ) - فَبَنُوهُ الْيَوْمَ يُنْسَبُونَ إِلَيْهَا خِرْخِسْرُو ذُو الْمَعْجَزَةِ. وَقَدْ كَانَ قَالَ أَبَابوه لِبَاذَانَ: مَا كَلَّمْتُ رَجُلًا أَهْيَبَ عِنْدِي مِنْهُ فَقَالَ لَهُ بَاذَانُ: هَلْ مَعَهُ شُرَطٌ؟ قَالَ: لَا]

 

* وجاء في الطبقات الكبرى [ط دار صادر (1/259)]: [(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْأَسْلَمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ قَالَ (المتكلم هو: مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ): وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ رِفَاعَةَ؛ قَالَ (المتكلم هو: مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ): وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ قَالَ (المتكلم هو: مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ): وَحَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، عَنْ جَدَّتِهِ الشِّفَاءِ؛ قَالَ (المتكلم هو: مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ): وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ؛ قَالَ (المتكلم هو: مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ): وَحَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، عَنْ أَهْلِهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، (دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي حَدِيثِ بَعْضٍ)، قَالُوا: وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ السَّهْمِيَّ وَهُوَ أَحَدُ السِّتَّةِ إِلَى كِسْرَى يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَدَفَعْتُ إِلَيْهِ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقُرِئَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَخَذَهُ فَمَزَّقَهُ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «اللَّهُمَّ مَزِّقْ مُلْكَهُ». وَكَتَبَ كِسْرَى إِلَى بَاذَانَ عَامِلِهِ عَلَى الْيَمَنِ أَنِ ابْعَثْ مِنْ عِنْدِكَ رَجُلَيْنِ جَلْدَيْنِ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي بِالْحِجَازِ فَلْيَأْتِيَانِي بِخَبَرِهِ، فَبَعَثَ بَاذَانُ قَهْرَمَانَهُ وَرَجُلًا آخَرَ، وَكَتَبَ مَعَهُمَا كِتَابًا فَقَدِمَا الْمَدِينَةَ فَدَفَعَا كِتَابَ بَاذَانَ إِلَى النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَدَعَاهُمَا إِلَى الْإِسْلَامِ وَفَرَائِصُهُمَا تُرْعَدُ، وَقَالَ: «ارْجِعَا عَنِّي يَوْمَكُمَا هَذَا حَتَّى تَأْتِيَانِي الْغَدَ فَأُخْبِرَكُمَا بِمَا أُرِيدُ» فَجَاءَاهُ مِنَ الْغَدِ، فَقَالَ لَهُمَا: «أَبْلِغَا صَاحِبَكُمَا أَنَّ رَبِّي قَدْ قَتَلَ رَبَّهُ كِسْرَى فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ لِسَبْعِ سَاعَاتٍ مَضَتْ مِنْهَا»، (وَهِيَ لَيْلَةُ الثُّلَاثَاءِ لِعَشْرِ لَيَالٍ مَضَيْنَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ سَبْعٍ): «وَأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَلَّطَ عَلَيْهِ ابْنَهُ شِيرَوَيْهِ فَقَتَلَهُ» فَرَجَعَا إِلَى بَاذَانَ بِذَلِكَ فَأَسْلَمَ هُوَ وَالْأَبْنَاءُ الَّذِينَ بِالْيَمَنِ]؛ وهو في تاريخ دمشق لابن عساكر (27/356): [أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي أنا الحسن بن علي أنا أبو عمر بن حيوية أنا أحمد بن معروف أنا الحارث بن أبي أسامة أنا محمد بن سعد أنا محمد بن عمر الأسلمي بتمامه سنداً ومتناً].

