كتاب التوحيد - الباب الثاني: ماهيّة الوحي و(الذِّكْر المُنَزَّل)

الفهرس

 

القسم الأول: أصول الدين وقواعده

الباب الثاني: ماهيّة الوحي و(الذِّكْر المُنَزَّل)

فصل: الوحي هو القرآن والسّنّة

فصل: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾

فصل: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ﴾

فصل: أنواع الوحي الإلاهي

فصل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

فصل: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى﴾

فصل: محمد، رسول ألله ﴿أسوة حسنة﴾، هكذا مطلقاً، من غير قيد أو شرط

فصل: تحرير معنى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾

فصل: هل يفعل النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، ما نَهَى عنه ناسياً؟!

فصل: محمّد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾

فصل: استقلال السنة بالتشريع

فصل: البرهنة على أن (الحكمة) و(الذِّكر) تنزيل آخر، غير نص القرآن

فصل: معاني لفظة (الذّكر)

فصل: شهادة السنّة على نفسها بالحجيّة

فصل: تلخيص لبعض ما يجوز على الأنبياء، وما لا يجوز عليهم

فصل: هل يجوز أن ينخدع النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بشهادة كاذب؟!

فصل: هل سكوت النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعدم تعقيبه على ما يقال في حضرته تصديق لمقولة القائل؟!

فصل: الذّكر، ليس هو فقط القرآن، بل السنّة ذكر أيضاً

فصل: الذّكر، قرآناً وسنّة، محفوظ

فصل ملحق: لمحة خاطفة عن تدوين السنّة

فصل ملحق: عوقبوا بما صنعوا يوم بدر


 

الباب الثاني: ماهيّة الوحي و(الذِّكْر المُنَزَّل)

 

فصل: الوحي هو القرآن والسّنّة

قد يظنّ بعض النّاس أنّ الوحي هو القرآن فقط، وهذا خطأ فادح، وغلط جسيم، بل ضلال كبير يؤول، لا محالة، إلى الكفر والخروج من الإسلام. والحقّ أنّ الوحي نوعان:

النّوع الأوّل: وحي لفظيّ متلوّ، هو القرآن العظيم في هذه الرّسالة الخاتمة، وما كتبه الربّ، جلّ جلاله، في الألواح لموسى، وغير ذلك من الكتب والصّحف الأولى، وهو الأقلّ، وبعضه قد يكون معجزاً بلفظه كالقرآن العظيم، والبعض الآخر ليس كذلك، وبعضه قد يكون متعبّداً بتلاوته، كالقرآن العظيم، وبعضه ليس بالضّرورة كذلك، وبعضه تكفّل الله بحفظه، كالقرآن العظيم، وبعضه اسْتُحْفِظه النّبيّون والربّانيّون والأحبار، كصحف موسى، وبعضه ما زال بأيدينا، كالقرآن العظيم، وبعضه ضاع ولم يصلنا منه شيء كصحف إبراهيم، وهكذا.

 

والنّوع الآخر: وهو الأعمّ، والأكثر مقداراً وعدداً: وحي بالمعنى، وليس ضرورة باللّفظ، غير متلو، وهو، في هذه الرسالة الخاتمة، السّنّة النّبويّة الشّريفة: قولاً، بما في ذلك الأحاديث القدسيّة، وإشارة وفعلاً وتقريراً، وأكثر الكتب الأولى (أسفار العهد القديم والعهد الجديد) ما هي إلاّ من هذا النّوع: أقوال الأنبياء، وأفعالهم، وأقاريرهم، وسيرتهم، وأحوال شعوبهم زمن النّبوّة. فأسفار العهد القديم والعهد الجديد أشبه بكتب السّيرة والسّنن عند المسلمين، بما في ذلك الأحاديث القدسيّة، وليست هي شبيهة بالقرآن العظيم، باستثناء فقرات قليلة، وقطع محدودة.

 

فأما القرآن المجيد فهو كلام الله المنزّل على سيّدنا محمّد، صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، بعين لفظه وأحرفه، كما هو مكتوب في المصاحف بين الدفّتين، محفوظ في الصّدور، متلوٌّ بالألسنة، مسجّل في الأشرطة، وغيرها من وسائل الحفظ والنّقل. والقرآن العظيم كذلك معجز بلفظه، متعبّد بتلاوته. وهو منقول عنه، صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، كتابة ومشافهة، نقل تواتر، نقل الكافّة عن الكافّة، المفيّد للعلم القطعي الضّروري للنّاس جميعاً، مسلمهم وكافرهم، بأنّه هكذا بعينه، كلمةً كلمةً، وحرفاً حرفاً، وحركة حركةً، الذّي جاء به محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب الهاشمي القرشي العدناني العربي، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله.

 

وأما السّنّة النّبويّة، التّي هي أقوال النّبي، صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، ومنها الإشارة، وأفعاله وتقريراته، فهي كذلك وحي من الله تعالى بالمعنى، عبّر عنه رسول الله، صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، بألفاظه هو أو (إشارته: القائمة مقام اللّفظ)؛ وكذلك بفعله، لأن الله عصمه عن فعل قبيح؛ أو بإقراره، أي بسكوته على أمر مَّا، إذا رآه أو بلغه خبره، سكوتاً يدلّ على الإقرار أو الرّضا، كما سنبرهن عليه ونفصّله فوراً، إن شاء الله.

 

وإذا أردنا الاحتياط التّام، والدّقّة المتناهية، فالواجب أن نقول: (أنّ السنّة النّبويّة ليست هي بعينها وحي من الله، وإنما هي صياغة وتعبير نبوي معصوم عن وحي جاءه من الله)، فليست هي (عين وحي الله)، بخلاف القرآن المتلوّ. وإذا تساهلنا في التّعبير بعد الآن فقلنا مثلاً: أن السّنّة النّبويّة وحي من الله أيضاً، اختصاراً للكلام، واعتماداً على فطنة القارئ الكريم، فالمقصود هو هذا التّعريف الدّقيق الذي أسلفنا، وبالله التّوفيق.

 

فأمّا قول الأنبياء البلاغي عن الله، القطعي الدّلالة على كونه بلاغاً من عند الله على وجه التكليف والإلزام، على النّحو الذي لا يحتمل التّأويل، فذلك يستحيل أن يكون خطأً أو كذباً، فوراً وللوهلة الأولى، بالضّرورة العقليّة الموجبة لـ(عصمة الأنبياء في التّبليغ عن الله على وجه التكليف والإلزام)، وإلاّ فقدت النّبوّة معناها، بل يصبح عدمها خيراً من وجودها. ولا يجوز أن يكون خطأً أو سهواً لاستحالة تصحيحه، لأنّ التّصحيح يقبل الطّعن فيه باحتمال الخطأ والسّهو في هذا التّصحيح نفسه، وهكذا يتسلسل الأمر إلى غير حد، ولا نهاية، فلا تقوم لله حجة على عباده، وهذا محال لأن لله الحجة البالغة القاطعة ولا بد: لا يغالبه غالب، ولا يفلت منه هارب؛ ومحال أن يستحق العباد من الله الذم أو العقوبة في الدنيا أو الآخرة أو كليهما إلا بعد قيام الحجة اليقينية، القاطعة للعذر، التي لا حيلة في دفعها، على وجود التكليف والإلزام، وإلا كان الله ظالماً، تعالى وتقدس عن ذلك، فهو الذي حرم الظلم على نفسه أزلاً وأبداً: فتفقد النّبوّة معناها، وتصبح لغواً وعبثاً، وتنهار العصمة، حاشا لله، ثم حاشا لله.

 

ومن أمثلة (البلاغ على وجه التكليف والإلزام): قوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (هذا اللّفظ قرآن منزّل من عند الله لتصدقوا خبره، وتعملوا بأوامر ونواهيه، وليس هو من كلامي)، وكقول موسى: (هذه الألواح كتبها الله فيها أمركم ونهيكم)، وكقول أي نبيّ من الأنبياء: إنّ الله فرض كذا، وحرّم كيت، وأنّ الله أعدّ النار لمن فعل كيت وكيت، أو أن الله أوحى إليَّ أن أبلّغكم كذا وكذا؛

 

لذلك وجب أن تكون الأقوال النّبويّة (البلاغيّة عن الله)، أي المُصرِّحةُ بالبلاغ عن الله تصريحا قطعي الدلالة على كونها بلاغاً، تصريحاً مباشراً لا يحتمل الشّك في كونها من عند الله: كقول النبي: (هكذا قال الله)، أو قوله: (هذه فريضة ربكم)؛ صدقاً وحقاً، لا خطأ فيها، ولا نسيان يتطرّق إليها، من الوهلة الأولى فوراً، ومن غير قيد أو شرط مطلقاً، بالضّرورة العقلية المفاهيمية المطلقة.

 

وعلى كل حال فإن ضرورة العقل توجب بالنسبة لمن نصبه الله نبياً، ولو على وجه المنة والاصطفاء، ولم يكلف ببلاغ، أو إيصال رسالة، أنه لا بد أن يكون عالماً علم يقين، لا يتزعزع، أنه نبي، وأن الله اصطنعه لنفسه واصطفاه ونصبه نبياً؛ وكذلك أن الذي اصطفاه هو (الله)، الذي لا إله إلا هو، الواحد الأحد، الحي القيوم، فاطر السموات والأرض، رب العالمين: فعال لما يريد، وهو على كل شيء قدير، يخلق ما يشاء ويختار، وهو بكل شيء عليم؛ وذلك بإعلام الله له بذلك؛ وإلا لكان ذلك من الله بمثابة كأنه يقول: (نبأتك ولم أنبؤك)، أو كأنه يقول: (نبأتك ولا أعلمك من أنا)؛ وهذا كله تناقض وتخليط وجنون، يتنزه عنه عقلاء البشر، فكيف برب العالمين؟!

 

وكذلك هو الحال، من باب أولى، بالنسبة للنبي المكلف بالتّبليغ عن الله على وجه التكليف والإلزام فإنه لا يتصور أن يعرف بنفسه إلى من أمر بإبلاغهم إلا بهذه الصفة، كأن يقول، مثلاً: (أنا نبي من أنبياء الله، وهو قد أمرني أن أخبركم بكيت وكذا)، أو كلاما نحو هذا مختصراً أو مطولاً، فلا يمكن أن يقدم نفسه على أنه مجرد فيلسوف أو مفكر أو ناصح. فمن المحال الممتنع إذاً إلا أن يكون صادقاً في نظر نفسه، كما هو صادق في حقيقة الأمر؛ أو بلفظ آخر: من المحال الممتنع أن لا يكون عالماً علم يقين، لا يتزعزع، أنه نبي؛ وأنه مكلف بإبلاغ قوم كذا وكذا بكيت وكيت؛ وأن الذي نبأه وكلَّفه بالبلاغ هو (الله)، الذي لا إله إلا هو، الواحد الأحد، الحي القيوم، فاطر السموات والأرض، رب العالمين، فعال لما يريد، وهو على كل شيء قدير، يخلق ما يشاء ويختار، وهو بكل شيء عليم.

 

وهذا اليقين الذي لا يتزعزع هو صنف من أصناف الحالة الأولى من أحوال النفس المتيقِّنة التي ذكرها الإمام الغزالي في المستصفى (ص: 35): [أما اليقين فشرحه: أن النفس إذا أذعنت للتصديق بقضية من القضايا وسكنت إليها فلها ثلاثة أحوال:

أحدها: أن يتيقن ويقطع به؛ وينضاف إليه قطع ثان: وهو أن يقطع بأن قطعها به صحيح ويتيقن بأن يقينها فيه لا يمكن أن يكون به سهو ولا غلط ولا التباس فلا يجوز الغلط في يقينها الأول ولا في يقينها الثاني ويكون صحة يقينها الثاني كصحة يقينها الأول بل تكون مطمئنة آمنة من الخطأ بل حيث لو حكى لها عن نبي من الأنبياء أنه أقام معجزة وادعى ما يناقضها فلا تتوقف في تكذيب الناقل بل تقطع بأنه كاذب أو تقطع بأن القائل ليس بنبي وأن ما ظن من معجزة فهي مخرقة؛ وبالجملة فلا يؤثر هذا في تشكيكها بل تضحك من قائله وناقله. وإن خطر ببالها إمكان أن يكون الله قد أطلع نبيا على سر به انكشف له نقيض اعتقادها فليس اعتقادها يقينا مثاله قولنا الثلاثة أقل من الستة وشخص واحد لا يكون في مكانين والشيء الواحد لا يكون قديما حادثا موجودا معدوما ساكنا متحركا في حالة واحدة.

 الحالة الثانية: أن تصدق بها تصديقا جزما لا تتمارى فيه ولا تشعر بنقيضها البتة ولو أشعرت بنقيضها تعسر إذعانها للإصغاء إليه ولكنها لو ثبتت وأصغت وحكى لها نقيض معتقدها عمن هو أعلم الناس عندها كنبي أو صديق أورث ذلك فيها توقفا. ولنسم هذا الجنس اعتقادا جازما وهو أكثر اعتقادات عوام المسلمين واليهود والنصارى في معتقداتهم وأديانهم بل اعتقاد أكثر المتكلمين في نصرة مذاهبهم بطريق الأدلة فإنهم قبلوا المذهب والدليل جميعا بحسن الظن في الصبا فوقع عليه نشؤهم فإن المستقل بالنظر الذي يستوي ميله في نظره إلى الكفر والإسلام عزيز.

 الحالة الثالثة: أن يكون لها سكون إلى الشيء والتصديق به وهي تشعر بنقيضه أو لا تشعر لكن لو أشعرت به لم ينفر طبعها عن قبوله وهذا يسمى ظنا وله درجات في الميل إلى الزيادة والنقصان لا تحصى فمن سمع من عدل شيئا سكنت إليه نفسه فإن انضاف إليه ثان زاد السكون وإن انضاف إليه ثالث زاد السكون والقوة فإن انضافت إليه تجربة لصدقهم على الخصوص زادت القوة فإن انضافت إليه قرينة كما إذا أخبروا عن أمر مخوف وقد اصفرت وجوههم واضطربت أحوالهم زاد الظن وهكذا لا يزال يترقى قليلا، قليلا إلى أن ينقلب الظن علما عند الانتهاء إلى حد التواتر. والمحدثون يسمون أكثر هذه الأحوال علما ويقينا حتى يطلقوا القول بأن الأخبار التي تشتمل عليها الصحاح توجب العلم والعمل وكافة الخلق إلا آحاد المحققين يسمون الحالة الثانية يقينا ولا يميزون بين الحالة الثانية والأولى والحق أن اليقين هو الأول والثاني مظنة الغلط فإذا ألفت برهانا من مقدمات يقينية على الذوق الأول وراعيت صورة تأليفه على الشروط الماضية فالنتيجة ضرورية يقينية يجوز الثقة بها هذا بيان نفس اليقين]، انتهى نص الإمام الغزالي، وحري بالقارئ أن يراجعه مراراً، وتكراراً.

 

ولا نبالي كيف ينشأ هذا العلم اليقيني الجازم في نفس النبي:

(1)- فقد يخلق الله في نفسه مباشرة يقينا جازماً بحيث لا يجد النبي في نفسه قدرة على تكذيب ذلك؛ والنبي في نفس الوقت إنسان راشد عاقل يعلم أن نبوته، أو نبوة غيره، ليست ضرورة عقلية بديهية، تعلم على الفور بالاضطرار (كالعلم الضروري البديهي أن الموجود المعين إما أن يكون واجباً أو ممكنا، ومحال أن يجتمع هذان النقيضان فيكون واجباً ممكناً في آن واحد، ومحال أن يرتفعا فلا يكون واجباً ولا ممكناً): فالضرورة التي يجدها في نفسه إذاً أمر خارق للعادة، حتماً ولا بد، فلا يمكن إلا أن تكون من إيجاد كائن فاعلِ بالاختيار، كلي القدرة، فوق الطبيعة، أي من الله عز وجل؛

(2)- أو بإجراء معجزة خارقة للطبيعة على يديه، أو أمامه؛ وهو يعلم بالضرورة الحسية والوجدان الباطني أنها ليست من فعل نفسه، ولا من مقدوراتها، وبالبرهان العقلي السليم أنها خارقة للطبيعة، فلا يمكن إلا أن تكون من إيجاد كائن فاعلِ بالاختيار، كلي القدرة، ، فوق الطبيعة، أي من الله عز وجل: وهذا هو الذي وقع لموسى، صلوات الله وسلامه عليه، عندما نودي في البقعة المباركة من الشجرة المشتعلة، ولكنها لا تحترق؛

(3)- وبالبرهان العقلي السليم من غير معجزة مادية، وهذا هو أرقى الأنواع، وهو الذي وقع لنبينا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بعد مقابلته لجبريل في غار حراء، فقد أدرك بضرورة الحس والتجربة الباطنية، وتجاربه ومعلوماته السابقة، أنه لم يكن متخيلاً أو حالماً، وأيقن أنه التقى بكائن روحاني، وحفظ ما قاله الكائن، ولكنه لم يتصور أنه أهل لنبوة، أو مصطفى لرسالة: فخشي أن يكون زائر الغار كائن شيطاني. حتى عرضته خديجة، رضوان الله وسلامه عليها، على ورقة بن نوفل، رضي الله عنه، وهو من علماء الكتب القديمة. وورقة بن نوفل، رضي الله عنه، يعرف محمداً جيداً منذ طفولته، ويعلم يقيناً أن محمداً أمي، كعامة أهل مكة، لم يقرأ الكتب القديمة، ولا جالس أحداً من أحبارها، ولم يسبق له الاهتمام بذلك أصلاً، وما سبق له قط أن سأل ورقة، أو غيره، عن شيء من تلك الكتب، ولا علم له بما فيها: فأدرك ورقة بن نوفل، رضي الله عنه، على الفور أن الزائر، الذي جاء بتلك الطريقة العنيفة، هو قطعاً جبريل، صلوات الله عليه، الذي كان يأتي الأنبياء السابقين، وخاصة دانيال، صلوات الله عليه، بنفس الشدة والعنف؛ فأيقن وآمن هو فوراً، واندفعت جميع الشكوك والمخاوف التي انتابت النبي، صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم. ثم توالت بعد ذلك الآيات المعرفية (كالقرآن)، والخوارق المادية، وهي لا تعد ولا تحصى.

 

وبهذا نكون قد أتممنا البرهنة على ما ذكرنا مرسلاً – من غير برهان – في باب سابق حيث زعمنا أنه إذا تلفّظ النّبي، صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، بما يفيد أنه يظنّ شيئاً، علمنا أن هذا قطعاً من عند نفسه، بموجب الطبّيعة البشريّة، فلا يكون حجّة، لأن الظّن لا يغني من الحقِّ شيئاً، ولأنّه بشر يخطئ ويصيب، بصفته البشرية، بخلاف الحقّ، الذي هو صوابٌ أبداً؛ وكذلك إذا هم بفعل وتردد ولم يفعل لأن (الهم والتردد) في الأفعال كـ(الظن) في الأقوال والآراء، سواء بسواء؛ وهذا، أيضاً، هو الحال تماماً في ما قام الدليل القاطع على أنه ليس من الوحي، وإنما هو من عند نفسه: كقبوله أو رفضه لشهادة المتخاصمين في مجلس القضاء، أو بلاغات المخبرين، وسيأتي مزيد تفصيل لهذا في موضعه في باب يأتي، بإذن الله.

 

وظهر أيضاً بيقين عدم وجود عذر لأولئك الذين تركوا (تأبير النخل)، الذي علموا فائدته علم يقين من التجربة، لظنّ مجرّد، لأن اليقين لا يزول بالظّن، حتى ولو كان ظنًّا من رسول الله الخاتم، لأن الوحي إنّما يأتي بالعلم اليقيني والحقّ القطعي الثّابت من عند الله، الذي تقوم به الحجة القاطعة على من بلغه. ومن المحال الممتنع أن يبلغه النبي المأمور بالبلاغ إلا وهو – أي النبي – قد علِمَ، قبل ذلك، عِلْم يقين لا يتزعزع أنه وحي من الله؛ وفهم المعنى فهما محكماً صحيحا لا يتطرق إليه اشتباه، وأدرك المقصود إدراكاً يقينياً معصوماً لا يشوبه شك.

 

وأما البلاغ على وجه المنة والإعلام فلا يلزم بالضرورة العقلية أن يكون معصوماً، لأنه لا يترتب عليه حساب أو عقاب، وإن كان الأصل فيه أنه حق وصدق، مثال ذلك: إخبار يوسف، صلوات الله عليه، لملك مصر بتأويل رؤياه العجيبة، هذا طبعاً فقط إذا سلمنا بأمور، منها:

أولاً: أن يوسف، صلوات الله عليه، لم يكن قد نبيء بعد، أو كان فقط قد اصطفي نبياً في خاصة نفسه، حينئذ، ولم يرسل بعد أو يؤمر ببلاغ،

وثانياً: أن تأويله للرؤيا كان بوحي، وليس باجتهاد.

 

 

فصل: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾:

ولكن ماذا عن أقوال النّبيّ غير الصّريحة في البلاغ عن الله، كقوله: «مهر البغيّ خبيث»، وقوله: «الحجّ عرفة»، ونحوه مما لا يحصى، وإشارته، وأفعاله، وأقاريره؟! هل هي تعبير عن وحي معصوم من الله؟! أم هي مجرّد اجتهاد، ووجهة نظر للنّبيّ، وتعبير عن ذوقه وميله؟!

 

الحقّ أنّ كلّ ذلك، بالنّسبة لنبينا محمّد، صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، في أقلّ تقدير، وربما كذلك للأنبياء السّابقين، وحي معصوم من عند الله، لا يتطرّق إليه كذب، أو خطأ، أو نسيان، بالأدلّة اليقينيّة التّالية:

* قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5)﴾، (النّجم؛ 53: 1 - 5). ونحن نعلم ضرورة أنّه، صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، قد نطق بأشياء كثيرة جدًّا، لا تكاد تحصى، من أمور الدّين، سوى القرآن، فلو لم يكن ذلك وحي من الله كذلك، لكان القرآن كاذباً في هذه المقولة، ولوجب ضرورة أن يكون من عند غير الله، وهذا خلاف ما فرضناه من ثبوت النّبوّة، وقيام قواطع الأدلّة عليها (كما سيأتي في موضعه) المتضمنّة كون القرآن حينئذ ضرورة من عند الله، أو لكان الله كاذباً في هذه الآية من القرآن، وهذا محال لا يجوز على الله، تبارك الله وتقّدس وتعالى عن ذلك علوًّا كبيراً!!

 

وقد يقول قائل: إنّما عنى القرآن فقط بلفظة «ينطق»، لا غير!

فنقول: كذبت وأفِكت، ليست هذه لغة العرب، فالقرآن «يتلى». والعرب تقول: «تلى» محمّد القرآن، و«جاء» محمّد بالقرآن، و«نزل» القرآن على محمّد، وما سمعناها تقول قط: نطق محمّد «قرآناً». والنّطق هو مطلق الكلام والتحدُّث، وقول الفلاسفة في تعريف الإنسان: (الإنسان: حيوان ناطق)، إي متّصف بـ(النُّاطقيّة)، وهي القدرة على الكلام والحديث.

 

وهذا هو كذلك الحقّ اليقينيّ بشهادة القرآن نفسه، وخير ما يفسّر به القرآن: القرآن نفسه، وكفى بالقرآن شهيداً. وذلك في مثل قوله، تباركت أسماؤه: ﴿قَالَ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ﴾، (الأنبياء؛ 21: 63)، أي يتكلّمون، ولا علاقة لهذا النّطق بالقرآن، أو بكلام الله: لا تلاوة ولا ترتيلاً ولا علماً. وقوله: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ، (الذاريات؛ 51: 23)، أي تتكلّمون أو تقدرون على الكلام، كما هو معلوم لكم بالإدراك والاستبطان الحسّي المباشر، معشر المخاطَبين المعاندين.

 

وكذلك قوله، جلّ جلاله، رواية لكلام سليمان، صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شيء إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾، (النّمل؛ 16: 27). أي (لغة الطّير)، وكيفيّة تعبيرها عن نفسها، وليس هذا من جنس (منطق) البشر أصلاً، ولا علاقة له بالقرآن، أو بكلام الله، مطلقاً. وقوله، جلّ جلاله، وسمى مقامه: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شيء وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، (فصّلت؛ 41: 21) وغير ذلك في مواضع عدّة من القرآن بمعنًى واحد فقط، وهو: الكلام والتّحدث، فقط لا غير.

على أنَّ السّياق يبطل قولكم، فلو كان المقصود هو القرآن فقط لكان الأصحّ والأفصح أن يقول: (تلى عليه، أو تلاه، شديد القوى)، أو كلاماً مثل هذا، لأنّ القرآن نصّ لفظيّ يتلى بعينه، ويلقّن، ولما قال: ﴿علَّمه شديد القوى﴾.

 

نعم: لا شكّ أنّ النّبي، صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، قد عُلِّم القرآن قطعاً، ولا جدال، وهذا أزيد من مجرّد تلقّي لفظ القرآن حروفاً وأصواتاً فقط. على أنّ لفظة (علّمه) أعمّ من أن تُقال فقط علّمه القرآن. فهو، صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، بأبي هو وأمّي، قد عُلِّم القرآن، وعُلّم أشياء أخرى كثيرة غير القرآن، ومن زعم غير ذلك فعليه البرهان!

 

ثمّ من أين لكم أن تحكموا أن لفظة «قرآن» لا تعني فقط سورة البقرة وآل عمران، وآية كيت وكيت، أو فقط آيات الأحكام، وليس كل ما هو بين الدّفتين في المصحف المعروف؟! فإن جاز أن تكون لفظة «ينطق» إنّما تعني «يتلو قرآناً» فقط، وليست هي على عمومها وإطلاقها، كما تُوجبه اللّغة العربيّة ضرورةً، هكذا تحكُّماً من غير برهان، فجوِّزوا كذلك أن تكون لفظة «قرآن» ليست هي على إطلاقها وعمومها لكل ما بين الدّفتين، وإلاّ فأنتم كاذبون متناقضون، متحكّمون بالهوى والباطل.

 

* وقال، جلّ مِن قائل: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاء إِذَا مَا يُنذَرُونَ﴾، (الأنبياء؛ 21: 45)، وهذه صيغة حَصْرٍ، يعني لا أُنذركم إلاّ بالوحي، لا غير، وقد كان صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم يُنذر بكلام كثير من لفظه، أي من غير القرآن، ويتوعّد بالنّار على ذنوب مختلفة، ويحذّر من ترك واجبات كثيرة، ويسنّ شرائع مختلفة، إلى غير ذلك من أنواع البلاغ والنّذارة. فإن لم يكن ذلك نوع من الوحي من عند الله، لكان القرآن أيضاً كاذباً في هذه المقولة ولوجب، ضرورة، أن يكون من عند غير الله، وهذا خلاف ما فرضناه من ثبوت النّبوّة، وقيام قواطع الأدلّة عليها (كما سيأتي في موضعه) المتضمّنة كون القرآن، حينئذ، ضرورةً من عند الله، أو لكان الله كاذباً في هذه الآية من القرآن، وهذا محال لا يجوز على الله، تبارك الله وتعالى عن ذلك علوًّا كبيراً!!

 

ومن زعم أن الوحي ها هنا إنما هو القرآن فقط فقد أفك وكذب، وصادر على المطلوب، وكابر في المعلوم ضرورة من السيرة والتاريخ. بل هو مكذّب للقرآن نفسه الذي سمّى، مثلاً، ما أُلْقِيَ في نفس أم موسى، صلوات الله وسلامه عليها وعلى ولدها، وحياً، ونحن نعلم ضرورة أنه لم يكن قرآناً، ولا من جنسه أو لغته أصلاً. وسوف نتكلّم قريباً عن (الوحي) وأصنافه، إن شاء الله، تبارك وتعالى.

وهو، مع ذلك، قد نسب العيّ والعجز عن التّعبير الصّحيح إلى الله، تباركت أسماؤه. فهل في العالم أيسر من جملة: (إنّما أنذركم بالقرآن) أو (إنّما أنذركم بالكتاب)؟! فلمّا لم تأت الآية هكذا، أيقنّا بكذب وتناقض من زعم أن المقصود بلفظة «الوحي» ها هنا هو «القرآن» فقط، لا غير، لا سيما أنّه، جلّ جلاله، وسما مقامه يقول: ﴿قُلْ: أَيُّ شيء أَكْبَرُ شَهَادَةً؟! قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ، أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى؟! قُلْ: لا أَشْهَدُ، قُلْ: إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، (الأنعام؛ 6: 19)، فنصّ هاهنا صراحةً على القرآن، وأنّ بعض مقاصد تنزيله هو النّذارة، في صيغة لا تفيد الحصر، فللقرآن مقاصد أخرى، غير النّذارة، كالبشارة، والتّذكير، والحثّ على التّفكير والتعقّل، والخبر الصادق عن الله، والتّشريع، وغير ذلك كثير.

 

وكذلك النّذارة منها القرآن، وقد تكون بغير القرآن، فما زال خطباء الجمعة ينذرون ويحذّرون بكلامهم، وكذلك الشّعراء بشعرهم، وهذا إنذار باجتهاد علماء، وشعر شعراء، وليس بالوحي، وربما كان مستنبطاً من الوحي، وربما كان الاستنباط صحيحاً أو خطأً، وفوق ذلك وقبله: نبيّ الله الخاتم بالوحي، كما هو في الآية الكريمة موضع درسنا: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاء إِذَا مَا يُنذَرُونَ﴾، (الأنبياء؛ 21: 45)!

 

فصل: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ﴾:

* قال، تباركت أسماؤُه: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ؛ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾، (النّساء؛ 4: 80)، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ؛ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً﴾، (النّساء؛ 4: 64)، وغيرها آيات كثيرة أمر فيها ربّ العزّة، تباركت أسماؤه، بطاعة النّبي، صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، طاعة مطلقة من غير قيد أو شرط؛ وجعل طاعة الرسول شرطاً للهداية، ومعصيته مفضية إلى الضّلالة، مع آيات أخرى تَوَعَّد فيه من يعصيه أو يعصي رسله، على حدّ سواء ولا فرق، بنار جهنّم خالدين فيها أبداً، كما هو مثلاً:

ــ في قوله، تباركت أسماؤه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾، (النساء؛ 4: 14)،

ــ وقوله: ﴿إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ؛ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً، (الجـنّ؛ 72: 23)،

ــ وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ؛ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً، (الفتح؛ 48: 17)،

ــ وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ؛ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً، (الأحزاب؛ 33: 36)،

ــ وقوله: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ؛ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً، (الأحزاب؛ 33: 71).

ــ وقوله: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ، وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا، وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾، (النّور؛ 24: 54).

ــ وقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾، (المائدة؛ 5: 92)

ــ وقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾، (التّغابن؛ 64: 12).

ــ وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ، (محمد؛ 47: 33).

ــ وجعل تبارك وتعالى نفسه ورسوله المرجع المطلق عند النّزاع، بخلاف أولي الأمر، الذين تحصل منازعتهم، وتجوز مراجعتهم، فقضى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شيء فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾، (النّساء؛ 4: 59).

ــ بل ها هو ربّنا، تباركت أسماؤه، يفرد طاعة الرّسول بنفسها، من غير ذكر نفسه المقدّسة أصلاً، ويجعلها شرطاً للأمل في الرّحمة: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، (النّور؛ 24: 56).

ــ كما أكّد كلّ ذلك بأن جعل، جلّ ذكره، اتّباع النّبي شرطاً لحصول محبّته، التي هي أعلى الأماني، والإعراض عن اتّباع الرسول، والتّولي عن طاعته، من أصناف الكفر، فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ، (آل عمران؛ 3: 32).

ــ ثمّ زاد هذا بياناً بقوله، تعالى ذكره: ﴿ومَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؛ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾، (النور؛ 24: 52)، فجعل الخشية والّتقوى لله وحده، أما الطّاعة فهي لله ورسوله، وقد تمّ عطف لفظ «الرّسول» على لفظ «الجلالة» على نحو يشعر بتساوي المرتبة فيما يتعلّق بوجوب الطّاعة فقط، مع التباين المطلق بين الله، الحيّ القيوم، (واجب الوجود)، الأوّل الأزلي القديم بغير ابتداء، والآخِرُ الحيّ الباقي بغير موت أو فناء أو انتهاء، بينه وبين الرّسول، المخلوق (ممكن الوجود) الحادث الفاني.

 

كما أنكر جلّ جلاله، وسما مقامه، على من أراد أن يفرّق بين الله ورسله، أو من حاول المراوغة بادّعاء الإيمان ببعض والكفر ببعض، وأغلق في وجهه أبواب الفرار، حيث قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً﴾، (النّساء؛ 4: 150 ــ 151).

فبيّن، جلّ وعلا، أنّ طاعة الرّسل إنّما هي بإذن الله، وأنّها طاعةٌ لله، بل هي مُطابقة لطّاعة الله، وأنّها في نفس المرتبة، مرتبة طاعة الله، كما هو بيِّن عطف لفظ «الرسول» على لفظ «الجلالة» على نحو يشعر بتساوي المرتبة في الحجيّة والإلزام.

 

وزاد ذلك بياناً وتأكيداً إذ أكَّد ربّ العزّة، جلّ جلاله وسما مقامه، أنّه لا يقبل بتاتاً التّفرقة بينه وبين رسله، لأنّهم منفردون بالبلاغ عن الله، معصومون بعصمة الله، فكلّ محاولات «دقّ الإسفين» بين الله وأحدٍ من رسله فاشلة لا محالة، وهي كفر بحقّ، مفضي بصاحبه إلى الخسارة واللّعنة الأبدية، والعذاب المهين في النّار السرمدية!

 

ومعلوم بضرورة الحسّ، والعقل، والشّرع: أن الرّسول مخلوق لله، وأن ذاته مغايرة لذات الله: فليس هو عين الله، ولا ذاته ذات الله، ولا إرادته إرادة الله في أصل التّكوين، أو في مراتب الوجود، فلزم ضرورة أن تكون سنّته تبليغاً معصوماً عن الله، أي وحياً يقينياً بالمعنى، أو ربما باللّفظ، من الله، على أن نستحضر دوماً: أن السنّة النّبوية ليست هي بعينها ــ أي: بعين ألفاظها ــ وحي من الله، وإنّما هي صياغة وتعبير نبويّ معصوم عن وحي جاء من الله.

 

ولو جاز أن يكون شيء من ذلك من ذات النّبي، من غير وحي معصوم من الله، لفقدت الرّسالة معناها، وبطل الاحتجاج بها، ولم تقم لله على عباده حجّة، ولا لزمتهم منه شريعة، خلافاً لنصوص القرآن الأخرى المتضافرة، فيتناقض القرآن، ويكون من عند غير الله، حاشا لله، ثم حاشا لله، وهذا خلاف ما فرضناه من ثبوت النّبوّة، وقيام قواطع الأدلّة عليها (كما سيأتي في موضعه) المتضمّنة كون القرآن، حينئذ، ضرورة من عند الله، أو لكان الله كاذباً في هذه الآية من القرآن، وهذا محال لا يجوز على الله، تبارك الله وتعالى عن ذلك عُلوًّا كبيراً!!

 

فصل: أنواع الوحي الإلاهي:

وقد يقول قائل: لعلّ النّبي المرسل إنّما أمر بذلك الأمر المُعيّن أو نهى عنه بموجب ما فطر عليه، أو تركّب منه بدنه، من الخصائص الضّرورية، والمعطيات الوراثية؟!

فنقول: فكان ماذا؟! هذا وحي أيضاً، لأنّه ما كان سيكون على هذه الصّفة المخصوصة بحيث لا يقبل ذوقه، ولا يطمئن عقله إلاّ إلى مراد الله الحقيقي، كما هو معلوم على حقيقته في «علم» الله، إلا بعلم سابق، وترتيب مقدّر، وخلق بإرادة الله، وفق مشيئة الله، تشكّل في بنية النبي بالتّقدير التّكويني القدري، الذي جاء، في هذه الحالة المخصوصة، لذلك الإنسان المخصوص، موافقاً لمراد الله الدّيني التّشريعي من بعثة هذا النّبي المرسل، بحيث يكون النّبي المرسل جاهزاً للتبليغ بلاغاً معصوماً عن مراد الله.

