كتاب التوحيد - الباب الثالث: قضايا أصولية وعقدية مهمة

الفهرس

 

القسم الأول: أصول الدين وقواعده

الباب الثالث: قضايا أصولية وعقدية مهمة

فصل: مُحَمَّد رسول الله وخاتم النبيين، لا نبي بعده ولا رسول

فصل: تفضيله، صلوات الله عليه وعلى آله، وعلى جميع النبيين

فصل: نسخ الشرائع السابقة ببعثته، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، نسخاً نهائياً تاماً مطلقاً

فصل: «لو أصبح موسى فيكم حيا اليوم فاتبعتموه وتركتموني لضللتم»

فصل: النهي عن كثرة السؤال

فصل: الأصل في الأشياء، أعياناً وأفعالاً وأقوالاً، الإباحة

فصل: هل الأصل في (العبادات) الحظر؟!

فصل: هل ما (تركه) النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، تركناه؛ وهل هناك سنّة تَرْكِيّة؟!

فصل: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)

فصل: الإسلام دين كامل

فصل: مُحَمَّد، صلى اله عليه وعلى آله وسلم: ﴿يحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث﴾

فصل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء﴾

 

 

الباب الثالث: قضايا أصولية وعقدية مهمة

 

فصل: مُحَمَّد رسول الله وخاتم النبيين، لا نبي بعده ولا رسول

* قال الله، جل ذكره، وتقدست أسماؤه: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّد أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً، (الأحزاب: 33: 40).

 

ومعنى الآية أوضح من الشمس لذلك اختصره الإمام الطبري في «تفسيره»، (20/278)، اختصاراً: [القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّد أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً، يقول تعالى ذكره ما كان أيها الناس مُحَمَّد أبا زيد بن حارثة ولا أبا أحد من رجالكم الذين لم يلده مُحَمَّد فيحرم عليه نكاح زوجته بعد فراقه إياها، ولكنه رسول الله، وخاتم النبيين، الذي ختم النبوة فطبع عليها، فلا تفتح لأحد بعده إلى قيام الساعة، وكان الله بكل شيء من أعمالكم ومقالكم وغير ذلك ذا علم لا يخفى عليه شيء. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك:

ــ حدثتا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد عن قتادة قوله ما كان مُحَمَّد أبا أحد من رجالكم قال: نزلت في زيد إنه لم يكن بابنه ولعمري ولقد ولد له ذكور إنه لأبو القاسم وإبراهيم والطيب والمطهر ولكن رسول الله وخاتم النبيين أي آخرهم وكان الله بكل شيء عليما

 ــ حدثني مُحَمَّد بن عمارة قال: حدثنا علي بن قادم قال: حدثنا سفيان عن نسير بن ذعلوق عن علي بن الحسين في قوله: ما كان مُحَمَّد أبا أحد من رجالكم قال: نزلت في زيد بن حارثة والنصب في رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بمعنى تكرير كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والرفع بمعنى الاستئناف، ولكن هو رسول الله والقراءة النصب عندنا. واختلفت القراء في قراءة قوله: وخاتم النبيين، فقرأ ذلك قراء الأمصار سوى الحسن وعاصم بكسر التاء من خاتم النبيين، بمعنى أنه ختم النبيين، ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله ولكن نبيا ختم النبيين، فذلك دليل على صحة قراءة من قرأه بكسر التاء، بمعنى أنه الذي ختم الأنبياء، صلى الله عليه وسلم وعليهم. وقرأ ذلك فيما يذكر الحسن وعاصم خاتم النبيين بفتح التاء، بمعنى أنه آخر النبيين، كما قرأ مختوم خاتمه مسك بمعنى آخره مسك من قرأ ذلك].

ولم يكن يخطر للطبري على بال، ولا على بال غيره من علماء تلك العصور السالفة، أن ينشأ نقاش حول معنى لفظة: «خاتم»، لأن لها معنى واحداً لا غير، ألا وهو: الطبع والإغلاق والإقفال والإنهاء وما تؤول إليه الأمور في العاقبة، أي في أواخرها، ونحو ذلك، لا تعرف العرب لها معنىً سواه.

ومادة «ختم» الثلاثية قد استخدمها القرآن، في غير هذا المكان، في سبع مواضع إليكها بترتيب المصحف، والقرآن خير ما يفسّره القرآن:

(1) قال الله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ... الآية﴾، (البقرة: 2: 7).

(2) وقال، جل ذكره: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ ... الآية﴾، (الأنعام: 6: 46).

(3) وقال، تقدست أسماؤه: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ ... الآية﴾، (يس: 36: 65).

(4) وقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ ... الآية﴾، (الشورى: 42: 24).

(5) وقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَة ... الآية﴾، (الجاثية: 45: 23).

(6) وقال: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ، (المطففين: 83: 25).

(7) وقال: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ، (المطففين: 83: 26).

والإمام الطبري حجة في اللغة، وهو من علمائها المبرّزين، مع إمامته في التفسير، والحديث، وكونه مجتهداً مطلقاً. وقد أفاض في مناقشة لفظة «ختم»، عند مجيئها المرة الأولى بترتيب المصحف، فذكر المعنى اللغوي الوحيد باختصار، ثم أطال في مناقشة مسائل: «الهدى والضلال»، و«طغيان الذنوب على القلب» ... إلخ، فقال:

* بخصوص الآية الأولى في «تفسيره»، (1/258): [القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ، وأصل الختم الطبع والخاتم هو الطابع يقال: منه ختمت الكتاب إذا طبعته، فإن قال لنا قائل: وكيف يختم على القلوب وإنما الختم طبع على الأوعية والظروف والغلف؟ قيل: فإن قلوب العباد أوعية لما أودعت من العلوم، وظروف لما جعل فيها من المعارف بالأمور. فمعنى الختم عليها وعلى الأسماع التي بها تدرك المسموعات ومن قِبَلها يوصل إلى معرفة حقائق الأنباء عن المغيبات نظير معنى الختم على سائر الأوعية والظروف. فإن قال: فهل لذلك من صفة تصفها لنا فنفهمها، أهي مثل الختم الذي يعرف لما ظهر للأبصار أم هي بخلاف ذلك؟ قيل: قد اختلف أهل التأويل في صفة ذلك وسنخبر بصفته بعد ذكرنا قولهم:

فحدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي قال: حدثنا يحيى بن عيسى عن الأعمش قال: أرانا مجاهد بيده فقال: كانوا يرون أن القلب في مثل هذا، يعني الكف، فإذا أذنب العبد ذنبا ضم منه، وقال بإصبعه الخنصر هكذا، فإذا أذنب ضم وقال بإصبع أخرى، فإذا أذنب ضم وقال بإصبع أخرى هكذا، حتى ضم اصابعه كلها، قال: ثم يطبع عليه بطابع، قال مجاهد، وكانوا يرون أن ذلك الرّين.

حدثنا أبو كريب قال: حدثنا وكيع عن الأعمش عن مجاهد قال: القلب مثل الكف فإذا أذنب ذنبا قبض أصبعا حتى يقبض أصابعه كلها، وكان أصحابنا يرون أنه الرّان.

حدثنا القاسم بن الحسن قال: حدثنا الحسين بن داود قال: حدثني حجاج قال: حدثنا ابن جريج قال: قال مجاهد: نُبئت أن الذنوب على القلب تحف به من نواحيه حتى تلتقي عليه، فالتقاؤها عليه الطبع، والطبع الختم. قال ابن جريج: الختم، الختم على القلب والسمع.

حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين حدثني حجاج عن ابن جريج قال: حدثني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدا يقول: الران أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الاقفال، والإقفال أشد ذلك كله ... إلخ].

 

* أما بخصوص الآية الثانية فقد قال في «تفسير الطبري»، (11/365): [القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ، يقول تعالى ذكره لنبيه مُحَمَّد، صلى الله عليه وسلم، قل يا مُحَمَّد لهؤلاء العادلين بي الأوثان والأصنام المكذبين بك: أرأيتم أيها المشركون بالله غيره إن أصمّكم الله فذهب بأسماعكم وأعماكم فذهب بأبصاركم وختم على قلوبكم فطبع عليها حتى لا تفقهوا قولا ولا تبصروا حجة ولا تفهموا مفهوما، أي إله غير الله الذي له عبادة كل عابد يأتيكم به يقول يرد عليكم ما ذهب الله به منكم من الأسماع والأبصار والأفهام؟... إلخ]. فأنت ترى أنه لم يخصّص للفظة «ختم» إلا نصف جملة عابرة، فاكتفى في تفسيرها بلفظة مرادفة هي: «طبع»، وهي في الواقع أشد إذ أنها: طبع مع إنهاء بعد إقفال وإغلاق.

 

* وبخصوص الآية الثالثة قال في «تفسير الطبري»، (20/544): [القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، يعني تعالى ذكره بقوله: اليوم نختم على أفواههم، اليوم نطبع على أفواه المشركين، وذلك يوم القيامة، وتكلّمنا أيديهم بما عملوا في الدنيا من معاصي الله وتشهد أرجلهم... إلخ]. وهذا كسابقه في الاختصار.

 

* أما بخصوص الآية الرابعة فقد قال في «تفسير الطبري»، (21/531): [القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، يقول تعالى ذكره: أم يقول هؤلاء المشركون بالله افترى مُحَمَّد على الله كذبا فجاء بهذا الذي يتلوه علينا اختلاقا من قبل نفسه، وقوله: فإن يشاء الله يا محمد يطبع على قلبك فتنس هذا القرآن الذي أنزل إليك... إلخ].

 

* أما بخصوص الآية الخامسة وهي: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ، فقد قال في «تفسير الطبري»، (22/76): [وقوله: وختم على سمعه وقلبه، يقول تعالى ذكره: وطبع على سمعه أن يسمع مواعظ الله وآي كتابه فيعتبر بها ويتدبرها ويتفكر فيها فيعقل ما فيها من النور والبيان والهدى، وقوله: وقلبه، يقول وطبع أيضا على قلبه فلا يعقل به شيئا ولا يعي به حقا].

 

* وبخصوص الآيتين الأخيرتين السادسة والسابعة فقد أطال في «تفسير الطبري» لوقوع الاختلاف بين المفسرين فقال، (24/295): [وقوله: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ، يقول يسقى هؤلاء الأبرار من خمر صرف لا غش فيها، وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل]، وبعد أن ذكر نحو عشرة أسانيد، كلها متفق على أن الرحيق هي «الخمر»، قال: [وأما قوله: ﴿مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: معنى ذلك ممزوج مخلوط مزاجه وخلطه مسك. ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن حميد قال: حدثنا مهران عن سفيان عن أشعث بن أبي الشعثاء عن يزيد بن معاوية وعلقمة عن عبد الله بن مسعود، ختامه مسك قال: ليس بخاتم، ولكن خلط.

حدثنا ابن بشار قال: حدثنا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن قالا: حدثنا سفيان عن أشعث بن سليم عن يزيد بن معاوية عن علقمة عن عبد الله بن مسعود، ختامه مسك، قال: أما إنه ليس بالخاتم الذي يختم، أما سمعتم المرأة من نسائكم تقول طيب كذا وكذا خلطه مسك.

حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال: حدثنا أيوب عن أشعث بن أبي الشعثاء عمن ذكره عن علقمة في قوله: ختامه مسك، قال: خلطه مسك.

حدثنا أبو كريب قال: حدثنا وكيع عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله، مختوم، قال: ممزوج ختامه مسك، قال: طعمه وريحه.

قال: حدثنا وكيع عن أبيه عن أشعث بن أبي الشعثاء عن يزيد بن معاوية عن علقمة، ختامه مسك، قال: طعمه وريحه مسك؛

وقال آخرون: بل معنى ذلك أن آخر شرابهم يختم بمسك يجعل فيه. ذكر من قال ذلك:

حدثني علي قال: حدثنا أبو صالح قال: حدثني معاوية عن علي عن ابن عباس قوله: رحيق مختوم ختامه مسك، يقول: الخمر ختم بالمسك.

حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس، ختامه مسك، قال: طيب الله لهم الخمر، فكان آخر شيء جُعل فيها، حتى تُختم، المسك.

حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد عن قتادة، ختامه مسك، قال: عاقبته مسك، قوم تمزج لهم بالكافور وتختم بالمسك.

حدثنا ابن عبد الأعلى قال: حدثنا ابن ثور عن معمر عن قتادة، ختامه مسك، قال: عاقبته مسك.

حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ يقول: حدثنا عبيد قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ختامه مسك، قال: طيّب الله لهم الخمر فوجدوا فيها في آخر شيء منها ريح المسك.

حدثنا ابن عبد الأعلى قال: حدثنا حاتم بن وردان قال: حدثنا أبو حمزة عن إبراهيم والحسن في هذه الآية: ختامه مسك، قال: عاقبته مسك.

حدثنا ابن حميد قال: حدثنا يحيى بن واضح قال: حدثنا أبو حمزة عن جابر عن عبد الرحمن بن سابط عن أبي الدرداء: ختامه مسك، فالشراب أبيض مثل الفضة يختمون به شرابهم، ولو أن رجلا من أهل الدنيا أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد طيبها.

وقال آخرون عني بقوله: مختوم مطين، ختامه مسك طينه: مسك. ذكر من قال ذلك:

حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى وحدثني الحرث قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله: مختوم ختامه مسك، قال: طينه مسك.

حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله مختوم: الخمر ختامه مسك، ختامه عند الله مسك، وختامها اليوم في الدنيا طين.

وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب قول من قال معنى ذلك: آخره وعاقبته مسك أي هي طيبة الريح إن ريحها في آخر شربهم يختم لها بريح المسك. وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال في ذلك بالصحة لأنه لا وجه للختم في كلام العرب إلا: الطبع والفراغ، كقولهم ختم فلان القرآن إذا أتى على آخره، فإذا كان لا وجه للطبع على شراب أهل الجنة يُفهم، إذا كان شرابهم جاريا جري الماء في الأنهار ولم يكن معتقا في الدنان، فيطيّن عليها وتختم، تَعيّن أن الصحيح من ذلك الوجه الآخر، وهو العاقبة والمشروب آخراً وهو الذي ختم به الشراب. وأما الختم بمعنى المزج فلا نعلمه مسموعا من كلام العرب]، انتهى النص المنقول من «تفسير الطبري».

 

وأنت ترى أن الطبري يحب الاستطراد والتطويل كلما سنحت له الفرصة، ومع ذلك لم يجد لهذه اللفظة: «ختم» إلا معنى «طبع عليه»، أو «أغلقه»، أو «أنهاه» أو «فرغ منه»، ولم يجد غير ذلك مطلقاً في كلام العرب، لذلك رجح في الآيات الأخيرة أن معنى: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ يعني عاقبته ونهايته التي يصير إليها مسكاً طيباً، لا كخمر الدنيا، التي تفوح رائحة كريهة من فم شاربها. وهذا المعنى اليتيم هو الوحيد الذي ذكره صاحب «مختار الصحاح»، كما يظهر من نصه التالي:

* وفي «مختار الصحاح»، (1/83)، عند مادة (خ ت م): [خَتَم الشيء من باب ضرب، فهو مَخْتُومٌ ومُخَتَّم، شُدّد للمبالغة، وخَتَمَ الله له بخير، وختم القرآن: بلغ آخره، واخْتَتَمَ الشيء ضد افتتحه، والخَاتَمُ، بفتح التاء وكسرها، والخَيْتامُ، والخَاتَامُ، كله بمعنى، والجمع الخَوَاتِيمُ، وتَخَتَّمَ: لبس الخاتم. وخاتِمةُ الشيء: آخره. ومُحَمَّد، صلى الله عليه وسلم، خاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والخِتَامُ: الطين الذي يختم به. وقوله تعالى: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ، أي آخره، لأن آخر ما يجدونه رائحة المسك].

 

نعم، هناك لفظة «تَخَتَّم» بمعنى لبس الخاتم، ولكن الخاتم إنما سمِّيَ كذلك لأنه كان في الأصل يستخدم للطبع على الظروف والرسائل التي يبعث بها الملوك، فيغلقونها بالشمع الأحمر، ثم يطبعون بالخاتم عليها، فلا يفتح إلا بكسر الخاتم، ولا يمكن العبث بمحتوياته، إلا وانكشف ذلك وظهر. ثم أصبحت الخواتم بعد ذلك زينة، تلبس في الأصابع، وإن كان بعضها ما زال يستخدم للتواقيع وإغلاق الظروف، في بقاع كثيرة، خصوصاً في البادية، بل وبعض الحاضرة، في جزيرة العرب، حتى يومنا هذا.

 

ويكفيك من هذا كله تفسير روح الله، وكلمته، السيد الوجيه المقرب المسيح عيسى بن مريم، عليه وعلى والدته أزكى الصلاة وأتم التسليم، لهذه اللفظة، يوم القيامة: (أرأيتم لو كان متاع في وعاء قد ختم عليه هل كان يقدر على ما في الوعاء حتى يفض الخاتم؟! فيقولون: لا، قال: فإن مُحَمَّداً، صلى الله عليه وسلم، خاتم النبيين)» كما أخبرنا بذلك رسول الله، مُحَمَّد، خاتم النبيين، عليه وعلى آله الصلاة والسلام:

* كما جاء في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»، (ج3/ص247/ح13615)، بأصح إسناد تقوم به الحُجة في الدّين كما تقوم به الحُجة في اللغة: [حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت عن أنس أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «يطول يوم القيامة على الناس فيقول بعضهم لبعض انطلقوا بنا إلى آدم أبي البشر فيشفع لنا إلى ربنا، عز وجل، فليقض بيننا، فيأتون آدم فيقولون: يا آدم أنت الذي خلقك الله بيده وأسكنك جنته فاشفع لنا إلى ربك فليقض بيننا، فيقول: إني لست هناكم ولكن ائتوا نوحا رأس النبيين، فيأتونه فيقولون: يا نوح اشفع لنا إلى ربك فليقض بيننا، فيقول: إني لست هناكم ولكن ائتوا إبراهيم خليل الله عز وجل، فيأتونه فيقولون: يا إبراهيم اشفع لنا إلى ربك فليقض بيننا، فيقول: إني لست هناكم ولكن ائتوا موسى الذي اصطفاه الله، عز وجل، برسالاته وبكلامه، قال: فيأتونه فيقولون: يا موسى اشفع لنا إلى ربك، عز وجل، فليقض بيننا، فيقول إني لست هناكم ولكن ائتوا عيسى روح الله وكلمته، فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى اشفع لنا إلى ربك فليقض بيننا، فيقول: إني لست هناكم ولكن ائتوا مُحَمَّدا، صلى الله عليه وسلم، فإنه خاتم النبيين، فإنه قد حضر اليوم وقد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيقول عيسى: (أرأيتم لو كان متاع في وعاء قد ختم عليه، هل كان يقدر على ما في الوعاء حتى يفض الخاتم؟! فيقولون: لا، قال: فإن مُحَمَّداً، صلى الله عليه وسلم، خاتم النبيين)»، قال: فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «فيأتوني فيقولون: يا مُحَمَّد اشفع لنا إلى ربك فليقض بيننا، قال: فأقول: نعم، فآتي باب الجنة فآخذ بحلقة الباب فاستفتح فيقال: من أنت؟ فأقول: محمد، فيفتح لي فأخر ساجدا فاحمد ربي، عز وجل، بمحامد لم يحمده بها أحد كان قبلي ولا يحمده بها أحد كان بعدي، فيقول: ارفع رأسك وقل يسمع منك وسل تعطه واشفع تشفّع، فيقول: أي رب أمّتي - أمّتي، فيقال: أخرج من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان، قال: فأخرجهم ثم أخر ساجدا فاحمده بمحامد لم يحمده بها أحد كان قبلي ولا يحمده بها أحد كان بعدي، فيقال لي: ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفّع، فأقول أي رب أمّتي – أمّتي، فيقال: أخرج من كان في قلبه مثقال برة من إيمان، قال: فأُخرجهم، قال: ثم أخر ساجدا فأقول مثل ذلك، فيقال: من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، قال: فأخرجهم»].

 

* وجاء في مسند الحارث كما هو عند الهيثمي في (الزوائد) (ج2/ص1012/ح1135) من طريق ثانية، بإسناد لا بأس به: [حدثنا العباس بن الفضل حدثنا حماد بن سلمة حدثني علي بن زيد عن أبي نضرة عن بن عباس قال: خطب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: إذا كان يوم القيامة طال على الناس الحساب] فساق الحديث بنحوه إلى أن قال: [ولكن ائتوا عيسى فإنه يشفع لكم إلى ربكم فيأتونه فيقولون: أنت روح الله وكلمته فاشفع لنا إلى ربك فليحاسبنا فقد طال علينا الحساب، فيقول: (إني لست هناك: إني عُبدت من دون الله؛ ولكن أرأيتم لو كان متاع في وعاء عليه خاتم ثم كان يوصل الى ذلك المتاع حتى يفك الخاتم، فأتوا محمدا، صلى الله عليه وسلم، فإنه خاتم النبيين)؛.. إلخ]

 

ونحن كذلك نقول: صدق الله، وصدق رسله، آمنا بالله ورسله، نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، خاتم الأنبياء والمرسلين، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وروح منه، وكلمته ألقاها إلى مريم، الصديقة العذراء البتول، وأن الجنّة حق، وأن النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. كفرنا وتبرأنا من مسيلمة العربي الحنفي الكذاب، والأسود العنسي العربي اليمني الكذاب، والبهاء الفارسي الكذاب، والقادياني الهندي الكذاب، وغيرهم من الكذابين الدجالين: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ قَالَ: أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾، (الأنعام؛ 6: 93).

 

ومن هذا يتبين يقيناً، لا شك فيه، أن لفظة: «خاتم النبيين» لا يمكن أن تعني إلا أنه آخرهم، بل هي أقوى من ذلك في الدلالة: فكأن النبوة وعاء أغلق وطبع عليه، فلا يخرج منه أحد، ولا يدخله أحد، إلى قيام الساعة الكبرى. فنبوة الأنبياء السابقين ثابتة لا تزول إلى أبد الأبد، فلا يتصور زوال تلك الصفة عنهم أبداً، ومُحَمَّد آخرهم، ولا تزول عنه هذه الصفة إلى أبد الأبد، وليس بعده نبي جديد يأتي إلى أبد الأبد. وليس من معانيها أنه شاهد على نبوتهم فحسب، وهو والله كذلك، ولا أنه مصدّق لهم، وهو والله كذلك، ولا أنه تشريف لهم، وهو والله كذلك، لأن لفظة «ختم» لا ترد في العربية بشيء من ذلك مطلقاً. وتلك المعاني إنما ثبتت له، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، من نصوص أخرى غير هذه.

 

ففي الآية وحدها الدليل اليقيني القاطع، الذي يكفر منكره، بأن مُحَمَّداً، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، هو آخر النبيين وخاتمهم، لا نبي بعده ولا رسول، فمن ادّعى ذلك بعده فهو دجال كاذب، لا فرق بين مسيلمة الحنفي العربي العدناني الكذاب، ولا الأسود العنسي العربي القحطاني الكذاب، ولا «البهاء» العجمي الفارسي الكذاب، ولا غلام أحمد القادياني العجمي الهندي الكذاب، ولا غيرهم ممن سلف، أو سيأتي في مستقبل الأيام، بما في ذلك عدو الله وعدو رسله، مسيح الضلالة: المسيح الدجال الأكبر، وهو لم يأت بعد عند كتابة هذه السطور. كلّهم كذَب، أو سيكذب، على الله، وكلّهم عدو لله، وكلّهم عليه لعنة، ومقت، وسخط، وغضب من الله.

 

أما الأنبياء السابقون، ومنهم سيدنا المسيح عيسى بن مريم، مسيح الله المهدي، سيد الوجاهة والمجد، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى والدته، فهم في «وعاء» النبوة، وإن شئت فقل: في «سجل» الأنبياء، قبل الختم عليه وإغلاقه، وكل واحد منهم نبي كما كان، وهو نبي الآن، ولو عاد إلى الدنيا فهو نبي كما كان، نبوته قديمة سابقة على ختم النبوات، وليست هي جديدة حادثة بعد ذلك.

 

ولما كانت شرائعهم قد نسخت، وأممهم بوصفها أمم رسالة قد انقرضت، كما سيأتي بيانه وإقامة البراهين القاطعة عليه قريباً، فإن من عاد منهم سيعود، لا محالة فرداً من أفراد هذه الأمة المُحَمَّدية الخاتمة، ولا يسعه إلا أن يتبع الرسالة الآخرة، ويطبق الشريعة المُحَمَّدية الخاتمة، كما سيكون الحال عند عودة سيدنا المسيح عيسى بن مريم، عليه وعلى والدته صلوات وتسليمات وتبريكات من الله. هذا هو الحق الذي قامت عليه قواطع الأدلة، وهو الذي لا يجوز اعتقاد غيره لمن آمن بالله واليوم الآخر، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين.

 

ولكن الله، جلّت قدرته، علم أن هناك من يجادل ويكابر، فألهم نبيه الخاتم، مُحَمَّد بن عبد الله الهاشمي العربي، عليه وعلى آله أتم صلاة وأزكى تسليم، مزيد إيضاح وبيان، بأنواع متباينة من الألفاظ والتعبيرات، فمن ذلك قوله: «لا نبي بعدي»، أو قوله: «وإني خاتم الأنبياء لا نبي بعدي»، أو قوله: «ليس بعدي نبي، أو قوله: «إني آخر الأنبياء وأنتم آخر الأمم»، أو قوله: «لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم»، أو قوله، أن له أسماء، منها: «العاقب، أي الذي ليس بعده نبي»، أو قوله: «إني آخر الأنبياء، وإن مسجدي آخر المساجد»، أو قوله: «بعثت أنا والساعة هكذا وأشار بأصبعيه»، وحديث الشفاعة الكبرى، وقد مضى ما يقوله سيدي المسيح بن مريم يومئذ، ويقول الناس: «يا مُحَمَّد أنت رسول الله خاتم الأنبياء، غفر الله لك ذنبك، ما تقدم منه وما تأخر: اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه؟! ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟!»، وحديث البيت الذي اكتمل، إلا من موضع لبنة، وتساؤل الناس عن ذلك، فقال: «فأنا اللّبنة وأنا خاتم النبيين»، وتأكيده أن النبوة قد انقطعت، ولم يبق إلا المبشرات، وهي الرؤيا الصالحة، فقال: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات»، وغيرها من الثابت عنه بأصح الأسانيد عن كل من: أبي هريرة، وسعد بن أبي وقاص، وأسماء بنت عميس، وأم المؤمنين أم سلمة، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وثوبان، وحذيفة بن اليمان، وفاطمة بنت قيس، وأبي أمامة الباهلي، وعبد الله بن عمرو بن العاصي، وجبير بن مطعم، وأنس بن مالك، وابن عباس، وأبي الطفيل، وعائشة أم المؤمنين، وأم كرز الكعبية، وعبد الله بن أبي أوفى، وعبد الله بن مسعود، والعرباض بن سارية السلمي، وعقبة بن عامر، وجابر بن عبد الله، رضوان الله وسلامه عليهم جميعاً، بأصح ما تكون الأسانيد، كل إسناد منه حجة بمفرده، فكيف بمجموعها؟! وقد جاء أيضاً عن غيرهم: سهل بن سعد، ومحمد بن عدي بن كعب، والنعمان بن بشير.

 

كما جاء ذلك كله في مناسبات متباينة متعددة، يستحيل عقلاً أن يكون هناك تواطؤ على افترائها، وهذا أقوى تواتر في الدنيا وأوضحه، لا يشك فيه إلا من ارتفع عنه القلم، ولحق بالمعتوهين والمجانين. وقد سردنا النصوص بأسانيدها، مع دراسة بعض تلك الأسانيد عند اللزوم، في رسلتنا المسمَّاة: «ختم النبوة»، وحررناها تحريراً، فلله الحمد والمنّة.

 

وإجماع الصحابة على ختم النبوة، أي أن مُحَمَّداً هو آخر الأنبياء والمرسلين، لا نبي بعده ولا رسول، وقتالهم أشد القتال لمن ادعاها، فأقام سلطاناً، وسل السيف لفرضها، معلوم بضرورة من التاريخ، يقر به كل مسلم وكافر، ولم ينقل عن أحد منهم قط، ولا حتى في رواية مكذوبة، أنه سأل متنبئاً عن برهان أو دليل، لأن البرهان القاطع قد قام على كذبه، لحظة تفوُّهه بذلك البهتان العظيم، هذا إجماع متيقَّن، لا يوجد في العالم إجماع أصح منه، لا عند المسلمين ولا عند غيرهم، بل تناقله عوام المسلمين مشافهة خلفاً عن سلف، يتناقلونه نقل كواف عن سلفهم، فلا يحتاجون فيه إلى مراجعة عالم، أو تصفح كتاب، أو مناقشة أسانيد.

 

فصل: تفضيله، صلوات الله عليه وعلى آله، وعلى جميع النبيين

لقد فضّل الله، جل ذكره، رسوله النبي الأمي الخاتم، بأبي هو وأمي، على جميع الأنبياء السابقين، وميّزه عليهم فخصّه بخصال لم تكن لأحد منهم:

ــ ختم به النبيون: فلا نبي بعده ولا رسول إلى يوم القيامة، وقد حررنا هذا في فصل سابق، وأشبعناه بحثاً في رسالة خاصة.

ــ وجعلت له الأرض مسجداً وطهوراً، فحيث ما أدركت الصلاة أحداً من أمته فثم مسجده، وثم طهوره، وكانت الأمم السابقة لا تصلي إلا في معابد وصوامع وكنائس وبيع مجهزة مخصوصة.

 ــ ونصره بالرعب على مسيرة شهر من حواليه، ولا زالت أمّته تستمتع ببعض هذه المزية حتى في أضعف عصورها، والرعب والهلع يدب في قلوب الجيوش اللجبة التي تمتلك الأسلحة النووية إذا قابلوا في ميدان المعركة حفنة من «الإرهابيين»، كما يسمونهم، مع كونهم لا يمتلكون إلا السلاح الخفيف.

 ــ وأحل الله له ولأمته الغنائم يتموّلونها ويتقوَّون بها، وكانت الأمم السابقة تقدمها قرابين فتحرقها.

 ــ وخصّه بالشفاعة العظمى لجميع الخلائق في مقام يحمده فيه الأولون والآخرون.

 ــ ويعقد له لواء الحمد يوم القيامة فيكون النبيون من آدم ومن بعده تحت لوائه.

 ــ وأعطي دعوة مستجابة فجعلها الشفاعة لأمته يوم القيامة في حين تعجَّل الأنبياء السابقون، صلوات الله وسلامه عليهم، دعوتهم في الدنيا.

 ــ وأعطي جوامع الكلم: فيقول الجملة الواحدة التي تحتوي المعاني والأحكام الكثيرة، واختصر له الكلام اختصاراً، فلا فضول ولا هذر.

 ــ وأرسل إلى الناس كافة، بل إلى الجن والإنس، وكان النبيون قبله يرسلون إلى قومهم أو قريتهم خاصة لا يتجاوزونها.

إلى غير ذلك من خصائصه العظمى ومراتبه العليا ومقاماته السامية الكريمة، التي جعلته إمام الأنبياء، وأفضل المرسلين، عليه وعلى آله من الله أعظم الصلوات وأكثر البركات وأتم التسليم، بأبي هو وأمي.

وأما كونه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، رسول الله إلى الناس جميعا، أحمرهم وأسودهم، فمعلوم علم يقين لا يتطرق إليه الشك بالدليل القاطع ثبوتاً ودلالة:

* فقد قال، تعالى ذكره، وجل جلاله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، (الأعراف؛ 7: 158).

* وقال، جل وعز: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، (سبأ؛ 34: 28).

 

* وأخرج البخاري في الصحيح، (ج4/ص1701/ح4364)، بأقوى الأسانيد: [حدثنا عبد الله حدثنا سليمان بن عبد الرحمن وموسى بن هارون قالا: حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا عبد الله بن العلاء بن زبر حدثني بسر بن عبيد الله حدثني أبو إدريس الخولاني قال: سمعت أبا الدرداء رضي الله عنه يقول: كانت بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما محاورة، فأغضب أبو بكر عمر، فانصرف عنه عمر مغضبا فأتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه، فأقبل أبو بكر إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال أبو الدرداء: ونحن عنده، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أما صاحبكم هذا فقد غامر- أي غاضب- وحاقد. قال: وندم عمر على ما كان منه فأقبل حتى سلم وجلس إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، وقص على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الخبر قال أبو الدرداء، فغضب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وجعل أبو بكر يقول: والله يا رسول الله لأنا كنت أظلم، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: هل أنتم تاركو لي صاحبي؟ إني قلت: «يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت»]؛ وأخرجه البخاري في صحيحه (ج3/ص1339/ح3461)؛ والإمام عبد الله بن أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة (ج1/ص241/ح297)، (ج1/ص349/ح502)؛ والطبراني في مسند الشاميين (ج2/ص208/ح1199)، (ج1/ص448/ح789)؛ والطبراني في المعجم الكبير (ج12/ص372/ح13383)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج10/ص236/ح20884)؛ وغيرهم.

كل هذا معلوم من الدّين بالضرورة، بل هو معلوم لأكثر الكفار أيضاً أنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، ادعى ذلك لنفسه، وكتب إلى الملوك والجبابرة يدعوهم إلى طاعته واتباعه. هذه حقيقة واضحة، وبديهية تاريخية لا يتطرق إليها الشك، ولو ذهبنا نستقصي مفرداتها لملأنا المجلدات.

ولكن قد يقول قائل: لعل هناك أنبياء، من عصور ما قبل الكتابة والتاريخ، لم يصلنا خبرهم، أرسلوا إلى الناس كافة. نعم، هذا بعيد جداً أن يقع ولا يصلنا، وأن يكون ولا يخبرنا به القرآن، أو الكتب المنزّلة السابقة، فضلاً عن مناقضته لحركة التاريخ، والتسلسل الطبيعي للأحداث، ولكنه ليس بمستحيل، ولا هو على الله بعزيز.

فنقول: نعم، ولكنه في غاية البعد، وحتى آدم إنما كان مبعوثاً لأهل بيته، وهم مع كونهم كل الإنسانية آنذاك، إلا أنهم ما كانوا كل الإنسانية بشمولها حتى ينقرض الجنس البشري، وتقوم الساعة، فلا يصح أن يقال أنه مرسل إلى الناس كافة، ولكنه مرسل إلى قومه فقط، الذين كانت الإنسانية منحصرة فيهم مؤقتاً.

 

ولكن ثبت عن النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، بنقل التواتر أنه فِّضل على النبيين بهذه الخصلة، وخُص بها، فوجب ضرورة أنها لم تكن لأحد من قبله أبداً، فمن ذلك:

* ما أشار إليه الإمام الطبري في تفسيره، «تفسير الطبري»، (5/378): [القول في تأويل قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾، يعني تعالى ذكره بقوله تلك الرسل الذين قص الله قصصهم في هذه السورة، كموسى بن عمران وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وشمويل وداود وسائر من ذكر نبأهم في هذه السورة، يقول تعالى ذكره هؤلاء رسلي فضلت بعضهم على بعض، فكلمت بعضهم والذي كلمته منهم موسى، صلى الله عليه وسلم، ورفعت بعضهم درجات على بعض بالكرامة ورفعة المنزلة كما حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، قال: يقول منهم من كلم الله ورفع بعضهم على بعض درجات: (يقول كلم الله موسى، وأرسل محمدًا إلى الناس كافة). حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه. ومما يدل على صحة ما قلنا في ذلك قول النبي، صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خمسا، لم يعطهن أحد قبلي: بعثت إلى الأحمر والأسود ونصرت بالرعب، فإن العدو ليرعب مني على مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد كان قبلي، وقيل لي سل تعطه فاختبأتها شفاعة لأمتي، فهي نائلة منكم إن شاء الله من لا يشرك بالله شيئا»]

 

* وفي تفسير الطبري: [القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، يقول تعالى ذكره لنبيه محمد، صلى الله عليه وسلم، قل يا محمد للناس كلهم إني رسول الله إليكم جميعا، لا إلى بعضكم دون بعض كما كان من قبلي من الرسل مرسلا إلى بعض الناس دون بعض، فمن كان منهم أرسل كذلك، فإن رسالتي ليست إلى بعضكم دون بعض ولكنها إلى جميعكم]

 

* وفي تفسير الطبري أيضاً، (13/170): [القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، يقول تعالى ذكره وما أرسلناك يا محمد إلى هؤلاء المشركين بالله من قومك خاصة ولكنا أرسلناك كافة للناس أجمعين، العرب منهم والعجم والأحمر والأسود، بشيرا من أطاعك ونذيرا من كذبك ولكن أكثر الناس لا يعلمون، أن الله أرسلك كذلك إلى جميع البشر وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد عن قتادة قوله: وما أرسلناك إلا كافة للناس، قال: أرسل الله محمدا إلى العرب والعجم فأكرمهم على الله أطوعهم له، ذكر لنا أن نبي الله، صلى الله عليه وسلم، قال: أنا سابق العرب وصهيب سابق الروم وبلال سابق الحبشة وسلمان سابق فارس].

 

* ومن ذلك ما جاء في «صحيح البخاري»، (ج1/ص128/ح328)، عن جابر بن عبد الله: [حدثنا محمد بن سنان قال: حدثنا هشيم (ح) قال: وحدثني سعيد بن النضر قال: أخبرنا هشيم قال: أخبرنا سيار قال: حدثنا يزيد هو بن صهيب الفقير قال: أخبرنا جابر بن عبد الله أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «أعطيت خمسا، لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة»]

ــ وهو في «صحيح مسلم»، (ج1/ص371/ح521)، بلفظ: [«كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة»]. وحديث جابر في الصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم بأصح الأسانيد، كما هو في الملحق.

 

* كما جاء مثله في «صحيح مسلم»، (ج1/ص371/ح523)، عن أبي هريرة: [حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد وعلي بن حجر قالوا: حدثنا إسماعيل وهو بن جعفر عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون»]، وهذا كذلك في الصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم بأصح الأسانيد، كما هو في الملحق.

 

* وفي مسند البزار البحر الزخار (ج14/ص393/ح8133): [كَتَبَ إِلَيَّ حَمْزة بن مالك يخبر أَن عمه سفيان بن حمزة حدثه عن كثير بن زيد، عَن الوليد بن رباح، عَن أَبِي هُرَيرة، عَن النَّبِيّ، صلى الله عليه وسلم، قال: فضلت بخصال ست لم يعطهن أحد قبلي: غفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تُحَلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وجعلت أمتي خير الأمم، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهوراً، وأعطيت الكوثر، ونصرت بالرعب، والذي نفسي بيده إن صاحبكم لصاحب لواء الحمد يوم القيامة تحته آدم فمن دونه]، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد»: (رواه البزار وإسناده جيد)، قلت: بحثت عنه فوجدته أيضاً بنحو لفظه في مسند السراج (1/117/491): [حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري حدثنا إسماعيل بن أبي أويس حدثني أخي عن سليمان عن كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة]؛ وكذلك في (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي) ــ (4/8/1170): [أخبرنا عيسى بن علي، أخبرنا عبد الله بن محمد البغوي، قال: حدثنا حمزة بن مالك الأسلمي قال: حدثنا عمي سفيان بن حمزة عن: (ح) وأخبرنا عبيد الله بن أحمد، ومحمد بن الحسين الفارسي قالا: أخبرنا الحسين بن إسماعيل قال: حدثنا حمزة بن مالك قال: حدثنا عمي قال: حدثنا كثير يعني ابن زيد، عن الوليد هو ابن رباح، عن أبي هريرة)، قلت: هذه أسانيد جياد، وقد صحَّح الإمام البخاري حديث: (إن المرأة تجير على المسلمين) عندما سأله الإمام الترمذي فقال: (هذا حديث صحيح، وكثير بن زيد قد سمع من الوليد بن رباح، والوليد بن رباح سمع من أبي هريرة، وهو مقارب الحديث).

 

* وفي «صحيح ابن حبان»، (ج14/ص376/ح6462)، عن أبي ذر: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم ببست حدثنا حماد بن يحيى بن حماد بالبصرة حدثنا أبي حدثنا أبو عوانة عن سليمان عن مجاهد عن عبيد بن عمير عن أبي ذر قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: بعثت إلى الأحمر والأسود، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، ونصرت بالرعب فيرعب العدو من مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وقيل لي سل تعطه واختبأت دعوتي شفاعة لأمتي في القيامة وهي نائلة إن شاء الله لمن لم يشرك بالله شيئا»]، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (حديث صحيح).

 ــ وهو في «المستدرك على الصحيحين»، (ج2/ص460/ح3587)، مطولاً: [حدثنا أبو بكر أحمد بن كامل بن خلف القاضي حدثنا محمد بن جرير الفقيه حدثنا أبو كريب سمعت أبا أسامة وسئل عن قول الله عز وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، فقال حدثنا الأعمش عن مجاهد عن عبيد بن عمير عن أبي ذر رضي الله عنه قال: طلبت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ليلة فوجدته قائما يصلي فأطال الصلاة ثم قال: «أوتيت الليلة خمسا، لم يؤتها نبي قبلي: أرسلت إلى الأحمر والأسود (قال مجاهد: الإنس والجن)، ونصرت بالرعب فيرعب العدو وهو على مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وقيل لي سل تعطه فاختبأتها شفاعة لأمتي فهي نائلة من لم يشرك بالله شيئا»]. وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة إنما أخرجا ألفاظا من الحديث متفرقة). قلت: هو من أصح أحاديث الدنيا كأنه متواتر عن الأعمش، على شرط الشيخين، بل هو فوق شرطهما. وتجده أيضاً عند الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج5/ص145/ح21337)، (ج5/ص148/ح21352)، (ج5/ص202/ح21472)؛ والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج6/ص304/ح32050)؛ والدارمي في سننه (ج2/ص295/ح2467)؛ والحارث في مسنده عند الهيثمي في (الزوائد) (ج2/ص877/ح942)؛ وغيرهم.

 

* وجاء هذا عن أبي موسى الأشعري في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»، (ج4/ص420/ح19750): [حدثنا حسين بن محمد حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خمسا: بعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا وأحلت لي الغنائم ولم تحل لمن كان قبلي، ونصرت بالرعب شهرا، وأعطيت الشفاعة وليس من نبى الا وقد سأل شفاعة وإني أخبأت شفاعتي ثم جعلتها لمن مات من أمتي لم يشرك بالله شيئا»]، وقال الهيثمي: (رواه أحمد متصلا ومرسلا، والطبراني، ورجاله رجال الصحيح). قلت: وإسنادنا هذا ها هنا إسناد صحيح، وتجده أيضاً عند الإمام أبي بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج6/ص304/ح32045).

 

* وهو في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»، (ج5/ص248/ح22190)، عن أبي أمامة بإسناد صحيح: [حدثنا محمد بن أبي عدى عن سليمان يعنى التيمي عن سيار عن أبي أمامة ان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «فضلني ربي على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (أو قال على الأمم) بأربع»، قال: «أرسلت إلى الناس كافة، وجعلت الأرض كلها لي ولأمتي مسجدا وطهورا فأينما أدركت رجلا من أمتي الصلاة فعنده مسجده وعنده طهوره، ونصرت بالرعب مسيرة شهر يقذفه في قلوب أعدائي، وأحل لنا الغنائم»]، وأخرجه البيهقي في سننه الكبرى (ج1/ص222/ح999والطبراني في معجمه الكبير (ج8/ص239/ح7931)، (ج8/ص257/ح8001).

 

* وهو في «مسند الإمام أحمد بن حنبل» عن ابن عباس، (ج1/ص301/ح2742): [حدثنا عبد الصمد حدثنا عبد العزيز بن مسلم حدثنا يزيد عن مقسم عن بن عباس ان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي، ولا أقولهن فخراً: بعثت إلى الناس كافة الأحمر والأسود، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأعطيت الشفاعة فأخّرتها لأمتي فهي لمن لا يشرك بالله شيئا»]؛ وقال أحمد أيضا، (ج1/ص250/ح2256): [حدثنا على بن عاصم عن يزيد بن أبي زياد عن مقسم ومجاهد عن بن عباس قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي ولا أقوله فخرا: بعثت إلى كل أحمر وأسود فليس من أحمر ولا أسود يدخل في أمتي الا كان منهم، وجعلت لي الأرض مسجداوأخرجه الإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج6/ص303/ح32043)؛ وعبد بن حميد في مسنده (ج1/ص220/ح643). قلت: يزيد هو ابن أبي زياد: فيه ضعف يسير، قد أكثر عنه أحمد، وحسن حديثه بعض الأئمة كالهيثمي حيث قال في «مجمع الزوائد»: (رجال أحمد رجال الصحيح غير يزيد بن أبي زياد وهو حسن الحديث)، وجوَّد ابن كثير هذا الإسناد في تفسيره، وبقية رجاله ثقات، فلعله يقوى ويصبح حسناً صحيحاً، تقوم به الحجة بشهادة الروايات الأخرى عن ابن عباس، ومنها الآتية:

* كما أخرجها الطبراني في معجمه الكبير (ج11/ص61/ح11047): [حدثنا عبدان بن أحمد حدثنا عبد الله بن حماد بن نمير حدثنا حصين بن نمير حدثنا بن أبي ليلى عن الحكم عن مجاهد عن بن عباس عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي: أرسلت إلى الأحمر والأسود وكان النبي يرسل إلى خاصة، ونصرت بالرعب حتى إن العدو ليخافوني من مسيرة شهر أو شهرين، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لمن قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وقيل لي سل تعطه فادخرت دعوتي شفاعة لأمتي فهي نائلة إن شاء الله لمن مات لا يشرك بالله شيئا].

ــ وكما أخرجها الطبراني في معجمه الكبير (ج11/ص73/ح11085): [حدثنا سلمة بن إبراهيم بن يحيى بن سلمة بن كهيل حدثني أبي عن أبيه عن جده عن سلمة بن كهيل عن مجاهد عن بن عباس قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أعطيت خمسا لم يعطها نبي قبلي: بعثت إلى الناس كافة الأحمر والأسود وإنما كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يبعث إلى قومه، ونصرت بالرعب يرعب مني عدوي على مسيرة شهر، وأعطيت المغنم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأعطيت الشفاعة فأخرتها لأمتي يوم القيامة].

ــ وكما هو في «سنن البيهقي الكبرى»، (ج2/ص433/ح4064): [أنبأ أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا الحسن بن علي بن عفان حدثنا عبيد الله بن موسى حدثنا سالم أبو حماد عن السدي عن عكرمة عن بن عباس قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي من الأنبياء: جعلت لي الأرض طهورا ومسجدا ولم يكن نبي من الأنبياء يصلي حتى يبلغ محرابه، وأعطيت الرعب مسيرة شهر يكون بيني وبين المشركين مسيرة شهر فيقذف الله الرعب في قلوبهم، وكان النبي يبعث إلى خاصة قومه وبعثت أنا إلى الجن والإنس، وكانت الأنبياء يعزلون الخمس فتجئ النار فتأكله وأمرت أنا أن أقسمها في فقراء أمتي، ولم يبق نبي إلا أعطى سؤله وأخرت شفاعتي لأمتي»]

ــ وأخرج بعضه الطبراني في معجمه الكبير (ج11/ص64/ح11056): [حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي حدثنا عبد الرحمن بن الفضل بن موفق حدثنا أبي حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن مجاهد عن بن عباس قال: نصر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالرعب مسيرة شهرين على عدوه].