 

* وجاء في سيرة ابن هشام [ت السقا (1/69)]: [فَبَلَغَنِي عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: كَتَبَ كِسْرَى إلَى بَاذَانَ: أَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ خَرَجَ بِمَكَّةَ، يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فسر إِلَيْهِ فاستنبه، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا فَابْعَثْ إلَيَّ بِرَأْسِهِ. فَبَعَثَ بَاذَانُ بِكِتَابِ كِسْرَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَكَتَبَ إلَيْهِ رَسُول الله، صلى الله عليه وسلم: إنَّ اللَّهَ قَدْ وَعَدَنِي أَنْ يُقْتَلَ كِسْرَى فِي يَوْمِ كَذَا مِنْ شَهْرِ كَذَا. فَلَمَّا أَتَى بَاذَانَ الْكِتَابُ تَوَقَّفَ لِيَنْظُرَ، وَقَالَ: إنْ كَانَ نَبِيًّا فَسَيَكُونُ مَا قَالَ. فَقَتَلَ اللَّهُ كِسْرَى فِي الْيَوْمِ الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قُتِلَ عَلَى يَدَيْ ابْنِهِ شِيرَوَيْهِ، وَقَالَ خَالِدُ بْنُ حِقٍّ الشَّيْبَانِيُّ:

وَكِسْرَى إذْ تَقَسَّمْهُ بَنُوهُ *** بِأَسْيَافٍ كَمَا اُقْتُسِمَ اللَّحَامُ

تَمَخَّضَتْ الْمَنُونُ لَهُ بِيَوْمٍ *** أَنَّى وَلِكُلِّ حَامِلَةٍ تِمَامُ

(إسْلَامُ بَاذَانَ): قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ بَاذَانَ بَعَثَ بِإِسْلَامِهِ وَإِسْلَامِ مَنْ مَعَهُ مِنْ الْفُرْسِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم. فَقَالَتْ الرُّسُلُ مِنْ الْفُرْسِ لِرَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: إلَى مَنْ نَحْنُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْتُمْ مِنَّا وَإِلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ]؛ ونجد النص بعينه منقولاً في عمدة القاري شرح صحيح البخاري (2/28)؛ وفي ما لا يحصى من الكتب.

 

* وجاء في البداية والنهاية [ط إحياء التراث (4/306)]: [وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن عبد القاري أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قَامَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى الْمِنْبَرِ خَطِيبًا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَ بَعْضَكُمْ إِلَى مُلُوكِ الْأَعَاجِمِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيَّ كَمَا اخْتَلَفَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى عِيسَى بن مريم " فقال المهاجرون: يارسول الله إنَّا لا نختلف عليك في شئ أَبَدًا فَمُرْنَا وَابْعَثْنَا، فَبَعَثَ شُجَاعَ بْنَ وَهْبٍ إِلَى كِسْرَى فَأَمَرَ كِسْرَى بِإِيوَانِهِ أَنْ يُزَيَّنَ ثُمَّ أَذِنَ لِعُظَمَاءِ فَارِسَ، ثُمَّ أَذِنَ لِشُجَاعِ بْنِ وَهْبٍ، فَلَمَّا أَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ أَمَرَ كِسْرَى بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، أَنْ يُقْبَضَ مِنْهُ، فَقَالَ شُجَاعُ بْنُ وَهْبٍ: لَا حَتَّى أَدْفَعَهُ أَنَا إِلَيْكَ كَمَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ كِسْرَى: ادْنُهْ فَدَنَا فَنَاوَلَهُ الْكِتَابَ ثُمَّ دَعَا كَاتِبًا لَهُ مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى كِسْرَى عَظِيمِ فَارِسَ. قَالَ: فَأَغْضَبَهُ حِينَ بَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، بِنَفْسِهِ وَصَاحَ وَغَضِبَ وَمَزَّقَ الْكِتَابَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ مَا فِيهِ، وَأَمَرَ بِشُجَاعِ بْنِ وَهْبٍ فَأُخْرِجَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَعَدَ عَلَى رَاحِلَتِهِ ثُمَّ سَارَ ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أُبَالِي عَلَى أَيِّ الطَّرِيقَيْنِ أَكُونُ إِذْ أَدَّيْتُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم. قَالَ: وَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ كِسْرَى سَوْرَةُ غَضَبِهِ بَعَثَ إِلَى شُجَاعٍ لِيَدْخُلَ عَلَيْهِ فَالْتُمِسَ فَلَمْ يُوجَدْ، فَطُلِبَ إِلَى الْحِيرَةِ فَسَبَقَ، فَلَمَّا قَدِمَ شُجَاعٌ عَلَى النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، أَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ كِسْرَى وَتَمْزِيقِهِ لِكِتَابِ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، (مَزَّقَ كِسْرَى مُلْكَهُ). وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي بكر عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ بِكِتَابِهِ إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ، فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: (مُزَّقَ مُلْكَهُ)]؛ وهو السيرة النبوية لابن كثير (3/507).