 

ولا يقولنّ قائل: لا تجوز تسمية هذا ومثله وحياً؟!

فنقول: كذبْت وأَفِكْت، هكذا سمَّاه الله جلّ جلاله عندما قال: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾، (النحل؛ 16: 68)، وبالضّرورة نعلم أن ذلك الوحي إنّما هو بجعل الله لصفات النّحل، كما هي مغروسة في المورِّثات والصّبغيات، على نحو معيّن ترتّب عليه أنّها تتّخذ من الجبال والشّجر والمعروشات بيوتاً بكيفيّة معيّنة، وذلك بالقطع ليس قرآنا يتلى، ولا حصل بنزول ملك، أو رؤية في منام، أو نفث في الروع.

 

فالوحي الإلاهي إذاً أنواع كثيرة: بداية بما هو مغروس في المورِّثات في أصل الخِلقة وتكوينها، وصعوداً إلى هذا القرآن المجيد الذي هو الكلام الإلاهي المنزّل بلفظه وأحرفه، المعجز في نظمه، المتعبّد بتلاوته. وبينهما أنواع كثيرة: النّفث في الرّوْع، وحصول علم ضروري في النّفس من غير تعلّم، والرّؤيا الصّادقة، وتمثّل الرسول الملائكي للرسول البشري ومخاطبته له مشافهة، ونزول صحف وألواح مكتوبة من السّماء مباشرة، وغير ذلك ممّا شاء الله من الأنواع. كل ذلك وحي، وكل ذلك معصوم في حقّ الأنبياء المرسلين، لا يتطرّق إليه كذب، أو خطأ أو نسيان، وإلاّ لما كان للنّبوّة معنى، ولما وجد فرق بين النّبيّ المرسل والعالم المجتهد.

 

فصل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾:

* وقال جلّ جلاله، وسما مقامه: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ؛ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، (الحشر؛ 59: 7). وهذا أمر جازم، متبوع بالوعيد المؤكّد الشّديد، يقطع بوجوب أخذ كل ما أتى به النّبي، بدون استثناء، لأنّ (ما) من صيغ العموم، وبدون قيد أو شرط، لورود الأمر مطلقاً غير مقيّد أو مشروط.

 

ومعلوم بضرورة التاريخ أنّ النّبي، عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام، لم يأت بذهب ولا فضّة، ولم يكن تاجراً يجلب البضائع إلى الأسواق، ولا هو ملك مستبدّ متسلّط يوزع الأعطيات والمنح والمناصب والإقطاعيات على محسوبيه. كلاّ، والله: لم يأت بشيء من ذلك إلا بقليل لا يذكر، عرضاً وعلى نحو ثانوي، وإنّما أتى بما لا يحصى من الأخبار عن الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأحوال السّاعة وأشراطها، وأنباء النّبيين وأممهم السّابقة، وأتى بالموعظة بشتّى أشكالها من الخطب والقصص وضرب الأمثال، وغير ذلك من فنون الموعظة، وأتى بكثير من الأوامر والنّواهي، والتّوجيه والنّصح والإرشاد، وتلفّظ بأصناف من الحكمة البالغة، والمثل السّائر.

كل ذلك أتى به نبيّ الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، فأخذه فريضة لازمة لا هوادة فيها، بنصّ القرآن: كلّ صنف بحسبه:

(1)- فأخذ الخبر يكون بتصديقه تصديقاً جازماً، والإقرار به ظاهراً وباطناً، والاستسلام له، والتديّن به، أي التّقرّب من الله، وطلب رضوانه، بذلك الاستسلام والإقرار والتّصديق؛

(2)- وأخذ الأمر يكون بطاعته والامتثال له، في حدود الطّاقة والاستطاعة؛

(3)- وأخذ النّهي يكون بالارتداع عمّا نهي عنه، إلاّ في أحوال الإكراه والضّرورة؛

(4)- وأخذ غير ذلك بحسبه أيضاً، فإذا أقطعك أرضاً فخذها وتملّكها حلالاً طيباً، هنيئاً مريئاً، وإذا أعطى غيرك ولم يعطك، فافرح بذلك لذلك المحظوظ، واغبطه ولا تحسده عليه، ولا يخطرنّ ببالك أنّ ذلك كان محاباة أو ظلماً، حاشا لله.

 

وكلّ ذلك حقّ من عند الله، لأنّه من المحال الممتنع أن يأمر الله بتصديق الخبر الكاذب، أو طاعة أمر لم يأمر به هو، تعالى ذكره، أو الامتناع عن شيء لم ينه عنه هو، جلّ جلاله، أو أخذ إقطاعية أو أعطية بغير حقّ، معاذ الله. فقوله، جلّ جلاله، وسما مقامه: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، هو ضرورة بعض ما اشتمل عليه قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، فهو من باب عطف الخاص على العام، والجزء على الكلّ. فهذا التّكرار جاء للتّأكيد على مقاصد تشريعيّة وبلاغيّة منها:

(1)- أهمية الانتهاء والارتداع عمّا نهى عنه نبيّ الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، بدون اشتراط القدرة والاستطاعة، لأن الانتهاء عن المنهيات في العادة موقف سلبي، أي هو عدم فعل، وهذا مقدور لكل أحد؛

(2)- إبطال أي شبهة بأن قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، قد يعني شيئاً آخر غير الأخبار والأوامر والنّواهي، أو قد تعني النّص القرآني فحسب. أو الأعطيات من الغنائم والزّكوات وأموال الدّولة، ولمّا كانت النّواهي قد ذكرت مستقلّة على وجه التّصريح، لزم أن تكون جملة ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، شاملة للنّواهي، وما هو من جنسها، مما يصلح أن يقال عنه أنّ الرّسول أتى به، أي شاملة للأخبار والأوامر، وكذلك ربّما لغير ذلك.

 

وجملة ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ هي بداهة، وبطبيعة الحال، شاملة للنص القرآني، من باب أولى: فإذا قال الرّسول: هذا قرآن، قلنا: سمعاً وطاعة، وأخذناه قرآناً، وأثبتناه في المصحف، بين الدّفتين، وإذا قال: هذه الآية التي كانت قرآناً، قد رفعها الله، ونسخ لفظها، فأخرجوها من المصحف، ولا تتلوها من بعد اليوم أبداً، قلنا: سمعاً، وطاعة، وشطبنا عليها من المصحف، فليس أخذ القرآن منه ابتداءً أولى من نسخ بعض لفظه انتهاءً: وهكذا أبداً: ما أتانا الرسول أخذناه، وما نهانا عنه اجتنبناه.

 

 

فصل: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى:

* وقال، جلّ من قائل: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ﴾، (الأنعام؛ 6: 50)، وقال: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، (يونس؛ 10: 15)، وقال: ﴿قُلْ: مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾،(الأحقاف؛ 46: 9)؛

 

﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى وهذه صيغة حصر كذلك، يعني لا أتّبع إلاّ الوحي، لا غير، والاتّباع يكون بالأقوال والأفعال، وإن كان استخدامه في الأفعال أكثر وأوضح. وقد كان، صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، يفعل أفعالاً كثيرة لم يَرد لها ذكر في القرآن أصلاً، كتقبيله لنسائه ومباشرته لهن وهو صائم (إلاّ الجماع في الفرج)، وكذلك فعله نحو هذا معهن وهنّ في حالة الحيض: يفعل كل شيء إلا الجماع في الفرج، وكان أيضاً يقول أقوالاً كثيرة من لفظه، أي من غير القرآن، فإن لم يكن ذلك نوع من الوحي من عند الله، لكان القرآن أيضاً كاذباً في هذه المقولة، ولوجب ضرورة أن يكون من عند غير الله، وهذا خلاف ما فرضناه من ثبوت النّبوة، وقيام قواطع الأدلة عليها (كما سيأتي في موضعه) المتضمنّة كون القرآن حينئذ ضرورة من عند الله، أو لكان الله كاذباً في هذه الآية من القرآن، وهذا محال لا يجوز على الله، تبارك الله وتعالى عن ذلك علواً كبيراً!!

 

وقد أسلفنا بيان استحالة كون لفظة «الوحي» مرادفة للفظة «القرآن»، بحيث يكون كل وحي قرآناً، هذا محال كما سبق إيضاحه. على أن جملة (إن أتّبع إلا القرآن) لا تقلّ حسناً أو بلاغة عن قوله تعالى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى، فإذ لم ترد هكذا علمنا يقيناً أنّ الله أراد بجملة: ﴿مَا يُوحَى، شيئاً آخر غير «القرآن» فقط.

 

ولمّا كان القرآن، ضرورة، من جملة ما يصدق عليه ﴿ما يوحى إلي﴾، جاز أن يكون هناك وحي غير القرآن، زيادة على القرآن.

 

فصل: محمد، رسول ألله ﴿أسوة حسنة﴾، هكذا مطلقاً، من غير قيد أو شرط:

* قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾، (الأحزاب؛ 33: 21)، هكذا على الإطلاق، بدون قيد أو شرط، ولكنّه قال في حقّ إمام الحنفاء، وسيد الأتقياء إبراهيم الخليل، صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ؛ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ: لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شيء رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾، (الممتحنة؛ 60: 4)، فجعله أسوة حسنة فقط في موضوع «البراءة» من قومه إذ أصرّوا على الكفر، وجاهروا بالعداوة ومحاولات القتل، وحتّى هذه «الأسوة الحسنة» المخصوصة لم تأت من غير قيد ولا شرط، بل استثني منها استغفار إبراهيم لأبيه!

 

مع أنه جلّ وعلا ذكر له في استغفاره لأبيه عذراً وجيهاً مقبولاً، وأثنى عليه في التوقّف عن الاستغفار، بعد انقطاع العذر، قال تباركت أسماؤه: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾، (التّوبة؛ 9: 114)، ومع ذلك فقد استثنى الحق، تبارك وتعالى، من حسن الأسوة، والاقتداء بإبراهيم، استغفاره لأبيه، وقد كان محسناً معذوراً فيه، وايم الله، وما فعل حراماً، ولا ارتكب معصية، وإنّما خالف الأولى، لا غير، قاصداً الخير، قائماً بفريضة برّ والده، وكان تصرّفه على الإباحة والرّخصة الأصلية، ولم يكن أمر بعد بخلاف ذلك، ثم امتنع من ذلك عندما جاءه الأمر صريحاً!

 

وعلى الضدّ التّام من ذلك لم يرد في الكتاب العزيز، ولا حرف واحد، يدل على استثناء إمام النّبيّين، وسيّد المرسلين، خليل رب العالمين، محمد بن عبد الله، صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، المصطفى المختار، من حسن الائتساء به، أو وجوب الاقتداء بهديه، فثبت قطعاً ضرورة أنّه: الأسوة الحسنة، والقدوة المعصومة، مطلقاً، ومن غير قيد أو شرط، في كلّ قوله وفعله، صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم!

فمجموع هذين النّصين الشّريفين، المقدَّسَيْن المرفوعَيْن: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إليَّ، (الأنعام؛ 6: 50)، (يونس؛ 10: 15)، (الأحقاف؛ 46: 9)؛ و﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾، (الأحزاب؛ 33: 21)، مع تأكيدها بقوله، جلّ ذكره: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ، (آل عمران؛ 3: 32)، يوجب أن تكون أفعاله وحياً معصوماً، صالحة أن تكون أسوة حسنة، بدون قيد أو شرط.

 

غير أنّ طبيعة الفعل، وكونه عادة ليس في درجة القول من البيان والقطعيّة توجب فقط أنّ: (ما يفعله النّبي، عليه وعلى اله الصّلاة والسّلام، يستحيل أن يكون حراماً على أمّته، إلاّ ما ثبت بالبرهان القاطع أنّه من خصوصيّاته)، لذلك يجوز لهم الائتساء به بفعل مثل ما فعل من غير حرج ولا نكير. إلاّ أنّ الفعل المجرّد لا يدلّ على وجوب ولا استحباب أو إباحة مجرّدة، إلاّ بقرينة تبيّن ذلك. ولكن لا يتصور أنه، عليه وعلى اله الصّلاة والسّلام، يفعل مكروها إلاّ ومعه قرينة تبيّن أنّه إنّما فعله لبيان عدم المؤاخذة على الفعل، وإن كان التّرك أولى، هذا بعض ما يقتضيه كونه (أسوة حسنة).

 

وكذلك، لما أسلفنا قريباً، وبضرورة الحسّ والعقل، يجب أن يكون: (التّرك إنّما هو برهان قاطع فقط على عدم وجوب الفعل المتروك على أمّته)، ثم لا بد من قرينة لبيان الحرمة، أو الكراهيّة أو الإباحة المحضة. ولكن لا يتصور أنّه، عليه وعلى اله الصّلاة والسّلام، يترك مستحباً إلاّ ومعه قرينة تبيّن أنّه إنّما تركه لبيان عدم المؤاخذة على التّرك، وإن كان الفعل أولى، أو حتى لا يشقّ على أمّته، أو لاعتبارات أخرى ستأتي في فصل مستقل، إن شاء الله تعالى. هذا بعض ما يقتضيه كونه (أسوة حسنة).

 

فمن المحال الممتنع أن يفعل النّبي، عليه وعلى اله الصّلاة والسّلام، ما هو حرام على أمّته، أو أن يترك ما هو واجب على أمّته، من غير بيان يقيني، قاطع للعذر، بأنه مستثنى من ذلك أو أن ذلك من خصوصيّاته، عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام. ولكن يجوز أن يفعل ما هو خلاف الأولى في حق أمّته من ترك مستحبّ أو فعل مكروه فيكون هذا «ذنباً» فيما بينه وبين الله، مع كونه ليس كذلك في حقّ غيره من أفراد أمّته. وإن شئت فلك أن تقول بلفظ آخر أنه من الجائز عقلاً وشرعاً أن يكون الله، جلّ جلاله وسما مقامه، قد فرض عليه خاصّة أموراً لم تفرض على أمّته، بل هي لهم مستحبّة أو مباحة فقط، وحرّم عليه خاصّة أشياء لم تحرّم على أمّته، بل هي لهم في عداد المكروه أو المباح المحض.

 

فصل: تحرير معنى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ:

هذا الذي قلناه في الفقرة السابقة هو المعنى الوحيد الممكن الذي تنسجم به النّصوص المحكمة آنفة الذّكر، وما هو من بابها، الموجبة قطعاً لعصمة أقواله وأفعاله، مع بعض النّصوص المتشابهة، التي أشكلت على بعض النّاس، وفي مقدّمتها، قوله، جلّ ذكره: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾، (الفتح؛ 48: 2)، وكذلك عتاب الله له في إعراضه عن الأعمى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءهُ الْأَعْمَى﴾، (عبس؛ 80:1: 2)، وعتابه، جلّ جلاله: ﴿عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾، (التوبة؛ 9: 43)، وما جرى مجرى ذلك، وهو – على كلّ حال ــ قليل جدًّا، كلّه كما بينّاه آنفاً، وكما تبيّنه وتشهد به الأحاديث التّالية:

* كما جاء في «صحيح مسلم»، (ج4/ص2075/ح2702) بإسناد صحيح عن الأغر المزني، رضي الله عنه: [حدثنا يحيى بن يحيى وقتيبة بن سعيد وأبو الربيع العتكي جميعا عن حماد قال يحيى أخبرنا حمّاد بن زيد عن ثابت عن أبي بردة عن الأغر المزني، وكانت له صحبة، أنّ رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، قال: «إنّه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة»]، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (ج1/ص218/ح621)؛ وأبو داود في سننه (ج2/ص85/ح1515)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج4/ص211/ح17880 ــ ح17883)، (ج4/ص260/ح18317 ــ ح18320)، (ج4/ص260/ح18318)، (ج5/ص411/ح23535)؛ والطيالسي في مسنده (ج1/ص167/ح1202)؛ والطبراني في معجمه الكبير (ج1/ص301/ح882 ــ ح889)؛ والنسائي في سننه الكبرى (ج6/ص116/ح10276 ــ ح10281)؛ وابن أبي عاصم عمرو الشيباني في الآحاد والمثاني (ج2/ص357/ح1127)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج7/ص52/ح13119)؛ وعبد بن حميد في مسنده (ج1/ص142/ح363 ــ ح364)؛ والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج6/ص57/ح29444)، (ج6/ص57/ح29448)؛ ولعله عند غيرهم، بأسانيد صحاح وحسان.

ــ وهو كذلك في «صحيح ابن حبان»، (ج3/ص210/ح929)، (ج3/ص212/ح931)، وقال الشّيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح)، وعقَّب الإمام أبو حاتم بن حبّان، في محاولة فاشلة لحل الإشكالية، قائلاً: [قوله، صلى الله عليه وسلم: إنّه ليغان على قلبي يريد به: يرد عليه الكرب من ضيق الصدر مما كان يتفكّر فيه، صلّى الله عليه وسلّم، بأمر اشتغاله كان بطاعة أو اهتمامه بما لم يعلم من الأحكام قبل نزولها كأنّه كان يعدّ، صلّى الله عليه وسلّم، عدم علمه بمكّة بما في سورة البقرة من الأحكام قبل إنزال الله إيّاها بالمدينة، ذنبا؛ فكان يغان على قلبه لذلك حتى كان يستغفر الله كل يوم مائة مرّة لا أنّه كان يغان على قلبه من ذنب يذنبه كأمّته، صلّى الله عليه وسلّم].

 

* وجاء في «المعجم الكبير»، (ج1/ص302/ح890): [حدّثنا محمّد بن محمّد الجذوعي القاضي قال: سمعت العبّاس بن الوليد النّرسي يقول: (سألت أبا عبيدة معمر بن المثنّى عن تفسير قوله: «إنّه ليغان على قلبي»، فلم يفسّره لي، وسألت الأصمعي عنه فلم يفسّره]

قلت: رحم الله الإمامين الورِعين: أبا عبيدة مَعْمَر بن المُثَنَّى، وعبد الملك بن قُرَيْب الأصْمَعي إذ امتنعا عن الكلام بغير علم. ولكننا نقول: الـ«غين» هو السّحاب الرقيق الذي يستر ذات الشّمس دون ستر ضوئها، بخلاف الـ«غيم» الذي هو السّحاب الكثيف، فكأنّه، عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام، يستغفر الله من أدنى أحوال غفلة القلب، ومعلوم أن ذلك ليس ذنباً في حق أمّته.

 

* وجاء أيضاً في «سنن أبي داود» بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمر بن الخطّاب، رضي الله عنهما، (ج2/ص85/ح1516): [حدّثنا الحسن بن علي حدّثنا أبو أسامة عن مالك بن مِغْوَل عن محمد بن سوقة عن نافع عن بن عمر قال: (إن كنا لنعُدّ لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، في المجلس الواحد مائة مرة: «رب اغفر لي، وتب علي إنك أنت التّواب الرّحيم»]، وقال الألباني: صحيح، وقد أخرجه البخاري في الأدب المفرد (ج1/ص217/ح618)؛ وابن حبان في صحيحه (ج3/ص207/ح927)؛ والتّرمذي في سننه (ج5/ص495/ح3434)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج2/ص21/ح4726)، (ج2/ص84/ح5564)؛ والطيالسي في مسنده (ج1/ص262/ح1938)؛ والطبراني في معجمه الكبير (ج12/ص416/ح13532)؛ والنّسائي في سننه الكبرى (ج6/ص119/ح10292)، (ج6/ص119/ح10294)؛ وعبد بن حميد في مسنده (ج1/ص251/ح786)؛ والطّبراني في معجمه الأوسط (ج6/ص231/ح6267)، وفي غيرها: أكثرهم من طريق نافع عن ابن عمر، وبعضهم من طريق مجاهد أو أبي الفضل عن ابن عمر.

 

* وأخرج الإمام أحمد بن حنبل بإسناد صحيح في مسنده (ج2/ص282/ح7780) عن أبي هريرة، رضي الله عنه: [حدّثنا عبد الرزّاق قال معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النّبي، صلّى الله عليه وسلّم، قال: «إني لأستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرّة وأتوب إليه»]؛ وأخرجه أيضاً الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج2/ص450/ح9806)؛ وابن حبّان في صحيحه (ج3/ص205/ح925)؛ وابن ماجه في سننه (ج2/ص1254/ح3815)، وقال الألباني: (حسن صحيح)؛ والنّسائي في سننه الكبرى (ج6/ص114/ح10265)، (ج6/ص114/ح10268 ــ ح10273)، (ج6/ص460/ح11495)؛ والحارث/الهيثمي في مسنده (الزّوائد) (ج2/ص974/ح1079)؛ وغيرهم.

ــ وهو في «المعجم الصغير»، (ج1/ص152/ح232)، من طريق نادرة: [حدثنا إبراهيم بن محمد الغزالي البصري المعدّل حدثنا خلاّد بن أسلم المروزي حدّثنا النّضر بن شميل أنبأنا حمّاد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم: «إنّي لأستغفر الله في اليوم وأتوب إليه في كل يوم مائة مرّة»]، وقال الإمام الطبراني: (لم يَرْوه عن عاصم إلا حمّاد بن سلمة تفرّد به النّضر)، قلت: فكان ماذا، هاذان كلاهما ثقة مأمون، حجّة إمام.

ــ وهو في «شرح معاني الآثار» من طريق نادرة أخرى: [حدّثنا بن أبي داود قال حدّثنا خطّاب بن عثمان وحيوة بن شريح قالا حدّثنا بقيّة بن الوليد عن الزّبيدي عن الزّهري عن عبد الملك بن أبي بكر بن الحارث بن هشام عن أبي هريرة أنه كان يقول: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إني لأتوب في اليوم مائة مرّة»، وقال أنس إنّما قال: «سبعين مرّة»]

 

* وأخرج ابن حبّان في صحيحه (ج3/ص204/ح924) عن أنس بن مالك، رضي الله عنه: [أخبرنا الحسن بن سفيان قال حدّثنا هريم بن عبد الأعلى قال حدّثنا معتمر بن سليمان قال سمعت أبي يقول حدّثنا قتادة عن أنس قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (إني لأتوب في اليوم سبعين مرّة)]. هذا إسناد صحيح على شرط مسلم؛ وأخرجه الإمام النّسائي في سننه الكبرى (ج6/ص114/ح10266 ــ ح10267)؛ وأبو يعلى في مسنده ج5/ص311/ح2934، ح2989)؛ وغيرهم.

 

* وأخرج الإمام ابن ماجه في سننه (ج2/ص1254/ح3816) عن أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه: [حدّثنا علي بن محمّد حدّثنا وكيع عن مغيرة بن أبي الحرّ عن سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم: (إنّي لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم سبعين مرّة)]، وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج4/ص410/ح19687)؛ قلت: هذا إسناد حسن بسبب المغيرة بن أبي الحرّ الكندي، فهو صدوق إلا أنّه ربّما وهم، ولكنّه توبع كما هو عند الإمام النّسائي في سننه الكبرى (ج6/ص115/ح10274)، فالحديث صحيح.

 

* وجاء أيضاً في «السّنن الكبرى»، (ج6/ص118/ح10286)، للإمام النّسائي عن حذيفة بن اليمان العبسي، رضي الله عنه: [أخبرنا عبد الحميد بن محمّد حدّثنا مخلد حدّثنا سفيان عن أبي إسحاق عن أبي المغيرة عن حذيفة قال أتيت النّبي، صلّى الله عليه وسلّم، فقلت: (أحرقني لساني)؛ وذكر من ذرابته على أهله)؛ قال: (أين أنت من الاستغفار؟! إنّي لأستغفر الله في اليوم وأتوب إليه مائة مرّة)].

 

* وجاء أيضاً في «السنن الكبرى»، للإمام النسائي، في موضع آخر، (ج6/ص117/ح10284): [أخبرنا قتيبة بن سعيد حدّثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي المغيرة قال: قال حذيفة شكوت إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ذرب لساني فقال: «أين أنت من الاستغفار؟! إنّي لأستغفر الله كلّ يوم مائة مرّة»]، وأخرجه الإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج7/ص173/ح35078)، (ج6/ص56/ح29441)؛ ولعله عند غيرهم.

 

* وأخرج الإمام النّسائي في سننه الكبرى (ج6/ص31/ح9933) عن رجل من الأنصار، رضي الله عنهم بإسناد جيّد: [أخبرني إبراهيم بن يعقوب قال حدّثني عبد الله بن الرّبيع (خراساني بالمصيصة) قال: حدّثنا عبّاد بن العوّام عن حصين عن هلال بن يساف عن زاذان عن رجل من الأنصار نسي اسمه انّه رأى النّبي، صلّى الله عليه وسلّم، صلّى ركعتي الضّحى فلمّا جلس سمعته يقول: (رب اعفر لي وتب عليّ إنّك أنت التّواب الرّحيم)، حتّى بلغ مائة مرّة]؛ وهو بنحوه في سنن الإمام النّسائي الكبرى (ج6/ص31/ح9932). قلت: عبد الله بن الرّبيع الخراساني، هو أبو عبد الرّحمن عبد الله بن محمّد بن الرّبيع العائذي الكرماني الخراساني، نزل بالمصيصة مرابطاً في سبيل الله، ثقة مأمون من العاشرة (كبار تبع الأتباع).

 

هذا نقلُ تواتر: فثبت بذلك قولنا بلا شبهة: أنّ «ذنوب» النّبي، عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام، ليست هي ارتكاب ما هو «حرام» على «أمتّه»، وإنّما هي كلها من باب خلاف الأولى لأمته: ترك مستحبّ شرعه الله مستحبًّا لأمّته (فلعله واجب في حقه هو فقط)، أو فَعَل مكروه مما كره الله لأمته (فلعله حرام في حقه هو فقط). ومن المحال الممتنع شرعاً وعقلاً أن تكون ترك «واجب، أوجبه الله على أمّته»، أو فعل «حرام، حرَّمه الله على أمّته»، من غير بيان يقيني قاطع للعذر!

 

فصل: هل يفعل النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، ما نَهَى عنه ناسياً؟!

بقيت مسألة واحدة، وهي أنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، ربما نهى عن فعل (كَنهْيه، مثلاً، عن استقبال القبلة أو استدبارها ببول أو غائط) ثم رُئِيَ بعد ذلك يفعله (كبوله مستدبراً القبلة، مستقبلاً بيت المقدس) فقال أقوام من الأصوليين والفقهاء: لعله فعل ذلك ناسياً، ولم يكن متعمداً، لأنه قطعاً من البشر، وليس هو بمعصوم من النّسيان، فلا يُعتدّ بفعله، وإنما الحُجة في قوله السابق.

قلت: هذا خطأ: بل الأولى أن يقال أن فعله (بيان) لكون النهي السابق إنما كان لكراهية الفعل، لا لتحريمه، أو هو (نسخ) للحُرمة إذا كان النهي السابق قد جاء مقرونا بما يجعلنا نقطع بأنه نهي للتحريم، وليس للكراهية فحسب. هذا هو الحق لأمور، منها:

أوّلاً: أنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، كان في الغاية من النباهة واتقاد الذهن وقوة الذاكرة، كما هو معلوم من ضرورة التاريخ، يقر به المؤمن والكافر. فمن كان هذا حاله فلا تجوز نسبة النسيان إليه في أي واقعة معينة إلا ببرهان. تماماً كما هو الحال مع ثقات الرواة: لا يجوز أن ينسب إليهم الخطأ والنسيان في رواية بعينها إلا ببرهان، أما الاحتجاج بمُجرّد الإمكان العقلي فغير جائز، وإلا اختلت موازين الرواية والشهادة والتاريخ.

ثانياً: أن الله، جلّ جلاله، قال: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾، (الأعلى؛ 87: 6:7). قوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾: تقدير الكلام إذًا: سنقرئك فلا تنسى شيئاً من القرآن مطلقا، إلا أن يشاء الله أن ينسيك شيئاً منه، فيكون هذا نسخاً ورفعاً لذلك اللفظ من القرآن بعينه، (وهو ضرورة نسخ لكل ما في ذلك اللفظ من أحكام أيضاً، إلا إذا جاء برهان بخلاف ذلك). ويشهد بصحة هذا التقدير قوله، جل وعز: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شيء قَدِيرٌ﴾، (البقرة؛ 2:106):

ــ فإن كان الكلام هنا فقط عن نص القرآن، كما هو المتبادر إلى الذهن من لفظة: ﴿سَنُقْرِئُكَ فبها ونعمت: فإن كان إنساءُ الله نبيه نصًّا من نصوص القرآن العظيم، المنزّل بلفظه، المتعبّد بتلاوته، المعجز بنَظمه ومعانيه، نسخًا لذلك النص مع كافة أحكامه، على عُلوّ مرتبة القرآن وقُدسيته، فمن باب أولى: يكون إنساؤه شيئاً من السنة، كنهيه عن استقبال القبلة أو استدبارها ببول أو غائط وبوله، بعد ذلك، مستدبراً القبلة، مستقبلاً بيت المقدس، نسخاً للنهي، وما شاكل؛

ــ وإن كانت لفظة: ﴿سَنُقْرِئُكَ تعني (الدّرس والتعليم)، فتكون حينئذ شاملة لجميع الوحي، قرآناً وسنّة، كما هو في مثل قوله، تعالى وتقدس: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾، (آل عمران؛ 3:58)، حيث أثبتنا أن الذّكْر الحكيم يشمل القرآن والسنّة، ومع ذلك استخدِمتْ لفظة ﴿نَتْلُوهُ، تغليباً للقرآن، وتعظيماً لمكانته العالية، أو لأن المعني اللغوي في الأصل هو: (التتابع شيئاً بعد شيء) و(الموالاة لشيء بعد الشيء)؛ إن كان الأمر كذلك فالحجة واضحة بذاتها، ولا حاجة للبرهنة (من باب أولى

ثالثاً: أنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، وإن كان بشراً ينسى كسائر البشر، إلا أنه نبيّ مُرسل مكلًّف بالبلاغ، أما البيان فقد تكفَّل الله، جل جلاله وسما مقامه، به إذ قال: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾، وقال: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَؤُلاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شيء وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾، وقال: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾. فوجب ضرورة أن يُذَكِّر الله نبيَّه بوحي مباشر (كما أخبره جبريل بوجود أذى في نعاله وهو يصلي فيها فخلعها، ولم يخبره قبل – وهو، جل جلاله، يعلم ــ ذلك ليسنَّ هذا الحكم الجديد)، أو أن يلهم بعض صحابته بتذكيره (كما وقع عندما نسي فصلى الظهر اثنتين بدلاً من أربعة، فبيَّن لهم الله بفعله وقوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، كيفية معالجة السّهو في الصلاة – وعندما نسي آية في الصلاة الجهرية ذكَّره أحد أصحابه بعد الفراغ من الصلاة، فأرشده، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، إلى الفتح على الإمام) أو أن ينبّه هو أصحابه إلى احتمال نسيانه قبل فعل معين أو حالة معينة ويرشدهم، سلفا، إلى التصرّف الصحيح (كما قال يوماً لأصحابه قبيل الصلاة: إذا نسيتُ فليسبح الرجال ولتصفق النساء، أو كما قال، عليه وعلى آله الصلاة والسلام).

قلت: بل لو زعم زاعم أنّه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، إنما ينسى أو ينسَّى ليسُنّ لأمته لما كان بعيداً عن الصواب، وقد جاءت رواية بذلك، بلاغاً، في موطأ الإمام مالك، نصُّها: (إني لأنْسَى أو أُنَسَّى لأَسُنَّ لكم). هذه واحدة من بضع روايات في الموطأ – قيل أنها أربع ــ لم توجد موصولة قط، رغم البحث والتقصي الشديد؛ كما أنها ابتليت بالقراءة الخاطئة، حيث ظنها أكثر الناس: (إني لا أنْسَى)، وهو خطأ محض، يرده سياقها نفسه، وترده أخبار سجود السّهو المتواترة المشهورة.

 

فصل: محمّد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾

* قال، تبارك وتعالى، مجيباً موسى، صلى الله عليه وسلم، عندما اعتذر عن قومه، وطلب الصفح والمغفرة، بعد أن أخذتهم الرجفة: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ؛ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شيء فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ، يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ، وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ، وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ، فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)﴾، (الأعراف؛ 7: 156 - 158). وهذه البشارة بالنبي الأمي، الذي يساوي موسى في الدرجة (أو يزيد)، والذي سيقيمه الله لبني إسرائيل (وغيرهم) من بني إخوانهم (أي من نسل إسماعيل، أخي إسحاق، جد بني إسرائيل)، ما زالت محفوظة في سفر التثنية (18:18)، أحد أسفار التوراة، حفظتها العناية الإلاهية من يد التحريف والعبث والتزوير التي طالت أكثر الكتب الأولى، وإليك ذلك النص، كما هو في الترجمة الرسمية المعتمدة بأحرفه:

* كما هي في (سفر التثنية): [الوعد بنبي بعد موسى:

(15) ــ سَيُقِيمُ الرَّبُّ فِيكُمْ نَبِيّاً مِثْلِي مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، لَهُ تَسْمَعُونَ،

(16) ــ فَقَدِ اسْتَجَابَ الرَّبُّ إِلَهُكُمْ مَا طَلَبْتُمْ مِنْهُ فِي حُورِيبَ فِي يَوْمِ الاجْتِمَاعِ عِنْدَمَا قُلْتُمْ: لاَ نَعُودُ نَسْمَعُ صَوْتَ الرَّبِّ إِلَهِنَا، وَلاَ نَرَى النَّارَ الْعَظِيمَةَ أَيْضاً لِئَلاَّ نَمُوتَ.

(17) ــ فَقَالَ لِيَ الرَّبُّ: لَقَدْ أَصَابُوا فِي مَا تَكَلَّمُوا.

(18) ــ لِهَذَا أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيّاً مِنْ بَيْنِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَضَعُ كَلاَمِي فِي فَمِهِ، فَيُخَاطِبُهُمْ بِكُلِّ مَا آمُرهُ بِهِ.

(19) ــ فَيَكُونُ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَعْصَى كَلاَمِي الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ بِاسْمِي، فَأَنَا أُحَاسِبُهُ.

(20) ــ وَأَمَّا النَّبِيُّ الَّذِي يَتَجَبَّرُ فَيَنْطِقُ بِاسْمِي بِمَا لَمْ آمُرهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، أَوْ يَتَنَبَّأُ بِاسمِ آلِهَةٍ أُخْرَى، فَإِنَّهُ حَتْماً يَمُوتُ.

(21) ــ وَإِنْ سَأَلْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ: كَيْفَ نُمَيِّزُ الْكَلاَمَ الَّذِي لَمْ يَصْدُرْ عَنِ الرَّبِّ؟

 (22) ــ فَإِنَّ كُلَّ مَا يَتَنَبَّأُ بِهِ النَّبِيُّ بِاسْمِ الرَّبِّ وَلاَ يَتَحَقَّقُ يَكُونُ ادِّعَاءً مِنْهُ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ الرَّبُّ، بَلْ بِطُغْيَانٍ تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ فَلاَ تَخَفْ مِنْهُ.

.................................]، انتهى نص سفر التثنية بأحرفه.

لاحظ أن موسى، صلوات الله وسلامه عليه، كان يأمل أن يقيم الله لبني إسرائيل نبياً مثله من أنفسهم، أي من بني إسرائيل، فقال: [سَيُقِيمُ الرَّبُّ فِيكُمْ نَبِيّاً مِثْلِي مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، لَهُ تَسْمَعُونَ]، ولكن النص ينسب إلى الله جل جلاله القول: [لِهَذَا أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيّاً مِنْ بَيْنِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ]، من إخوتهم، وليس من أنفسهم: هذا إذا سلمنا أن عبارة (مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) هي محفوظةً حقاً من كلام موسى، وليست من إدراج الكذابين أو الواهمين، لأنها تبدو قلقة، لا طعم لها في السياق!!