* وأخرج الحاكم في مستدركه (ج2/ص381/ح3335) أثراً آخر عن بن عباس رضي الله عنهما: [أخبرنا أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري حدثنا محمد بن عبد السلام حدثنا إسحاق بن إبراهيم أنبأ يزيد بن أبي حكيم حدثنا الحكم بن أبان قال: سمعت عكرمة يقول: قال بن عباس رضي الله عنهما: إن الله فضّل محمدا، صلى الله عليه وسلم، على أهل السماء وفضّله على أهل الأرض، قالوا: يا بن عباس فبما فضّله الله على أهل السماء؟ قال: قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ، وقال لمحمد، صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، الآية؛ قالوا: فبما فضّله الله على أهل الأرض؟ قال: إن الله عز وجل يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ، الآية، وقال لمحمد، صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، فأرسله إلى الجن والإنس]؛ ثم عقَّب الإمام الحاكم قائلاً: (هذا حديث صحيح الإسناد فإن الحكم بن أبان قد احتج به جماعة من أئمة الإسلام ولم يخرجه الشيخان)؛ وأخرجه أبو يعلى في مسنده (ج5/ص96/ح2705)؛ والدارمي في سننه (ج1/ص39/ح46).

 

* وفي «مسند الإمام أحمد بن حنبل»، (ج2/ص222/ح7068)، حديث آخر عن عبد الله بن عمرو بن العاص: [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا بكر بن مضر عن بن الهاد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عام غزوة تبوك قام من الليل يصلي فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه حتى إذا صلى وانصرف إليهم فقال لهم: «لقد أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن أحد قبلي: أما أنا فأرسلت إلى الناس كلهم عامة، وكان من قبلي إنما يرسل إلى قومه، ونصرت على العدو بالرعب ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر لمُلئ مني رعبا، وأحلت لي الغنائم آكلها وكان من قبلي يعظمون أكلها كانوا يحرقونها، وجعلت لي الأرض مساجد وطهورا أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت وكان من قبلي يعظمون ذلك إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيعهم، والخامسة هي ما هي؟! قيل لي سل فإن كل نبي قد سأل! فاخرت مسألتي إلى يوم القيامة فهي لكم، ولمن شهد أن لا إله إلا الله»]؛ وأخرجه البيهقي في سننه الكبرى (ج1/ص223/ح1000)؛ وغيرهم.

 

* وفي «مجمع الزوائد» حديث آخر عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه: [عن أبي سعيد قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خمسا لم يعطها نبي قبلي: بعثت إلى الأحمر والأسود وإنما كان النبي يبعث إلى قومه، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأطعمت المغنم ولم يطعمه أحد كان قبلي، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وليس من نبي إلا وقد أعطي دعوة فتعجلها وإني أخرت دعوتي شفاعة لأمتي وهي بالغة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئا»]، وقال الهيثمي: (رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن). قلت الإسناد هو كما في «الطبراني الأوسط»،(ج7/ص257/ح7439): (حدثنا محمد بن أبان أخبرنا إبراهيم بن سويد الجذوعي حدثنا عامر بن مدرك حدثنا فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد).

 

* وفي «صحيح ابن حبان»، (ج14/ص309/ح6399)، عن عوف بن مالك: [أخبرنا أبو يعلى حدثنا هارون بن عبد الله الحمال حدثنا بن أبي فديك عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب عن عباس بن عبد الرحمن بن ميناء الأشجعي عن عوف بن مالك عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «أعطيت أربعا لم يعطهن أحد كان قبلنا وسألت ربي الخامسة فأعطانيها: كان النبي يبعث إلى قريته ولا يعدوها وبعثت كافة إلى الناس، وأرهب منا عدونا مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض طهورا ومساجد، وأحل لنا الخمس ولم يحل لأحد كان قبلنا، وسألت ربي الخامسة فسألته أن لا يلقاه عبد من أمتي يوحده إلا أدخله الجنة فأعطانيها»]. قلت: عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب ليس بالقوي، وعباس بن عبد الرحمن بن ميناء الأشجعي، قال الحافظ: (مقبول)، فقط!!

* وهو عن السائب بن يزيد في «المعجم الكبير»،(ج7/ص154/ح6674): [حدثنا الحسين بن إسحاق التستري حدثنا هشام بن عمار حدثنا يحيى بن حمزة حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن يزيد بن خصيفة أنه أخبره عن السائب بن يزيد قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «فضلت على الأنبياء بخمس: بعثت إلى الناس كافة، وادخرت شفاعتي لأمتي، ونصرت بالرعب شهرا أمامي وشهرا خلفي، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي»]. قلت: ولكن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة متروك متهم.

 

* قد اعتنى بذلك أيضاً المفسرون ففي «تفسير ابن كثير»: [وقد ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأحلت لي الغنائم وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة. وقال الإمام أحمد حدثنا محمد بن أبي عدي عن سليمان التيمي عن سيار عن أبي أمامة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: فضلني الله على الأنبياء- أو قال على الأمم- بأربع: أرسلت إلى الناس كافة، وجعلت لي الأرض كلها ولأمتي مسجدا وطهورا فأينما أدركت رجلا من أمتي الصلاة فعنده مسجده وطهوره، ونصرت بالرعب مسيرة شهر يقذف في قلوب أعدائي، وأحلت لي الغنائم»، ورواه الترمذي من حديث سليمان التيمي عن سيار القرشي الأموي مولاهم الدمشقي سكن البصرة عن أبي أمامة صدى بن عجلان رضي الله عنه به وقال: حسن صحيح وقال سعيد بن منصور: أنبأنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن أبا يونس حدثه عن أبي هريرة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: نصرت بالرعب على العدو. ورواه مسلم من حديث ابن وهب وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه أبي موسى قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أعطيت خمسا بعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لمن كان قبلي، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة وليس من نبي إلا وقد سأل الشفاعة وإني قد اختبأت شفاعتي لمن مات لا يشرك بالله شيئا. تفرد به أحمد وروى العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب﴾، قال: قذف الله في قلب أبي سفيان الرعب فرجع إلى مكة، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفا وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب. ورواه ابن أبي حاتم].

 

* وفي «تفسير ابن كثير»: [قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ، والآيات في هذا كثيرة كما أن الأحاديث في هذا أكثر من أن تحصر وهو معلوم من دين الإسلام ضرورة أنه صلوات الله وسلامه عليه رسول الله إلى الناس كلهم. قال البخاري رحمه الله في تفسير هذه الآية حدثنا عبد الله حدثنا سليمان بن عبد الرحمن وموسى بن هارون قالا: حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا عبد الله بن العلاء بن زبر حدثني بسر بن عبيد الله حدثني أبو إدريس الخولاني قال: سمعت أبا الدرداء رضي الله عنه يقول: كانت بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما محاورة فأغضب أبو بكر عمر فانصرف عنه عمر مغضبا فأتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه، فأقبل أبو بكر إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال أبو الدرداء: ونحن عنده، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أما صاحبكم هذا فقد غامر- أي غاضب- وحاقد. قال: وندم عمر على ما كان منه فأقبل حتى سلم وجلس إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، وقص على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الخبر، قال أبو الدرداء: فغضب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وجعل أبو بكر يقول: والله يا رسول الله لأنا كنت أظلم، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: هل أنتم تاركو لي صاحبي؟ إني قلت: «يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا فقلتم: كذبت وقال أبو بكر: صدقت»، انفرد به البخاري وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الصمد حدثنا عبد العزيز بن مسلم حدثنا يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس مرفوعا أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي ولا أقوله فخرا، بعثت إلى الناس كافة الأحمر والأسود، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأعطيت الشفاعة فأخرتها لأمتي يوم القيامة فهي لمن لا يشرك بالله شيئا. إسناده جيد ولم يخرجوه، وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا بكر بن مضر عن ابن الهاد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عام غزوة تبوك قام من الليل يصلي فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه حتى إذا صلى انصرف إليهم فقال لهم: «لقد أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن أحد قبلي: أما أنا فأرسلت إلى الناس كلهم عامة وكان من قبلي إنما يرسل إلى قومه، ونصرت على العدو بالرعب ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر لمليء مني رعبا، وأحلت لي الغنائم أكلها وكان من قبلي يعظمون أكلها كانوا يحرقونها، وجعلت الأرض مسجدا وطهورا أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت وكان من قبلي يعظمون ذلك إنما كانوا يصلون في بيعهم وكنائسهم، والخامسة هي ماهي! قيل لي: سل، فإن كل نبي قد سأل، فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله»، إسناد جيد قوي ولم يخرجوه وقال أيضا: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: من سمع بي من أمتي أو يهودي أو نصراني فلم يؤمن بي لم يدخل الجنة. وهذا الحديث في صحيح مسلم من وجه آخر عن أبي موسى قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار»، وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة حدثنا أبو يونس وهو سليم بن جبير عن أبي هريرة عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني ثم يموت ولا يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار»، تفرد به أحمد، وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد حدثنا إسرائيل عن أبي أسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أعطيت خمسا: بعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لمن كان قبلي، ونصرت بالرعب مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة وليس من نبي إلا وقد سأل الشفاعة وإني قد اختبأت شفاعتي ثم جعلتها لمن مات من أمتي لم يشرك بالله شيئا. وهذا إسناد صحيح ولم أرهم خرّجوه والله أعلم. وله مثله من حديث ابن عمر بسند جيد أيضا وهذا الحديث ثابت في الصحيحين، أيضا من حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل: وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة].

 

* وفي «تفسير ابن كثير»: [... عن عكرمة قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول: إن الله تعالى فضّل محمدا، صلى الله عليه وسلم، على أهل السماء وعلى الأنبياء، قالوا: يا ابن عباس فيم فضله على الأنبياء؟ قال رضي الله عنه: إن الله تعالى قال: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم. وقال للنبي، صلى الله عليه وسلم: وما أرسلناك إلا كافة للناس، فأرسله الله تعالى إلى الجن والإنس. وهذا الذي قاله ابن عباس رضي الله عنهما قد ثبت في الصحيحين رفعه عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة ويبعث إلى الناس عامة. وفي الصحيح أيضا أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: بعثت إلى الأسود والأحمر. قال مجاهد: يعني الجن والإنس، وقال غيره: يعني العرب والعجم والكل صحيح]

فهذه أسانيد صحاح إلى: جابر بن عبد الله، وأبي هريرة، وأبي ذر الغفاري أصدق خلق الله لهجة، والحبر البحر الثقة المأمون الإمام عبد الله بن عباس، والحافظ المتقن كاتب الحديث النبوي عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي موسى عامر بن قيس الأشعري، وأبي أمامة صُدَي بن عجلان الباهلي، رضي الله عنهم جميعاً، قد شحنت بها الصحاح والسنن والمسانيد والمصنفات والمعاجم، بل وكتب التفسير والأدب والعربية، تقوم بها الحجة اليقينية القاطعة، التي لا ينكرها إلا معتوه مجنون رفع عنه القلم وخرج عن التكليف، أو كافر مكابر ملعون خرج عن الإسلام، مع روايات أخرى عنهم وعن غيرهم من الصحابة ضربنا عنها الذّكر صفحاً خشية التطويل، على كونه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: (أرسل إلى الناس كافة وفضل بذلك وخص به، فلم يرسل قبله نبي ولا رسول إلا إلى قومه أو قريته خاصة).

 

نعم: وايم الله إنها لفضيلة عظمى تنضم إلى غيرها من فضائل سيدي أبي القاسم، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، تنقطع دونها الأعناق؛ وتبتهج القلوب بذكرها، وتُشَّنَّف الآذان بسماعها، كما تتعطر بذكرها المجالس، ولكن ليس ذلك كل شيء، بل قبل ذلك وفوق ذلك: هذه عقائد أساسية مهمة، يجب الإيمان بها، ويكفر منكرها، ويترتب عليها أمور عقدية وفكرية وتشريعية في غاية الأهمية نتفرغ لها الآن.

 

فصل: نسخ الشرائع السابقة ببعثته، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، نسخاً نهائياً تاماً مطلقاً

ثبت بالدليل القاطع، الذي يكفر منكره، أن الأنبياء السابقين إنما أرسلوا إلى أمم مخصوصة، أو قرى مخصوصة. كما ثبت أنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، أرسل إلى الناس كافة، وأن الناس كافة هم أمته. هذا لا يكون ولا يتشكّل في عقل مع فرضية أن الأمم السابقة ما زالت موجودة الآن، فلا بد أن تكون قد انقرضت وزالت بوصفها أمة رسالة مخاطبة من نبي معيّن، وأصبحت من ثم جزء من الأمة المُحَمَّدية. أي أنها فقدت صفتها الأممية، وشخصيتها المعنوية، وعادت مجرد أفراد وجماعات وقبائل وشعوب تندرج تحت الأمة المُحَمَّدية، أعني أمة الدعوة المُحَمَّدية.

 

وبذلك تكون دعوات الأنبياء السابقين غير ذات موضوع لأنها موجهة إلى معدوم، فليس هناك في الدنيا مكلّف بشريعة موسى، وإنما هناك أفراد وقبائل من بني إسرائيل، أما أمّة موسى، بوصفها أمّة رسالة، فقد ذهبت وانقرضت؛ ولا بشريعة عيسى كذلك، ولا غيرهما. ولكن الرسالات السابقة تحتوي أمر الله ونهيه، فهل سقط ذلك كله، وأصبح غير ذي معنى؟! حاشا لله، السيّد المطلق الكامل السيادة، أن يتهافت أمره أو أن تسقط أحكامه إلا بفعله هو، جل ذكره. لذلك وجب أن يكون جل وعلا قد نسخ جميع الشرائع السابقة بمجرّد بعثة مُحَمَّد، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، إلى الناس كافة.

 

فقوله تعالى لمُحَمَّد، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، نصبتك نبياً رسولاً إلى الناس كافة، قال معه، ضرورة: لقد حكمت برفع الخطاب في جميع الرسائل السابقة لأنها موجهة إلى معدوم، ونسخت جميع الشرائع السابقة، وأبطلت جميع أحكامها، فلم يعد واجبها واجباً، ولا حرامها حراماً، ولا حلالها حلالاً؛ إلا ما يحيل العقل نسخه كالأخبار لأنها لا تقبل النسخ أصلاً، وما أجمعت عليه الشرائع، وقام البرهان على استحالة نسخه: كالفضائل، وسيأتي تغصيل لبعض ذلك في فصول متأخرة.

 

فالأنبياء السابقون، إذًا، شرائعهم منسوخة، لا يحل تطبيقها، بل ويحرم اتباعها، فضلاً عن كونهم لم يرسلوا لنا أصلاً، ولم يخاطبونا بشيء أبداً، فلا تُلزمنا إذًا شريعتهم مطلقاً. ليس هذا فحسب، بل يحرم علينا اتباع أي شيء من شرائعهم لأنها منسوخة، والأخذ بالمنسوخ وترك الناسخ جريمة كبرى، وتعقيب على الله في حكمه، وتمرّد على ربوبيته وسيادته، فمن المحال الممتنع، إِذُا، أن يكون (شرع من قبلنا شرع لنا)!

وما يوجد في شريعتنا من مشابهة، أو حتى مطابقة، لبعض أحكام الشرائع السابقة هو تشريع جديد، وليس هو إقرار لشرع سابق، حاشا لله، كيف وقد نسخ الشرع السابق أوّلاً بكامله، بحلاله وحرامه، حلوه ومره، ثم شرع هذا بعد ذلك؟!

 

ويتضح كذلك بطلان كون (شرع من قبلنا شرع لنا)، بالإضافة إلى البرهان القطعي الضروري آنف الذّكر، من أدنى تأمل لكون مُحَمَّد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بعث للبشرية كافة، بل للجن والإنس. فأتباعه من بني البشر أمّة واحدة تشمل شتى شعوب الأرض وقبائلها، وهي بوصفها أمّة واحدة لها شرعة واحدة، أما الانبياء السابقون فكان كل واحد منهم يبعث في شعوب أو قبائل أو قرى مخصوصة، ولكل واحد منهم شرعة ومنهاجا، يختلف عن شرعة غيره ومنهاجه ولو في حكم واحد، فمن زعم أن تلك الشرائع شرع لنا لزمه:

(1)- تطبيقها جميعاً في نفس الوقت من نفس الجهة والاعتبار، أي الجمع بين المتناقضات، وهو مستحيل عقلاً وشرعاً.

(2)- أو جعل كل شريعة مخصوصة بأمة معيّنة تسري الآن على تلك الأمّة فقط، ولا تسري على غيرها من بني البشر، فمن حق الياباني أو الصيني أن يقول: هذا تشريع لبني إسرائيل، وهو غير ملزم لي زمن موسى نفسه، فكيف يكون ملزماً لي اليوم بعد بعثة مُحَمَّد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟! وهذا محال شرعاً لمناقضته لعالمية الرسالة المُحَمَّدية، ووحدة الأمة المُحَمَّدية، وكلا الأمرين ثبت بالأدلة اليقينية القاطعة، بل هو معلوم من الإسلام بالضرورة، عند العوام والخواص، والمسلمين والكفار على حد سواء، كما أسلفنا. فهذا برهان قطعي ضروري ثاني.

 

وحاول قوم أن يفلتوا من الإشكالية فقالوا: إنما يكون شرع من قبلنا شرعاً لنا إذا ذكر في القرآن أو السنّة. فنقول: هذا لا يغني عنكم شيئاً، لأن ذكره في الوحيين لا يخرج عن حالتين:

1.                 أن يكون يفهم منها أنه إنما هو خبر مجرّد فقط. والخبر ليس أمراً ولا نهياً.

2.                 أو أن يذكر بصيغة يفهم منها مخاطبتنا به، فهذا شرع جديد مستأنف مطابق للشريعة السابقة بحذافيرها.

 

وهذا إنما أصبح شرعاً لنا لا بمجرد كونه كان شريعة سابقة، ولا بمجرد إخبار الوحيين عن ذلك بأنه كان كذلك، ولكن لمجيء النص بتشريعه، أي لأننا خوطبنا به. فهو إذاً شريعة جديدة جاء الأمر بها الآن، وهي مطابقة لشريعة سابقة ذهبت ونسخت وانتهى أمرها.

 

فلا يجوز أن يقال أن شرع من قبلنا شرع لنا، ولكن يقال: هذه شريعة جديدة، مستأنفة لنا، مطابقة لشريعة منسوخة سابقة: فصارت بذلك شرعاً لنا، وهذا ممكن عقلاً وشرعاً، ولا غبار عليه.

 

* وقال الإمام الحجة أبو مُحَمَّد علي بن حزم الأندلسي في «المُحلى»: [مسألة: (ولا يحل لنا اتباع شريعة نبي قبل نبينا)، قال عز وجل: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا، حدثنا أحمد بن مُحَمَّد بن الجسور حدثنا وهب بن مسرة حدثنا مُحَمَّد بن وضاح حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا هشيم أخبرنا سيار عن يزيد الفقير أخبرنا جابر بن عبد الله أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة. فإذا صح أن الأنبياء عليهم السلام لم يبعث أحد منهم إلا إلى قومه خاصة فقد صح أن شرائعهم لم تلزم إلا من بعثوا إليه فقط، وإذا لم يبعثوا إلينا فلم يخاطبونا قط بشيء، ولا أمرونا ولا نهونا. ولو أمرونا ونهونا وخاطبونا لما كان لنبينا، صلى الله عليه وسلم، فضيلة عليهم في هذا الباب. ومن قال بهذا فقد كذّب هذا الحديث وأبطل هذه الفضيلة التي خصه الله تعالى بها، فإذًا قد صح أنهم عليهم السلام لم يخاطبونا بشيء، فقد صح يقينا أن شرائعهم لا تُلزمنا أصلا وبالله تعالى التوفيق]، انتهى كلام أبي مُحَمَّد.

فنقول: بخٍ، بخْ: هنيئاً لك أبا مُحَمَّد هذا الفهم العميق، والفكر الموفق، الذي هو، بحمد الله، عين قولنا، الذي نقرره كالتالي:

قاعدة هامة: نُسِخَت الشرائع السابقة كلها جميعاً ببعثة سيدنا خاتم النبيين مُحَمَّد بن عبد الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، نسخاً نهائياً فورياً كاملاً مطلقاً، لذلك: لا يجوز تطبيقها، ولا يحل اتباعها أصلاً.

 

فكل ما جاء به من الأحكام بعد نزول: ﴿إقرأ فما هو إلا شرع جديد مستأنف، حتى ولو تشابه أو تطابق مع شريعة سابقة، فحقيقته أنه، لا محالة، جديد مستأنف. ولا يجوز مطلقاً أن يقال أنه «إقرار» للشرع السابق، لأن ما نسخ، ضرورة، قد بطل وذهب وانتهى، وأصبح معدوماً لا وجود له، ولو لطرفة عين، فعودته بعد ذلك إنشاء لشرع جديد، وليس إقراراً لشرع سابق موجود ما زال سارياً. والذّكر الحكيم، قرآناً وسنّة، مملوء، بحمد الله، بالشواهد على قولنا هذا، فكلام الله ورسوله لا يتناقض أو يتعارض: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ؟! وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً، (النّساء، 4: 82). فمن تلك الشواهد:

* قوله، تعالى ذكره، وعز سلطانه: ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ، (المائدة، 5: 48).

المهيمن، وهو من أسماء الله الحسنى، ذكرت في تفسيره معاني الشهيد والمؤتمن، والأمين، والرقيب الحافظ، ولكنه على التحقيق في المقام الأول: المسيطر المتحكم، ذي السلطان القاهر، والأمر النافذ، ثم في المقام الثاني: القائم بالأمر، المتولي لشؤون الحكم، ورعاية الشؤون.

ــ وقد حاول الإمام الحافظ ابن حجر تلخيص الأقوال وتحريرها في «فتح الباري»، حيث قال: [قوله المهيمن، القرآن أمين على كل كتاب قبله. أورد بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله تعالى: ومهيمنا عليه، قال: القرآن أمين على كل كتاب كان قبله، وروى عبد بن حميد من طريق أربدة التميمي عن بن عباس في قوله تعالى: ومهيمنا عليه، قال: مؤتمنا عليه، وقال بن قتيبة وتبعه جماعة: مهيمنا مفيعل من أيمن، قلبت همزته هاء وقد أنكر ذلك ثعلب فبالغ حتى نسب قائله إلى الكفر لأن المهيمن من الأسماء الحسنى وأسماء الله تعالى لا تصغّر. والحق أنه أصل بنفسه ليس مبدلا من شيء، وأصل الهيمنة الحفظ والارتقاب، تقول هيمن فلان على فلان إذا صار رقيبا عليه فهو مهيمن، قال أبو عبيدة: لم يجيء في كلام العرب على هذا البناء إلا أربعة ألفاظ: مبيطر ومسيطر ومهيمن ومبيقر].

ــ وقال الحافظ في موضع آخر من «فتح الباري»: [قال البيهقي: (هذا شرح قول أهل التفسير في المهيمن انه الأمين، ثم ساق من طريق التيمي عن بن عباس في قوله: مهيمنا عليه، قال: مؤتمنا، ومن طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس: المهيمن الأمين، ومن طريق مجاهد قال: المهيمن الشاهد، وقيل: المهيمن الرقيب على الشيء والحافظ له، وقيل: الهيمنة القيام على الشيء، قال الشاعر:

الا ان خير الناس بعد نبيه     *** مهيمنه التاليه في العرف والنكر

يريد القائم على الناس بعده بالرعاية لهم) انتهى. ويصح ان يريد الأمين عليهم فيوافق ما تقدم].

قلت: قد أصاب البيهقي ها هنا في تفسيره للفظة «المهيمن» بـ«القائم على الناس بالرعاية لهم»، فلا يستفاد من بيت الشعر المذكور إلا هذا، وقد تُفهم بمعنى الحاكم المسيطر، أما الشهيد فلا، وأما المؤتمن فنعم، ولكن ليس من اللفظ نفسه، وإنما من مستلزمات معانيه شرعاً وعقلاً أن الحاكم القائم بالشؤون مؤتمن عليها، أو هكذا ينبغي أن يكون، وإلا كان خائناً مجرماً.

 

ويشبه هذا ما جاء في «لسان العرب»: [وفي حديث عكرمة: (كان علي، عليه السلام، أعلم بالمهيمنات)، أي القضايا من الهيمنة، وهي القيام على الشيء، جعل الفعل لها هو لأربابها القوامين بالأمور]. وأما الإمام الطبري فقد طوَّل جداً في هذا ولم يأت، خلافاً لعوائده الجميلة، بجديد في تفسيره.

 

ولكن الإمام ابن كثير كان أسعد حظاً في تفسيره لهذه اللفظة إذ قال: [قوله تعالى: ﴿ومهيمناً عليه﴾، قال سفيان الثوري وغيره، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: أي مؤتمناً عليه. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: المهيمن الأمين، قال: القرآن أمين على كل كتاب قبله. ورواه عن عكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ومُحَمَّد بن كعب وعطية والحسن وقتادة وعطاء الخراساني والسدي وابن زيد نحو ذلك، وقال ابن جرير: القرآن أمين على الكتب المتقدمة قبله، فما وافقه منها فهو حق، وما خالفه منها فهو باطل، وعن الوالبي عن ابن عباس «ومهيمناً» أي شهيداً، وكذا قال مجاهد وقتادة والسدي. وقال العوفي عن ابن عباس: «ومهيمنا» أي حاكماً على ما قبله من الكتب، وهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى، فإن اسم المهيمن يتضمن هذا كله، فهو: أمين وشاهد وحاكم على كل كتاب قبله، جعل الله هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها أشملها وأعظمها وأكملها حيث جمع فيه محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره، فلهذا جعله شاهداً وأميناً وحاكماً عليها كلها، وتكفل تعالى بحفظه بنفسه الكريمة، فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ]، انتهى كلام ابن كثير، وهو كلام جيد موفق؛ ولكن الأكثرية من المفسرين، للأسف الشديد، على تقليد ابن عباس في تفسيره للفظة «المهيمن» بـ«الشهيد»، ثم «المؤتمن» أو «الأمين»، التي لا تنسجم مع السياق إلا قليلاً، بخلاف الحاكم أو القائم ونحوها. وهذا هو عيب التقليد، والتكاسل عن الاجتهاد والتفكير المستقل.

 

وقد وجدنا في تاريخ الطبري في قصة مقتل أبي شريح الخزاعي ومعاقبة قتلته أبيات من الشعر ممتعة، تصلح كشواهد لغوية، [تاريخ الرسل والملوك (2/439)]: [...، فكتب فيهم إلى عثمان فكتب إليه في قتلهم فقتلهم على باب القصر في الرحبة، وقال في ذلك عمرو بن عاصم التميمي:

لا تأكلوا أبدا جيرانكم سرفا *** أهل الزعارة في ملك ابن عفان

وقال أيضا:

إن ابن عفان الذي جربتموا *** فطم اللصوص بمحكم الفرقان

ما زال يعمل بالكتاب مهيمنا *** في كل عنق منهم وبنان]

 

ويظهر من الأبيات معنى التحكم، بل البطش والسيطرة في لفظة: (مهيمن). كما جاء في «الإصابة في تمييز الصحابة» أثناء ترجمة الفارعة بنت أبي الصلت، رضي الله عنها، أخت أمية بن أبي الصلت الشاعر المشهور، هذه الأبيات من قصيدة له:

لك الحمد والنعماء والفضل ربنا **** ولا شيء أعلى منك جَدا وأمجد

مليك على عرش السماء مهيمن **** لعزته تعنو الوجوه وتسجد

 

قلت: لا معنى لـ«مهيمن» هاهنا إلا المتحكم المسيطر، ذي السلطان القاهر، والتصرف النافذ. وهذا هو الذي شاع على ألسِنة الناس خاصة وعامة في القرون الأخيرة، فإذا قيل «الهيمنة الأجنبية» فهم منها كل سامع معنى «الغلبة والتسلط أو الاستعمار الأجنبي» لا غير، وهو الصواب والحمد لله. وهذا هو الذي ندين الله به: أن «المهيمن» هو المسيطر المتحكم القاهر، ذي السلطان النافذ، لا غير.

 

ولعل هذا أيضاً هو المعنى البديل المعقول للفظة: ﴿قَيِّماً﴾، كما هي في فواتح سورة الكهف المباركة:

* فقد جاء في أضواء البيان [للعلامة المعاصر محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي - موافق للمطبوع (3/193)]: [وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿قَيِّماً﴾ أي مستقيماً لا ميل فيه ولا زيغ. وما ذكره هنا من كونه ﴿قَيَّماً﴾ لا ميل فيه ولا زيغ - بينه أيضاً في مواضع أخر، كقوله ﴿لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين مُنفَكِّينَ حتى تَأْتِيَهُمُ البينة رَسُولٌ مِّنَ الله يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: 1 - 3]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هذا القرآن يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9] الآية، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ هذا القرآن أَن يفترى مِن دُونِ الله ولكن تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ العالمين﴾ [يونس: 37]. وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثاً يفترى ولكن تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: 111]؛ وقوله ﴿الم ذَلِكَ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 1 - 2]، وقوله ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: 1] وقوله: ﴿ولكن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: 52]؛ إلى غير ذلك من الآيات. وهذا الذي فسرنا به قوله تعالى ﴿قَيَّماً﴾ هو قو الجمهور وهو الظاهر. وعليه فهو تأكيد في المعنى لقوله ﴿وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا﴾ لأنه قد يكون الشيء مستقيماً في الظاهر وهو لا يخلو من اعوجاج في حقيقة الأمر. ولذا جمع تعالى، بين نفي العوج وإثبات الاستقامة. وفي قوله «قيماً» وجهان آخران من التفسير:

الأول - أن معنى كونه «قَيِّمًا» أنه قيم على ما قبله من الكتب السماوية، اي مهيمن عليه وعلى هذا التفسير فالآية كقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب بالحق مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتاب وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 84]، الآية. ولأجل همينته على ما قبله من الكتب قال تعالى: ﴿إِنَّ هذا القرآن يَقُصُّ على بني إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الذي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل: 76] الآية. وقال ﴿قُلْ فَأْتُواْ بالتوراة فاتلوها إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: 93] وقال ﴿يَا أَهْلَ الكتاب قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكتاب﴾ [المائدة: 15] الآية.

الوجه الثاني - أن معنى كونه «قيماً»: أنه قيم بمصالح الخلق الدينية والدنيوية. وهذا الوجه في الحقيقية يستلزمه الوجه الأول]؛

ولا يكون القرآن «مهيمناً» أي حاكما ومتسلطاً ومتغلباً ومسيطراً على الكتب السابقة، إلا إذا كان ناسخاً لها، لا يتصور، عقلاً أو شرعاً، في أوامر الله ونواهيه غير ذلك، لأنها كلها مرتبة واحدة، ذات حرمة وقدسية واحدة، فإذا هيمن أحدها وتحكم في آخر، فهو ناسخ وذاك منسوخ بالضرورة، ومحال أن يكون الحال غير هذا، ولا يتصور في العقل إلا هذا، فهذا برهان ثالث على كون الشرائع السابقة منسوخة كلها، وعلى كوننا غير مخاطبين بها أصلاً، وأن (شرع من قبلنا شرع لنا) مقولة باطلة، بل إفك عظيم، أي هو على التحقيق: من مقولات الكفر، لا يحل التفوه به مطلقاً بعد هذا البيان.

 

* ومن الأدلة على نسخ جميع الشرائع السابقة، والبطلان المطلق لمقولة: (شرع من قبلنا شرع لنا) قوله، جل جلاله، وتقدَّست أسماؤه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، (الجاثـية؛ 45: 18)، فهو، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، على شريعة خاصة مستقلة، تختلف عن الشرائع السابقة، أوحيت إليه من أول أمره في مكة، لأن سورة الجاثـية مكية إجماعاً، لذلك ما سأل أهل الكتاب عن شيء من الهدى أو الأحكام قط، بل نهى عن ذلك أشد النهي، كما سيأتي قريباً. ولعل بعض الناس، وبخاصة اليهود، تسخّطوا من ذلك، فأعلمهم الله، بعد ذلك في المدينة، أن سنته المطّردة الثابتة هي: جعل كل أمة على شريعة، وكل شريعة هي، في وقت شرعها وللقوم الذين شرعت لهم، شريعة الله، والعمل بها طاعة لله. فالمهم هو المسارعة إلى الأعمال الصالحة، والمسابقة إلى الخيرات، فإذا نسخت كانت الشريعة الجديدة هي شريعة الله، تجب طاعتها، ولا تحل مخالفتها، كما نبَّه جل جلاله، وسما مقامه، إذ قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ، (المائدة؛ 5: 48)، وسورة المائدة من أواخر ما نزل في المدينة إجماعاً.

 

* ومن الأدلة على نسخ جميع الشرائع السابقة، والبطلان المطلق للمقولة الكاذبة الباطلة: (شرع من قبلنا شرع لنا)، قوله عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «لو أصبح موسى فيكم حيا اليوم فاتبعتموه وتركتموني لضللتم»، كما سنشبعه نقاشاً في الفصل المقبل. وموسى نبي ورسول معصوم، لا يحل له مخالفة أمر الله. فمن المحال الممتنع أن لا يسعه إلا متابعة مُحَمَّد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بمعصية الله الذي أوحى إليه بشريعة معلومة مستقلة، فوجب ضرورة أن تكون شريعته منسوخة عن آخرها، بحيث لو بعث حياً لم يجز له إلا اتباع مُحَمَّد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإلا كان عاصياً آثماً، حاشاه. فهذا كذلك برهان رابع على كون الشرائع السابقة منسوخة كلها، وعلى كوننا غير مخاطبين بها أصلاً، وأن (شرع من قبلنا شرع لنا) مقولة باطلة، لا يحل التفوه بها.

 

وقد استشكل بعضهم كيف يكون اتباع موسى، وهو نبي مرسل، طاعته طاعة لله، ضلالاً؟! والحق أنه ليس ثمة إشكالية، لأن قوله عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «لو أصبح موسى فيكم حيا اليوم فاتبعتموه وتركتموني لضللتم» تقدير امتناع لامتناع، فلو حصل المحال الممتنع، وتحققت عودة موسى لدار التكليف حياً، لما عاد إلا فرداً من أفراد الأمة المُحَمَّدية، ملزما باتباع مُحَمَّد، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: وهكذا، حرفاً بحرف، سيكون حال كلمة الله وروحه المسيح عيسى بن مريم، عند عودته إلى الدنيا في أواخر الزمن.

 

وقد حاول الإمام أبو الفرج، نور الدين ابن برهان الدين، علي بن إبراهيم بن أحمد الحلبي، (المتوفى: 1044هـ) حلًّا آخر للإشكالية المزعومة، لا نحسبه حلاًّ موفقاُ، فقال في السيرة الحلبية - إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون- (1/330): [فاعلم أنه، صلى الله عليه وسلم، مرسل لجميع الأنبياء وأممهم على تقدير وجوده في زمنهم، لأن الله تعالى أخذ عليهم وعلى أممهم الميثاق على الإيمان به ونصرته مع بقائهم على نبوتهم ورسالتهم إلى أممهم، فنبوته ورسالته أعم وأشمل، وتكون شريعته في تلك الأوقات بالنسبة إلى أولئك الأمم ما جاءت به أنبياؤهم، لأن الأحكام والشرائع تختلف باختلاف الأشخاص والأوقات، قاله السبكي، أي فجميع الأنبياء وأممهم من جملة أمته، صلى الله عليه وسلم، فقد قال، صلى الله عليه وسلم، لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: «والذي نفسي بيده لو أن موسى عليه الصلاة والسلام كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني»].

 

* ومن القرائن القوية على نسخ جميع الشرائع السابقة، والبطلان المطلق للمقولة الكاذبة؛ (شرع من قبلنا شرع لنا)، إمامته، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، للأنبياء يوم أسريَ به إلى بيت الله المقدس، حيث بعث له الأنبياء السابقين، فتدافعوا من يتقدم، ثم قدموه أو قدمه جبريل أمامهم، فأمَّهم في الصلاة. يترتب على ذلك ضرورة أن صلواتهم قد نسخت، لأنهم صلوا بصلاته، والصلاة عمود الدين، فغيرها نسخ من باب أولى. فهذا برهان خامس على كون الشرائع السابقة منسوخة كلها، وعلى كوننا غير مخاطبين بها أصلاً، وأن (شرع من قبلنا شرع لنا) مقولة باطلة لا يحل التفوه بها بعد هذا البيان أبداً.

ــ وقد ثبتت قصة إمامته، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، للأنبياء بما جاء في «صحيح مسلم»، (ج1/ص156/ح172)، حيث قال الإمام مسلم: [وحدثني زهير بن حرب حدثنا حجين بن المثنى حدثنا عبد العزيز وهو بن أبي سلمة عن عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كربة ما كربت مثله قط»، قال: «فرفعه الله لي أنظر إليه ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به، وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلي فإذا رجل ضَرْب جعد كأنه من رجال شنوءة، وإذا عيسى بن مريم عليه السلام قائم يصلي أقرب الناس به شبها عروة بن

مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم عليه السلام قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم يعني نفسه، فحانت الصلاة فأممتهم، فلما فرغت من الصلاة قال قائل: (يا مُحَمَّد هذا مالك صاحب النار فسلم عليه!)، فالتفت إليه فبدأني بالسلام]؛ وهو في «السنن الكبرى» للإمام النسائي: [أخبرنا مُحَمَّد بن رافع قال: حدثنا حجين بن المثنى قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة بعينه إلى منتهاه سنداً ومتناً]

 

* وفي «سنن النسائي»، (ج1/ص221/ح450)، من حديث طويل: [أخبرنا عمرو بن هشام قال: حدثنا مخلد عن سعيد بن عبد العزيز قال: حدثنا يزيد بن أبي مالك قال: حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: أتيت بدابة فوق الحمار ودون البغل، خطوها عند منتهى طرفها، فركبت ومعي جبريل عليه السلام فسرت»] إلى أن قال: [«ثم دخلت بيت المقدس فجمع لي الأنبياء عليهم السلام فقدمني جبريل حتى أممتهم، ثم صعد بي إلى السماء الدنيا،...الحديث»]؛ وهو بنحوه في الطبراني في معجمه الكبير (ج10/ص70/ح9976)؛ والطبراني في مسند الشاميين (ج1/ص196/ح341)؛ وأخرج نحوه أبو يعلى في مسنده (ج8/ص451/ح5036)؛ والحارث/الهيثمي في مسنده (الزوائد) (ج1/ص207/ح22)؛ وغيرهم.

* وأخرج الطبراني في معجمه الأوسط (ج4/ص205/ح3879) حديثاً طويلاً: [حدثنا علي بن سعيد الرازي قال: حدثنا الحسين بن عيسى بن ميسرة الرازي قال: حدثنا هارون بن المغيرة قال: حدثنا عنبسة بن سعيد عن ابن ابي ليلى عن اخيه عيسى عن ابيه عبد الرحمن بن ابي ليلى أن جبريل أتى النبي، صلى الله عليه وسلم، بالبراق فحمله بين يديه وجعل يسير به]؛ فساق الحديث حتى قال: [حتى أتينا بيت المقدس فإذا هو بنفر جلوس فقالوا حين أبصروه مرحبا بمُحَمَّد النبي الأمي وإذا في النفر الجلوس شيخ فقال محمد، صلى الله عليه وسلم: من هذا؟ قال: أبوك ابراهيم، ثم سأله فقال: من هذا؟ قال: موسى، ثم سأله من هذا قال: هذا عيسى ابن مريم، ثم اقيمت الصلاة فتدافعوا حتى قدّموا مُحَمَّدا، صلى الله عليه وسلم،...إلخ]؛ قلت: ابن ابي ليلى، وهو محمد بن عبد الرحمن ين أبي ليلى، سيء الحفظ جداً، وهو مع هذا مرسل. قال الهيثمي في الزوائد: (رواه الطبراني في الأوسط هكذا مرسلاً، وقال: لا يروى عن ابن أبي ليلى إلا بهذا الإسناد، مع الإرسال فيه مُحَمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو ضعيف). ولكن جاء في «فتح الباري شرح صحيح البخاري» ذكر لرواية أخرى: [وفي حديث أبي امامة عند الطبراني في الأوسط: ثم اقيمت الصلاة فتدافعوا حتى قدّموا مُحَمَّداً]؛ والظاهر أن هذا وهم من الحافظ، رحمه الله.

ــ ولكن جاء في الدر المنثور(6/200): [وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه من طريق مُحَمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أخيه عيسى، عن أبيه عبد الرحمن، عن أبيه أبي ليلى: أن جبريل عليه السلام،... إلخ]، فلعل ابن مردويه أخرجه موصولاً، والله أعلم وأحكم.

 

ملاحظة ختامية هامة: ولعلنا تلاحظ ها هنا في خاتمة هذا الفصل أن قريشاً خاصة، والعرب الحجازية والنجدية، ومعظمهم عدنانية، كانوا على شريعة إسماعيل مع ابتداع وتحريف وتبديل؛ فسكوت النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، عليها، أو تطبيقه لها، يصح أن يقال أنه أعاد تشريعها، فصارت سارية مؤقتا إلى أن نسخ الله ما شاء منها شيئاً فشيئاً. ومن أمثال ذلك: كانت ولاية النكاح ولاية سلطة وإجبار، وكانت البنت بمثابة الأمة المملوكة لأبيها، ثم نسخ ذلك؛ وكانت النساء لا ترث، ثم نسخ ذلك؛ وكان الولد – ذكراً أو أنثى - بمثابة المملوك لأبيه، ثم نسخ ذلك؛ وكان تزويج الصغار سائغاً، ثم نسخ ذلك، وكان إشراك النساء في القتال معرة وفضيحة، ثم نسخ ذلك؛ ... وغير ذلك كثير، وقد غاب بعض ذلك حتى عن أئمة الفقه.

 

فصل: «لو أصبح موسى فيكم حيا اليوم فاتبعتموه وتركتموني لضللتم»

* قال، عليه وعلى آله الصلاة والتبريكات والسلام: «لو أصبح موسى فيكم حيا اليوم فاتبعتموه وتركتموني لضللتم»، كما ثبت عن عبد الله بن ثابت وغيره: جاء عمر إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا رسول الله إني مررت بأخ لي من قريظة فكتب لي جوامع من التوراة بالعربية، لنزداد به علما الى علمنا، أحب أن أعرضها عليك)، فتغير وجه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وغضب حتى احمرت عيناه، قال: فقلت لعمر: (مسخ الله عقلك! أما ترى ما بوجه رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟!)، وقال أبو بكر: (ثكلتك الثواكل! ما ترى بوجه رسول الله، صلى الله عليه وسلم،؟!)، وقالت الأنصار: (يا معشر الأنصار: السلاح، السلاح؛ غضب نبيكم، صلى الله عليه وسلم)، فجاءوا حتى أحدقوا بمنبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: (رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمُحَمَّد، صلى الله عليه وسلم، [رسولاً] نبيا)، قال: فسري عنه، ثم قال: «أمتهوّكون فيها يا بن الخطاب، والذي نفسي بيده، إني أوتيت جوامع الكلم وخواتمه، واختصر لي الحديث اختصارا، ولقد جئتكم بها بيضاء نقية، فلا تهوَّكوا، ولا يغرنكم المتهوّكون! لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، فإنكم إما أن تُصدقوا بباطل، أو تُكذبوا بحق، والذي نفسي بيده لو أصبح موسى فيكم حيا اليوم فاتبعتموه وتركتموني لضللتم عن سواء السبيل ضلالاً بعيداً، والذي نفسي بيده لو أن موسى، صلى الله عليه وسلم، كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني، إني حظكم من النبيين، وأنتم حظي من الأمم»، ثم نزل عن المنبر]. وقد أثبتنا صحة هذا الحديث بطوله في الملحق.

وقد ثبتت لفظة: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء» من طرق أخرى بمفردها، عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، كما هو مبرهن عليه في الملحق أيضاً.

 

وقد جاءت لفظة: «ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم» من طرق أخرى بمفردها، عن العديد من الصحابة، فمن ذلك ما جاء عن أبي نملة الأنصاري، رضي الله عنه:

* كما هي في «صحيح ابن حبان»، (ج14/ص151/ح6257): [أخبرنا بن قتيبة قال: حدثنا حرملة قال: حدثنا بن وهب قال: أخبرنا يونس عن بن شهاب أن نملة بن أبي نملة الأنصاري حدثه أن أبا نملة أخبره أنه بينما هو جالس عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، جاء رجل من اليهود فقال: هل تكلم هذه الجنازة؟ فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «الله أعلم»، فقال اليهودي: (أنا أشهد أنها تتكلم)، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «ما حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله: فإن كان حقا لم تكذّبوهم، وإن كان باطلا لم تصدّقوهم»، وقال: «قاتل الله اليهود، لقد أوتوا علماً»]. وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده قوي. وقد أخرجه أبو داود في سننه (ج3/ص318/ح3644)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج4/ص136/ح17264)؛ وابن أبي عاصم عمرو الشيباني في الآحاد والمثاني (ج4/ص142/ح2121))؛ والإمام عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه (ج6/ص111/ح10200)؛ والطبراني في معجمه الكبير (ج22/ص350/ح874-ح879)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج2/ص10/ح2071)؛ وغيرهم.

 

ولعلها جاءت أيضاً عن عامر بن ربيعة، رضي الله عنه:

* في «المستدرك على الصحيحين»،(ج3/ص404/ح5538): [أخبرناه أبو الفضل الفقيه حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي أخبرنا عبد الله بن عبد الجبار بحمص حدثنا الحارث بن عبيدة حدثنا الزهري عن سالم عن أبيه عن عامر بن ربيعة قال: كنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فمر بجنازة فقال رجل من اليهود: (يا مُحَمَّد تكلم هذه الجنازة؟!)، فسكت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال اليهودي: (أنا أشهد أنها تكلم)، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إذا حدثكم أهل الكتاب حديثا فقولوا آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله»]؛ ثم قال الحاكم: (هذا حديث يعرف بالحارث بن عبيدة الرهاوي عن الزهري وقد كتبناه في آخر نسخة ليونس عن يزيد عن الزهري: حدثنا أبو القاسم عبد الله بن مُحَمَّد بنيسابور، حدثنا القاسم بن عبد الله بن مهدي، حدثنا عمي، حدثنا رجل، (قد سماه أبو القاسم بن مبرور)، حدثنا زيد بن يونس، عن يزيد، عن الزهري، قال: قال سالم: إن عبد الله بن عمر قال: حين وضعت جنازة رافع بن خديج ... وذكر الحديث). قلت: الحارث بن عبيدة الرهاوي ليس بالقوي؛ وفي الإسناد – على الأرجح ـ سقط:

ــ لأن الإسناد عند الطبراني في مسند الشاميين (ج3/ص48/ح1784) ينص: [حدثنا عثمان بن خالد بن عمرو السلفي حدثنا عبد الجبار الخبائري حدثنا الحارث بن عبيدة حدثنا بقية بن الوليد عن الزبيدي عن الزهري عن سالم بن عمر عن عامر بن ربيعة، بنحوه].

ــ ولأن الإسناد في (معرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني) (ج14/ص394/ح4591) ينص: [حدثنا أبو إسحاق بن حمزة، حدثنا أحمد بن خالد بن عمرو السلفي، حدثنا أبي، حدثنا الحارث بن عبيدة، حدثني الزبيدي، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن عامر بن ربيعة، بنحوه].