 

* وجاء في مصنف ابن أبي شيبة [ط السلفية (14/337/37781)]: [حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادٍ، قَالَ: كَتَبَ كِسْرَى إلَى بَاذَامَ: إِنِّي نُبِّئْتُ أَنَّ رَجُلاً يَقُولُ شَيْئًا لاَ أَدْرِي مَا هُوَ، فَأَرْسِلْ إلَيْهِ، فَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ، وَلاَ يَكُنْ مِنَ النَّاسِ فِي شَيْءٍ، وَإِلاَّ فَلْيُوَاعِدْنِي مَوْعِدًا أَلْقَاهُ بِهِ، قَالَ: فَأَرْسَلَ بَاذَامُ إِلَى رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، رَجُلَيْنِ حَالِقِي لِحَاهُمَا، مُرْسِلِي شَوَارِبِهِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم: مَا يَحْمِلُكُمَا عَلَى هَذَا؟ قَالَ: فَقَالاَ لَهُ: يَأْمُرُنَا بِهِ الَّذِي يَزْعُمُونَ أَنَّهُ رَبُّهُمْ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم: لَكِنَّا نُخَالِفُ سُنَّتَكُمْ، نَجُزُّ هَذَا، وَنُرْسِلُ هَذَا. قَالَ: فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ طَوِيلُ الشَّارِبِ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، أَنْ يَجُزَّهُمَا. قَالَ: فَتَرَكَهُمَا بِضْعًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبَا إِلَى الَّذِي تَزْعُمُونَ أَنَّهُ رَبُّكُمَا، فَأَخْبِرَاهُ أَنَّ رَبِّي قَتَلَ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ رَبُّهُ، قَالاَ: مَتَى؟ قَالَ: الْيَوْمَ، قَالَ: فَذَهَبَا إِلَى بَاذَامَ فَأَخْبَرَاهُ الْخَبَرَ، قَالَ: فَكَتَبَ إِلَى كِسْرَى، فَوَجَدُوا الْيَوْمَ هُوَ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ كِسْرَى]

 

* وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج1/ص243/ح2184)، و[ط 2 الرسالة (4/69/2184)]، بإسناد صحيح على شرط الشيخين: [حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْهَاشِمِيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ وَابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَيَعْقُوبُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ صَالِحٍ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ بِكِتَابِهِ إِلَى كِسْرَى قَالَ فَدَفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ يَدْفَعُهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى قَالَ يَعْقُوبُ فَدَفَعَهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَحَسِبْتُ ابْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، بِأَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ]؛ وأخرجه الإمام البخاري في صحيحه ج1/ص36/ح64، ج3/ص1074/ح2781، ج4/ص2010/ح4202، ج6/ص2651/ح6836؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج1/ص305/ح2781؛ والنسائي في سننه الكبرى ج3/ص436/ح5859، ج5/ص266/ح8846؛ والبيهقي في سننه الكبرى ج9/ص177/ح18387؛ والبخاري في خلق أفعال العباد ج1/ص104؛ وهو في مسند أبي عوانة (4/271/6729م)؛ وشرح مشكل الآثار (1/448/515)، و(1/448/520)؛ وحديث أبي الفضل الزهري (ص: 133/68)؛ وشرح السنة للبغوي (12/279/3317)؛ والأموال للقاسم بن سلام (ص: 31/57)؛ الطبقات الكبرى [ط العلمية (4/144)، و[ط دار صادر (4/189)]، و[مكتبة الخانجي (4/177/5336)؛ وغيرهم.