 

فلندع (سفر التثنية) وشأنه، ولنعد إلى الآيات المكرمات المحفوظات من هذا الوحي الخاتم العظيم، فنجد أن الله قد نص فيها صراحة على أنه، أي الرسول النبي الأميّ، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ، هكذا بإطلاق: ينهى عن «المنكر»، أي عن جنس المنكر، أي عن كل فرد من أفراد المنكر. لذلك وجب أن ينكر، صلى الله عليه وعلى آله وبارك وسلم تسليماً، كل منكر يراه أو بلغه، بقول، أو إشارة واضحة تدل على الإنكار، لا تحتمل الشك، أو فعل مبيّن، يدل على الإنكار، ولا يحتمل الشك. فإن أقر أمراً وجب ضرورة أنه ليس بمنكر، أي ليس بحرام. ثم يعرف هل هو: مكروه، أو مباح محض، أو مستحب مندوب، أو فريضة واجبة من بيان آخر زائد على مجرد الإقرار، ولكنه قطعاً ليس بحرام على أمتّه، ولا هو من الباطل. فعلمنا بذلك يقيناً أنه لا يسكت على باطل أو حرام، ولا يقر إلا حقاً، وإلا كان قول الله كاذباً، ووعده خائساً، تعالى الله عن ذلك علوَّاً كبيراً!

 

كما قال تقدست أسماؤه: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ: بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾، (المائدة؛ 5: 67). وقد ثبت أنه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، صرف الحراس، ولم يعد يُحْرَس بعد ذلك، ولم يكن له بواب، حتى لحق بالرفيق الأعلى، إذ عصمه الله أن يطاله أحد بسوء:

* كما جاء في «المستدرك على الصحيحين»، (ج2/ص343/ح3221): [حدثنا عبد الصمد بن علي البزاز ببغداد أنبأ أحمد بن محمد بن عيسى القاضي حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا الحارث بن عبيد حدثنا معبد الجريري عن عبد الله بن شقيق عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يحرس حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، فأخرج النبي، صلى الله عليه وسلم، رأسه من القبة فقال لهم: [«أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله»]، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)، وقال الذهبي في التلخيص: (صحيح)؛ وهو كما قالا، لا سيما بالشواهد والمتابعات، كما هو مفصّل في الملحق. وهو أيضاً في الترمذي (ج5/ص252/ح3046)، وحسّنه الألباني؛ وفي «سنن البيهقي الكبرى»، (ج9/ص8/ح17508)؛ وفي دلائل النبوة للبيهقي (ج2/ص57/ح489)؛ وفي تفسير ابن أبي حاتم (ج5/ص34/ح6650)؛ وفي «الطبقات الكبرى»، (1/171)؛ وفي غيرها.

 

* وما جاء في تفسير الطبري ــ (ج10/ص469/ح12274) مرسلاً، بإسناد صحيح إلى منتهاه (أي إلى عبد الله بن شقيق): [حدثني يعقوب بن إبراهيم وابن وكيع قالا حدثنا ابن علية، عن الجُريريّ، عن عبد الله بن شقيق، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان يعتقِبه ناسٌ من أصحابه، فلما نزلت: ﴿والله يعصمك من الناس﴾، خرج فقال: (يا أيها الناس، الحقوا بملاحِقِكم، فإنّ الله قد عصمني من الناس)]. قلت: هذا كلام عبد الله بن شقيق وروايته للواقعة، وليس هو ما رواه من لفظ عائشة، رضي الله عنها، وروايتها، كما يظهر من التأمل الدقيق في الألفاظ والسياق، وقد روى سعيد بن إياس الجُرَيْري هاتين الروايتين المستقلتين، فالتبس الأمر على بعض الأئمة، وظنوا ذلك اضطراباً في الإسناد، ولذلك استغرب الإمام الترمذي الحديث المرفوع المتصل فقال: (هذا حديث غريب وروى بعضهم هذا الحديث عن الجريري عن بن شقيق قال: كان النبي، صلى الله عليه وسلم، يحرس ولم يذكروا فيه عن عائشة)، وليس كذلك: بل هذا خبر، وذاك خبر آخر. وهو بنحوه في تاريخ المدينة (1/301) مرسلاً، بإسناد صحيح إلى منتهاه: [حدثنا حبان بن هلال قال، حدثنا عبد الاعلى (بن عبد الاعلى) السامي قال، حدثنا سعيد الجريري،... إلخ]؛

 

* وما جاء في تفسير الطبري (ج10/ص468/ح12273) مرسلاً، بإسناد حسن صحيح إلى منتهاه (أي إلى سعيد بن جبير): [حدثنا هناد وابن وكيع قالا: حدثنا جرير، عن ثعلبة، عن جعفر، عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (لا تحرسوني، إنّ ربّي قد عَصَمني)]؛

 

* وما جاء في تاريخ المدينة (ج1/ص301) مرسلاً، بإسناد صحيح إلى منتهاه (أي إلى محمد بن كعب القرظي): [حدثنا عثمان بن عبد الوهاب قال: حدثنا مروان بن معاوية، عن عاصم بن محمد بن زيد، عن محمد بن كعب القرظي قال: أمر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالحرس، فنزلت: ﴿والله يعصمك من الناس﴾، فترك الحرس]؛

* وأخرج الإمام الطبراني في معجمه الكبير (ج11/ص257/ح11663) حديثاً آخر: [حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بن غَيْلانَ، حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ، عَنِ النَّضْرِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يُحْرَسُ، فَكَانَ يُرْسِلُ مَعَهُ عَمُّهُ (أَبُو طَالِب) كُلَّ يَوْمٍ رِجَالا مِنْ بني هَاشِمٍ يَحْرُسُونَهُ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، فَأَرَادَ عَمُّهُ أَنْ يُرْسِلَ مَعَهُ مَنْ يَحْرُسُهُ، فَقَالَ: يَا عَمِّ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ عَصَمَنِي مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ]؛ قلت: ذكر أبي طالب وهم من بعض الرواة (لعله من النضر أبي عمر، فهو ضعيف)، فالأرجح أنه العباس، إن كان للقصة أصل، أو سقطت على الراوية جملة (ثم كان يحرس أيضاً في المدينة حتى نزلت)، أو نحواً من ذلك، كما تشهد الرواية التالية:

* التي أخرجها الإمام الطبراني في معجمه الأوسط (ج4/ص22/ح3510)، وفي معجمه الصغير (ج1/ص255/ح418): [حدثنا حمد بن محمد بن حمد أبو نصر الكاتب قال حدثنا كردوس بن محمد الواسطي قال حدثنا معلى بن عبد الرحمن عن فضيل بن مرزوق عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال كان العباس عمّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيمن يحرسه فلما نزلت هذه الآية يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ترك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الحرس]؛ وقال الإمام الطبراني: (لم يروه عن فضيل إلا المعلى ولا يروى عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد).

 

فإن كان محمّد رسول الله، ونحن نشهد أنه رسول الله حقاً وصدقاً، فأي شيء يجعله يسكت على فعل حرام، أو ترك واجب، فلا ينكر ويبين؛ وقد عصمه ربه، وحرسه من كافة الخلق، فلا يصل إليه أحد بأذى؟! وهل يمتنع أكثر الناس من الصدْع بالحق إلا لخوفهم من الأذى؟! فازددنا بذلك علماً وإيماناً ويقيناً أنه لا يسكت على فعل حرام، أو ترك واجب.

 

ونسارع بالتنبيه أن ذلك إنما هو فقط في السكوت على (الأفعال)، أي الأفعال التكليفية الاختيارية، التي يجوز أن توصف بالحِل والحُرمة؛ ولا علاقة لهذا بالسكوت على (الأقوال) التي يستحيل حساً وعقلاً أن توصف بالحِل والحُرمة، وإنما توصف فقط بأنها حق وصدق، أو كذب وباطل؛ ففي مثل هذا لا يكون السكوت إقراراً، ولا يجوز أن يفهم على أنه تصديق أو تكذيب، كما سنبينه في موضعه بعد قليل.

 

فصل: استقلال السنة بالتشريع:

على أن هناك العديد من الأحكام العينية إنما ثبتت بالسُنة فقط لحظة تشريعها، ولكن القرآن العظيم أشار إليها في مناسبة أخرى، ونص على كونها من تشريع الله، أو على كونها ملزمة بنفس درجة إلزامية ما جاء نصاً في القرآن، أو نحو ذلك، فمن ذلك:

(1) استقبال القبلة الأولى (ونحن نعلم بالضرورة من التاريخ أنها كانت «بيت المقدس»، ولكن هذا لا يهم ها هنا) لم يرد في القرآن مطلقاً النص بتشريعها، وإنما كان ذلك بأمر النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، ولكن كونها كانت قبلة ملزمة لا بد من استقبالها، وأن ذلك بجعل الله لها كذلك، جاء في معرض الكلام عن نسخها، وفرض استقبال المسجد الحرام بدلاً منها، حيث قال، تباركت أسماؤه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾، (البقرة؛ 2: 143). والآية نص صريح على أن القبلة الأولى إنما كانت بـ(جعل من الله).

(2) توبيخ الله، جل جلاله، للمؤمنين على انصرافهم عن النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، حال إلقائه خطبة الجمعة واقفاً، يدل دلالة قاطعة على أنهم لم يفعلوا مباحاً، لأن المباح لا توبيخ عليه، فلا بد أنهم ارتكبوا حراماً. مع أنه لم يرد في القرآن ذكر للجمعة مطلقاً قبل ذلك، فإيجابها أو استحبابها إنما كان ضرورة بالسُنة، وليس بنص القرآن. نعم جاء القرآن بتأكيد وجوبها في نفس السياق من القرآن التي تضمنت التوبيخ، إلا أن الأمر الأول كان سابقاً، بالقطع، على نزول تلك القطعة من القرآن.

ومعلوم كذلك أن الأذان كان يستعمل للنداء للجمعة، وكذلك لغيرها من صلوات الجماعة، قبل نزول الآيات، وقد أشير إليه فيها على أنه الطريقة المستقرة المشروعة، فمتى نودي للجمعة، وجب السعي إليها وترْك البيع: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾، (الجمعة؛ 62: 9 - 11).

(3) وبعد الكارثة التي أصابت المسلمين في معركة أحد، وانسحاب الجيش القرشي، ثم ندم أبي سفيان، زعيم قريش، على أنه انسحب قبل الإجهاز على المسلمين، وتفكيره بإعادة الكرة عليهم لاستئصالهم، بعد تلك الكارثة استنفر النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، المسلمين رغم مصابهم وجراحاتهم لمطاردة الجيش القرشي، وقطع المسلمون بالفعل مسافة لا بأس بها، فبلغت الأنباء لأبي سفيان، ودب في قلبه الرعب، وآثر العودة إلى مكة، وعاد المسلمون سالمين من غير قتال ولا جراحات جديدة. وقد أثنى الله على أولئك الذين استجابوا للنفير بالرغم من إصابتهم، فقال: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، (آل عمران؛ 3: 171 - 172)، فجعلهم مستجيبين لله والرسول، مع أن الاستنفار إنما كان بكلام من النبي، ولم ينزل به قرآن، ولا حرف واحد.

(4) وعندما تضجّر بعض المنافقين من كيفية توزيع النبي للزكاة، وتكلموا في النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، ولمزُوه وعابُوه، أنزل الله فضيحتهم، فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾، (التّوبة؛ 9: 58 - 59)، وهذا نص صريح أنَّ ما أعطاهم النبي، إن كان أعطاهم شيئاً، هو حقهم المشروع كما هو مراد الله، جل جلاله، وعطيّته، لذلك قال: ﴿مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، فعطيّة النبي إذاً هي عطيّة الله، مع أننا نعلم ضرورة أنه لم ينزل بها قبل ذلك قرآن، فهي إذا بنيت على وحي غير القرآن.

(5) وقال جل جلاله: ﴿وإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ، فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾، (التّحريم؛ 66: 3)، وليس في القرآن، ولا حرف واحد، من ذلك الحديث الخاص الذي أعلم الله نبيه به. هذا برهان قاطع على أنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، قد جاءه وحي من الله، غير القرآن، ولو في هذه الحالة الخاصة.

(6) وقال تباركت أسماؤه: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾، (العلق؛ 96: 9 - 11)، في سورة مكية قديمة، آياتها الأولى هي أو ما نزل من القرآن، على القول الصحيح المشهور، وفيها البرهان القاطع على أنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، كان يصلي، فأنكر عليه بعض رؤوس الكفر من قريش صلاته التي لم يعهدوها. فالصلاة كانت إذاً مشروعة، وجوباً أو استحباباً، كصلاتنا هذه اليوم، أو بصورة أولى منسوخة، قبل نزول هذه الآيات، وهي من أول ما نزل، وليس في الآيات قبلها ذكر الصلاة أصلاً، فوجب أن يكون ابتداءُ تشريعِ الصلاة، وهي عمود الدِّين، بالسنّة، أي بوحي خارج القرآن، ثم تتابع القرآن، وتواترت السنّة بعد ذلك بتأكيد وجوبها، وتعظيم شأنها، وتفصيل أحكامها، واستكمال شرائعها. ولعل تلك الصلاة التي نهى رأس الكفر أبو جهل عمرو بن هشام عنها كانت مستحبّة، وذلك قبل فريضة الصلاة يوم المعراج!

(7) وقبيل وقعة بدر الكبرى أمر الله رسوله بالخروج، بالرغم من كراهية بعض المؤمنين الشديدة لذلك، وتخوّفهم من مغبّة مصادمة قريش، الدولة الأعظم آنذاك في جزيرة العرب، لا سيما بعد ورود أخبار بخروج الجيش القرشي، فامتن الله عليهم بالوعد بالظفر بالقافلة أو بالجيش القرشي. كل ذلك وحي خارج القرآن، وليس في القرآن منه حرف واحد، ثم أرَّخَه الله بعد نهاية المعركة في نص القرآن، حيث قال، تقدست أسماؤه: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾، (لأنفال؛ 8: 5 - 7).

(8) وأمر النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، أصحابه في مكة صراحة أن يكفّوا أيديهم، وحرّم عليهم القتال، ثم نسخ ذلك بعد الهجرة، وأذن لهم بالقتال. وأرخ القرآن لذلك النهي المنسوخ بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا: رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ؛ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾، (النّساء؛ 4: 77).

 

فثبت من البراهين آنفة الذكر ثبوتاً قطعياً، من نصوص القرآن وحده، وبضرورات الحس والعقل، بدون اعتماد أي نص من السنّة، إلا من بعض نصوص السنّة التي أوردناها على وجه المتابعة والاستئناس، وليس على وجه البرهنة والاستدلال، حتى لا نقع في (الدور) والمصادرة على المطلوب، أنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، معصوم في التبليغ عن الله في أقواله وأفعاله وإقراراته: كل ذلك وحي معصوم من عند الله. أي أن (السنّة النبوية)، وهي مجموع أقواله وأفعاله وإقراراته، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، وحي معصوم من عند الله، أو بلفظ أدق: أن السنّة النبوية إنما هي صياغة وتعبير نبوي معصوم عن وحي جاءه من عند الله، وإن كانت ليست ألفاظها بعينها وحي من الله.

 

على أن القرآن نفسه قد نصَّ، فوق ذلك، نصاً صريحاً قاطعاً على أن الله أنزل على محمّد، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، أشياء أخرى غير القرآن، المنزل بلفظه، المتعبد بتلاوته، المعجز بنَظْمه، كما سيأتي في الفصول التالية قريباً، إن شاء الله. وليس ثمة شيء يصلح أن يكون وحياً خارج نص القرآن إلا السنّة النبوية الشريفة.

 

فثبت بكل ذلك ثبوتاً قطعياً، يكفر مُنكره، ويخرج من الإسلام بجَحْده، أن الوحي الذي أنزل على محمّد، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، ليس هو فقط نَصُّ القرآن المجيد، كما هو موجود في المصحف بين الدفّتين، الذي هو كلام الله المنزل بلفظه وأحرفه، المتعبد بتلاوته، المعجز بنَظمه، بل هو شامل لسنّته الشريفة، التي هي مجموع أقواله وأفعاله وأقاريره، بأبي هو وأمي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام.

 

والوحي، لا فرق بين قرآن وسنّة، في درجة واحدة من الإلزامية والحجيّة، فقوله، تباركت أسماؤه: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم﴾، يعني تعاطي التجارة في مواسم الحج، أو قوله: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد﴾، حجة قاطعة ملزمة إلى يوم القيامة الكبرى، تماماً كقوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: [«لا وصية لوارث»] أو قوله في تحديد الحد الأعلى للوصية: [«الثلث، والثلث كثير»]، حُجّة قاطعة ملزمة أيضاً إلى يوم القيامة الكبرى، وذلك بغض النظر عن كون المثالين الأوليين وحياً باللفظ، وقرآناً يُتلى في الصلاة، من كلام الحي القيوم، واجب الوجود، خالق البشر، والأخرى من لفظ النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، المحتاج الفاني، وهو بشر مخلوق.

 

نعم، وبدون أدنى شك أن فضل القرآن على كلام المخلوقين هو كفضل الله على خلقه: فهو المنجى من كل ضلالة، والمخرج من كل فتنة. هو كتاب الله العزيز الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾: فيه نبأ ما كان قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم؛ وهو الفصل ليس بالهزل؛ من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، والنور المبين، وهو الصراط المستقيم. هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد. لا تنقضي عِبره، ولا تفنى عجائبه. هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً﴾؛ من قال به صدق، ومن عمل به أُجِر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدِي إلى صراط مستقيم. هو الشفاء النافع: عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتّبعه، لا يزيغ فيُستعتب، ولا يعوج فيقوَّم. من تلاه أُجَر على تلاوته بكل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول: ألف لام ميم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف.

 

فالفضل العظيم الذي يستحقه القرآن الحكيم، وقُدسيته الخاصة، وارتفاع مكانته على مرتبة السنّة من حيث كونه كلام الله المنزل بلفظه وأحرفه، المتعبد بتلاوته، المعجز بنظمه، كل ذلك، وهو حق قطعي يقيني، لا شك فيه:

ــ قضية مستقلة، تمام الاستقلال، عن كون الوحي، قرآناً وسنّة، مرتبة واحدة من حيث الحجيّة والإلزامية؛

ــ وهاتان قضيتان مستقلتان عن جواز نسخ القرآن بالسنة أو عدم جواز ذلك؛

ــ هذه قضايا مختلفة متباينة، لا يجوز خلط بعضها ببعض، وإلا حصل الخلل الجسيم، بل الضلال البعيد، الذي، أي الضلال البعيد، هو الكفر، عياذاً بالله تبارك وتعالى!

 

فالقول بأن الوحي أو التنزيل هو القرآن فقط، وهو وحده وحي الله الملزم، وهو وحده الحجة فقط، وأن السنّة ليست وحياً (أو بلفظ أدق: ليست تعبيراً نبوياً معصوما عن وحي ملزم من الله)، فليست هي حجة ملزمة: القول بهذا: تكذيب للقرآن يتناقض كل المناقضة مع ورود القرآن من عند الله، وهو من ثم من أقوال الكفر، يكفر قائله، ويخرج من الإسلام باعتقاده، إن كان صح له عقد الإسلام من قبل، إلا من تلفظ بشيء من ذلك تحت إكراه ملجئ، أو من عذر بجهل أو تأويل أو غير ذلك من موانع تكفير المعين المعروفة.

 

فصل: البرهنة على أن (الحكمة) و(الذِّكر) تنزيل آخر، غير نص القرآن:

نصَّ الله، تبارك وتعالى، على أنه أنزل على نبيّه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، (الحِكْمَة)، فقال: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شيء وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾، (النّساء؛ 4 : 113). هذه ثلاثة أشياء: أنزل الله على نبيّه الكتاب، وفيه حكمة وعلم كثير، فتعلَّم ذلك كله. والمقصود بالكتاب ها هنا: نص القرآن، في أقل تقدير. وأنزل عليه الحكمة، وهي شيء أوسع من مجرّد نصوص القرآن، لأنها معان ومفاهيم صاغها النّبي بأقواله وأفعاله وأقاريره، فتعلّمها كذلك. وعطف الحكمة على الكتاب هو من باب عطف الكل على الجزء، والعام على الخاص. ولا يجوز أن تكون الحكمة هي عين الكتاب لأن عطف الشيء على عين ذاته محال، لا يجوز عقلاً ولا حسًّا ولا لغةً.

كما علَّمه ربه فوق ذلك أشياء كثيرة لم يكن يعلمها: من أهمها الكتاب، ثم الحكمة، ثم أمور أخرى مثل لهجات بعض القبائل، ومنطق بعض الحيوانات كذلك البعير الذي اشتكى إليه صاحبه، وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله.

 

وهذه (الحِكْمَة) المذكورة في الآية قطعاً وحي منزّل، وإذ هي غير القرآن، فهي بالضّرورة (السنّة النبوية الشريفة)، كما سلف تحريره، وكما تشهد به آية سورة الطلاق في بلاغة رائعة: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً﴾، (الطلاق؛ 65: 10 - 11)، وسنفصّل الكلام قريباً عن هذه الآية المباركة عند كلامنا عن الذّكر، بإذن الله تعالى.

ــ وقال، جل جلاله: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً﴾، (الاسراء؛ 17: 39). فهذا نصّ قاطع على أن الآداب والأحكام الشاملة المذكورة قبل هذه الآية بعض من الحكمة المنزَّلة، التي أوحاها الله إلى أبي القاسم، محمد بن عبد الله، خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله. فهي من الحكمة، وهي بوصفها من آي الكتاب، تدل دلالة قاطعة على أن بعض الكِتاب من الحكمة. ولكن الكِتاب كله حكيم، بضرورة الحس والعقل والشّرع، قال، تباركت أسماؤه: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾، (يونس؛ 10: 1)، وقال مقسماً مؤكداً: ﴿يّـس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾، (يّـس؛ 36: 1 - 2)، وبيّن أنه عليُّ حكيم محفوظ في (أمّ الكتاب): ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾، (الزخرف؛ 43: 4).

 

إذاً الكتاب كله من الحكمة المنزَّلة. ومحال عقلاً وشرعاً أن تكون الحكمة المنزّلة على محمد هي فقط نصّ القرآن العظيم، كما أسلفنا، فالقرآن العظيم كله من الحكمة المنزَّلة على محمد، وهو بعض الحكمة المنزَّلة على محمد حقيقة، فليس هو كل الحكمة المنزَّلة على محمد، بل هناك أشياء أخرى من (الحِكْمَة) المنزلة غير نص القرآن.

ــ وقال، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شيء عَلِيمٌ﴾، (البقرة؛ 2: 231). ونحن لم يتنزّل علينا شيء مباشرة، وإنما جاء التنزيل إلى محمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أولاً ثم أخذناه منه بعد ذلك. والنّكتة من ذكر التنزيل كأنه علينا مباشرة، هو أنه مُلزم لنا كأنه نزّل علينا مباشرة. وهو كله ملزم، شاف كاف: كتاباً وحكمة، قرآناً وسنة.

ــ وأمر الله أمّهات المؤمنين بأن يقرن في بيوتهن، وأثقل عليهن الحجاب، ليتفرغن لدراسة وحفظ وفهم ما يُتلى في بيوتهن من آيات الله، وكذلك لدراسة وفهم وحفظ الحكمة التي يتلقينها من النّبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، حيث قال، جل جلاله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً﴾، (الأحزاب، 33: 34).

ــ وقد امتنّ الله على المؤمنين قائلاً: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾، (آل عمران؛ 3:164)، وقال أيضاً: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾، (البقرة؛ 2: 151)، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾، (الجمعة، 62: 2). وقد جاء هذا استجابة لدعوة إبراهيم وإسماعيل: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، (البقرة؛ 2: 129).

 

فليس هو، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مجرّد آلة تسجيل، أو حامل بريد، يتلو آيات الله، ويا لها من مهمة عظيمة، ولكنه أيضاً يربّي ويهذّب ويصفّي ويزكّي، وهو مع ذلك معلّم: يعلّم أمّته الكتاب والحكمة. والمقصود بالكتاب هنا: القرآن العظيم، وربما كان المقصود (الكتابة) أي يمحو أميّتهم، ويجعلهم أمة علوم ودراسات وأبحاث، بعد أن كانوا أميين جهلاء، وكل ذلك حق، وكله قد أنجزه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، على أتم وجه.

ــ وليس محمد بدعاً من الرّسل في هذا، بل هذا هو شأن الأنبياء السابقين: آتاهم الله كتباً وحكمة: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، (آل عمران؛ 3: 81). وقد خصّ القرآن العظيم الوجيه المقرّب، المسيح بن مريم، صلوات الله وسلامه عليه وعلى والدته، بذكر مثل هذا عنه، في عدة مواضع فقال: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ والإنجيل﴾، (آل عمران؛ 3: 48)، وقال: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ والإنجيل وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، (المائدة؛ 5: 110). وكذلك آل إبراهيم: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً﴾، (النساء، 4: 54).

 

فثبت يقيناً، بلا شبهة، أنّ هناك وحي منزّل غير نص القرآن العظيم، هو (الحِكْمَة)، وهو بعينه (السنّة النبوية) الشريفة، بغير زيادة ولا نقصان. وأن (الحِكْمَة) وحي مُلزم، وحُجّة قاطعة، كالقرآن العظيم، سواءً بسواء.

 

فصل: معاني لفظة (الذّكر):

أما مادّة (ذَكَرَ)، ومشتقاتها، فقد وردت في القرآن العظيم، في معان عدة، من أهمها:

المعنى الأول: الكلام عن الشيء، والتحدّث عنه، والإشارة إليه، (وضد ذلك هو الإهمال والإعراض). والمصدر هو (ذِكْر). ومنه قولهم: (ذَكَرك فلان بخير)، وذلك في مثل قوله تعالى ذكره:

ــ ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾، (يوسف؛ 12: 42).

ــ ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً﴾، (الاسراء؛ 17: 46).

ــ ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾، (يوسف؛ 12: 85).

ــ ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾، (الانبياء؛ 21: 60)

ــ ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً﴾، (مريم؛ 19: 16)

ــ ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْأَلْنِي عَنْ شيء حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً،(الكهف؛ 18: 70)

ــ ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً، (الكهف؛ 18: 83)

ــ ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ: فَأَوْلَى لَهُمْ﴾، (محمد؛ 47: 20)

ومن هذا النوع الأول: (ذِكْر اللَّهِ) خاصة، بمعنى: ترديد اسمه والثناء عليه (بالتسبيح والتكبير والتهليل والدعاء، وشتى أصناف الذّكر). والمصدر هو (ذِكْر)، وهذا كثير جداً في القرآن:

ــ ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾، (البقرة؛ 2: 152).

ــ ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾، (آل عمران؛ 3: 41)؛

ــ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ؛ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً؛ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾، (الحج؛ 22: 40)؛

ــ ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾، (البقرة؛ 2: 203)؛

ــ ﴿يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، (المائدة؛ 5: 4)؛

ــ ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾، (صّ؛ 38: 32)؛

ــ ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾، (الأحزاب؛ 33: 35).

 ــ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، (الجمعة؛ 62: 9).

المعنى الثاني: ضد النّسيان، وهو حضور الشيء في الذهن. والمصدر هو (ذِكْر)، أو (الذِّكْرَى)، أو (تَذَكُّر)، وذلك في مثل قوله تعالى ذكره:

ــ ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً﴾، (الكهف؛ 18: 63)؛

ــ ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾، (غافر؛ 40: 44)؛

ــ ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الْأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾، (مريم؛ 19: 67)؛

ــ ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى، (الفجر؛ 89: 23)؛

 

المعنى الثالث: الحفظ والدراسة لاستحضار الشيء في الذهن وفهمه مستقبلاً، (وضد ذلك هو الإهمال، وعدم الدرس)، ومنه لفظة (المذاكرة، بمعنى مراجعة الدرس لتثبيت فهمه وحفظه، عادة من قبل شخصين أو أكثر، لأنها بصيغة المفاعلة) وذلك في مثل قوله تعالى ذكره:

ــ ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً﴾، (الأحزاب؛ 33: 34)، أي ادرسن وافهمن واحفظن ما يُتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة، أي من القرآن والسنّة، (لتبليغه بعد ذلك إلى الأمّة، وتعليمهم إياه).

ــ ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ، وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ، لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، (البقرة؛ 2: 63)، وكذلك: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ، وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، (لأعراف؛ 7: 171)، يعني: ادرسوا وافهموا واحفظوا ما آتيناكم.

ــ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾، (القمر؛ 54: 17، 22، 32، 40). أي: ولقد يسّرنا القرآن للدراسة والفهم والحفظ، فهل من دارس؟!

 

المعنى الرابع: السّمعة الطيبة والشهرة الحسنة، (لأن المشهور يتردد اسمه على ألسنة الناس، ويكون أقرب من غيره إلى أذهانهم). والمصدر هو (ذِكْر)، وذلك في مثل قوله تعالى ذكره:

ــ ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ، (الشرح؛ 94: 4)

ــ ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾، (الزخرف؛ 43: 44)، عند من فسّرها بأن هذا الدّين رفعة وشهرة حميدة لك ولقومك، بعد أن كانوا خاملين لا تعرفهم الأمم الأخرى، ولا تبالي بهم؛

ــ ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، (صّ؛ 38: 1)، عند من فسّرها بالقرآن ذي الشهرة، والمكانة الرفيعة: أي أُقسم وأؤكد بالقرآن ذي المكانة الرفيعة والشهرة الحميدة، وهذا هو أرجح تفاسيرها، خلافاً لمن قال: أقسم وأؤكد بالقرآن ذي العلوم والمعارف التي تستحق أن تحفظ وتدرس وتفهم، وإن كان هذا التفسير محتملاً أيضاً.

 

المعنى الخامس: الذّكر المنزَّل، وهو نوع من الوحي نزل من عند الله وهو بلفظة (ذِكْر) بعينها، لأنه يستحق أن (يذكر) أي أن: يحفظ ويدرس، وأن يستحضر دوماً في الأذهان. ولأنه يُذكّر الناس بعلاقتهم بالله، وبالقصد من وجودهم، والآخرة وبما ينتظرهم فيها من حساب ثم ثواب وعقاب، ولأنه يمتلئ بذكر الله والثناء عليه. والمصدر هو (ذِكْر). وهذا المعنى هو الذي يهمنا ها هنا، وذلك في مثل قوله تعالى ذكره:

ــ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، (النحل؛ 16: 44)، وكذلك: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾، (الانبياء؛ 21: 7). أي: فسألوا العلماء المطلعين على (الوحي المنزل)، كما هو موجود، مثلاً، في الكتب السابقة. ومن المحال الممتنع أن يكون المقصود (أهل القرآن)، لأنهم أصلاً يطعنون في نبوة محمّد، صلى الله عليه وسلم، لكونه بشر، فأمروا بسؤال أهل الكتب الأولى عن الأنبياء السابقين: هل كانوا من الملائكة، أم كانوا بشراً؟!

أما الفقرة الثانية، من الآية الثانية، وهي: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، فلها نقاش مستفيض في فصل خاص مع قوله، جل جلاله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، (الحجر، 15: 9)؛

ــ ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْماً بُوراً﴾، (الفرقان؛ 25: 18). أي: حتى نسوا (الوحي المنزّل) وأهملوه وأعرضوا عنه. و(الوحي المنزّل) هنا هو كل ما أنزله الله على مر العصور، كما يوجبه السياق، وليس فقط ما أنزل على محمّد، ومن باب أولى ليس هو فقط (نص القرآن)؛

ــ ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً﴾، (الفرقان؛ 25: 29). وهذه كسابقتها تعني (الوحي المنزّل) على الرسول، الذي لم يتبعه هذا الضال الهالك عندما ناح على نفسه، وعضّ على يده. وهذا حال كل ظالم لم يتخذ مع (الرسول) سبيلاً، وليس هو فقط حال من لم يتخذ مع (الرسول محمّد) سبيلاً.

ــ ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾، (يّـس؛ 36: 11)، وهذه كذلك كسابقتها تعني من اتبع (الوحي المنزّل)، إلا أنها مخصوصة بمحمّد، صلى الله عليه وسلم، كما هو بيّن من السياق؛

ــ ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾، (الانبياء، 21: 105). فهذا (الذِّكْرِ) شيء سابق على الزّبور، وأكثر المفسرين على أنه (اللوح المحفوظ)، الذي هو كناية عن علم الله أو تقديره السابق. فيكون تقدير الكلام حينئذ: لقد سبق في علمنا وتقديرنا: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾، وذلك قبل أن نكتب ذلك في الزبور (وهو اسم جنس للكتب المنزّلة عامة، أو كتاب داود، سلام الله، عليه خاصة). وقال بعض المفسرين أن (الذِّكْرِ) إنما قصد بها التوراة. ومهما يكن الأمر فإن (الذِّكْرِ) هنا قطعاً شيء آخر غير (نص القرآن).

ــ ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾، (الانبياء؛ 21: 50). يحتمل أن يكون المقصود: (وهذا القرآن ذكر مبارك)، كما يتبادر إلى الذهن، لأن القرآن ذكر مبارك، ولا جدال. ويحتمل أن يكون: (وهذا الوحي ذكر مبارك)، أو (هذه الرسالة ذكر مبارك)، لأن الوحي ذكر مبارك، ولا ريب، وهذا هو الأولى بالصواب لأنه جاء تعقيباً على إتيان موسى وهارون (الفرقان، وضياءً، وذكراً للمتقين) فناسب الذّكر أن يكون مجمل الوحي الذي أنزل على محمّد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكل ذلك حق، لا شك فيه؛

ــ ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ، وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾، (آل عمران؛ 3: 58). وتقدير الكلام هنا هو، على الأرجح: (تلك الآيات السابقة التي تحكي خبر اصطفاء آل عمران، ومولد يحيى بن زكريا، صلوات الله وسلامه عليهما، ومجمل قصة عيسى بن مريم، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى والدته، هي بعض ما نتلوه عليك من الآيات، وبعض ما نتلوه عليك من الذّكر الحكيم)، فيكون عطف (الآيات) المتلوّة على (الذّكر الحكيم) من باب عطف البعض على الكل، وعطف الخاص على العام تعظيماً لتلك الآيات المخصوصة، ورفعاً لقدرها، ولأسباب بلاغية وبيانية أخرى لا تخفى، بدلاً من أن يقول فقط: (ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ من الذِّكْرِ الْحَكِيمِ). فيكون الذّكر الحكيم من أسماء القرآن، بقرينة لفظة (نَتْلُوهُ)، ويكون الكلام هنا فقط عن القرآن. ومع ذلك فلا يترتب على هذا مطلقاً أن الذّكر هو القرآن فقط.

ولكن يحتمل أن يكون التقدير: (بعض ما نتلوه عليك من الآيات، وهو بعض ما أوحينا إليك من الذّكر الحكيم)، فيكون الذّكر الحكيم هو مجمل الوحي، متلواً أو غير متلو. وذلك بقرينة استخدام القرآن للفظة (الذّكر) للتعبير عن الوحي عموماً، وبقرينة أن نزول الآيات كان بعد مناظرة نصارى نجران، ودعوة لهم إلى المباهلة. ومعلوم ضرورة أن النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، جادلهم جدالاً طويلاً أكثره من كلامه وألفاظه، ولم يكتف بأن يقرأ عليهم بعض آي القرآن.

فحتى هذه الآية ليست قطعية في كون الذّكر الحكيم هو القرآن فقط، وإن كان هذا راجحاً. ولا شك أن القرآن ذكر، ولا شك أنه حكيم، وأنه يستحق أن يسمَّى بـ(الذِّكْرِ الْحَكِيمِ)، قطعاً ولا جدال، ولكن السؤال هو: هل الذّكر الحكيم هو القرآن حصراً بحيث لا يجوز أن يسمَّى غيره هكذا: (الذِّكْرِ الْحَكِيمِ)؟!

ــ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾، (فصّلت؛ 41: 41). و(الذِّكْرِ) ها هنا إما أن يكون من أسماء القرآن، الذي هو أيضاً (كتاب عزيز). ولكن قد يكون (الذِّكْرِ) اسماً لكل (الوحي المنزّل)، وهذا الوحي المنزّل أيضاً كله حق محفوظ، فهو إذاً (كتاب عزيز) لا يأتيه الباطل من بين بديه ولا من خلفه، وهو تنزيل من حكيم حميد. وليس هذا الكتاب بالضرورة هو (القرآن)، ولا هو بالضرورة مكتوب في قراطيس أو صحف أرضية، كما قد يتوهّم البعض؛

ــ ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، (لأعراف؛ 7: 63). وكذلك: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، (لأعراف؛ 7: 69). ولا يشك عاقل أن شبه الجملة: (ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ) تعني (وحي من ربكم) أو (رسالة من ربكم)، ولا علاقة لها بنص القرآن أصلاً، لأن الكلام هنا عن قوم نوح وقوم هود.