أما لفظة: «حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»، التي كثيراً ما أُسيء فهمها، فقد جاءت عن عدد من الصحابة بأصح الأسانيد، منها ما جاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنه، كما:

* هو في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»، (ج2/ص214/ح7006): [حدثنا أبو المغيرة حدثنا الأوزاعي حدثني حسان بن عطية قال: أقبل أبو كبشة السلولي ونحن في المسجد فقام إليه مكحول وابن أبي زكريا وأبو بحرية فقال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: «بلّغوا عني ولو آية، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»]. هذا في غاية الصحة، مسلسل بالثقات المصرحين بالتحديث، وهو كذلك عند أحمد من طرق أخرى صحيحة، وعند البخاري، والدارمي، وابن حبان، وفي مسند الشافعي، ومسند الحميدي، والطبراني الصغير، وشرح معاني الآثار، ومواضع متعددة من «فتح الباري شرح صحيح البخاري»، وغيرهم.

 

* وما جاء عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، كما هو في «السنن الكبرى»، (ج3/ص431/ح5848): [أنبأ الفضل بن العباس بن إبراهيم قال: حدثنا عفان قال: حدثنا همام قال: حدثنا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، وحدّثوا عني ولا تكذبوا عليّ»]. هذا صحيح جداً، وهو كذلك في مسند أحمد من عدة طرق صحاح.

 

* وما جاء عن أبي هريرة، رضي الله عنه، كما أخرجه أبو داود في سننه (ج3/ص322/ح3662) بإسناد جيد على شرط الإمام مسلم: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا علي بن مسهر عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)]؛ وأخرجه أيضاَ الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج2/ص474/ح10134)، (ج2/ص502/ح10536)؛ والحميدي في مسنده (ج2/ص492/ح1205)؛ وأخرجه الإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج5/ص318/ح26485)؛ وغيرهم.

 

* وما جاء عن جابر بن عبد الله، رضي الله عنه، كما هو في «مسند عبد بن حميد»، (ج1/ص350/ح1156): [حدثني بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن الربيع بن سعد عن بن سابط عن جابر قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «تحدثوا عن بني إسرائيل فإنه كانت فيهم الأعاجيب»، ثم أنشأ يحدث قال: «خرجت طائفة منهم فأتوا مقبرة من مقابرهم فقالوا: لو صلينا ركعتين فدعونا الله عز وجل يخرج لنا بعض الأموات يخبرنا عن الموت، قال: ففعلوا، فبينا هم كذلك إذ طلع رجل رأسه من قبر، بين عينيه أثر السجود فقال: يا هؤلاء ما أردتم إلي؟! فوالله لقد مت منذ مائة سنة فما سكنت عني حرارة الموت حتى كان الآن فادعوا الله أن يعيدني كما كنت»]؛ وأخرجه الإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج5/ص318/ح26486) باختصار بدون ذكر القصة؛ وهو بطوله في فوائد تمام (1/218/217) من غير طريق بن أبي شيبة؛ وكذلك في ذيل تاريخ بغداد (4/129) من غير الطريقين السابقين.

وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الصحيح ما عدا الربيع بن سعد الجعفي، وهو ثقة مقل، جهله الأكثرون، ووثّقه كل من عرفه، ومنهم: يحيى بن معين [تاريخ ابن معين رواية الدوري (1/72)]؛ ويعقوب بن سفيان [المعرفة والتاريخ (3/274)]؛ وابن حبان؛ وقال أبو حاتم: لا بأس به؛ ومن المتأخرين: الهيثمي صراحة، وابن كثير ضمناَ، وجهله الذهبي والحافظ؛ كما هو مفصل في الملحق!

 

ولإزالة سوء الفهم الذي كثيراً ما أحاط بهذه الأحاديث نبدأ باستعراض أقوال الأئمة السابقين حول الموضوع التي يمثلها أحسن تمثيل ما قاله الإمام الحافظ الكبير ابن حجر العسقلاني:

* حيث قال في «فتح الباري شرح صحيح البخاري»: [والذي يظهر أن كراهية ذلك للتنزيه لا للتحريم، والأولى في هذه المسألة التفرقة بين من لم يتمكن ويصر من الراسخين في الإيمان فلا يجوز له النظر في شيء من ذلك، بخلاف الراسخ فيجوز له ولا سيما عند الاحتياج الى الرد على المخالف، ويدل على ذلك نقل الأئمة قديما وحديثا من التوراة وإلزامهم اليهود بالتصديق بمُحَمَّد، صلى الله عليه وسلم، بما يستخرجونه من كتابهم، ولولا اعتقادهم جواز النظر فيه لما فعلوه وتواردوا عليه. وأما استدلاله للتحريم بما ورد من الغضب ودعواه أنه لو لم يكن معصية ما غضب منه، فهو معترض بأنه قد يغضب من فعل المكروه ومن فعل ما هو خلاف الأولى إذا صدر ممن لا يليق منه ذلك كغضبه من تطويل معاذ صلاة الصبح بالقراءة، وقد يغضب ممن يقع منه تقصير في فهم الأمر الواضح مثل الذي سأل عن لقطة الإبل، وقد تقدم في كتاب العلم، الغضب في الموعظة ومضى في كتاب الأدب ما يجوز من الغضب]، انتهى كلام الحافظ. وقال في موضع آخر: [قوله وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، أي لا ضيق عليكم في الحديث عنهم لأنه كان تقدم منه، صلى الله عليه وسلم، الزجر عن الأخذ عنهم والنظر في كتبهم ثم حصل التوسع في ذلك، وكأن النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية والقواعد الدينية خشية الفتنة، ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار. وقيل معنى قوله لا حرج، لا تضيق صدوركم بما تسمعونه عنهم من الأعاجيب، فإن ذلك وقع لهم كثيرا. وقيل لا حرج في أن لا تحدّثوا عنهم لأن قوله أولا حدثوا صيغة أمر تقتضي الوجوب، فأشار إلى عدم الوجوب وأن الأمر فيه للإباحة بقوله ولا حرج أي في ترك التحديث عنهم. وقيل المراد رفع الحرج عن حاكي ذلك لما في أخبارهم من الألفاظ الشنيعة نحو قولهم: اذهب أنت وربك فقاتلا، وقولهم: اجعل لنا إلها. وقيل المراد ببني إسرائيل أولاد إسرائيل نفسه وهم أولاد يعقوب، والمراد حدّثوا عنهم بقصتهم مع أخيهم يوسف، وهذا أبعد الأوجه. وقال مالك: المراد جواز التحدث عنهم بما كان من أمر حسن، أما ما علم كذبه فلا. وقيل المعنى حدّثوا عنهم بمثل ما ورد في القرآن والحديث الصحيح. وقيل المراد جواز التحدث عنهم بأي صورة وقعت من انقطاع أو بلاغ لتعذّر الاتصال في التحدث عنهم، بخلاف الأحكام الإسلامية، فإن الأصل في التحدث بها الاتصال، ولا يتعذر ذلك لقرب العهد. وقال الشافعي: من المعلوم أن النبي، صلى الله عليه وسلم، لا يجيز التحدث بالكذب، فالمعنى حدّثوا عن بني إسرائيل بما لا تعلمون كذبه، وأما ما تجوّزونه فلا حرج عليكم في التحدث به عنهم، وهو نظير قوله إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدّقوهم ولا تكذّبوهم ولم يرد الإذن ولا المنع من التحدث بما يقطع بصدقه]، انتهت القطعة الثانية من كلام الحافظ.

 

قلت: رحم الله الحافظ، لقد اختلط عليه، وعلى الكثير من العلماء غيره، حكم ثلاثة أقضية متباينة، فجعلها قضية واحدة، كما يظهر من الدراسة المدققة التالية:

القضية الأولى: سؤال أهل الكتاب، أو غيرهم من الكفار، عن شيء من «الدين» طلباً للعلم والهدى (لاحظ قول عمر: لنزداد علماً إلى علمنا) وهذا محرّم تحريماً قطعياً لا شك فيه بقرينة أنه، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، غضب غضباً شديداً حتى احمرت عيناه من فعل عمر، حتى صاح به عبد الله بن ثابت: (مسخ الله عقلك! أما ترى ما بوجه رسول الله، صلى الله عليه وسلم)، وصاح به أبو بكر: (ثكلتك الثواكل ما ترى بوجه رسول الله، صلى الله عليه وسلم،؟!)، وتنادت الأنصار إلى السلاح، وهذا لا يكون إلا في العظائم. وقد علَّل النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ذلك بأمور عدة تختلف حسب مرتبتها في الأهمية، وهي:

الاعتبار الأول: أن ما في أيدي أهل الكتاب السابق من الكتب والروايات محرّف غُيرت ألفاظه، وأُدخل فيه ما ليس منه، قد اختلط فيه الحق والباطل، والصدق والكذب على وجه لا يمكن التمييز، من داخله، بين أجزائه على وجه متيقن أبداً، كما أنه ناقص لحذف أشياء منه عمداً أو لضياعها. فما هو بأيديهم مظلم ملوَّث، لا تقوم به حجة، ولا تبرأ به ذمة. أما ما أتى به مُحَمَّد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو منير نقي، وهو شاف كاف (لاحظ قوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إني أوتيت جوامع الكلم وخواتمه، واختصر لي الحديث اختصارا، ولقد جئتكم بها بيضاء نقية) قد تكفل الله بحفظه بحيث يبقى إلى يوم القيامة نقياً تقوم به الحجة وتبرأ به الذمة. فكيف يسوغ للعاقل طالب الحق أن يترك المنبع النقي الصافي ويتجه إلى المشوب الملوَّث؟! نعم: قد يعذر من لم يجد إلا الملوَّث إذا شرب منه مضطرًا، كحال المؤمنين بالكتب السابقة قبل بعثته، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما بعد بعثته فلا؛

الاعتبار الثاني: وهو أهم من سابقه وأخطر، أن أهل الكتاب السابق لما سبق ذكره من تحريف الكتب وضياعها، ولانتشار الفسق والنفاق في أحبارهم وكهنتهم ورهبانهم، الذين يحرفون الكلم الثابت الصحيح عن مواضعه، ويتأوّلون الكتاب على غير تأويله، ويجعلون الكتاب قراطيس يُبدون بعضها ويُخفون كثيراً، ويبقون الكتاب بلغات ميتة بائدة لا يحسنها جمهور الناس ليحتكروا تفسيره، ويتسلطوا على العامة بمعرفته، ولمداهنتهم للسلاطين، وأكلهم أموال الناس بالباطل، أنهم لذلك كله ضلال بعيدون عن الهدى، ومن كان ضالاً بنفسه لا ينتظر منه أن يهدي غيره، ولا يجوز أن يوثق بفتواه، ولا أن يعتدّ برأيه.

وعلم «الدين» إنما يؤخذ فقط عن أهل الهداية والاستقامة، لا عن أهل الغواية والضلالة (لاحظ قوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا). وهذا يصح كذلك، ومن باب أولى، حتى على منافقة القراء من هذه الأمة المُحَمَّدية، لا سيما فقهاء السلاطين، أخزاهم الله، ولعنهم وأبادهم، بالرغم من حفظ الذّكر وسلامته من التحريف والضياع في ذاته، وبالرغم من حفظهم هم للكتب والمتون والشروح، كالحمار يحمل أسفاراً، لأنهم لم يرفعوا بها رأساً، فلا يجوز أيضاً سؤالهم، ولا طلب الهدي منهم وهم قد ضلوا.

الاعتبار الثالث: وهو الاعتبار الأهم والأخطر: أن الكتب السابقة حتى ولو قدرنا جدلاً، وتنزلاً في الاحتجاج، أنها كانت محفوظة حرفاً حرفاً، بل وحركة حركة، وصوتا صوتا، كحفظ القرآن عند المسلمين، وحتى لو سلمنا جدلاً بأن حملتها من الكهنة والأحبار والرهبان ثقات مأمونون، لا يحرّفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في آيات الله، ولا يكتمون شيئاً مما أنزل الله، ويبلّغون عن الله ولا يخشون أحداً إلا الله، أي أنهم بحق (علماء)، وليسوا فقط (قراء)، وأنهم بحق ورثة للأنبياء، لو فرضنا ذلك كله جدلاً لم تعد مصدر هداية: لأنها نسخت كلها من أولها إلى آخرها، كبيرها وصغيرها. بل لو أن موسى، وهو من أعظم رسل الله السابقين مكانة، وأكثرهم تشريعاً، بعث حياً اليوم للزمه اتباع النبي مُحَمَّد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، من غير قيد أو شرط.

ولمَّا كان موسى، صلى الله عليه وسلم، رسولاً نبياً معصوماً لا يجوز له أن يخالف شيئا من أوامر الله ونواهيه التي أوحاها إليه من قبل، لزم ضرورة أن يكون كل ما أوحي إليه منسوخا كله، دقه وجله فور بعثة مُحَمَّد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولو تبع الناس موسى، وتركو مُحَمَّداً لضلوا ضلالاً بعيداً، أي لكفروا، لأن الضلال البعيد لا يطلق إلا على الكفر.

فمن لحظة نزلت: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، على الصحيح، أو على أبعد تقدير لحظة نزول قوله، تباركت أسماؤه: ﴿قُلْ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، (لأعراف؛ 7: 158)، نسخت جميع الشرائع السابقة كلها جميعاً، وعاد الأمر أنف كيوم خوطب آدم وزوجه: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ، بل كحالهما قبل ذلك الخطاب. فلم يكن ثم صلاة ولا زكاة ولا صيام، وما ثمة تكليف حتى جاء ذلك الأمر الواحد اليتيم. لذلك كان الحق الذي لا ريب فيه أن (شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا)، كما أقمنا عليه قواطع الأدلة فيما سبق.

 

نعم: لقد قال بخلاف ذلك بعض أهل العلم، وهو خطأ منكر فادح، وزلة جسيمة شنعاء من زلات العلماء، نسأل الله أن يغفرها لهم، ونعوذ بالله من شرها.

 

وأما حمل الحافظ ابن حجر، رحمه الله، غضب النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الشديد على الكراهية فحسب فهو عجيب، وهو من زلات العلماء الشنيعة، أعاذنا الله من شرها. وأعجب منه القياس على تأنيب معاذ، رضي الله عنه، على إطالته الصلاة. وكان الأولى به، سامحه الله وعفا عنه، أن يحكم بحرمة تطويل الإمام لصلاة الفرض فوق طاقة المأمومين، وهو الحق إن شاء الله تعالى، بدلاً من تنكيس القضية، والذهاب إلى مقالته الساقطة العجيبة. وأما غضب النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، على من سأل عن ضوال الإبل فالأرجح، والله أعلم، أنه استشعر من السائل محاولة المراوغة لاستحلال أخذها أو ركوبها على الأقل، كما يظهر من تتبع ألفاظ الحديث، فاشتد غضبه لا من مجرد السؤال، ولكن من ما ظهر من مقاصد السائل ونيته الملتوية، وهي نية محرمة خبيثة، يستحق صاحبها الذم والتوبيخ، وأن يعنَّف ويغضب عليه.

 

القضية الثانية: وهي غير الأولى، ومباينة لها، تتعلق بالموقف من إخبار أهل الكتاب لنا بشيء من أمور «الدين»، كأخبار الغيب، وأحوال القيامة، وصفات الله وأسمائه، وذلك عندما يتطوعون هم بتقديم الخبر، غير مسبوق بسؤال منا، لأن سؤالهم عن ذلك غير جائز كما أسلفنا. ففي مثل هذه الأحوال يوجب العقل التوقف في كل مقولة لم يقم عليها أو على ضدها برهان، لأن الإثبات والنفي كلاهما أحكام تفتقر إلى البرهان. وحتى لو كانت تلك المقولات مستندة على كتبهم ورواياتهم، مستنبطة استنباطا صحيحاً من النصوص التي في أيديهم، فلا يجوز إلا التوقف في أمرها لأن نصوصهم غير ثابته، ولم يقم البرهان القاطع على حجيتها. هذا هو الموقف «المعرفي» العقلي السليم، والتعامل المنصف، من كل قضية لم تتم بعدُ البرهنة عليها: التوقف والامتناع عن النفي أو الإثبات. ثم جاء الشرع المطهّر فأوجب هذا الموقف «المعرفي» السليم على المؤمنين بالرسالة المُحَمَّدية، فأصبح هو كذلك الحكم الشرعي الملزم، لأن خلاف ذلك يفضي إلى التصديق بباطل، وهو أمر محرّم شنيع، أقل مراتبه التخريف والسفاهة، وربما وصل إلى درجة الكفر والضلالة، أو التكذيب بحق، وهو كسابقه في الشناعة.

وهذا الموقف هو كذلك الواجب على من عصى الله ورسوله وبدأهم بالسؤال، فالوقوع في المعصية أولاً بسؤالهم لا يبرر الوقوع في المعصية تالياً بتكذيبهم أو تصديقهم من غير برهان. نعم، هذا هو الواجب على كل حال تجاه تحديثهم لنا عن أي شأن من شؤون «الدين»، سواء كان هذا ابتداءً وتبرعاً منهم، أو رداً على سؤال منا، بغض النظر عن إثم السائل من عدمه.

 

القضية الثالثة: التحديث «عنهم»، أي رواية أخبارهم، وما حدث في تاريخهم الطويل من الفتن والحروب، والارتقاء والانحطاط، والنصر والهزيمة، وصلاح الحكام وفسادهم، وإحسان الأحبار وانحرافهم، وكذلك الأعاجيب التي كانت فيهم، كل ذلك لأخذ العبرة والموعظة، ولفهم حركة التاريخ، وسنن الأمم والدول والمجتمعات، لا سيما وأن بني إسرائيل كانوا أمة رسالة ودعوة. ويدخل في ذلك، بل هو الأولى بالتقديم لأنه كالمدخل لما سبق: دراسة كتبهم ومروياتهم لغربلة المتناقض والمكذوب، واستجلاء الراجح والصحيح، لا سيما إذا دعم ذلك بدراسة آثارهم، وأطلال مدنهم، وما رواه مؤرخو الشعوب الأخرى عنهم، إلى غير ذلك من آليِّات البحث التاريخي. ومن البديهي أنه لا يجوز، كما أسلفنا في القضايا السابقة، أخذ مروياتهم، أو مرويات غيرهم، موضع التسليم، بل لا بد من التوقف فيها أولاً، ثم فحصها وتمييزها ثانياً. فإن ثبت أو ترجّح شيء من ذلك جاز بعدئذ التحدث عنهم به، ولا حرج، لأخذ العبرة منه.

 

ولكن الفهم الخاطئ السقيم للأحاديث المذكورة أعلاه، حتى من قبل بعض الأكابر، كما يظهر مثلاً في كلام الإمام الحافظ الحجة ابن حجر، أدى إلى انتكاس القضايا في أذهان المسلمين. نعم، قلّ أن يوجد من المسلمين من سأل أهل الكتاب طالباً الهدى من عندهم، ولكن كثر من طلب الهدى من كتب الفلاسفة، وهم شرّ من أهل الكتاب، وأبعد عن الهدى والوحي، ظاناً أنها مباحث عقلية، مهملاً للكتاب والسنّة. والحق أنها أسوأ حالاً من كتب بني إسرائيل: فما هي إلا فرضيات خيالية، ومباحث خرافية، إلا أقل القليل.

 

وانتشر التصديق لمرويات أهل الكتابين وأخذها قضية مسلمة خاصة في كتب التفاسير، بل وجد من حاول تأويل النصوص القرآنية لتتوافق مع الخرافات العبرانية: سبحان الله هذا بهتان عظيم!

 

وفي المقابل قلَّت الأبحاث النقدية الموضوعية لكتبهم. نعم، قام الإمام الفحل أبو محمد علي بن حزم الأندلسي، فيما نعلم، بأول دراسة موضوعية في تاريخ البشرية، حسب علمي، لكتب أهل الكتابين في «الفِصَل بين الملل والنحل»، ولكن لم يتبعه كثير من علماء المسلمين بل أهملوا الموضوع إهمالاً، إلا الإمام ابن تيمية في «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح»، وإن كان لم يبلغ مرتبة أبي محمد علي بن حزم في النقد والتدقيق، ولم يأت من غيرهما إلا أشياء يسيرة أخرى، لا تسمن ولا تغني من جوع، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

 

وما ذكرناه آنفاً، مع كونه الحق بأدلته، ليس بدعاً من القول، فقد سبقنا إليه، في جوهره، الإمام الحبر البحر عبد الله بن عباس، رضوان الله وسلامه عليهما:

* فيما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (ج6/ص2735/ح7084): [حدثنا علي بن عبد الله حدثنا حاتم بن وردان حدثنا أيوب عن عكرمة عن بن عباس رضي الله عنهما قال: (كيف تسألون أهل الكتاب عن كتبهم وعندكم كتاب الله أقرب الكتب عهدا بالله، تقرؤونه محضا لم يُشَبْ؟!)]

* وأخرجه الإمام البخاري في صحيحه (ج6/ص2680/ح6929) بلفظ أتم عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن بن عباس: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا إبراهيم أخبرنا بن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله أن بن عباس قال: (كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنزل على رسول الله أحدث (وفي رواية: أحدث الأخبار بالله)؛ تقرؤونه محضا لم يُشَبْ؛ وقد حدّثكم أن أهل الكتاب بدّلوا كتاب الله وغيّروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا؛ ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟! لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل عليكم!)]؛ وأخرجه الإمام البخاري في صحيحه في مواضع أخرى: (ج2/ص954/ح2539)، و(ج6/ص2736/ح7085)؛ والحاكم في مستدركه (ج2/ص289/ح3041)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج8/ص249/ح20904)، (ج10/ص203/ح20400)؛ وغيرهم.

فهذا يقوي مذهب من أخذ في التشكيك والطعن في أكثر النقولات المنسوبة إليه، وما أكثرها، والتي تفوح منها رائحة الأخذ من أهل الكتاب

 

فصل: النهي عن كثرة السؤال

اشتد نهي الله ورسوله عن كثرة السؤال، والتردد على رسول الله بالمسائل والفرضيات، والتقعر والتعمق في الجدليات، لا فرق في ذلك بين سؤال الرجل المطعون في نسبه: من هو أبي؟! وسؤال الأعرابي الأحمق عن الحج: أهو في كل عام. ولقد ثبت ذلك بالبرهان القاطع، والحجة اليقينية المُلزمة بذلك كما هي في الآيات والأحاديث التالية:

* قال الحق، جل جلاله، وتباركت أسماؤه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ، (المائدة: 5: 101)، وإليك جماع قول أئمة التفسير:

* فقد جاء في «تفسير الطبري»: [القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ، ذكر أن هذه الآية أنزلت على رسول الله بسبب مسائل كان يسألها إياه أقوام امتحانا له أحيانا، واستهزاء أحيانا، فيقول له بعضهم: من أبي؟!، ويقول له بعضهم إذا ضلت ناقته: أين ناقتي؟! فقال لهم تعالى ذكره: لا تسألوا عن أشياء من ذلك (كمسألة عبد الله بن حذافة إياه من أبوه)، إن تبد لكم تسؤكم، يقول إن أبدينا لكم حقيقة ما تسألون عنه ساءكم إبداؤها وإظهارها، وبنحو الذي قلنا في ذلك تظاهرت الأخبار عن أصحاب رسول الله. ذكر الرواية بذلك]. ثم استعرض الطبري نحواً من عشر روايات أكثرها صحاح بذلك المعنى المذكور، وهي في الملحق مع كامل نص الإمام الطبري.

 

* واستأنف الإمام: [وقال آخرون: نزلت هذه الآية على رسول الله من أجل مسألة سائل سأله عن شيء في أمر الحج. ذكر من قال ذلك] وذكر كذلك نحواً من ثمانية طرق، أكثرها صحاح، وهي كذلك في الملحق مع كامل النص.

 

* ثم قال: [وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية من أجل أنهم سألوا رسول الله عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي. ذكر من قال ذلك] ثم ذكر روايتين، لا غير.

 

* ثم قال الإمام الطبري: [وأولى الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال: نزلت هذه الآية من أجل إكثار السائلين رسول الله المسائل، كمسألة ابن حذافة إياه من أبوه، ومسألة سائله إذ قال: إن الله فرض عليكم الحج، أفي كل عام؟ وما أشبه ذلك من المسائل لتظاهر الأخبار بذلك عن الصحابة والتابعين وعامة أهل التأويل.

 وأما القول الذي رواه مجاهد عن ابن عباس فقول غير بعيد من الصواب، ولكن الأخبار المتظاهرة عن الصحابة والتابعين بخلافه، وكرهنا القول به من أجل ذلك على أنه غير مستنكر أن تكون المسألة عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام كانت فيما سألوا النبي عنه من المسائل التي كره الله لهم السؤال عنها، كما كره الله لهم المسألة عن الحج أكل عام هو أم عاما واحدا، وكما كره لعبد الله بن حذافة مسألته عن أبيه، فنزلت الآية بالنهي عن المسائل لها، فأخبر كل مخبر منهم ببعض ما نزلت الآية من أجله وأجل غيره. وهذا القول أولى الأقوال في ذلك عندي بالصحة، لأن مخارج الأخبار بجميع المعاني التي ذكرت صحاح، فتوجيهها إلى الصواب من وجودها أولى]،

وقد ذكرنا نص كلام الطبري بكامله في الملحق، وكذلك تفسير ما جاء بعده من آيات لعلاقته بالموضوع، فليراجع هناك.

 

* وفي تفسير ابن كثير نحو ما قال الطبري مختصراً مع زيادات موفقة مفيدة: [نهى الله تعالى المؤمنين في هذه الآية الكريمة عن كثرة سؤال النبي، صلى الله عليه وسلم، عن الأشياء قبل كونها كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ، أي وإن تسألوا عن تفصيلها بعد نزولها تُبين لكم، ولا تسألوا عن الشيء قبل كونه فلعله أن يحرم من أجل تلك المسألة، ولهذا جاء في الصحيح: «إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته»، ولما سئل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن الرجل يجد مع امرأته رجلا، فإن تكلم: تكلم بأمر عظيم، وإن سكت: سكت على مثل ذلك، فكره رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المسائل وعابها؛ ثم أنزل الله حكم الملاعنة. ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان ينهى عن قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال، وفي صحيح مسلم: ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإن نهيتكم عن شيء فاجتنبوه. وهذا إنما قاله بعد ما أخبرهم أن الله كتب عليهم الحج فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت عنه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثلاثا ثم قال عليه السلام: لا، ولو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتم ... الحديث. ولهذا قال أنس بن مالك: (نهينا أن نسأل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن شيء، فكان يعجبنا أن يأتي الرجل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع).

وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: أخبرنا أبو كريب أخبرنا إسحاق بن سليمان عن أبي سنان عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: (إن كان ليأتي علي السنة أريد أن أسأل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن الشيء فأتهيب منه، وإن كنا لنتمنى الأعراب).

وقال البزار: أخبرنا مُحَمَّد بن المثنى أخبرنا ابن فضيل عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما رأيت قوما خيرا من أصحاب مُحَمَّد، صلى الله عليه وسلم، ما سألوه إلا عن اثنتي عشرة مسألة كلها في القرآن: يسألونك عن الخمر والميسر، ويسألونك عن الشهر الحرام، ويسألونك عن اليتامى، يعني هذا وأشباهه. وقوله تعالى: أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل، أي بل تريدون أو هي على بابها في الاستفهام، وهو إنكاري، وهو يعم المؤمنين والكافرين، فإنه عليه الصلاة والسلام رسول الله إلى الجميع كما قال تعالى: يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم، قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد عن ابن عباس قال: قال رافع بن حريملة أو وهب بن زيد: يا مُحَمَّد، ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرؤه، وفجر لنا أنهارا نتبعك ونصدقك، فأنزل الله من قولهم: أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل قال: قال رجل يا رسول الله لو كانت كفارتنا ككفارات بني إسرائيل! فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: اللهم لا نبغيها – ثلاثا - ما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل، كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبة على بابه وكفارتها، فإن كفرها كانت له خزيا في الدنيا، وإن لم يكفرها كانت له خزيا في الآخرة، فما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل، قال: ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما، وقال: الصلوات الخمس من الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن، وقال: من همَّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه وإن عملها كتبت سيئة واحدة، ومن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة، وان عملها كتبت له عشر أمثالها، ولا يهلك على الله إلا هالك، فأنزل الله: أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل. وقال مجاهد: أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل أن يريهم الله جهرة، قال: سألت قريش مُحَمَّدا، صلى الله عليه وسلم، ان يجعل لهم الصفا ذهبا، قال: نعم، وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل، فأبوا ورجعوا. وعن السدي وقتادة نحو هذا والله أعلم. والمراد أن الله ذم من سأل الرسول، صلى الله عليه وسلم، عن شيء على وجه التعنّت والاقتراح، كما سألت بنو إسرائيل موسى عليه السلام تعنتا وتكذيبا وعنادا، قال الله تعالى: ومن يتبدل الكفر بالإيمان، أي: ومن يشتر الكفر بالإيمان، فقد ضل سواء السبيل أي: فقد خرج عن الطريق المستقيم إلى الجهل والضلال، وهكذا حال الذين عدلوا عن تصديق الأنبياء، واتباعهم، والانقياد لهم إلى مخالفتهم وتكذيبهم والاقتراح عليهم بالأسئلة التي لا يحتاجون إليها على وجه التعنت والكفر، كما قال تعالى: ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار، وقال أبو العالية: يتبدل الشدة بالرخاء،...، الآيات]، انتهى كلام الإمام بن كثير، وقد أحسن فيه وأجاد.

 

وأنت ترى مما سلف من أقوال الإمامين، وما أوردا من أدلة تحدث بمجموعها علماً قطعياً، لا محيص من الإقرار بصحته، على قولنا أن الآية، كما هو منطوقها، عامة في كل المسائل، لا فرق في ذلك بين سؤال الرجل متعنتاً: من هو أبي؟! أو: أين أبي في الجنة أو النار؟! وسؤال الأعرابي الجاهل عن الحج: أهو في كل عام؟!

 

ولاستكمال البرهان القاطع على ذلك، ولزيادة إيضاح المسألة بكافة أبعادها، نورد أهم الروايات الصحيحة في هذا الموضوع مع أسانيدها، مبتدئين بحديث أبي هريرة، رضي الله عنه:

* ففي «صحيح مسلم»، (ج4/ص1830/ح1337): [حدثني حرملة بن يحيى التجيبي أخبرنا بن وهب أخبرني يونس عن بن شهاب أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب قالا: كان أبو هريرة يحدث أنه سمع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم»]. وهو في أكثر الصحاح، والسنن والمعاجم والمسانيد بأصح الأسانيد كما هو مفصل في الملحق.

 

* وفي «الجامع الصحيح المختصر» للإمام البخاري، (ج6/ص2658/ح6858): [حدثنا إسماعيل حدثني مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»]. هذا الإسناد صحيح كالشمس، بل هو «السلسلة الذهبية» من أسانيد أبي هريرة، كما يقال، وإن كنا نعتقد أن بن شهاب الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب عن أبي هريرة أصح وأقوى!

ــ وهو في «صحيح مسلم»، (ج2/ص975/ح1337)، مع قصة: [وحدثني زهير بن حرب حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا الربيع بن مسلم القرشي عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: (أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا!)؛ فقال رجل: (أكل عام يا رسول الله؟!) فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم) ثم قال: (ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه)]

ــ وفي «صحيح ابن حبان»، (ج5/ص465/ح2106)، زيادة مفيدة جيدة بإسناد قوي تقوم به الحجة، وتعليق جيد من الإمام أبي حاتم بن حبان البستي: [أخبرنا عمر بن مُحَمَّد الهمداني قال: حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد قال: حدثني أبي عن جدي عن مُحَمَّد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة به. قال بن عجلان: حدثني زيد بن أسلم عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وزاد فيه: «وما أخبرتكم أنه من عند الله فهو الذي لا شك فيه»]؛ ثم قال أبو حاتم، رضي الله تعالى عنه: (في هذا الخبر بيان واضح: أن النواهي عن المصطفى، صلى الله عليه وسلم، كلها على الحتم والإيجاب حتى تقوم الدلالة على ندبيتها، وأن أوامره، صلى الله عليه وسلم، بحسب الطاقة والوسع على الإيجاب حتى تقوم الدلالة على ندبيتها، قال الله جل وعلا: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا، ثم نفى الإيمان عن من لم يحكّم رسوله فيما شجر بينهم من حيث لا يجدوا في أنفسهم مما قضى وحكم حرجا ويسلموا لله ولرسوله، صلى الله عليه وسلم، تسليما بترك الآراء المعكوسة، والمقايسات المنكوسة فقال: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما)، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده قوي على شرط مسلم).

 

ولم ينفرد أبو هريرة بهذا المعنى، بل قد جاء في هذا الموضوع، من زاوية أخرى، عن سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنه، كما هو:

* في «الجامع الصحيح المختصر» للإمام البخاري، (ج6/ص2658/ح6859): [حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ حدثنا سعيد حدثني عقيل عن بن شهاب عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته»]

ــ هو وفي «صحيح مسلم»، (ج4/ص1831/ح2358)، بلفظ: «إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم عليهم من أجل مسألته»؛ ثم قال مسلم: [حدثناه أبو بكر بن أبي شيبة وابن أبي عمر قالا: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري (ح) وحدثنا مُحَمَّد بن عباد حدثنا سفيان (قال: أحفظه كما أحفظ بسم الله الرحمن الرحيم) عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن أمر لم يحرم فحرم على الناس من أجل مسألته»]

 

ويزيد حديث النواس بن سمعان، وهو صحيح كذلك، هذه القضية وضوحاً، حيث جاء:

* في «صحيح مسلم»، (ج4/ص1980/ح2553): [حدثني هارون بن سعيد الأيلي حدثنا عبد الله بن وهب حدثني معاوية يعنى بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن نواس بن سمعان قال: (أقمت مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالمدينة سنة ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة، كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن شيء، قال: فسألته عن البر والإثم فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس»).

 

وهناك حديث أبي ثعلبة الخشني، وهو قوي متصل صحيح، في نفس الموضوع:

* كما أخرجه الإمام ابن حزم في «الإحكام في أصول الأحكام»: [حدثنا أحمد بن قاسم حدثنا أبي قاسم بن محمد بن قاسم حدثنا جدي قاسم بن أصبغ أخبرنا بكر بن حماد أخبرنا حفص بن غياث عن داود بن أبي هند عن مكحول عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء، من غير نسيان لها: رحمة لكم، فلا تبحثوا عنها!»] كذا في عامة الطرق وأقواها: (وسكت عن أشياء،)، وربما جاء: (وعفا عن أشياء،)، أو: (وترك أشياء،)؛ وقد حكم الإمام أبو محمد علي بن حزم بصحة هذا الحديث، فوفق وأجاد؛ وأخرجه البيهقي في سننه الكبرى (ج10/ص12/ح19509) أيضاً من طريق حفص بن غياث موقوفاً، ووقفه خطأ من راوية ضعيف، والصحيح من طريق حفص بن غياث هو المرفوع قطعاً، كما هو في المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية (12/420/2934)؛

ــ وهو في «المستدرك على الصحيحين»، (ج4/ص129/ح7114)، بلفظ: [حدثني علي بن عيسى حدثنا محمد بن عمرو الحرشي حدثنا القعنبي حدثنا علي بن مسهر عن داود بن أبي هند عن مكحول عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إن الله حد حدوداً فلا تعتدوها، وفرض لكم فرائض فلا تضيعوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وترك أشياء، من غير نسيان من ربكم ولكن رحمة منه لكم، فاقبلوها ولا تبحثوا فيها!»]؛ وأخرجه كذلك مرفوعاً الدارقطني في سننه (ج4/ص183/ح42) من طريق إسحاق الأزرق؛ والطبراني في معجمه الكبير (ج22/ص223/ح589)، وكذا في المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية (12/420/2934)، من طريق عبد الرحيم بن سليمان مرفوعاً؛ وجاء مرفوعاً في مجالس من أمالي أبي عبد الله بن منده (ص: 10، بترقيم الشاملة آليا/9) ، وكذلك في معجم ابن عساكر (2/965/1232)، من طريق يزيد بن هارون؛ وهو في الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (8/24) من طريق محمد بن فضيل مرفوعاً؛ وهو في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (9/17) من طريق أبي بكر بن محمد مرفوعاً؛ وهو في الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (2/20) من طريق زهير بن إسحاق مرفوعاً؛ فثبت رفعه بلا شبهة، كما رجح ذلك الإمام الدارقطني. أما ما زعمه الكثيرون من إرساله، وأن الإمام مكحول لم يسمع من أبي ثعلبة الخشني، رضي الله عنه، فزعم باطل شنيع كما تجده محرراً في بحثنا المعنون: (مراسيل مكحول المزعومة)، مع دراسة وافية لسيرة الإمام التابعي الكبير مكحول، رضي الله عنه، لا تجدها في غير ذلك الموضع، بحمد الله وتوفيقه، لا أله ألا هو، عليه نتوكل، وبه نتأيد؛ فلعلنا نلحقها في آخر هذا الكتاب.

 

وجاء نحو هذا عن أبي الدرداء، رضي الله عنه:

* كما هو عند الإمام الحاكم في مستدركه (ج2/ص407/ح3419): [أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي الشيباني حدثنا أحمد بن حازم الغفاري حدثنا أبو نعيم حدثنا عاصم بن رجاء بن حيوة عن أبيه عن أبي الدرداء رضي الله عنه رفع الحديث قال: (ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله العافية: فإن الله لم يكن نسيا)، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً (مريم؛ 19: 64)]، وعقَّب الإمام الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي؛ وأخرجه الدارقطني في سننه (ج2/ص137/ح12)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج10/ص12/ح19508)؛ وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين (ج3/ص209/ح2102)؛ وغيرهم؛ وقد نسبه الحافظ في «الفتح» إلي البزار والحاكم، بلفظ مختلف مع زيادات، فقال: [ما أخرجه البزار وقال: (سنده صالح)، وصححه الحاكم... إلخ]. قلت: هذا إسناد حسن جيد (بسبب عاصم بن رجاء بن حيوة)، ولكن الحديث حسن صحيح بالمتابعات والشواهد، كما هو مفصل في الملحق.

 

وجاء نحو هذا عن عمير بن قتادة الجندعي الليثي، رضي الله عنه، من طريق محتملة، لا بأس بها:

* كما هي في «المستدرك على الصحيحين»، (ج3/ص726/ح6628): [حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح حدثنا عمرو بن خالد الحراني حدثنا محمد بن سلمة الحراني عن بكر بن خنيس عن أبي بدر عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبيه عن جده قال: (كانت في نفسي مسألة قد احزنتني لم اسأل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عنها ولم اسمع أحدا يسأله عنها فكنت أتحيّنه، فدخلت ذات يوم وهو يتوضأ، فوافقته على حالين كنت أحب أن أوافقه عليهما: وجدته فارغاً، طيب النفس، فقلت: يا رسول الله ائذن لي فأسألك؛ قال: (نعم: سل عما بدا لك)؛ قلت: يا رسول الله: ما الإيمان؟!، قال: (السماحة والصبر)؛ قلت: (وأي المؤمنين افضلهم إيماناً)، قال: (احسنهم خلقاً)؛ قلت: (فأي المسلمين أفضل إسلاماً)، قال: (من سلم المسلمون من يده ولسانه)؛ قلت: (أي الجهاد أفضل؟!)، فطأطأ رأسه فصمت طويلا حتى خفت أن اكون قد شققت عليه، وتمنيت أن لم أكن سألته، وقد سمعته بالأمس يقول: (إن أعظم الناس في المسلمين جرما لمن سأل عن شيء لم يحرم عليهم فحرم من أجل مسألته)؛ فقلت: (أعوذ بالله من غضب الله، وغضب رسوله)؛ فرفع رأسه فقال: (كيف قلت؟!)، قلت: (أي الجهاد أفضل؟!)، قال: (كلمة عدل عند امام جائر)]؛ بخٍ، بخ لك يا عمير بن قتادة، أخا بني ليث، على هذه الأسئلة العظيمة الموفقة، وهنيئاً لك سماع البيان النبوي الشافي الكافي من الشفتين الشريفتين المعصومتين مباشرة، من غير واسطة.

 

وجاء نحو هذا عن سلمان الفارسي، رضي الله عنه:

* كما أخرجه الترمذي في سننه (ج4/ص220/ح1726): [حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري حدثنا سيف بن هارون البرجمي عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان قال: سئل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن السمن والجبن والفراء فقال: (الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه)]؛ وقال الإمام أبو عيسى الترمذي: (وفي الباب عن المغيرة؛ وهذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه؛ وروى سفيان وغيره عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان قوله: وكأن الحديث الموقوف أصح؛ وسألت البخاري عن هذا الحديث فقال: (ما أراه محفوظا: روى سفيان عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان موقوفا)؛ قال البخاري: (وسيف بن هارون مقارب الحديث؛ وسيف بن مُحَمَّد عن عاصم ذاهب الحديث). وأخرجه ابن ماجه في سننه (ج2/ص1117/ح3367)؛ والحاكم في مستدركه (ج4/ص129/ح7115)؛ والطبراني في معجمه الكبير (ج6/ص250/ح6124)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج10/ص12/ح19507).

قلت: سيف بن هارون البرجمي ثقة عابد، أخطأ من ضعفه خطأً فاحشاً، وقد تابعه الإمام الحجة سفيان بن عينة على رفع الحديث؛ كما جاء الحديث من عدة طرق عن أبي عبد الله الجدلي عن سلمان مرفوعاً، فالحديث ثابت صحيح مرفوعاً، بلا شبهة؛ كما سنشبعه درساً في الملحق، إن شاء الله تعالى.

 

وجاء نحو هذا من كلام الحبر البحر، الإمام الحجة عبد الله بن العباس، رضي الله عنهما:

* كما أخرجه الإمام الحاكم في مستدركه (ج4/ص128/ح7113): [أخبرني علي بن محمد بن دحيم الشيباني بالكوفة حدثنا أحمد بن حازم الغفاري حدثنا أبو نعيم حدثنا مُحَمَّد بن شريك المكي عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن بن عباس رضي الله عنهما قال: (كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا فبعث الله تعالى نبيه، صلى الله عليه وسلم، وأنزل كتابه وأحل حلاله، وحرم حرامه: فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو) وتلا هذه الآية: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، (الأنعام؛ 6: 145)]؛ وأخرجه أبو داود في سننه (ج3/ص355/ح3800)؛ وعقَّب الإمام الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)؛ قلت: هو كذلك، بل هو في غاية الصحة.

 

وجاء نحو هذا من كلام التابعي الكبير عبيد بن عمير بن قتادة:

* كما أخرجه الإمام عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه (ج4/ص534/ح8767) بإسناد صحيح: [عبد الرزاق عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار أنه سمع عبيد بن عمير يقول: (أحل الله حلاله وحرم حرامه فما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو)]

ــ وهو في تفسير الطبري (ج11/ص114/ح12814) بإسناد صحيح: [حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، أخبرنا ابن جريج، عن عطاء قال: كان عبيد بن عمير يقول: (إن الله تعالى أحلّ وحرَّم، فما أحلّ فاستحلُّوه، وما حرَّم فاجتنبوه، وترك من ذلك أشياء لم يحلها ولم يحرمها، فذلك عفو من الله عفاه. ثم يتلو: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ]

ــ وأيضاً في تفسير الطبري (ج11/ص114/ح54) بإسناد صحيح، في غاية الصحة: [حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا الضحاك قال: أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني عطاء، عن عبيد بن عمير أنه كان يقول: (إنّ الله حرّم وأحلَّ)؛ ثم ذكر نحوه]

 

وكان غضب خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، على من يسأل عن مثل هذه الأمور شديداً، كما جاء عن أبي قتادة الأنصاري، رضي الله تعالى عنه:

* كما جاء في «صحيح مسلم»، (ج2/ص820/ح1202): [حدثنا مُحَمَّد بن المثنى ومُحَمَّد بن بشار واللفظ لابن المثنى قالا حدثنا مُحَمَّد بن جعفر حدثنا شعبة عن غيلان بن جرير سمع عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة الأنصاري، رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سئل عن صومه قال: فغضب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال عمر، رضي الله تعالى عنه: (رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمُحَمَّد رسولا، وببيعتنا بيعة!)، قال: فسُئِل عن صيام الدهر فقال: «لا صام ولا أفطر، (أو: ما صام وما أفطر)»، قال: (فسئل عن صوم يومين وإفطار يوم) قال: «ومن يطيق ذلك؟!»، قال: (وسئل عن صوم يوم وإفطار يومين)، قال: «ليت أن الله قوانا لذلك!»، قال: (وسئل عن صوم يوم وإفطار يوم)، قال: «ذاك صوم أخي داود عليه السلام»، قال: (وسئل عن صوم يوم الإثنين)، قال: «ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت، (أو أنزل علي فيه)»، قال فقال: «صوم ثلاثة من كل شهر، ورمضان إلى رمضان: صوم الدهر»، قال: (وسئل عن صوم يوم عرفة)، فقال: «يكفّر السنة الماضية والباقية»، قال: (وسئل عن صوم يوم عاشوراء)، فقال: «يكفر السنة الماضية»]، وهو في صحيح مسلم» من عدة طرق (ج2/ص819 ــ ص820/ح1202)، وهو أيضاً مختصراً ومطولاً في «المجتبى من السنن» للإمام النسائي، وفي «السنن الكبرى» له، وكذلك في «مسند الإمام أحمد بن حنبل» من عدة طرق وفي «صحيح ابن خزيمة»، كما أنه في «المستدرك على الصحيحين»، وفي غيرها بأصح الأسانيد.

ــ وهو في «سنن البيهقي الكبرى»، (ج4/ص286/ح8182)، بمجموعة أسانيد من غير طريق شعبة: [أخبرنا أبو بكر مُحَمَّد بن الحسن بن فورك أنبأ عبد الله بن جعفر حدثنا يونس بن حبيب حدثنا أبو داود حدثنا حماد بن زيد وهشام ومهدي قال حماد ومهدي عن غيلان بن جرير وقال هشام عن قتادة عن غيلان بن جرير عن عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه، أن أعرابيا سأل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن صومه: فغضب حتى عرف ذلك في وجهه، فقام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبك نبيا، أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، فلم يزل عمر رضي الله تعالى عنه يردد ذلك حتى سكن، ثم ساق الحديث بطوله إلى منتهاه بنحو حديث الإمام مسلم]، وقال الإمام البيهقي: (رواه مسلم في الصحيح عن يحيى بن يحيى وغيره عن حماد بن زيد ومن وجه آخر عن مهدي بن ميمون)؛ وأخرجه أيضاً أبو داود في سننه (ج2/ص322/ح2425).

ــ وهو في «صحيح ابن حبان»، (ج8/ص402/ح3639)، مع تعقيب جيد موفق من الإمام أبي حاتم بن حبان: [أخبرنا أبو يعلى حدثنا خلف بن هشام البزار حدثنا حماد بن زيد عن غيلان بن جرير عن عبد الله بن معبد عن أبي قتادة به بطوله إلى قوله: «وددت انى طوقت ذاك»]، وقال أبو حاتم: (لم يكن غضب النبي، صلى الله عليه وسلم، من أجل مسألة هذا السائل عن كيفية الصوم وإنما كان غضبه، صلى الله عليه وسلم، لأن السائل سأله قال: يا نبي الله كيف تصوم، قال فكره النبي، صلى الله عليه وسلم، استخباره عن كيفية صومه: مخافة ان لو أخبره يعجز عن اتيان مثله، أو خشي، صلى الله عليه وسلم، على السائل وأمّته جميعا ان يفرض عليهم ذلك فيعجزوا عنه)، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح على شرط مسلم).