 

* وأخرج الإمام البيهقي في سننه الكبرى (ج9/ص179/ح18389): [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن بعقوب حدثنا أحمد بن عبد الجبار حدثنا يونس بن بكير عن بن عون عن عمير بن إسحاق قال كتب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى كسرى وقيصر فأما قيصر فوضعه وأما كسرى فمزقه فبلغ ذلك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال أما هؤلاء فيمزقون وأما هؤلاء فستكون لهم بقية قال الشافعي رحمه الله ووعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الناس فتح فارس والشام]

 

* وجاء في مصنف ابن أبي شيبة [ط السلفية (14/338/37782)]: [حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَرْمَلَةَ الأَسْلَمِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، يَقُولُ: كَتَبَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، إلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَالنَّجَاشِيِّ: أَمَّا بَعْدُ، ﴿تَعَالَوْا إلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، أَلاَ نَعْبُدَ إلاَّ اللَّهَ، وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: (فَمَزَّقَ كِسْرَى الْكِتَابَ وَلَمْ يَنْظُرْ فِيهِ)، قَالَ نَبِيُّ اللهِ، صلى الله عليه وسلم: (مُزِّقَ وَمُزِّقَتْ أُمَّتُهُ)، فَأَمَّا النَّجَاشِيُّ فَآمَنَ، وَآمَنَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، يُهْدِيهِ حُلَّةً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم: (اُتْرُكُوهُ مَا تَرَكَكُمْ). وَأَمَّا قَيْصَرُ؛ فَقَرَأَ كِتَابَ رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: هَذَا كِتَابٌ لَمْ أَسْمَعْ بِهِ بَعْدَ سُلَيْمَانَ النَّبِيِّ: ﴿بسم الله الرَّحْمَن الرحيم﴾، ثُمَّ أَرْسَلَ إلَى أَبِي سُفْيَانَ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَكَانَا تَاجِرَيْنِ بِأَرْضِهِ، فَسَأَلَهُمَا عَنْ بَعْضِ شَأْنِ رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، وَسَأَلَهُمَا مَنْ تَبِعَهُ، فَقَالاَ: تَبِعَهُ النِّسَاءُ وَضَعَفَةُ النَّاسِ، فَقَالَ: أَرَأَيْتُمَا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ مَعَهُ يَرْجِعُونَ؟ قَالاَ: لاَ، قَالَ: هُوَ نَبِيٌّ، لَيَمْلِكَنَّ مَا تَحْتَ قَدَمِي، لَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَقَبَّلْتُ قَدَمَيْهِ]

 