أما قوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾، (الانبياء؛ 21: 2)، وكذلك: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾، (الشعراء، 26: 5) فهي بالضرورة موجّهة إلى كفار قريش، وليس إلى الأمم السابقة، تستنكر عليهم إعراضهم عن كل وحي جديد، أو بلاغ جديد. وهذا البلاغ أو الوحي قد يكون قطعة من القرآن، وقد يكون غير ذلك، وكل ذلك (ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ). مثال ذلك: سؤاله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، بعد أن اعتلى الصفا، ونادى بطون قريش بطناً، بطناً: «أكنتم مصدّقي إن أخبرتكم أن جيشاً وراء هذا الجبل؟!»، أو كما قال، ثم تحذيرهم من عذاب شديد، فقال بعضهم: (تباً لك سائر اليوم: ألهذا دعوتنا؟!)، وأعرضوا وكفروا. والسيرة طافحة بمثل هذا؛

ــ وكذلك قوله، تباركت أسماؤه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾، (صّ؛ 38: 87)، يحتمل أن تكون الإشارة بـ(هذا) إلى القرآن، كما يحتمل أن تكون إلى الوحي والرسالة جملة، وهذا أولى بالسياق. وأيضاً: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾، (القلم، 68: 51 ــ 52)، لأنه عليه الصلاة والسلام لم يكن فقط يتلو القرآن، كأنه شريط مسجّل، ولم يكن القوم يتهمونه بالجنون فقط إذا تَلَى القرآن. ومثلها: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾، (التكوير، 81: 27)، وإن كان الأرجح ها هنا أن الإشارة إلى القرآن فقط، لأن السياق يؤكد أنه: ﴿قول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين﴾، ويؤكد: ﴿وما هو بقول شيطان رجيم﴾. ولا شك أن القرآن ذكر للعالمين، كما أنه لا شك أن القرآن ليس هو وحده (الذّكر) أو (ذكر للعالمين).

 ــ أما قوله، تقدّست صفاته: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾، (الحجر؛ 15: 6)، وكذلك: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾، (صّ؛ 38: 8)، ومثلها: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾، (القمر؛ 54: 25)، فيحتمل أن يكون المراد هو القرآن فقط، كما يتبادر إلى الذهن، ويحتمل أن يكون المقصود الرسالة كلها والوحي كله، وهذا هو الأولى ها هنا والأصح، لأنهم لم يكذبوا فقط كون القرآن من عند الله، وصدقوا النبي، عليه الصلاة والسلام في كل ما سواه، بل هم قد كذّبوا بنبوّته جملة.

ــ أما قوله، جل وعز: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ، إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾، (يّـس؛ 36: 69)، فيحتاج إلى تأَمُّل ونظر، فالظاهر أن تقدير الكلام هو: (إن هو إلا ذِكْر، وإن هو إلا قرآن مبين). أي: أن القرآن الذي ظننتم أنه من جنس الشعر، ليس كذلك لأن محمّداً ليس بشاعر، ولا ينبغي أن يكون شاعراً، ولم يعلّمه ربه الشعر أصلاً، بل هو ذكر أي وحي في محتواه، وقرآن بليغ مبيّن في صياغته. فالكلام هنا عن القرآن: عن جوهر معانيه، وعن صياغته. ويحتمل أن يكون عطف القرآن المبين على الذّكر من باب عطف الخاص على العام بمعنى: أن محمّداً ليس بشاعر، ولم يأت بشعر، وإنما جاء بوحي من عند الله، وبعض هذا الوحي الذي جاء به هو هذا (القرآن المبين)، الذي هو وحي متلو معجز، منزّل بلفظه وأحرفه، قد يلتبس على بعض الناس فيظنه نظماً شعرياً، ويظن قائله شاعراً؛

ــ أما قوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً﴾، (الطلاق؛ 65: 10 - 11)، فهو أوضح آي القرآن دلالة على أن الذّكر المنزّل ليس هو القرآن فقط، بل هو أوسع منه: هو، هذا الرسول الذي يتلو آيات الله مبيّنات. ولكننا نعلم بضرورة الحس والعقل أن الرسول مخلوق نشأ في الأرض، ولم ينزل بذاته ولحمه ودمه من السماء، فوجب، بالضرورة، أن يكون المنزّل غير ذات الرسول، أي غير صورة اللحم والدم، وإنما ذكرت (ذات الرسول) لأغراض بلاغية، منها: أن الوحي ليس هو الآيات المتلوّة فقط، فكأنه كله منزَّل بشحمه، ولحمه، وعظمه، ودمه، وأقواله وأفعاله، وأقاريره،.. إلخ. فوجب البحث عن ذلك، أي تحرير أي شيء من (الرسول) يستحق أن يكون منزّلاً. وقد أسلفنا تفصيل ذلك ببراهين من القرآن نفسه بأنه أقوال الرسول، وأفعاله، وتقريراته، على النّحو الذي فصّلناه آنفاً.

 

فثبت مما سلف ثبوتاً قطعياً لا شك فيه أن لفظة (الذّكر) أو (الذّكر المنزّل) أو (ذكر من عند الله) تعنى الوحي عموماً، وليست هي مرادفة للقرآن العظيم، ولا هي فقط من أسماء القرآن المجيد، وإن كان (الذّكر) و(الذّكر الحكيم)، بلا شك، من أسماء القرآن، وصفاته.

 

وسقطت بذلك شبهة القرآنيين بأن الذّكر المنزّل، وهو أيضاً الذّكر المحفوظ، إنما هو القرآن فقط، وأن السنّة ليست منزّلة، وليست هي من ثم حُجّة مُلزمة كالقرآن سواءً بسواء، وظهر تحكمهم بالباطل، وتناقضهم، وأنهم في الحقيقة مكذّبون للقرآن، مستخفّين به، وهم الذين يدعون الإيمان به وتعظيمه. والحق أنهم أهل مزاج وهوى، وبعضهم أهل نفاق وزندقة: يجادلون بالكتاب لنقض الكتاب، وهدم الإسلام: فلله الأمر من قبل ومن بعد.

 

فصل: شهادة السنّة على نفسها بالحجيّة

ولما كنّا قد أثبتنا بالبراهين القاطعة فيما سلف أن السنّة النبوية، وحي معصوم، أو بلفظ أدق: أن السنّة النبوية ليست هي بعينها وحي من الله، وإنما هي صياغة وتعبير نبوي معصوم عن وحي جاء من الله. كما أثبتنا أنها، أي السنّة النبوية، في نفس مرتبة الحجية كالقرآن، سواءً بسواء، وذلك بضرورات الحس والعقل، وبراهين القرآن، فقط من غير استخدام لنصوص السنّة نفسها، حتى لا نقع في الدور والمصادرة على المطلوب (وما أوردنا من نصوص السنّة إنما هو من باب الشواهد والاستئناس، وليس من باب الإثبات والبرهنة ... وحقاً على القارئ أن لا يسلم بذلك، بل عليه المراجعة المدققة بنفسه).

 

وإذ قد تمَّت البرهنة فعلاً على أن السنّة وحي معصوم، فلم تعد نصوصها مجرد شواهد ومتابعات تصلح للاستئناس فقط، بل قد أصبحت السنّة بذاتها برهاناً، وأصبح الاحتجاج بها جائزاً، بما في ذلك الاحتجاج بها لنفسها وعلى نفسها، لأنها إن كانت وحياً معصوما لم يجز أن تكون متناقضة، بل لا بد أن تكون متّسقة خالية من التناقض عموماً، ومتّسقة مؤكدة لكونها وحياً ملزماً معصوماً، في المقام الأول، وعلى وجه الخصوص (وذلك طبعاً بشرط ثبوت صحة نسبتها إلى النبي، عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأتمّ التسليم، ثبوتاً قطعياً يقينياً يتجاوز كل شك ممكن، أو ثبوتا ظنياً، بغلبة ظن قوي راجح يتجاوز كل شك معقول)، فمن ذلك:

* ما أخرج الإمام الحاكم في مستدركه (ج2/ص406/ح3417) عن عقبة بن عامر الجهني، رضي الله عنه: [أخبرني أبو بكر إسماعيل بن محمّد الفقيه بالري حدثنا أبو حاتم الرازي حدثني أبو أيوب سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي حدثني عبد الله بن وهب حدثنا مالك بن خير الزيادي عن أبي قبيل عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: (سيهلك من أمتي أهل الكتاب وأهل اللبن!)؛ قال عقبة: (ما أهل الكتاب يا رسول الله؟!)؛ قال: (قوم يتعلّمون كتاب الله يجادلون به الذين آمنوا!)؛ قال: فقلت: (ما أهل اللبن يا رسول الله؟!)؛ قال: (قوم يتّبعون الشهوات ويضيّعون الصلوات!)]؛ ثم قال الإمام الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)؛ قلت: وهو كما قال، كما سنفصّله في الملحق؛ وجاء مزيد بيان لـ(أهل اللّبن): (أناس يحبون اللّبن: فيخرجون من الجماعات ويتركون الجُمعات)، كما أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج4/ص146/ح17356)؛ أو: (يحبّون اللبن فيدعون الجماعات والجُمع ويبدون)، كما أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج4/ص155/ح17451)، والإمام أبو يعلى في مسنده (ج3/ص286/ح1746)؛ وتجده بنحو ما سلف من الألفاظ عند الإمام الطبراني في معجمه الكبير (ج17/ص296/ح815 - 817)؛ والإمام البخاري في خلق أفعال العباد (ج1/ص118)؛ وربما غيرهم.

فهذا الحديث، وهو صحيح ثابت، يدل على هلاك من تأوَّل القرآن على غير تأويله، وجادل به المؤمنين. وتأويل القرآن على وجهه إنما يعرف من طريق النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقط، مبلغاً ذلك البلاغ المعصوم عن الله، الذي تكفّل هو، جل وعز، ببيانه البيان الشافي اليقيني الملزم، لا غير، أليس هو، تباركت أسماؤه، الذي وعد، ووعده الحق: ﴿فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه﴾، (القيامة؛ 75: 18 ــ 19)، و﴿ومن أوفى بعهده من الله؟!﴾، (التوبة؛ 9: 111)؟!

 

* وأخرج الترمذي في سننه (ج5/ص199/ح2950) عن بن عباس، رضي الله تعالى عنهما: [حدثنا محمود بن غيلان حدثنا بشر بن السري حدثنا سفيان عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار)]، وقال أبو عيسى: (هذا حديث حسن صحيح)؛ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج1/ص233/ح2069)، (ج1/ص269/ح2429): والنسائي في سننه الكبرى (ج5/ص31/ح8084)، و(ج5/ص31/ح8085)؛ وأبو يعلى، والشهاب القضاعي، وغيرهم. والعلم اليقيني بالقرآن إنما يكون من طريق النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا غير، كما أسلفنا.

* وأخرج الإمام النّسائي في سننه (ج3/ص188/ح1578) بإسناد صحيح: [أخبرنا عتبة بن عبد الله قال: أنبأنا بن المبارك عن سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول في خطبته: يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: «من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له. إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار!»، ثم يقول: «بعثت أنا والساعة كهاتين»، وكان إذا ذكر الساعة احمرت وجنتاه، وعلا صوته، واشتد غضبه، كأنه نذير جيش يقول: صبّحكم مسّاكم، ثم قال: «من ترك مالا فلأهله، ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي أو علي وأنا أولى بالمؤمنين»]، وأخرج مثله الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج3/ص311/ح14373)، و(ج3/ص319/ح14471)؛ والنسائي في سننه الكبرى (ج1/ص550/ح1786)، و(ج3/ص450/ح5892)؛ وابن خزيمة في صحيحه (ج3/ص144/ح1785)؛ وغيرهم. وجاء مثله من كلام عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، بأصح الأسانيد.

 

* وعن طلحة بن نضيلة، رضي الله عنه، قال: قيل لرسول الله في عام سنة: (سعِّر لنا، يا رسول الله!)، فقال: «لا يسألني الله عن سنّة أحدثتها فيكم، لم يأمرني بها؛ ولكن اسألوا الله من فضله!». وهذا حديث صحيح، كما هو مبرهن عليه في الملحق، مؤكد لما أسلفناه من كونه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا يأمر بشيء، ولا ينهي عن شيء من عند نفسه، وإنما يبلّغ فقط عن ربه، جل وعز، في كل صغيرة وكبيرة. والحديث رواه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني»، والبيهقي في «المدخل»، والطبراني من طرق، والنصر المقدسي في كتاب «الحُجّة»، وابن قانع، وابن السكن، وغيرهم.

 

* وعن عائشة قالت: قال رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ستة لعنتهم، لعنهم الله، وكل نبي مجاب: المكذب بقدر الله؛ والزائد في كتاب الله؛ والمتسلّط بالجبروت يذل من أعز الله، ويعز من أذل الله؛ والمستحل لحُرَم الله؛ والمستحل من عترتي ما حرّم الله؛ والتارك لسنّتي»، حديث صحيح، أخرجه الحاكم، (ج1/ص91/ح102)، وقال: (هذا حديث صحيح، ولا أعرف له علة، ولم يخرجاه)، واضطرب فيه الذهبي فوافق الحاكم على تصحيحه في موضع، وسكت في موضع، واعترض في موضع ثالث، ثم أخرجه في «الكبائر»، بعد أن استكمل طلبه للعلم، ونضجت شخصيته العلمية، رحمه الله، وقال: (إسناده صحيح)، وهو الحق كما سنبيّنه في الملحق! وجاء من طرق حسان عن الأئمة زين العابدين علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده، رضوان الله وسلامه عليهم، وأخرجه الحاكم في مواضع أخرى من مستدركه (ج2/ص572/ح3940)، و(ج2/ص572/ح3941)، و(ج4/ص101/ح7011)؛ والترمذي في سننه (ج4/ص457/ح2154)؛ وأخرجه ابن حبان في صحيحه (ج13/ص61/ح5749)؛ والطبراني في معجمه الكبير (ج3/ص127/ح2883)؛ والطبراني في معجمه الأوسط (ج2/ص186/ح1667)؛ وغيرهم. وله متابعة عند الطبراني في معجمه الكبير (ج17/ص43/ح89)، عن عمرو بن سعواء اليافعي، رضي الله عنه، ولكنه زاد سابعاً: «والمستأثر بالفيء».

والحديث حجة قاطعة على أن ترك السنّة من أكبر الكبائر الموبقة الشنيعة: في مرتبة واحدة مع الزيادة في كتاب الله، واستحلال محرمات الله، وكل ذلك كفر وشرك بالله، على طرف نقيض من الإسلام، والإيمان، والتوحيد.

 

* وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يكتب عن رسول الله، في مجالسه، مباشرة، فانتهره رجال من قريش فقالوا: (تكتب عن رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإنما هو بشر يغضب كما يغضب البشر؟!). قال عبد الله: فأتيت رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقلت: (إن قريشاً تقول كذا وكذا)! فأومأ إلى شفتيه الشريفتين فقال: «والذي نفسي بيده! ما يخرج مما بينهما إلا الحق! فاكتب!». هذا حديث صحيح، أخرجه الحاكم في مستدركه (ج1/ص186/ح357)،وصححه، ووافقه الذهبي، وهذا لفظه من طريق عبد الواحد بن قيس عن عبد الله بن عمرو. وأخرج نحوه من طريق ثانية، هي طريق يوسف بن ماهك عنه بإسناد صحيح كذلك، وهي نفس الطريق الصحيحة الثانية التي أخرجها أحمد في مسنده؛ وهناك طرق أخرى صحاح وحسان عن غير هذين التابعين الثقتين: فهذا نقل تواتر عن عبد الله بن عمرو بن العاص. فالنبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، إذاً معصوم من أن يقول إلا الحق في حالتي الغضب والرضا، على حد سواء. وهو كذلك في حالتي الجد والمداعبة، على حد سواء، كما سيأتي فوراً:

 

* عن أبي هريرة عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «إني لا أقول إلا حقا!»، قال بعض أصحابه: (فإنك تداعبنا، يا رسول الله؟!)، فقال: «إني لا أقول إلا حقا». هذا حديث صحيح، أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج2/ص340/ح8462)، و(ج2/ص360/ح8708)؛ وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (ج1/ص102/ح265)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج10/ص248/ح20962 - 20963)؛ والترمذي في سننه (ج4/ص357/ح1990)، وقال: (هذا حديث حسن صحيح)؛ وغيرهم. وقد أثبتنا صحته في الملحق.

 

* وأخرج أبو داود في سننه (ج3/ص170/ح3050)، عن العرباض بن سارية السلمي، رضي الله عنه، بإسناد جيد قوي، تقوم به الحجة بذاته، صححه الإمام الحجة علي بن حزم الأندلسي، وحسّنه الألباني، وهو صحيح يقيناً، ولا شك، بشواهده ومتابعاته، كما سيأتي. قال العرباض بن سارية السلمي، رضي الله عنه: [نزلنا مع النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، خيبر، ومعه من معه من أصحابه، وكان صاحب خيبر رجلاً مارداً منكراً، فأقبل إلى النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: (يا محمّد! ألكم أن تذبحوا حُمُرنا، وتأكلوا ثمرنا، وتضربوا نساءنا؟!!)، فغضب النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقال: «يا ابن عوف! اركب فرسك ثم نادي: إن الجنة لا تحل إلا لمؤمن، وأن اجتمعوا للصلاة!»، قال: فاجتمعوا للصلاة، فصلى بهم رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم قام خطيباً فقال: «أيحسب أحدكم (وفي رواية: لا أجد أحدكم) متكئاً على أريكته قد يظن أن الله لم يحرم شيئاً إلا ما في القرآن؟!! ألا وإني، والله، قد أمرت، ووعظت، ونهيت عن أشياء: إنها مثل هذا القرآن، أو أكثر! وإن الله، عز وجل، لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب، إلا بإذن، ولا ضرب نسائهم، ولا أكل ثمارهم، إذا أعطوكم الذي عليهم»]؛ وأخرجه الطبراني في معجمه الكبير (ج18/ص258/ح645)؛ وفي مسند الشاميين (ج1/ص401/ح695)؛ وفي معجمه الأوسط (ج7/ص184/ح7226)؛ وابن أبي عاصم عمرو الشيباني في الآحاد والمثاني (ج3/ص46/ح1336)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج9/ص204/ح18508)؛ وغيرهم.

تأمل هذا الحديث الجميل الجليل، الذي هو من دلائل نبوته، بأبي هو وأمي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم:

ــ ففي الأول نادى النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في الناس بأن الجنة حرام على الكفار، ولن يدخلها إلا مؤمن، فليحذر لذلك كل أمرئ لنفسه، وليفتش عن صدق إيمانه!

ــ ودعاهم إلى الاجتماع للصلاة، ولما خطبهم نبَّه على أن الله، عز وجل، حلل، وحرم، ووعظ، ونهى عن أشياء كثيرة على لسانه هو، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في خارج القرآن، ولم ترد في القرآن، وأنها في الحجية كالقرآن، سواءً بسواء، وأنها في العدد مثل القرآن، أو حتى أكثر.

ــ وبعد هذه القاعدة الكبرى، أصّل قاعدة صغرى: الحرمة الكاملة لكرامة، وأعراض، ودماء، وأموال، وبيوت أهل الذمة، مثل حرمة المسلمين سواءً بسواء، ما داموا يخضعون لنظام الإسلام، ويدفعون ما عليهم من خراج، وجزيه، ونحوه. وهذا بيان لقوله تعالى: ﴿حتى يؤتوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾، (التوبة؛ 9:29). فلفظة «صاغرون» في الآية الكريمة ها هنا: لا تعني الإذلال والمهانة، وانتقاص الحرمة والكرامة، وهو معنى جائز لهذه اللفظة في لغة العرب، كما قال رب العزة، جلت قدرته، لإبليس اللعين: ﴿... فاخرج، إنك من الصاغرين، (الأعراف؛ 7: 13)، وهو ما قال به بعض أئمة الفقه الأعلام، من أمثال الإمام الأعظم أبي حنيفة، وإنما تعني: خاضعون، أي ما داموا يخضعون لنظام الإسلام، ويدفعون ما عليهم من خراج وجزيه ونحوه، ولولا هذا البيان المعصوم القاطع، لوجب علينا فهم «صاغرون» بكل ما تقتضيه في لغة العرب، أو البقاء في حيرة من أمرنا: ماذا نرجح: وهذه ورطة لا أدري كيف يخرج منها «القرآنيون»؟!

ــ ويؤيد ما قلناه عن (الحرمة الكاملة لكرامة، وأعراض، ودماء، وأموال، وبيوت أهل الذمة، مثل حرمة المسلمين سواءً بسواء) ما جاء في كتابه، صلوات الله عليه وعلى آله، لأهل نجران: [(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ): هَذَا مَا كَتَبَ مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، لِنَجْرَانَ إِذْ كَانَ عَلَيْهِمْ حُكْمُهُ: فِي كُلِّ ثَمَرَةٍ وَكُلِّ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ وَسَوْدَاءَ وَرَقِيقٍ، وَأَفْضَلَ عَلَيْهِمْ، وَتَرَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ مِنْ حُلَلِ الْأَوَاقِي فِي كُلِّ رَجَبٍ أَلْفُ حُلَّةٍ، وَفِي كُلِّ صَفَرٍ أَلْفُ حُلَّةٍ، وَمَعَ كُلِّ حُلَّةٍ أُوقِيَّةٌ مِنَ الْفِضَّةِ فَمَا زَادَتْ عَلَى الْخَرَاجِ أَوْ نَقَصَتْ عَنِ الْأَوَاقِي فَبِالْحِسَابِ، وَمَا قَضَوْا مِنْ دُرُوعٍ أَوْ خَيْلٍ أَوْ رِكَابٍ أَوْ عُرُوضٍ أُخِذَ مِنْهُمْ بِالْحِسَابِ، وَعَلَى نَجْرَانَ مُؤْنَةُ رُسُلِي، وَمُتْعَتُهُمْ مَا بَيْنَ عِشْرِينَ يَوْمًا فَدُونَهُ، وَلَا تُحْبَسُ رُسُلِي فَوْقَ شَهْرٍ، وَعَلَيْهِمْ عَارِيَةٌ ثَلَاثِينَ دِرْعًا وَثَلَاثِينَ فَرَسًا وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا إِذَا كَانَ كَيَدٌ وَمَعَرَّةٌ، وَمَا هَلَكَ مِمَّا أَعَارُوا رُسُلِي مِنْ دُرُوعٍ أَوْ خَيْلٍ أَوْ رِكَابٍ فَهُوَ ضَمَانٌ عَلَى رُسُلِي حَتَّى يؤَدُّوهُ إِلَيْهِمْ، وَلِنَجْرَانَ وَحَاشِيَتِهَا جِوَارُ اللهِ وَذِمَّةُ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَمِلَّتِهِمْ وَأَرْضِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَغَائِبِهِمْ وَشَاهِدِهِمْ وَعَشِيرَتِهِمْ وَبِيَعِهِمْ وَأَنْ لَا يُغَيِّرُوا مِمَّا كَانُوا عليه وَلَا يُغَيَّرُ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِهِمْ وَلَا مِلَّتِهِمْ، وَلَا يغيّروا أسقف من اسقفيته وَلَا رَاهِبٌ مِنْ رَهْبَانِيَّتِهِ، وَلَا وَاقِهًا مِنْ وُقَيْهَاهُ (الوَاقِه: ولي العهد بلغتهم؛ يعني: الوصي أو ناظر الوقف، فتكون الجملة: (وَلَا وَاقِفًا عَنْ وَقْفَانِيَّتِهِ) كما هو نص الطبقات الكبرى عبارة بالمعني مع تقصير واضح)، وكلما تَحْتَ أَيْدِيهِمْ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ دِنْيَةٌ؛ وَلَا دَمُ جَاهِلِيَّةٍ؛ وَلَا يُحْشَرُونَ؛ وَلَا يُعْشَرُونَ؛ وَلَا يَطَأُ أَرْضَهُمْ جَيْشٌ، وَمَنْ سَأَلَ فِيهِمْ حَقًّا فَبَيْنَهُمُ النِّصْفُ غَيْرَ ظَالِمِينَ وَلَا مَظْلُومِينَ بِنَجْرَانَ، وَمَنْ أَكَلَ رِبًا مِنْ ذِي قَبَلٍ فَذِمَّتِي مِنْهُ بَرِيئَةٌ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ رَجُلٌ بِظُلْمِ آخَرَ، وَعَلَى مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ جِوَارُ اللهِ عَزَّ وجل وذمة مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، أَبَدًا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ، مَا نَصَحُوا وَأَصْلَحُوا فِيمَا عَلَيْهِمْ غَيْرَ مُثْقَلِينَ بِظُلْمٍ): شَهِدَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَغَيْلَانُ بْنُ عَمْرٍو، وَمَالِكُ بْنُ عَوْفٍ مِنْ بَنِي نَصْرٍ، وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيُّ، وَالْمُغِيرَةُ، وَكَتَبَ]، كذا جاء في دلائل النبوة للبيهقي [محققا (5/385)] مشكولاً؛ وهو بعينه في دلائل النبوة للبيهقي (5/485/2126، بترقيم الشاملة آليا) غير مشكول؛

 

* وأخرج أبو داود في سننه (ج4/ص200/ح4605)، كذلك عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: «لا ألفين أحدَكم متكئاً على أريكته، يأتيه الأمر من أمري، مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا ندري! ما وجدنا في كتاب الله اتّبعناه». هذا حديث صحيح، غاية في الصحة. وأخرجه الحميدي في مسنده (ج1/ص252/ح551)؛ وابن ماجه في سننه (ج1/ص7/ح13)؛ والطحاوي في شرح معاني الآثار (ج4/ص209/ح0)؛ والطبراني في معجمه الكبير (ج1/ص316/ح934)، و(ج1/ص327/ح975)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج7/ص76/ح13219)؛ والطبراني في معجمه الأوسط (ج8/ص292/ح8671)؛ أخرجه الترمذي في سننه (ج5/ص38/ح2663)، وقال: (حديث حسن صحيح)؛ والحاكم في مستدركه (ج1/ص191/ح368) بأسانيد صحاح من طريق سفيان بن عيينة، وآخر من طريق مالك، وثالث من طريق الليث بن سعد، وكفاك بهذه الأسانيد قوة، وقال: (وهو صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)؛ وغيرهم. فهو في غاية الصحة، لا سيما مع الشواهد السابقة والتالية.

* أخرج الإمام الطبراني في معجمه الكبير (ج20/ص284/ح670) بأسانيد في غاية الصِّحة: [حدثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي حدثنا علي بن عياش الحمصي (ح) وحدثنا أبو زيد أحمد بن عبد الرحيم بن زيد الحوطي حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع قالا: حدثنا حريز بن عثمان (ح) وحدثنا الحسين بن إسحاق التستري حدثنا علي بن بحر حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا حريز بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي عوف عن المقدام بن معدي كرب قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (أوتيت الكتاب ومثله؛ ألا يوشك شبعان على أريكته يقول عليكم بالقرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرّموه: ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي؛ ولا كل ذي ناب من السباع؛ ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها؛ ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه)]؛ وأخرجه الإمام أبو داود في سننه (ج4/ص200/ح4604)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج4/ص131/ح17213)؛ والطبراني في مسند الشاميين (ج2/ص137/ح1061)؛ والأشيب في جزئه (ج1/ص74/ح50)؛ وغيرهم.

 

* وأخرج الإمام الطبراني في معجمه الكبير (ج20/ص283/ح669) بإسناد حسن لذاته، صحيح بالمتابعات الآنفة: [حدثنا أحمد بن المعلى الدمشقي والحسين بن إسحاق التستري قالا: حدثنا هشام بن عمار حدثنا يحيى بن حمزة حدثني محمّد بن الوليد الزبيدي عن مروان بن رؤبة عن عبد الرحمن بن أبي عوف الجرشي عن المقدام بن معدي كرب أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (أوتيت الكتاب وما يعدله؛ يوشك شبعان على أريكته يقول بيننا وبينكم هذا الكتاب فما كان فيه من حلال أحللناه، وما كان فيه من حرام حرّمناه؛ ألا وإنه ليس كذلك: لا يحلّ ذو ناب من السِّباع، ولا الحمار الأهلي، ولا اللقطة من المعاهد إلا أن يستغني عنها، وأيما رجل ضاف قوما ولم يقروه فعليهم أن يغصبهم بمثل قراه)]؛ وأخرجه الإمام ابن حبان في صحيحه (ج1/ص190/ح12)، (ج1/ص212/ح12)؛ وأبو داود في سننه (ج3/ص355/ح3804)؛ والطحاوي في شرح معاني الآثار (ج4/ص209/ح0)؛ والطبراني في معجمه الكبير (ج20/ص282/ح667)؛ والدارقطني في سننه (ج4/ص287/ح59)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج9/ص332/ح1925)؛ وغيرهم.

 

* وأخرج الإمام الحاكم في مستدركه (ج1/ص191/ح371): [فأخبرناه أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي حدثنا عبد الله بن صالح أن معاوية بن صالح أخبره وأخبرنا أحمد بن جعفر القطيعي حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي حدثنا عبد الرحمن وهو بن مهدي حدثنا معاوية بن صالح حدثني الحسن بن جابر أنه سمع المقدام بن معد يكرب الكندي صاحب النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول: حرَّم النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أشياء يوم خيبر، منها الحمار الأهلي، وغيره، فقال رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته يحدَّث بحديثي فيقول: (بيني وبينكم كتاب الله: فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه حراماً حرّمناه). وإن ما حرّم رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما حرّم الله!»]؛ وهذا حديث صحيح على شرط الإمام مسلم، أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج4/ص132/ح17233)؛ والترمذي في سننه (ج5/ص38/ح2664)؛ وابن ماجه في سننه (ج1/ص6/ح12)؛ والطبراني في معجمه الكبير (ج20/ص275/ح649)، و(ج20/ص275/ح650)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج7/ص76/ح13220)، و(ج9/ص332/ح19252)؛ والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج5/ص122/ح24330)؛ والدارمي في سننه (ج1/ص153/ح586)؛ وغيرهم. وصححه الألباني ونسبه كذلك إلى عباس الترقفي في «حديثه»، وعدّد طرقاً كثيرة له صحاح وحسان.

 

* وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا أعرفن أحداً منكم أتاه عني حديث، وهو متكئ في أريكته، فيقول: اتل عليّ به قرآناً!»، أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج2/ص367/ح8787) بإسناد فيه إمام المغازي أبو معشر السندي، وهو صدوق فيه ضعف، وهو عند ابن ماجه، (ج1/ص10/ح21)، من طريق أخرى مستقلة، لكنها أضعف. فلعل أصل الحديث عن أبي هريرة، ومنه هذا الجزء من الحديث، يُحَسَّن بمجموعهما، وبالشواهد السابقة.

 

* وجاء في المراسيل لأبي داود (ج2/ص360/534): [حدثنا عبد السلام بن عتيق الدمشقي حدثنا أبو مسهر حدثني خالد بن زيد حدثني هشام بن الغاز عن مكحول قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (آتاني الله القرآن ومن الحكمة مثليه)]

 

* وجاء في المراسيل لأبي داود (ج1/ص360/535): [حدثنا عدي بن حماد أخبرنا الليث عن ابن عجلان عن أبي سعيد مولى ابن كريز عن الحسن البصري أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (من أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل؛ قالوا: (وما الحدث يا رسول الله؟!)؛ قال: (بدعة بغير سنّة؛ مثلة بغير حد؛ نهبة بغير حق)]

 

* وجاء في المراسيل لأبي داود (ج2/ص361/536): [حدثنا محمد بن المثنى حدثنا روح بن عبادة حدثنا الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: (كان جبريل عليه السلام ينزل على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالسنّة كما ينزل عليه بالقرآن ويعلّمه إياها كما يعلّمه القرآن)]، وأخرجه الدارمي، (ج1/ص153/588)، عن محمد بن كثير عن الأوزاعي.

 

فهذا إذاً كأنه نقل تواتر، شهد عليه كل من: العرباض بن سارية السلمي، وأبو رافع، والمقدام بن معدي كرب الكندي، وأبو هريرة، رضي الله عنهم، أنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، قد أوتيَ «القرآن، ومثله معه»، كما هو لفظ بعض طرق الحديث أو أنه: «قد أمر، ووعظ، ونهى عن أشياء: إنها مثل هذا القرآن، أو أكثر!»، أو «إن ما حرّم رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما حرّم الله!»، ونحو ذلك من المعاني المتواترة المتطابقة.

 

* وعن الحسن البصري قال: [بينما عمران بن حصين، رضي الله عنه، يحدث عن سنّة نبينا، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إذ قال رجل: يا أبا نجيد حدثنا بالقرآن، فقال له عمران: أنت وأصحابك يقرؤون القرآن، أكنت محدّثي عن الصلاة، وما فيها، وحدودها؟! أكنت محدثي عن الزكاة في الذّهب، والإبل، والبقر، وأصناف المال؟! ولكن قد شهدتُ وغبتَ! ثم قال: فرض علينا رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في الزكاة كذا، وكذا! وقال الرجل: أحييتني أحياك الله!] وقال الحسن البصري، رحمه الله: [فما مات ذلك الرجل حتى صار من فقهاء المسلمين]، هذا كذلك أثر صحيح، أخرجه الحاكم في مستدركه (ج1/ص192/ح372) وقال صحيح الإسناد؛ والطبراني في معجمه الكبير (ج18/ص166/ح369).

 

* وأخرجه أبو داود في سننه (ج2/ص95/ح1561) من طريق ثانية، من زاوية أخرى طريفة: [حدثنا محمد بن بشار حدثني محمد بن عبد الله الأنصاري حدثنا صرد بن أبي المنازل قال: سمعت حبيبا المالكي قال: قال رجل لعمران بن حصين: يا أبا نجيد إنكم لتحدّثوننا بأحاديث ما نجد لها أصلا في القرآن! فغضب عمران وقال للرجل: أوجدتم في كل أربعين درهما درهم ومن كل كذا وكذا شاة شاة ومن كل كذا وكذا بعيرا كذا وكذا؟ أوجدتم هذا في القرآن؟ قال: لا، قال: فعن من أخذتم هذا؟ أخذتموه عنا وأخذناه عن نبي الله، صلى الله عليه وسلم، وذكر أشياء نحو هذا]؛ وأخرجه الطبراني في معجمه الكبير (ج18/ص220/ح547) بتمام لفظه: [حدثنا يحيى بن زكريا الساجي وأحمد بن زهير التستري قالا: حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري حدثنا صرد بن أبي المبارك قال: سمعت حبيب بن أبي فضالة المكي قال: لمّا بني هذا المسجد، مسجد الجامع، كان عمران بن حصين جالساً فذكروا عنده الشفاعة فقال رجل من القوم: (يا أبا نجيد: إنكم لتحدّثونا بأحاديث ما نجد لها أصلا في القرآن!)؛ فغضب عمران بن حصين وقال للرجل: قرأت القرآن؟ قال: نعم، قال: وجدت فيه صلاة المغرب ثلاثا وصلاة العشاء أربعا وصلاة الغداة ركعتين والأولى أربعا والعصر أربعا؟ قال: لا، قال: فعمّن أخذتم هذا الشأن؟ ألستم أخذتموه عنا وأخذناه عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ أوجدتم في كل أربعين درهما درهم وفي كل كذا وكذا شاة وفي كل كذا وكذا بعير كذا أوجدتم في القرآن؟ قال: لا، قال: فعمّن أخذتم هذا؟ أخذناه عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأخذتموه عنا؟ قال: فهل وجدتم في القرآن وليطوفوا بالبيت العتيق؟ وجدتم هذا: طوفوا سبعا واركعوا ركعتين خلف المقام؟ أوجدتم هذا في القرآن عمن أخذتموه؟ ألستم أخذتموه عنا وأخذناه عن نبي الله، صلى الله عليه وسلم؟ أوجدتم في القرآن: لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام؟ قال: لا، قال: إني سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: (لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام)، أسمعتم الله يقول لأقوام في كتابه: ما سلككم في سقر، قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين حتى بلغ فما تنفعهم شفاعة الشافعين]

قلت: قد أحسن الإمام الحسن البصري: وهل يُتصور فقه من غير سنّة سيد ولد آدم، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهديه؟! ومن كان في شك من ذلك فلينظر في «فقه» الخوارج المعروفين بإهمالهم للسنّة، وما اشتهروا به من غلوّ شنيع، وانحراف بغيض، ومن أراد الاستزادة فعليه بأقوال «القرآنيين» منكري السنّة، وهي أقول مضحكة، بالغة من السُّخف والتهافت غاية النهاية، تشبه أحياناً أقوال السكارى والمجانين!