 

* وسبق في خلال كلام ابن كثير، الذي أوردناه آنفاً حديث البراء بن عازب، رضي الله عنه، بإسناد جيد، حيث قال ابن كثير: [وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: أخبرنا أبو كريب أخبرنا إسحاق بن سليمان عن أبي سنان عن أبي إسحاق عن البراء ابن عازب قال: (إن كان ليأتي علي السنة أريد أن أسأل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن الشيء فأتهيب منه، وإن كنا لنتمنى الأعراب)

ــ ثم وجدناه في إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة للإمام أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري (1/239/349): [قال (يعني: أَبُا يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ): وَحَدَّثَنَا أبو كريب، حَدَّثَنَا إسحاق بن سليمان، عن أبي سنان، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: (إن كان ليأتي عليَّ السنة أريد أن أسأل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن شيء فأتهيب منه، وإن كنا لنتمنى الأعراب)].

 

* وقال الإمام أبو داود، (ج2/ص122/ح2046): [حدثنا قتيبة قال: حدثنا الليث عن جعفر بن ربيعة عن بكر بن سوادة عن مسلم بن مخشي عن ابن الفراسي أن الفراسي قال لرسول الله، صلى الله عليه وسلم: (أسألُ يا رسول الله؟!)، قال: «لا، وإن كنت سائلا، لا بد، فاسأل الصالحين»]، وأخرجه بعينه الإمام النسائي في سننه، (ج5/ص95/ح2587)، وايضاً بعينه في سننه الكبرى (ج2/ص50/ح2368)، إلا أنه قال: (أخبرنا قتيبة)، وكذلك الإمام عبد الله بن أحمد بن حنبل، (ج4/ص334/ح18965)؛ إلا أنه قال: [حدثنا أبي حدثنا قتيبة بن سعيد، (قال أبو عبد الرحمن وكتب به إلي قتيبة بن سعيد: كتبت إليك بخطي، وختمت الكتاب بخاتمي، ونقشه: الله ولي سعيد رحمه الله، وهو خاتم أبي) حدثنا ليث بن سعد به بعينه]؛ وأخرجه الطبراني في معجمه الكبير (ج 1/ص336/ح1004) فقال: [حَدَّثَنَا مُطَّلِبُ بْنُ شُعَيْبٍ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ بَكْرِ بْنِ سَوَادَةَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ مَخْشِيٍّ، عَنِ ابْنِ الْفِرَاسِيِّ، أَنَّ أَبَاهُ الْفِرَاسِيَّ، أَتَى النَّبِيَّ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَسْأَلُ؟ قَالَ: «لَا، وَإِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ سَائِلًا، فَسَلِ الصَّالِحِينَ»]؛ وهو في «تهذيب الكمال» خلال ترجمة (مسلم بن مخشي المدلجي، أبو معاوية المصري) من طريق الطبراني.

ــ وأخرجه البيهقي في سننه الكبرى (ج4/ص197/ح7667) من طريق أخرى: [وأخبرنا أبو طاهر الفقيه أنبأ علي بن إبراهيم بن معاوية النيسابوري حدثنا مُحَمَّد بن مسلم بن وارة حدثني مُحَمَّد بن موسى بن أعين قال: وجدت في كتاب أبي عن عمرو بن الحارث عن بكر عن مسلم بن مخشى أن الفراسي حدثه عن أبيه بنحوه].

 

* ولقد لخّص الحافظ أكثر الروايات في هذا الخصوص تلخيصاً جيداً في «فتح الباري» فقال: [قوله باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلّف ما لا يعنيه وقوله تعالى: لا تسألوا عن أشياء ان تبد لكم تسؤكم، كأنه يريد ان يستدل بالآية على المدعى من الكراهة وهو مصير منه الى ترجيح بعض ما جاء في تفسيرها، وقد ذكرت الاختلاف في سبب نزولها في تفسير سورة المائدة وترجيح بن المنير أنه في كثرة المسائل عما كان وعما لم يكن، وصنيع البخاري يقتضيه والأحاديث التي ساقها في الباب تؤيده، وقد اشتد إنكار جماعة من الفقهاء ذلك منهم القاضي أبو بكر بن العربي فقال: اعتقد قومٌ من الغافلين منع السؤال عن النوازل الى ان تقع تعلقا بهذه الآية، وليس كذلك لأنها مصرحة بأن المنهي عنه ما تقع المسئلة في جوابه، ومسائل النوازل ليست كذلك. انتهى. وهو كما قال، لأن ظاهرها اختصاص ذلك بزمان نزول الوحي ويؤيده حديث سعد الذي صدَّر به المصنف الباب من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته، فان مثل ذلك قد أمن وقوعه، ويدخل في معنى حديث سعد ما أخرجه البزار وقال: سنده صالح وصححه الحاكم من حديث أبي الدرداء رفعه: «ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته فان الله لم يكن ينسى شيئا»، ثم تلا هذه الآية: ﴿وما كان ربك نسيا﴾. وأخرج الدارقطني من حديث أبي ثعلبة رفعه: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها،

وحد حدودا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها»، وله شاهد من حديث سلمان أخرجه الترمذي وآخر من حديث بن عباس أخرجه أبو داود، وقد أخرج مسلم وأصله في البخاري كما تقدم في كتاب العلم من طريق ثابت عن أنس قال: (كنا نهينا أن نسأل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن شيء وكان يعجبنا ان يجيء الرجل الغافل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع)، فذكر الحديث، ومضى في قصة اللعان من حديث بن عمر فكره رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المسائل وعابها. ولمسلم عن النواس بن سمعان قال: أقمت مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سنة بالمدينة ما يمنعني من الهجرة الا المسألة، كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل النبي، صلى الله عليه وسلم، ومراده انه قدم وافدا، فاستمر بتلك الصورة ليحصل المسائل خشية أن يخرج من صفة الوفد الى استمرار الإقامة، فيصير مهاجرا فيمتنع عليه السؤال. وفيه إشارة الى ان المخاطب بالنهي عن السؤال غير الأعراب وفودا كانوا أو غيرهم. وأخرج أحمد عن أبي امامة قال: لما نزلت يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء .. الآية، كنا قد اتقينا أن نسأله، صلى الله عليه وسلم، فأتينا أعرابيا فرشوناه بردا وقلنا سل النبي، صلى الله عليه وسلم. ولأبي يعلى عن البراء ان كان ليأتي علي السنة أريد أن أسأل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن الشيء فأتهيب، وان كنا لنتمنى الأعراب، أي قدومهم ليسألوا فيسمعوهم أجوبة سؤالات الأعراب فيستفيدوها].

 

فأحاديث الباب إذاً ثابتة ثبوتاً قطعياً لا يرقى إليه شك، توجب العلم القاطع، وإذا انضمت إلى الآية، بعموم لفظها، والروايات الواردة عن بن عباس وغيره، في تفسيرها، أصبح الموضوع وهو نهي الله ورسوله المغلظ عن كثرة السؤال بشتى أنواعه، والتردد والاختلاف على النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والإغراق في التفريع والجدليات، وكذلك السؤال عن أشياء معينة: لا فرق في ذلك بين سؤال الرجل المطعون في نسبه: من هو أبي؟! وسؤال الأحمق المتعنت عن أبيه: في الجنة هو أم في النار، وسؤال الأعرابي الجاهل عن الحج: أهو في كل عام، وغير ذلك؛ أصبح النهي عن ذلك ثابتاً ثبوتاً قطعياً.

 

نعم: لقد جاء كل ذلك على نحو قطعي، ثبوتاً ودلالة، يكفر منكره، ويخرج من الإسلام بجحده. وهو بذلك يصلح أن يكون أصلاً ترد إليه الفروع، وتستنبط منه الكليات في العقيدة وأصول الفقه وقواعد الأحكام، فلله الحمد والمنة على حفظه للذكر، قرآناً وسنة.

 

بقيت مسألة واحدة، وهي أننا لو تصفحنا أي كتاب من كتب الحديث المعتمدة، كالبخاري مثلاً، لوجدنا فيها العديد من الروايات الدالة على أن بعضهم سأل بعض الأسئلة، فهذا يعارض ما ذكرتم أعلاه من النهي عن السؤال؟!

فنقول: فكان ماذا؟! ومن زعم أن القوم كانوا معصومين، لا يقعون في مخالفات شرعية. وإذا تصفحت البخاري فستجد أيضاً العديد من الروايات المشتملة على معاقبة الزناة واللصوص، وجلد من قذف محصنة، ومن المجلودين بدريون وسابقون مهاجرون. وتوبيخ النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لمن اغتاب أخاه أو لمن اغتابت أختها، وقد أوردنا أعلاه أن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قد غضب من بعض الأسئلة واستنكرها، وأن الآية الكريمة جاءت في واقعة من تلك الوقائع، هذا أولاً.

 

وثانياً: أن أكثر تلك الأسئلة إنما جاءت من الأعراب وأهل الآفاق، ومن أعضاء الوفود، وهؤلاء لهم رخصة شرعية واضحة بذلك، لأن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان يسألهم، لا سيما عند قرب رحيلهم: «هل بقيت لكم من حاجة»، أو كلاماً نحو هذا. ولا شك أن هذا يشمل السؤال عما قد يكون مجهولاً عندهم، أو غامضاً في أذهانهم. لاحظ قول بعض الصحابة: (كنا نهينا أن نسأل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن شيء وكان يعجبنا ان يجيء الرجل الغافل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع)!

 

وثالثاً: أن النهي المغلَّظ إنما جاء عن السؤال عما لم يحرم، أي لم يأت فيه نص بعينه، فهو إذاً على الحل الأصلي، كما سنفصله قريباً. والسؤال يدل على سوء ظن السائل بالله، وأنه ربما غفل عن شيء، أو نسي شيئاً، أو فاته شيء، أو أن نبيه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قد كتم شيئاً أو أهمل شيئاً، وهذا كله محال وكفر صريح. وقد تؤدي هذه الوقاحة، وهذا الظن السيء، إلى مجيء حكم بالتحريم عقوبة لكافة الأمة. أما السؤال عن تفصيل حكم قد جاء، أو بيان دقيقة من دقائق حكم قد شرع، أو تفاصيل عبادة أو نسك سبق تشريعه فليس هو من هذا الباب أصلاً.

 

  فصل: الأصل في الأشياء، أعياناً وأفعالاً وأقوالاً، الإباحة

لا بد من الوصول إلى الحق في هذه المسألة الخطيرة، (مسألة: ما هو الأصل في الأشياء والأفعال والأقوال: أهو الحرمة، أو الإباحة أم ماذا؟ وماذا كان الواجب على الناس أثناء تتابع نزول الوحي فيما لم يرد فيه نص آنذاك؟!).

ومن جانب آخر فقد كنا قد برهنا بالأدلة اليقينية القاطعة على أمور منها:

(1)- أننا لسنا مخاطبين بشرائع الأنبياء السابقين أصلاً، فضلاً عن كونها نسخت من أولها إلى آخرها نسخاً فورياً نهائياً مطلقاً بمجرد مجيء الوحي إلى نبينا مُحَمَّد، رسول الله وخاتم النبيين؛

(2)- وعلى رود النهي المغلّظ عن كثرة السؤال، بشتى أنواعه، والتردد والاختلاف على النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والإغراق في التفريع والجدليات؛

يضاف إلى ذلك: علمنا الضروري من مرويات الحديث والسيرة؛ وكتب التاريخ والتفسير، بل ومن نصوص القرآن تصريحاً أو تلميحاً:

(3)- بأنه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، تلقَّى الوحي والتشريعات منجّمًا على مدار بضع وعشرين عاماً، فلم ينزّل عليه كتاب شامل أول الأمر جملة واحدة؛

(4)- أن النبي، عليه وعلى اله الصلاة والسلام، وصحابته كانوا في العادة يتعاطون البيوع والمهن، ويتزوجون ويسافرون، ويتطببون ويمارسون كافة شؤون الحياة، على عوائد العرب، من غير تكلف سؤال، أو انتظار وحي.

 

فنقول، وبالله التوفيق:

أولا: قبل البعثة النبوية الشريفة، لا حكم قبل ورود الشرع، فليس حكم الأشياء والأفعال والأقوال هو الإباحة كما يتوهم البعض، لأن الإباحة حكم شرعي لا يعرف إلا بخطاب الشارع، فكيف يكون الحكم موجوداً قبل مجيء الخطاب المنشئ له؟! هذا خلف وتناقض مستحيل. والناس يفعلون ما يشاؤون وفق عقولهم، أو أهوائهم ومصالحهم حتى تأتيهم رسالة الله: هذه حالة عدم التشريع الإلاهي، وليست حالة التشريع الإلاهي بالإباحة، وشتان بين الأمرين، وبُعد ما بينهما كما بعدت السماء عن الأرض، لا يخفى على عالم أو عاقل، ولكن أنَّى فهمُ ذلك للتافهين والسطحيين؟!

 

ثانياً: أثناء مجيء الوحي، فور بزوغ شمس الرسالة المُحَمَّدية، أصبح كل من بلغته الرسالة مكلفاً، لأنه إنما خلق للعبودية، أي للسمع والطاعة لأوامر الله ونواهيه، لأن العبودية لله هي: منتهى الذل والخضوع والطاعة والتسليم المبنية على المحبة والتعظيم لأنه الإله الحق الواحد الأحد؛ وليست هي ركوع وسجود، وقيام وقعود، وطواف وسعي: فالسؤال ها هنا: هل يوجد هناك حكم عام يرجع إليه في كل شيء وفعل حتى يرد عليه نسخ أو تغيير، أم أن ذلك غير موجود؟!

وجواب ذلك يستنبط من الآية الكريمة والأحاديث المتواترة الشريفة، التي فصلنا ذكرها أعلاه، المشددة في النهي عن كثرة السؤال، وعن أنواع معينة من السؤال، فقوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «ذروني ما تركتكم»، لا يحتمل إلا معنىً واحد: افعلوا ما شئتم، وقولوا ما شئتم، واعتقدوا ما شئتم، وفكروا في ما شئتم، فهو حلال لكم، وانتفعوا بكافة الأشياء فهي خلقت حلالاً طاهرة لكم، تنتفعون بها بكل وجه ممكن، وكل فائدة متخيّلة؛ وأوفوا بعقودكم، والتزموا بعهودكم، وداوموا على أعرافكم، واستمروا على أنكحتكم ومواريثكم، حتى أكون أنا الذي أفصّل لكم الحرام (والمكروه) أو الواجب (والمستحب) أو أحكم بخلاف ذلك.

 

هذا هو المعنى ضرورة وإلا كان النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، مقراً لهم على فعل الحرام، وترك الواجبات، والتمادي في العقود والشروط الفاسدات، فلم يعد مبلغاً عن الله، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، هذه صفة المتنبئ الكاذب، وليس النبي الصادق. حاشا لأبي القاسم، رسول الله، وخاتم النبيين، عليه وعلى آله الصلاة والسلام والتبريكات من الله، حاشاه ثم حاشاه!

 

هذا ما تقتضيه ضرورة العقل والشرع، مع كونه جاء مصرحاً به صراحة ونصاً في مثل:

(1)- حديث أبي الدرداء رفعه: «ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته فان الله لم يكن ينسى شيئا»، ثم تلا هذه الآية: ﴿وما كان ربك نسيا﴾. وحديث أبي ثعلبة الخشني، الذي جاء فيه: «..، وسكت عن أشياء من غير نسيان لها رحمة لكم فلا تبحثوا عنها!». و«العافية» ها هنا هي عافية بعد ورود الشرع، وهذه هي الإباحة والحل المطلق بالضرورة، بخلاف «العافية» قبل ورود الشرع فهي «فراغ تشريعي»، لا يترتب عليه حساب أو عقاب، لأن الحساب والعقاب لا يكون إلا بعد بلوغ الشرائع، وقيام الحجة.

(2)- قوله عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته»، يعني ضرورة أن ذلك الشيء الذي اعتدى المعتدي الأثيم بالسؤال عنه كان ضرورة حلالاً قبل السؤال الغبي الآثم الذي تسبب في التحريم، وهذا يقتضي ضرورة أن كل ما لم يأت من الله ورسوله عنه نص بتحريم (أو بإيجاب) فهو ضرورة على الحل والإباحة المطلقة، ومحال أن يكون الأمر غير ذلك. فليس إذاً ثمة فراغ تشريعي منذ نزول قوله تعالى: ﴿إقرأ﴾، وحتى نزول الشرائع الجديدة المفصلة. فكأن الله قال للناس حينئذ: افعلوا ما شئتم قد عفوت لكم عن كل شيء، وأذنت لكم في كل فعل، حتى أفصل لكم الحرام والواجب، وأبين المستحب من المكروه، وحتى ذلك الحين فكل شيء حلال وعفو، لطفاً ورحمة بكم، لا عن غفلة أو نسيان من ربكم؛ فلا تختلفوا إلى نبيكم، وتكثروا السؤال والتعنّت على ربكم، فتذوقوا وبال أمركم. أو بلفظ آخر: ما أنتم عليه فهو حلال، حتى إشعار آخر. وما أنتم عليه من العقود والأنكحة والالتزامات والعادات والتقاليد صحيح ملزم نافذ حتى إشعار آخر.

(3)- ما نقل بالتواتر، وعلم بالضرورة من التاريخ والسير، أن النبي، عليه وعلى اله الصلاة والسلام، وصحابته كانوا في العادة يتعاطون البيوع، والمهن، ويتزوجون، ويسافرون، ويتطببون، ويمارسون كافة شؤون الحياة، على عوائد العرب، من غير تكلف سؤال، أو انتظار وحي، إلا في الشاذ النادر. فهذا يقتضي أنهم كانوا يعتقدون أن الأصل في الأشياء والأفعال الإباحة، وأن الإباحة هي الحكم الأصلي العام.

 

نعم: هنا قد يستنكر مستنكر: فيستمر صاحب بيت الدعارة، مثلاً، في تشغيله وجني الأموال من مهور البغايا، حتى يأتي الوحي بنص صريح في تحريمه؟!

قلنا: فكان ماذا؟! مال حلال حتى يأتي تحريمه من صاحب السيادة، تقدّست ذاته وتباركت أسماؤه، فيصبح حينئذ حراماً، وليس قبل ذلك.

 

ولعلهم يقولون: أين العقول السليمة والفطر المستقيمة؟! فنقول: دعونا من عقولكم المختلة التي تسمّونها «سليمة»، وفطركم الممسوخة التي تسمّوُنها «مستقيمة»؛ خالق العقول والفطر أعرف بها، فدعوه لها، فإذا شاء أخذها في الاعتبار إذا شرّع، تلطفاً ورحمة، وإن شاء أهمل ذلك، تعبداً وابتلاءً. فالأولى بكم، يا قوم، أن تقبلوا على ما خلقتم له: أن تعبدوا الله مخلصين له الدين، منيبين إليه، لا أن تعقِّبوا على ربكم، أو تقدّموا بين يدي رسولكم!!

 

على أن عرب الشمال العدنانية، ومن نزل منازلها من القبائل القحطانية مثل جرهم، إنما كانت في الأصل، قبل الإسلام، على الحنيفية الإبراهيمية السهلة السمحة، وعلى شريعة إسماعيل، لحوالي الألفين من السنين، ثم وقع ابتداع في الدين، واستيراد للأصنام، وبعض تغيير في الشريعة الإسماعيلية، قبل مجيء محمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بقرون قليلة؛ فلم تكن ثمة حاجة إلا إلى إصلاح الاعتقاد باقتلاع الشرك من جذوره، ومحو القليل من البدع والإحداثات في الأعراف والتشريعات، ونسخ اليسير من الشريعة الإسماعيلية الذي لا يصلح للبشرية عامة ولا يفي بحاجتها إلى يوم القيامة.

 

وعلى كل حال: فقد قال جمهور العلماء: إن الأصل في الأشياء هو الحل، لأن الله امتن على الناس فقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا، وغيرها من الآيات كثير طيب، ولا تكون هذه منّة بحق إلا إذا كانت الأشياء والمنافع كلها مباحة، إلا ما جاء نص بتحريمه، وكل الأشياء طاهرة، إلا ما جاء النص بنجاستها.

فنقول: هذا برهان ضروري وحُجة قاطعة نزيده تفصيلاً فنقول: كل ما خلق في الكون من الأشياء، الأعيان بذاتها وكذلك منافعها، هو:

أولا: مباح للإنسان؛

وثانياً: طاهر من الناحية الشعائرية التعبدية؛

لا فرق بين غاز كالهواء والبخار، ولا سائل كالماء والعصير، ولبن ذوات الأثداء، والدماء، ولا صلب كالحديد والنحاس والتراب والصخور، ولا فرق بين بسيط متجانس كالماء والهواء، وخليط معقّد مركّب كالطين والتربة الزراعية؛ ولا فرق بين الميت كالصخور والجبال، والحي كالدواب والطيور، كل ذلك مما خلقه الله في الكون، ومباح طاهر للإنسان الانتفاع بالعين بما يترتب عليه زوالها وفنائها كذبح الشاة، وأكل الرغيف، أو التمتع بمنفعة كركوب الدابة وشمّ الوردة والنظر إلى جمال الجبال والسهول، إلا ما جاء نص باستثنائه من ذلك بإخراجه من الحل إلى الحرمة فيصبح حراماً، أو بإخراجه من الطهارة إلى النجاسة فيصبح نجساً، أو كليهما معاً. فالحل والطهارة مفهومان متغايران. فحرمة الشيء لا تعني نجاسته ضرورة، ونجاسته لا تعني حرمة الانتفاع به، كذلك بالضرورة.

 

وقالت قلة من العلماء: الأفعال غير الأشياء، والإنسان وأفعاله ليست داخلة فيما سبق نقاشه لأن الله، جل شأنه، امتن على الإنسان بتسليطه على سائر الكائنات وتمكينه من منفعتها، ونحن نعلم بضرورة الحس والعقل أن الممتن عليه، وهو الإنسان من حيث كونه إنساناً، غير الممتن به، وهو سائر ما في الكون من أشياء. فلا يصلح البرهان السابق على حل الأشياء وطهارتها برهاناً على أن الأصل في أفعال الإنسان هو الحل. بل إن الإنسان إنما خلق للعبودية: أي لطاعة أوامر الله ونواهيه مطلقاً، فلا يجوز أن يتصرف بشيء أو أن يُقدم على فعل إلا بإذن الله التشريعي.

 

فنقول: هذا قول جيد مؤصل، وتفريق عميق دقيق بين الأفعال، أفعال الإنسان الاختيارية لأنها وحدها محل النظر هنا، والأشياء الأخرى المخلوقة في الكون، المباينة للإنسان. كما أن الحق الذي لا شك فيه أن الإنسان إنما خلق للعبودية لا غير، قال، تقدست أسماؤه: ﴿ومَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، (الذريات؛ 51:56)، لأن العبودية لله هي: منتهى الطاعة والتسليم والذلة والخضوع لله، جل جلاله، عن رضا واختيار، المبنية على الإقرار له بـ(الحاكمية)، أي بحقه الذاتي في الأمر والنهي، حقاً مطلقاً من غير قيد أو شرط، (إلا ما أوجبه أو حرمه على نفسه، أو شرطه عليها)، وهذا الإقرار إنما هو ذروة سنام التعبير عن اعتقاد راسخ، ويقين جازم، وإيمان مطلق بأنّ الله هو الإله الحق، الواحد الأحد، واجب الوجود، الحي القيُّوم، الأول الأزلي القديم، بغير ابتداء، الآخر الأبدي الباقي، من غير انتهاء: فعَّال لما يريد، يخلق ما يشاء ويختار، لا يسأل عمّا يفعل، ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب؛ وليست (العبودية لله) ركوع وسجود، وقيام وقعود، وصيام وحج، معاذ الله: هذه ما هي إلا شعائر وأفعال تعبدية. هذه هي (العبودية لله)، فقط لا غير، من غير زيادة ولا نقصان، كما سنشبعه بحثاً في هذه الرسالة.

 

كل ما سلف حق، ولكنه كله لا علاقة له بكون الأصل في الأشياء الإباحة أم لا، ولا بكون الأصل في الأفعال الإباحة أم لا، لأن الإباحة حكم شرعي: فطاعة الله في الإباحة لا تختلف عن طاعته في الالتزام بالواجب أو في تحريم الحرام. فإذا حكم الله أن الأصل في الأشياء الإباحة فهذا حكمه الذي لا يجور تجاوزه، ولكان التسليم بذلك ولذلك هي العبودية التي خلق الإنسان لأجلها، وأمر بها؛ ولو حكم فيها بالحرمة لكان ذاك حكمه الذي لا يجوز تعديه، ولكانت هذه هي العبودية التي خلق الإنسان لأجلها وأمر بها، ولا فرق.

 

وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرهُ، (الزلزلة؛ 99: 7)، وما جاء مجراه، كذلك لا علاقه له بالموضوع، وإنما هو كناية عن شمول المحاسبة والجزاء، من ثواب وعقاب، لكل عمل مهما صغر. والخير هو ما حكم الله أنه خير، والشر ما ذمه الله وسماه شراً، وليس غير ذلك مطلقاً. فما علاقة هذا بالحكم الأصلي على الأفعال أو الأشياء؟! لا علاقة لذلك مطلقاً. وكذلك، سواءً بسواء، قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ، (ق؛ 50: 18)، وما جرى مجراه، لا علاقه له بالموضوع، وإنما هو كناية عن شدة المراقبة، وعظم المسؤولية، وعن شمول المحاسبة والجزاء، من ثواب وعقاب، لكل قول كشمولها لكل فعل.

 

فنحن إنما نبحث ها هنا عن حكم الله، أي نريد تطبيق العبودية لله، التي هي التسليم لحكم الله لا غير، بغض النظر عن ماهية هذا الحكم: هل هو مثلاً تحريم ألبان الإبل، كما كان على بني إسرائيل، أو إباحتها كما هو لنا في هذه الشريعة المطهرة الخاتمة. إذاً لا مندوحة عن البحث في المسألة من غير هذا المنطلق.

 

 

ومن زاوية أخرى فنلاحظ:

(أ) ــ أن ما ثبت من كون الأصل في الأشياء الإباحة يقتضي ضرورة أن كل الأفعال المتعلقة بتلك الأشياء مباحة كذلك، وإلا فقدت تلك الإباحة معناها. فكون الشاة حلالاً يعني جواز ذبحها وسلخها، ودبغ جلدها، وبيعها وشرائها، ودفنها، وإذابة شحمها، والاستصباح بذلك الشحم أو صنع الصابون منه، وهكذا مما لا يعد ولا يحصى من الأفعال الإنسانية المتعلقة بعين الشاة أو منفعتها. هذا قسم كبير من الأفعال الإنسانية صار ضرورة مباحاً في الأصل، حتى يرد الدليل بخلاف ذلك، كورود الأدلة بتحريم تعذيب الحيوان، أو وسمه بالنار في وجهه، بل ولعنة من فعل ذلك؛

(ب) ــ أن الله، جل ذكره، قد امتن على الإنسان أيضاً بالسمع والبصر والفؤاد، وبالقلب، وبالأعين والآذان، أي بالعقل ومداخله من آلات الحس، وباللسان والشفتين، والنفس وما ألهمها من فجور وتقوى، أي بالإرادة والمشيئة والاختيار، وبأنه خلق في أحسن تقويم، تماماً كما امتن عليه [أنه خلق له ما في السموات والأرض هبة منه]، فلزم من ذلك هنا، ضرورة، كما لزم هناك: أن جميع الأفعال الناشئة من ذلك مباحة في الأصل حتى يأتي النص بخلاف ذلك: فاللسان والشفتان، ومن ورائهما النفس والعقل (الفؤاد والقلب)، هما آلة النطق والكلام وإنشاء الأصوات. لذلك وجب ضرورة أن يكون كل ما يخرج من اللسان والشفتين من أصوات كالصفير والهمهمة والتمتمة والصراخ والبكاء والنواح والعويل والنطق والكلام وشتى الأصوات، ما كان منها حسناً، أي موافقاً للطبع الإنساني، كتغريد البلابل والغناء، أو قبيحاً كنهيق الحمير، مباحاً حتى يأتي النص بخلافه، وكذلك سائر الكلام والنطق، بغض النظر عن مضمونه ومحتواه، لا فرق بين شتم أو غيبة أو نميمة أو تنابز بالألقاب أو وصف للخيل أو تشبيب بالنساء أو وصف للجماع، حتى يأتي النص بخلاف ذلك. فأي فعل أو كلام يخرج عن هذا؟! وقد أسلفنا أن قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ، (ق؛ 50: 18)، وما جرى مجراه، كذلك لا علاقه له بالموضوع، وإنما هو كناية عن شدة المراقبة، وعظم المسؤولية، وعن شمول المحاسبة والجزاء، من ثواب وعقاب، لكل قول كشمولها لكل فعل؛

(ج) ــ أن النهي المغلّظ عن السؤال، الذي أثبتنا قطعيته فيما سلف، يقتضي ضرورة إباحة كل شيء وكل فعل، حتى يأتي النص بخلاف ذلك، لا يجوز أن يكون غير ذلك. والإنسان لا يخلو من فعاليات وأنشطة طوال حياته، فإذا قيل له لا تسأل، ولا تراجع حتى يكون الشارع، تبارك وتعالى، هو الذي يبادر بالأمر أو النهي، وجب ضرورة أن يكون معنى هذا: افعل ما شئت، فهو مباح لك، وأوف بما التزمت به من عقود ومعاملات، حتى يأتيك من الشارع أمر بخلاف ذلك. لا سيما أنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، قال تصريحاً لا تلميحاً: «دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، فهل يعقل من المعصوم بعصمة الله، المبلغ البلاغ التام المبين عن الله، أن يأمر الناس أن يتركوه حتى يكون هو الذي يبدأهم، تاركاً لهم يقعون في الحرام ويتركون الواجبات؟! حاشا لله، ثم حاشا لله، وقال: «إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين، فحرم عليهم من أجل مسألته»، قطعي الدلالة على أن الشيء المسؤول عنه عدواناً وتكلفاً وظلماً، كان مباحاً قبل السؤال المتعنت الغبي الذي أدى إلى التحريم، ولفظة «شيء» هنا على معناها اللغوي تشمل كل شيء: الأعيان والصفات والأفعال. وقال بصراحة ووضوح أكثر: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وسكت عن كثير من غير نسيان فلا تتكلفوها رحمة من الله فاقبلوها»، فهل بعد هذا البيان بيان؟! وهل ثمة إلا الغلو والعناد والتكلف الممقوت من حمار بليد، أو كافر عنيد؟!

(د) ــ أن الله، تباركت أسماؤه، صرّح بأنه فصّل لنا ما حرم علينا: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ، إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ، (الأنعام؛ 6: 119)، فالحرام قد فصّل كله، أي جاء مصرحاً به، مبيناً تفصيله وكذلك الواجب، لأن ترك الواجب إثم وحرام. وقد عاتب الله، بل وبَّخ وشجب، في هذه الآية من امتنع عن بعض المأكولات خوفاً من حرام لم يأت تفصيله، فدل ذلك ضرورة على أن كل شيء، الأعيان والأفعال، حلال على الإجمال حتى يأتي تفصيلٌ يحرّم أو يوجب شيئاً؛

(هـ) ــ أن الله، جل جلاله، وسما مقامه، قد نص على أن الأصل فيما رزقه العباد إنما هو الحل، حيث قال، جل وعز: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (136) وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (137) وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (138) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ: افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ، قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (140)﴾، (الأنعام؛ 6 : 136-140). وقد أكد ذلك نبيه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فيما رواه عن ربه في الحديث القدسي: ﴿كل مال نحلته عبادي حلال؛ وانى خلقت عبادي حنفاء كلهم؛ وإنهم اتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما احللت لهم، وامرتهم ان يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا﴾، فهم الشياطين الأكبر يتجه إلى (تحريم الحلال) بالتأويلات الكاذبة: (الورع)، و(الاحتياط)، و(درء المفاسد مقدم على جلب المصالح)، ثم يستفحل الخلل حتى يبلغ درجة الهوس و(الغلو في الدين) المؤدي إلى الهلاك: فيضيق الناس ذرعا من الدين والمتدينين؛ ويخرجون من دين الله أفواجاً، وينتشر الكفر والإلحاد، كما نراه الآن نهاراً جهاراً، عياذاً بالله.

 

* والحديث القدسي آنف الذكر قد أخرجه الإمام الطيالسي في مسنده (ج1/ص146/ح1079): [حدثنا هشام عن قتادة عن مُطَرِّف بن عبد الله بن الشخير عن عياض بن حمار المجاشعي ان نبي الله، صلى الله عليه وسلم، قال ذات يوم في خطبته: (ألا إن ربي أمرني ان اعلمكم ما جهلتم، مما علمني يومي هذا: ﴿كل مال نحلته عبادي حلال؛ وانى خلقت عبادي حنفاء كلهم؛ وإنهم اتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما احللت لهم، وامرتهم ان يشركوا بي ما لم انزل به سلطانا﴾. وان الله عز وجل نظر الى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم الا بقايا من أهل الكتاب، فقال: ﴿يا محمد إنما بعثتك لأبتليك وابتلى بك وانزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظانا﴾؛ وان ربي عز وجل أمرني ان أحرق قريشا فقلت يا رب إذا يثلغوا رأسي فيدعونه خبزة؛ فقال: ﴿استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم كما يغزونك، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشا نبعث خمسة أمثاله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك﴾. وقال: أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقتصد متصدق موفق؛ ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم؛ ورجل فقير عفيف متصدق. وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له الذين هم فيكم تبعا ولا يبتغون أهلا ولا مالا؛ والخائن الذي لا يخفى له طمع وان دق الا خانه؛ ورجل لا يصبح ولا يمسي الا وهو يخادعك عن أهلك ومالك؛ وذكر البخل والكذب والشنظير الفحاش]؛ ثم قال الإمام أبو داود الطيالسي: [فحدثنا همام قال كنا عند قتادة فذكرنا هذا الحديث فقال يونس الهدادى وما كان فينا أحدا أحفظ منه: (إن قتادة لم يسمع هذا الحديث من مُطَرِّف!)، قال: فعبنا عليه ذلك، قال: (فاسألوه!)، فهبناه، قال وجاء اعرابي، فقلنا للأعرابي: (سل قتادة عن خطبة النبي، صلى الله عليه وسلم، عن حديث عياض بن حمار: أسمعه من مُطَرِّف؟!)، فقال الأعرابي: (أبا الخطاب: أخبرني عن خطبة النبي، صلى الله عليه وسلم، يعنى حديث عياض، سمعته من مُطَرِّف؟!)، فغضب، وقال: (حدثنيه ثلاثة عنه: حدثنيه يزيد اخوه بن عبد الله بن الشخير، وحدثنيه العلاء بن زياد العدوى عنه)، وذكر ثالثا لم يحفظه همام]؛ قلت: أبو العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير، أخو مُطَرِّف، ثقة من رجال الشيخين والجماعة؛ وأبو نصر العلاء بن زياد بن مطر بن شريح العدوى البصري، ثقة عابد مقل؛ وقد سمعه قتادة من غير هذين، جاءت تسمية أحدهم في طرق أخرى: (جابر بن يزيد)، فهذا إسناد متصل صحيح على شرط الشيخين، تقوم به الحجة القاطعة، لا سيما بشهادة طرقه الأخرى من غير طريق قتادة. ويونس الهدادي المذكور عرضاً هو أبو الفرات يونس بن أبي الفرات الإسكاف القرشي؛ ثقة مقل من رجال البخاري؛

ــ وأخرجه بنحوه الإمام مسلم في صحيحه (ج4/ص2197/ح2865) من طريق هشام الدستوائي عن قتادة؛ وكذلك الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج4/ص202/ح17519)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج9/ص20/ح17572)، (ج10/ص87/ح19948)؛

ــ وأخرجه بنحوه الإمام ابن حبان في صحيحه (ج2/ص425/ح653) من طريق همام بن يحيى مصرحاً فيه بالسماع بدون قصة الأعرابي، وزاد فيه بعد ذكر (الضعيف الذين هم فيكم تبع لا يبغون أهلا ولا مالا)، فقال له رجل: (يا أبا عبد الله: أمن الموالي هو أو من العرب؟!)، قال: (هو التابعة يكون للرجل فيصيب من حرمته (أو: من خدمه) سفاحا غير نكاح)؛ وأخرجه الطبراني في معجمه الكبير (ج17/ص361/ح992)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج4/ص266/ح18366)، وذكر قصة الأعرابي مختصرة، إلا أنه قال: (حدثني أربعة عن مُطَرِّف فسمى ثلاثة الذي قلت لكم)؛ قلت: لا غرابة في ذلك لأن كان همام ربما حدث من حفظه فتذكر ها هنا ثلاثة، ونسي الرابع.

ــ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج4/ص203/ح17525) من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: [حدثنا عبد الوهاب اخبرنا سعيد عن قتادة عن مُطَرِّف بن عبد الله بن الشخير عن عياض بن حمار ان نبي الله، صلى الله عليه وسلم، قال في خطبته ذا يوم ان الله عز وجل أمرني ان أعلمكم فذكر الحديث، الا انه قال الذين هم فيكم تبعا لا يبغون أهلا وذكر الكذب والبخل قال سعيد قال مُطَرِّف (عن قتادة) الشنظير: الفاحش] وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج4/ص266/ح18364) من طريق معمر بن راشد عن قتادة: [حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن قتادة عن مُطَرِّف بن عبد الله بن الشخير عن عياض بن حمار المجاشعي رفع الحديث قال: قال النبي، صلى الله عليه وسلم، ان الله عز وجل أمرني ان أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومى هذا وانه قال: ان كل مال نحلته عبادي فهو لهم حلال، فذكر نحو حديث هشام عن قتادة وقال وأهل النار خمسة الضعيف الذي لا زبر له الذين هم فيكم تبع لا يبتغون أهلا ولا مالا]؛ وأخرجه كذلك الطبراني في معجمه الكبير (ج17/ص359/ح987)؛ والنسائي في سننه الكبرى (ج5/ص26/ح8070).

ــ وأخرجه مسلم في صحيحه (ج4/ص2199/ح2865) من طريق مطر بن طهمان السلمي الوراق عن قتادة: [وحدثني أبو عمار حسين بن حريث حدثنا الفضل بن موسى عن الحسين عن مطر حدثني قتادة عن مُطَرِّف بن عبد الله بن الشخير عن عياض بن حمار أخي بنى مجاشع قال قام فينا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ذات يوم خطيبا فقال إن الله أمرني، وساق الحديث بمثل حديث هشام عن قتادة وزاد فيه: (وإن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد)؛ وقال في حديثه: (وهم فيكم تبعا لا يبغون أهلا ولا مالا)، فقلت: (فيكون ذلك يا أبا عبد الله؟!)، قال: (نعم، والله: لقد أدركتهم في الجاهلية وإن الرجل ليرعى على الحي ما به إلا وليدتهم يطؤها)]؛ وابن حبان في صحيحه (ج20/ص526/ح7482)؛ والبيهقي في سننه الكبرى ج10/ص234/ح20872).

 

* ــ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج4/ص266/ح18365) عن الحسن البصري عن مُطَرِّف: [حدثنا روح حدثنا عوف عن حكيم الأثرم عن الحسن قال: حدثني مُطَرِّف بن عبد الله حدثني عياض بن حمار المجاشعي قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في خطبة خطبها قال ان الله عز وجل أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا وان كل مال نحلته عبادي فهو لهم حلال فذكر الحديث]؛ وابن حبان في صحيحه (ج2/ص427/ح654)؛ والطبراني في معجمه الكبير (ج17/ص363/ح996)؛ والنسائي في سننه الكبرى (ج5/ص27/ح8071). قلت: حكيم الأثرم البصري، ليس بالقوي، والظاهر أنه حفظ ها هنا.

 

* ــ وأخرجه الإمام الطبراني في معجمه الكبير (ج17/ص362/ح995)، وفي معجمه الأوسط (ج3/ص206/ح2933)، بإسناد صحيح، عن أبي قلابة عن مُطَرِّف: [حدثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني حدثنا محمد بن أبي بكر المُقَدَّمي حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي العلاء مُطَرِّف عن عياض بن حمار عن النبي، صلى الله عليه وسلم، خطب فقال في خطبته ان الله أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا: ﴿إن كل ما نحلته عبادي حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وانهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا﴾. ثم ان الله عز وجل نظر الى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم الا بقايا من أهل الكتاب وقال: ﴿إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظانا﴾. وان الله أمرني أن آتي قريشا فقلت يا رب إذا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة فقال: ﴿استخرجهم كما استخرجوك واغزهم نغزك وأنفق فسينفق عليك وابعث جيشا أبعث معه خمسة مثله من الملائكة﴾، وذكر الحديث]؛ ثم قال الإمام الطبراني: (لم يروه عن خالد الحذاء إلا عبدالوهاب ولا رواه عن عبدالوهاب إلا المُقَدَّمي)؛ قلت: كل هؤلاء ثقات مشاهير، من رجال الشيخين والجمهور؛ وإبراهيم بن نائلة الأصبهاني ثقة مكثر، وهو: إبراهيم بن محمد بن الحارث بن ميمون الأصبهاني، النايلي الملقب: أَبْرَجَة، ونائلة أمه.

 

وما أصلناه آنفاً هو كذلك، بحمد الله، فهم جابر بن عبد الله الأنصاري، ومعه كثير من الصحابة، الذين عبّر هو عنهم بضمير الجمع: في لفظة: (كنا)، عندما قال: (كنا نعزل والقرآن ينزل) أو (كنا نعزل على عهد النبي، صلى الله عليه وسلم، والقرآن ينزل)، كما هو في الصحيحين، وفي رواية مسلم: زاد إسحاق قال سفيان: (لو كان شيئا ينهى عنه لنهانا عنه القرآن

 

* ولكن قال الحافظ في «فتح الباري»: [وشرحه بن دقيق العيد على ما وقع في العمدة فقال: استدلال جابر بالتقرير من الله غريب ويمكن أن يكون استدل بتقرير الرسول لكنه مشروط بعلمه بذلك.. انتهى. ويكفي في علمه به قول الصحابي أنه فعله في عهده، والمسألة مشهورة في الأصول وفي علم الحديث، وهي أن الصحابي إذا أضافه الى زمن النبي، صلى الله عليه وسلم، كان له حكم الرفع عند الأكثر، لأن الظاهر أن النبي، صلى الله عليه وسلم، اطلع على ذلك وأقره لتوفر دواعيهم على سؤالهم إياه عن الأحكام؛ وإذا لم يضفه فله حكم الرفع عند قوم، وهذا من الأول، فإن جابرا صرح بوقوعه في عهده، صلى الله عليه وسلم، وقد وردت عدة طرق تصرّح باطلاعه على ذلك، والذي يظهر لي أن الذي استنبط ذلك سواء كان هو جابرا أو سفيان أراد بنزول القرآن ما يقرأ أعم من المتعبد بتلاوته أو غيره مما يوحي إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، فكأنه يقول فعلناه في زمن التشريع، ولو كان حراما لم نقر عليه. وإلى ذلك يشير قول بن عمر: كنا نتقي الكلام والانبساط إلى نسائنا هيبة أن ينزل فينا شيء على عهد النبي، صلى الله عليه وسلم، فلما مات النبي، صلى الله عليه وسلم، تكلمنا وانبسطنا.. أخرجه البخاري].

قلت: قول من قال: (استدلال جابر بالتقرير من الله غريب)، لا شيء، بل استغراب الإمام الحافظ، رضي الله عنه، هو الغريب حقاً، أليس الله قد أحاط بكل شيء علماً؟! وهل كان بيان النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، من عند نفسه؟! حاشا لله، ثم حاشا لله، بل هو من عند الله، والله هو المتكفل بذلك: ﴿ثم إن علينا بيانه﴾، أما حديث ابن عمر، وهو موافق لجابر في المعنى، فهو التالي بنصه:

* كما أخرجه الإمام البخاري في «الجامع الصحيح»، (ج2/ص122/ح2046): [حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، رضي الله عنهما، قال: (كنا نتقي الكلام والانبساط إلى نسائنا، هيبة أن ينزل فينا شيء على عهد النبي، صلى الله عليه وسلم، فلما مات النبي، صلى الله عليه وسلم، تكلمنا وانبسطنا)]، هذا من أصح أسانيد الدنيا، ومن أكثرها علوَّاً. وأخرجه ابن ماجه، فقال: حدثنا مُحَمَّد بن بشار حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا سفيان به، وكذلك أحمد في «المسند»: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان به.

 

وكان النبي، عليه وعلى اله الصلاة والسلام، يبتدرهم بأمور لم تكن تخطر لهم على بال، بل بعضها لم يره هو وإنما أخبره بها الوحي فقط، كوصيته لوفد عبد القيس ألا ينتبذوا في ظروف وأوعية معينة منه: «الدباء، والنقير، والمحنتم، والمزفت» فتعجّبوا من معرفته لبعضها مع أنها مجهولة لأهل مكة والمدينة، ولا يعرفها سوى أهل اليمامة، كما جاء:

* في «صحيح مسلم»، (ج1/ص50/ح18): [حدثني مُحَمَّد بن بكار البصري حدثنا أبو عاصم عن بن جريج (ح) وحدثني مُحَمَّد بن رافع، واللفظ له، حدثنا عبد الرزاق أخبرنا بن جريح قال: أخبرني أبو قزعة أن أبا نضرة أخبره (وحسنا أخبرهما) أن أبا سعيد الخدري أخبره: أن وفد عبد القيس لما أتوا نبي الله، صلى الله عليه وسلم، قالوا: (يا نبي الله جعلنا الله فداءك، ماذا يصلح لنا من الأشربة؟!)، فقال: «لا تشربوا في النقير!»، قالوا: (يا نبي الله، جعلنا الله فداءك، أو تدري ما النقير؟!)، قال: «نعم، الجذع ينقر وسطه؛ ولا في الدباء، ولا في الحنتمة، وعليكم بالموكى»].