فالقصة ثابتة في جوهرها، كما ترى، ثبوتاً يقينياً بنقل التواتر، لا ينكرها إلا مكابر وقح؛ إلا أن أهل السير والأخباريين لم يضبطوا التواريخ كما ينبغي، ولا عجب: فلم يكن هناك تقويم معلوم متفق عليه عند العرب، وحتى بعد اعتماد سنة الهجرة النبوية الشريفة بداية للتاريخ واعتبار المحرم هو أول شهور السنة، بقيت قلة من المؤرخين لا تحتسب السنة التي وقعت فيها الهجرة كسنة أولى، فكأنها سنة الصفر: وعليه تكون غزوة بدر في السنة الأولى، وأحد في الثانية، والأحزاب في الرابعة، وهكذا؛ بالإضافة إلى مشكلة النسيء، والتلاعب في أسماء الشهور عند العرب؛ واستخدام اليهود، وكذلك السريان، لنظام شمسي قمري مزدوج معقد؛ فقول الواقدي عن مقتل كسرى أبرويز: (وَهِيَ لَيْلَةُ الثُّلَاثَاءِ لِعَشْرِ لَيَالٍ مَضَيْنَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ سَبْعٍ)، وتبعه السهيلي في الروض الأنف [ت السلامي (1/185)]: [وَكَانَ مَقْتَلُ كِسْرَى حِينَ قَتَلَهُ بَنُوهُ لَيْلَةَ الثّلَاثَاءِ لِعَشْرِ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ سَبْعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ وَأَسْلَمَ بَاذَانُ بِالْيَمَنِ فِي سَنَةِ عَشْرٍ]: اجتهاد لا يعتد به. والصحيح ما ضبط في النقوش، والعملات المسكوكة، وفي السجلات الإمبراطورية الفارسية والبيزنطية حيث سجل مقتله يوم الأحد 28 فبراير 628م (بالتقويم اليولياني)، الموافق 20 شوال 6 هـ (بالتقويم الهجري القمري المعمول به اليوم). ويترتب على ذلك ضرورة أن الرسل الستة إنما أرسلوا إلى ملوك العرب والعجم في أوائل السنة السادسة الهجرية، بعد انصراف الأحزاب - وهو قول مروي معروف، قد ذكره إمام المغازي محمد بن إسحاق - وليس في أوائل السابعة الهجرية، مرجع النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، من الحديبية، كما هو المشهور.

ومما لا شك فيه أن قباد شيرويه (الكسرى الجديد ابن كسرى أبرويز) كتب فور جلوسه على العرش إلى ولاته وقواده، فخطابه وصل باذان في أوائل ذي القعدة، فأسلم باذان، وأبناء فارس (الأبناء) وجمع غفير من أهل اليمن من فورهم، وبعثوا بذلك في ساعته إلى النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأرسل إليهم وبر بن يُحنَّس الخزاعي، رضي الله عنه، فوراً في نفس السنة السادسة، في أيامها الأخيرة، بتوجيهات دقيقة لإنشاء المسجد الجامع بصنعاء، وتحديد قبلته:

* فقد قال الحافظ الرازي في كتابه (تاريخ صنعاء) أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما أرسل وبر بن يحنس إلى صنعاء في العام السادس الهجري قال له: (ادعهم إلى الإيمان فإن اطاعوا لك به فاشرع الصلاة فإذا أطاعوا لك بها فمر ببناء المسجد لهم في بستان باذان من الصخرة التي في أصل غُمْدَان واستقبل به الجبل الذي يقال له ضين)؛ وزاد الحافظ الرازي في موضع آخر: [جاء في كتاب النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى وبر (يبني حائط باذان مسجداً ويجعله من الصخرة إلى موضع جدره)]؛ وقال الحافظ الرازي أيضاً: [فلما ألقى اليهم وبر هذه الصفة في المسجد من النبي، صلى الله عليه وسلم: قدِم أبان بن سعيد فأسس المسجد على هذه الصفة في بستان باذان في أصل الصخرة واستقبل به ضيناً]؛

* وجاء تأكيد فقرة من ذلك في المعجم الأوسط (1/253/831): [حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الْحُلْوَانِيُّ قَالَ: حدثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ قَالَ: حدثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الذِّمَارِيُّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بُزْرَجَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ رُمَّانَةَ قَالَ: قَالَ وَبَرُ بْنُ يُحَنَّسَ الْخُزَاعِيُّ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «إِذَا بَنَيْتَ مَسْجِدَ صَنْعَاءَ، فَاجْعَلْهُ عَنْ يَمِينِ جَبَلٍ، يُقَالُ لَهُ: ضِينَ»]، ثم قال: (لَا يَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ وَبَرِ بْنِ يُحَنَّسَ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، تَفَرَّدَ بِهِ: عَبْدُ الْمَلِكِ الذِّمَارِيُّ)، إلا أن الأصل يقول: وَبَرِ بْنِ عِيسَى بدلاً من وَبَرِ بْنِ يُحَنَّسَ، وهو تصحيف. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (2/12): (رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ)؛