 

* وقال الإمام الطبراني في «المعجم الكبير»، (ج3/ص85/ح2737): [حدثنا أحمد بن النضر العسكري حدثنا أحمد بن النعمان الفراء المصيصي حدثنا عبد الرحمن بن عثمان الحاطبي عن أبيه عن عبد الله بن محمد الجهني عن عبد الله بن الحسن بن علي عن أبيه قال: صعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، المنبر يوم غزوة تبوك فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أيها الناس إني والله ما أمركم إلا بما أمركم الله به، ولا أنهاكم إلا عمّا نهاكم الله عنه، فأجملوا في الطلب! فوالذي نفس أبي القاسم بيده إن أحدكم ليطلبه رزقه كما يطلبه أجله فإن تعسر عليكم شيء منه فاطلبوه بطاعة الله عز وجل»]، وهذا ليس فيه جديد، وإنما هو زيادة شرح وبسط لنصوص القرآن آنفة الذكر، وهو عين قولنا: أنه، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، لا يأمر إلا بما أمر الله به، ولا ينهى إلا عما نهى الله عنه، ولا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.

 

* وأخرج الإمام البيهقي في سننه الكبرى (ج7/ص75/ح13217): [أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق وأبو بكر بن الحسن قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنبأ الربيع بن سليمان أنبأ الشافعي أنبأ عبد الوهاب الثقفي قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول حدثني بن أبي مليكة أن عبيد بن عمير الليثي حدثه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أمر أبا بكر رضي الله عنه أن يصلي بالناس فذكر الحديث إلى أن قال فمكث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مكانه وجلس إلى جنب الحجر يحذر الفتن وقال: (إني والله لا يمسك الناس علي بشيء: إلا أني لا أُحلّ إلا ما أحلّ الله في كتابه ولا أُحرّم إلا ما حرّم الله في كتابه)]؛

ــ وهو أيضاَ في «الطبقات الكبرى»، (ج2/ص256): [أخبرنا محمد بن عمر حدثني سليمان بن بلال وعاصم بن عمر عن يحيى بن سعيد عن بن أبي مليكة عن عبيد بن عمير قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في مرضه الذي توفي فيه: «أيها الناس والله لا تمسكون علي بشيء: إني لا أُحلّ إلا ما أحلّ الله، ولا أحرّم إلا ما حرّم الله. يا فاطمة بنت رسول الله، يا صفية عمة رسول الله: اعملا لما عند الله: إني لا أغني عنكما من الله شيئا»]؛ فلت: وهذا مرسل، والصحيح أنه عن عائشة، كما هو في الرواية التالية:

* فقد أخرج الإمام محمّد بن سعد في «الطبقات الكبرى»، (ج2/ص256): [أخبرنا محمد بن عمر حدثني سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمّد عن عائشة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال في مرضه الذي توفي فيه: «أيها الناس لا تعلّقوا علي بواحدة: ما أحللت إلا ما أحلّ الله، وما حرّمت إلا ما حرّم الله»]

 

* وأخرج الإمام الحاكم في مستدركه (ج2/ص5/ح2136): [أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أَنْبَأَ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مِلْحَانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ الثَّقَفِيِّ، عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيْسَ مِنْ عَمَلٍ يُقَرِّبُ إِلَى الْجَنَّةِ، إِلَّا قَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَلَا عَمَلٌ يُقَرِّبُ إِلَى النَّارِ، إِلَّا قَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ؛ لَا يَسْتَبْطِئَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ رِزْقَهُ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَلْقَى فِي رُوعِيَ أَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَنْ يَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَكْمِلَ رِزْقَهُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ أَيُّهَا النَّاسُ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنِ اسْتَبْطَأَ أَحَدٌ مِنْكُمْ رِزْقَهُ، فَلَا يَطْلُبْهُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُنَالُ فَضْلُهُ بِمَعْصِيَةٍ»]

ــ وأخرجه الإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنّفه (ج7/ص79/ح34332) من طريق ثانية: [حدثنا محمد بن بشر قال: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن عبد الملك بن عمير قال: أُخبرت أن ابن مسعود قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (أيها الناس إنه ليس من شيء يقرّبكم إلى الجنّة ويبعدكم من النار إلا قد أمرتكم به وليس شيء يقرّبكم من النار ويبعدكم من الجنّة إلا قد نهيتكم عنه؛ وإن الروح الأمين نفث في روعي أنه ليس من نفس تموت حتى تستوفي رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ولا يحملكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعاصي الله، فانه لا ينال ما عنده إلا بطاعته)]

ــ وهو في تفسير البغوي [إحياء التراث (3/566/1638)]: [أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمُظَفَّرِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الْفَقِيهُ أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ حَمْدُوَيْهِ الْمُطَّوِّعِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُوَجِّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عمرو أَخْبَرَنَا عَبْدَانُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا زُبَيْدُ الْيَامِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ لَيْسَ مِنْ شيء يُقَرِّبُكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيُبَاعِدُكُمْ مِنَ النَّارِ إِلَّا وَقَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَلَيْسَ شيء يُقَرِّبُكُمْ إِلَى النَّارِ وَيُبَاعِدُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا وَقَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ؛ وَإِنَّ الرُّوحَ الْأَمِينَ قَدْ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ وَلَا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعَاصِي اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا يُدْرَكُ مَا عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا بِطَاعَتِهِ». وَقَالَ هُشَيْمٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عن زبيد اليامي عَمَّنْ أَخْبَرَهُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ]، وبعينه في شرح السنة للبغوي (14/303/4111).

 

* وجاء في مسند الشافعي [ترتيب سنجر (4/64/1798)]: [أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ (هو: الدراوردي)، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «مَا تَرَكْتُ شَيْئًا مِمَّا أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ إِلا وَقَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَلا تَرَكْتُ شَيْئًا مِمَّا نَهَاكُمُ اللَّهُ عَنْهُ إِلا وَقَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ؛ وَإِنَّ الرُّوحَ الأَمِينَ قَدْ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّهُ لَيْسَ تَمُوتُ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ». أَخْرَجَهُ مِنْ كِتَابِ الرِّسَالَةِ]؛ وهو في الأسماء والصفات للبيهقي (1/499/427): [أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، فِي آخَرِينَ قَالُوا: حدثنا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أنا الشَّافِعِيُّ، به]، وبعينه في السنن الكبرى للبيهقي (7/121/13443)؛ وغيرها.

فهذا مؤيد لما سبقه من كون أمره ونهيه ليس إلا أمر ونهي من الله، لا غير. وفيه زيادة فائدة: أنه أكمل البلاغ عن الله، فما بقي خير من واجب أو مستحب إلا أمر به، ولا شر من حرام إلا نهى عنه، فلا يجوز أن يكون فاته شيء، ولا يجوز أن يستدرك عليه شيء. وهذا الإسناد مرسل، وهو صحيح إلى منتهاه، شاهد لما سبق من الروايات، فتعتضد به تلك الروايات، وتثبت صحتها.

 

* وجاء في «سنن ابن ماجه»، (ج1/ص15/ح42)، بإسناد صحيح: [حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَشِيرِ بْنِ ذَكْوَانَ الدِّمَشْقِيُّ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ (يَعْنِي ابْنَ زَبْرٍ) قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي الْمُطَاعِ، قَالَ: سَمِعْتُ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ، يَقُولُ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ، فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَعَظْتَنَا مَوْعِظَةَ مُوَدِّعٍ، فَاعْهَدْ إِلَيْنَا بِعَهْدٍ، فَقَالَ: «عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، وَسَتَرَوْنَ مِنْ بَعْدِي اخْتِلَافًا شَدِيدًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْأُمُورَ الْمُحْدَثَاتِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»]؛ وأخرجه الترمذي في سننه (ج5/ص45/ح2676) وقال: حسن صحيح؛ وابن ماجه في سننه (ج1/ص17/ح43)، و(ج1/ص17/ح44)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج4/ص126/ح17182)، و(ج4/ص126/ح17184)، و(ج4/ص127/ح17186 ــ 17187)؛ والحاكم في مستدركه (ج1/ص175/ح329)، و(ج1/ص176/ح331)، و(ج1/ص177/ح333) ثم قال الإمام الحاكم: (وقد استقصيت في تصحيح هذا الحديث بعض الاستقصاء على ما أدّى إليه اجتهادي، وكتب فيه كما قال إمام أئمة الحديث شعبة في حديث عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر لما طلبه بالبصرة والكوفة والمدينة ومكة ثم عاد الحديث إلى شهر بن حوشب فتركه ثم قال شعبة لإن يصح لي مثل هذا عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان أحب إلي من والدي وولدي والناس أجمعين، وقد صح هذا الحديث والحمد لله، وصلى الله على محمد وآله أجمعين)؛ وأخرجه الدارمي في سننه (ج1/ص58/ح95)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج10/ص114/ح20125)؛ والطبراني في معجمه الكبير (ج18/ص246/ح617 ــ 618)، و(ج18/ص248/ح622 ــ 624)، و(ج18/ص257/ح642)؛ والطبراني في مسند الشاميين (ج1/ص254/ح437)، و(ج1/ص402/ح697)، و(ج1/ص446/ح786)، و(ج2/ص198/ح1180)، و(ج2/ص299/ح1379)؛ والطبراني في معجمه الأوسط (ج1/ص28/ح66)؛ وغيرهم. ولكن تجنب الإمامان البخاري ومسلم إخراجه في الصحيحين.

 

فها هو، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، يأمر بالتمسك بسنّته، والعض عليها بالنواجذ، ويغلظ الوعيد على من أحدث في الدّين، وابتدع فيه، بأنه على طريق ضلالة تُرْدِي صاحبها في نار جهنم. وسنّته، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، هي أقواله، وأفعاله، وتقريراته، كما برهنا عليه آنفاً، لا يجوز أن تكون غير ذلك.

 

أما سنّة الخلفاء الراشدين المهديين، فهي: هديهم العام المبني على إرجاعهم كل شيء إلى القرآن والسنّة، لا غير، والتزامهم بأحكام الله في كل حال: في الحرب والسلم، والعسر واليسر، والغنى والفقر. وفي العدل في القضية، والقسمة بالسوية. وفي جمع المال من حقه، وصرفه في مستحقه. وفي إقامة حدود الله على القريب والبعيد، والعدوّ والصديق. ومن أهم ذلك:

(1) ــ الخضوع التام للشرع، والإقرار المطلق بسيادته، فيكون السيد الحاكم في الحقيقة هو الشرع، وليس الإنسان؛

(2) ــ استلام السلطة ببيعة صحيحة من المسلمين عن رضا واختيار، وليس اغتصاباً بقوة السلاح على طريقة قطّاع الطرق، ولا بالوراثة على طريقة الملوك المستبدّين أدعياء (الحق الإلاهي)، أو طريقة مُلاّك مزارع البقر؛

(3) ــ الإقرار بـ(سلطان الأمة) فلا يتصرفون في الشأن العام إلا تصرف الوكيل عن الأمة، فالسلطة عندهم مسؤولية والتزام، وعبء ثقيل يدعون الله أن يخرجهم منه سالمين؛ خلافاً للملوك الذين يتصرفون في السلطة تصرف المالك في ملكه الخاص، فهي حق لهم ومتاع يتمنون الاستمتاع به إلى الأبد.

 

هذه هي سنّة (سنّة الخلفاء الراشدين المهديين) التي يجب التمسك بها، وليست هي كسنّته، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، التي هي جميع أقواله وأفعاله وإقراراته، لأنه نبي معصوم، وهم بشر يخطؤون ويصيبون، وينسون ويتذكّرون، وتكون منهم المعاصي والذنوب، وقد اختلفت أحكامهم في المسألة الواحدة بما يستحيل شرعاً وعقلاً أن يكون حقاً كله.

 

بل قد جاء عن بعض الصحابة، وكبار التابعين، استخدام لفظة (كتاب الله المنزّل) في موارد نعلم علما يقينا قاطعاً، أنها ليست من نص القرآن، ولا هي مما جاء في الكتب القديمة، فلا مفر من اعتبارها نصوصاً من السنّة الشريفة، فمن ذلك:

* ما أخرجه الإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج7/ص530/ح37742) بإسناد صحيح: [حدثنا عبيد الله عن شيبان عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن عبد الله بن عمرو قال: (إنا لنجد في كتاب الله المنزّل صنفين في النار: قوم يكونون في آخر الزمان معهم سياط كأنها أذناب البقر يضربون بها الناس على غير جرم: لا يدخلون بطونهم إلا خبيثا؛ ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها)]؛ وبالقطع نعلم أن هذا لا وجود له في نص القرآن، ولا في شيء من الكتب القديمة، وهو ثابت في السنّة الشريفة:

ــ حيث أخرجه مسلم في صحيحه (ج3/ص1681/ح2128)، (ج4/ص2193/ح2128) بلفظ: [حدثني زهير بن حرب حدثنا جرير عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (صنفان من أهل النار لم أرهما قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا)]؛ وأخرجه ابن حبان في صحيحه ج16/ص503/ح7461؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج2/ص356/ح8650، ج2/ص440/ح9678، ج5/ص250/ح22204؛ والبيهقي في سننه الكبرى ج2/ص234/ح3077؛ وأبو يعلى في مسنده ج12/ص47/ح6690؛ والطبراني في معجمه الأوسط ج2/ص225/ح1811؛ وغيرهم.

ــ وأخرج الطبراني في معجمه الكبير (ج8/ص257/ح8000)، وفي معجمه الأوسط (ج5/ص257/ح5251) بعضه، فقال: [حدثنا محمد بن يعقوب بن سورة البغدادي حدثنا أبو الوليد الطيالسي (ح) وحدثنا أحمد بن علي الأبار البغدادي حدثنا علي بن عثمان اللاحقي قالا: حدثنا عبد الله بن بجير القيسي عن سيار الشامي عن أبي أمامة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (يخرج من هذه الأمة قوم معهم سياط كأنها أذناب البقر يغدون في سخط الله ويروحون في غضبه)].

ــ وأخرج الطبراني في معجمه الكبير (ج22/ص371/ح928) بعضه الآخر: [حدثنا محمد بن الحسين بن مكرم حدثنا إبراهيم بن المستمر العروقي حدثنا عمرو بن عاصم حدثنا حماد بن زيد المنقري حدثنا مخلد بن عقبة بن شرحبيل عن أبي شقرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيتم اللاتي ألقين على رؤوسهن مثل أسنمة البقر فأعلموهن أنه لا يقبل لهن صلاة)].

 

* وما أخرجه الإمام الحاكم في المستدرك على الصحيحين (ج4/ص577/ح8618): [وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ الْمُقْرِئُ، وَبَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَا: حدثنا أَبُو قِلَابَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، حدثنا أَبِي، حدثنا حُسَيْنُ بْنُ ذَكْوَانَ الْمُعَلِّمُ، حدثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيُّ، أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ الْعَنَزِيَّ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ حَجَّ مَرَّةً فِي إِمْرَةِ مُعَاوِيَةَ وَمَعَهُ الْمُنْتَصِرُ بْنُ الْحَارِثِ الضَّبِّيُّ فِي عِصَابَةٍ مِنْ قُرَّاءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، قَالَ: فَلَمَّا قَضَوْا نُسُكَهُمْ، قَالُوا: وَاللَّهِ لَا نَرْجِعُ إِلَى الْبَصْرَةِ حَتَّى نَلْقَى رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، صلى الله عليه وسلم، مَرْضِيًّا، يُحَدِّثُنَا بِحَدِيثٍ يُسْتَظْرَفُ نُحَدِّثُ بِهِ أَصْحَابَنَا إِذَا رَجَعْنَا إِلَيْهِمْ، قَالَ: فَلَمْ نَزَلْ نَسْأَلُ حَتَّى حَدَّثَنَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا نَازِلٌ بِأَسْفَلِ مَكَّةَ، فَعَمَدْنَا إِلَيْهِ، فَإِذَا نَحْنُ بِثِقَلٍ عَظِيمٍ يَرْتَحِلُونَ ثَلَاثَ مِائَةِ رَاحِلَةٍ، مِنْهَا مِائَةُ رَاحِلَةٍ وَمِائَتَا زَامِلَةٍ، فَقُلْنَا: لِمَنْ هَذَا الثَّقَلُ؟ قَالُوا: لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَقُلْنَا: أَكُلُّ هَذَا لَهُ؟ وَكُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّهُ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ تَوَاضُعًا، قَالَ: فَقَالُوا: مِمَّنْ أَنْتُمْ؟ فَقُلْنَا: مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، قَالَ: فَقَالُوا: الْعَيْبُ مِنْكُمْ حَقٌّ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، أَمَّا هَذه الْمِائَةُ رَاحِلَةٍ فَلِإِخْوَانِهِ يَحْمِلُهُمْ عَلَيْهَا، وَأَمَّا الْمائَتَا زَامِلَةٍ فَلِمَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ مِنَ النَّاسِ، قَالَ: فَقُلْنَا: دُلُّونَا عَلَيْهِ، فَقَالُوا: إِنَّهُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا نَطْلُبُهُ حَتَّى وَجَدْنَاهُ فِي دُبُرِ الْكَعْبَةِ جَالِسًا فَإِذَا هُوَ قَصِيرٌ أَرْمَصُ أَصْلَعُ بَيْنَ بُرْدَيْنِ وَعِمَامَةٍ، لَيْسَ عَلَيْهِ قَمِيصٌ، قَدْ عَلَّقَ نَعْلَيْهِ فِي شِمَالِهِ، فَقُلْنَا: يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنَّكَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، صلى الله عليه وسلم، فَحَدِّثْنَا حَدِيثًا يَنْفَعُنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ بَعْدَ الْيَوْمِ، قَالَ: فَقَالَ لَنَا: وَمَنْ أَنْتُمْ؟ قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ: لَا تَسْأَلْ مَنْ نَحْنُ، حَدِّثْنَا غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، قَالَ: فَقَالَ: مَا أَنَا بِمُحَدِّثُكُمْ شَيْئًا حَتَّى تُخْبِرُونِي مَنْ أَنْتُمْ، قُلْنَا: وَدِدْنَا أَنَّكَ لَمْ تُنْقِذْنَا وَأَعْفَيْتَنَا وَحَدَّثْتَنَا بَعْضَ الَّذِي نَسْأَلُكَ عَنْهُ، قَالَ: فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أُحَدِّثُكُمْ حَتَّى تُخْبِرُونِي مِنْ أَيِّ الْأَمْصَارِ أَنْتُمْ؟ قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْنَاهُ حَلَفَ وَلَجَّ قُلْنَا: فَإِنَّا نَاسٌ مِنَ الْعِرَاقِ، قَالَ: فَقَالَ: أُفٍّ لَكُمْ كُلُّكُمْ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، إِنَّكُمْ تَكْذِبُونَ وَتُكَذِّبُونَ وَتَسْخَرُونَ، قَالَ: فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى السُّخْرَى وَجَدْنَا مِنْ ذَلِكَ وَجْدًا شَدِيدًا، قَالَ: فَقُلْنَا مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَسْخَرَ مِنْ مِثْلِكَ، أَمَّا قَوْلُكَ الْكَذِبَ فَوَاللَّهِ لَقَدْ فَشَا فِي النَّاسِ الْكَذِبُ وَفِينَا، وَأَمَّا التَّكْذِيبُ فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَسْمَعُ الْحَدِيثَ لَمْ نَسْمَعْ بِهِ مِنْ أَحَدٍ نَثِقُ بِهِ فَإِذًا نَكَادُ نُكَذِّبُ بِهِ، وَأَمَّا قَوْلُكَ السُّخْرَى فَإِنَّ أَحَدًا لَا يَسْخَرُ بِمِثْلِكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَوَاللَّهِ إِنَّكَ الْيَوْمَ لِسَيِّدُ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا نَعْلَمُ نَحْنُ، إِنَّكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ، وَلَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّكَ قَرَأْتَ الْقُرْآنَ عَلَى مُحَمَّدٍ، صلى الله عليه وسلم، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ قُرَشِيٌّ أَبَرُّ بِوَالِدَيْهِ مِنْكَ، وَإِنَّكَ كُنْتَ أَحْسَنَ النَّاسِ عَيْنًا، فَأَفْسَدَ عَيْنَيْكَ الْبُكَاءُ، ثُمَّ لَقَدْ قَرَأْتَ الْكُتُبَ كُلَّهَا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَمَا أَحَدٌ أَفْضَلُ مِنْكَ عِلْمًا فِي أَنْفُسِنَا، وَمَا نَعْلَمُ بَقِيَ مِنَ الْعَرَبِ رَجُلٌ كَانَ يَرْغَبُ عَنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ مِصْرهِ حَتَّى يَدْخُلَ إِلَى مِصْرٍ آخَرَ يَبْتَغِي الْعِلْمَ عِنْدَ رَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ غَيْرُكَ، فَحَدِّثْنَا غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، فَقَالَ: مَا أَنَا بِمُحَدِّثُكُمْ حَتَّى تُعْطُونِي مَوْثِقًا أَلَّا تُكَذِّبُونِي وَلَا تَكْذِبُونَ عَلَيَّ وَلَا تَسْخَرُونَ، قَالَ: فَقُلْنَا: خُذْ عَلَيْنَا مَا شئتَ مِنْ مَوَاثِيقَ، فَقَالَ: عَلَيْكُمْ عَهْدُ اللَّهِ وَمَوَاثِيقُهُ أَنْ لَا تُكَذِّبُونِي وَلَا تَكْذِبُونَ عَلَيَّ وَلَا تَسْخَرُونَ لِمَا أُحَدِّثُكُمْ، قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ عَلَيْنَا ذَاكَ، قَالَ: فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْكُمْ كَفِيلٌ وَوَكِيلٌ، فَقُلْنَا: نَعَمْ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ عِنْدَ ذَاكَ: أَمَا وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ، وَالْبَلَدِ الْحَرَامِ، وَالْيَوْمِ الْحَرَامِ، وَالشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَلَقَدْ اسَتْسَمَنْتُ الْيَمِينَ أَلَيْسَ هَكَذَا؟ قُلْنَا: نَعَمْ قَدِ اجْتَهَدْتَ، قَالَ: «لَيُوشِكَنَّ بَنُو قَنْطُورَاءَ بْنِ كَرْكَرَيِّ خُنْسُ الْأُنُوفِ صِغَارُ الْأَعْيُنِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ، أَنْ يَسُوقُونَكُمْ مِنْ خُرَاسَانَ وَسِجِسْتَانَ سِيَاقًا عَنِيفًا، قَوْمٌ يُوفُونَ اللِّمَمَ، وَيَنْتَعِلُونَ الشَّعْرَ، وَيَحْتَجِزُونَ السُّيُوفَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ حَتَّى يَنْزِلُوا الَأَيْلَةَ»، ثُمَّ قَالَ: «وَكَمِ الْأَيْلَةُ مِنَ الْبَصْرَةِ؟» قُلْنَا: أَرْبَعُ فَرَاسِخَ، قَالَ: «ثُمَّ يَعْقِدُونَ بِكُلِّ نَخْلَةٍ مِنْ نَخْلِ دِجْلَةَ رَأْسَ فَرَسٍ، ثُمَّ يُرْسِلُونَ إِلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ أَنِ اخْرُجُوا مِنْهَا قَبْلَ أَنْ نَنْزِلَ عَلَيْكُمْ، فَيَخْرُجُ أَهْلُ الْبَصْرَةِ مِنَ الْبَصْرَةِ، فَيَلْحَقُ لَاحِقٌ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَيَلْحَقُ آخَرُونَ بِالْمَدِينَةِ، وَيُلْحَقُ آخَرُونَ بِمَكَّةَ، وَيَلْحَقُ آخَرُونَ بِالْأَعْرَابِ»، قَالَ: «فَيَنْزِلُونَ بِالْبَصْرَةِ سَنَةً، ثُمَّ يُرْسِلُونَ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ أَنِ اخْرُجُوا مِنْهَا قَبْلَ أَنْ نَنْزِلَ عَلَيْكُمْ، فَيَخْرُجُ أَهْلُ الْكُوفَةِ مِنْهَا فَيَلْحَقُ لَاحِقٌ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَلَاحِقٌ بِالْمَدِينَةِ، وَآخَرُونَ بِمَكَّةَ، وَآخَرُونَ بِالْأَعْرَابِ، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنَ الْمُصَلِّينَ إِلَّا قَتِيلًا أَوْ أَسِيرًا يَحْكُمُونَ فِي دَمِهِ مَا شَاءُوا»، قَالَ: فَانْصَرَفْنَا عَنْهُ وَقَدْ سَاءَنَا الَّذِي حَدَّثَنَا، فَمَشَيْنَا مِنْ عِنْدهِ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ الْمُنْتَصِرُ بْنُ الْحَارِثِ الضَّبِّيُّ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَدْ حَدَّثَتْنَا فَطَعَنْتَنَا، فَإِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ يُدْرِكُهُ مِنَّا، فَحَدَّثَنَا هَلْ بَيْنَ يَدَيْ ذَلِكَ عَلَامَةٌ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: «لَا تَعْدَمْ عَقْلَكَ، نَعَمْ بَيْنَ يَدَيْ ذَلِكَ أَمَارَةٌ»، قَالَ الْمُنْتَصِرُ بْنُ الْحَارِثِ: وَمَا الْأَمَارَةُ؟ قَالَ: «الْأَمَارَةُ الْعَلَامَةُ»، قَالَ: «وَمَا تِلْكَ الْعَلَامَةُ؟» قَالَ: «هِيَ إِمَارَةُ الصِّبْيَانِ، فَإِذَا رَأَيْتَ إِمَارَةَ الصِّبْيَانِ قَدْ طَبَّقَتِ الْأَرْضَ اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي أُحَدِّثُكَ قَدْ جَاءَ»، قَالَ: فَانْصَرَفَ عَنْهُ الْمُنْتَصِرُ فَمَشَى قَرِيبًا مِنْ غَلْوَةٍ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ، قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ: عَلَامَ تُؤْذِي هَذَا الشَّيْخَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى يُبَيِّنَ لِي فَلَمَّا رَجَعَ إِلَيْهِ بَيَّنَهُ]؛ ثم قال الحاكم: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ»، ووافقه الذهبي، فقال: (على شرط مسلم).

* وجاء في مصنف ابن أبي شيبة (7/56/34176) بإسناد صحيح: [حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ أَبِي الْمُخَارِقِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيِّ، قَالَ: أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَإِذَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وَكَعْبُ الْأَحْبَارِ يَتَحَدَّثُونَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ فَقَالَ عُبَادَةُ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جُمِعَ النَّاسُ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ وَيَسْمَعُهُمُ الدَّاعِي وَيَقُولُ اللَّهُ: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ [المرسلات: 39] الْيَوْمَ لَا يَنْجُو مِنِّي جَبَّارٌ عَنِيدٌ وَلَا شَيْطَانٌ مَرِيدٌ، قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: (إِنَّا نَجِدُ فِي الْكِتَابِ): أَنَّهُ يَخْرُجُ يَوْمَئِذٍ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ فَيَنْطَلِقُ مُعَنَّقًا حَتَّى إِذَا كَانَ بَيْنَ ظَهَرَانِي النَّاسِ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى ثَلَاثَةٍ، أَنَا أَعْرَفُ بِهِمْ مِنَ الْوَالِدِ بِوَلَدِهِ وَمِنَ الْأَخِ بِأَخِيهِ، لَا يُغْنِيهِمْ مِنِّي وِرْدٌ وَلَا تُخْفِيهِمْ مِنِّي خَافِيَةٌ: الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَكُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَكُلُّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ، قَالَ: فَيَنْطَوِي عَلَيْهِمْ فَيَقْذِفُهُمْ فِي النَّارِ قَبْلَ الْحِسَابِ بِأَرْبَعِينَ (قَالَ حُصَيْنٌ: إِمَّا أَرْبَعِينَ عَامًا أَوْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا)، قَالَ: وَيَهْرَعُ قَوْمٌ إِلَى الْجَنَّةِ فَتَقُولُ لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ: قِفُوا لِلْحِسَابِ، قَالَ: فَيَقُولُونَ: وَاللَّهِ مَا كَانَتْ لَنَا أَمْوَالٌ وَمَا كُنَّا بِعُمَّالٍ، قَالَ: فَيَقُولُ اللَّهُ: صَدَقَ عِبَادِي أَنَا أَحَقُّ مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، ادْخُلُوا الْجَنَّةَ، قَالَ: فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْحِسَابِ بِأَرْبَعِينَ إِمَّا قَالَ عَامًا وَإِمَّا يَوْمًا)]؛ وهو في الدر المنثور في التفسير بالمأثور (8/387): [وَأخرج سعيد بن مَنْصُور وَابْن أبي شيبَة وَابْن الْمُنْذر عَن أبي عبد الله الجدلي]؛ وهو في تفسير ابن أبي حاتم - محققا (10/3393/19092): [حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ الطَّرِيفِيُّ الْأَوْدِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بنحوه إلى قوله: فَتَنْطَوِي عَلَيْهِمْ فَتُقْذَفُ بِهِمْ في النار قبل الحساب بأربعين سنة]، وفيه سقط وتصحيف قبيح.

وليس ذكر (عنق من النار) في نص القرآن، ولا في شيء من الكتب الأولى التي بأيدي الناس، وإنما هو في الحديث النبوي الشريف، ومداره على عطية بن سعد الكوفي، وليس بالقوي، عن أبي سعيد الخدري عن نبي الله، صلى الله عليه وسلم، انه قال: (يخرج عنق من النار يتكلم يقول: وكلت اليوم بثلاثة: بكل جبار؛ وبمن جعل مع الله الها آخر؛ وبمن قتل نفسا بغير نفس فينطوي عليهم فيقذفهم في غمرات جهنم)؛ كذا أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج3/ص40/ح11372): [حدثنا معاوية بن هشام حدثنا شيبان عن فراس عن عطية عن أبي سعيد]

 

فثبت بمجموع الأدلة المذكورة أعلاه، يقيناً، وبغيره من البراهين القاطعة الكثيرة المتضافرة، التي يكفر منكرها، ويخرج من الإسلام بجحدها، أن السنّة النبوية الشريفة وحي من الله في مقام القرآن في حجيتها وإلزاميتها، سواءً بسواء، وإنما تميز نص القرآن بأنه وحي الله المتلو، أي أنه كلام الله بلفظه، جل وعلا، وبعجز الجن والإنس أن يأتوا بمثله، وبالتعبد بتلاوته.

 

فحجية السنّة النبوية الشريفة، وإلزاميتها لجميع الثقلين إلى يوم القيامة هو جوهر شهادة: (أن َّ محمداً رسول الله)، لا يشك في ذلك إلا كافر خبيث ملعون، لا علاقة له بالإسلام، ولا نصيب له من الإيمان، أو جاهل مركّب، حماره أعلم منه وأعقل، كجمهور «القرآنيين»، ومن سلك مسلكهم من البغال والحمير، والمخبولين، والحمقى والمغفلين!

 

فصل: تلخيص لبعض ما يجوز على الأنبياء، وما لا يجوز عليهم

ولعله من المناسب هنا، بناءً على ما سبق، تلخيص ما يجوز للأنبياء، وبخاصة نبينا محمد، عليه وعلى اله الصلاة والسلام، وما لا يجوز من جوانب القصور الإنساني الطبيعي:

(1)- يجوز عليه، وعلى إخوانه من الأنبياء السابقين، ما يجوز على سائر البشر من ظهور العدو وانتصاره عليهم، والتعرض للأذى، والإهانة، والتعذيب، والسجن، والإخراج من الوطن، وقطع الأطراف، والقتل، وغيره. وقد وقع كثير من ذلك عياناً، ومقتل يحيى بن زكريا، صلوات الله وسلامه عليهما، إرضاءً لعاهرة، مشهور معروف! وعصم بعض الأنبياء من ذلك: مثل موسى وهارون، صلوات الله وسلامه عليهما، من أول أمرهما، ونبينا محمد، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، في أواخر العهد المدني عندما عُصِم أخيراً من الناس: فصرف الحرس، وكان قبل ذلك يُحْرَس، وقد تعرّض قبل ذلك للأذى فرجمه سفلة ثقيف بالحجارة حتى أدموه، وألقى سفهاء قريش على ظهره الشريف القذر، وشج رأسه، وكسرت رباعيته يوم أحد، إلى غير ذلك من أنواع الأذى، قبل عصمته من الناس!

 

(2)- ويجوز عليه، وعلى إخوانه من الأنبياء السابقين، ما يجوز على سائر البشر من المرض في البدن بكل أنواعه، خفيفاً أو شديداً، منفّراً أو غير منفّر، إلا ما يمنّ الله على بعضهم بالسلامة منه، كأمن نبينا محمّد، صلوات الله وسلامه عليه، أن يصاب بذات الجنب، ونحوه. بل لعل ابتلاء الأنبياء بالوعك والألم أشد، حتى يقتدى بهم، ويتسلى بمصابهم أشد المبتلين. أما مرض العقل أو النفس فلا يجوز عليهم، لأن ذلك يقتضي «رفع القلم» وسقوط التكليف، ولأن النبوة تقتضي، ضرورة، سلامة العقل والنفس، بل وكمالهما!

 

(3)- ويجوز عليه، وعلى إخوانه من الأنبياء السابقين، بداهة، سائر المصائب الكونية من فقد الأهل والأحبة، وذهاب الأموال، وضيق ذات اليد، بل والفقر، وقلة الناصر، وخذلان الأهل والعشيرة، بل لعل ابتلائهم بذلك أشد من ابتلاء غيرهم به، فيكون في ذلك العزاء لأهل البلاء من غيرهم، والقدوة في الصبر الجميل بِمَثَلِهم.

(4)- ويجوز عليه، وعلى إخوانه من الأنبياء السابقين، إدراك الواقع المحسوس مباشرة، أو المنقول إليهم رواية، على خلاف حقيقته، التي هو عليها في نفسه، بكل سبب ممكن يحدث به ذلك عند سائر البشر:

            (أ)- كخداع حواس، أو تخييل بشعوذة، أو خفة يد أو سحر: ﴿فخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، وكذلك لمرض بدني يفسد ذوق الطعام، أو الاحساس بالحر والبرد؛

            (ب)- أو لكذب الرواة أو خطئهم، وكذلك الشهود في مجلس القضاء، أو تزوير الوثائق، أو بسبب الأيمان الكاذبة، وغيره. أو لعدم وجود البيّنات الازمة لإثبات الحق، مع ثبوته في نفس الأمر في علم الله، وما شاكل ذلك:

فهذا أفضل رسل الله، خاتمة أنبياء الله، المعصوم بعصمة الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، لم يعصم من أن يخدع بكذب كاذب، أو يحكم بالظاهر بناءً على شهادة فاجر، أو حسن بيان محاجج جدلي ماهر:

* لما ثبت من قوله، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ (وفي رواية: ألحن) من بعض، فأحسب أنه صدق، فأقضي له بذلك! فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو فليتركها»، كما هو في حديث غاية في الصحة، أخرجه البخاري، وهذا لفظه، والإمام مالك، وأحمد، وأبو داود وغيرهم بأسانيد غاية في الصحة، تقوم بها الحجة اليقينية القاطعة. وهذا الحديث يؤكد عدة حقائق في غاية الأهمية أن الباطل قد يحسن صاحبه عرضه، والتدليل عليه، حتى ينخدع به المعصوم، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، نفسه، فمن باب أولى قد يحصل بلا شك لمن هو دونه من الناس. ولعلنا نفصّل هذه المسألة الهامة، بل هي في غاية الأهمية، وبعض ما يترتب عليها، في فصل مستقل لاحق.