ــ وهو في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»، (ج3/ص57/ح11561): [حدثنا عبد الرزاق وروح قالا: حدثنا بن جريج أخبرني أبو قزعة به بعينه]. قلت: هذا في غاية الصحة، وقد صرّح ابن جريج بالتحديث. أما قول: (وحسناً أخبرهما) فهو انقلاب لفظي، والصحيح: (وحسنا أخبره)، أي أن حسناً أخبر أبا قزعة كما يظهر جلياً من رواية «شرح معاني الآثار»، (ج4/ص226/ح0): [حدثنا علي قال: حدثنا الحجاج عن بن جريج قال: أخبرني أبو قزعة أن أبا نضرة وحسنا أخبراه أن أبا سعيد الخدري أخبرهما به]

 

* وجاء مطولاً في «صحيح مسلم» (ج1/ص49/ح18)، من طريق أخرى، فيها كامل القصة: [حدثنا يحيى بن أيوب حدثنا ابن علية حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: حدثنا من لقي الوفد الذين قدموا على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من عبد القيس قال سعيد: وذكر قتادة أبا نضرة عن أبي سعيد الخدري في حديثه هذا أن أناسا من عبد القيس قدموا على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقالوا: (يا نبي الله: إنا حي من ربيعة، وبيننا وبينك كفّار مضر، ولا نقدر عليك إلا في أشهر الحرم فمرنا بأمر نأمر به من وراءنا وندخل به الجنة إذا نحن أخذنا به!)، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان وأعطوا الخمس من الغنائم؛ وأنهاكم عن أربع: عن الدباء والحنتم والمزفت والنقير»، قالوا: (يا نبي الله ما علمك بالنقير؟!)، قال: «بلى، جذع تنقرونه فتقذفون فيه من القطيعاء» (قال سعيد: أو قال من التمر) ثم تصبون فيه من الماء حتى إذا سكن غليانه شربتموه حتى إن أحدكم، أو إن أحدهم، ليضرب ابن عمه بالسيف»، قال: (وفي القوم رجل أصابته جراحة كذلك، قال: وكنت أخبِّؤها حياء من رسول الله، صلى الله عليه وسلم)، فقلت: (ففيم نشرب يا رسول الله؟!)، قال: «في أسقية الأدم التي يلاث على أفواهها»، قالوا: (يا رسول الله إن أرضنا كثيرة الجرذان، ولا تبقى بها أسقية الأدم؟!)، فقال نبي الله، صلى الله عليه وسلم: «وإن أكلتها الجرذان، وإن أكلتها الجرذان، وإن أكلتها الجرذان»، قال: وقال نبي الله، صلى الله عليه وسلم، لأشج عبد القيس: إن فيك لخصلتين يحبهما الله، الحلم والأناة»]. وعقَّب الإمام مسلم فقال: [حدثني مُحَمَّد بن المثنى وابن بشار قالا: حدثنا ابن أبي عدي عن سعيد عن قتادة قال: حدثني غير واحد لقي ذاك الوفد، وذكر أبا نضرة عن أبي سعيد الخدري أن وفد عبد القيس لما قدموا على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بمثل حديث ابن علية، غير أن فيه: وتذيفون فيه من القطيعاء أو التمر والماء، ولم يقل: (قال سعيد: أو قال من التمر)]. قلت: هو أيضاً في «مسند أحمد»، (ج3/ص23/ح11191): [حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن أبي عروبة حدثنا قتادة عمن لقي الوفد وذكر أبا نضرة عن أبي سعيد بنحوه].

 

* وهذا «النقير» إنما كان معروفاً في اليمامة فقط، لا يعرفه أهل الحجاز كما هو في «سنن البيهقي الكبرى»، (ج8/ص309/ح17256): [حدثنا أبو بكر بن فورك أنبأ عبد الله بن جعفر حدثنا يونس بن حبيب حدثنا أبو داود حدثنا عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن حدثني أبي قال: كان أبو بكرة ينتبذ له في جرة فقدم أبو برزة من غيبة كان غابها فنزل بمنزل أبي بكرة قبل أن يأتي منزله فذكر الحديث في إنكار ما نبذ له في جرة، وقوله لامرأته: وددت إنك جعلتيه في سقاء، وأن أبا بكرة حين جاء قال: قد عرفنا الذي نهينا عنه، نهينا عن الدباء والنقير والحنتم والمزفت، فإما الدباء فإنا معشر ثقيف بالطائف كنا نأخذ الدباء فنخرط فيها عناقيد العنب ثم ندفنها ثم نتركها حتى تهدر ثم تموت. وأما النقير فإن أهل اليمامة كانوا ينقرون أصل النخلة فيشدخون فيه الرطب والبسر ثم يدعونه حتى يهدر ثم يموت. وأما الحنتم فجرار كان يحمل إلينا فيها الخمر، وأما المزفت فهي هذه الأوعية التي فيها هذا الزفت)، وقال البيهقي معقباً: (كذا روي عن أبي بكرة وقد قال جماعة من أهل العلم أن المعنى في النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية أن النبيذ فيها يكون أسرع إلى الفساد والاشتداد حتى يصير مسكرا وهو في الأسقية أبعد منه، ثم وردت الرخصة في الأوعية كلها إذا لم يشربوا مسكرا، والله أعلم)؛ وأخرجه الطيالسي في مسنده (ج1/ص120/ح882).

وقد فاجئهم، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، في مناسبة أخرى، ومن غير سابق إنذار، بسؤال محرج وهو:

* كما جاء في «مسند أحمد»، (ج6/ص457/ح27624): [حدثنا عبد الصمد قال: حدثنا حفص السراج قال: سمعت شهرا يقول: حدثتني أسماء بنت يزيد أنها كانت عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والرجال والنساء قعود عنده فقال: «لعل رجلا يقول ما يفعل بأهله، ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها؟!»، فأرم القوم فقلت: (إي والله يا رسول الله إنهن ليقلن وإنهم ليفعلون!)، قال: «فلا تفعلوا، فإنما ذلك مثل الشيطان لقي شيطانة في طريق فغشيها والناس ينظرون»]؛ وأخرجه الطبراني في معجمه الكبير (ج24/ص203/ح414). هذا خبر صحيح، نعم: شهر بن حوشب ثقة صدوق، وحاله أحسن بكثير مما زعمه الحافظ في التقريب: (صدوق، كثير الإرسال والأوهام)، وقد صرح هاهنا بالتحديث وهو معروف بإكثار الرواية عن مولاته أسماء بنت يزيد، رضي الله عنها، فهذا الإسناد حسن قوي بذاته، ولا شك. ويشهد أيضاً لكونه حفظ ها هنا الحديث التالي من طريق مستقلة تماما عن أبي هريرة، لا يتصور فيها تواطؤ على الكذب، ولا وقوع الخطأ مصادفة:

 

* كما هو في «مسند الإمام أحمد» عن أبي هريرة، (ج2/ص540/ح10990): [حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن سعيد الجريري عن أبي نضرة عن رجل من الطفاوة قال: نزلت على أبي هريرة، قال: ولم أدرك من صحابة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رجلا أشد تشميرا ولا أقوم على ضيف منه؛ فبينما أنا عنده وهو على سرير له وأسفل منه جارية له سوداء ومعه كيس فيه حصى ونوى، يقول: سبحان الله سبحان الله، حتى إذا أنفذ ما في الكيس ألقاه إليها فجمعته فجعلته في الكيس ثم دفعته إليه فقال لي: ألا أحدثك عني وعن رسول الله، صلى الله عليه وسلم! قلت: بلى، قال: فإني بينما أنا أوعك في مسجد المدينة إذ دخل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المسجد فقال: «من أحس الفتى الدوسي، من أحس الفتى الدوسي»، فقال له قائل: هو ذاك يوعك في جانب المسجد حيث ترى يا رسول الله، فجاء فوضع يده علي وقال لي معروفا فقمت، فانطلق حتى قام في مقامه الذي يصلي فيه ومعه يومئذ صفان من رجال وصف من نساء، أو صفان من نساء وصف من رجال، فأقبل عليهم فقال: إن أنساني الشيطان شيئا من صلاتي فليسبح القوم وليصفق النساء، فصلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولم ينس من صلاته شيئا. فلما سلم أقبل عليهم بوجهه فقال: «مجالسكم: هل منكم إذا أتى أهله أغلق بابه وأرخى ستره ثم يخرج فيحدث فيقول: فعلت بأهلي كذا وفعلت بأهلي كذا؟!»، فسكتوا، فأقبل على النساء فقال: «هل منكن من تحدّث؟!»، فجثت فتاة كعاب على إحدى ركبتيها وتطاولت ليراها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ويسمع كلامها فقالت: (إي والله: إنهم ليحدّثون، وإنهن ليحدّثن!)، فقال: «هل تدرون ما مثل من فعل ذلك؟! إن مثل من فعل ذلك مثل شيطان وشيطانة لقي أحدهما صاحبه بالسكّة قضى حاجته منها والناس ينظرون إليه»، ثم قال: ألا لا يفضينّ رجل إلى رجل، ولا امرأة إلى امرأة إلا إلى ولد أو والد- قال: وذكر ثالثة فنسيتها- ألا إن طيب الرجل ما وجد ريحه ولم يظهر لونه، ألا إن طيب النساء ما ظهر لونه ولم يوجد ريحه»)]؛ وأخرجه أبو داود في سننه (ج2/ص254/ح2174)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج7/ص194/ح13876)؛ والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنّفه (ج2/ص201/ح7661)، (ج4/ص39/ح17560)، وغيرهم. وقال الألباني في تعليقاته على سنن أبي داود: (ضعيف). قلت: نعم أصاب شكلياً لجهالة الطفاوي، إن لم تثبت صحبته، ولكن لا خوف من اختلاط الجريري، لتعدد الرواة عنه: إسماعيل بن إبراهيم (ابن علية)، وبشر، وحماد بن زيد، وكذلك يزيد بن زريع كما هو عند البيهقي، وكلهم حجة إمام، ومنهم من سمع من الجريري قبل الاختلاط.

قلت: فيه رجل مجهول من الطفاوة (وقد قيل أن له صحبة)، وبقيته ثقات مشاهير. وهذه الفتاة، لله درها، هي بلا شك، أسماء بنت يزيد بن السكن، رضي الله عنها، راوية الحديث السابق، فثبت حديثها ذاك يقيناً، وظهر صدق ودقة الرجل الطفاوي، رضي الله عنه، مع أن هناك ما يدل على أنه كان صحابياً، والحمد لله رب العالمين.

 

ولا نشك أن من استقصى السنن لواجدٌ لكثير من مثل هذا، أي من ابتدار نبي الله لهم، من غير سؤال سابق منهم، بل وربما من غير مناسبة تقتضي ذلك، ولا من سابق اطلاع لنبي الله على شيء من شأنهم، بل بوحي من الله يأتيه فجأة، وهو عين قولنا: (أن إقرار القرآن لما كان زمن الوحي، كإقرار النبي لما رآه وسمعه، ولا فرق). بل إن الأول أقوى، وأعلى مرتبة، وهو الأصل، وهو الأعم والأكثر.

 

وعلى كل حال لا يضرنا من هو القائل: (لو كان شيئا ينهى عنه لنهانا عنه القرآن)، لأنه هو الحق بأدلته التي سلفت. أما قوله: (والقرآن ينزل)، يعني ضرورة زمن نزول الوحي، لا فرق بين قرآن وسنّة، كما أسلفنا، وكما هو واضح كالشمس من براهيننا السابقة على حجية السنّة وكونها وحياً وذكراً، كما هو أيضاً بيِّن من مقالة عبد الله بن عمر: (كنا نتقي الكلام والانبساط إلى نسائنا هيبة أن ينزل فينا شيء على عهد النبي، صلى الله عليه وسلم، فلما مات النبي، صلى الله عليه وسلم، تكلمنا وانبسطنا)، ونحن نعلم ضرورة أنه، عليه الصلاة والسلام، لم يكن يدخل على حريمهم، أو يتجسس على خصوصياتهم في غرف نومهم، وما يفعلون وكيف يتحدثون مع أزواجهم في فُرشهم.

 

ثالثاً: بعد وفاة النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: نحن نعلم يقيناً أن الدين قد اكتمل، بمعنى أن كل أوامر الله ونواهيه قد بلغتنا قبل وفاة النبي، صلوات الله وتسليماته وتبريكاته عليه وعلى آله، كاملة مفصّلة مبيّنة واضحة لا شك فيها، كما قال، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك». وقد تكفل الله بحفظ الذّكر قرآنا وسنّة، نعم، ولغة عربية كذلك، لأنها من لوازم «الذّكر»، ولا يفهم «الذّكر» إلا بها، إلى قيام الساعة، لأنه عليه وعلى آله الصلاة والسلام، هو أخر الأنبياء والمرسلين، ليس بعده نبوة ولا رسالة، ولا يُتصور بعده نسخ ولا تشريع جديد، إلا ممن بدل الشرائع، واستبدل الكفر بالإيمان، وضل عن سواء السبيل، وأبى إلا أن يحتجز قراراً بئيساً في نار جهنّم، والعياذ بالله.

فإذاً بعد وفاته عليه وعلى آله الصلاة والسلام، أصبح الواجب على الناس عامة، والعلماء المجتهدين والمتبوعين منهم خاصة، الرجوع إلى النصوص الشرعية فقط لاستنباط الهدى منه، والأخبار الصحيحة والأحكام الملزمة، أي أن السؤال أصبح واجباً في كل شيء، وعن كل شيء، لأنه قد جاء من الله حكم في كل شيء، ولا يخرج عن حكمه أي شيء.

غير أن السؤال لا بد أن يكون سؤالاً صحيحاً: أي أن يكون سؤالاً عن دليل حرمة الشيء أو وجوبه، أو عن استحبابه أو كراهيته بذاته، ولا يكون مطلقاً عن الإباحة لأنها هي الأصل الثابت العام المطلق، بالأدلة الثابتة اليقينية العامة المذكورة أعلاه، ولا تحتاج إلى دليل جزئي أو تفصيلي غير ذلك إطلاقاً.

قلنا: يكون السؤال الصحيح عن دليل حرمة الشيء أو وجوبه، وعن استحبابه أو كراهيته بذاته، وقلنا: «بذاته»، احتياطاً من كون الإنسان قد يثاب على فعل المباح إذا أراد التقوِّي به على الواجبات والمستحبات،

أو التمرس بمباعدة المكروهات والمحرمات، أو فعله بـ«وعي»، وهو حاضر الذهن، منتبه القلب على كونه قد أباحه الله، مستسلماً لحكم الله، أو فرحاً مسروراً برخصة الله، أو لغير ذلك من الاعتبارات الجميلة، التي جاءت بها الأدلة. ولكن الحق الذي لا ريب فيه أن الثواب ليس على ذات الفعل ها هنا وإنما هو على نية التقوِّي به للطاعات أو على ذكره لله، وإدراكه للصلة به أثناء العمل، أوغير ذلك من الاعتبارات، وكل ذلك غير (ذات) العمل من حيث هو عمل مجرّد.

 

فلا يجوز، مثلاً، أن يقال أن المباح انقلب بذلك مستحباً، لأنه ليس كذلك في ذاته، وإنما كان الثواب على أمور أخرى صاحبته، فلا يجوز خلط هذا بهذا، وإلا اختلت مقاييس الشرع، واختلط الحابل بالنابل. لذلك يحتاج المستحب لذاته، وهو الذي يثاب فاعله ولا يؤاخذ تاركه، والمكروه لذاته وهو الذي يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله، يحتاجان كلاهما إلى دليل مستقل لأنهما خلاف الإباحة الأصلية المطلقة، وما كان هكذا فلا بد له من دليل، وإلا كان قولاً على الله بغير علم، وشرعاً من الدين ما لم يأذن به الله، أي إحداثاً وابتداعاً في الدين؛ هذه هي طريق الهلكة، المُفضية إلى الكفر والضلال البعيد. ولعلنا نفرد موضوع النية، وتأثيرها على الثواب والعقاب، في فصل مستقل، هو: (فصل: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»)، وسيأتي بعد هذا قريباً إن شاء الله.

 

وليس ما أصّلناه آنفاً ببدعٍ من القول، بل قد قال به أو ببعضه مشاهير الأئمة، فقال الإمام الحافظ الحجة أبو محمد علي بن حزم، قدس الله سره، في «الإحكام»: [فإن قالوا: فأرونا جمع النوازل منصوصا عليها! قلنا: لو عجزنا عن ذلك لما كان عجزنا حجة على الله تعالى ولا على رسوله، صلى الله عليه وسلم، إذ لم ندع لكم الواحد، فالواحد منه الإحاطة بجميع الفتن، لكن حسبنا أننا نقطع بأن الله تعالى بيّن لنا كل ما يقع من أحكام الدين إلى يوم القيامة، فكيف ونحن نأتيكم بنص واحد فيه كل نازلة وقعت أو تقع إلى يوم القيامة! وهو الخبر الصحيح الذي ذكرناه قبلُ بإسناده، وهو قوله، صلى الله عليه وسلم: «دعوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه»، فصح نصا أنّ ما لم يقل فيه النبي، صلى الله عليه وسلم، فليس واجبا لأنه لم يأمر به، وليس حراما لأنه لم ينه عنه، فبقي ضرورة أنه مباح. فمن ادّعى أنه حرام مكلف أن يأتي فيه بنهي من النبي، صلى الله عليه وسلم، فإن جاء سمعنا وأطعنا وإلا فقوله باطل. ومن ادعى فيه إيجابا كلف أن يأتي فيه بأمر من النبي، صلى الله عليه وسلم، فإن جاء به سمعنا وأطعنا وإن لم يأت به فقوله باطل. وصح بهذا النص أن كل ما أمر به، صلى الله عليه وسلم، فهو فرض علينا إلا ما لم نستطع من ذلك، وأنّ كل ما نهانا عنه فحرام حاشا ما بيّنه، صلى الله عليه وسلم، أنه مكروه أو ندب فقط، فلم يبق في الدّين حكم إلا وهو ههنا منصوص جملة]؛

ثم استطرد قائلاً: [فأي شيء بقي بعد هذا؟ وهل في العالم نازلة تخرج من أن يقول قائل هذا واجب؟ فنقول له: إن أتيت على إيجابه بنص من القرآن أو بكلام صحيح عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أو إجماع فسمعا وطاعة وهو واجب، ومن أبى عن إيجابه حينئذ فهو كافر، وإن لم يأت على إيجابه بنص ولا إجماع فإنه كاذب وذلك القول ليس بواجب. أو يقول: قال هذا حرام، فنقول له: إن أتيت على النهي عنه بنص أو إجماع فهو حرام وسمعا وطاعة، ومن أراد استباحته حينئذ فهو آثم كاذب عاص، وإن لم تأت على النهي عنه بنص ولا إجماع فأنت كاذب وذلك الشيء ليس حراما. فهل في العالم حكم يخرج عن هذا؟! فصح أن النص مستوعب لكل حكم يقع أو وقع إلى يوم القيامة، ولا سبيل إلى نازلة تخرج عن هذه الأحكام الثلاثة وبالله تعالى التوفيق.

ثم قد جاءت الأحاديث عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بمثل ما جاءت به هذه الآيات كما حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الهمذاني حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد البلخي حدثنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا إسماعيل هو ابن أبي أويس حدثنا مالك بن أنس عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم). قال أبو مُحَمَّد: فهذا حديث جامع لكل ما ذكرنا بيّنَ فيه، صلى الله عليه وسلم، أنه إذا نهى عن شيء فواجب أن يجتنب، وأنه إذا أمر بأمر فواجب أن يؤتى منه حيث بلغت الاستطاعة، وأنّ ما لم ينه عنه ولا أمر به فواجب ألا يبحث عنه في حياته، صلى الله عليه وسلم، وإذ هذه صفته ففرض على كل مسلم ألا يحرمه ولا يوجبه، وإذا لم يكن حراما ولا واجبا فهو مباح ضرورة، إذ لا قسم إلا هذه الأقسام الثلاثة. فإذا بطل منها اثنان وجب الثالث، ولا بد ضرورة، وهذه قضية النص وقضية السمع وقضية العقل التي لا يفهم العقل غيرها إلا الضلال والكهانة والسخافة التي يدعيها أصحاب القياس أنهم يفهمون من الوطء الأكل ومن الثمر الجلوز ومن قطع السرقة مقدار الصداق، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

ثم نعكس عليهم سؤالهم فنقول لهم إذا جوّزتم وجود نوازل لا حكم لها في قرآن ولا سنّة، فقولوا لنا ماذا تصنعون فيها، فهذا لازم لكم وليس يلزمنا، لأن هذا عندنا باطل معدوم لا سبيل إلى وجوده أبدا. فأخبرونا إذا وجدتم تلك النوازل، أتتركون الحكم فيها؟ فليس هذا قولكم، أم تحكمون فيها ولا سبيل إلى قسم ثالث. فإن حكمتم فيها فأخبرونا عن حكمكم فيها، أبحكم الله تعالى وحكم رسوله، صلى الله عليه وسلم، حكمتم فيها؟ فإن قلتم نعم، قلنا قد تناقضتم لأنكم قلتم ليس فيها نص بحكم الله تعالى ولا لرسوله، صلى الله عليه وسلم، وقد كذّب آخرُ قولكم أوّلُهُ. وإن قلتم بغير حكم الله تعالى أو بغير حكم رسوله، صلى الله عليه وسلم، نحن برآء إلى الله تعالى من كل حكم في الدين لم يحكم به الله عز وجل، وفي هذا كفاية لمن عقل فوضح لنا وبطل ما سواه، والحمد لله رب العالمين.

وبهذا جاءت الأحاديث كلها مؤكدة متناصرة، كما حدثنا حمام بن أحمد حدثنا عبد الله بن إبراهيم حدثنا أبو زيد المروزي حدثنا الفربري حدثنا البخاري حدثنا عبد الله بن زيد المقرئ حدثنا سعيد حدثنا عقيل عن ابن شهاب عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته)؛ فنص، صلى الله عليه وسلم، كما تسمع أن كل ما لم يأت به تحريم من الله تعالى فهو غير محرم.

وهكذا أخبر، صلى الله عليه وسلم، في الواجب أيضا، كما حدثنا عبد الله بن يوسف بن نامي حدثنا أحمد بن فتح حدثنا عبد الوهاب بن عيسى حدثنا أحمد بن مُحَمَّد الفقيه الأشقر حدثنا أحمد بن علي القلانسي حدثنا مسلم بن الحجاج حدثني زهير بن حرب حدثنا يزيد بن هارون حدثنا الربيع بن مسلم القرشي عن مُحَمَّد بن زياد عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: (أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا)، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (لو قلتُ نعم لوجبت ولما استطعتم- ثم قال- ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه).

قال أبو مُحَمَّد: فنصّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على أنّ ما لم يوجبه فهو غير واجب، وما أوجبه بأمره فواجب ما أستطيع منه، وأنّ ما لم يحرمه فهو حلال وأنّ ما نهى عنه فهو حرام، فأين للقياس مدخل والنصوص قد استوعبت كل ما اختلف الناس فيه وكل نازلة تنزل إلى يوم القيامة باسمها! وبالله تعالى التوفيق. وقال تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به لله؟! ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم﴾]. انتهى كلام الإمام الحافظ الحجة أبي محمد علي بن حزم الأندلسي، قدَّس الله سِرَّه، فتدبره، وأعد قراءته، مراراً وتكراراً، حتى تستوعبه وتعطيه حقه من الفهم والتذوّق.

 

وأنت ترى أن هذا في مجمله هو عين قولنا، وهو: (أن الأصل في الأشياء والأفعال والأقوال والعقائد والأفكار: الإباحة، وكذلك في العقود والشروط: الإباحة والصحة، لذلك فإن الأصل هو الالتزام بالعقود التي تم عقدها، والشروط التي تم الاتفاق عليها لأنها انعقدت صحيحة؛ وكذلك الأصل في الأشياء والأعيان والمواد: الطهارة).

 

ونزيد هذا وضوحاً وتفصيلاً بأن نقول، أن قولنا: (الأصل في الأشياء والأفعال والأقوال والعقائد والأفكار الإباحة) يقتضي ضرورة خلوّها، في الأصل، من الأحكام «الوضعية»، فلا يكون شيء منها سبباً، أو شرطاً، أو رخصة أو عزيمة، أو مبطلاً أو مصححاً لشيء آخر، أو غير ذلك من الأحكام الوضعية، إلا ببرهان، وكذلك هو الشأن في الحوادث الواقعة في الكون، مثل طلوع الشمس، ونزول المطر، وخسوف القمر، حتي يجئ النص بخلاف ذلك.

 

فصل: هل الأصل في (العبادات) الحظر؟!

بقيت مسألة واحدة مهمة، في غاية الأهمية والخطورة، وهي قولهم: (أن الأصل في العبادات الحظر، حتي يأتي بها دليل)، التي جعلها البعض قاعدة كلية. فنقول: هذه جملة لا معنى لها، يفترض القائلون بها أن هناك أفعالاً تستحق أن تصنَّف من (العبادات) بذاتها من حيث كونها أفعالاً مجرّدة ، وهذا غير صحيح، بل هو خطأ قاتل شنيع، كما سنبرهن عليه في الأبواب والفصول التالية، لا سيما في الباب المسمَّى: (التوحيد: ماهيته، وحقيقته)، على وجه الإجمال، والباب المسمَّى: (ماهية التقديس والشعائر التعبدية)، على التفصيل، إن شاء الله. وإنما جرت عادة الناس أن يطلقوا هذه التسمية (عبادات) على الأفعال والأقوال والمعتقدات التي يراد بها التقرب ممن يعتقد فيه، أو تنسب إليه، الألوهية، فـ(العبادات) هي إذاً: [أفعال وشعائر معينة (وأقارير وتسليمات بأقوال ومعتقدات) تتعلق أو تُوَجَّه إلى من تُعْتَقَد فيه، أو تنسب إليه، الألوهية: للتقرب إليه وطلب رضاه ومحبته والزلفى إليه، أو لإظهار التعظيم والإجلال، أو للتعبير عن الرهبة والخشية، أو استدرار عطفه وبره وإنعامه، أو الاستعانة به في دفع ضر أو جلب منفعة؛ أو اتقاء ضرره أو السلامة من شره، ونحو ذلك]؛ وواحدة (العبادات) يقال لها (عبادة)؛ أما (العبادة)، المعرفة بالألف واللام، أو بالإضافة، مثل (عبادة الله)، أو بالجملة التامة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، (الذاريات؛ 51 : 56)؛ فهي شيء آخر، سيأتي بيان حقيقته في الأبواب المقبلة، بما لا مزيد عليه، بإذن الله.

 

فإذا تقدم إنسان بشعائر تعبدية إلى (إله)، أي إلى من يعتقد فيه الألوهية، فهو قطعاً يعتقد أن المعبود يحب تلك الشعائر ويرضاها، بحيث يحصل المقصود من القرب والأنس؛ أو دفع ضر، والسلامة من شر؛ أو جلب منفعة؛ وما شاكل ذلك. فهو يعتقد، استحباب ذلك (الإله)، أو حتى إيجابه، لأفعاله وشعائره تلك ضرورة ولا بد.

 

أما بالنسبة لأهل الإسلام، بعد بزوغ شمس الرسالة المُحَمَّدية، فإن الحكم على فعل بأنه مستحب أو واجب، يعني أن حكمه هو خلاف الإباحة المحضة الأصلية، المقطوع بها، لا يجوز إلا ببرهان. فالصحيح إذاً أن الله، جل جلاله، لا يجوز أن يتقرب إليه إلا بما جعله هو مستحباً أو واجباً، أي الصحيح هو: (أن الله، جل جلاله، لا يعبد إلا بما شرع)، أو بلفظ أدق: (أن الله، جل جلاله، لا يتقرب إليه إلا بما شرع)، أو أحسن من هذا وذاك: (أن الإيجاب والاستحباب لا تثبت إلا بالدليل الشرعي)، وهذه القاعدة الصحيحة ليست شيئاً جديداً، وإنما هي تطبيق وتفريع ضروري لقاعدتنا: [أن الأصل في الأشياء والأفعال والأقوال الإباحة، وكذلك في العقود والشروط الإباحة والصحة، والأصل هو الالتزام بالعقود التي تم عقدها، والشروط التي تم الاتفاق عليها].

هذا هو ما قامت عليه قواطع الأدلة اليقينية، فلا يجوز اعتقاد غيره، ولا العمل به، لمن آمن بالله واليوم الآخر، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين.

 

فصل: هل ما (تركه) النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، تركناه؛ وهل هناك سنّة تَرْكِيّة؟!

سبق أن ذكرنا قوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، الصحيح الثابت: «ذروني (أو: دعوني) ما تركتكم: فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم؛ فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه؛ وما أخبرتكم أنه من عند الله فهو الذي لا شك فيه». وقوله: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم». وقوله: «إن الله حد حدودا فلا تعتدوها، وفرض لكم فرائض فلا تضيعوها، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها؛ وترك أشياء، من غير نسيان من ربكم ولكن رحمة منه لكم، فاقبلوها ولا تبحثوا فيها!». وقوله: «إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته». وقوله: «ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية؛ فاقبلوا من الله العافية فإن الله لم يكن نسِيّا».

 

ولعلنا نلاحظ:

(1) ـ أنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، وهو أفصح العرب، المعصوم بعصمة الله، الذي أوتي جوامع الكلم، واختصر له الكلام اختصاراً، ما كان ليعجزه أن يقول: (وما تركته فاتركوه)، بل على العكس من ذلك قال: «... وترك أشياء، من غير نسيان من ربكم ولكن رحمة منه لكم، فاقبلوها ولا تبحثوا فيها!»، فأصرّ قوم على عدم قبولها، وعاندوا فسوّدوا الصفحات، بل المجلدات، في مباحث سقيمة عنها؛

 

(2) ـ أن (الترك) المجرّد عدمٌ محض، والعدم لا يصلح حجة لشيء، أو بلفظ آخر: إن (الترك) المجرّد من القرائن إنما هو عدم فعل، والعدم لا شيء، أي أنه ليس بشيء، ولا يصلح دليلاً لشيء، فلا يوجد في العالم إذاً ما يسمّونه: «سنّة تركية» أصلاً؛

 

(3) ـ إن (التّرك) المجرّد هو الضد التام المقابل لـ(الفعل) المجرّد؛ وقد أثبتنا فيما مضى بالأدلة اليقينية أن فعل النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، المجرّد عن أي قرينة، حجة قاطعة على أن ما فعله ليس حراماً على أمّته (إلا ما قام البرهان على أنه من خصوصياته، عليه وعلى آله الصلاة والسلام)، ثم لا بد من قرائن أو أدلة مستقلة تبرهن على أن ذلك الفعل واجب أو مستحب أو مباح أو حتى مكروه؛ فوجب لذلك بالضرورة العقلية المترتبة على المضادة والتقابل التام: أن يكون (التّرك) المجرّد برهاناً فقط على أن المتروك ليس واجباً (إلا ما قام البرهان على أنه من خصوصياته، عليه وعلى آله الصلاة والسلام)، ثم لا بد من قرائن أو أدلة مستقلة تبرهن على أن ذلك المتروك حرام أو مكروه أو مباح أو حتى مستحب؛ حيث أسلفنا في الباب السابق عند دراسة بعض ما يقتضيه كونه (أسوة حسنة)نصاً: (فمن المحال الممتنع أن يفعل النّبي، عليه وعلى اله الصّلاة والسّلام، ما هو حرام على أمّته، أو أن يترك ما هو واجب على أمّته، من غير بيان يقيني، قاطع للعذر، بأنه مستثنى من ذلك أو أن ذلك من خصوصيّاته، عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام)؛

 

(4) ـ أن (التّرك) المجرّد، الذي هو في جوهره ترك الفعل، أقرب وأشبه ما يكون إلى (الإقرار) المجرّد، الذي هو (ترك القول). والإقرار يترتب عليه الحكم بالإباحة المطلقة للمسكوت عنه، كما تقتضيه ضرورة الحس والعقل، وأدلة الشرع التي أسلفناها؛ والقوم يزعمون أنهم أهل نظر وتدبّر، وأقيسة وترجيحات، وأشباه ونظائر، ويسخرون من الظاهرية منكري القياس، بل لعلهم ينسبونهم إلى الابتداع، فكيف يسوغ لذي عقل أن يزعم أن (التّرك) المجرّد يقتضي الكراهية أو التحريم؟!

 

(5) ـ أنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، ربما ترك بعض الأفعال المستحبّة عمداً لاعتبارات سنذكر بعضها الآن، إن شاء الله:

* - * الاعتبار الأول للترك النبوي: كان نبي الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، قد يترك بعض الشعائر التعبدية المستحبة خشية أن تفرض على الناس فيعجزوا عنها، وقد علله الإمام ابن خزيمة كما جاء في صحيحه: (باب ذكر علة قد كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يترك لها بعض أعمال التطوع وإن كان يحث عليها وهي خشية أن يفرض عليهم ذلك الفعل مع استحبابه، صلى الله عليه وسلم، ما خفف على الناس من الفرائض)، وهو ما ثبت بأصح الأسانيد كما جاء:

* في «الجامع الصحيح المختصر» للبخاري، (ج1/ص313/ح882)، و(ج2/ص708/ح1908): [حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن بن شهاب أخبرني عروة أن عائشة، رضي الله تعالى عنها، أخبرته أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد وصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا فاجتمع أكثر منهم فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فصلى فصلوا بصلاته فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال: «أما بعد فإنه لم يخْفَ عليّ مكانكم ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها»، فتوفي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والأمر على ذلك]. وقال البخاري: (تابعه يونس)؛ وأخرجه مسلم في صحيحه (ج1/ص525/ح761) بمتابعة يونس التي أشار إليها البخاري؛ وابن حبان في صحيحه (ج6/ص286/ح2544)، و(ج6/ص285/ح2543) وزاد: (ثم كذلك كان في خلافة أبي بكر وصدر من خلافة عمر حتى جمعهم عمر بن الخطاب على أُبَيّ بن كعب فقام بهم في رمضان وكان ذلك أول اجتماع الناس على قارئ واحد في رمضان)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج6/ص209/ح25401)؛ والنسائي في سننه الكبرى (ج2/ص86/ح2503)؛ وابن راهويه في مسنده (ج2/ص305/ح827)؛ والإمام عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه (ج4/ص265/ح7747)؛ والطبراني في معجمه الأوسط ج2/ص6/ح1043) وقال فيه: (فصاح الناس وقرعوا بابه، فلم يخرج)؛ وغيرهم.

ــ وأخرجه البيهقي مطولا من نفس الطريق في (سنن البيهقي الكبرى) فساقه بنحو من حديث البخاري، إلا أنه أكمل قائلاً بعد قوله «فتعجزوا عنها» ذاكراً لما حدث زمان عمر بن الخطاب، رضوان الله وسلامه عليه: [وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يرغبهم في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة أمر فيه فيقول: (من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه)، فتوفي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والأمر على ذلك ثم كان الأمر على ذلك خلافة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما. قال عروة: وأخبرني عبد الرحمن بن عبد القاري- وكان من عمال عمر رضي الله تعالى عنه وكان يعمل مع عبد الله بن الأرقم على بيت مال المسلمين- أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه خرج ليلة في رمضان فخرج معه عبد الرحمن فطاف في المسجد، وأهل المسجد أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، قال عمر رضي الله تعالى عنه: والله لا أظن لو جمعناهم على قارئ واحد لكان أمثل، فعزم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه على أن يجمعهم على قارئ واحد، فأمر أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه أن يقوم بهم في رمضان، فخرج عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه والناس يصلون بصلاة قارئ لهم ومعه عبد الرحمن بن عبد القاري، فقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: نِعْمَ البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون- يريد آخر الليل - وكان الناس يقومون في أوّله]، ثم قال البيهقي: (رواه البخاري في الصحيح عن بن بكير دون حديث عبد الرحمن بن عبد القاري وإنما أخرج حديث عبد الرحمن عن حديث مالك عن الزهري).

فحديث عائشة، أم المؤمنين، رضوان الله وسلامه عليها، من أصح أحاديث الدنيا، تقوم به الحجة القاطعة، ويجب التديّن به.

 

وقد جاء هذا في نفس الواقعة، أو واقعة مشابهة، من حديث أنس بن مالك، رضي الله عنه:

* كما أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج3/ص199/ح13087) بإسناد صحيح: [حدثنا يزيد (هو ابن هارون) أخبرنا حميد (هو الطويل) عن أنس أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان ذات ليلة يصلي في حجرته، فجاء أناس من أصحابه فصلوا بصلاته، فخفف ثم دخل البيت ثم خرج، ففعل ذلك مرارا كل ذلك يصلي وينصرف، فلما أصبح قالوا: (يا رسول الله: صلينا معك البارحة ونحن نحب ان تمدّ في صلاتك!)، فقال: (قد علمت بمكانكم، وعمدا فعلت ذلك)]. وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج3/ص103/ح12024)؛ وعبد بن حميد في مسنده (ج1/ص413/ح1409)؛ وأبو يعلى في مسنده (ج6/ص401/ح3755)، و(ج6/ص461/ح3859)، ز(ج8/ص223/ح4788)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج3/ص110/ح5021)، و(ج3/ص110/ح5023)؛ وغيرهم.

 

* وقد أخرج البخاري في صحيحه (ج1/ص256/ح696) مثل حديث أنس، ولكن عن عمرة عن عائشة: [حدثنا محمد قال: أخبرنا عبدة عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرة عن عائشة قالت: كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يصلي من الليل في حجرته وجدار الحجرة قصير فرأى الناس شخص النبي، صلى الله عليه وسلم، فقام أناس يصلون بصلاته فأصبحوا فتحدثوا بذلك، فقام ليلة الثانية فقام معه أناس يصلون بصلاته صنعوا ذلك ليلتين أو ثلاثا، حتى إذا كان بعد ذلك جلس رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلم يخرج فلما أصبح ذكر ذلك الناس، فقال: إني خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل]؛ وأخرجه البيهقي في سننه الكبرى (ج3/ص110/ح5021) وغيرهما.

 

وقد جاء هذا المعنى في نفس الواقعة، أو واقعة مشابهة، كذلك عن زيد بن ثابت، رضي الله عنه، بأصح الأسانيد وأقواها:

* كما هو في «صحيح البخاري»، (ج6/ص2659/ح6860): [حدثنا إسحاق أخبرنا عفان حدثنا وهيب حدثنا موسى بن عقبة سمعت أبا النضر يحدث عن بسر بن سعيد عن زيد بن ثابت أن النبي، صلى الله عليه وسلم، اتخذ حجرة في المسجد من حصير، فصلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيها ليالي حتى اجتمع إليه ناس؛ ثم فقدوا صوته ليلة، فظنوا أنه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم فقال: (ما زال بكم الذي رأيت من صنيعكم حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة)]؛ وأخرجه البخاري في موضع آخر من صحيحه (ج1/ص256/ح698)؛وأخرجه مسلم في صحيحه (ج1/ص540/ح781)؛ والنسائي في سننه (ج3/ص198/ح1599)؛ وابن حبان في صحيحه (ج6/ص239/ح2491)؛ وأبو داود في سننه (ج1/ص274/ح1044)، و(ج2/ص69/ح1447)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج5/ص182/ح22022)، و(ج5/ص187/ح22075)؛ والطحاوي في شرح معاني الآثار (ج1/ص350)؛ والطبراني في معجمه الكبير (ج5/ص144/ح4892)، و(ج5/ص144/ح4893)، و(ج5/ص144/ح4895) إلا أنه أفاد: (فتنحنحوا، وحصبوا الباب، ورفعوا أصواتهم؛ فخرج إليهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مغضبا)، و(ج5/ص145/ح4896)؛ والطبراني في معجمه الصغير (ج1/ص329/ح544)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج2/ص494/ح4382)؛ وعبد بن حميد في مسنده (ج1/ص110/ح250)؛ وغيرهم، بعضهم مختصراً، وبعضهم بزيادات صحاح يظهر منها أن منهم من (تنحنح) ورفع صوته، بل ومنهم من (حصب) الباب تنبيها له، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، على وجودهم، فأهملهم حتى الصباح ثم كلمهم غاضباً، بنحو ما جاء آنفاً. ولعل (حصب) الباب هذا هو الذي ظنته عائشة، رضوان الله وسلامه عليها، قرعاً، أو بعضهم فعل هذا وبعضهم فعل ذاك!

 

* - * الاعتبار الثاني: كان نبي الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، قد يترك بعض الشعائر التعبدية والطاعات التي ثبتت فضيلتها حتى لا يشق على المسلمين، رفقاً بهم، بل كان، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، وهو نعم الأسوة، وخير القدوة، يترك الخروج للجهاد، وهو أحب شيء في الدنيا إليه، لكي لا يشق على أمّته، أو يحرجهم، كما يظهر مما ثبت عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «تضمن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا جهاداً في سبيلي، وإيماناً بي، وتصديقاً برسلي، فهو علي ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة! والذي نفس مُحَمَّد بيده، ما من كلْم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم: لونه لون دم، وريحه مسك! والذي نفس مُحَمَّد بيده: لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبداً، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشق عليهم (وفي رواية: لا تطيب أنفسهم) أن يتخلّفوا عني، والذي نفس مُحَمَّد بيده: لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل»، قلت: هذا حديث غاية في الصحة، من أصح أحاديث الدنيا، أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (ج3/ص1495/ح1876) فقال: [وحدثني زهير بن حرب حدثنا جرير عن عمارة وهو بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة قاله]؛ وأخرجه مسلم في صحيحه (ج3/ص1497/ح1876)، و(ج3/ص1498/ح1876)؛ والبخاري في صحيحه (ج1/ص22/ح36)؛ وابن حبان في صحيحه (ج11/ص39/ح4736)؛ وابن ماجه في سننه (ج2/ص920/ح2753)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج2/ص231/ح7157)، و(ج2/ص384/ح8970)؛ وابن راهويه في مسنده (ج1/ص226/ح182)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج9/ص39/ح17669)، (ج9/ص157/ح18265)؛ والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج4/ص202/ح19320)؛ وغيرهم.

 

فها هو، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، يتخلف عن السرايا، مع أن الخروج في كل واحدة منها، أحب شيء إليه في الدنيا، وقد صرح هو بذلك ونص عليه، وأخبرنا به.

* - * الاعتبار الثالث: وقد نص هو، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، على أن أفضل الصيام صيام داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً. ومع ذلك فلم ينقل عنه قط أنه كان يصوم هكذا، فلم ترك الفاضل وعمل بالمفضول؟! لا ندري، لأنه لم يبين لنا. ونعلم يقيناً أنه لو كان بيان ذلك من الدّين، الذي تكفّل الله ووعد ببيانه، وأخبرنا بكماله، لو كان الأمر كذلك لبينه لنا، حاشا لله ورسوله من الوعد الخائس، والخبر الكاذب.

 

فظهر بذلك أن كونه، عليه وعلى اله الصلاة والسلام أفضل رسل الله، وأكرم الخلق على الله، لا يقتضي ضرورة:

(1) ـ أن كل فعل من أفعاله، وكل عبادة من عباداته، جاءت على أفضل الصور لتلك العبادة المعينة أو ذاك الفعل المخصوص المعين. والكمال والفضل على الإجمال، لا يعني الكمال والفضل في كل جزئية متخيَّلة، إلا في حق الله العزيز الحكيم.

(2) ـ أن غيره من الأنبياء قد يفضُله بجزئية معينة، أو خصوصية معينة. فمما لا شك فيه أن موسى قد اصطفي على الناس، بل على الأنبياء، بتكليم الله له تكليماً مباشراً؛ وعيسى بن مريم كلمة الله، وروح منه، وذاته الطاهرة الشريفة معجزة بنفسها.

 

وأفضلية بلال وأبي ذر على معاذ بن جبل لا يجوز أن يكون فيها شبهة، وليس أي واحد منهما بأعلم من معاذ بتفاصيل الحرام والحلال!

 

وأكثر الصحابة، لا سيما البدريين والأُحُديين والشجريين، أفضل من عبد الله بن عباس، وهو أعلى منهم مرتبة في العلم، وهو ترجمان القرآن والحبر البحر، بل كان رضي الله عنه يقرئ السابقين الأولين البدريين من أمثال عبد الرحمن بن عوف القرآن!

 

وأفضلية قرن الصحابة في الجملة على سائر قرون الأمة، بل وعلى سائر قرون بني آدم، لا تعني ضرورة أنهم فعلوا كل فضيلة وكل حسنة إلى يوم القيامة، وكل زعم خلاف ذلك شطحات وتعميمات نظرية، ومزاعم عاطفية، أو أكاذيب محضة، لا تصمد للبرهان.

 

* - * الاعتبار الرابع: ما سبق أن قررناه بأتم بيان وأبلغ تفصيل أن الأصل في الأشياء، أعياناً وأفعالاً، الإباحة؛ وأنه، عليه وعلى آله أزكى صلاة وأتم تسليم، قد اشتد نهيه عن كثرة السؤال، والتردد عليه في الأقضية، مما قد يفضي إلى الهلكة، وأخبرهم أنه هو سيبادرهم بأمر الله ونهيه: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا. وقد أثبتنا بذلك أن تركه التعقيب على فعل، أو القيام بعمل يقتضي، ضرورة، إباحة ذلك لا غير. بل قد قال، عليه وعلى آله أزكى صلاة وأتم تسليم، صراحة: «دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم؛ فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم».

 

وقد يترك النبي بعض العمل لاعتبارات أخرى لا نعلمها. وعلى كل حال فالترك عدم فعل، والعدم لا يصلح دليلاً على شيء مطلقاً، لأنه «لا شيء»، كما بينّاه أول هذا المبحث.

 

نعم، سوف يسارع القوم قائلين: لقد ظلمتمونا بنسبة هذا القول إلينا، فنحن ما قلنا قط أن الترك المجرد شيء أو حجة، وإنما قلنا: الحجة أن يترك النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، الفعل غير الجِبِلي، مع قيام المقتضى وانتفاء المانع، وغير ذلك من التأصيل والضوابط.

 

فنقول: رغم كراهيتنا للتطويل، وأسلوب الرد، والقيل والقال، فلعلنا ها هنا لأهمية هذه المسألة الأصولية الخطيرة، وللأمانة العلمية، نقتبس لك هذا النص (بتمام طوله وأحرفه، ما عدا التنسيق والإخراج وعلامات التنقيط فأكثرها من عندنا) لفصل كامل من كتاب: (معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة؛ الطبعة الخامسة، 1427 هـ) للدكتور مُحَمَّد بنْ حسَيْن بن حَسنْ الجيزاني، كما هو في المكتبة الإلكترونية الشاملة. وقد اخترنا هذا الكتاب لأن أصله، كما جاء فيه (ج1/ص2): [أصل هذا الكتاب: رسالة (دكتوراه) نوقشت في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. وقد تكونت لجنة المناقشة من أصحاب الفضيلة: د. عمر بن عبد العزيز أستاذ أصول الفقه بقسم الدراسات العليا بجامعة أم القرى بمكة المكرمة مشرفاً؛ د. علي بن عباس الحكمي رئيس قسم الدراسات العليا الشرعية بجامعة أم القرى بمكة المكرمة عضواً؛ د. أحمد محمود عبد الوهاب أستاذ أصول الفقه بقسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عضواً. وقد أجيزت مع مرتبة الشرف الأولى، وكان ذلك في 25/1/1415 هـ]؛ فهو إذا رسالة (مشْيخية)، وهو ما يسمى باللاتينية: (دكتوراه)، ينتظر من كاتبها التمكن من مادته، والإتيان بجديد فيها، أو هكذا هو العرف العالمي هذه الأيام. كما أنها تصنيف حديث معاصر يتوقع أن يكون كاتبه قد استوعب وهضم انتاج العلماء السابقين مقدماً لنا، ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ، زبدته: ﴿لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ. والآن إلى النص الموعود:

* بداية النص المنقول (ج1/ص123 ــ 130): [خامسًا: حجيّة تركه، صلى الله عليه وسلم: والمقصود بالترك: تركه، صلى الله عليه وسلم، فعل أمر من الأمور. وهو نوعان بالنسبة لنقل الصحابة رضي الله عنهم له:

(1) ـ التصريح بأنه، صلى الله عليه وسلم، ترك كذا وكذا ولم يفعله، كقول الصحابي في صلاة العيد: (إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، صلى العيد بلا أذان ولا إقامة).

(2) ـ عدم نقل الصحابة للفعل الذي لو فعله، صلى الله عليه وسلم، لتوفرت هممهم ودواعيهم أو أكثرهم أو واحدٍ منهم على نقله للأمة، فحيث لم ينقله واحد منهم البتة ولا حّدث به في مجمع أبدًا عُلم أنه لم يكن. وذلك كتركه، صلى الله عليه وسلم، التلفظ بالنية عند دخوله في الصلاة، وتركه الدعاء بعد الصلاة مستقبل المأمومين وهم يؤمنون على دعائه، بعد الصبح والعصر أو في جميع الصلوات.