قلت: هو حسن الإسناد كما قال، إلا انه اختصار سيء مخل لكلام طويل، مثل: («إِذَا بَنَيْتَ مَسْجِدَ صَنْعَاءَ، فَاجْعَلْهُ [بصفة كذا وكذا] مستقبلاً الجَبَلٍ، الذي يُقَالُ لَهُ: ضِينَ»؛ قال وبر: (فها هو الآن في صنعاء عَنْ يَمِينِ جَبَلٍ ضِينَ، مستقبلاً له))

قول العرب: (الموضع الفلاني يمين المكان الفلاني) يعني في (الجنوب) منه، وذلك لأن الشرق – مطلع الشمس وما يصاحبها من دفء ونور - هو الاتجاه الأصلي الأساس عندهم. غير أنهم بالنسبة للأودية والأنهار يجعلون الاتجاه الأصلي الأساس أعلى الوادي: حيث ينزل المطر، ومنه الماء والحياة والخير: فبالنسبة لنهر النيل، مثلاً، يكون الشاطئ الغربي (حيث الجيزة والأهرامات) هو الشاطئ الأيمن، وبالعكس من ذلك تماماً: أنهار دجلة والفرات والأردن: شاطئها الأيمن هو الشرقي.

 

* وذكر الحافظ الرازي في كتابه (تاريخ صنعاء) رواية أخرى: [روي عن بعضهم قال: وجه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فروة بن مسيك المرادي إلى صنعاء ومخاليفها وحضرموت، وأمره أن يبني مسجد صنعاء ما بين القلعة الململمة الخضراء إلى غُمْدَان، فبناه]؛ كذا: (القلعة) وإنما هي صخرة: فهذه لعلها لغة لأهل اليمن؛ أو هي تصحيف لـ(جلمد)، أو: (جلمدة)، مثل: (جلمود)، وهو الصخرة الضخمة الصلبة.

قلت: هذا خلاف الروايات المشهورة عند جمهور المؤرخين الدالة على كون وبر بن يُحَنَّس، رضي الله عنه، هو المؤسس للمسجد في سنة ستة؛ كما أن فروة بن مسيك المرادي، رضي الله عنه، إنما أسلم في الثامنة أو التاسعة، وأقام في المدينة مدة يطلب العلم، وجاء اليمن في التاسعة أو العاشرة، وكانت له صولات وجولات مع الأسود العنسي الكذاب، وغيره من المرتدين، ولا يحضرني الآن أنه بعث لحضرموت. فإن كان لهذا أصل فلعله: [وجه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فروة بن مسيك المرادي إلى صنعاء ومخاليفها، وأمره أن يجدد (أو يوسع) مسجد صنعاء (الذي بناه وبر بن يحنس) بين الجلمدة الململمة الخضراء إلى غُمْدَان]

 