 

لذلك كان إخبار الأنبياء عن أمور «الدنيا»، أي الواقع المحسوس، خواصه العامة، وحوادثه العينية، كإخبار سائر البشر محتملاً للصواب والخطأ، لا سيما ما كان بصيغة الشك أو الظن: كقوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، عن تأبير النخل: «ما أظن ذلك يغني شيئاً» أو «لو لم يفعلوا لصلح»، ونحوه.

وكثير مما يسميه الناس زوراً وبهتاناً: «الطب النبوي»، ونحوه. وهذا الباب يحتاج إلى تدقيق واحتياط شديد حتى لا ينسبَ إلى الوحي ما ليس منه، فيكون كذباً، وقولاً على الله بغير علم، وهو جريمة شنعاء؛ ولا يخرج منه ما هو منه، فيضيعَ علم صحيح، وخير كثير.

 

(5)- ويجوز عليه، وعلى إخوانه من الأنبياء السابقين، ترك الأنسب من المباحات، واختيار غيره، وكله مباح محض، كاختيار موقع معين للقتال، أو اسلوب إداري معين، أو استخدام آلة دون آلة أخرى، وغيره أنسب لتحقيق الغرض، وقد يوفق أهل الخبرة من غيرهم إلى ما هو أنسب، فيرجع النبي إلي قولهم، ويترك اختيار نفسه، كما كان من الحباب بن المنذر في موقعة بدر الكبرى، وكلامه المشهور عن تغيير موقع الجيش. ولا شك أن النبي، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، يبذل الجهد، ويستفرغ الوسع، كسائر عقلاء البشر، بل أشد، للوصول إلى الأنسب في ذلك، وقد يسمّي بعض الناس ذلك اجتهاداً، وهو كذلك بلا شك لغة، وليس هو الاجتهاد بالمعنى الأصولي الاصطلاحي، الذي لا يجوز على النبي، كما سيأتي.

 

(6)- قد يقع منه، ومن إخوانه من الأنبياء السابقين، ما هو خلاف الأولى شرعاً، أي فعل ما هو مكروه شرعاً، أو ترك ما هو مستحب شرعاً، لأسباب منها:

(أ)- لبيان الحكم التشريعي، بعد ورود نهي، أي أنه مكروه: يثاب تاركه، ولا يعاقب فاعله، وليس حراماً. وكذلك بالمثل بالنسبة للمستحبات، ولا يكون ذلك كله إلا بوحي من الله، معصوم.

وحكمة ذلك، والله أعلم، أن من البشر أصنافاً من أهل الغلو والتنطّع لا يقنعهم إلا البيان العملي مقروناً بالبيان اللفظي، كما أن ثمة أنواع من الأحكام لا يكتمل بيانها إلا بالفعل، لا باللفظ.

(ب)- لغلبة جانب الرحمة، كفعل النبي، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، في مسألة أسرى بدر.

(ج)- أو لغلبة جانب الحرص على مصلحة الدعوة، وإيصالها إلى أهل المنعة والقوّة، كفعله في قصة ﴿عبس، وتولَّى﴾.

(د)- أو لغلبة جانب الرفق والتيسير واللين مع أصحابه، كفعله في قصة ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾.

هذه الأنواع: (ب) و(ج) و(د)، وكذلك:

(1)- ما قد يقوم بنفسه الشريفة من الهمّ بغير الحق.

(2)- والدعاء على من لا يستحق على عادة العرب، كقول: عقرى، حلقى، ثكلته أمه، تربت يداه، ونحوه؛

هذه الأنواع لعلها هي التي أتى العتاب من الله في بعضها، وسمّاها الله في حق نبيه «ذنوباً»، ثم تفضل الله بالغفران الشامل لما تقدم منها وما تأخر، أخيراً، بعد الحديبية، إذ قال: ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ويتم نعمته عليك، ويهديك صراطاً مستقيماً * وينصرك الله نصراً عزيزاً.

لا يقال هذه ليست ذنوباً، وإنما هي مكروهات، يثاب تاركها، ولا يعاقب فاعلها، لا يقال ذلك لأن هذا هو حكمها بالنسبة لأمّته، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما هو فمفترض عليه تركها، كما افترض عليه قيام الليل من دون أمّته، وخصوصيات أخرى. وهذا هو موضع الشبهة التي أسلفنا الإشارة إليه، والذي ظن بعض الحمقى أنه يوجب وقوع الصغائر منه، بل والكبائر كما زعم من لا عقل له من الخوارج كذي الخويصرة التميمي، وأشباهه من الملاعين الهلكى. ولكن المغبون من كانت دابته، التي يركبها، أقل منه جفاءً، وأكبر منه عقلاً، وأكثر منه لله ذكراً، وأبلغ منه تعظيما لمقام الألوهية السامي الرفيع، ومقامات الأنبياء والرسل الكرام، كل بما جعل الله له من خصوصية وتفضيل!

 

(7)- ولا يجوز على النبي محمد، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، أن يفعل حراماً، صغيرة كان أو كبيرة، ولا أن يترك واجباً، صغيراً كان أو كبيراً البتة، إلا أن يكون من خصوصياته، شريطة ورود برهان قاطع للعذر على تلك الخصوصية. بل إنّ فعله برهان يقيني قاطع على عدم الحرمة، ونحتاج إلى بيان آخر لمعرفة كونه مكروهاً، أو مباحاً، أو مستحباً، أو واجباً، كما أسلفنا؛ وتركه برهان يقيني قاطع على عدم الوجوب، ونحتاج إلى بيان زائد لمعرفة كونه مستحباً، أو مباحاً، أو مكروهاً، أو محرّماً. ولم يظهر لنا برهان عقلي أو شرعي لهذا بالنسبة لإخوانه من الأنبياء السابقين، بل لعل قصة يونس، وإباقه إلى الفلك، و(الإباق) معصية قطعاً، بل الأرجح أنه من الكبائر، تثبت أن الأمر بالنسبة لهم ليس هو كما كان بالنسبة لمحمّد بن عبد الله، خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله. فلا معنى لما تجده عند بعض الناس من تكذيب ورد فوري لبعض أخبار ومرويات الكتب القديمة لأنها بزعمهم تتناقض مع عصمة الأنبياء.

 

(8)- كما لا يجوز أن يكون خبره، في غير «أمور الدنيا»، إذا جاء بصيغة القطع والجزم، وليس بلفظ يشعر بالظن، إلا حقاً، وكذلك خبره عن الأمم السابقة، والوقائع الماضية، من غيرة رواية أو إسناد أو شهادة من غيره ينقلها هو، لا بد أن يكون حقاً جاء به الوحي؛ وكذلك المستقبل الذي لم يقع بعد، فهو غيب محض، لا يعلمه ذاتياً إلا الله، ولا يُعْلَم إلا بتعليم من الله، وإلا جاز أن يتطرق الخلل، كذباً كان أو خطأً، إلى الوحي، فتسقط حُجّة الله على العباد، وتفقد الرسالة معناها، ويصبح عدمها ووجودها سواء.

 

(9)- وكذلك قوله الإنشائي، بالأمر والنهي، لا يكون إلا وحياً، لأنه لا ينطق عن الهوى، ولا يُنذر إلا بالوحي، فلو جاز أن يكون أي واحد من أمره ونهيه من عند نفسه، وليس من عند الله، جاز ذلك في الكل، وفقدت الرسالة معناها، وأصبح كلام الله كذباً. ولم يثبت بدليل قاطع من الوحي، أو بضرورة من حس أو عقل، أن الأمر بالنسبة لسائر الأنبياء كذلك، فليس الأمر ها هنا كما كان بالنسبة لمحمّد بن عبد الله، خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله. فلا معنى لما تجده عند بعض الناس من مقولات وتفريعات تشعر بخلاف ذلك.

 

(10)- كما لا يجوز عليه أن يسكت على منكر، لأنه مأمور بالبلاغ، والأمر بكل معروف، والنهي عن كل منكر، لذلك كان سكوته عن أي فعل، إقرارٌ لذلك الفعل ضرورة، فلا يكون حراماً البتة، ثم نحتاج إلى بيان آخر زائد لمعرفة كونه مكروهاً، أو مباحاً، أو مستحباً، أو واجباً. ولم يثبت بدليل قاطع من الوحي، أو بضرورة من حس أو عقل، أن الأمر بالنسبة لسائر الأنبياء كذلك، فليس ها هنا أيضاً كما كان بالنسبة لمحمّد بن عبد الله، خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله. فلا معنى لما تجده عند بعض الناس من مقولات وتفريعات تشعر بخلاف ذلك.

(11)- ولا يجوز على خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، (الاجتهاد)، بالمعنى التخصصي الفني عند علماء أصول الفقه، وهو: (بذل الجهد، واستفراغ الوسع في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية)، لأنه هو – بذاته - الذكر المنزل، وهو النص، بمعنى أنه صاحب النص: قوله نص، وفعله نص، وإقراره نص. فهو المشرِّع، أي الذي ينشئ الأحكام إنشاءً، بوحي الله وعصمته، وغيره يستنبطها استنباطاً: ومن بديهيات أصول الفقه أنه (لا اجتهاد مع النص). أما الاجتهاد بالمعنى اللغوي العام (بذل الجهد، واستفراغ الوسع للوصول إلى الصواب في أمر من الأمور): فلا شك أنه سيد المجتهدين، وإمام المحسنين المخلصين، عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته المخلصين المجاهدين، صلوات وتسليمات وتبريكات من الله رب العالمين. ومع مرتبته الرفيعة تلك، فهو فيها ليس بمعصوم:

ــ فقد يجتهد في قضية مناوراتية (تكتيكية) كاختيار أفضل موقع للقتال، وتكون هناك مواقع أفضل: كما وقع في بدر؛

ــ وقد يجتهد في قضية مخططاتية (استراتيجية) كالتحقق من وقوع (إثخان) معتبر في قريش، بعد هزيمتها في بدر، فظن الإثخان قد وقع بالفعل: فترك قتل الأسرى، وانتقل إلى الفداء، والمنة. وكان، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، قد اعتمد في هذا على نظر الأغلبية من أهل الخبرة من أصحابه؛ ولكن بعض هؤلاء دلَّس، فلم يشيروا على نبيهم كما ينبغي، طمعاً في مال الفدية: فنزل العذاب، ثم ارتفع بدعاء النبي، وقبوله بالمعاوضة: بضع وسبعين يقتلون شهداء مستقبلاً كفارة عن بضع وسبعين أسير من قريش الذين تمت مفاداتهم. وقد بقي التوبيخ على هذه الزلة القبيحة قرآناً يتلى إلى يوم القيامة. ولعلنا نفصل حقيقة ما وقع في (بدر) في فصل ملحق بهذا الباب عند خاتمته؛

ــ والأصل فيه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، في مجالس القضاء، أنه يجتهد في إدراك الواقع موضع النزاع اعتماداً على تحرير بعض أطراف النزاع لقضيتهم، وحسن عرضهم لحجتهم، وعلى أقوال الشهود، وغير ذلك من المستندات، والقرائن: وقد أنذر هو نفسه، بأبي هو وأمي، بإمكانية وقوع الخطأ في هذا، وحذر أن هذا لا يغير من الحقوق شيئاً، كما هو في علم الله، ولا ينجي من معاقبة الله لمن أخذ حق أخيه، وهو يعلم؛

ــ وقد يجتهد في تقدير الضرر كما فعل عندما هم بالنهي عن الغيلة شفقة على الولد: فعصمه الله من ذلك وألهمه سنة جديدة: التأمل في أحوال فارس والروم الذين لم تضر الغيلة أبنائهم، ثم ألهمه أن يخبرنا بذلك: كما هو في الخبر الصحيح، وهو بأيدينا من الذكر المحفوظ إلى يوم القيامة؛

ــ وقد يجتهد في غير ذلك بما لا يخفى على من قرأ السنن والسيرة والمغازي قراءة مدققة؛

 

فصل: هل يجوز أن ينخدع النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بشهادة كاذب؟!

أسلفنا القول قريباً أنه يجوز على خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، وعلى إخوانه من الأنبياء السابقين، إدراك الواقع المحسوس مباشرة، أو المنقول إليهم رواية، على خلاف حقيقته، التي هو عليها في نفسه، لكذب الرواة أو خطئهم، وكذلك الشهود في مجلس القضاء، أو تزوير الوثائق، أو بسبب الأيمان الكاذبة، أو لإحسان طرف تصوير قضيته وتحريرها حتى تظهر كأنها الحق، أو لعدم وجود البينات الازمة لإثبات الحق، مع ثبوته في نفس الأمر في علم الله، وما شاكل ذلك.

 

البرهان اليقيني القاطع على ذلك: أن أفضل رسل الله، خاتمة أنبياء الله، المعصوم بعصمة الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، لم يعصم من أن ينخدع بنفاق منافق، أو بكذب كاذب، أو يحكم بالظاهر بناءً على شهادة فاجر، أو حسن بيان محاجج جدلي ماهر:

* فقد قال الله، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شيء وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً، (النساء؛ 4 :113)؛ في القصة الشهيرة حين أراد طعمة بن أبيرق، وهو رجل من منافقة الأنصار – كان قد سرق متاعاً أو جحد وديعة كانت عنده – إلصاق التهمة برجل يهودي بريء، ففضحه الله جل جلاله، إلى آخر الأبد.

* كما جاء في تفسير الطبري [جامع البيان ط هجر (7/457 - 470)]: [يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: 105] إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ الْكِتَابَ، يَعْنِي الْقُرْآنَ ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: 105] لِتَقْضِيَ بَيْنَ النَّاسِ، فَتَفْصِلَ بَيْنَهُمْ ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: 105] يَعْنِي: بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِهِ ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: 105] يَقُولُ: " وَلَا تَكُنْ لِمَنْ خَانَ مُسْلِمًا أَوْ مُعَاهَدًا فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ، خَصِيمًا تُخَاصِمُ عَنْهُ، وَتَدْفَعُ عَنْهُ مِنْ طَالَبَهُ بِحَقِّهِ الَّذِي خَانَهُ فِيهِ. ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ [النساء: 106] يَا مُحَمَّدُ وَسَلْهُ أَنْ يَصْفَحَ لَكَ عَنْ عُقُوبَةِ ذَنْبِكَ فِي مُخَاصَمَتِكَ عَنِ الْخَائِنِ مَنْ خَانَ مَالًا لِغَيْرِهِ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 23] يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ يَصْفَحُ عَنْ ذُنُوبِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِتَرْكِهِ عُقُوبَتَهُمْ عَلَيْهَا، إِذَا اسْتَغْفَرُوهُ مِنْهَا، رَحِيمًا بِهِمْ، فَافْعَلْ ذَلِكَ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ، يَغْفِرِ اللَّهُ لَكَ مَا سَلَفَ مِنْ خُصُومَتِكَ عَنْ هَذَا الْخَائِنِ. وَقَدْ قِيلَ إِنَّ النَّبِيَّ، صلى الله عليه وسلم، لَمْ يَكُنْ خَاصَمَ عَنِ الْخَائِنِ، وَلَكِنَّهُ هَمَّ بِذَلِكَ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ بِالِاسْتِغْفَارِ مِمَّا هَمَّ بِهِ مِنْ ذَلِكَ». وَذُكِرَ أَنَّ الْخَائِنِينَ الَّذِينَ عَاتَبَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَبِيَّهُ، صلى الله عليه وسلم، فِي خُصُومَتِهِ عَنْهُمْ بَنُو أُبَيْرِقٍ.

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلَ فِي خِيَانَتِهِ الَّتِي كَانَتْ مِنْهُ فَوَصَفَهُ اللَّهُ بِهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَتْ سَرِقَةً سَرَقَهَا ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:

ــ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: 105] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ فِي طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ وَدِرْعِهِ مِنْ حَدِيدٍ الَّتِي سَرَقَ، وَقَالَ أَصْحَابُهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِلنَّبِيِّ: اعْذُرْهُ فِي النَّاسِ بِلِسَانِكَ. ورَمَوْا بِالدِّرْعِ رَجُلًا مِنْ يَهُودَ بَرِيئًا

ــ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، نَحْوَهُ

ــ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي شُعَيْبٍ أَبُو مُسْلِمٍ الْحَرَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، قَالَ: كَانَ أَهْلُ بَيْتٍ مِنَّا يُقَالَ لَهُمْ بَنُو أُبَيْرِقٍ: بِشْرٌ وَبَشِيرٌ وَمُبَشِّرٌ، وَكَانَ بُشَيْرٌ رَجُلًا مُنَافِقًا، وَكَانَ يَقُولُ الشِّعْرَ يَهْجُو بِهِ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ يَنْحِلُهُ إِلَى بَعْضِ الْعَرَبِ، ثُمَّ يَقُولُ: قَالَ فُلَانٌ كَذَا، وَقَالَ فُلَانٌ كَذَا، فَإِذَا سَمِعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، ذَلِكَ الشِّعْرَ، قَالُوا: وَاللَّهِ مَا يَقُولُ هَذَا الشِّعْرَ إِلَّا هَذَا الْخَبِيثُ، فَقَالَ:

[من البحر الكامل]: أَوَ كُلَّمَا قَالَ الرِّجَالُ قَصِيدَةً ... أَضِمُوا وَقَالُوا ابْنُ الْأُبَيْرِقِ قَالَهَا

قَالَ: وَكَانُوا أَهْلَ بَيْتِ فَاقَةٍ وَحَاجَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، وَكَانَ النَّاسُ إِنَّمَا طَعَامُهُمْ بِالْمَدِينَةِ التَّمْرُ وَالشَّعِيرُ، وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا كَانَ لَهُ يَسَارٌ فَقَدِمَتْ ضَافِطَةٌ مِنَ الشَّامِ بِالدَّرْمَكِ ابْتَاعَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ، فَخَصَّ بِهِ نَفْسَهُ، فَأَمَّا الْعِيَالُ: فَإِنَّمَا طَعَامُهُمُ التَّمْرُ وَالشَّعِيرُ. فقَدِمَتْ ضَافِطَةٌ مِنَ الشَّامِ، فَابْتَاعَ عَمِّي رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلًا مِنَ الدَّرْمَكِ، فَجَعَلَهُ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ، وَفِي الْمَشْرُبَةِ سِلَاحٌ لَهُ: دِرْعَانِ وَسَيْفَاهُمَا وَمَا يُصْلِحُهُمَا. فعُدِيَ عَلَيْهِ مِنْ تَحْتِ اللَّيْلِ، فَنُقِبَتِ الْمَشْرُبَةُ، وَأُخِذَ الطَّعَامُ وَالسِّلَاحُ. فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَانِي عَمِّي رِفَاعَةُ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي تَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنَا فِي لَيْلَتِنَا هَذِهِ، فَنُقِبَتْ مَشْرُبَتُنَا، فَذُهِبَ بِسِلَاحِنَا وَطَعَامِنَا. قَالَ: فَتَجَسَّسْنَا فِي الدَّارِ وَسَأَلْنَا، فَقِيلَ لَنَا: قَدْ رَأَيْنَا بَنِي أُبَيْرِقٍ اسْتَوْقَدُوا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَلَا نَرَى فِيمَا نَرَاهُ إِلَّا عَلَى بَعْضِ طَعَامِكُمْ. قَالَ: وَقَدْ كَانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ قَالُوا وَنَحْنُ نَسْأَلُ فِي الدَّارِ: وَاللَّهِ مَا نَرَى صَاحِبَكُمْ إِلَّا لَبِيدَ بْنَ سَهْمٍ، رَجُلٌ مِنَّا لَهُ صَلَاحٌ وَإِسْلَامٌ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ لَبِيدٌ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ، ثُمَّ أَتَى بَنِي أُبَيْرِقٍ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَيُخَالِطَنَّكُمْ هَذَا السَّيْفُ أَوْ لَتُبَيِّنُنَّ هَذِهِ السَّرِقَةَ. قَالُوا: إِلَيْكَ عَنَّا أَيُّهَا الرَّجُلُ، فَوَاللَّهِ مَا أَنْتَ بِصَاحِبِهَا. فسَأَلْنَا فِي الدَّارِ حَتَّى لَمْ نَشُكَّ أَنَّهُمْ أَصْحَابُهَا، فَقَالَ عَمِّي: يَا ابْنَ أَخِي، لَوْ أَتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرْتَ ذَلِكَ لَهُ. قَالَ قَتَادَةُ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَهْلَ بَيْتٍ مِنَّا أَهْلُ جَفَاءٍ، عَمَدُوا إِلَى عَمِّي رِفَاعَةَ فَنَقَبُوا مَشْرُبَةً لَهُ، وَأَخَذُوا سِلَاحَهُ وَطَعَامَهُ، فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنَا سِلَاحَنَا، فَأَمَّا الطَّعَامُ فَلَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «سَأَنْظُرُ فِي ذَلِكَ» فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أَتَوْا رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالَ لَهُ أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ، فَكَلَّمُوهُ فِي ذَلِكَ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ قَتَادَةَ بْنَ النُّعْمَانِ وَعَمَّهُ عَمَدُوا إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ مِنَّا أَهْلِ إِسْلَامٍ وَصَلَاحٍ يَرْمُونَهُمْ بِالسَّرِقَةِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلَا ثَبَتٍ. قَالَ قَتَادَةُ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَكَلَّمْتُهُ، فَقَالَ: «عَمَدْتَ إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ ذُكِرَ مِنْهُمْ إِسْلَامٌ وَصَلَاحٌ تَرْمِيهُمْ بِالسَّرِقَةِ عَلَى غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلَا ثَبَتٍ» قَالَ: فَرَجَعْتُ وَلَوَدِدْتُ أَنِّي خَرَجْتُ مِنْ بَعْضِ مَالِي وَلَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فِي ذَلِكَ. فأَتَيْتُ عَمِّي رِفَاعَةَ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي مَا صَنَعْتَ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. فَلَمْ نَلْبَثْ أَنْ نَزَلَ الْقُرْآنُ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: 105] يَعْنِي: بَنِي أُبَيْرِقٍ ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ [النساء: 106] أَيْ مِمَّا قُلْتَ لِقَتَادَةَ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: 107] أَيْ بَنِي أُبَيْرِقٍ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾ [النساء: 107] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 110] أَيْ أَنَّهُمْ إِنِ يَسْتَغْفِرُوا اللَّهَ يَغْفِرْ لَهُمْ ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا﴾ [النساء: 111] وَإِثْمًا مًبِينًا قَوْلُهُمْ لِلَبِيدٍ ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ [النساء: 113] يَعْنِي أُسَيْرًا وَأَصْحَابَهُ ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شيء وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: 113] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 74] فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ أَتِي رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، بِالسِّلَاحِ، فَرَدَّهُ إِلَى رِفَاعَةَ. قَالَ قَتَادَةُ: فَلَمَّا أَتَيْتُ عَمِّي بِالسِّلَاحِ وَكَانَ شَيْخًا قَدْ عَسَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، [ص: 462] وَكُنْتُ أَرَى إِسْلَامَهُ مَدْخُولًا؛ فَلَمَّا أَتَيْتُهُ بِالسِّلَاحِ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، هُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ: فَعَرَفْتُ أَنَّ إِسْلَامَهُ كَانَ صَحِيحًا. فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ لَحِقَ بَشِيرٌ بِالْمُشْرِكِينَ فَنَزَلَ عَلَى سُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ سَهْلٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ﴾ [النساء: 115] الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا﴾ [النساء: 116] بَعِيدًا فَلَمَّا نَزَلَ عَلَى سُلَافَةَ رَمَاهَا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ بِأَبْيَاتٍ مِنْ شِعْرٍ، فَأَخَذَتْ رَحْلَهُ فَوَضَعِتْهُ عَلَى رَأْسِهَا ثُمَّ خَرَجَتْ فَرَمَتْهُ بِالْأَبْطَحِ، ثُمَّ قَالَتْ: أَهْدَيْتَ إِلَيَّ شِعْرَ حَسَّانَ، مَا كُنْتَ تَأْتِيَنِي بِخَيْرٍ.

ــ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: 105] يَقُولُ: " بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَيَّنَ لَكَ ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: 105] فَقَرَأَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء: 107] ذِكِرَ لَنَا أَنَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ أُنْزِلَتْ فِي شَأْنِ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ وَفِيمَا هَمَّ بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، مِنْ عُذْرِهِ، وَبَيِّنَ اللَّهُ شَأْنَ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، وَوَعَظَ نَبِيَّهُ، صلى الله عليه وسلم، وَحَذَّرَهُ أَنْ يَكُونَ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا. وَكَانَ طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، ثُمَّ أَحَدَ بَنِي ظَفَرٍ، سَرَقَ دِرْعًا لِعَمِّهِ كَانَتْ وَدِيعَةً عِنْدَهُ، ثُمَّ قَذَفَهَا عَلَى يَهُودِيٍّ كَانَ يَغْشَاهُمْ، يُقَالَ لَهُ زَيْدُ بْنُ السَّمِينِ، فَجَاءَ الْيَهُودِيُّ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، [ص: 463] يَهْتِفُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَوْمُهُ بَنُو ظَفَرٍ جَاءُوا إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، لِيَعْذِرُوا صَاحِبَهُمْ، وَكَانَ نَبِيُّ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَدْ هِمَّ بِعُذْرِهِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِي شَأْنِهِ مَا أَنْزَلَ، فَقَالَ: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: 107] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ قَوْمَهُ ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: 112] وَكَانَ طُعْمَةُ قَذَفَ بِهَا بَرِيئًا. فَلَمَّا بَيَّنَ اللَّهُ شَأْنَ طُعْمَةَ نَافَقَ وَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي شَأْنِهِ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]

ــ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حدثني أَبِي قَالَ: حدثني عَمِّي، قَالَ: حدثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: 105] وَذَلِكَ أَنَّ نَفَرًا مِنَ الْأَنْصَارِ غَزَوْا مَعَ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ، فَسُرِقَتْ دِرْعٌ لِأَحَدِهِمْ، فَأَظَنَّ بِهَا رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَأَتَى صَاحِبُ الدِّرْعِ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: إِنَّ طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ سَرَقَ دِرْعِي. فأَتِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا رَأَى السَّارِقُ ذَلِكَ، عَمَدَ إِلَيْهَا فَأَلْقَاهَا فِي بَيْتِ رَجُلٍ بَرِيءٍ، وَقَالَ لِنَفَرٍ مِنْ عَشِيرَتِهِ: إِنِّي قَدْ غَيَّبْتُ الدِّرْعَ وَأَلْقَيْتُهَا فِي بَيْتِ فُلَانٍ، وَسَتُوجَدُ عِنْدَهُ. فَانْطَلَقُوا إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، لَيْلًا، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ صَاحِبَنَا بَرِيءٌ، وَإِنَّ سَارِقَ الدِّرْعِ فُلَانٌ، وَقَدْ أَحَطْنَا بِذَلِكَ عِلْمًا، فَاعْذُرْ صَاحِبَنَا عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ وَجَادِلْ عَنْهُ، فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَعْصِمْهُ اللَّهُ بِكَ يَهْلِكْ. فقَامَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَبَرَّأَهُ وَعَذَرَهُ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: 105] يَقُولُ: (احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فِي الْكِتَابِ ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: 107] الْآيَةُ، ثُمَّ قَالَ لِلَّذِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، لَيْلًا: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: 108] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونِ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [النساء: 109] يَعْنِي الَّذِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، مُسْتَخْفِينَ بِالْكَذِبِ. ثُمَّ قَالَ: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا﴾ [النساء: 112] وَإِثْمًا مُبِينًا يَعْنِي: السَّارِقَ وَالَّذِينَ يُجَادِلُونَ عَنِ السَّارِقِ).

ــ حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: 105] الْآيَةُ. قَالَ: كَانَ رَجُلٌ سَرَقَ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، وَطَرَحَهُ عَلَى يَهُودِيٍّ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: وَاللَّهِ مَا سَرَقْتُهَا يَا أَبَا الْقَاسِمِ، وَلَكِنْ طُرِحَتْ عَلَيَّ. وَكَانَ لِلرَّجُلِ الَّذِي سَرَقَ جِيرَانٌ يُبَرِّئُونَهُ وَيَطْرَحُونَهُ عَلَى الْيَهُودِيِّ وَيَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذَا الْيَهُودِيَّ الْخَبِيثَ يَكْفُرُ بِاللَّهِ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ. قَالَ: حَتَّى مَالَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ، صلى الله عليه وسلم، بِبَعْضِ الْقَوْلِ، فَعَاتَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ [النساء: 106] بِمَا قُلْتَ لِهَذَا الْيَهُودِيِّ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 23] ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى جِيرَانِهِ فَقَالَ ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: ﴿أَمَّنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ قَالَ: " ثُمَّ عَرَضَ التَّوْبَةَ فَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [النساء: 110] فَمَا أَدْخَلَكُمْ أَنْتُمْ أَيُّهَا النَّاسُ عَلَى خَطِيئَةِ هَذَا تَكَلَّمُونَ دُونَهُ؟ ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: 111] وَإِنْ كَانَ مُشْرِكًا ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: 112] فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء: 115] قَالَ: " أَبَى أَنْ يَقْبَلَ التَّوْبَةَ الَّتِي عَرَضَ اللَّهُ لَهُ، وَخَرَجَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ، فَنَقَبَ بَيْتًا لِيَسْرِقَهُ، فَهَدَمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء: 115] فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 97] وَيُقَالَ: هُوَ طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ، وَكَانَ نَازِلًا فِي بَنِي ظَفَرٍ.

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْخِيَانَةُ الَّتِي وَصَفَ اللَّهُ بِهَا مَنْ وَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: 105] جُحُودُهُ وَدِيعَةً كَانَ أُودِعَهَا، ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:

ــ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: 105] قَالَ: (أَمَّا ﴿مَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾: فَمَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْكَ؛ قَالَ: نَزَلَتْ فِي طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، وَاسْتَوْدَعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ دِرْعًا، فَانْطَلَقَ بِهَا إِلَى دَارِهِ، فَحَفَرَ لَهَا الْيَهُودِيُّ ثُمَّ دَفَنَهَا، فَخَالَفَ إِلَيْهَا طُعْمَةُ فَاحْتَفَرَ عَنْهَا، فَأَخَذَهَا. فَلَمَّا جَاءَ الْيَهُودِيُّ يَطْلُبُ دِرْعَهُ كَافَرَهُ عَنْهَا، فَانْطَلَقَ إِلَى نَاسٍ مِنَ الْيَهُودِ مِنْ عَشِيرَتِهِ، فَقَالَ: انْطَلِقُوا مَعِي، فَإِنِّي أَعْرِفُ وَضْعَ الدِّرْعِ. فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ طُعْمَةُ أَخَذَ الدِّرْعَ فَأَلْقَاهَا فِي دَارِ أَبِي مُلَيْلٍ الْأَنْصَارِيِّ، فَلَمَّا جَاءَتِ الْيَهُودُ تَطْلُبُ الدِّرْعَ فَلَمَّا تَقْدِرْ عَلَيْهَا، وَقَعَ بِهِ طُعْمَةُ وَأُنَاسٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَسَبُّوهُ، وَقَالَ أَتُخَوِّنُونَنِي؟ فَانْطَلَقُوا يَطْلُبُونَهَا فِي دَارِهِ، فَأَشْرَفُوا عَلَى بَيْتِ أَبِي مُلَيْلٍ، فَإِذَا هُمْ بِالدِّرْعِ، وَقَالَ طُعْمَةُ: أَخَذَهَا أَبُو مُلَيْلٍ. وجَادَلَتِ الْأَنْصَارُ دُونَ طُعْمَةَ وَقَالَ لَهُمُ: انْطَلِقُوا مَعِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقُولُوا لَهُ يَنْضَحُ عَنِّي وَيُكَذِّبُ حُجَّةَ الْيَهُودِيِّ، فَإِنِّي إِنْ أُكَذَّبْ كَذَبَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْيَهُودِيُّ. فأَتَاهُ أُنَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَادِلْ عَنْ طُعْمَةَ وَأَكْذِبِ الْيَهُودِيَّ. فهَمَّ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، أَنْ يَفْعَلَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ [النساء: 106] مِمَّا أَرَدْتَ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ [النساء: 106] ثُمَّ ذَكَرَ الْأَنْصَارَ وَمُجَادَلَتَهُمْ عَنْهُ، فَقَالَ: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيَّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: 108] يَقُولُ: " يَقُولُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ثُمَّ دَعَا إِلَى التَّوْبَةِ، فَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 110] ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَهُ حِينَ قَالَ: أَخَذَهَا أَبُو مُلَيْلٍ، فَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [النساء: 111]، ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا﴾ [النساء: 112] وَإِثْمًا مُبِينًا ثُمَّ ذَكَرَ الْأَنْصَارَ وَإِتْيَانَهُمْ إِيَّاهُ أَنْ يَنْضَحَ عَنْ صَاحِبِهِمْ وَيُجَادِلَ عَنْهُ فَقَوْلُهُ: ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شيء وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: 113] يَقُولُ: " النُّبُوَّةَ. ثُمَّ ذَكَرَ مُنَاجَاتِهِمْ فِيمَا يُرِيدُونَ أَنْ يكْذِبُوا عَنْ طُعْمَةَ، فَقَالَ: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ [النساء: 114] إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ فَلَمَّا فَضَحَ اللَّهُ طُعْمَةَ بِالْمَدِينَةِ بِالْقُرْآنِ، هَرَبَ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ، فَكَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ. ونَزَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ بْنِ عِلَاطِ السُّلَمِيِّ، فَنَقَبَ بَيْتَ الْحَجَّاجِ فَأَرَادَ أَنْ يَسْرِقَهُ، فَسَمِعَ الْحَجَّاجُ خَشْخَشَةً فِي بَيْتِهِ وَقَعْقَعَةَ جُلُودٍ كَانَتْ عِنْدَهُ، فَنَظَرَ فَإِذَا هُوَ بِطُعْمَةَ، فَقَالَ: ضَيْفِي وَابْنُ عَمِّي وَأَرَدْتَ أَنْ تَسْرِقَنِي؟. فأَخْرَجَهُ فَمَاتَ بِحَرَّةِ بَنِي سُلَيْمٍ كَافِرًا، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ﴾ [النساء: 115] الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ [ص: 468] لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى إِلَى: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 97])

ــ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حدثني حَجَّاجُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: اسْتَوْدَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ مَشْرُبَةً لَهُ فِيهَا دِرْعٌ، وَخَرَجَ فَغَابَ. فَلَمَّا قَدِمَ الْأَنْصَارِيُّ فَتَحَ مَشْرُبَتَهُ فَلَمْ يَجِدِ الدِّرْعَ، فَسَأَلَ عَنْهَا طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ، فَرَمَى بِهَا رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ يُقَالَ لَهُ زَيْدُ بْنُ السَّمِينِ. فتَعَلَّقَ صَاحِبُ الدِّرْعِ بِطُعْمَةَ فِي دِرْعِهِ؛ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَوْمُهُ أَتَوُا النَّبِيَّ، صلى الله عليه وسلم، فَكَلَّمُوهُ لِيَدْرَأَ عَنْهُ فَهَمَّ بِذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: 106] يَعْنِي طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ وَقَوْمَهُ ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمَّنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ مُحَمَّدٌ، صلى الله عليه وسلم، وَقَوْمُ طُعْمَةَ ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 110] مُحَمَّدٌ وَطُعْمَةُ وَقَوْمُهُ، قَالَ: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [النساء: 111] الْآيَةُ، طُعْمَةُ ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: 112] يَعْنِي: زَيْدَ بْنَ السَّمِينِ ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: 112] طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ [النساء: 113] يَا مُحَمَّدُ ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شيء﴾ [النساء: 113] قَوْمُ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: 113] مُحَمَّدٌ، صلى الله عليه وسلم، ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ [النساء: 114] حَتَّى تَنْقَضِيَ الْآيَةُ لِلنَّاسِ عَامَّةً ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 115] الْآيَةُ. قَالَ: لَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ فِي طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ لَحِقَ بِقُرَيْشٍ وَرَجَعَ فِي دِينِهِ، ثُمَّ عَدَا عَلَى مَشْرُبَةٍ لِلْحَجَّاجِ بْنِ عِلَاطِ الْبَهْزِيِّ ثُمَّ السُّلَمِيِّ حَلِيفٍ لِبَنِي عَبْدِ الدَّارِ، فَنَقَبَهَا، فَسَقَطَ عَلَيْهِ حَجَرٌ فَلَحِجَ. فَلَمَّا أَصْبَحَ أَخْرَجُوهُ مِنْ مَكَّةَ، فَخَرَجَ فَلَقِيَ رَكْبًا مِنْ بُهَرَاءَ مِنْ قُضَاعَةَ، فَعَرَضَ لَهُمْ، فَقَالَ: ابْنُ سَبِيلٍ مُنْقَطِعٌ بِهِ. فحَمَلُوهُ حَتَّى إِذَا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ عَدَا عَلَيْهِمْ فَسَرَقَهُمْ، ثُمَّ انْطَلَقَ فَرَجَعُوا فِي طَلَبِهِ فَأَدْرَكُوهُ، فَقَذَفُوهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى مَاتَ. قَالَ ابْنُ جُرَيْج: فَهَذِهِ الْآيَاتُ كُلُّهَا فِيهِ نَزَلَتْ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48] أُنْزِلَتْ فِي طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، يَقُولُونَ: إِنَّهُ رَمَى بِالدِّرْعِ فِي دَارِ أَبِي مُلَيْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخَزْرَجِيِّ، فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ لَحِقَ بِقُرَيْشٍ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ.