وتركه، صلى الله عليه وسلم، لفعل من الأفعال يكون حجّة، فيجب ترك ما ترك، كما يجب ما فعل بشرطين:

الشرط الأول: أن يوجد السبب المقتضي لهذا الفعل في عهده، صلى الله عليه وسلم، وأن تقوم الحاجة إلى فعله، فإذا كان الحال كذلك وتركه، صلى الله عليه وسلم، ولم يفعله كان تركه لهذا الفعل سنّة يجب الأخذ بها ومتابعته في ترك هذا الفعل. أما إن انتفى المقتضي ولم يوجد السبب الموجب لهذا الفعل فإن ترك النبي، صلى الله عليه وسلم، حينئذ لا يكون سنّة؛ لأن تركه كان بسبب عدم وجود المقتضي، إذ لو وجد المقتضي لفعله، صلى الله عليه وسلم، وذلك كتركه، صلى الله عليه وسلم، قتال مانعي الزكاة فقط؛ إذ إن هذا الترك كان لعدم وجود السبب وعدم قيام المقتضي، فلما فعل أبو بكر رضي الله عنه ذلك وقاتل مانعي الزكاة فقط، لم يكن مخالفًا لسنّة رسول الله، صلى الله عليه وسلم.

أما ما أحدثه بعض الأمراء من الأذان للعيدين فإن هذا من البدع؛ لأن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ترك ذلك مع وجود ما يعتقد فاعل ذلك أنه مقتضٍ، فإنه، صلى الله عليه وسلم، لما أمر بالأذان في الجمعة وصلى العيدين بلا أذان ولا إقامة كان ترك الأذان فيهما سنّة، فليس لأحد أن يزيد في ذلك، بل الزيادة في ذلك كالزيادة في أعداد الصلوات أو أعداد الركعات.

ومثل ذلك ما حدثت الحاجة إليه بتفريط الناس، كتقديم الخطبة على الصلاة في العيدين، فإنه قد فعل ذلك بعض الأمراء واعتذر بأن الناس قد صاروا ينفضون قبل سماع الخطبة، وكانوا على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لا ينفضون حتى يسمعوا، أو أكثرهم.

ولا يكفي أن يترك، صلى الله عليه وسلم، الفعل مع وجود المقتضي لا مع انتفائه، بل لا بد من:

شرط ثانٍ وهو: انتفاء الموانع وعدم العوارض؛ لأنه، صلى الله عليه وسلم، قد يترك فعلاً من الأفعال مع وجود المقتضي له بسبب وجود مانع يمنع من فعله.

وذلك كتركه، صلى الله عليه وسلم، قيام رمضان مع أصحابه في جماعة بعد ليالٍ، وعلل ذلك بخشيته أن يُفرض عليهم، فلما كان في عهد عمر رضي الله عنه جمعهم على قارئ واحد، ولم يكن هذا الاجتماع بهذه الهيئة مخالفًا لسنّة رسول الله، صلى الله عليه وسلم،. وهكذا جَمْع القرآن، فإن المانع من جمعه كان على عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن الوحي لا يزال ينزل فيغير الله ما يشاء ويُحكم ما يريد، فلو جُمع في مصحف واحد لتعسر أو تعذر تغييره كل وقت، فلما استقر القرآن بموته أمن الناس من زيادة القرآن ونقصه.

أما تركه، صلى الله عليه وسلم، للأذان في العيدين فلم يكن لوجود مانع، لذا كان هذا الترك سنّة نبوية يجب اتباعه فيها عليه الصلاة والسلام.

وخلاصة القول: أن تركه، صلى الله عليه وسلم، لا يخلو من ثلاث حالات.

الحالة الأولى: أن يترك، صلى الله عليه وسلم، الفعل لعدم وجود المقتضي له، وذلك كتركه قتال مانعي الزكاة، فهذا الترك لا يكون سنّة، بل إذا قام المقتضي ووجد كان فعل ما تركه، صلى الله عليه وسلم، مشروعًا غير مخالف لسنّته، كقتال أبي بكر رضي الله عنه لمانعي الزكاة، بل إن هذا العمل يكون من سنّته لأنه عمل بمقتضى سنّته، صلى الله عليه وسلم.

الحالة الثانية: أن يترك، صلى الله عليه وسلم، الفعل مع وجود المقتضي له بسبب قيام مانع، كتركه، صلى الله عليه وسلم، فيما بعد قيام رمضان جماعة، بسبب خشيته أن يُكتب على أمته؛ فهذا الترك لا يكون سنّة، بل إذا زال المانع بموته، صلى الله عليه وسلم، كان فعل ما تركه، صلى الله عليه وسلم، مشروعًا غير مخالف لسنّته كما فعل عمر رضي الله عنه في جمعه للناس على إمام واحد في صلاة التراويح، بل إن هذا العمل من سنّته، صلى الله عليه وسلم، لأنه عمل بمقتضاها.

الحالة الثالثة: أن يترك، صلى الله عليه وسلم، الفعل مع وجود المقتضي له وانتفاء الموانع فيكون تركه، صلى الله عليه وسلم، والحالة كذلك سنّة، كتركه، صلى الله عليه وسلم، الأذان لصلاة العيدين.

وهذا القسم من سنّته، صلى الله عليه وسلم، وهو السنّة التركية أصل عظيم وقاعدة جليلة، به تحفظ أحكام الشريعة ويوصد به باب الابتداع في الدين.

قال ابن القيم: (فإن تركه، صلى الله عليه وسلم، سنّة كما أن فعله سنّة، فإذا استحببنا فعل ما تركه، كان نظير استحبابنا ترك ما فعله، ولا فرق. فإن قيل: من أين لكم أنه لم يفعله، وعدم النقل لا يستلزم نقل العدم؟ فهذا سؤال بعيدُ جدًا عن معرفة هديه وسنّته وما كان عليه، ولو صح هذا السؤال وقبل لاستحب لنا مستحب الأذان للتراويح، وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ واستحب لنا مستحب آخر الغسل لكل صلاة، وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟...... وانفتح باب البدعة، وقال كل من دعا إلى بدعة: من أين لكم أن هذا لم ينقل؟).

وتجدر الإشارة إلى أن سنّة الترك مبنية على مقدمات ثابتة راسخة:

المقدمة الأولى: كمال هذه الشريعة واستغناؤها التام عن زيادات المبتدعين واستدراكات المستدركين، فقد أتم الله هذا الدين فلا ينقصه أبدا، ورضيه فلا يسخطه أبدًا.

ومن الأدلة على هذه المقدمة قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].

وقوله، صلى الله عليه وسلم، «وايم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء».

المقدمة الثانية: بيانه، صلى الله عليه وسلم، لهذا الدين وقيامه بواجب التبليغ خير قيام، فلم يترك أمرا من أمور هذا الدين صغيرًا كان أو كبيرًا إلا وبلغه لأمته.

ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: 67]، وقد امتثل، صلى الله عليه وسلم، لهذا الأمر وقام به أتم القيام.

وقد شهدت له أمّته بإبلاغ الرسالة وأداء الأمانة واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل، في خطبته يوم حجة الوداع.

المقدمة الثالثة: حفظ الله لهذا الدين وصيانته من الضياع، فهيأ الله له من الأٍسباب والعوامل التي يسرت نقله وبقاءه حتى يومنا هذا وإلى الأبد إن شاء الله، ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، والواقع المشاهد يصدق ذلك، فإن الله قد حفظ كتابه وسنّة نبيه، صلى الله عليه وسلم، ووفق علماء المسلمين إلى قواعد مصطلح الحديث، وأصول الفقه، وقواعد اللغة العربية] انتهى النص المنقول بأحرفه (ما عدا التنسيق والإخراج وعلامات التنقيط فأكثرها من عندنا).

 

وإليك تعقيباتنا:

(1) ـ التعقيب الأول: ما ذكره في الأسطر الثمانية الأولى (أو نحو ذلك) حول كيفية رواية الصحابة لـ(التّرك) على أهميتها لا علاقة لها بموضوع (الحجيّة)، وإنما ينبغي أن تدرس في باب (الذّكر وحفظه). وحيث أن الله قد تكفَّل بحفظ الذّكر، فلا شك أن كل ترك يحتج به في الدين، (إن كان هناك شيء من هذا الجنس أصلاً)، قد تم حفظه بضمانة الله، جل جلاله. ولا نبالي بأي طريقة كان ذلك، فلا معنى من محاولة تعداد الأنواع والأصناف. وكل ترك ليس بحجة في الدين فليس هو من الذّكر المحفوظ، ولا نبالي أبلغنا أم لم يبلغنا. فالبحث الرئيس ينبغي أن يكون: هل الترك، كله أو بعضه، حجّة؟ وإن كان بعضه فحسب، فما هي الشروط الموضوعية التي يعرف بها هذا البعض فيتميز، ولا يختلط بغيره؟!

(2) ـ التعقيب الثاني: ثم قفز المؤلف، من غير سابق إنذار، فزعم: (وتركه، صلى الله عليه وسلم، لفعل من الأفعال يكون حجة، فيجب ترك ما ترك، كما يجب ما فعل، بشرطين)... ثم قلنا لا بأس: لعله أراد أن يصوغ القاعدة العامة أولاً، ثم يقيم البراهين عليها. ولعلنا نلاحظ أن جملة: (كما يجب ما فعل) قلقة هكذا، ولعل صوابها: (كما يجب (فِعْل) ما فَعَل)؛ فإن كان هذا هو المقصود فهو من أبطل الباطل، كما سلف أعلاه، لأن أفعاله، صلوات الله عليه وعلى آله، إنما هي للإتساء، وليست للوجوب!

 

(3) ـ التعقيب الثالث: ثم انتقل الدكتور محمد بن حسين الجيزاني إلى محاولة تبرير الشرط الأول، وهو: (وجود السبب المقتضي لهذا الفعل في عهده، صلى الله عليه وسلم، وأن تقوم الحاجة إلى فعله)، ولم يأت بضرورة حس أو عقل، ولا بنص من الوحي المنزّل، أي من الكتاب والسنّة لأنهما هما فقط الوحي المنزّل، وإنما حاول التخلص من عبء البرهان بضرب بعض الأمثلة:

المثال الأول: تركه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قتال مانعي الزكاة.

قلت: وهذا جهل مجرّد، فقد أعد النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، البعوث لقتال خزاعة، عندما افترى عليها الفاسق فريته المعروفة، ولكن الله، جل جلاله تلطف وفضح الكاذب الفاسق إلى يوم القيامة. وقد يقول قائل: فلم لم يستشهد أبو بكر بذلك على عمر عندما احتدم الجدال حول هذا؟! فنقول: فكان ماذا؟ّ نسياه، أو لم يخطر لهما في تلك الساعة على بال أنه حجة فاصلة في المسألة. ومن زاوية أخرى فإن أعيان الحوادث والنوازل لا تتناهى حتى نهاية الدنيا، فلابد إذاً من تنزيل أحكام الله على كل نازلة بالاجتهاد الصحيح لها، فليس هذا من باب السنّة والبدعة، وإنما هو من باب الاجتهاد.

 

المثال الثاني: تركه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الأذان للعيدين؛ فيكون ما أحدثه بعض الأمراء من الأذان للعيدين بحق من البدع.

فنقول: هذا غير مسلم لكم هكذا على إطلاقه:

فأولاً: المدينة كانت صغيرة للغاية، ونبأ العيد لا يخفى على أحد، لا سيما أنهم كانوا يحرصون على حضور الصلوات، ودروس العلم معه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإن لم يستطع أهل بيت الحضور كلهم، تناوبوا الحضور كما كان عمر يفعل مع أخيه الأنصاري؛ فلا توجد حاجة أصلاً للتأذين للعيدين.

وثانياً: الأذان ما هو إلا إشعار بدخول وقت الصلاة، ودعوة الناس لها، لذلك تداول المسلمون وتشاوروا، ونبي الله الخاتم بين أظهرهم، بل هو مشارك في المداولات قطعاً ولا شك، شأن النداء للصلاة باعتباره أمراً وسائلياً عادياً حتى اتفقوا فعلاُ على استخدام ناقوس كناقوس النصارى، ولولا تلك الرؤيا المباركة لكانت النواقيس تدق اليوم في مآذن المسلمين. كما أنه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان كثيراً ما يأمر رجلاً بأن ينادي: الصلاة جامعة (ولا ندري أكان هذا بهذا اللفظ بعينه، أو بألفاظ الأذان) لكل اجتماع طارئ في غير وقت الصلاة.

ولكن غياب شخصية النبي المركزية، واتساع المدينة النبوية المنورة، والأمصار الكبرى الأخرى أنشأ واقعاً جديداً، له متطلبات وحاجات ومقتضيات جديدة. وسؤالنا للدكتور محمد بن حسين الجيزاني: ما بالك تهربت من مناقشة أذان الجمعة الأول الذي أحدثه أمير المؤمنين عثمان بن عفان؟! نعم: عثمان مؤتمن على الدين، ولا يُظنّ به تعمُّد الابتداع أو الإحداث في الدين، بخلاف جبابرة بني أمية، ولكن الدّين قد اكتمل قبيل وفاة النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والابتداع في الدين هو نفس الشيء: لا فرق بين كونه بحسن نية وشبهة دليل، كما يقتضيه حسن الظن بأمير المؤمنين ذي النورين عثمان بن عفان، رضوان الله وسلامه عليه؛ أو بسوء نية وجدال منافق واعتذاره بشبهة.

 

على أن قول الدكتور محمد بن حسين الجيزاني أنه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ترك التأذين للعيدين لعدم وجود المقتضى لذلك رجم بالغيب، وقول على الله بلا علم. أما نحن فنقول أنه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ترك ولم يخبرنا لِمَ ترك، وقد نُهينا عن التكلف، وكثرة السؤال، وقيل وقال، وأن نقْفوا ما ليس لنا به علم؛ ونهينا عن مسلك أهل الزيغ الذين يتبعون المتشابه بدلاً من رده إلى المحكم.

 

والمحكم المقطوع به في هذه القضية، وهو الحق اليقيني، هو: أنه من المحال الممتنع أن يترك نبي الله المعصوم الخاتم، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ما هو واجب على أمّته (إلا أن يكون ذلك من خصوصياته التي قام عليها البرهان القاطع)، ويحتاج كل ما سوى ذلك من الحكم بالاستحباب أو الإباحة أو الكراهية أو التحريم إلى دليل مستقل غير مجرّد (التّرك)، تماماً كما أنه من المحال الممتنع أن يفعل نبي الله المعصوم الخاتم، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ما هو حرام على أمّته (إلا أن يكون ذلك من خصوصياته التي قام عليه البرهان)، ويحتاج كل ما سوى ذلك من إيجاب، أو استحباب أو إباحة أو كراهية إلى دليل مستقل غير مجرّد (الفعل)، كما أقمنا عليه قواطع الأدلة فيما سلف.

 

(4) ـ التعقيب الرابع: عندما تكلم الدكتور محمد بن حسين الجيزاني عن الشرط الثاني وهو (انتفاء الموانع) خلط كتخليطه عند مناقشة الشرط الأول، بل أشدّ. فهناك موانع أخرى لم يتطرق إليها، وقد فصلنا بعضها أعلاه. وهناك أمور امتنع، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، عن فعلها، مع أفضليتها على ما سواها، كصيام يوم وإفطار يوم، ولم يبين لنا المانع أصلاً.

 

أما مثال جمع القرآن فهو خطأ شنيع: فقد كان عنده، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مصحفه الخاص (الذي وهبه لعثمان بن أبي العاص الثقفي عندما أمَّره على الطائف؛ ولا نستبعد أنه استكتب مصحفاً آخر بعد ذلك)، وعند كل واحد من أكابر حفاظ القرآن، من أمثال: علي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وأم ورقة الشهيدة، مصحفه الخاص؛ وقد تكفل الله بجمعه وقرآنه، على كل حال: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾، (القيامة؛ 75: 17). أما ما اقترحه عمر أيام الردة فهو كتابة مصحف إمام رسمي معتمد، متمحضاً للثابت من القرآن في العرضة الأخيرة، مجردً من تعليقات الكتبة وشروحهم، ليس فيه شيء من القرآن المنسوخ تلاوته أصلاً، يكون مرجعاً للأمة كافة.

 

(5) ـ التعقيب الخامس: بعد هذه التخاليط والوساوس اتحفنا الدكتور محمد بن حسين الجيزاني بنص منقول من الإمام ابن القيم جاء على نحو يشعر بأنه البرهان المنشود في المسألة، مظهراً لنا عجزه عن إيراد آية أو حديث تلمِّح ولو تلميحاً (ناهيك بالبرهنة) على مقولته. والفقرة الأولى من كلام الإمام ابن القيم تقول: (فإن تركُه، صلى الله عليه وسلم، سنّة كما أن فِعله سنّة، فإذا استحببنا فعل ما تركه، كان نظير استحبابنا ترك ما فعله، ولا فرق)، فرجعنا إلى الأصل، وهو: (إعلام الموقعين عن رب العالمين) وله طبعات عديدة، أمامي الآن منها واحدة بعينها (دراسة وتحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، ونشر: مكتبة الكليات الأزهرية، مصر، القاهرة؛ 1388هـ/1968م) كما هي في المكتبة الإلكترونية الشاملة؛ (ج2/ص460)، وكذلك عندما كرر نحو هذا الكلام في (ج17/ص97)، وما قبلها وما بعدها؛ لعلنا نجد برهنة أو استدلالاً، أو حتى شبهة دليل، لهذا القول المرسل، فلم نجد إلا سيلاً من الأمثلة على بعض ما تركه النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، أما الاستدلال أو البرهنة، فلا.

 

فمقولة الإمام ابن القيم إذاً إنما هي قول مرسل، وزعم مجرّد لا برهان عليه. وحتى لو كان ابن القيم إماماً معصوماً (على مذهب الرافضة) لما صلح قوله حجة لصاحبنا، لأنه ينص فقط على: عدم استحباب فعل ما تركه النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، فقط لا غير. وبضرورة الشرع، المبنية على ضرورة الحس والعقل، نعلم أن ما لم يكن مستحباً (والواجب مستحب أيضاً، إلا أنه آكد) فهو: مباح أو مكروه أو حرام؛ فأنى لك البرهان على مرادك، وهو الحرمة التي زعمت؟!

أما الفقرة التالية من نص الإمام ابن القيم، التي جاء فيه: (فإن قيل: من أين لكم أنه لم يفعله، وعدم النقل لا يستلزم نقل العدم؟... إلخ)؛ فقد أسلفنا في التعقيب الأول بيان أن ذلك ليس في موضوع (حجية الترك)، وإنما هو من باب (حفظ الذّكر)، فليراجع. والغريب أن ابن القيم ناقش هذه الجزئية قبل ذلك باستفاضة، فعودته إليها يشعر بأن في الموضوع خللاً، فلعله أحس – لا شعورياً – أن في الاستدلال خللاً ما، فأراد تقوية استدلاله بتكرير المقولة: وهيهات، هيهات، أن تثبت مقولة بمجرد تكرارها!

 

ومن الواضح أن الإمام ابن القيم يريد سد باب ما أسماه بـ( البدع)، لاحظ قوله: [واستحب لنا مستحب آخر الغسل لكل صلاة، وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟...... وانفتح باب البدعة، وقال كل من دعا إلى بدعة: من أين لكم أن هذا لم ينقل؟]، انتهى؛ فنقول: جواب ذلك يكون بأن زعم الاستحباب للغسل عند كل صلاة يحتاج إلى برهان مستقل، لأنه إخراج للغسل من كونه مباحاً في أي وقت يشاؤه الإنسان إلى جعله مستحباً، وهذا لا يمكن أن يكون من الدين الواجب اللازم إلى يوم القيامة إلا ببرهان، ولا يمكن أن يكون البرهان قد ضاع لأن الذكر محفوظ: فلا معنى لذكر هذا، وما شابهه، في البحث عن (ترك النبي).

 (6) ـ التعقيب السادس: واستشعر صاحبنا الدكتور محمد بن حسين الجيزاني أن كل ما أسلفه ما هو إلا مزاعم مرسلة وأمثلة ناقصة، عارية عن البرهان والاستدلال الحقيقي، فأحال إحالة مجملة غامضة إلى (مقدمات ثابتة راسخة)، كما هو نص كلامه. نعم: ما ذكر من المقدمات راسخ متين، وقد ذكر لكل واحدة نصاً أو نصوصاً معصومة تؤيده؛ وكله عليه لا له:

(أ) ـ فكمال بيان الله للقرآن، وتمام أداء النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، للرسالة، مع ما أوتي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، من الفصاحة وجوامع الكلم يجعلنا نستغرب كيف قال: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم»؛ وقال: «إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته»؛ وقال: «ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكتُّ عنه فهو عافية؛ فاقبلوا من الله العافية فإن الله لم يكن نسيا»؛ وقال: «ذروني (أو: دعوني) ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم؛ فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه، وما أخبرتكم أنه من عند الله فهو الذي لا شك فيه»؛ بل قال صراحة: «إن الله حد حدودا فلا تعتدوها، وفرض لكم فرائض فلا تضيعوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وترك أشياء من غير نسيان من ربكم ولكن رحمة منه لكم فاقبلوها ولا تبحثوا فيها!»؛

قال كل ذلك، ومع ذلك لم يقل قط: (وما فعلته فافعلوه، وما تركته فاتركوه)، وهي قاعدتكم المزعومة المكذوبة،... فهلا راجعتم أنفسكم، واستيقنتم أن ربكم، قد أحاط بكل شيء علماً، وأنه، جل جلاله وسما مقامه، ما كان نسياً؟!

(ب) ـ كمال الدين وحفظه يمنع ضرورة من استحداث قاعدة كلية لم يقم عليها البرهان القاطع من أدلة الدين نفسه. بل إن الابتداع باستحداث (قاعدة كلية) أشنع وأقبح، بصفة عامة، من الابتداع باستحداث مسألة جزئية. وهذا ما فعلتموه أنتم بالضبط باستحداثكم القاعدة الكلية: (ترك النبي حجّة) من غير برهان ضروري قاطع للعذر. فأنتم، معشر القائلين بما يسمّى: (السنة التركية)، إذاً مبتدعون، بل أنتم من رؤوس الابتداع، وواقعكم يثبت بدون أدنى شبهة أنكم غلاة مارقون، مِن عِندكم خرج حشدٌ كبير من (البدع) المهلكة، وإليكم تعود.

 

وأحسب أن في هذا كفاية، وحسبك من شر سماعه؛ خضنا بين الفرث والدم آملين أن نفوز بإناء مملوء بلبن خالص سائغ للشاربين... فانتهينا بوعاء فارغ، وجوع لم يشبع، وعطش لم ينطفئ. فيا ضيعة الإسلام، ويا حسرتاه على المسلمين أن يتخرج أبناؤهم بهذا النوع من الرسائل (المشيخية) مع مرتبة الشرف الأولى!

 

فالحق المقطوع به إذاً هو: أن ترك النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، سكوت وإقرار، فما تركه إنما هو على الإباحة الأصلية المطلقة. فلا صحة لقول الوهابيين المبتدَع الخبيث: (ما تركه النبي تركناه)، بل ما تركه النبي استحللناه: فإن شئنا تركناه وإن شئنا فعلناه: ومعاذ الله أن نقول بكراهيته، أو حتى حرمته، إلا ببرهان يقوم على خلاف ذلك.

 

غير أن الغلاة المارقين من هواة التبديع والتكفير، من الفرقة الوهابية وغيرها، يمارسون أنواعاً من الإرهاب الفكري فتجد أحدهم يقول: كيف تفعل ما لم يفعله النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو صحابته؟! فإذا سمع السامع من العوام أو صغار طلبة العلم ذكر النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأصحابه انقدح في أنفسهم من التعظيم والإجلال ما يدفعهم إلى التسليم، أو في أقل الأحوال يمنعهم من المعارضة، فيفلت المجادل بالباطل بدعواه المكذوبة الداحضة، وسفسطته الساقطة المتناقضة.

 

وتوجيه الضربة القاضية إلى هؤلاء الغلاة المارقين، الدجاجلة الكذابين، سهل ميسور، وذلك بسؤاله: أليس الحكم الأصلي في الأشياء: أعياناً وأفعالاً وعقوداً وشروطاً هو الإباحة المطلقة، كما قامت عليه قواطع الأدلة؟! فكيف جعلت ذلك الشيء المعين محل جدالنا الآن حراماً أو مكروهاً؟! وهل خان النبي، عليه وعلى اله الصلاة والسلام، الأمانة عندما قال: «دعوني ما تركتكم إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»، أو عندما قال: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وسكت عن كثير من غير نسيان فلا تتكلفوها رحمة من الله، فاقبلوها»، أو عندما قال: «إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم على المسلمين فحرم عليهم من أجل مسألته»، بل قال نصاً: (دعوني ما تركتكم وما قال قط: (ما تركته فاتركوه)؟!

 

وهذا أيضاً ليس بدعاً من القول فقد قاله الإمام الحجة الكبير أبو محمد علي بن حزم، رضي الله عنه، في الإحكام في أصول الأحكام (4/56): [ما ذكرنا من الائتساء به عليه السلام في أفعاله وأما من قال نطلب الدليل فإن وجدنا دليلا على وجوب الفعل صرنا إليه وإن لم نجد دليلا حملنا الأفعال على الائتساء فقط فهي نفس قولنا إلا أننا نحملها على الائتساء أبدا ما لم نجد دليلا على الوجوب فإن وجدناه صرنا إليه وبالله تعالى التوفيق قال أبو محمد وأما الشيء يراه عليه السلام أو يبلغه أو يسمعه فلا ينكره ولا يأمر به فمباح لأن الله عز وجل وصفه عليه السلام فقال ﴿لذين يتبعون لرسول لنبي لأمي لذي يجدونه مكتوبا عندهم في لتوراة ولإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن لمنكر ويحل لهم لطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم ولأغلال لتي كانت عليهم فلذين آمنوا به وعزروه ونصروه وتبعوا لنور لذي أنزل معه أولئك هم لمفلحون﴾ فلو كان ذلك الشيء منكرا لنهى عنه عليه السلام بلا شك فلما لم ينه عنه لم يكن منكرا فهو مباح المباح معروف وما عرفه عليه السلام فهو معروف ولا معروف إلا ما عرف ولا منكر إلا ما أنكر فمن ذلك غناء الجاريتين في بيته وهو عليه السلام يسمع ولا ينكر فأنكر ذلك أبو بكر فأنكر النبي، صلى الله عليه وسلم، على أبي بكر إنكاره فصح بذلك ما ذكرنا نصا ووجب الإنكار على كل ما أنكر ما علمه عليه السلام فأقره ومن ذلك زفن السودان فنهاهم عمر فأنكر عليه السلام على عمر إنكاره عليهم ومن ذلك اللعب التي رأى عليه السلام عند عائشة وفيها فرس ذو أجنحة مع نهيه عليه السلام عن الصور فكان ذلك إذا مستثنى مما نهى عنه ومثل إنكاره عليه السلام الصور في الستر مع إباحته لذلك إذا كان رقما في ثوب واستثناءه إياه من جملة ما نهى عنه من الصور فلما قطعت عائشة الستر وسادتين اتكأ عليه السلام عليهما ولم ينكرهما فصح من ذلك أن المعلق من الثياب التي فيها الصور مكروه ليس حراما ولا مستحبا لكن من تركها أجر ومن استعملها لم يأثم واختار ههنا عليه السلام الأفضل واختاره لعائشة وفاطمة رضي الله عنهما وصح بذلك أن الثياب التي فيها الصور وإذا كانت وسائد فذلك حسن مباح ولا مستحب لا نكرهه أصلا بل نحبه وكذلك الشيء إذا تركه عليه السلام ولم ينه عنه ولا أمر به فهو عندنا مباح مكروه ومن تركه أجر ومن فعله لم يأثم ولم يؤجر كمن أكل متكئا ومن استمع زمارة الراعي فلو كان ذلك حراما لما أباحه عليه السلام لغيره ولو كان مستحبا لفعله عليه السلام فلما تركه كارها له كرهناه ولم نحرمه فإن قال قائل فقد ناموا بحضرة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثم صلوا ولم يأمرهم بإعادة الوضوء وأنتم لا ترون ذلك قيل له وبالله التوفيق ما روى أحد قط أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، رآهم نياما ولا أعلم أنهم ناموا وإنما جاء الحديث أنه عليه السلام أبطأ بالعشاء الآخرة حتى نام الناس وسمع لهم غطيط وصاح عمر نام النساء والصبيان فالحديث كما تسمع بين في أنهم ناموا وهو عليه السلام غائب غير حاضر وإنما أعلمه عمر بنوم النساء والصبيان وهذان الصنفان ليس عليهم حضور الصلاة في الجماعة فرضا وأيضا فمن أين للمحتج بهذا أن يقول ناموا قعودا نوما قليلا بلا أن يرد ذلك في الحديث ولعل فيهم من نام مستندا إلى صاحبه أو إلى الحائط أو مضطجعا نوما طويلا ما يدري من لم يحضر نومهم كيف كان نومهم ومثل هذا من الدعاوى لا يستجيزها ذو دين متهم بالصدق فلما صح أنه عليه السلام كان غائبا ولم يأتنا نص في أنه عليه السلام علم نومهم وصح أمره عليه السلام في حديث صفوان بن عسال المرادي بالوضوء من النوم جملة لزمنا ألا نزول عما أمرنا لأمر لا ندري أعلمه عليه السلام أم لم يعلمه ولو صح عندنا أنه عليه السلام علم أنهم ناموا وأقرهم على ذلك لقلنا به ولأسقطنا الوضوء عمن نام جملة على أي حال نام ولو صح في ذلك الخبر أن عمر قال نام الناس لما كان لهم فيه متعلق لأنه كان يكون معناه نام الناس الذين ينتظرونه عليه السلام وكيف وكل طائفة منهم تخالف هذا الخبر لأنهم يخصون بعض أحوال النوم دون بعض وليس بيننا في الخبر أصلا فإن قال قائل أيجوز أن يخفى ذلك على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قيل له نعم كما جاز عندكم معاشر الشافعيين والمالكيين والحنفيين قول جابر كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله على أن بيع أمهات الأولاد أشهر من نوم قوم في الليل والقوم في عوزة من المصابيح بركن المسجد وكما يقول المالكيون إنه خفي عليه ذبح آل أبي بكر الفرس وأكلهم إياه بالمدينة وهذا أشيع من نوم قوم في ركن المسجد لقلة الخيل عندهم بالمدينة في أيامه، صلى الله عليه وسلم، ولشدة العيش عندهم وقلة الإدام وشدة امتزاج أهل بيت أبي بكر مع النبي، صلى الله عليه وسلم، ومجاورتهم له فكيف يخفى عليه أنهم ذبحوا فرسا فأكلوه ولا يخفى عليه نوم قوم في ركن المسجد وهو غائب عنهم ولو صح أنه عليه السلام كان حاضرا في المسجد لأمكن أن يختفي نوم من في ركن المسجد عنه فكيف وقد صح أنه عليه السلام كان غائبا عنهم مع أن تخصيص نومهم بأنهم كانوا قعودا لا مستندين ولا مضطجعين ولا متكئين كذب من أقدم عليه وبالله التوفيق]؛ انتهى النص النفيس، فتأمله بدقة: مع عدم موافقتنا له في بعض الجزئيات كنقض النوم للوضوء، ونحوه.

 

وبذلك تبطل حجة كل من أبطل عملاً، أو زعم أنه بدعة، لمجرد أن رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبارك، لم يفعله. وشر من ذلك، وأقبح وأشنع، وأولى بالبطلان، من أصدر نفس الأحكام لأن الصحابة، رضوان الله وسلامه عليهم، لم تفعله. كيف؟ وأقوالهم الصريحة، وأفعالهم الظاهرة، وإقراراتهم ليست بحجة، فكيف يكون تركهم، الذي هو عدمُ محضُ، حجة؟! فمن زعم شيئاً من ذلك فهو والله: المبتدع الضال، الغالي المارق، أو السطحي التافه، أو الجاهل المركّب، أو لعله، عياذاً بالله، الكافر المكابر العنيد.

 

فصل: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)

إن استحقاق الثواب والثناء من الله على أي عمل من أعمال الإنسان منوط بالنية، وكذلك استحقاق العقاب والذم من الله. فمن أراد إصابة الصيد بسلاح ناري، فأخطأه، وأصاب إنساناً فقتله، فهو قاتل خطأً، لأنه المباشر أو المتسبب في القتل، ولكنه لم يرد إصابة ذلك الإنسان، فهو بالقطع ليس آثماً كإثم القاتل عمداً، وليس فعله، وإن كان قتلاً على الحقيقة، من باب القتل العمد من صدر ولا ورد. هذا مدرك بالحس والعقل، وعليه جمهور العقلاء، وقد أكده الشرع وزاد فيه ووسعه:

* حيث قال، جل جلاله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾، (الاسراء؛ 17: 18 ــ 19)

* وقال، تباركت أسماؤه: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾. (لأعراف؛ 7: 29)

* وقال، تعالى ذكره: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرهَ الْكَافِرُونَ﴾، (غافر:14)

* وقال، جل وعز: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، (غافر؛ 40: 65)

* وقال، تباركت أسماؤه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، (البينة؛ 98: 5)

* وقال، تعالى ذكره: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾، (التوبة؛ 9: 46)

* وقوله، عليه وعلى اله الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات (وفي رواية: بالنية) وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه»، حديث صحيح، من أصح أحاديث الدنيا، أجمع الأئمة على صحته، وأجمعت الأمة على تلقّيه بالقبول، وأخرجه الشيخان، والجماعة، وأحمد، وابن حبان، وابن خزيمة، والنسائي في «السنن الكبرى»، وهو أيضاً في «سنن البيهقي الكبرى»، و«المعجم الأوسط» للطبراني، و«سنن الدارقطني»، وفي «مسند أبي داود الطيالسي»، و«مسند الحميدي»، و«المنتقى من السنن المسندة» لابن الجارود، و«مسند الشهاب»، و«شرح معاني الآثار»، وغيرها، بعشرات بالأسانيد الصحيحة عن العشرات من أصحاب يحيى بن سعيد الأنصاري، عنه، عن مُحَمَّد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه. وجاء في «تلخيص الحبير في أحاديث الرافعي الكبير»: (قال الحافظ أبو سعيد مُحَمَّد بن علي الخشاب: رواه عن يحيى بن سعيد نحو من مائتين وخمسين إنسانا؛ وقال الحافظ أبو موسى: سمعت عبد الجليل بن أحمد في المذاكرة يقول: قال أبو إسماعيل الهروي عبد الله بن مُحَمَّد الأنصاري: كتبت هذا الحديث عن سبعمائة نفر من أصحاب يحيى بن سعيد. قلت: تتبعته من الكتب والأجزاء حتى مررت على أكثر من ثلاثة آلاف جزء فما استطعت أن أكمل له سبعين طريقا)، وروي من طريق الإمام مالك، إلا أنه لم يخرجه في الموطأ، وأخرجه، سوى مالك، كل أصحاب الكتب المعتمدة.

وروى نحو هذا المعنى بأسانيد مختلفة الدرجة عن علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وأبي سعيد الخدري وابن عمر وابن مسعود وابن عباس وأنس بن مالك وأبي هريرة وعتبة بن عبد السلمي وهلال بن سويد وعبادة بن الصامت وجابر بن عبد الله وعقبة بن عامر وأبي ذر وعتبة بن مسلم ومعاوية بن أبي سفيان، فالمعنى متواتر مقطوع بثبوته، مشهود عليه بآي القرآن، وضرورات الحس والعقل.

 

* وجاء في «صحيح مسلم»، (ج1/ص117/ح128)، من طريق الأعرج عن أبي هريرة: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم واللفظ لأبي بكر قال إسحاق: أخبرنا سفيان وقال الآخران: حدثنا بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: ﴿إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها سيئة، وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإن عملها فاكتبوها عشراً﴾»]؛ وهو عند البخاري (ج6/ص2725/ح7062)؛ وفي «صحيح ابن حبان»، (ج2/ص105/ح380)، بحوه، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح)؛ وأخرجه كذلك أحمد، (ج2/ص242/ح7294)؛ والترمذي، (ج5/ص265/ح3073)، وغيرهم.

 

* وجاء في «صحيح ابن حبان»، (ج1/ص118/ح130)، من طريق مُحَمَّد بن سيرين عن أبي هريرة: [أخبرنا عبد الله بن مُحَمَّد الأزدي قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا النضر بن شميل قال: حدثنا هشام عن محمد عن أبي هريرة عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن الله، جل وعلا، قال: ﴿من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبتها بعشر أمثالها إلى سبع مائة؛ وإن هم بسيئة فلم يعملها لم أكتب عليه، فإن عملها كتبتها عليه سيئة واحدة﴾]، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح على شرط الشيخين)، وهو كما قال، وهو أيضاً في «صحيح مسلم»، وفي «مسند الإمام أحمد بن حنبل» من عدة طرق غاية في الصحة، وفي «مسند الشاميين».

 

* وجاء في «صحيح ابن حبان»، (ج2/ص107/ح383)، من طريق العلاء عن أبيه عن أبي هريرة: [أخبرنا الفضل بن الحباب قال: حدثنا القعنبي قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: قال الله تبارك وتعالى: ﴿إذا هم عبدي بالحسنة فلم يعملها كتبتها له حسنة، فإن عملها كتبتها له عشر حسنات، وإن هم عبدي بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه، فإن عملها كتبتها واحدة﴾]، وعقّب الإمام أبو حاتم بن حبان، رضي الله تعالى عنه، قائلاً: [قوله جل وعلا: (إذا هم عبدي)، أراد به إذا عزم فسمى العزم همّا، لأن العزم نهاية الهم، والعرب في لغتها تطلق اسم البداءة على النهاية واسم النهاية على البداءة؛ لأن الهمّ لا يكتب على المرء لأنه خاطر لا حكم له، ويحتمل أن يكون الله يكتب لمن همّ بالحسنة الحسنة، وإن لم يعزم عليه ولا عمله لفضل الإسلام، فتوفيق الله العبد للإسلام فضل تفضل به عليه، وكتابته ما همّ به من الحسنات ولمّا يعملها فضل، وكتابته ما هم به من السيئات ولمّا يعملها، لو كتبها لكان عدلا وفضله قد سبق عدله كما أن رحمته سبقت غضبه؛ فمن فضله ورحمته ما لم يكتب على صبيان المسلمين ما يعملون من سيئة قبل البلوغ، وكتب لهم ما يعملونه من حسنة كذلك هذا ولا فرق]، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح على شرط مسلم)، وهو كما قال.

 

* وجاء في «صحيفة همام بن منبه»، (ج1/ص42/ح53)، من طريق همام بن منبه عن أبي هريرة: [وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: ﴿إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعملها فإذا عملها فأنا أكتبها له بعشر أمثالها؛ وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها ما لم يعملها فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها﴾]

 

* وجاء في «سنن الترمذي»، من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة: [حدثنا عمران بن موسى القزاز حدثنا عبد الوارث بن سعيد حدثنا علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إن ربكم يقول: ﴿كل حسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والصوم لي وأنا أجزي به، الصوم جنة من النار، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وإن جهل على أحدكم جاهل وهو صائم فليقل إني صائم﴾»]، وقال الإمام أبو عيسى الترمذي: (وفي الباب عن معاذ بن جبل وسهل بن سعد وكعب بن عجرة وسلامة بن قيصر وبشير بن الخصاصية، واسم بشير زحم بن معبد، والخصاصية هي أمه)، وقال أبو عيسى: (وحديث أبي هريرة حديث حسن غريب من هذا الوجه)، وقال الألباني: (صحيح)، وهو عند أحمد من طرق،

قلت: ليس علي بن زيد بن جُدْعان بذاك القوي، ولكن هذا يصح بشواهده، كما أنه قد توبع ببعض اللفظ مختصراً.

ــ كما هو في «المعجم الأوسط»،(ج2/ص266/ح1942): [حدثنا أحمد بن محمد بن نافع قال: حدثنا أحمد بن صالح قال: حدثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني عمرو عن بكير عن بن المسيب عن أبي هريرة عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «كل حسنة يعملها بن آدم بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام هو لي وأنا أجزي به»]؛ وبنحوه عند النسائي في سننه (ج4/ص205/ح2219)؛ وعند غيرهم، وقال الإمام الطبراني: (لم يروه عن بكير إلا عمرو). قلت: فكان ماذا؟! كل هؤلاء ثقات أثبات.

 

* وجاء في «مسند إسحاق بن راهويه»، (ج1/ص265/ح234)، من طريق أبي عبد الرحمن السلمي عن أبي هريرة: [أخبرنا جرير عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي عن أبي هريرة عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت عشرا؛ ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، فإن عملها كتبت سيئة»]، لا خوف إلا من اختلاط عطاء بن السائب، فإن كان هذا قبل اختلاطه فهو إسناد صحيح.

 

* وجاء في «المعجم الأوسط»، (ج4/ص345/ح4390)، من طريق عبد الله بن الفضل عن أبي هريرة: [حدثنا عبد الله بن مُحَمَّد بن عزيز الموصلي حدثنا غسان بن الربيع حدثنا بن ثوبان عن عبد الله بن الفضل عن أبي هريرة عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «إن الله، تبارك وتعالى، يقول: ﴿إذا همّ عبدي بسيئة فلم يعملها فلا تكتبوها، وإن عملها فاكتبوها واحدة، وإن تركها من أجلي فاكتبوها حسنة؛ وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، وإن عملها فاكتبوها بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف﴾»]؛ وهو بعينه في «مسند الشاميين»، (ج1/ص88/ح123).

قلت: فهذا نقل تواتر مقطوع بصحته عن أبي هريرة، لأنه من رواية الأعرج عنه، وكذلك مُحَمَّد بن سيرين، والعلاء، وهمام بن منبه، وسعيد بن المسيب، وأبي عبد الرحمن السلمي، وعبد الله بن الفضل، وكلهم ثقات أثبات، وربما غيرهم.

 

* وجاء حديث آخر في «صحيح مسلم» عن ثابت البناني عن أنس بن مالك، (ج1/ص1451/ح202): [حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه»]، فساق حديث الإسراء والمعراج بطوله، ونصح موسى صلوات الله وسلامه عليه لنبينا مُحَمَّد، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، بمراجعة ربه في عدد الصلوات، حتى قال: [«فلم أزل ارجع بين ربي تبارك وتعالى وبين موسى عليه السلام حتى قال: «يا مُحَمَّد: إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة؛ ومن همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا؛ ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة» قال: «فنزلت حتى انتهيت إلى موسى، صلى الله عليه وسلم، فأخبرته فقال: (ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف!)، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقلت: «قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه»]؛ وجاء هذا بنحوه مطولاً، وكذلك مختصراً في «مسند أبي يعلى»، (ج6/ص171/ح3451)، بلفظ: [حدثنا شيبان حدثنا حماد عن ثابت عن أنس أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم يكتب عليه شيء، فإن عملها كتبت له سيئة واحدة)] وقال الشيخ حسين أسد: (إسناده صحيح)، وهو كما قال، وهو على شرط مسلم كما ترى.

ــ وجاءت متابعة لذلك في «مسند الحارث ــ زوائد الهيثمي»، (ج2/ص951/ح1050): [حدثنا يعلى حدثني عبد الحكم عن أنس أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «من همّ بحسنة فعملها كتبت له عشر حسنات، فان لم يعملها كتبت له حسنة واحدة، ومن همّ بسيئة فعملها كتبت عليه سيئة واحدة فان لم يعملها لم يكتب عليه شيء»].

* وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج5/ص155/ح21414) بإسناد في غاية الصحة عن أبي ذر الغفاري، رضي الله عنه: [حدثنا عفان حدثنا أبو عوانة عن عاصم عن المعرور بن سويد عن أبي ذر قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الصادق المصدوق يقول: (قال الله عز وجل: ﴿الحسنة عشر أو أزيد والسيئة واحدة أو اغفرها؛ فمن لقيني لا يشرك بي شيئا بقراب الأرض خطيئة جعلت له مثلها مغفرة﴾)]

ــ وهو في «المعجم الصغير»، (ج1/ص303/ح502)، عن صعصعة بن معاوية عن أبي ذر رضي الله تعالى عنهما: [حدثنا صدقة بن مُحَمَّد بن خروف المصري حدثنا هشام بن مُحَمَّد السدوسي حدثنا مُحَمَّد بن أبي عدي حدثنا أشعث بن عبد الملك عن الحسن عن صعصعة بن معاوية عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبع مائة وسبع أمثالها، ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، فإن عملها كتبت عليه سيئة أو يمحها الله عز وجل»]، وقال الإمام الطبراني: (لم يروه عن الحسن إلا أشعث)؛ قلت: وهذا لا يضر: أشعث بن عبد الملك ثقة من رجال البخاري وروى له الجمهور.

ــ وأخرجه الطيالسي في مسنده (ج1/ص62/ح464) بتمام لفظه بأصح إسناد: [حدثنا شعبة عن واصل عن المعرور بن سويد عن أبي ذر قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (قال ربكم عز وجل: ﴿الحسنة بعشر والسيئة بواحدة وأغفرها، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي لقيته بقراب الأرض مغفرة؛ ومن همّ بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم يكتب عليه شيء، ومن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا، ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا﴾)]، ثم قال الإمام أبو داود الطيالسي: (لم يرفعه شعبة عن واصل ورفعه الناس عن الأعمش عن المعرور). قلت: ورفعه غير الأعمش من الأئمة، كما سبق بعضه.

 

فهذه الأحاديث الصحاح آنفة الذكر تبرهن ليس فقط أن مدار ثواب الأعمال (ومنها الأقوال والأقارير بالاعتقادات) وعقابها على النية فحسب، بل هي برهان على أن النية، بمفردها من غير عمل، تستقل باستحقاق الثواب، وإن كان الله، جل جلاله، قد تفضّل بالتجاوز عن العقاب، رحمة وفضلاً، ولو فعل لكان عدلاً، لا إله إلا هو، عليه نتوكل وبه نتأيد.

 

بل قد جاء ما هو أحسن من هذا: (من همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة)، وهذا يضاف إلى محو السيئات تفضلاً من الله ونعمة، ووعد الله بغفرانها مع التوبة على كل حال، تباركت ربنا ما أكرمك وأرحمك، حقاً: (لا يهلك على الله إلا هالك)، كما ثبت:

* فيما أخرجه الإمام البخاري في «الجامع الصحيح المختصر»، (ج5/ص2381/ح6126)، عن بن عباس، رضي الله تعالى عنهما: [حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا جعد أبو عثمان حدثنا أبو رجاء العطاردي عن بن عباس، رضي الله تعالى عنهما، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، فيما يروي عن ربه، عز وجل، قال: قال: «إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بيّن ذلك: فمن همّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو همّ بها وعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة؛ ومن همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو همّ بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة»]، وأخرجه مسلم، والدارمي، وأحمد من طرق، والطبراني في «المعجم الكبير».

ــ وأخرجه أيضاً الإمام النسائي في «السنن الكبرى»، (ج4/ص396/ح7670): [أخبرنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا جعفر عن الجعد أبي عثمان قال: حدثنا أبو رجاء العطاردي عن بن عباس عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: «إن ربكم رحيم: من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، ومن همّ بسيئة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت واحدة أو يمحاها الله، ولا يهلك على الله إلا هالك»]، وهو بنحوه في «مسند عبد بن حميد»، (ج1/ص236/ح720).