ومسجد صنعاء هذا الذي أسسه وبر بن يُحنَّس الخزاعي، رضي الله عنه، ما زال موجوداً ولم تكان مساحته عند تأسيسه آنذاك واسعة، بل كان مربع الشكل، طول ضلعه اثنا عشر متراً تقريباً، وفي أساساته بعض أحجار يرجح أنها أخذت من أنقاض قصر غُمْدَان. وقد أخضع للعديد من أعمال التوسعة وإعادة البناء والترميم، إلا أن أهل اليمن حرصوا أشد الحرص على المحافظة على حدود ومحراب المسجد الأصلي القديم الذي بناه الصحابي الجليل وبر بن يُحنَّس في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبتوجيهاته إلى يومنا هذا: فجعلوا لحدوده دعامتين مميزتين إحداهما تسمى المنقورة، وقد نقش عليها الاسم: (المنقورة) في الجانب الأيمن للمسجد الأصلي القديم؛ والثانية تمسى المسمورة، وقد نقش عليها الاسم: (المسمورة) وهي في الجانب الأيسر للمسجد الأصلي القديم. وهاتان البقعتان المحددتان بدعامتي المسمورة والمنقورة موجودة محددة معلومة، علم يقين، طوال التاريخ الإسلامي لليمن وإلى يومنا هذا في مؤخرة الجامع الكبير بصنعاء، وكذلك موقع المحراب القديم، والصخرة (الململمة) التي جاء ذكرها في كلام الحافظ الرازي. والجدير بالذكر ان التكوين المعماري للجامع الكبير بأبعاده الحالية ينطبق تقريباً على شكل الجامع الذي كان الخليفة الاموي الوليد بن عبد الملك (86 – 96 هـ) قد امر ببنائه. فمنذ ذلك العهد لم تحصل توسعة يعتد بها وإنما هي أعمال منشئات داخلية، كإنشاء الأروقة والمآذن والقباب وغير ذلك من المنشئات كالمبنى المكعب المقبب الكائن في الفناء والذي خطط له ان يكون مستودعاً لمخطوطات القرآن الكريم ولزيوت الاستصباح (وهو تبرع من الوالي العثماني سنان باشا عام 1020هـ)، وأعمال تجديد وترميم وإعادة تأهيل وتأثيث بعد بعض السيول الجارفة.

 

ولم يقتصر حرص أهل اليمن الشديد على المحافظة على آثار مسجد وبر بن يُحنَّس الخزاعي، رضي الله عنه، فقط؛ بل شمل أيضاً المصاحف والمخطوطات القديمة التي حافظوا عليها في صناديقها، ومخازنها العلوية (كتلك التي تكون على هيئة السرداب تحت سقوف الغرف مباشرة؛ ويسميها أهل الحجاز في زمننا هذا: دُقيسي). وربما تم البناء والتجديد والتجصيص حول تلك المخازن فغابت عن الأنظار لمئات السنين حتى وجد علماء الآثار بعضها في أيامنا هذه: كنوز أثرية لا تقدر بمال: منها مصحفان من أقدم مصاحف الدنيا تعود إلى القرن الهجري الأول كتبت على رقوق، اكتشف أحدهما في أواخر 2011م، وهو شبه تام، وفي حالة ممتازة؛ ومخطوطات أخرى ثمينة؛ وغير ذلك. وبالإضافة إلى ذلك فإن مكتبة الجامع تضم امهات الكتب في العلوم الشرعية، ومخطوطات اسلامية نادرة: فمكتبة الجامع الكبير هي أحد كنوز التراث الاسلامي الاصيل المنتشر في ربوع العالم الإسلامية، بل وفي كل أنحاء الدنيا.

وفي سنة 2006م اكتشف مجموعة من الباحثين بقيادة فضيلة الشيخ عبد المجيد الزنداني أن الخط الجيوديسي (والخط الجيوديسي هو أقصر خط على سطح الأرض المنحنية) بين الصخرة (الململمة) ومركز الكعبة المشرفة يمر، ضرورة، ولا بد بقمة جبل (ضين). وكان ذلك باستخدام برنامج جوجل إيرث الذي يستند إلى خرائط وصور الأقمار الصناعية، ويعتمد في حساباته الإهليلجي المعياري العالمي (WGS 84).