ــ حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ سَلْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: 105] يَقُولُ: (بِمَا أَنْزَلَ عَلَيْكَ وَأَرَاكَهُ فِي كِتَابِهِ. ونَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ اسْتُودِعَ دِرْعًا فَجَحَدَ صَاحِبَهَا، فَخَوَّنَهُ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ نَبِيِّ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَغَضِبَ لَهُ قَوْمُهُ، وَأَتَوْا نَبِيَّ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَقَالُوا: خَوَّنُوا صَاحِبَنَا وَهُوَ أَمِينٌ مُسْلِمٌ، فَاعْذُرْهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَازْجُرْ عَنْهُ. فقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ فَعَذَرَهُ وَكَذَّبَ عَنْهُ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ بَرِيءٌ وَأَنَّهُ مَكْذُوبٌ عَلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَيَانَ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: 105] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [النساء: 109] فَبَيَّنَ اللَّهُ خِيَانَتَهُ. فلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ، فَنَزَلَ فِيهِ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء: 115] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 97] " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: كَانَتْ خِيَانَتُهُ الَّتِي وَصَفَهُ اللَّهُ بِهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ جُحُودُهُ مَا أُودِعَ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَعَانِي الْخِيَانَاتِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ؛ وَتَوْجِيهُ تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ إِلَى الْأَشْهَرِ مِنْ مَعَانِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَا وُجِدَ إِلَيْهِ سَبِيلٌ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِانتهى كلام الإمام الكبير أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، الذي سقناه بطوله لما فيه من العلوم والحكم.

فأقول: قد كان الأولى أن يعتمد الطبري القصة المسندة المتصلة عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أبيه، عن جده، قتادة بن النعمان، وهو شاهد العيان للواقعة التي كانت لعمه وفي قومه، بدلاً من المراسيل والمنقطعات، التي تبين أن الجريمة كانت في حقيقتها (سرقة)؛ وأما تسمية الله لهؤلاء القوم بـ(الخائنين) فليس لأنهم جحدوا الوديعة، والجاحد إنما هو واحد فقط منهم، وإنما كان ذلك لأنهم كذبوا على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فـ(الصدق أمانة، والكذب خيانة)، كما قال أبو بكر الصديق، رضوان الله وسلامه عليه؛ والكذب عليه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أشنع وأقبح، وهو من الكبائر الموبقة؛ والكذب بقصد تضليله نقض للميثاق الذي واثقوا الله به عندما قالوا: (نشهد أن محمداً رسول الله)، ونقض الميثاق غدر وخيانة.

 

وبغضّ النظر عن الاختلاف في التفاصيل، فإن المحصّلة – فيما يتعلق بموضوعنا – واحدة، وهي: أنه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، انخدع، بالفعل، بمزاعم ذلك المنافق، ودفاع قومه عنه، وقام بأعمال وتصرفات، ثم قام الله، جل جلاله، بعد ذلك بمدة، بفضح الخونة، وتبيان حقيقة المسألة، تكرّماً وفضلاً، وليس لأن ذلك من متطلبات العصمة، أو مقتضيات النبوة والرسالة، وإلا لما وقع ذلك أصلاً.

 

ولنا ملاحظة واحدة، تتعلق بفن الإسناد، هي أن إسناد الطبري: (حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب أبو مسلم الحراني قال: حدثنا محمد بن سلمة قال: حدثنا محمّد بن إسحق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن أبيه عن جده قتادة بن النعمان) وفيه عنعنة محمد بن إسحق، إلا أنه في الحقيقة متّصل صحيح لأن محمّد بن إسحق معروف بالسماع عن عاصم بن عمر بن قتادة، مكثر عنه، وقد صرّح بالسماع ها هنا خاصة كما هو في الطريق الأخرى عند الحاكم، وفيها زوائد مفيدة، فإليك سياقها:

* فقد أخرجها الحاكم في مستدركه (ج4/ص426/ح8164): [حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا أحمد بن عبد الجبار حدثنا يونس بن بكير حدثني محمد بن إسحاق حدثني عاصم بن عمرو بن قتادة عن أبيه عن جده قتادة بن النعمان رضى الله تعالى عنه قال كان بنو أبيرق رهط من بني ظفر وكانوا ثلاثة بشير وبشر ومبشر وكان بشير يكنى أبا طعمة وكان شاعرا وكان منافقا وكان يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثم يقول قاله فلان فإذا بلغهم ذلك قالوا كذب عدو الله ما قاله إلا هو فقال:

أو كلما قال الرجال قصيدة *** ضموا إلي بأن أبيرق قالها

متخطمين كأنني أخشاهم *** جدع الإله أنوفهم فأبانها

وكانوا أهل فقر وحاجة في الجاهلية والإسلام وكان عمي رفاعة بن زيد رجلا موسرا أدركه الإسلام فوالله إن كنت لأرى أن في إسلامه شيئا وكان إذا كان له يسار فقدمت عليه هذه الضافطة من السدم تحمل الدرمك ابتاع لنفسه ما يحل به فأما العيال فكان يقيتهم الشعير فقدمت ضافطة وهم الأنباط تحمل درمكا فابتاع رفاعة حملين من شعير فجعلهما في علية له وكان في عليته درعان له وما يصلحهما من آلتهما فطرقه بشير من الليل فخرق العلية من ظهرها فأخذ الطعام ثم أخذ السلاح فلما أصبح عمي بعث إلي فأتيته فقال أغير علينا هذه الليلة فذهب بطعامنا وسلاحنا فقال بشير وإخوته والله ما صاحب متاعكم إلا لبيد بن سهل لرجل منا كان ذا حسب وصلاح فلما بلغه قال أصلت والله بالسيف ثم قال أي بني الأبيرق وأنا أسرق فوالله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبينن من صاحب هذه السرقة فقالوا انصرف عنا فوالله إنك لبرئ من هذه السرقة فقال كلا وقد زعمتم ثم سألنا في الدار وتجسسنا حتى قيل لنا والله لقد استوقد بنو أبيرق الليلة وما نراه إلا على طعامكم فما زلنا حتى كدنا نستيقن أنهم أصحابه فجئت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فكلمته فيهم فقلت يا رسول الله إن أهل بيت منا أهل جفاء وسفه غدوا على عمي فخرقوا علية له من ظهرها فغدوا على طعام وسلاح فأما الطعام فلا حاجة لنا فيه وأما السلاح فليرده علينا فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سأنظر في ذلك وكان لهم بن عم يقال له أسير بن عروة فجمع رجال قومه ثم أتى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال إن رفاعة بن زيد وابن أخيه قتادة بن النعمان قد عمدا إلى أهل بيت منا أهل حسب وشرف وصلاح يأبنونهم بالقبيح ويأبنونهم بالسرقة بغير بينة ولا شهادة فوضع عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بلسانه ما شاء ثم انصرف وجئت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكلمته فجبهني جبها شديدا وقال بئس ما صنعت وبئس ما مشيت فيه عمدت إلى أهل بيت منكم، أهل حسب وصلاح ترميهم بالسرقة وتأبنهم فيها بغير بينة ولا تثبت فسمعت من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما أكره فانصرفت عنه ولوددت أني خرجت من مالي ولم أكلمه فلما أن رجعت إلى الدار أرسل إلي عمي يا بن أخي ما صنعت فقلت والله لوددت أني خرجت من مالي ولم أكلم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فيه وأيم الله لا أعود إليه أبدا فقال الله المستعان فنزل القرآن: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما﴾ أي طعمة بن أبيرق فقرأ حتى بلغ ﴿ثم يرم به بريئا﴾ أي لبيد بن سهل ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك يعني أسير بن عروة وأصحابه ثم قال ﴿لا خير في كثير من نجواهم﴾ إلى قوله ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ أي كان ذنبه دون الشرك فلما نزل القرآن هرب فلحق بمكة وبعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلي الدرعين وأداتهما فردهما على رفاعة قال قتادة فلما جئته بهما وما معهما قال يا بن أخي هما في سبيل الله عز وجل فرجوت أن عمي حسن إسلامه وكان ظني به غير ذلك. وخرج بن أبيرق حتى نزل على سلامة بنت سعد بن سهل أخت بني عمرو بن عوف وكانت عند طلحة بن أبي طلحة بمكة فوقع برسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه يشتمهم فرماه حسان بن ثابت بأبيات فقال:

أيا سارق الدرعين إن كنت ذاكرا *** بذي كرم بين الرجال أوادعه

وقد أنزلته بنت سعد فأصبحت *** ينازعها جلد استه وتنازعه

فهلا أسيرا جئت جارك راغبا *** إليه ولم تعمد له فتدافعه

ظننتم بأن يخفى الذي قد فعلتم *** وفيكم نبي عنده الوحي واضعه

فلولا رجال منكم تشتمونهم *** بذاك لقد حلت عليه طوالعه

فإن تذكروا كعبا إلى ما نسبتم *** فهل من أديم ليس فيه أكارعه

وجدتهم يرجونكم قد علمتم *** كما الغيث يرجيه السمين وتابعه

فلما بلغها شعر حسان أخذت رحل أبيرق فوضعته على رأسها حتى قذفته بالأبطح ثم حلقت وسلقت وخرقت وحلفت: إن بت في بيتي ليلة سوداء أهديت لي شعر حسان بن ثابت ما كنت لتنزل علي بخير. فلما أخرجته لحق بالطائف فدخل بيتا ليس فيه أحد فوقع عليه فقتله فجعلت قريش تقول والله لا يفارق محمدا أحد من أصحابه فيه خير]، ثم قال الإمام الحاكم، رحمه الله: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه)، وهو كما قال.

ــ وقد أخرجه الإمام الترمذي في سننه (ج5/ص247/ح3036) بلفظ وطريق الطبري: [حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب أبو مسلم الحراني حدثنا محمد بن سلمة الحراني حدثنا محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن أبيه عن جده قتادة بن النعمان قال كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق]؛

وكذلك الإمام الطبراني في معجمه الكبير (ج19/ص12/ح15): [حدثنا أبو شعيب عبد الله بن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب حدثني أبي حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن أبيه عن جده قتادة بن النعمان قاله]

ــ وهو في تاريخ المدينة لابن شبة (2/408): [حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي شُعَيْبٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْحَرَّانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَه]؛

ــ وهو في الجليس الصالح والأنيس الناصح (ص: 226، بترقيم الشاملة آليا): [حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد، سنة ثماني عشرة وثلاثمائة، قال: حدثنا أبو مسلم الحسن بن أحمد الحراني ببغداد سنة ثمان وأربعين ومائتين، قال: حدثنا محمد بن سلمة الحراني، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر، عن قتادة، عن أبيه، عن جده قتادة بن النعمان، قاله]؛

ــ وفي أنساب الأشراف (1/120، بترقيم الشاملة آليا): [وروي عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمرو بن قتادة الظفري، عن أبيه عن جده قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر بن سواد بن ظفر قاله]؛

ــ وهو في تاريخ دمشق لابن عساكر (49/270): [أخبرنا أبو غالب أحمد وأبو عبد الله يحيى أنبأنا الحسن قالا أنبأنا أبو سعد محمد ابن الحسين بن أحمد الفقيه أنبأنا أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن بن العباس المخلص حدثنا يحيى بن محمد بن صاعد حدثنا أبو مسلم الحسن بن أحمد الحراني حدثنا محمد ابن سلمة الحراني حدثنا محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن أبيه عن جده قتادة بن النعمان قاله].

 

* وقال الله، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاق،ِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ: سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾، (التوبة؛ 9:101). وهذا شهادة من الله بأن في المدينة المنورة نفسها منافقون، مردوا على النفاق، والنبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا يعلم أعيانهم، وذلك يقتضي ضرورة أنه يحسبهم مؤمنين صادقين، منخدعاً بظاهرهم وأيمانهم الكاذبة: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾، (المنافقون؛ 63: 1). ونسارع فنقول أن هذا لا يعني ضرورة أنه لم يكن يعلم، بإعلام الوحي له في أحوال مخصوصة، بعض أشخاص المنافقين، كما توهّم الإمام أبو محمد علي بن حزم.

 

* وقال الله، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾، (الحجرات؛ 49: 6). وسبب نزول الآيات متواتر مشهور، جاءت به روايات عدة، منها:

 

* ما أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (ج3/ص274/ح3395) بإسناد جيد: [حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني محمد بن أبي عتاب أبو بكر الأعين (ح) وحدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي حدثنا عبد الله بن الحكم بن أبي زياد القطواني (ح) وحدثنا محمد بن أحمد الحمال الأصبهاني حدثنا محمد بن عيسى الزجاج قالوا: أخبرنا محمد بن سابق حدثنا عيسى بن دينار المؤذن حدثني أبي أنه سمع الحارث بن ضرار الخزاعي يقول: قدمت على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه وأقررت به، ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها فقلت: يا رسول الله أرجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة فمن استجاب لي منهم جمعت زكاته؛ فترسل، يا رسول الله، رسولا لأبان كذا وكذا يأتيك ما جمعت من الزكاة، فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له وبلغ الأبان الذي أراد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أن يبعث إليه، احتبس عليه الرسول فلم يأته، فظن الحارث أنه قد حدث فيه سخط من الله ومن رسوله، صلى الله عليه وسلم، فدعا سروات قومه فقال لهم: إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان وقّت لي وقتا يرسل إلي رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الخلف، لا أرى حبس رسوله إلا من سخطة كانت، فانطلقوا فنأتي رسول الله، صلى الله عليه وسلم؛ وبعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما ان سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فَرَقَ، فرجع فأتى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي؛ فضرب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، البعث إلى الحارث؛ وأقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقبل البعث وفصل من المدينة لقيهم الحارث، قالوا: هذا الحارث، فلما غشيهم قال لهم: إلى من بُعثتم؟ قالوا: إليك، قال: ولم؟ قالوا: إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان بعث الوليد بن عقبة فرجع فزعم أنك منعت الزكاة وأردت قتله، فقال: لا والذي بعث محمداً، صلى الله عليه وسلم، بالحق ما رأيته ولا أتاني، وما أقبلت إلا حين احتبس علي رسولا خشية أن يكون سخطة من الله ومن رسوله عليه السلام، فنزلت الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ، إلى هذا المكان: ﴿فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم﴾]؛ أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج4/ص279/ح18482): [حدثنا محمد بن سابق بتمامه سنداً ومتناً]. قلت: وها هنا أيضاً صدَّق رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، عامله الكاذب، الوليد بن عقبة، وأرسل الجيوش، وكادت أن تكون كارثة، ولكن الله سلَّم.

 

* وقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه (ج6/ص2627/ح6762): [حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني عروة بن الزبير أن زينب بنت أبي سلمة أخبرته عن أمها أم سلمة قالت: سمع النبي، صلى الله عليه وسلم، جلبة خصام عند بابه فخرج عليهم فقال: «إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضاً أن يكون أبلغ من بعض، أقضي له بذلك، وأحسب أنه صادق! فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليدعها»]؛ وهذا إسناد في غاية الصحة.

وأخرجه الإمام البخاري في صحيحه في مواضع عدة؛ كما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه في مواضع عدة؛ والنسائي في سننه في مواضع عدة؛ والترمذي في سننه؛ وابن ماجه في سننه؛ وأبو داود في سننه في مواضع عدة؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده في مواضع كثيرة؛ ومالك في الموطأ؛ والطحاوي في شرح معاني الآثار في مواضع عدة؛ والحميدي في مسنده؛ والطبراني في معجمه الكبير في مواضع كثيرة؛ والنسائي في سننه الكبرى في مواضع كثيرة؛ والدارقطني في سننه في عدة مواضع؛ والطبراني في مسند الشاميين في مواضع عدة؛ والحارث/الهيثمي في مسنده (الزوائد)؛ والبيهقي في سننه في مواضع كثيرة؛ وأبو يعلى في مسنده في مواضع كثيرة؛ وابن الجارود في المنتقى في مواضع عدة؛ والشافعي في مسنده في مواضع عدة؛ والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنّفه في مواضع عدة؛ والطبراني في معجمه الأوسط في مواضع عدة؛ وغيرهم بأسانيد أغلبها في غاية الصحة، تقوم بها الحجة اليقينية القاطعة.

 

وهذا الحديث يؤكد عدة حقائق في غاية الأهمية: من أهمها أن الادعاء الباطل قد يحسن صاحبه عرضه، والتدليل عليه، حتى ينخدع به المعصوم، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، نفسه، فيحكم له بغير حقه، في مجلس قضاء معتبر محترم، يحكم فيه في الدماء والأعراض والأموال؛ فمن باب أولى: قد يحصل بلا شك لمن هو دونه من أمثال ابن عباس، وغيره من الصحابة، رضي الله عنهم؛ في مجالس الدرس والمذاكرة.

 

وكنا قد نشرنا بعض هذا الفصل في أحد ساحات النقاش بالشبكة العنكبوتية الدولية، فاستشكله (حمار وهابي) من الأغبياء المتعالمين من أدعياء «السلفية» مُسائلاً كيف يكون الرد إذا (قال لك الزنادقة: ما دام أن نبيكم يخدع بكذب كاذب، فما المانع أن تكون القصص التي قصّها علينا خارج القرآن عن الأمم السابقة كلها انخدع فيها بكذب كاذب. وما دام أنه ينخدع بكذب الكاذبين، وما دام أن الباطل قد يحسن عرضه له والتدليل عليه، فما المانع أن يكون كثير مما حسّنه لكم قد انخدع فيه ورآه حسنا؟).

نقول: ما ذكر هذا المتعالم من كلام الزنادقة (ونرجو الله أن لا يكون هو منهم) فليس بجديد، فقد قالت قريش إنما يعلمه بشر، وذلك قبل تلفظه، عليه وعلى اله الصلاة والسلام، بذلك الحديث، وقالها المستشرقون، وقالوا أحياناً ما هو أفظع منها. ونبوة محمّد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثبتت بقواطع الأدلة، ومنها هذا القرآن المعجز (وهو بين أيدينا وليس هو مثل معجزات الأنبياء السابقين التي ذهبت أعيانها)، وشقّ له القمر، وتواتر عنه سقاء وإطعام المئين بمُدٍّ أو صاع من طعام لا يكفي بضعة أنفس، وتواتر الخبر بحنين الجذع إليه، وقلب مجرى التاريخ وحطَّم أتباعه أكبر الإمبراطوريات وأنشؤوا أكبر دولة في التاريخ في خلال جيل واحد فقط، وأخبر بمغيبات المستقبل: من انتصار الروم بعد هزيمتهم المدمّرة الساحقة، وموت عمه أبي لهب على الكفر، وامتناع اليهود عن تمنّي الموت، إلى هجمة المغول الشرسة على أمّته، وتجمّع اليهود في فلسطين حيث سيذبحون قريباً بإذن الله وتوفيقه، وغير ذلك من مئات الأدلة القاطعة.

فهو نبي الله، المبلّغ عن الله البلاغ المعصوم، قبل أن يتلفظ حتى بكلمة واحدة خارج القرآن العظيم، عليه وعلى اله الصلاة والسلام.

ثم ثبت بالأدلة اليقينية القاطعة: من ضرورات الحس والعقل، ونصوص القرآن أنه معصوم في قوله عن الكذب والخطأ، وفي فعله عن ارتكاب الحرام. وثبت كذلك أن الذّكر الذي انزل عليه (والذّكر هو القرآن والسنّة كلاهما) محفوظ بحفظ الله.

ثم ثبت عنه ثبوتاً تقوم به الحُجّة أنه قال: «إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ (وفي رواية: ألحن) من بعض، فأحسب أنه صدق، فأقضي له بذلك! فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو فليتركها»

فقلنا نحن: صدق الله، وصدق رسوله، فلا يتعارض تصديق النبي في مجلس قضاء لبعض من أحسن عرضه حجته، أو أجاد إخفاء كذبته، مع كونه معصوماً في التبليغ عن الله.

 

فيا لله، ويا للمسلمين: متى كان إخبار شخص مترافع في مجلس القضاء عن ملكيته لبعير أو حمار، أو حتى لأرض زراعية، إخباراً أو بلاغاً عن الله من هذا الشخص؟! ومتى كان تصديق النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، له أو تكذيبه إياه ذا علاقة بوحي الله أو بلاغاً عن الله؟!

 

يا لله، ويا للمسلمين: متى كان أبو القاسم، خاتمة الأنبياء، المعصوم بعصمة الله، بأبي هو وأمي، يأخذ البلاغ عن الله من أحد من الناس، حتى يرد أصلاً سؤال هذا «المتعالم الدعي» عندما قال: (فما المانع أن يكون كثير مما حسنه لكم قد انخدع فيه ورآه حسنا)؟!

 

ثم قال «المتعالم الدعي»: [واعلم أن الحديث التي جئت به لكي تدلل على أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قد يخدع بكذب كاذب ليس كما فهمته أنت، بل الحديث خاص في باب القضاء كما هو صريح لفظه. وفرق بين القضاء وبين الإخبار عن الله عز وجل في مقام التشريع أو تفسير كتاب الله، وكلام ابن عباس من هذه البابة. والقاضي إنما يقضي بما تدل عليه البينات والأيمان، ولو كانت مخالفة للواقع إذ هو مطالب بما تدل عليه البينات أو يتقحمه الخصم من الأيمان. بل ذهب أكثر العلماء إلى أن القاضي يقضي حسب البينات والأيمان ولو كان يعلم بنفسه أن الحق بخلاف ما قضى به. وانظر في المسألة بدائع الصنائع (7/7) والتمهيد (22/219) وروضة الطالبين (11/156) والمغني (9/53)]

فأقول ما شاء الله كان: ما علاقة خصوصية هذا بباب القضاء بالموضوع أصلا؟! القضية هي: هل يجوز أصلاً أن ينخدع النبي بكلام من أحسن عرض حجته، أو أجاد إخفاء كذبته، أم لا يجوز عليه أصلاً بوصفه نبياً معصوماً. وكون الحديث عن القضاء أشد وأنكى: فالانخداع بالكذب أو الحجة المزوقة في مجلس القضاء أفظع وأشنع: فها هنا حقوق مالية، وفروج، وأعراض، ودماء معرضة للخطر.

 

وها هو، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، بأبي هو وأمي، قد أدى الأمانة، وبلّغ الرسالة، وحذر وأنذر أن ليس بعده معصوم من تصديق من أحسن عرض حجته، أو أجاد إخفاء كذبته في مجلس قضاء ينظر فيه في حقوق مالية، وفروج، وأعراض، ودماء، فمن باب أولى إذاً جاز أن ينخدع الإمام الحجة الثقة المأمون، والحبر البحر، بخرافة اللات الذي كان يلت السويق للحجاج، إذ كانت العرب تتداولها في مجالسها، وتكثر من ترديدها. ولو طالبهم ابن عباس بالقسم لأقسموا أنهم سمعوا ذلك من أباءهم عن أجدادهم، فأي شيء يثبت بمثل هذا السماع، أو بمثل هذه الأيمان، وما شابه من القيل والقال؟! هذا إن صح أصلاً أن الرواية ثابتة عنه بذلك، وهي لا تثبت كما سيأتي في مكانه المناسب عند مناقشة أساطير (اللات).

 

أما كلام هذا (المتعالم) الفارغ عما ذهب إليه أكثر العلماء، بزعمه، أن القاضي يقضي حسب البينات والأيمان ولو كان يعلم بنفسه أن الحق بخلاف ما قضى به، فلا علاقة له بالموضوع، ولا محصول منه، وهو قضية شائكة، والقول كما ذكره هكذا لا محصول من ورائه، بل الأرجح أنه خطأ، والمسألة تحتاج على كل حال إلى تفصيل، وتفريع: فليست أقضية الحدود عامة، وأقضية الزنا والأعراض خاصة، من جنس الحكم في شاة أو بعير، وليس البينات كلها من نوع واحد أو درجة واحدة. ولكن من تسطَّح فكره، وتضائل عقله من أمثال ذلك «الحمار الغبي، المتعالم الدعي» ربما ظن ذلك، وقد كان الأولى به، وبأمثاله من الغلاة المارقين، مقلدة الفرقة الوهابية، المنتسبين زوراً وبهتاناً إلى ( السلف)، أولاً أن يطلب العلم طلباً جاداً.

 

فـ(حكم القاضي بعلمه) لا علاقة له بموضوعنا هذا من قريب أو بعيد، إلا إذا كان ذلك المتعالم الدعي يزعم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يعلم كذب الشهود، إن كذبوا، ويكشف تزوير المزورين، ولكنه فقط يحكم بالظاهر، ثم زاد فكذب علينا وقال: «إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ (وفي رواية: ألحن) من بعض، فأحسب أنه صدق، فأقضي له بذلك! فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو فليتركها»؛ بدلاً من أن يقول، مثلاً: (لقد عصمني الله أن يجوز علي كذبكم، أو تنطلي علي حسن مرافعتكم، ولكن سيكون بعدي من يخدع ويضلل، فإن حكم أحدهم بخلاف الحق فإنما هي قطعة من النار فلا تأخذوها)، أو نحو ذلك.

 

فيلزمه إذا على مقدمته الكاذبة الخبيثة الملعونة أنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، كاذب مخادع: حاشاه، ثم حاشاه، ثم حاشاه. فحسب صاحبنا «المتعالم الدعي» هذا الإلزام: وهو الكفر والشرك، قطعاً ولا جدال. فيا ليته فكر، مرة وثانية وثالثة، قبل أن يفتح فاه بمثل ذلك اللغو الخطير، بل الإفك العظيم.

نعم: هناك مخرج لا أحسبه يبعد كثيراً عن الكفر والزندقة، وهو رد هذا الحديث، وهذا لا يتأتى بطريقة مطردة منضبطة إلا برد كل أخبار الآحاد جملة، واللحاق ببعض غلاة المعتزلة، فيلزمه أن يرد رواية (اللاتُّ)، الذي كان يلت السويق للحجاج من باب أولى، وهي التي استمات صاحبنا في الدفاع عن صحتها، أي عن مطابقتها للواقع التاريخي، لأنها توافق ما اعتقده هو من الإفك والباطل، اتباعاً للبدعة الشنعاء التي بنت عليها الفرقة الوهابية دينها. وحتى لو صفا له هذا في هذا الحديث، بل وفي جميع نصوص السنة غير المتواترة: فما العمل مع القرآن، وهو منقول نقل تواتر، بنقل الكواف عن مثلهم، ومنه آيات سورة النّساء، وآيات سورة التّوبة، وآيات سورة الحجرات؛ ماذا نفعل بها: أنحُكُّها من المصحف؟!

 

أو يلزم صاحبنا «المتعالم الدعي» أن يتناقض فيصحح أحاديث ويرفض أخرى، بلا خطام أو زمام. والظاهر أن هذا هو مذهبه، ومذهب أمثاله من الوهابيين، أدعياء «السلفية»، وإن أنكروا ذلك أشد الإنكار: فهم مبتدعة منحرفون، غلاة مارقون، أصحاب هوى متلاعبون: ما وافق الهوى من الأحاديث صحيح، ومن القراءات متواتر، وما لم يكن على (المزاج) ففيه نظر، وكر وفر، واستشهاد بكلام (أكثر العلماء)، و(ما ذهب إليه الجمهور)، وأقوال (السلف الصالح)، ويصبح حينئذ (قول الصحابي حجة) بقدرة قادر، ناهيك بـ(سد الذرائع)، و(دفع أكبر المفسدتين، وتحصيل أعظم المصلحتين أو المنفعتين)، و(احتمال أدنى المصيبتين؟!)، وغير ذلك من الدجل والهراء.

 

فصل: هل سكوت النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعدم تعقيبه على ما يقال في حضرته تصديق لمقولة القائل؟!

أسلفنا إقامة البرهان القاطع على أن النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، ليس معصوما من الانخداع بشهادة كاذب، أو حُجّة محاجج ماهر، فيقبلها بحيث يترتّب على ذلك إصدار حكم قضائي أو إعلان الحرب وإعداد الجيوش؛ فمن باب أولى: لا يكون سكوته، وامتناعه عن التّعقيب أو التّعليق، على مقولة قائل دليلاً على التصديق أو التكذيب من حيث الأصل والمبدأ.

نعم: إذا تلفظ قائل في حضرته بمقولة تناقض ما أمره الله بإبلاغه إلى الناس من الأخبار فلا شك أن يغضب وينكر ذلك أشد الإنكار لأن القول بذلك في حقيقته كفر في نفس الأمر (وربما كان القائل معذوراً بجهل، أو نسيان أو تأويل، أو بغيره من موانع تكفير المعيَّن)، وليس فقط لأنه خطأ في ذاته، بل لأنه، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، بعث معلماً داعياً إلى الإيمان، وليس معلماً للفلسفة أو التاريخ أو عجائب غيب الدنيا والآخرة، وإن كان قد جاء بسهم وافر من كل ذلك.

 

ولعلنا نضرب لذلك مثالاً نموذجياً صارخاً، حتى تتضح المسألة وضوحاً تاماً، فتصبح كأنها ملموسة باليد أو مرئية بالعين، وليس فقط مدرَكة بالبصيرة والعقل:

* أخرج الإمام مسلم في صحيحه (ج4/ص2244/ح2929) بإسناد في غاية الصِّحة: [حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري حدثنا أبي حدثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم عن محمد بن المنكدر قال: رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله أن بن صائد الدجال فقلت: أتحلف بالله؟ قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي، صلى الله عليه وسلم، فلم ينكره النبي، صلى الله عليه وسلم]؛ وأخرجه الإمام أبو داود في سننه (ج4/ص121/ح4331) بعينه سنداً ومتناً؛ وأخرجه الإمام البخاري في صحيحه (ج6/ص2677/ح6922) بنزول: [حدثنا حماد بن حميد حدثنا عبيد الله بن معاذ بعينه]؛ وغيرهم.

فهذا جابر بن عبد الله يسمع عمر يحلف بحضرة النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، على أن (عبد الله بن صائد هو الدجال)؛ والنبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا ينكر تلك (المقولة)، فيظن أن هذا من جنس إقراره لبعض (الأفعال) التي قد تُفعل بحضرته. وقد روي مثل هذا عن عبد الله بن مسعود، وأبي سعيد الخدري، وغيرهما من الصحابة، رضوان الله وسلامه عليهم. وتابعهم على هذا الخطأ بعض التابعين، وأتباع التابعين، ثم علماء أجلاء حتى يومنا هذا. وترتّب على ذلك ما لا يكاد ينحصر من الإشكالات والتناقضات مع النصوص الأخرى.

نعم: قد يستنبط من هذا الخبر: إباحة الحلف لمن كان مستيقناً لما يقوله، فلا إثم عليه في ذلك، وإن كان المحلوف عليه باطلاً في نفس الأمر، كما قاله بعض الفقهاء. ولا نبالي في هذه الحالة أكانت يمين عمر هذه قبل قول النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، رافضاً الإذن لعمر بقتل عبد الله بن صائد (أو عبد الله بن صيَّاد) قائلاً: (إن يكنه فلن تسلّط عليه، وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله)، وهو قطعاً الأرجح، أو بعد تلك.

 

ولكن حتى هذه، أي: (إباحة الحلف لمن كان مستيقناً لما يقوله، فلا إثم عليه في ذلك، وإن كان المحلوف عليه باطلاً في نفس الأمر) إنما ثبت بنصوص قطعية أخرى، وبضرورة الحس والعقل، كما ثبت بنصوص قطعية أخرى، يعلمها كل أحد، حرمة الكذب المتعمّد، وأن الحلف عليه من الكبائر المهلكة، فقد كان المُخلّفون من منافقي المدينة ومن الأعراب يعتذرون للنبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بأعذار مكذوبة، ويطلبون منه أن يستغفر لهم، فيقبل ذلك منهم، ويستغفر لهم، مع علمه بكذب بعضهم، وشكّه في صدق بعضهم، وما قال لأحد من هؤلاء في وجهه قط: (كذبت)، وذلك لأنه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم:

(1)ــ لم يؤمر بهتك أستار الناس، أو شقّ صدورهم والتنقيب عن قلوبهم؛ ولا أُذِن له أن يتجسس عليهم؛

(2)ــ ولأنه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بشرٌ مخلوق، لا يعلم من الغيب إلا ما أعلمه الله به: إما لأنه من متطلبات إبلاغ الرسالة، أو تفضلاً من الله ونعمةً له ولأمته؛

(3) ــ ولأنه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أمر بالتلطف مع الناس، وخفض الجناح للمؤمنين، والرحمة والتجاوز والصفح عن المعتدين.

 

هذا بحمد الله واضح بين، ولعلنا نزيده وضوحاً بذكر ما جاء عن أبي نملة الأنصاري، رضي الله عنه:

* كما هو في «صحيح ابن حبان»، (ج14/ص151/ح6257): [أخبرنا بن قتيبة قال: حدثنا حرملة قال حدثنا بن وهب قال: أخبرنا يونس عن بن شهاب أن نملة بن أبي نملة الأنصاري حدثه أن أبا نملة أخبره أنه بينما هو جالس عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، جاء رجل من اليهود فقال: (هل تكلم هذه الجنازة؟!)، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «الله أعلم»، فقال اليهودي: (أنا أشهد أنها تتكلم!)، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «ما حدّثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله: فإن كان حقا لم تكذبوهم، وإن كان باطلا لم تصدقوهم»، وقال: «قاتل الله اليهود: لقد أوتوا علماً»]. وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده قوي. وقد أخرجه أبو داود في سننه (ج3/ص318/ح3644)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج4/ص136/ح17264)؛ وابن أبي عاصم عمرو الشيباني في الآحاد والمثاني (ج4/ص142/ح2121))؛ والإمام عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه (ج6/ص111/ح10160)؛ والطبراني في معجمه الكبير (ج22/ص350/ح874 ــ ح879)؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج2/ص10/ح2071)؛ وغيرهم، والحديث صحيح، لا سيما بمتابعة الرواية التالية.