 

* وجاء في «صحيح ابن حبان»، (ج14/ص45/ح6171)، حديث عجيب آخر عن خريم بن فاتك الأسدي، رضي الله عنه: [أخبرنا الحسن بن سفيان قال: حدثنا مُحَمَّد بن بشار قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا شيبان النحوي قال: حدثنا الركين بن الربيع عن أبيه عن عمه (وهو يسير بن عميلة) عن خريم بن فاتك الأسدي قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «الناس أربعة، والأعمال ستة: موجبتان، ومثل بمثل، وحسنة بعشر أمثالها، وحسنة بسبع مائة ضعف؛ والناس موسع عليه في الدنيا والآخرة، وموسع عليه في الدنيا مقتور عليه في الآخرة، ومقتور عليه في الدنيا موسع عليه في الآخرة، ومقتور عليه في الدنيا والآخرة، وشقي في الدنيا وشقي في الآخرة؛ والموجبتان: من قال: لا إله إلا الله أو قال: مؤمنا بالله دخل الجنة، ومن مات وهو يشرك بالله دخل النار، ومن همّ بحسنة فعملها كتبت له عشرة أمثالها، ومن همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن همّ بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن همّ بسيئة فعملها كتبت له سيئة واحدة، غير مضاعفة، ومن أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فبسبع مائة ضعف»]، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح)، وهو بنحوه مع اختلاف يسير في ترتيب الفقرات في «المستدرك على الصحيحين»، ومن عدة طرق في «المعجم الكبير»، وكذلك في «الآحاد والمثاني».

 * وجاء في «مسند الشهاب»، (ج1/ص235/ح369)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنه: [أخبرنا عبد الرحمن بن عمر المعدل أنبأنا أبو الفضل يحيى بن الربيع حدثنا عبد السلام بن مُحَمَّد الأموي حدثنا سعيد بن كثير بن عفير حدثنا بن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «من همّ بذنب ثم تركه كانت له حسنة، ومن همّ بذنب ثم عمله ثم استغفر الله منه غفر له»]، وهذا وإن لم يصح بذاته، فهو حسن صحيح بشواهده.

 

وهناك نصوص كثيرة مؤيدة لمقولتنا آنفة الذّكر، آلا وهي: (إن النية بمفردها، من غير عمل، تستقل باستحقاق الثواب)، نكتفي ببعضها، فمن ذلك:

* ما أخرج الإمام مسلم، (ج3/ص1517/ح1909)، من حديث سهل بن حنيف أنه، عليه وعلى اله الصلاة والسلام، قال: «من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وان مات على فراشه»

* وما أخرجه أيضاً الإمام مسلم، (ج34/ص1518/ح1910)، عن أبي هريرة مرفوعا: «من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من النفاق».

* وقد استشكل بعض من لا فقه له ذلك وظنه معارض، مثلاً، بما أخرجه الإمام البخاري في «الجامع الصحيح المختصر»، (ج1/ص20/ح31): [حدثنا عبد الرحمن بن المبارك حدثنا حماد بن زيد حدثنا أيوب ويونس عن الحسن عن الأحنف بن قيس قال: (ذهبت لأنصر هذا الرجل، فلقيني أبو بكرة فقال: (أين تريد؟!)، قلت: (أنصر هذا الرجل!)، قال: (ارجع فإني سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار!»، فقلت: (يا رسول الله: هذا القاتل، فما بال المقتول؟!)، قال: «إنه كان حريصا على قتل صاحبه»]، وكذلك رواه هشام بن حسان، ومعلى بن زياد، والمبارك بن فضالة، عن الحسن عن الأحنف عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا إسناد في غاية الصحة والاتصال، بأتم لفظ وأوجزه، وأخرجه الإمام البخاري في «الصحيح» من طرق أخرى (ج6/ص2520/ح6481)، و(ج6/ص2595/ح6672)، وقال عقب بعضها: (ورواه معمر عن أيوب ورواه بكار بن عبد العزيز عن أبيه عن أبي بكرة وقال غندر: حدثنا شعبة عن منصور عن ربعي بن حراش عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرفعه سفيان عن منصور)، وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه ج4/ص2214/ح2888؛ والنسائي في سننه ج7/ص125/ح4120، ج7/ص125/ح4122، ج7/ص125/ح4123، ج7/ص126/ح4124؛ وابن حبان في صحيحه ج13/ص275/ح5945، ج13/ص320/ح5981؛ وأبو داود في سننه ج4/ص103/ح4268؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج5/ص43/ح20456، ج5/ص51/ح20537، ج5/ص51/ح20538؛ والنسائي في سننه الكبرى ج2/ص320/ح3585، ج2/ص320/ح3587، ج2/ص320/ح3588؛ وابن أبي عاصم عمرو الشيباني في الآحاد والمثاني ج3/ص208/ح1563، ج3/ص208/ح1564؛ والبيهقي في سننه الكبرى ج8/ص190/ح20569، ج8/ص190/ح20570، ج8/ص190/ح20571؛ وغيرهم.

ــ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج5/ص41/ح20440) بإسناد صحيح: [حدثنا مُحَمَّد بن جعفر حدثنا شعبة عن منصور عن ربعي بن حراش عن أبي بكرة عن النبي، صلى الله عليه وسلم، إنه قال: إذا المسلمان حمل أحدهما على صاحبه السلاح فهما على طرف جهنم، فإذا قتل أحدهما صاحبه دخلاها جميعا]؛ وأخرجه الإمام ابن ماجه في سننه (ج2/ص1312/ح3965)؛ وغيرهم.

قلت: مما لا شك فيه أن الأحنف بن قيس، رضي الله عنه، كان مصيباً في حمله السلاح لنصرة الإمام الحق، إمام الهدى، أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب، سلام الله عليه، على الفئة الباغية، الداعية إلى النار، التي ثبت بغيها، وتوجب قتالها حتى تفيء إلى أمر الله، وكان أبو بكرة مخطئاً في تنزيل حديث رسول الله على تلك الواقعة، ولكن الله لم يكلفنا قط قبول رأي أبي بكرة، وهو معروف بقلة فقهه، بل وليس هو بالمتقن في روايته، وإنما كلفنا فقط قبول روايته إذا لم ينفرد بها، لما في تمييزه وحفظه وضبطه من كلام؛ وفي هذه القضية بالذات لم ينفرد:

* فقد أخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج4/ص418/ح19766) بإسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري: [حدثنا يزيد قال أخبرنا سعيد عن قتادة عن الحسن عن أبي موسى عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: إذا المسلمان توجها بسيفهما فقتل أحدهما صاحبه فهما في النار، قيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه أراد قتل صاحبه]؛ وأيضاً (ج5/ص47/ح20490) بإسناد صحيح: [حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة عن الحسن عن أبي بكرة بنحوه]؛ وأخرجه الإمام النسائي في سننه ج7/ص125/ح4119، ج7/ص125/ح4121؛ وفي سننه الكبرى ج2/ص315/ح3584، ج2/ص320/ح3586؛ وابن ماجه في سننه ج2/ص1311/ح3964؛ وغيرهم.

ــ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج4/ص410/ح19691) بإسناد صحيح: [حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا سليمان عن الحسن عن أبي موسى عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فقتل أحدهما صاحبه فهما في النار، قيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه أراد قتل صاحبه)]؛ وأخرجه الإمام النسائي في سننه ج7/ص124/ح4118؛ وفي سننه الكبرى ج2/ص315/ح3583؛ وعبد بن حميد في مسنده ج1/ص192/ح543؛ وابن ماجه في سننه ج2/ص1311/ح3964؛ وغيرهم.

ــ وأخرجه الإمام النسائي في سننه الكبرى (ج2/ص320/ح3589) بإسناد صحيح: [أخبرنا مجاهد بن موسى قال: حدثنا إسماعيل وهو بن علية عن يونس عن الحسن عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فقتل أحدهما صاحبه فالقاتل والمقتول في النار)، قال رجل: (يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟!)، قال: (إنه أراد قتل صاحبه)]

 

* وأخرجه الإمام ابن ماجه في سننه (ج2/ص1311/ح3963): [حدثنا سويد بن سعيد حدثنا مبارك بن سحيم عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (ما من مسلمين التقيا بأسيافهما إلا كان القاتل والمقتول في النار)]؛ ولكن مبارك بن سحيم منكر الحديث متروك.

 

أما بخصوص موضوعنا فليس ثمة تعارض ها هنا، فالمقتول لم يرد قتل صاحبه ثم ترك تلك الإرادة وعاد إلى منزله حتى يستحق ثواب الحسنة الكاملة الموعود، كلا بل هو خرج من الإرادة إلى الفعل، فخرج من بيته، واستل سيفه من غمده، ثم أهوى به إلى صاحبه يريد قتله، إلا أن الأجل سبقه فكان هو المقتول، ولولا ذلك لكان هو القاتل. ومن ضعف فقهه إلى درجة عدم إدراك مثل هذه البديهيات فالأولى به أن يترك الفقه واستنباط الأحكام لأهلها، وليبحث عن مهنة يستطيع أن يبدع ويحسن فيها، فإن الله كتب الإحسان على كل شيء، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها:

إذا لم تستطع شيئاً فدعه **** وجاوزه إلى ما تستطيع

 

فثبت إذاً ثبوتاً قطعياً، يقيناً بلا شبهة: أن الإنسان قد يثاب على النية المجردة، كما أشار إليه القرآن، وفصلته الأحاديث، فمن باب أولى أن يثاب على فعل المباح المحض، إذا صحبته نية صالحة، أو نباهة ذهن، وحضور قلب، وذكر لله سبحانه وتعالى، بأي وجه من الوجوه الحسنة الجميلة: كالتقوِّي به على الواجبات والمستحبات، أو التمرّس بمباعدة المكروهات والمحرمات، أو فعله بـ«وعي»، وهو حاضر الذهن، منتبه القلب على كونه قد أباحه الله، مستسلماً لحكم الله، أو فرحاً مسروراً برخصة الله، أو لغير ذلك من الاعتبارات الجميلة التي جاءت بها الأدلة.

 

فالثواب إذاً على تلك النية، وذلك الذّكر القلبي، وليس على الفعل المباح من حيث هو فعل مجرد مباح بذاته. فالمباح لذاته، أي الذي لا يستحق فاعلة مثوبة ولا عقوبة، محال أن ينقلب إلى مستحب، وإلا اختلت موازين الشريعة، واختلط الحابل بالنابل، معاذ الله.

 

والاستدلال الذي ذكرناه أعلاه، وما يشبهه وما هو من جنسه، هو الاستدلال الصحيح، وليس ما زلّت به أقدام بعض الأكابر، من أمثال الإمام النووي، رضي الله عنه ورفع درجته، حيث قال في شرحه على صحيح مسلم: (وفي هذا دليل على أن المباحات تصير طاعات، بالنيات الصادقات) مستشهداً بقوله، عليه وعلى اله الصلاة والسلام: «وفي بُضْع أحدكم صدقة». فاستدلال الإمام النووي قطعاً استدلال باطل، ذلك أن قوله، عليه وعلى اله الصلاة والسلام: «وفي بضع أحدكم صدقة»، وكذلك قوله: «فكذلك فافعلوا فإنه من أماثل أعمالكم إتيان الحلال»، نصوص قاطعة بأن «الجماع» مستحب لذاته، يثاب فاعله، فليس هو إذاً مباح محض، لا يثاب فاعله ولا يأثم، فكيف جعله الإمام النووي، رحمه الله، مباحاً محضاً، كما يفهم من جملته، واشترط من ثمّ وجود نية معينة لاستحقاق الثواب؟! بل إن الإمام أبا مُحَمَّد علي بن حزم فهم الأمر في قوله، تعالى ذكره: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ، أنه للوجوب، فجعل الجماع، ولو مرة واحدة في كل طهر، فريضة، وليس فقط مباحاً أو مستحباً، وهذا أولى بالصواب!!

 

ثم أين ذكر النية في الحديث حتى يقال أن فيه دليلاً على أن الفعل المباح «ينقلب» بالنية الحسنة إلى مستحب، ومن ثم طاعة؟! ثم إن استخدام لفظة طاعة ها هنا ليس بجيد، ولعل الإمام النووي قصد: المستحبات، وإلا فإن عمل المباح طاعة، وترك الحرام طاعة، والقيام بالفرض طاعة، لأن «الطاعة: هي طاعة التشريع»: فالالتزام بحكم الله وشرعه هو الطاعة، لا فرق بين تحريم الحرام وتحليل المباح، وإيجاب الواجب وجعل كذا شرطاً لكذا، وهذا سبباً لذاك، واعتماد كذا وكذا رخصة، وذاك عزيمة، وهلم جراً.

 

لذلك نؤكد ونكرر ونشدد: أنه لا يجوز، ولا بحال من الأحوال، أن يقال أن المباح انقلب بـ«النية الحسنة» مستحباً، لأنه ليس كذلك في ذاته، وإنما كان الثواب على أمور أخرى صاحبته، فلا يجوز خلط هذا بهذا، وإلا اختلت مقاييس الشرع، واختلط الحابل بالنابل.

ولذلك يحتاج المستحب لذاته، وهو الذي يستحق فاعله الثواب والثناء من الله، ولا يستحق تاركه مؤاخذة أو ذماً أو عقوبة من الله، والمكروه لذاته وهو الذي يستحق تاركه الثواب والثناء من الله، ولا يستحق فاعله مؤاخذة أو ذماً أو عقوبة من الله، يحتاجان كلاهما إلى دليل مستقل لأنهما خلاف الإباحة المحضة المطلقة الأصلية، وما كان هكذا فلا بد له من دليل، وإلا كان قولاً على الله بغير علم، وشرعاً من الدين ما لم يأذن به الله، أي إحداثاً وابتداعاً في الدين؛ هذه هي طريق الهلكة، المفضية إلى الكفر والضلال البعيد.

 

  فصل: الإسلام دين كامل

إن جميع أفعال العباد الاختيارية هي محلّ الحكم الشرعي، لا يخرج شيء منها عن ذلك، لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَؤُلاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ، (النحل؛ 20: 89)، وقوله، تباركت أسماؤه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً، (النساء؛ 4: 59)، وقوله، جل وعز: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ، (الشورى؛ 42: 10)، ومعلوم بضرورة الحس والعقل أن الناس قد اختلفوا في كل شيء، وتنازعوا في كل شيء، حاشا ضروريات وأوَّليات الحس والعقل عند العقلاء، وحتى هذه خالف فيها السفسطائيون.. والمجانين! فوجب، يقيناً، رد كل شيء وقع فيه خلاف وتنازع إلى حكم الله.

 

والرد ﴿إلى الله والرسول لا بد، ضرورة، أن يكون فيه رفع الخلاف، كل خلاف، وفض النزاع، كل نزاع، وإلا كان أمر الله كذباً وتضليلاً، بإحالته عند النزاع إلى من ليس لديه فض النزاع، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً! لذلك لا بد من القطع والجزم بأن الكتاب والسنّة فيهما فصل كل خلاف، وفض كل نزاع، لا يشك في ذلك إلا جاهل مركب دابته أفقه منه وأعقل، أو كافر خبيث!

ثم وجدناه، سبحانه وتعالى، أحال، في الوحي، أي في الكتاب والسنّة، ما كان من شؤون «الدنيا»، أي خواص العالم المحسوس وطبائعه، من جنس تأبير النخل: أي علوم الفيزياء والكيمياء والفلك وطبقات الأرض، وحرف الطب والزراعة والصناعة والهندسة، ونحوها، إلى الناس، أي إلى الحس والتجربة والنظر والعقل، إحالة عامة، على وجه الإجمال: مراقبةً وتجربةً ودرساً وتنظيراً، وانتفاعاً وتطبيقاً. واستأثر بما سوى ذلك، وهو ضرورة من «الدين»، أي الشريعة العامة، والطراز المعين من العيش، لنفسه، وبالأخص ما كان من الخبر عن ذاته العظيمة المقدسة، وملائكته الأطهار، واليوم الآخر، ونحوه، ومن الحكم على أفعال العباد، بالحل والحرمة والوجوب، وعلى أخلاقهم بالحسن أو القبح، ونحوه.

 

وقد استغرقت الشريعة المطهرة الخاتمة كل أفعال العباد بأحكامها على أكمل وجه، لما ذكرناه، ولقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، (المائدة؛ 5: 3)، مؤكداً، في آخرها، في تناسب بديع، على أحكام الاضطرار المتعلقة بالمحرمات من الطعام، التي سبق نزولها في أوائل الوحي المكي: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، (المائدة؛ 5: 3). فالدين قد كمُل، وهو الإسلام لا دين غيره، وليس غيره إلا الجاهلية والكفر، والنعمة قد تمت، ليس وراءها إلا النقص، ثم المصائب والنقم، في معصية الله ومخالفة أمره، وعدم التقيد بشرعه، ثم بعد ذلك، في الآخرة، النار الأبدية واللعنة السرمدية!

 

والالتزام بالأحكام الشرعية هو القصد من خلق الإنسان، وهو معنى الوجود الإنساني، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، (الذاريات؛ 51: 56)، وعبادة الله هي: منتهى الطاعة والتسليم والذلة والخضوع لله، جل جلاله، عن رضا واختيار، المبنية على الإقرار له بـ(الحاكمية)، أي بحقه الذاتي في الأمر والنهي، حقاً مطلقاً من غير قيد أو شرط، (إلا ما أوجبه أو حرمه على نفسه، أو شرطه عليها)، وهذا الإقرار إنما هو ذروة سنام التعبير عن اعتقاد راسخ، ويقين جازم، وإيمان مطلق بأنّ الله هو الإله الحق، الواحد الأحد، واجب الوجود، الحي القيُّوم، الأول الأزلي القديم، بغير ابتداء، الآخر الأبدي الباقي، من غير انتهاء: فعَّال لما يريد، يخلق ما يشاء ويختار، لا يسأل عمّا يفعل، ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب؛ وليست (عبادة لله) ركوع وسجود، وقيام وقعود، وصيام وحج، معاذ الله: هذه ما هي إلا شعائر وأفعال تعبدية؛ أو بلفظ آخر: (عبادة لله) هي الالتزام بكل أمر ونهي، كما سنفصّله بما لا مزيد عليه، إن شاء الله تعالى، في هذا الكتاب!

 

وقد أوجبت الشريعة الكاملة أعمالاً، هي «الفرائض» أو «الواجبات»، لا تسقط إلا «بعدم القدرة»، أو برخصة شرعية منصوص عليها لتلك الفريضة بعينها، كالصيام في السفر، حتى ولو كان سفراً غير شاق، مع بقاء وجوبه على من ابتلي بعمل بدني شاق، مشقته قد تفوق مشقة السفر على ظهر الراحلة بكثير، ما دام قادراً!

 

وحرمت أعمالاً، هي «المحرمات»، لا يرخص لأحد فيها إلا برخصة منصوص عليها شرعاً، كالرخصة في الكذب في مواطن معدودة، جاء النص بها. وكذلك في أحوال الضرورة والإكراه الملجيء، أي الأحوال المؤدية إلى الموت يقيناً، أو تلف الأعضاء، أو الأذى بالتعذيب والضرب الشديد.

 

وحتى أحوال الضرورة هذه لا تبيح للإنسان قتل غيره، أو اتلاف أعضائه، فليست نفس المكره المضطر أعلى مرتبة أو أولى بالصيانة من نفس الغير. والضرورة، والإكراه الملجيء بالتهديد بالقتل المؤكد، لا يبيح للمسلم أن ينصر الكفار الحربيين على قتال المسلمين وقتلهم لأن جمهور العلماء، بل لعله إجماعهم، على أن المكره على القتل ليس له أن يفعل ذلك، لأن نفسه ليست أولى من نفوس الآخرين بالصيانة والحفظ، هذا بيّن واضح، وإليك كلام جيد للإمام أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، رحمه الله:

* حيث قال الإمام في «الفتاوى الكبرى»، (ج4/ص351): [....، فلا ريب أن هذا يجب عليه إذا أكره على الحضور أن لا يقاتل وإن قتله المسلمون كما لو أكرهه الكفار على حضور صفهم ليقاتل المسلمين، وكما لو أكره رجل رجلا على قتل مسلم معصوم، فإنه لا يجوز له قتله باتفاق المسلمين، وإن أكرهه بالقتل فإنه ليس حفظ نفسه بقتل ذلك المعصوم أولى من العكس. فليس له أن يظلم غيره فيقتله لئلا يقتل هو، بل إذا فعل ذلك كان القود على المكره والمكره جميعا عند أكثر العلماء كأحمد ومالك والشافعي في أحد قوليه وفي الآخر الجواب يجب القود على المكره فقط كقول أبي حنيفة ومحمد وقيل القود على المكره المباشر كما روي ذلك عن زفر وأبو يوسف يوجب الضمان بالدية بدل القود ولم يوجبه]، أنتهى كلام ابن تيمية، وقد كرر نحوا من هذا الكلام في موضع آخر من «مجموع الفتاوى»، (ج28/ص540).

 

* وله في «كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه»، (ج28/ص537) كلام جيد من زاوية أخرى: [...، بل قد أمر النبي المكره فى قتال الفتنة بكسر سيفه وليس له أن يقاتل، وإن قتل، كما فى صحيح مسلم عن أبى بكرة قال: قال رسول الله: أنها ستكون فتن ألا ثم تكون فتن ألا ثم تكون فتن القاعد فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي، ألا فإذا نزلت أو وقعت فمن كان له إبل فليلحق بإبله ومن كانت له غنم فليلحق بغنمه ومن كانت له أرض فليلحق بأرضه، قال: فقال رجل: يا رسول الله أرأيت من لم يكن له إبل ولا غنم ولا أرض؟ قال: يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر ثم لينج إن استطاع النجاة اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت، فقال رجل: يا رسول الله أرأيت أن أكرهت حتى ينطلق بي إلى إحدى الصفين أو إحدى الفئتين فيضربني رجل بسيفه أو بسهمه فيقتلني! قال: يبوء بإثمه وإثمك ويكون من أصحاب النار]

هذان نصان في غاية الجودة من كلام الإمام ابن تيمية، فتأمله حق تأمله، وراجعه مراراً: فليته فرَّغ نفسه للفقه، وترك تقاسيم التوحيد لأهلها الذين عرفوا الجاهلية، وحقيقة شرك أهلها؛ لو فعل لاجتنب تلك الزلة الشنعاء بالقسمة الثلاثية المشؤومة، بل الملعونة، التي أصبحت في يد محمد بن عبد الوهاب، رأس الخوارج الأزارقة المعاصرين، سيفاً مسلولاً يقطر بالدماء المعصومة، فأصبحت وبالاً على الإسلام وأهله!

 

وهناك أفعال، وهي، بحمد الله وتيسيره، أكثر أفعال العباد، ترك للمكلف الخيار فيها، إن شاء فعل وإن شاء ترك. وربما كان الفعل في بعضها أولى، وهي «المستحبات». وقد يكون الترك في بعضها أولى، وهي «المكروهات». وربما تعادل الطرفان، وهي «المباحات». والمكلف يفعل المباحات أو يتركها، باختياره، على ما يظهر له في كل حالة ووضع من منفعة أو مصلحة، فيقوم بصفقة «مباحة»، ويترك أخرى «مباحة» لما ظهر له من كثرة ربح الأولى، وقلة الثانية، ويتجنب ثالثة «مباحة» خشية الخسارة!

 

فالنظر في المصالح والمنافع، وبضدها المفاسد والمضار، إنما يرد إذا كان أصل الفعل مباحاً، لا غير. فلا بد من دراسة لمشروعية الفعل، أيّ فعل، والوصول إلى حكم الله فيه أولا. فإذا ثبت أنه مما خُيِّر المكلف فيه، ورد حينئذ، وحينئذ فقط، النظر في المصالح والمنافع، وما يقابلها من مفاسد ومضار.

 

وعلى هذا فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يترك واجباً، بغير رخصة شرعية، أو لعدم قدرة، أو يرتكب حراماً، من غير إكراه ملجئ، بدعوى درء المفسدة، أو جلب المصلحة، مهما عظمت. فليس في ما أوجب الله مفسدة، مطلقاً، ولا في ما حرمه مصلحة، مطلقاً!

 

وكل ما يقال بخلاف ذلك ما هو إلا وسوسة من الشيطان، وطعن في الشريعة الكاملة، وترك لما خلقنا من أجله، وهو: «العبودية»، أي الطاعة والالتزام بالأحكام الشرعية، وإقبال على ما كفيناه، وهو: الأرزاق، والمعايش، و«المصالح»، بل ولا حتى النصر أو التمكين.

 

فنحن لم نكلف بالنصر والتمكين لأنهما من أفعال المولى، جل وعلا، وإنما كلفنا بالجهاد، وبالحكم بما أنزل الله حال التمكين. وكذلك كلفنا الله بالدعوة إليه على بصيرة، والعمل على نشر الدعوة، والعمل على إظهار الدين، ولم يكلفنا قط بـ«انتشار الدين» أو بـ«ظهور الدين»، فهذه من أفعال الله تبارك وتعالى، وتدبيره للأمر، وتصرفه الإلاهي في الكون، وتلك من أفعال العباد الاختيارية التي هي موضع التكليف!

 

والنصوص الشرعية، أي نصوص الوحي، أي الكتاب والسنّة، كافية بحمد الله، لجميع الوقائع، من يوم وفاة النبي، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه، إلى آخر الأبد. لا يقال أن الوقائع والأحداث والمستجدات غير متناهية، والنصوص متناهية! لا يقال هذا: لأن الوقائع غير المتناهية هي الوقائع العينية، والأحداث المشخصة، أما أصناف الوقائع، وأجناس الأحداث فهي نهائية محدودة تشملها النصوص على الكفاية، والتمام والكمال. فصلاة زيد، غير صلاة عمرو، وهكذا إلى ما لا نهاية، ولكن جنس الصلاة واحد، أو أجناس قليلة محصورة، قد استوعبتها النصوص، وهكذا:

* فقد أخرج ابن ماجه، (ج1/ص115/ح320)، بإسناد غاية في الصحة، عن سلمان الفارسي، رضي الله عنه، قال: قال له بعض المشركين، وهم يستهزؤون به: (إني أرى صاحبكم يعلّمكم كل شيء حتى الخراءة؟!)، قال: (أجل: أمرنا أن لا نستقبل القبلة، ولا نستنجي بأيماننا، ولا نكتفي بدون ثلاثة أحجار، ليس فيها رجيع ولا عظم)، وفي لفظ لأحمد، (ج5/ص437/ح23753، ح23756)، بإسناد غاية في الصحة: قال رجل: (إني لأرى صاحبكم يعلمكم كيف تصنعون حتى إنه ليعلمكم إذا أتى أحدكم الغائط؟!)، قال: قلت: (نعم، أجل، ولو سخرت: إنه ليعلمنا كيف يأتي أحدنا الغائط، وإنه ينهانا أن يستقبل أحدنا القبلة، وأن يستدبرها، وأن يستنجي أحدنا بيمينه، وأن يتمسح أحدنا برجيع ولا عظم، وأن يستنجي بأقل من ثلاثة أحجار). وقد أخرج مثله، من غير ذكر الاستهزاء، بأسانيد صحاح، الأئمة: مسلم، والترمذي، والنسائي، وأحمد وغيرهم.

تأمل هذا المشرك العنيد، بل الحمار البليد، وتعجب من رباطة جأش سلمان، وحسن جوابه، وعظيم أدبه، وحسن تعامله وتجمله، وما تضمنه الجواب من أحكام وآداب.

 

فإذا كان كلام سلمان الفارسي، رضوان الله وسلامه عليه، حقاً، ونحن نشهد بالله الذي لا إله إلا هو أنه حق: فكيف يسوغ لمن يزعم أنه يؤمن بالله واليوم الآخر أن يزعم أن الشريعة فيها «مناطق فراغ»، أو «ثغرات»، أو أن هناك ما لم يأت به نص؟! ثم يذهب لملئه بالهوى والابتداع الذي يسمّونه بالأسماء الجميلة، أي بغير اسمه القبيح، لتضليل الناس. ومن هذه الأسماء الجميلة المضللة: (فهم السلف الصالح)، (سد الذرائع)، (جلب المصالح، ودرء المفاسد)، (تسكين الدهماء، وإسكات الرعاع)، (سيرة العقلاء)، أو (خشية الفتنة)، التي هي «الحجة» المحببة إلى قلوب الخونة من فقهاء السلاطين، أخزاهم الله وأبعدهم، ولعنهم وأبادهم: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ.

 

* وأخرج الطبراني بإسناد صحيح، (ج2/ص155/ح2047)، عن أبي ذر، رضي الله تعالى عنه: [حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري حدثنا سفيان بن عيينة عن فطر عن أبي الطفيل عن أبي ذر قال: تركنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكر لنا منه علماً؛ قال: فقال، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله: «ما بقي شيء يقرّب من الجنة، ويباعد من النار، إلا وقد بُيِّنَ لكم»]. هذا حديث صحيح، قد برهنا على صحته في الملحق، مؤيد لما ذكرنا من كمال الدين، وتمام النعمة.

ــ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج5/ص154/ح21399): [حدثنا بن نمير حدثنا الأعمش عن منذر حدثنا أشياخ من التيم قالوا قال أبو ذر لقد تركنا محمد، صلى الله عليه وسلم، وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا أذكرنا منه علما]؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج5/ص202/ح21477؛ والطيالسي في مسنده ج1/ص65/ح479؛ وغيرهم.

 

* وجاء في «الجامع الصحيح المختصر للإمام البخاري»، (ج6/ص2435/ح6230): [حدثنا موسى بن مسعود حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: (لقد خطبنا النبي، صلى الله عليه وسلم، خطبة: ما ترك فيها شيئا إلى قيام الساعة إلا ذكره؛ علمه من علمه وجهله من جهله. إن كنت لأرى الشيء قد نسيت فأعرفه كما يعرف الرجل إذا غاب عنه فرآه فعرفه!)]؛ وأخرجه ابن حبان في صحيحه ج15/ص6/ح6636؛ وأبو داود في سننه ج4/ص94/ح4240؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج5/ص389/ح23357؛ وغيرهم.

 

* وأخرج مسلم في صحيحه (ج4/ص2217/ح2891): [حدثني حرملة بن يحيى التجيبي أخبرنا بن وهب أخبرني يونس عن بن شهاب أن أبا إدريس الخولاني كان يقول قال حذيفة بن اليمان والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة وما بي إلا أن يكون رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أسر إلي في ذلك شيئا لم يحدثه غيري ولكن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال وهو يحدث مجلسا أنا فيه عن الفتن فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو يعد الفتن منهن ثلاث لا يكدن يذرن شيئا ومنهن فتن كرياح الصيف ومنها صغار ومنها كبار قال حذيفة فذهب أولئك الرهط كلهم غيري]

ــ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج5/ص388/ح23339): [حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن صالح يعنى بن كيسان عن بن شهاب قال: قال أبو إدريس عائذ الله بن عبد الله الخولاني سمعت حذيفة بن اليمان يقول والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة وما ذلك أن يكون رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حدثني من ذلك شيئا أسره إلى لم يكن حدث به غيري ولكن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال وهو يحدث مجلسا أنا فيه سئل عن الفتن وهو يعد الفتن فيهن ثلاث لا يذرن شيئا منهن كرياح الصيف منها صغار ومنها كبار قال حذيفة فذهب أولئك الرهط كلهم غيري]؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج5/ص407/ح23507؛ والحاكم في مستدركه ج4/ص518/ح8454؛ وغيرهم.

 

* وأخرج الإمام الترمذي في سننه (ج4/ص485/ح2191): [حدثنا عمران بن موسى القزاز البصري حدثنا حماد بن زيد حدثنا علي بن زيد بن جدعان القرشي عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال صلى بنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوما صلاة العصر بنهار ثم قام خطيبا فلم يدع شيئا يكون إلى قيام الساعة إلا أخبرنا به حفظه من حفظه ونسيه من نسيه وكان فيما قال إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون ألا فاتقوا الدنيا واتقوا النساء وكان فيما قال ألا لا يمنعن رجلا هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه قال فبكى أبو سعيد فقال قد والله رأينا أشياء فهبنا فكان فيما قال ألا إنه ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة بقدر غدرته ولا غدرة أعظم من غدرة إمام عامة يركز لواؤه عند أسته فكان فيما حفظنا يومئذ ألا إن بني آدم خلقوا على طبقات شتى؛... إلخ]؛ والحميدي في مسنده ج2/ص332/ح752؛ وأبو يعلى في مسنده ج2/ص354/ح1101؛ وغيرهم.

ــ وأخرجه الإمام الطبراني في معجمه الأوسط (ج4/ص140/ح3817): [حدثنا علي بن سعيد الرازي قال حدثنا اسماعيل بن ابراهيم بن المغيرة المروزي قال حدثنا علي بن الحسين بن واقد قال حدثني ابي عن عطاء بن ميسرة ان ابا نضرة حدثه عن أبي سعيد الخدري ان نبي الله، صلى الله عليه وسلم، صلى بهم العصر ثم قام فيهم خطيبا فقال في خطبته: (ألا إن الدنيا خضرة حلوة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون ألا فاتقوا الدنيا واتقوا النساء ألا إن لكل غادر لواء يوم القيامة بقدر غدرته عند استه ألا وان اكبر الغدر غدر امير عامة ألا وإن الغضب جمرة توقد على قلب ابن ادم ألا ترون اليه حين يغضب كيف تحمر عيناه وتنتفخ اوداجه فمن وجد من ذلك شيئا فكان قائما فليجلس ومن كان جالسا فليلزق بالأرض وان الناس في الغضب على منازل رجل سريع الغضب سريع الفيء فذلك لا عليه ولا له ورجل بطيء الغضب بطي الفي فذلك لا عليه ولا له ورجل بطيء الغضب سريع الفي فذلك له ورجل سريع الغضب بطيء الفيء فذلك عليه ألا إن ابن ادم خلق على اطوار يخلق العبد مؤمنا ويعيش مؤمنا ويموت مؤمنا ويخلق العبد كافرا ويعيش كافرا ويموت كافرا ويخلق مؤمنا ويعيش مؤمنا ويموت كافرا ويخلق كافرا ويعيش كافرا ويموت مؤمنا وذكر أن الناس في الطلب على منازل يكون الرجل اذا طلب اشتد واذا طلب قضى فتلك بتلك ويكون الرجل اذا طلب حبس واذا طلب أخذ فتلك بتلك ويكون الرجل اذا طلب حبس واخذ واذا طلب قضى فهو خير له ويكون الرجل اذا طلب يحبس واذا طلب لوى فهو شر له الا هل عسى احدكم أن يرى منكرا فلا يغيره الا وانه قد مضى بين ايديكم تسع وستون امة وانتم توفون سبعين الا وان ما مضى من الدنيا فيما بقي كما مضى من يومكم هذا فيما بقي وذلك حين اصفرت الشمس وتغيب]

 

* وأخرج الإمام الطبراني في معجمه الكبير (ج20/ص441/ح1077): [حدثنا الحسين بن إسحاق التستري حدثنا الحسن بن أبي السري العسقلاني حدثنا مكي بن إبراهيم حدثنا هاشم بن هاشم عن عمرو بن إبراهيم بن محمد عن محمد بن كعب القرظي عن المغيرة قال قام فينا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مقاما فأخبرنا بما يكون في أمته إلى يوم القيامة وعاه من وعاه ونسبه من نسبه]

* وأخرج الإمام أبو يعلى في مسنده (ج9/ص46/ح5109): [حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا يحيى عن فطر بن خليفة عن عطاء قال: قال أبو الدرداء لقد تركنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وما في السماء طير يطير بجناحه إلا ذكرنا منه علما]

 

فلا صحة إذن لما تورط فيه جهلة المنتسبين إلى الفرقة الوهابية، والمتسمّين زوراً وبهتانا بـ«السلفية»، من أن الدّين كان ناقصاً حتى استكمل فهمه الصحيح السلف الصالح من القرون الثلاثة الفاضلة، أو حتى من الصحابة، أو حتى من الخلفاء الراشدين، وهم يقولون ذلك تلميحاً، بضحالة وسطحية، وتفاهة فكر، كما هي عادة القوم، للأسف الشديد، من معاداة الفكر، ونبذ التعقُّل والعقل، والإيغال في تفاهة النظر والرأي.

 

نعم: هم يقولون هذا من غير تحرير للمسألة، ولا دراسة متعمقة لها، لا تصريحاً بُني على فكر عميق، لأن التصريح بذلك بعد تحرير المسألة (كفر) صريح، و(ردة) مجردة. وهم بقولهم: القرآن والسنّة بفهم السلف الصالح يحكمون لا محالة بنقص الدين، وعدم كمال البيان، ولا بتمام النعمة عند وفاة النبي، صلوات ربي وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، فكأن النبي لم يفهم، أو فهم ولم يبين، معاذ الله.

 

كما أنهم يطعنون في ختم النبوة، وعالمية الرسالة من حيث لا يشعرون، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، فما أعظم تلبيس إبليس؟!

 

بل القرآن والسنّة ميسرة للذكر، مفهومة لكل من أراد تدبرها، ونفر للتفقه فيها كما أمر الله في سورة التوبة، لا فرق بين «سلف صالح»، و«خلف طالح»!

 

أما الكسالى والسطحيون الذين أبوا أن ينفروا للتفقّه في الكتاب والسنّة كما أمرهم الله، وأخلدوا إلى راحة التقليد و«اتباع السلف الصالح»، أما هؤلاء فلن يفقهوا ما أنزل الله على وجهه، وسيبقون متخبطين بين قال فلان، ورد عليه فلتان، وإن قلتم قلنا، ولنا أحمد بن حنبل، ولكم مالك بن أنس: وهكذا في دوامة لا تنتهي من الأقوال المتباينة، والمزاعم المتناقضة. وسترى في هذه الرسالة القصيرة الكثير من ذلك، ليس فقط من قصور الفهم وإساءته، بل من الأغلاط الشنيعة الفاحشة، والزلات المدمرة المهلكة!

 

وأكثر أدعياء «السلفية» هؤلاء جهلة عوام، يتبعون مشايخ ليسوا بأحسن منهم كثيراً في العلم اتباع الدواب لقائدها. وهم في الجملة لا يعرفون أقوال «السلف» واختلافهم، ويندر أن تجد منهم من تصفح «مصنف ابن أبي شيبة»، أو «سنن سعيد بن منصور»، مجرد تصفح، ناهيك بالدراسة المتأنية، دع عنك «مصنف عبد الرزاق» أو حتى «الأوسط» لابن المنذر، ولكنهم يجيدون المزاعم الكاذبة، والدعاوى العريضة، كشأن كل غبي جاهل، وعادة كل سطحي تافه.

 

ونحن إنما اطلنا الكلام على الغلاة المارقين من «أدعياء السلفية» هؤلاء، واستطلنا في عرضهم، لأنهم أكثر خلق الله (تزكية للنفس): فهم «أهل العقيدة الصافية الصحيحة»، وغيرهم مبتدع ضال، أو مرتد كافر. فهم: «الفرقة الناجية»، و«الطائفة المنصورة»، كذا بزعمهم العريض، وادعائهم المجرد ، وغيرهم هالك أو معذب. فهم، بدون شك، من الخوارج الغالية المارقة الهالكة، وما أحقهم بأوفر نصيب من قوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «من قال هلك الناس، فهو أهلكهم».

 

كما أنه لا صحة، كذلك، لما تورط فيه بعض الإسلاميين المعاصرين، وكذلك قلة من القدامى، من الزعم بوجود «فراغ تشريعي» يملؤه الناس بـ«العقل»، أو «الاستحسان»، أو «المصالح المرسلة»، أو «قياس الشبه»، أو «سيرة العقلاء»، أو بمراعاة «روح التشريع ومقاصده»! ولا صحة لقول من قال أن الوحي فصَّل في العقائد، والعبادات، وأجمل في المعاملات!

 

ويكفي لإبطال هذا الوهم الخطير، الذي يؤول إلى الكفر، لا محالة، حديث سلمان السالف الذكر في ما يتعلق بالطهارة وآداب الخلاء، أما فيما يتعلق بالمعاملات فيكفي إحصاء البيوع المنصوص على فسادها وحرمتها، وهي نيف وأربعون نوعاً، بعضها نادر جداً، لا يكاد يعرف! فأين الإجمال يا أهل الإنصاف؟! ثم حتى لو لم يذكر إلا صنفاً واحداً من البيوع فحرمه، كان ذلك بذاته دليلاً على أن البيوع سواه مباحة حلال، كما أصّلناه في الفصول السابقة، لا سيما مع قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا، فأين الفراغ التشريعي إذاً؟! وهل كل هذه المزاعم الساقطة إلا أساطير الرخ والعنقاء، وأكاذيب عوج بن عنق؟!

 

ولكن الحق هو ما نص عليه الإمام الحجة مُحَمَّد بن إدريس الشافعي، رضي الله عنه، حين قال في «الرسالة»: [فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها!]. نعم، صدقت يا أبا عبد الله! هذه حقيقة يقينية ثابتة: جهل ذلك من جهله، أو علمه من علمه. وقد فصّل ذلك وأصّله الإمام الحجة أبو مُحَمَّد علي بن حزم، رفع الله درجته، في كلامه الذي نقلناه آنفاً قبل عدة صفحات، حيث دحض أقوال المخالفين دحضاً، فطحنها ومزقها تمزيقاً!

 

وهذه الأقوال الخبيثة الملعونة إنما تصدر من:

(1) ــ أقوام كفرة من أهل النفاق الاعتقادي، يبطنون الكفر، ويظهرون الإسلام، ويريدون مزج الشريعة بالكفر، تدريجياً وبطريقة حذرة، حتى إذا فسدت أذواق الناس، وتبلدت أحاسيسهم، أماطوا اللثام، ثم نزعوا الثياب، ومشوا عرايا مظهرين العورة المغلظة، أي أظهروا الكفر البواح. وقد كثر هذا في عصرنا هذا (أواخر القرن الهجري الرابع عشر، وأوائل الخامس عشر الحالي)، وهم في أغلبيتهم من الحكام والمتنفذين؛

(2) ــ أو من قوم فسقة كسالى، أعيتهم السنن أن يحفظوها، أو أن يراجعوها في مصادرها، وقصرت هممهم عن تمييز صحيحها من سقيمها، وتكاسلوا عن بذل الجهد، واستفراغ الوسع في تدبر معانيها واستنباط الحكمة والهدى منها؛

(3) ــ أو من مقلدة جامدين، جهلة مبتدعين، ظلاميين متخلفين، أحالوا عقولهم، التي كرمهم الله بها، إلى التقاعد، ونصبوا لأنفسهم أحباراً ورهباناً، يلقبونهم: بـ(الأئمة الأعلام)، فجعلوهم في مرتبة القداسة: أرباباً من دون الله، يتبعونهم اتباع الدواب العجماء لقادتها: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، (التوبة؛ 9 : 31)!

 

نعم: نحن لا ننكر أنه قد زلَّت القدم ببعض العلماء المخلصين الأكابر: فقاس بعضهم الشريعة الإلاهية الكاملة على الشرائع الوضعية الناقصة، المملوءة، ضرورة، بالثغرات، والتي تحتاج إلى ترقيع ثقوبها، وملء ثغراتها بـ«روح التشريع»، و«الاستحسان»، و«سيرة العقلاء»، و«المصالح المرسلة»، و«سد الذرائع»، وغيره من الفضائح والمخازي، والدجل والهراء!

 

والعالم المخلص الورع، أياً كانت مرتبته، لا يجوز أن يتابع على زلته، ولكن يستعاذ بالله منها، ويتضرع إلى الله أن يغفرها له، كما نفعل الآن سائلين الله لجميع علماء الأمة المخلصين الأثبات الذين أخطؤوا في هذا الباب، مجتهدين طالبين للحق بعد استفراغ الجهد، وبذل الوسع، من الله المسامحة عن الخطأ والعفو والغفران، وعلى بذلهم الوسع جزيل الثواب والرحمة والرضوان، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم؛ أما فقهاء السلاطين الخونة، والحكام الجبابرة الظلمة الفسقة، فلا رحمهم الله، ولا غفر لهم، بل عليهم من الله لعنة وغضب وسخط، وتعساً لهم، وأضل أعمالهم.

 

فصل: مُحَمَّد، صلى اله عليه وعلى آله وسلم: ﴿يحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث

* قال الله، سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، (لأعراف؛ 7: 157).

* وقال، تعالى ذكره: ﴿يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ، (المائدة؛ 5: 4)

* وقال، جل جلاله: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ، (المائدة؛ 5: 5)

* وكذلك قال، تقدست أسماؤه: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً، (النساء؛ 4: 200).

قوله، جل جلاله وسمى مقامه: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ، حجة قاطعة أن مفهوم (الحلال) مغاير لمفهوم (الطيب)، ومفهوم (الحرام) مغاير لمفهوم (الخبيث) وإلا لكانت الآية تقول: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الحلال وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الحرام) وهو لغو تحصيل حاصل، أو كلام فارغ يتنزه عنه عقلاء العِبَاد المخلوقين، فكيف برب العباد، الخلاق العليم؟!

 

ونسارع فنبيّن أن قولنا عن شيء أنه (طيب) في ذاته، أو لاعتبارات ومتعلقات لتلك الذات، أو (خبيث) في ذاته، أو لاعتبارات ومتعلقات لتلك الذات، يعني أنه كذلك في إطار هذا الكون، الذي هو مخلوق، حادث، وممكن من الممكنات، وليس واجب الوجود، ولا هو ضروري، وإنما هو هكذا بجعل الله له، جعلاً تكوينياً قدرياً، وتقديره إياه، تقديراً كونياً، هكذا وفق الإرادة الإلاهية الكونية القدرية الحرة الطليقة المتعالية على كل قيد أو شرط. فليس وراء الله سلطة، ولا فوقه حاكم، بل هو العلي الأعلى، والحكيم الأحكم، وهو الأول والآخر، والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم. فالطيب إنما هو كذلك بجعل الله له كذلك، في إطار كون ممكن معين، لا لأمر ذاتي ضروري، أو لضرورة مفاهيمية مطلقة. والخبيث كذلك: فالخبيث إنما هو كذلك بجعل الله له كذلك، لا لأمر ذاتي ضروري، فالمرجع هو الله في كل شأن تكويني قدري، ولو شاء الله أن يكون الحال على غير ما هي عليه الآن لكان.

 

والحلال هو ما أحله الله، أي جعل الانتفاع به متروكاً للمكلف: إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، من غير ملامة عليه، ولا ذم أو توبيخ. فالحلال هو: ما أحله الله بحكمه الديني التشريعي؛ وكذلك الحرام هو: ما حرمه الله بحكمه الديني التشريعي، حرفاً بحرف، فالمرجع هو الله في كل شأن تشريعي ديني. فالله جل جلاله هو الأول والآخر، وهو المرجع وإليه المنتهى، وهو كذلك الآخر: فليس وراء الله غاية، بل هو غاية الغايات وهو منتهى النهايات!

 

وهذه الآيات البينات المباركات، المرفوعات المطهرات، بيان ساطع، وبرهان يقيني قاطع، على الحقائق التالية:

(1) ــ الحقيقة الأولى: أن مفهوم «الطيّب» مغاير لمفهوم «الحلال»، وهو مستقل عنه تمام الاستقلال. فالطيب إنما كان طيباً لأن الإرادة الإلاهية الكونية القدرية جعلته هكذا، والحلال إنما كان حلالاً لأن الإرادة الإلاهية التشريعية الدينية حكمت به هكذا. وكذلك مفهوم «الخبيث»، و«الحرام» متغايران مستقلان عن بعضهما تمام الاستقلال، كما أسلفناه بالنسبة لمفهوم «الطيب» و«الحلال» حرفاً بحرف!