فما ذكره الحافظ الرازي هو إذاً تحديد واضح متناهي الدقة لما ينبغي أن تكون عليه قبلة المسجد. هذا والنبي، صلى الله عليه وسلم، لم يجاوز جنوب الطائف في حياته مطلقاً: فهو لم يصل اليمن، ولم ير في حياته صنعاء، ولا جبل ضين، ولا بستان باذان، ولا قصر غُمْدَان، ولم تكن هناك يومئذ خريطة معتبرة، ولا بوصلة ولا أقمار صناعية، ولم تكن كروية الأرض معلومة متفق عليها عند الفلاسفة وعلماء الطبيعيات، دع عنك أن شكل الأرض إنما هو إهليلجي دوراني (Ellipsoid)، كما هو معلوم اليوم، وحتى هذا إنما هو تقريب بدقة عالية، وإنما هو شكل معقد يسمَّى (Geoid)؛ ولم يكن علم القياسات الأرضية الحديث (Geodesy) قد نشأ بعد، ولا حتى بعد ذلك بألف سنة.

 

وكما أن دهشة اكتشاف أرشيميدس لقوانين الطفو جعلته يخرج من الحمام عارياً وهو يهتف: وجدتها، وجدتها؛ فلا لوم على فضيلة الشيخ عبد المجيد الزنداني وزملائه أن تستحوذ دهشة اكتشاف هذه الآية الباهرة على قلوبهم فسارعوا، قبل استكمال البحث بسد ثغراته وإشباع جميع جوانبه درساً ونقداً، إلى نشرها بعناوين مثيرة في صورة فيديو اشتهر، وطبق الآفاق، منها: الاقمار الصناعية تشهد أن محمدا رسول الله:

 http://www.youtube.com/watch?v=Qr_QvV2B5JQ

 

لذلك استخرنا الله في تفصيل الكلام عن هذه النبوءة، وإشباعها درساً ونقداً، مع إبطال الاعتراضات والشبهات التي أثارها (اللادينيون العرب) في موقعهم؛ وتلك التي أثارها أعداء الإسلام في موقعهم (http://wikiislam.net/wiki/Google_Earth_proves_Islam)، وهو أمر يطول جداً، في بحث مستقل منشور، فليراجع.

 

حقاً، وصدقاً، قطعاً ويقيناً: لا يمكن تفسير كل ذلك تفسيراً متماسكاً مقنعاً معقولاً:

(1)- أي تفسيراً «شاملاً» لكل تلك الحقائق آنفة الذكر،

(2)- و«متناسقاً»، أي خالياً من أي تناقض؛

لا سبيل إلى ذلك مطلقاً إلا بتصديق ما جاء في القرآن العظيم: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، (لأعراف؛ 7: 158)، وقال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾، (الأنعام؛ 6: 130)، وقال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، (لأعراف؛ 7: 35)، وقال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً﴾، إلى قوله: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾، (الجـن؛ 72: 1 - 15)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، (آل عمران؛ 3: 85).

 

مما سبق يظهر يقيناً أن النبوة بعامة حق، وأن نبوة مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي العدناني العربي الأمَّي، حق لا يشك فيها إلا من مسخ الله عقله، وغلبت عليه شقوته، فأبى إلا أن يحتجز قراراً بئيساً في نار جهنم، حيث التعاسة الأبدية، واللعنة السرمدية، بدلاً من السعادة والمسرّة الأبدية في دار السلام: ﴿... فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾، (القمر؛ 54: 54 - 55).

 

هذا هو، على الاختصار الشديد، البرهان العقلي على «التوحيد» الإسلامي، أي على «شهادة أن لا اله إلا الله، وأن مُحَمَّداً رسول الله»، أما إشباع ذلك بحثاً، مع تمام الرد على الماديين، والوضعيين المنطقيين، والطبائعيين، وكذلك المبتدعة الكفرة الضُلّال من اليهود والنصارى، وغيرهم من فِرق الكفر والضلالة، فذلك يتطلب كتاباً مستقلاً، نسأل الله فسحة في العمر، وسعة في الوقت والصحة والمال لإنجازه، لا إله إلا هو عليه نتوكل، وبه نتأيد، وإليه ننيب.

 

حزب التجديد الإسلامي 2020