 

(2) ــ الحقيقة الثانية: أن الله، جل جلاه، بوصفه الرب كامل الربوبية، والسيد التام السيادة، قد يحرم بعض الطيبات، قد يحل بعض الخبائث (وكذلك سواء بسواء قد يحل بعض الفواحش، كما سيأتي بيانه قريباً). فكون الشيء طيباً في ذاته، كما هو معلوم لله تعالى، أو خبيثاً في ذاته، كما هو معلوم لله تعالى، على أهمية ذلك، هو في مراتب الاعتبار دون اتصاف الله بالربوبية والسيادة، وأقل مرتبة من حقه أن يحكم، شرعاً، بما يشاء ويختار: فيحرم الطيبات، ويحل الخبائث إن شاء، ولا معقب على حكمه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ؛

 

فمهما شرع رب العزة، جل جلاله، أو حكم، فإن حكمه وشرعه نهائي مطلق، فوق كل مراجعة، ولا يجوز أن يخضع لأي مساءلة، بل طاعته مطلقاً، بدون قيد أو شرط فريضة شرعية مطلقة، وهي قبل ذلك ضرورة عقلية ملزمة.

 

(3) ــ الحقيقة الثالثة: أن هذه الأمة الخاتمة مرحومة، وقد خُصّت بنبيّ خاتم: من خصائصه الكبرى، وفضائله العظمى أن امتنّ الله عليه بإباحة كل طيب، وتحريم كل خبيث، خلافاً للأمم السابقة التي ضربت عليه الآصار، ووضعت في أعناقها الأغلال، فحرّمت عليها طيبات كانت حلالاً قبل ذلك، وهي حلال بعد ذلك في هذه الشريعة المباركة الخاتمة، كما هو بنص القرآن، وحرّمت على هذه الأمة المرحومة خبائث كانت مباحة في الشرائع السابقة، كالخمر مثلاً.

 

وقد قام البرهان اليقيني القاطع على أن الإسلام دين كامل، قد استوعبت نصوصه، بحمد الله، أحكام كل شيء، أي كل الأعيان والأفعال، إلى يوم القيامة، من غير حاجة إلى بحث في حقيقة العين أو الفعل: هل هو طيب أو خبيث؟!

 

بل الحق أن ما ثبت بالنصوص، في هذه الشريعة المباركة الخاتمة، من الأعيان والمنافع، أنه حلال فهو طيب لا محالة، وما ثبت أنه حرام فهو خبيث لا محالة، وذلك بضمانة الله، جل جلاله لذلك. أي أننا نشهد بشهادة الله أن كل ما أحل الله من المنافع والأعيان، في هذه الشريعة المباركة الخاتمة، فهو طيب في ذاته، وكل ما حرّمه، في هذه الشريعة المباركة الخاتمة، من ذلك فهو خبيث في ذاته. فالبحث في كون الأعيان والمنافع (وربما بعض الأفعال والأقوال) طيبة أو خبيثة في ذاتها، وما هي ماهية الخبث أو الطيّبة، وما هي جزئياتها ومركباتها، ومدى ارتباط ذلك بالنِّسب والمتعلقات، والظروف والملابسات، على أهميته من الناحية المعرفية والفلسفية، ليس له كبير أهمية أو قيمة من الناحية التشريعية، مع رجحان كونه في ذاته مستحيلاً إلا لمن أحاط بكل شيء علماً، وهو الله العزيز الحكيم.

وحتى لو سلمنا بإمكانية تلك المباحث، من حيث المبدأ، فإن واقع التشريع الإنساني، وما نشاهده عند كافة الأمم والشعوب من سن التشريعات، ثم فشلها بعد سنين أو عقود، أو حتى قرون، وإلغائها وسن غيرها، يجبرنا على أن الاعتقاد أن ذلك لا يتحقق، لعسره وشدة غموضه، إلا مع مرور الأزمنة وتعاقب أجيال من الدارسين والمفكرين، والسياسيين والمشرّعين، وبكلفة ومشقة ضخمة، وتجارب خطرة فاشلة، لا تتناسب في أغلب الأحيان مع صغر النتيجة وهزالها.

 

وحتى لو سلمنا جدلاً أن العقل الإنساني قادر، من حيث المبدأ، على استجلاء خواص الشيء المدروس، وعلاقته بغيره من الأشياء في الكون، وما يترتب عليه من المصالح والمنافع واللذَّات والمتعة، في العاجل والآجل، فهو من ثم قادر على الوصول إلى حكم «عقلاني» بأن هذا الشيء طيب أو خبيث، وحتى لو سلمنا جدلاً أن ذلك في غاية اليسر والسهولة، حتى لو سلمنا بكل ذلك جدلاً، فلا محصول يرجى من ذلك، باستثناء المتعة العقلية المحضة في معالجة تلك المباحث المعقدة المتشابكة.

أما الحكم الشرعي فقد ثبت قبل ذلك بالنص الشرعي، ولا يجوز إلا أن يكون ثبوته إلا بالنص الشرعي، لأن الإيمان والإسلام هو الرد لله ورسوله، كما مضى، وكما سنشبعه برهنة في كتابنا هذا: (التوحيد: أساس الإسلام، وحقيقة التوحيد)، ومحال أن يكون غير ذلك.

 

وما قلناه آنفاً عن «الخبائث» ينطبق حرفاً بحرف على «الفواحش»، فكون الشيء فاحشة أمر ذاتي فيه لا علاقة له بورود الشرائع. و«الفاحشة» هي مجاوزة الشيء، أو الفعل، لحده اللائق به، وهو مفهوم يستخدم عادة في تصنيف الأفعال والأقوال، وكذلك العلاقات والنسب والنظم المجردة، وكذلك الأمور الوضعية والاتفاقية، ولا تحضرني الآن، ولا حالة واحدة، استخدم فيه لوصف عين أو منفعة، وإنما توصف المنافع والأعيان بـ«الخبث» وليس بـ«الفحش».

 

ونؤكد فنقول أن قولنا عن شيء أو فعل أنه «فاحشة»، في ذاته، أو لاعتبارات ومتعلقات لتلك الذات، إنما هو هكذا بجعل الله له، جعلاً تكوينياً قدرياً، وتقديره إياه، تقديراً كونياً، هكذا وفق الإرادة الإلاهية الكونية القدرية الحرة الطليقة المتعالية على كل قيد أو شرط، في إطار كون ممكن معين، لا لأمر ذاتي ضروري.

 

وقد حرّم الله «الفواحش» ما ظهر منها، وما بطن في هذه الشريعة الخاتمة، تماماً كما حرّم «الخبائث»، وذلك بدلالة الآيات التالية:

* قال، جل جلاله وسما مقامه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ «الْفَوَاحِشَ» مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً، وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ، (لأعراف؛ 7: 33)؛

* وقال، عز وجل: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ: أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا «الْفَوَاحِشَ» مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، (الأنعام؛ 6: 151).

 

فنص جل جلاله على أنه، في هذه الشريعة المباركة الخاتمة في أقل تقدير، قد حرّم جنس الفواحش، أي الفواحش كلها، ما ظهر منها وما بطن، فصار الأمر بالنسبة لـ«الفواحش» من الأقوال والأفعال، وكذلك العلاقات والنسب والنظم المجردة، وكذلك الأمور الوضعية والاتفاقية، كمثيله بالنسبة لـ«الخبائث» من الأعيان والمنافع تماماً، حرفاً بحرف، فما قلناه آنفاً عن «الخبائث» ينطبق ها هنا بأحرفه عن «الفواحش»، فلا نطيل بإعادته، وبالله التوفيق.

 

وقد رخص الله للأمم السابقة في «خبائث» و«فواحش» عادت وبالاً عليها، كما هو بين من إحلال «الخمر» لهم، التي هي أم الخبائث، ومن مشروعية «الملكية الوراثية» لبني إسرائيل، وهو نظام خبيث ملعون فاحش، ألحّ القوم عليه، وترددوا إلى نبيهم مطالبين بعناد به، ولعله كان مفتاح هلاك بني إسرائيل ودمارهم، كما هو مفصل في كتابنا: (الحاكمية، وسيادة الشرع)، على نحو هو تصديق لقوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم»:

* كما جاء في «الجامع الصحيح المختصر» للإمام البخاري، (ج6/ص2658/ح6558): [حدثنا إسماعيل حدثني مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «دعوني ما تركتكم: إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»]، هذا الإسناد صحيح كالشمس، بل هو «السلسلة الذهبية» من أسانيد أبي هريرة. وهو في «صحيح مسلم» بلفظ: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم»، وأيضاً في «صحيح مسلم» بلفظ آخر: «ذروني ما تركتكم، (وفي حديث همام: ما تًرِكْتم) فإنما هلك من كان قبلكم»، كما أنه في أكثر الصحاح، والسنن والمعاجم والمسانيد بأصح الأسانيد.

 

ونسارع ها هنا إلى التأكيد كذلك على أمرين:

أولاً: أن الله تكفَّل فقط في هذه الشريعة المباركة الخاتمة بتحريم الفواحش والخبائث، أما في الشرائع السابقة فليس الأمر كذلك، فيجوز أن تكون بعض الفواحش والخبائث مكروهة فقط، أو مباحة محضة من غير كراهية، وذلك لأن الله هو السيد المطلق السيادة، كما أسلفنا.

وثانياً: أن (الفاحشة) لا يجوز أن يكون مأموراً بها من الله جل جلاله، لا أمر أيجاب، ولا على وجه الاستحباب، لأن المستحب مأمور به أيضاً، ولا مأذوناً بها على وجه (التفضل)، أو (التكريم) أو (المِنَّة)، وذلك لأن الله جل جلاله، قد حرّم ذلك على نفسه، أزلاً وأبداً. أي أن ذلك لا يقع من الله بموجب «القداسة»: و«القداسة» هي: السلامة من كل عيب ونقص، والتعالي فوق كل خسة ودناءة، وذلك هو مقتضى قوله، جل جلاله، وسمى مقامه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء، وسنفصل الكلام عن هذه الحقيقة المهمة في فصل لاحق بعنوان: (﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء﴾).

 

وثالثاً: أن (الخبيث) لا يجوز أن يكون شيء من الأفعال المتعلقة به مستحباً أو واجباً أو (فضيلة)؛ ولا حتى مباحاً مأذوناً بها على وجه (التفضل)، أو (التكريم) أو (المِنَّة)، ولا بحال من الأحوال؛ وذلك أيضاً بموجب «القداسة»: تماماً كما أن (الفاحشة) لا يجوز أن يكون مأموراً بها، لا أمر أيجاب، ولا على وجه الاستحباب، ولا مأذوناً بها على وجه (التفضل)، أو (التكريم) أو (المِنَّة)، كما ستأتي البرهنة عليه قريباً في الفصل المعنون: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء.

نعم: (الخبيث) لا يجوز بتاتاً أن يكون مباحاً مأذوناً بها على وجه (التفضل)، أو (التكريم) أو (المِنَّة). ونزيد هذا إيضاحاً فنقول: لا شك أن ما يصل إلى المخلوقات من (رزق)، وما يقع في أيديهم، أو يسلطون عليه، من (ملك)، إنما هو رزق وعطاء وتمليك من الله، جل جلاله، ومن خلقه وتقديره، وبإذنه التكويني القدري، ضرورة ولا بد: لا فرق بين خبيث وطيب، وفاحشة وغيرها. غير أنه من المحال الممتنع أن يسمي الله رزقه أو أعطيته لبعض خلقه (فضيلة) أو (فضلاَ) أو (كرامة) أو (مِنَّة) إلا ما كان (طيباً)، ومن المحال الممتنع أن يكون (فاحشة): فإن اللئيم الساقط هو الذي يتفضل بـ(الخبيث)، أو يكرم بـ(الفحش): تعالى الله ربنا الملك القدوس السلام، الكريم المنان. وعليه فإن (الفضائل) لا تنسخ، بمعنى أنه إذا تفضل الله على نبي أو أمة سابقة بشيء، فمن المحال الممتنع أن يشرع بحرمة نفس الشيء في شريعتنا التي تكفل الله فيها بإباحة الطيبات؛

 

ونزيد ما سلف من القواعد العامة، والمفاهيم الكلية، إيضاحاً بتطبيقه على بعض الأمثلة مبتدئين بمثال «لحم الخنزير»، الذي ثبت بالنصوص الشرعية القاطعة أنه حرام، فالأمر بالنسبة لـ«لحم الخنزير» لا يخرج عن واحد من الاحتمالات التالية:

(1) أن يعتقد الإنسان حرمته لأن الله حرّمه، فيكون بذلك مسلماً مؤمناً، راداً إلى الله ورسوله. ولا يضر في ذلك إن اعتقد:

            (أ) أنه حرم لخبث ذاتي فيه، تفضلاً من الله ونعمة، ولطفاً ورحمة بعباده حيث كفاهم مؤنة البحث والتنقيب، وأعطاهم النتيجة سهلة ميسورة. وهذا هو الواجب اعتقاده لأهل الإسلام في هذه الرسالة الخاتمة لما ذكرناه أعلاه.

            (ب) أنه حرم ابتلاءً وتعبداً محضاً، أو تشديداً وعقوبة، أو تأديباً وتهذيباً وتدريباً على معالي الأمور، أو لغير ذلك مما هو معلوم لله، أو لمحض التعبد وممارسة الرب جل وعلا لحق الربوبية ومرتبة السيادة، مع كونه من الناحية الحسية والطبية طيباً في ذاته، بل لعله من أطيب اللحوم وأشهاها. وهذا قول جيد، ومعتقد لا بأس به لأتباع الشرائع السابقة، ولمن لم يعلم ببرهاننا أعلاه من أهل الإسلام، وهو قول الفيلسوف اليهودي فيلو الإسكندراني، الذي كان معاصراً للسيد المسيح عيسى بن مريم، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى والدته.

(2) أن يعتقد الإنسان عدم جواز أكله لأنه خبيث في ذاته، والعقل يوجب على العاقل تجنب الخبيث والضار. هذا هو ما ينتظر من العقلاء قبل مجيء الرسالة، وقيام الحجة، أما بعد مجيء الرسالة، وتمام البيان، وقيام الحجة، فهذا معتقد كفر يخرج صاحبه من الملة، لأنه قبول لتشريع العقل، أي جعل العقل رباً وسيداً وإلاهاً من دون الله، أو قبول حكمه بغير إذن من الله، وهو على كل حال عدم رد إلى الله ورسوله، وهذا هو الشرك، شرك الكفر، المناقض للإسلام كل المناقضة، المخرج من الملة. فالمتورط في شيء من ذلك مشرك كافر، خارج عن الإسلام، إلا من عذر بجهل أو تأويل أو إكراه، ونحوه من موانع تكفير المعين. ويزداد هذا القول فحشاً، وكفراً على كفر، إذا جعل التحريم على الله واجباً بموجب حكم العقل عليه بأنه «خبيث» لأسباب منها:

            (أ)- لأن في ذلك إيجاب وتحريم على الله ما لم يوجبه أو يحرّمه على نفسه، وهذا مناقض عقلاً للألوهية ومن أخص خصائصها: السيادة العليا، والمرجعية النهائية،

            (ب)- ولأنه تكذيب صريح لنص القرآن القاطع بأن تحريم بعض الطيبات قد وقع فعلاً في شرائع سماوية سابقة، جاء بها الوحي، وكانت هي الدّين الحق قبل نسخها. فهذا اتهام لله بمخالفة الحق الذي كان واجباً عليه وفق هذا الزعم الداحض الباطل، ومن ثم الوقوع ضرورة في الباطل والعدوان والظلم، وهذا أقبح من سابقه، لأنه منتهى الكفر وهدم العقل، أو هو طعن في ورود القرآن من عند الله، وهذا كفر أيضاً، وخروج عن الإسلام.

 

غير أن الأمر يختلف اختلافاً تاماً إذا جاء النص الشرعي في هذه الشريعة المباركة الخاتمة واصفاً لشيء، عيناً كان أو فعلاً، بأنه «خبيث»، فحينئذ لا بد من القطع، في هذه الشريعة المُحَمَّدية الخاتمة في أقل تقدير، بأنه حرام، إلا إذا جاء بيان بأن ذلك لاعتبار مخصوص، أو بقيود معينة، كما جاء بالنسبة للثوم، والبصل، وغيرها من المأكولات ذات الرائحة المنتنة، حيث وصفها الشارع بالخبث، إلا أنه أبان أيضاً أن ذلك لاعتبار الرائحة الكريهة فقط:

* حيث جاء في «صحيح مسلم»، (ج1/ص395/ح565): [وحدثني عمرو الناقد حدثنا إسماعيل بن علية عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: لم نعد أن فتحت خيبر فوقعنا أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في تلك البقلة: الثوم، والناس جياع فأكلنا منها أكلا شديدا ثم رحنا إلى المسجد فوجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الريح، فقال: «من أكل من هذه الشجرة «الخبيثة» شيئا فلا يقربنا في المسجد»، فقال الناس: (حَرُمَتْ، حَرُمَتْ)، فبلغ ذاك النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: «أيها الناس: إنه ليس بي تحريم ما أحل الله لي، ولكنها شجرة أكره ريحها!»]، وهو أيضاً في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»، كما أنه في «سنن البيهقي الكبرى»

ــ وهو في «صحيح ابن خزيمة»، (ج3/ص85/ح2067): [أخبرنا أبو طاهر حدثنا أبو بكر حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى حدثنا عبد الأعلى حدثنا سعيد الجريري (ح) وحدثنا أبو هاشم زياد بن أيوب حدثنا إسماعيل حدثنا سعيد الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد قاله بمثل حديث مسلم]، ثم قال ابن خزيمة: (هذا حديث أبي هاشم، وزاد أبو موسى في آخر حديثه: «وإنه يأتينني من الملائكة فأكره أن يشموا ريحها»)

 

* وفي «مسند الإمام أحمد بن حنبل»، (ج4/ص19/ح20292): [حدثنا عبد الملك بن عمرو قال: حدثنا خالد بن ميسرة حدثنا معاوية بن قرة عن أبيه قال: نهى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن هاتين الشجرتين «الخبيثتين» وقال: «من أكلهما فلا يقربن مسجدنا!»، وقال: «ان كنتم لا بد آكليهما فأميتموهما طبخاً»، قال يعنى البصل والثوم]، وهو في «السنن الكبرى للنسائي»، كما أنه أيضاً في «شرح معاني الآثار».

 

ففي ما سلف وصف النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بعض الأشجار بأنها خبيثة، ففهم الصحابة ذلك على الفور، وللوهلة الأولى، كما هو الواجب المحتوم القطعي، الذي لا يجوز خلافه، على أنه تحريم لها، غير أنه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بين لهم أن هذا الوصف بـ«الخبث» في هذه الحالة إنما هو لنتن رائحتها، وهو «خبث» في جانب محدود من جوانبها، لم يؤد إلى تحريمها، وإنما فقط لتحريم إتيان المساجد حتى تزول رائحتها (وربما كان هذا التحريم مخصوصاً بالمسجد النبوي فقط إبِّان حياته، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لمكانة وحرمة ملائكة الوحي، كما قال بعض الفقهاء)، كما أنه أرشد إلى إماتة الرائحة بالمبالغة في طبخها. ولما كان النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، له علاقة خاصة بجبريل وملائكة الوحي، صلوات الله وسلامه عليهم، كانت الكراهية في حقه أشد، كما سلف، وكما يظهر من الأحاديث التالية:

* كما جاء في «صحيح مسلم»، (ج1/ص394/ح564)، بمزيد بيان: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا كثير بن هشام عن هشام الدستوائي عن أبي الزبير عن جابر قال: نهى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن أكل البصل والكراث فغلبتنا الحاجة فأكلنا منها فقال: «من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تأذى مما يتأذى منه الإنس»]، وهو بنحوه في «صحيح ابن حبان»، وهو أيضاً في «مسند الإمام أحمد»، وفي «سنن البيهقي الكبرى»، وهو في «مسند أبي يعلى»، وقال الشيخ حسين أسد: (رجاله رجال الصحيح).

 

* وفي «صحيح مسلم»، (ج1/ص394/ح564)، ما يشير أن الامتناع عن أكلها من خصوصياته، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: [وحدثني أبو الطاهر وحرملة قالا: أخبرنا بن وهب أخبرني يونس عن بن شهاب قال: حدثني عطاء بن أبي رباح أن جابر بن عبد الله قال، (وفي رواية حرملة وزعم) أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا أو ليعتزل مسجدنا وليقعد في بيته»، وإنه أتي بقدر فيه خضروات من بقول فوجد لها ريحا فسأل فأخبر بما فيها من البقول فقال: قربوها إلى بعض أصحابه فلما رآه كره أكلها قال: «كل: فإني أناجي من لا تناجي»]، وفي «مسند الإمام أحمد بن حنبل» شطره الأول إلى قوله: «وليقعد في بيته»، وهو أيضاً في «صحيح ابن خزيمة» بنحو حديث أحمد، وكذلك في «المعجم الصغير للطبراني».

 

* وفي «صحيح ابن خزيمة»، (ج3/ص85/ح2069): [أخبرنا أبو طاهر حدثنا أبو بكر حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن بكر بن سوادة ان أبا النجيب مولى عبد الله بن سعد حدثه ان أبا سعيد الخدري حدثه انه ذكر عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الثوم والبصل والكراث وقيل: يا رسول الله وأشد ذلك كله الثوم أفتحرّمه؟ فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «كلوه، ومن أكله منكم فلا يقرب هذا المسجد حتى يذهب ريحه منه»]، وهو أيضاً في «سنن البيهقي الكبرى».

 

* وفي «السنن الكبرى للنسائي»، (ج1/ص260/ح787): [أنبأ مُحَمَّد بن المثنى قال: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا هشام قال: حدثنا قتادة عن سالم بن أبي الجعد عن معدان بن أبي طلحة أن عمر بن الخطاب قال: (إنكم أيها الناس تأكلون من شجرتين ما أراهما إلا خبيثتين هذا البصل والثوم، لقد رأيت نبي الله، صلى الله عليه وسلم، إذا وجد ريحهما من الرجل أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليمتهما طبخا)]، وهو في «السنن الكبرى للنسائي»: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك قال: حدثنا شبابة بن سوار قال: حدثنا شعبة عن قتادة به إلى منتهاه]، وهو في «مسند الحميدي» بنحوه.

 

* وفي «شرح معاني الآثار»، (ج4/ص238): [حدثنا فهد قال: حدثنا أبو غسان قال: حدثنا قيس عن أبي إسحاق عن شريك بن حنبل عن علي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «من أكل هذه البقلة فلا يقربنا، أو يؤذينا في مساجدنا»]، وعقَّب الإمام الطحاوي قائلاً: (فكره قوم أكل البقول ذوات الريح أصلا واحتجوا في ذلك بهذه الآثار، وخالفهم في ذلك آخرون وقالوا: إنما نهى النبي، صلى الله عليه وسلم، عن أكلها لا لأنها حرام ولكن لئلا يؤذي بريحها من يحضر معه المسجد، وقد جاء في ذلك آثار أخر ما قد دلّ على ذلك).

 

وبخلاف موضوع الثوم والبصل، وعلى الضد منه، فإن التحريم لعمل قوم لوط تحريم قاطع، بدلالة قوله تعالى: ﴿وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾، (الانبياء؛ 21: 74). ورأس تلك الخبائث إتيان الرجال شهوة من دون النساء، كما يظهر يقيناً من الآيات الكريمة التالية:

* حيث قال، تباركت أسماؤه: ﴿ولُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ * إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾، (لأعراف؛ 7: 80 ــ 81).

* وقال، جل جلاله وسمى مقامه: ﴿وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ * أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، (النمل؛ 27: 54 ــ 55).

* وحيث قال، تعالى ذكره: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ، وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ، وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ، فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، (العنكبوت؛ 29: 29).

* وقال، عز وجل: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾، (الشعراء؛ 26: 205 ــ 206).

 

فلو لم تأت إلا آيات العنكبوت والشعراء لما ثبت بها تحريم في هذه الشريعة الخاتمة لأنها تكون حينئذ، ضرورة ولا بد، كما برهنا عليه في كتابنا هذا: (كتاب التوحيد: أساس الإسلام، وحقيقة التوحيد)، شريعة منسوخة لا يحل اتباعها. ولكن تصنيف «عمل قوم لوط» الذي أنكره عليهم نبيهم لوط، صلوات الله عليه، أشد الإنكار، ودعاهم إلى تركه، تصنيفه بأنه «خبيث»، أي أنه «خبيث» بذاته قبل ورود الشرع بخطاب يتعلق به، وهو إتيان الذكران شهوة من دون النساء، مع ما ذكرنا أعلاه من القواعد اليقينية، يوجب القطع بأنه محرّم أيضاً في هذه الشريعة الخاتمة، وحتى قيام الساعة الكبرى في آخر الزمن. ويزداد هذا وضوحاً بدلالة آيات الأعراف والنمل حيث وصف إتيان الرجال شهوة من دون النساء بأنه «فاحشة»، فهو محرّم أيضاً حرمة قطعية بموجب كونه «فاحشة». وقد انعقد الإجماع اليقيني من الصحابة، ومن بعدهم من أهل الإسلام، على حرمة «عمل قوم لوط»، وقد جاءت في ذلك أحاديث ليس هذا موضع ذكرها.

 

ونسارع فنكرر ونؤكد مرة أخرى في الختام: أن كون بعض الأشياء: أعياناً، وأقوالاً، وأفعالاً تستحق أن تسمَّى خبائث أو أن بعض الأفعال والأقوال، والعلاقات والنسب والنظم المجردة، وكذلك بعض الأمور الوضعية والاتفاقية فواحش لأمور ذاتية فيها، أو لاعتبارات ومتعلقات لتلك الذات، إنما هو بجعل الله لها كذلك بتقديره التكويني في إطار كون معيَّن، فليس من ذلك شيء ضروري بالضرورة العقلية أو المفاهيمية المطلقة، التي يستحيل خرقها، لأن الكون بأكمله بنظامه الأساسي، وشروطه الابتدائية ممكن، مخلوق، حادث؛ وهو هكذا بجعل الله له بأمره التكويني القدري. وهناك أكوان ممكنة لا خبث فيها، ولا فواحش (مثال ذلك: الجنة التي هي دار السلام)، وهناك أكوان أخرى ممكنة لا تصلح لحياة كائنات مكلفة أو حتى حية أصلاً، وهكذا أبداً. كل ذلك ممكن ولن يخرج ممكن الوجود إلى الوجود فعلياً إلا بجعل الله وخلقه، وبإذن الله التكويني القدري: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ!

 

نعم: هناك مقولات قليلة فاحشة، إن صح التعبير، (أي: متجاوزة للحد) في كل الأكوان الممكنة، لكونها تتناقض مع الضرورات العقلية المطلقة وفي مقدمتها كون الباري، جل وعلا، تباركت أسماؤه، وسمى مقامه، هو الواحد الأحد، الحي القيوم، الحق المبين، القدوس السلام: كالقول بأن لله شريكاً، أو انه اتخذ صاحبة وولداً، أو أنه ليس على كل شيء قدير، أو القول أنه ما أحاط بكل شيء علماً، أو الزعم بأنه يكذب، أو أنه يظلم ويعتدى، أو أنه يخلف الميعاد، حاشا لله، تعالى ربنا وتقدس: كل ذلك فحش وإيذاء وشتيمة لله، جل جلاله، وسما مقامه:

* أخرج البخاري في صحيحه (ج4/ص1903/ح4691): [حدثنا إسحاق بن منصور قال وحدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ﴿كذبني بن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك: أما تكذيبه إياي أن يقول إني لن أعيده كما بدأته، وأما شتمه إياي أن يقول اتخذ الله ولدا وأنا الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفؤا أحد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد﴾: كفؤا وكفيئا وكفاء واحد]؛ وهو في صحيفة همام بن منبه (ج1/ص56/ح106)؛ وأخرجه ابن حبان في صحيحه (ج3/ص129/ح848)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج2/ص318/ح8204)؛ وغيرهم.

ــ وأخرجه الإمام البخاري في صحيحه (ج3/ص1206/ح3021): [حدثني عبد الله بن أبي شيبة عن أبي أحمد عن سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال النبي أراه قال: ﴿يشتمني بن آدم وما ينبغي له أن يشتمني؛ ويكذبني وما ينبغي له: أما شتمه فقوله إن لي ولدا؛ وأما تكذيبه فقوله ليس يعيدني كما بدأني﴾]؛ و أخرجه البخاري في صحيحه (ج4/ص1903/ح4690)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج2/ص394/ح9103)؛ والنسائي في سننه (ج4/ص112/ح2078)؛ والنسائي في سننه الكبرى (ج1/ص666/ح2205)، و(ج6/ص409/ح11338)، و(ج4/ص395/ح7667)؛ وابن حبان في صحيحه (ج1/ص501/ح267)، ثم عقَّب قائلاً: [قوله، صلى الله عليه وسلم، أوليس أول خلق بأهون علي من إعادته فيه البيان الواضح أن الصفات التي توقع النقص على من وجدت فيه غير جائز إضافة مثلها إلى الله جل وعلا إذ القياس كان يوجب أن يطلق بدل هذه اللفظة بأهون علي بأصعب علي فتنكب لفظة التصعيب إذ هي من ألفاظ النقص وأبدلت بلفظ التهوين الذي لا يشوبه ذلك]؛ وغيرهم.

ــ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج2/ص351/ح8595) بإسناد جيد: [حدثنا حسن حدثنا بن لهيعة حدثنا أبو يونس عن أبي هريرة عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال ان الله عز وجل قال: ﴿كذبني عبدي ولم يكن له ليكذبني؛ وشتمني عبدي ولم يكن له شتمي: فأما تكذيبه إياي فيقول لن يعيدني كالذي بدأني وليس آخر الخلق أهون على ان أعيده من أوله فقد كذبني ان قالها؛ واما شتمه إياي فيقول اتخذ الله ولدا انا الله أحد الصمد لم ألد﴾]

 

* وأخرج الإمام لبخاري في صحيحه (ج4/ص2029/ح4212): [حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن عبد الله بن أبي حسين حدثنا نافع بن جبير عن بن عباس عن النبي قال: قال الله: ﴿كذبني بن آدم ولم يكن له ذلك؛ وشتمني ولم يكن له ذلك: فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان؛ وأما شتمه إياي فقوله لي ولد فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا﴾]؛ والطبراني في معجمه الكبير (ج10/ص309/ح10751)؛ والطبراني في مسند الشاميين (ج4/ص139/ح2941)؛ وغيرهم.

فهذه المقولات، آنفة الذكر، كاذبة باطلة في كل الأكوان، فاحشة في كل الأكوان، لكونها تتناقض مع كون الرب، جل جلاله وسما مقامه، هو الواحد الأحد، واجب الوجود، الحي القيوم، الحق المبين، القدوس السلام: فمن رابع المستحيلات أن يكون مأموراً بها في أي شريعة متخيلة، في أي كون ممكن، معاذ الله!

 

وطريق النجاة في هذا الكون الذي نحن الآن فيه، أثناء هذه الحياة الدنيا، على هذه الأرض التي نعيش فوقها، بعد مجيء سيدي أبي القاسم مُحَمَّد بن عبد الله، عبد الله ورسوله، النبي الأمي خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، بعد مجيئه بهذه الرسالة الخاتمة، طريق النجاة هو: الرد إلى النصوص الشرعية، أي إلى نصوص الكتاب والسنّة، فقط لا غير، لأنها هي وحدها النصوص الشرعية، والبحث فيها، للتوصل إلى حكم الله في كل مسألة: فالنصوص الشرعية هي «سفينة نوح»، من ركبها سلم ونجا، ومن تخلف عنها غرق وهلك، مهما خادع نفسه فتوّهم أنه قادر على مصارعة الأمواج المتلاطمة، والإفلات من الطوفان الكاسح، باللجوء إلى رؤوس الجبال.

 

على أن الرد إلى الله ورسوله، أي إلى النصوص الشرعية ضرورة، هو الإسلام والإيمان والإحسان، وهو جوهر «العبودية» التي خلق الإنس والجن لها. فحتى لو كان البحث العقلي في ماهية الأشياء، أعياناً، وأفعالاً، وأقوالاً لمعرفة كونها «طيبة»، أو لكونها «خبيثة» أو «فاحشة»، حتى لو كان هذا ممكناً، بل وفي غاية اليسر والسهولة، لما جاز ذلك في حق من يطلب الوصول إلى الحكم الشرعي، لأن ذلك ليس رداً إلى الله ورسوله، وإن كان جائزاً في إطار الدرس الموضوعي، أو البحث الفلسفي، لمعرفة طبائع الأشياء وماهياتها، أو لغير ذلك من المقاصد والأهداف الواجبة أو المستحبة أو المباحة، ولكنه لا يجوز مطلقاً بقصد معرفة حكم الله فيها، إلا فيما أذن الله به، وفي الحدود وبالقيود التي شرعها.

 

وعلى ذلك فلا محصول من الجدل البيزنطي العقيم: هل التحسين والتقبيح، عقلي محض، أو شرعي محض، أو كلاهما بتركيبة معينة، أو ترتيب معين. نقول: هذا قد يكون مبحثاً فكرياً فلسفياً، أو شرعياً محترماً، ولكنه نظري محض، ليس ورائه عمل، وليس هو من باب السنّة والبدعة من صدر ولا ورد، كما زعم بعض مرضى العقول والنفوس من (المهووسين)، من المعتزلة، أدعياء العقلانية، قديماً؛ أو من الغلاة المارقين، أدعياء السلفية، أعداء العقل والفكر، حديثاً؛ المعجبين بأنفسهم وعقيدتهم «الصحيحة»، المزكّين لأنفسهم الشاهدين لها بأنهم وحدهم «الفرقة الناجية» و«الطائفة المنصورة»، القائلين بلسان حالهم، إن لم يكن، بكل وقاحة، بلسان مقالهم: (لن يدخل الجنّة إلا من كان سلفياً)، فنقول لهم: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، (البقرة؛ 2: 111 ــ 112)!

 

ونحن إنما أمرنا فقط: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ، وقيل لنا قطعاً: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وفي هذا كما أسلفنا الكفاية التامة المطلقة لكل حكم من الأحكام إلى يوم القيامة الكبرى، ولسنا نبالي: أكان ما جاء النص بحسنه معقولاً أو غير معقول، ممكناً أن يدرك بالعقل مستقلاً أو غير ممكن، أو مدركاً بالعقل ثم الشرع، أو بالشرع ثم بالعقل، أو بالشرع والعقل في آن واحد، أو بالشرع فقط.

 

هذا هو الحق الذي يجب اعتقاده، ولا يجوز العمل بغيره لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين.

فصل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء﴾.

أسلفنا قريباً أنه من الجائز أن يأذن الله ببعض «الفواحش» و«الخبائث»، وأن يحرّم بعض «الطيّبات»، كما وقع فعلاً في الشرائع السابقة، ولكن من المحال الممتنع أن يأمر بـ«الفاحشة» أصلاً، أي أن يجعلها فريضة واجبة، أو مندوبة مستحبة، أو مأذوناً بها على وجه (التفضل)، أو (التكريم) أو (المِنَّة)، لا في شريعة سابقة، ولا في هذه الشريعة المباركة الخاتمة، ومن باب أولى. ليس في هذا الكون، ولا في غيره من الأكوان الممكنة، التي يوجد فيها ما يستحق أن يسمَّى فاحشة أصلاً:

 

البرهان القاطع على ذلك: أن الله، تباركت أسماؤه، وتعالى ذكره، قال: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا؛ قُلْ: إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ، أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾، (لأعراف؛ 8:28)، فهذا خبر يقيني صادق، أزلاً وأبداً، لا يتصور في العقل ما يناقضه، ولا يمكن نسخه لأن الأخبار لا تنسخ: (أنه، جل جلاله، لا يأمر بالفحشاء)، ولم يأمر بها قط في سابق الأزمنة، ولا في شيء من الأكوان الممكنة. وقال، جل وعز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، (النور؛ 24 :21)، ومن المحال الممتنع أن يأمر الله بما يأمر به إبليس، رأس الخبث والفحش والكفر والشر، عدو الله!

 

وقد أسلفنا أن الحكم العقلي على الأعيان بالخبث والطيبة قد يكون في غاية الصعوبة، وهو ها هنا كذلك بالنسبة لما هو مستحق أن يسمَّى «فاحشة». بل لعل الحكم على فعل أو قول، وكذلك الحكم على العلاقات والنسب والنظم المجردة، وعلى الأمور الوضعية والاتفاقية، بأنه «فاحشة» بموجب العقل، إن سلمنا جدلاً بأنه ممكن من حيث المبدأ، أكثر صعوبة وعسراً من الحكم على شيء بأنه «خبيث»، لأنه يتطلب النظر في دوافع الفعل وبواعثه، وماهية الفعل نفسه، ومن ماذا يتركب، وبماذا يرتبط، ثم النظر فيما يترتب عليه من أشياء وأفعال وحوادث في مستقبل الزمن، لا تكاد تنحصر في هذا الكون الفسيح المترامي الأطراف، ربما النظر في ذلك كله وعواقبه إلى آخر الدهر!

 

فمن رابع المستحيلات إذاً أن يثبت بنص الشرع، (أو بضرورة الحس والعقل مع استبعادنا أن يكون ذلك مدركاً بالحس، أو نظر العقل، منفردين)، أن فعلاً من الأفعال فاحشة من حيث هو، ثم يأتي من الله أمر بفعله وجوباً، أو حتى استحباباً، لأن المستحب مأمور بفعله، وإن كان الأمر به ليس جازماً، وليس على تاركه حرج أو ملامة، إلا أنه مأمور به؛ أو أن يأتي ترخيصاً بفعله على وجه (التفضل)، أو (التكريم) أو (المِنَّة). ومن المحال الممتنع أن يأمر الله بفعل، أو يأذن بفعل على وجه (التفضل)، أو (التكريم) أو (المِنَّة) ثم يظهر بعد ذلك أن ذلك الفعل كان فاحشة.

 

إذاً: من المحال الممتنع أن يأمر الله بفعل فاحشة، أمر وجوب أو استحباب، أو أن يأذن بفعلها على وجه (التفضل)، أو (التكريم) أو (المِنَّة) في هذا الكون أو في أي كون ممكن آخر يوجد فيه مفهوم (الفاحشة)؛ وذلك لتعالي الله، جل جلاله، وترفعه على ذلك بموجب الألوهية والقداسة، ولتحريمه ذلك على نفسه أزلاً وأبداً، فأصبح ملحقاً بالمحالات العقلية المطلقة، وإن لم يكن منها.

 

ونسارع إلى التنبيه بأن التقابل بين «الخبيث» و«الطيب» في الأعيان والمنافع الموجب لها بأحكام «الحرام» و«الحلال»، في هذه الشريعة الخاتمة المباركة، وكذلك البرهان الملزم الذي أقمناه على أن الأصل في الأشياء، لا سيما الأعيان والمنافع، هو الإباحة، مما يترتب عليه ضرورة أن «الشيء» المعين لا بد أن يكون خبيثاً أو طيباً، لا محالة؛ هذا التقابل ليس له ما يماثله فيما يتعلق بمفهوم «الفاحشة» مطلقاً.

 

نعم: قد تكفل الله، في هذه الشريعة الخاتمة المباركة، بتحريم كل (فاحشة)، هذا حق. ولكن ما ليس بفاحشة من الأقوال والأفعال، وكذلك العلاقات والنسب والنظم المجردة، وكذلك الأمور الوضعية والاتفاقية، قد يكون واجباً، أو مستحباً، أو مباحاً، أو مكروهاً، أو حتى حراماً؛ وقد يكون أمراً وضعياً يدخل تحت مفاهيم الشرط أو السبب أو المانع أو الرخصة أو العزيمة، وغير ذلك من الأحكام الوضعية. فكون الشيء (خصوصاً الأقوال والأفعال) ليس فاحشة، ومن ثم ليس باطلاً محرماً، لا يوجب له حكماً معيناً، لا فرق بين كون الحكم تكليفياً كالوجوب أو الاستحباب أو الإباحة أو الكراهة أو حتى التحريم؛ أو كونه حكما وضعياً كجعله شرطاً، أو سبباً، أو مانعاً أو رخصة أو عزيمة أو الحكم عليه بالصحة أو الفساد أو البطلان، ونحو ذلك. كل ذلك يحكم الله فيه بما يشاء وفق الحكمة الإلاهية، والتفرد بالسيادة والربوبية والحاكمية.

 

وحتى لا يبقى كلامنا عامَّاً مجرداً يصعب استيعابه، يحسن بنا أن نتأمّل مثلاً فردياً معيناً ألا وهو كشف المرأة البالغة للعورة المغلظة، أي السوأتين، لغير حليلها، وهو من المحرمات المعلومة من الدين الإسلامي بالضرورة، لأنها من المقطوع بثبوته بأدلة القرآن والسنّة المتواترة، وإجماع أهل الإسلام المتيقن، المقطوع به.

 

فكشف المرأة للعورة المغلظة «حرام» مقطوع بحرمته، (بغض النظر عن مرتبة الحرمة: أهو من الصغائر المحرمة، أم من كبائر الذنوب)، وهو أيضاً بذلك «فاحشة» بالضرورة الشرعية بموجب كونه «حراماً». البرهان على ذلك ظاهر من قوله، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ «الْفَوَاحِشَ» مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً، وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾، (لأعراف؛ 7:33).

فهذه قسمة حاصرة تبين أن المحرمات أربعة أصناف رئيسية:

            (أ) القول على الله بغير علم، وهو أشنعها، ولا يكون إلا في الأقوال والمعتقدات. وليس كشف العورة من جنس الأقوال والمعتقدات، فليس هو من هذا الباب قطعاً.

            (ب) الشرك بالله، شرك الاعتقاد الذي هو شرك الكفر، وذلك بأن يجعل مع الله إلاهاً آخر، وشرك العمل، والشرك الخفي، كالرياء ونحوه، وليس كشف العورة من الشرك الاعتقادي أو العملي في صدر ولا ورد، فليس هو إذاً من هذا الصنف بلا شك ولا جدال.

            (ج) وليس هو إثم وعدوان وبغي على حقوق الآخرين، كما هو بيّن، نعم، كشف العورة قد يكون فيه إزعاج لبعض الناس، وإثارة للبعض الآخر، وربما متعة لصنف ثالث، ولكن لا يقول أحد في العالم أنه بغي وظلم للآخرين، كسفك الدماء وأخذ الأموال وأكلها بالباطل، وضرب الظهور والأبشار، وانتهاك العرض والحرمة بالقذف والسباب، ونقض العهود والمواثيق، وما شابه ذلك،

            (د) فلزم ضرورة أن يكون من الصنف الرابع، وهو «الفواحش»، بالمعنى الضيق، وهو بداهة من الفواحش الظاهرة، نقول: الفواحش بالمعنى الضيق، لأن الإثم والبغي والعدوان هو أيضاً تجاوز للحد اللائق، فهو إذاً فحش وإسراف بالمعنى الواسع، وكذلك الشرك بالله هو اعتداء على حق الله في أن يعبد وحده لا شريك له، واعتداء على العقل والصدق بالكذب في زعم وجود شريك للباري، وهو ادعاء لوجود المحال الممتنع، فالشرك إذاً فحش وإسراف بالمعنى الواسع، والقول على الله بغير علم أوغل في الإسراف والفحش، وفي الظلم والعدوان على حق الله، وعلى العقل الذي هو مناط التكليف.

فلو قال قائل: كل المحرمات فواحش، بهذا المعنى الواسع، لكان مصيباً. فعلى هذا تكون إضافة الأصناف الثلاثة الأخيرة في الآية من باب إضافة الخاص إلى العام.

 

كما نلاحظ أن الترتيب للأصناف الأربعة الرئيسة في الآية الكريمة هو ترتيب تصاعدي للصنف العام، بمعنى: أن أقبح أنواع الفواحش بالمعنى الضيق (عمل قوم لوط مثلاً) لا تصل في الإثم إلى درجة أعلى أنواع البغي والعدوان (القتل، وانتهاك الأعراض بالاغتصاب وقذف المحصنات)، وهذه بدورها ليست في الشر بمرتبة من جعل مع الله إله آخر، وهذه وإن كانت كذباً وإفكاً وقولاً على الله بغير علم، إلا أنها ليست في مرتبة من اتهم الله بالظلم أو السفه أو بمخالفة الحق، كما فعل إبليس، لعنه الله. هذا مبحث لطيف، ولكن ليست هذه الرسالة المختصرة مكانه.

وما قلناه آنفاً ظاهر ومؤيد أيضاً بقوله، عز وجل: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا «الْفَوَاحِشَ» مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، (الأنعام؛ 6: 151).

 

وقد يستشكل ذلك البعض معترضين عليه بأن الله، جل جلاله، قد أمر في سابق الأزمنة إبراهيم عليه وعلى آله الصلاة والسلام، بذبح ابنه، وقتل الإنسان، إلا في عقوبة شرعية، أو في حرب عادلة مشروعة، أو دفاعاً عن النفس ضد عدو صائل لا يندفع شره إلا بالقتل، جريمة شنعاء، وفاحشة منكرة. فعلى هذا يكون الله، تعالى وتقدس، قد أمر بفاحشة واحدة على أقل تقدير؟!

 

ولكن هذا اعتراض باطل، بني على مقدمات فاسدة، لأن النفوس كلها، نفوس بني آدم وغيرهم من ذوات الأرواح، ملك لله، له أن يتصرف بها كما يشاء، وهو السيد التام السيادة، والمالك صاحب الحق المطلق. فليس قتل الإنسان نفسه تقرباً إلى الله، أو قتل غيره تقرباً إلى الله، فاحشة مطلقاً، إلا عند الدنيويين و«العلمانيين»، الذين يزعمون أن الإنسان ليس عبداً مملوكاً لله، فهو سيد نفسه، ورب نفسه، ومالك نفسه، وإله نفسه، وهذا يتناقض كلية مع «التوحيد»، الذي جاء به نبي الإسلام، مُحَمَّد بن عبد الله، خاتمة أنبياء ورسل الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، فهو معتقد كفر، يتناقض مع الإسلام كل المناقضة، وهو قبل ذلك يتناقض مع العقل.

 

ومن ناحية أخرى فإن قتل الإنسان لنفسه منهي عنه، إلا في إطار عملية استشهادية مشروعة، أو قتل غيره، إلا في جهاد مشروع، أو في حالة المدافعة للصائل المعتدي الذي لا يندفع شره وعدوانه إلا بالقتل، أو في عقوبة شرعية بعد حكم قضائي معتبر.

وأي قتل سوى ذلك هو إما:

(1)- فاحشة منكرة، بل ظلم واعتداء على حق المخلوق، وملكية الخالق، فهو حرام لهذه الاعتبارات، كما هو بين من الآية الكريمة.

(2)- أو قولا على الله بغير علم في حالة من قتل نفسه أو قتل غيره لمحض التقرب إلى الله، كما تذبح الأضاحي والهدي والقرابين ونحوه، لأن الله، تقدست أسماؤه، نسخ ذلك الأمر الذي أمر به إبراهيم، وفدى إسماعيل بذبح عظيم. ثم لم يأمر بشيء من ذلك في الشرائع اللاحقة، لا لأنه، جل وعلا، ليس أهلاً أن يتقرب إليه بالقرابين البشرية، بل تفضلاً منه ورحمة، وتلطفاً ورفقاً: لا إله إلا هو، ما أكرمه وأرحمه!

 

فمن فعل ذلك فقد ارتكب حراماً بقوله على الله بغير علم، وهو مبتدع في الدين، إذ جعل فعله قربة إلى الله، مع أن الله جل جلاله لم يجعله قربة مشروعة، وهذا أحد، بل أهم اعتبارات التحريم، كما هو بين من الآية الكريمة.

 

حزب التجديد الإسلامي 2016