 

ولعل هذه القصة قد جاءت أيضاً عن عامر بن ربيعة، رضي الله عنه:

* كما هي في «المستدرك على الصحيحين»، (ج3/ص404/ح5538): [أخبرناه أبو الفضل الفقيه حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي أخبرنا عبد الله بن عبد الجبار بحمص حدثنا الحارث بن عبيدة حدثنا الزهري عن سالم عن أبيه عن عامر بن ربيعة قال: كنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فمر بجنازة فقال رجل من اليهود: (يا محمد تكلم هذه الجنازة؟!)، فسكت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال اليهودي: (أنا أشهد أنها تكلم!)، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إذا حدثكم أهل الكتاب حديثا فقولوا آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله»]؛ ثم قال الحاكم: (هذا حديث يعرف بالحارث بن عبيدة الرهاوي عن الزهري وقد كتبناه في آخر نسخة ليونس بن يزيد عن الزهري: حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمّد، بنيسابور، حدثنا القاسم بن عبد الله بن مهدي، حدثنا عمي، حدثنا رجل، (قد سماه أبو القاسم بن مبرور)، حدثنا زيد بن يونس، عن يزيد، عن الزهري، قال: قال سالم: إن عبد الله بن عمر، قال: حين وضعت جنازة رافع بن خديج وذكر الحديث). قلت: الحارث بن عبيدة الرهاوي ليس بالقوي؛ وفي الإسناد – على الأرجح ــ سقط:

ــ لأن الإسناد عند الطبراني في مسند الشاميين (ج3/ص48/ح1784) ينص: [حدثنا عثمان بن خالد بن عمرو السلفي حدثنا عبد الجبار الخبائري حدثنا الحارث بن عبيدة حدثنا بقية بن الوليد عن الزبيدي عن الزهري عن سالم بن عمر عن عامر بن ربيعة، بنحوه].

ــ ولأن الإسناد في (معرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني) (ج14/ص394/ح4591) ينص: [حدثنا أبو إسحاق بن حمزة، حدثنا أحمد بن خالد بن عمرو السلفي، حدثنا أبي، حدثنا الحارث بن عبيدة، حدثني الزبيدي، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن عامر بن ربيعة، بنحوه].

فها هو نبي الله الخاتم يمتنع عن التعليق على كلام اليهودي، فلا يصدّق ولا يكذّب، مكتفياً بالقول: «الله أعلم»، مرشداً إلى الموقف المعرفي الصحيح، الذي لا يحل لمسلم، بل ولعاقل، غيره: (لا تصدّقوهم ولا تكذّبوهم وقولوا آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله: فإن كان حقا لم تكذّبوهم، وإن كان باطلا لم تصدّقوهم)، مع تأكيده بأنهم قد أوتوا علماً قد يدعو للتعجب: «قاتل الله اليهود: لقد أوتوا علماً».

 

فصل: الذّكر، ليس هو فقط القرآن، بل السنّة ذكر أيضاً

سبق التنبيه والبرهنة على أن لفظة «الذِّكْر المنَزَّل» إنما تطلق على مجموع الوحي المنزّل، أي على القرآن والسنّة، على وجه الإجمال. كما أثبتنا أن الزعم بأن الذّكر هو نص القرآن فقط، زعمٌ مجرد، ومصادرة على المطلوب، من غير برهان. بل إن البرهان قد قام على خلاف ذلك، لا سيما أن (الحِكْمَة) المنزّلة وحي آخر غير الكتاب المتلو المنزّل، كما ثبت بالأدلة اليقينية أعلاه.

ولكن بقي بسط الكلام وتفصيله في معنى قوله، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون، (النحل؛ 16:44)، لا سيما إذا قرنت بقوله، تقدست أسماؤه: ﴿إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه، (القيامة؛ 75: 17 ــ 19) للتعرّف بدقة على ماهية (الذِكْر المنَزَّل) تعرّفاً دقيقاً منضبطاً.

نقرر أولاً أن الآية الأولى نص يقيني قاطع على أن هناك تنزيلين:

(1) التنزيل الأول، الأسبق في الزمن: (ما نزل من قبل إلى الناس عامة)، فهو في أيدي الناس، بغض النظر عن كيفية وصوله إليهم.

(2) التنزيل الثاني، اللاحق زمنياً، المسمَّى بـ(الِذْكر). هذا (الذِكْر المنَزَّل) هو الذي أنزل على نبي الله الخاتم وحده خاصة، وليس إلى عموم الناس ابتداءً، ليقوم هو بعد ذلك، استناداً إلى هذا الذّكر المعصوم، المنزّل إليه خاصة، بعملية الـ(بيان) لـ(ما نزل من قبل إلى الناس عامة). هذا (الذِّكر) ليس هو بذاته (بيان)، ولكنه (المادة الخام) التي يصوغها النبي بياناً.

 

ولكن ما هو (التنزيل) الأول الأسبق، الموصوف بأنه (ما نزل من قبل إلى الناس عامة)؟ وما هي حقيقته؟!

هذا الذي (نزل من قبل إلى الناس عامة) هو بالقطع:

(1) تنزيل ووحي معصوم من الله؛

(2) يحتاج كله أو بعضه إلى بيان وإيضاح؛

(3) من الوظائف المهمة لهذا (الذِّكْر المنَزَّل)، وهو الوحي الثاني اللاحق، أن يكون (المادة الخام) التي يستند إليها النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، في بيانه لذلك التنزيل الأول: (ما نزل من قبل إلى الناس عامة). وقد يكون لهذا (الذِكْر المنَزَّل) وظائف أخرى، فليس في الكلام صيغة حصر، أو ما يدل على الحصر.

الحد الأدنى الذي يمكن تصوره لهذا الذي (نزل من قبل إلى الناس عامة)، وهو أقل ما يمكن أن يقال عنه: ﴿ما نزل إليهم﴾، هو القرآن المجيد ضرورة، وهو المتبادر لأول وهلة من ظاهر الآية، ولأنه المقصود في المقام الأول، عادة، عند إطلاق لفظة «التنزيل» ومشتقاتها. كما أنه وحي بلفظه وأحرفه، يتلقاه الناس من فم النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، مباشرة فور تلاوته، ويتساوون معه في حفظه وترتيله، فكأنه نزّل إليهم مباشرة، من غير واسطة، أو كأنه نزل مكتوباً في قرطاس، أو منقوشاً على ألواح، لذلك استحق أن يقال عنه أنه: ﴿نزل إليهم﴾، بخلاف الذّكر، الذي أنزل خاصة على محمد النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، فيقوم النبي بعملية (البيان) التي تجعله صالحاً لتلقي الناس، ولو لم يقم النبي بذلك (البيان) لبقي (الذِّكْر المنَزَّل) مادة خام، ولما عرف الناس بوجود هذا (الذِّكْر المنَزَّل) أصلاً، ولما اطّلعوا عليه مطلقاً.

فإن كان الأمر كذلك، وبناءً على هذا الحد الأدنى، فلا شك حينئذ أن الكتاب العزيز، أو بلفظ أدق، بعض آي القرآن العظيم، بحاجة إلى البيان، وهذا ثابت ليس بهذه الآية فقط، بل أيضاً ضرورة بقوله، تعالى ذكره: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ، (القيامة؛ 75: 17 - 19). وهذه الآية الكريمة تتحدث فقط عن القرآن، ولا شيء غير القرآن. فالقرآن، أو بعضه، قطعاً بحاجة إلى بيان. وهي تشهد كذلك بأن الله، جل جلاله، ألزم نفسه المقدسة بـ(البيان)، إلا أن البيان يأتي عادة متراخياً، بعد مدة من الزمن، كما تدل عليه لفظة (ثم) في قوله، جل جلاله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾، ولكن هذا البيان لا يتأخر أبداً عن وقت الحاجة إليه، وإلا لفقد معناه وفائدته، وانقلب وعد الله بالبيان خائساً، معاذ الله.

 

على أن حاجة القرآن العظيم، أو بلفظ أدق، بعض آي القرآن العظيم للبيان، معلومة كذلك بضرورة الحس والعقل لمن تصفّح القرآن مجرد تصفّح، وقرأ ألفاظه، وجمله. مثل هذا التصفّح يظهر فوراً أن فيه، أي في القرآن، إجمالاً كثيراً يحتاج إلي تفسير وتفصيل، وعمومات قد تحتاج إلى تخصيص، وإطلاقات قد تحتاج إلى تقييد، ومواطن يسيرة من المشتبه تحتاج إلى تأويل، وغير ذلك من أنواع البيان اللازم، لا سيما الأحكام التي تحتاج إلى بيان عملي، لأن البيان القولي يطول جداً على نحو يخلّ ببلاغة القرآن لو جاء ذلك البيان الضروري قرآناً، أي، كلاماً ملفوظاً.

 

ومن أمثلة افتقار القرآن إلى بيان، بإقرار القرآن نفسه، وبضرورة الحس والعقل: الصلاة المكتوبة، التي هي عمود الدين، لم يرد لشعائرها كبير تفصيل يذكر، في حين أن الوضوء، وهو الشعيرة المفروضة لتحقيق الطهارة الشعائرية التعبدية، التي لا تصحّ الصلاة إلا بها، جاء مفصلاً تفصيلاً كافياً يستطيع به أي إنسان أداؤه على وجهه المطلوب. فمن المستبعد جداً أن لا تكون أحكام الصلاة على نفس الدرجة من التفصيل لأحكام الوضوء، أو لعلها أكثر. ومع ذلك لم يرد ذلك التفصيل اللازم في القرآن، فتولته السنّة، لأن بيان أحكام الصلاة يتطلب في أكثره الأسوة العملية، ويصعب الإتيان به بمجرد الكلام الملفوظ، إلا بإسهاب وتطويل، وبسط كلام، لا يتناسب مع بلاغة القرآن، وحسن نظمه، أي مع كون القرآن معجزاً.

 

وأكثر تفاصيل أحكام الصلاة المكتوبة، وأركانها المهمة، التي بينتها السنّة، التي هي وحي معصوم كنا أسلفنا البرهنة عليه، قد نُقلت إلينا نقل تواتر، نقل الكواف عن الكواف، بحيث تقوم بهذا النّقل الحجة اليقينية القاطعة. وهذه الحجة القاطعة على المهم من أحكام الصلاة، هو في نفس الوقت حُجّة قاطعة على أن تلك السنن من (الذِّكْر المنَزَّل) ضرورة، أو بلفظ أدق: بيان وصياغة وتعبير نبوي معصوم لهذا (الذِّكْر المنَزَّل)، لأن من أهم وظائف (الذِّكْر المنَزَّل) أنه به يُبين النبي الخاتم، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، للناس ما سبق تنزيله إليهم.

 

ومن أمثلة ذلك أيضاً: الزكاة، التي أوجبها الله في كل مال، والتي هي ركن من أركان الإسلام. وهي ليست شعيرة تعبدية خالصةً له تبارك وتعالى فحسب، بل هي كذلك حق للسائل والمحروم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ * لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾، (المعارج؛ 70: 24 - 25)، فتيقنا أنها واجبة في كل مال، وقال: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ؛ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ؛ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾، (الأنعام؛ 6: 141)، فعلمنا أن ما يُحصد يؤدى حقه فور حصاده، ولكننا لم نعلم هل هو فور تمام الحصاد؟ أم هو حصاد كل يوم بيومه؟! من باب أولى لم نعلم ما هي مواقيت ومقادير زكاة الأموال الأخرى!

 

وقال تعالى مجده: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، (التّوبة؛ 9: 60)، فعلمنا الأصناف المستحقة، ولم نعلم كيف توزع بينهم، ولا من له صلاحية ذلك: هل يتولَّى ذلك الأفراد؟ أم تقوم به الدولة؟! ولا يوجد في القرآن بيان ذلك، فوجب ضرورة أن يكون بيان ذلك في السنّة الشريفة، وإلا كان خبر الله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون، كاذباً، ووعده: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ، مخلفَاً، خائساً، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

 

على أن الله، جل جلاله، إنما تكفل ببيان ما ينزل من القرآن بعد جمعه وتلاوته، عندما ترد الحاجة إلى البيان، كما هو بيِّن من استخدام لفظة (ثم) المفيدة للترتيب مع التراخي، وكما هو معلوم بالضرورة من التاريخ: أن القطعة من القرآن تنزل، فيتلوها النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، ويلقيها على عدد من الحفاظ تقوم بهم الحُجّة اليقينية القاطعة، ويدعو من تيسّر لكتابتها، وكل ذلك يستغرق وقتاً، ثم يكون البيان عند الحاجة، لا سيما إذا كان بيان كيفية عملية، كشعائر الصلاة مثلاً.

كل هذه الخصائص لـ(نص القرآن) هي في جوهرها على النقيض من خصائص ذلك (الذِّكْر المنَزَّل) الذي أنزل على محمّد ليكون هو (المادة الخام) التي يستخدمها النبي في عملية (البيان)، فالخصائص القرآنية تختلف عن خصائص (الذِّكْر المنَزَّل) اختلافاً جذرياً:

(1)- فالقرآن العظيم في حاجة إلى البيان، الذي يكون في العادة متراخياً، عند وقت الحاجة، كما أسلفنا تفصيله، أما (الذِّكْر المنَزَّل) فهو المادة الخام التي تنزل على النبي، عند الحاجة، ليبين بها من فوره، ما يحتاج إلى بيان مما سبق نزوله من (نص القرآن).

(2)- (نص القرآن) وحي عام إلى الناس «مباشرة». نعم: هو ينزل أولاً على النبي، ثم يأخذه الناس منه، إلا أن دور النبي، أول الأمر، يقتصر على التلفُظ به، وتلاوته، فقط، لا غير، ثم يأخذ منه الناس ذلك اللفظ فوراً، ويكتبونه في ما تيسر من الألواح والرقاع. فالحال لا تختلف كثيراً عن كونه كأنه نزل إلى الناس جميعاً مباشرة مكتوباً في قرطاس، أو منقوشاً على ألواح، أو مسجلاً على أشرطة مغنطيسية، أو ما شابه. وذلك بخلاف (الذِّكْر المنَزَّل)، الذي هو (مادة خام) يستخدمها النبي، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، للبيان بأقواله وأفعاله وأقاريره.

 

هذه الفروق الجوهرية توجب أن يكون (الذِّكْر المنَزَّل)، ليكون (مادة خاماً) يصاغ منها البيان النبوي، شيئاً آخر غير نص القرآن المجيد. فمن المحال الممتنع أن يكون هذا القسم من (الذِّكْر المنَزَّل) هو عينه نص القرآن العظيم فقط.

 

ولكن «الذِّكْر المنَزَّل» نوع آخر من الوحي والتنزيل من عند الله، ولا شيء يصلح أصلاً أن يكون وحياً منزلاً، يتنزل على الرسول خاصة، ثم يأخذه الناس منه بياناً: أقوالاً وأفعالاً وأقارير، إلا السنّة النبوية الشريفة، أو بلفظ أدق: السنّة النبوية التي جاءت بياناً لتلك الفئة من نصوص القرآن، التي تحتاج إلى بيان.

 

ولكن الحق أن السنّة النبوية كلها ما هي إلا بيان لنص القرآن، لأن البيان ليس هو فقط تخصيص العام، وتقييد المطلق، وتفصيل جزئيات حكم معين، كما قد يتبادر إلى بعض الأذهان الكليلة، لا سيما أذهان (القرآنيين) المختلة، بل هو أوسع من ذلك بكثير: فتفسير المجمل كذلك: بيان، وتأويل المتشابه كذلك بيان.

 

وكل السنّة ما هي إلا تفسير لما أجمل الله، تباركت أسماؤه، في مثل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شيء فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾، (النّساء؛ 4: 59)، وقوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ؛ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، (الحشر؛ 59: 7)، وقوله: ﴿... قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شيء فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، (الأعراف؛ 7: 156 ــ 158).

 

ولكن القرآن نص على أن القرآن العظيم ذكر كذلك، وسماه (الذّكر الحكيم)، ووصف أنواعاً أخرى من الوحي بأنها ذِكر. لذلك وجب أن تكون لفظة (الذِّكْر المنَزَّل) أو (الذِّكْر) في مقام الكلام عن الوحي عموماً، من غير تخصيص لبيان أو غيره، شاملة لكل الوحي، وبالأخص: القرآن والسنّة.

ولا يجوز أن يكون «الذّكر» هو القرآن فقط، بل لا بد أن يشمل وحياً غير القرآن، كما أسلفنا البرهنة عليه.

 

إذاً ثبت قطعاً أن «الذّكر» المنزّل ليس هو القرآن فحسب، فهو القرآن والسنّة، أو بلفظ أدق: القرآن وبعض السنّة. ولكن إذا كان بعض السنّة ذكراً، فكلها من «الذّكر» لا محالة، لأنها كلها وحي معصوم، وهي صنف واحد، وفي مرتبة واحدة من حيث الإلزام والحجية.

 

ولكن القول بالحد الأدنى الذي يمكن تصوُّره لهذا الذي (نزل من قبل إلى الناس عامة)، كما سبق ذكره، تحكّم لا يجوز، لأن عبارة بـ﴿ما نزل إليهم﴾ تحتمل أن تشمل كل وحي سبق نزوله حتى تلك اللحظة المعيّنة، وهو مع ذلك ما زال مفتقراً إلى (البيان). هذا الوحي السابق إذاً هو ضرورة إما:

(1)- آي من القرآن العظيم، تحتاج إلى بيان، وقد جاء وقت الحاجة لبيانها، كما سبق شرحه.

(2)- حكمة وسنن سابقة، مازالت تفتقر إلى بيان، أو مزيد بيان، قد جاء وقته، وهي مع ذلك مما تلقّاه الناس، فحفظوه ودرسوه وتذاكروه، فصلح أن يقال عنها أنها من: ﴿ما نزل إليهم﴾، لأنها قد وصلت إليهم، وهي بأيديهم فعلاً.

 

فلا بد حينئذ أن يكون البيان النبوي لهذا الذي (نزل من قبل إلى الناس عامة) بوحي جديد ينْضمّ إلى ما سبق نزوله قبل ذلك، لا فرق بين قرآن أو سنّة، وهكذا شيئاً فشيئاً، حتى يكتمل الوحي كله، فيصبح بيناً كاملاً لا يحتاج إلى وحي جديد لبيان أي شيء منه، وذلك قبيل وفاة خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله.

والبيان النبوي هو ضرورة:

(1) أقوال النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومنها الإشارة؛

(2) وأفعاله؛

(3) وتقريراته؛

أي أنه السنّة النبوية، من غير زيادة، ولا نقصان، كما أسلفنا. فالسنّة النبوية إذاً من (الذّكر) المنزّل، ضرورة ولا بد.

 

إذاً وجب، على كل حال، وبموجب أي من الفرضيّتين، أن يكون «الذّكر المنزّل» شاملاً لكل من القرآن والسنّة، ضرورة، ولا يجوز أن يكون أكثر منهما أو أكبر لأنه ما ثمة وحي منزّل إلا هذين: القرآن والسنّة، فلا بد أن يكون «الذّكر المنزّل» هو بالضبط الوحي كله، أي القرآن والسنّة، فقط لا غير، من غير زيادة ولا نقصان.

 

فلفظة «الذِّكْر المُنَزَّل» إذا أطلقت هكذا معرّفة بالألف واللام، في سياق الكلام عن التنزيل أو الوحي، لا بد أن تشمل السنّة لا محالة. فقولنا أن السنّة مبيّنة للقرآن حق، وقولنا أن القرآن والسنّة يبيّن بعضها بعضاً حق كذلك، وقولنا أن «الذّكر المنزَّل»، الذي هو القرآن والسنّة، يبيّن بعضه بعضاً، وأنه كاف شاف للبيان والبلاغ وإقامة حُجة الله على العباد، إلى يوم القيامة الكبرى، حق كذلك. وكل ذلك حق يترتب بعضه على بعض ضرورة.

 

وقد يزعم بعض من يتسمّون بـ«القرآنيين» أن البيان إنما يكون بقرآن جديد فقط، وليس لغير القرآن دخل في ذلك، فنقول: كذبتم وأفكتم، لأن:

(1)- ما نزل من القرآن مفتقر لبيان، وهذا البيان هو بضرورة الحس والعقل ليس ذات تلك القطعة من القرآن، لأن الله تكفّل به وأثبته متراخياً في الزمن عن القطعة التي نزلت.

(2)- لو كان بيان القرآن إنما يكون حصرًا بالقرآن، لزم أن يكون: القرآن بعد اكتمال وحيه، كما هو الآن بأيدينا، بيّنًا بذاته، لا يحتاج إلى بيان. وهذه مكابرة للحس والعقل، كما أقمنا عليه قواطع البراهين آنفاً، ويكفيك من ذلك مثال (الصلاة المكتوبة).

(3)- إن لفظة ﴿بيانه، معرفة بالإضافة، واللفظ يكون معرّفاً للعهد أو للجنس، وهو ها هنا تعريف يفيد الجنس ضرورة، لأننا لم نعلم بعد، عند نزول هذه الآية ذاتها، ما هو البيان المعهود المتفق عليه، فلا يجوز أن يكون التعريف ها هنا للعهد.

 

فالله، جل جلاله، قد تكفّل إذاً بجنس البيان الشامل لكل أفراده التي يمكن تصورها:

(أ)- من نص قرآن آخر، يأتي لاحقاً. هذا بيان ضروري واجب، لا يكتمل الدّين إلا به.

(ب)- أو من وحي آخر، يترجمه النبي إلى (بيان) بأفعاله وأقواله (ومنها الإشارة) وأقاريره، وما هذا إلا السنّة النبوية الشريفة، التي هي أفعال النبي وأقواله وأقاريره. وهذا أيضاً بيان ضروري واجب، لا يكتمل الدين إلا به.

(ج)- أو حتى ما قد يستجدّ في المستقبل من العلوم والمخترعات الهندسية، والاكتشافات الأثرية التي فيها بيان جديد، لم يكن معروفاً من قبل، أو مزيد بيان، لبعض آي القرآن. مثال الأخير، قوله تعالى: ﴿خلق الإنسان من علق﴾، فهمها العربي الفصيح عند نزول القرآن أن الإنسان خلق من شيء كالعلق، أو من شيء يلتصق ويتعلق، وكان في هذا كفاية له، لم يحتج لغيرها في زمنه، ثم قال المفسرون الأوائل أن العلق قطعة متجمدة من الدم تكون في الرحم، تشبه دويبة «العلق» بعد امتصاصها لدم ضحيتها، ومن ثم انتفاخها، في محاولة منهم لفهم ذلك على ضوء العلوم الطبية الدارجة في أزمانهم، ثم جاء تمام بيانه الحقيقي من علم الأجنة الحديث.

 

وهذا النوع الثالث من البيان، مع كونه بياناً، إلا أنه ليس من الوحي أو الذّكر المنزّل، إنما هو بيان إضافي مستحب، امتن الله به على عباده، وليس هو مما هو ضروري لكمال «الدّين»، لأن الدّين كّمُل قبيل وفاة خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، وإن كان مفيّداً لمزيد برهنة على صحة و«حَقَّانًيِّة» الدّين، مضافاً إلى ما سبقه من البينات والآيات والبراهين القاطعة، التي قامت بها الحُجة على كل حال. هذا البيان فضل من الله، ومنحة إضافية، كما قال جل جلاله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شيء شَهِيدٌ، (فصّلت؛ 41: 53).

 

فالزعم بأن البيان إنما يكون بقرآن جديد فقط، لا غير، زعمٌ مجرّد، وتحكّم بالباطل، ومكابرة لضرورة التاريخ، ومعاندة للمحسوسات والمعقولات، وتكذيب للقرآن، وتخصيص لما جاء عاماً، من غير برهان، وهذا لا يجوز، بنص القرآن: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ: فـ(الذِّكْر المنزَّل) هو بضرورة الحس والعقل، وبشهادة القرآن نفسه، هو القرآن والسنّة، من غير زيادة، ولا نقصان.

ويشهد لما أسلفنا ذكره، وهو أن:

(1)- الوحي المعصوم، ليس هو فقط القرآن، بل السنّة وحي معصوم أيضاً، أو بلفظ أدق: أن السنّة النبوية ليست هي بـ(عين ألفاظها) وحي من الله، وإنما هي صياغة وتعبير نبوي معصوم عن وحي جاء من الله.

(2)- وأن (الذِّكْر المنزَّل) ليس هو فقط القرآن، بل هو القرآن والسنّة، وإن السنّة مبيّنة للقرآن؛ يشهد لذلك، ويؤكده، ويفصله، نصوص كثيرة متضافرة من السنّة النبوية نفسها، وقد سلف طرف منها، وسيأتي بإذن الله مزيد.

 

وما أسلفنا البرهنة عليه ليس بجديد، إلا أننا فصّلنا، ولعلنا استوعبنا، في حين أن الأئمة السابقين أجملوا لأنهم أدركوها بداهته بالفطرة، وشهد لذلك الإجماع، كما هو في كلام الإمام الحجّة الكبير أبي محمد علي بن حزم، حيث يقول في الإحكام في أصول الأحكام (1/121 - 123): [قال علي: وهذا حين نأخذ إن شاء الله تعالى في إيراد البراهين على أن خبر الواحد العدل المتّصل إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في أحكام الشريعة يوجب العلم ولا يجوز فيه البتة الكذب ولا الوهم، فنقول وبالله تعالى التوفيق قال الله عز وجل عن نبيه، صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى وقال تعالى آمرا لنبيه عليه الصلاة والسلام أن يقول: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ وقال تعالى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ فصح أن كلام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كله في الدّين: وحي من عند الله عز وجل لا شك في ذلك ولا خلاف بين أحد من أهل اللغة والشريعة في أن كل وحي نزل من عند الله تعالى فهو ذكر منزّل؛ فالوحي كله محفوظ بحفظ الله تعالى له بيقين، وكل ما تكفل الله بحفظه فمضمون ألا يضيع منه وألا يحرّف منه شيء أبدا تحريفا لا يأتي البيان ببطلانه، إذ لو جاز غير ذلك لكان كلام الله تعالى كذبا وضمانه خائسا وهذا لا يخطر ببال ذي مسكة عقل، فوجب أن الذي أتانا به محمّد، صلى الله عليه وسلم، محفوظ بتولي الله تعالى حفظه مبلّغ كما هو إلى كل ما طلبه مما يأتي أبدا إلى انقضاء الدنيا، قال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شيء أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، فإذ ذلك كذلك فبالضروري ندري أنه لا سبيل البتة إلى ضياع شيء قاله رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في الدّين، ولا سبيل البتة إلى أن يختلط به باطل موضوع اختلاطا لا يتميز عن أحد من الناس بيقين، إذ لو جاز ذلك لكان الذّكر غير محفوظ ولكان قول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ كذبا ووعدا مخلفا، وهذا لا يقوله مسلم، فإن قال قائل إنما عنى تعالى بذلك القرآن وحده فهو الذي ضمن تعالى حفظه لا سائر الوحي الذي ليس قرآنا، قلنا له وبالله تعالى التوفيق: هذه دعوى كاذبة مجردة من البرهان وتخصيص للذّكر بلا دليل وما كان هكذا فهو باطل لقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فصحّ أن لا برهان له على دعواه فليس بصادق فيها؛ والذّكر اسم واقع على كل ما أنزل الله على نبيه، صلى الله عليه وسلم، من قرآن أو من سنّة وحي يبين بها القرآن؛ وأيضا فإن الله تعالى يقول: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ فصحّ أنه عليه السلام مأمور ببيان القرآن للناس، وفي القرآن مجمل كثير كالصلاة والزكاة والحج وغير ذلك مما لا نعلم ما ألزمنا الله تعالى فيه بلفظه لكن بيان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فإذا كان بيانه عليه السلام لذلك المجمل غير محفوظ ولا مضمون سلامته مما ليس منه فقد بطل الانتفاع بنص القرآن، فبطلت أكثر الشرائع المفترضة علينا فيه، فإذا لم ندر صحيح مراد الله تعالى منها فما أخطأ فيه المخطئ أو تعمّد فيه الكذب الكاذب، ومعاذ الله من هذا، وأيضا نقول لمن قال إن خبر الواحد العدل عن مثله مبلغا إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، لا يوجب العلم وإنما يجوز فيه الكذب والوهم وأنه غير مضمون الحفظ: أخبرونا، هل يمكن عندكم أن تكون شريعة فرض أو تحريم أتى بها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومات وهي باقية لازمة للمسلمين غير منسوخة فجُهلت حتى لا يعملها علم يقين أحد من أهل الإسلام في العالم أبدا؟ وهل يمكن عندكم أن يكون حكمٌ موضوعٌ بالكذب أو بخطأ بالوهم قد جاز ومضى واختلط بأحكام الشريعة اختلاطا لا يجوز أن يميزه أحد من أهل الإسلام في العالم أبدا أم لا يمكن عندكم شيء من هذين الوجهين؟

فإن قالوا: لا يمكنان أبدا، بل قد أمِنّا ذلك، صاروا إلى قولنا وقطعوا أن كل خبر رواه الثقة عن الثقة مُسندا إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في الديانة فإنه حق قد قاله عليه السلام كما هو، وأنه يوجب العلم ونقطع بصحّته ولا يجوز أن يختلط به خبر موضوع أو موهوم فيه لم يقله رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قط اختلاطا لا يتميز فيه الباطل من الحق أبدا. وإن قالوا بل كل ذلك ممكن كانوا قد حكموا بأن الدين دين الإسلام قد فسد وبطل أكثره واختلط ما أمر الله تعالى به، مع ما لم يأمر به اختلاطا لا يميزه أحد أبدا وأنهم لا يدرون أبدا ما أمرهم به الله تعالى مما لم يأمرهم به ولا ما وضعه الكاذبون والمستخفون مما جاء به رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلا بالظن الذي هو أكذب الحديث، والذي لا يغني من الحق شيئا، وهذا انسلاخ من الإسلام وهدم للدين وتشكيك في الشرائع]، انتهى كلام أبي محمد؛

فأنت ترى أن أكثر كلام الإمام أبي محمد علي بن حزم، قدَّس الله سرّه، إنما هو في (ثبوت السنّة) أي في (حجّية خبر الآحاد)؛ أما كون السنّة في ذاتها وحي، وكون الوحي كله (ذكر مُنَزَّل) فهو عنده من البديهيات التي أجمع عليها أهل اللغة وأهل الشريعة؛ فلعلنا الآن إذاً نتفرغ لقضيّة (حفظ الذّكر)، والله الموفق.

 

فصل: الذّكر، قرآناً وسنّة، محفوظ

أسلفنا أن القرآن هو كلام الله المنزّل على سيدنا محمّد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بعين لفظه، كما هو مكتوب في المصاحف، محفوظ في الصدور، متلو بالألسنة، مسجل في الأشرطة، وغيرها من وسائل الحفظ والنقل، منقول عنه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كتابة ومشافهة نقل تواتر، نقل الكافة عن الكافة، المفيد للعلم القطعي الضروري للناس جميعاً، مسلمهم وكافرهم. وقد حاول الزنادقة قديماً، ورؤوس الكفر الدجاجلة من أدعياء العلم، من «المستشرقين»، ودعاة التنصير والتغريب حديثاً، على مدى قرون متطاولة، الطعن في ثبوت القرآن ففشلوا وارتدوا خائبين، واستقرّ القول عند الناس جميعاً، مسلمهم وكافرهم، أنه هكذا جاء من محمّد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هكذا كما هو بين الدفتين، فلله الحمد والمنة!

 

وإنما بقي الذين كفروا في مرية من مجيئه من عند الله، ولكنهم لا يشكّون لحظة في أنه ثابت عن محمّد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بكامله كما هو بين الدفتين! ولو أنصفوا وتدبروا لعلموا أنه من عند الله: ﴿... وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا؛ ولو كانوا جادين في تكذيبهم لقبلوا التحدِّي: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ، ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِين.

 

فلما عجزوا عن قبول التحدي، بالرغم من التقريع الشديد، والذم العظيم، علمنا أنهم كاذبون مكابرون، أعمت بصائرهم العصبيات القبلية، والعنصرية، والقومية، أو تقليد الآباء والأجداد، أو حب الدنيا، وما فيها من الشهوات والمصالح والرئاسات، أو الكسل والإقبال على الدنيا مع الإعراض التام عن الآخرة. وسترى في هذه الرسالة، على صغرها، ومحدودية موضوعها، العديد من دلائل النبوة، وأنوار الهداية إلى صدق نبوة سيد ولد آدم، محمّد بن عبد الله الهاشمي العربي الأمي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبارك. كما أننا سنناقش هذا ببعض التفصيل في الفصل المعنون: (براهين أن محمّداً رسول الله)، وسيأتي بعد فصول قليلة، إن شاء الله.

 

فالحق أن ما بين الدفتين، المسمى قرآناً، هو كلام الله يقيناً. والحق أن الله تكفل، في الكتاب العزيز، بحفظ «الذّكر» كله. قال تباركت أسماؤه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ، (الحجر؛ 15: 9) وذلك في الدرجة العليا من التأكيد، الذي تسمح به اللغة العربية!

 

فأما نص القرآن، الموجود بأيدينا بين الدفتين، ومنه آية «الحفظ» المذكورة آنفاً، فقد ثبت حفظه بالأدلة الحسية والعقلية القاطعة، لكونه نقل إلينا نقل تواتر، نقل الكافة عن الكافة، لفظاً لفظاً، وحرفاً حرفاً، وحركة حركة، بما يحدث علم اليقين الضروري أنه هكذا تلقي عن محمّد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذلك بوصفه (وثيقة) تاريخية مكتوبة، وبغض النظر عن كونه من عند الله أو ليس من عند الله.

 

فإذا كانت هذه الآية، آية «الحفظ» المذكورة آنفاً، ليست فقط من كلام محمّد، بل هي من عند الله، ونحن نؤمن ونشهد أنها من عند الله، لقيام البراهين القاطعة والأدلة الملزمة القاهرة على ذلك، أي على نبوة سيدنا محمّد بن عبد الله، خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، كما سيأتي لمحة لبعضه في الباب المخصوص لـ(أدلة التوحيد)، فإذا كان الأمر كذلك، لزم ضرورة أن يكون ما بين دفتي المصحف كله محفوظاً، وأنه ليس بعض القرآن، وإنما هو كل القرآن، لم يفقد منه شيء، ولا حتى حرف واحد أو حركة واحدة، ولا حُرِّف منه شيء ولا زيد فيه شيء، ولا حتى لفظة واحدة أو حرف واحد، وإلا كان وعد الله بحفظه كاذبا خائساً، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً!

 

ولكن هذا ليس هو كل ما تثبته آية الحفظ! فقد تكفل الله بحفظ «الذّكر» كله. وقد أقمنا البرهان القاطع، من القرآن نفسه، على أن السنّة النبوية الشريفة قسم من أقسام الذّكر، فهي قسيمة القرآن، ومثيلته في الحُجية، وهي أكثر منه في العدد والبيان كما يدل واقعها، وشهادتها على نفسها، كما أسلفنا!

وأيضا فإن السنّة النبوية الشريفة، كما نعلم من الاستقراء ضرورة، وبشهادة القرآن نفسه، مبينة للقرآن، أي أنها مفسرة لمجمل القرآن، مخصّصة لعموماته، مقيّدة لإطلاقاته. فإذا كان الحال هكذا، وهو كذلك يقيناً، فما الفائدة من حفظ القرآن وحده؟! ولو لم تكن السنّة، التي هي الحكمة، وهي تمام الذّكر، محفوظة كذلك، وكان الوحي المتلو، أي القرآن، هو وحده المحفوظ، لما تمت بذلك نعمة، ولا حسنت به منة، ولا قامت لله على عباده حُجّة، وكان حفظه مع ضياع بيانه، كضياع عينه سواء بسواء، ولا فرق.

 

ولكن السنّة النبوية الشريفة، وإن كان بعضها متواتراً يفيد القطع واليقين بذاته، إلا أن أكثرها إنما نقل في العادة برواية الآحاد، وهذه بذاتها ليست قطعيّة من حيث هي. كما أن كتب السنّة والسيرة تحتوي نقولاً وأخباراً منسوبة إلى النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا يشك عاقل أنها مكذوبة موضوعة. فما معنى كون السنّة (محفوظة) إذاً، أليست هذه مُكابرة للمحسوسات، ولضرورات العقل؟!

 

لا شك أن السنّة (باستثناء أشياء يسيرة نقلت أو رويت بالتواتر) لم تنقل إلينا نقل تواتر، نقل الكواف عن الكواف، كلمة كلمة، وحرفاً، حرفاً، فلا يمكن أن يكون حفظها من جنس حفظ القرآن، أي لا يمكن أن تكون محفوظةً خبراً خبراً، وواقعة واقعة، وحديثاً حديثاً.

 

ولمَّا كان حفظ كل شيء بحسبه، وبما يتناسب مع طبيعته:

إذاً: وجب أن تكون السنّة النبوية الشريفة محفوظة، وهي محفوظة قطعاً بموجب الأدلة اليقينية آنفة الذّكر، بكيفية مغايرة لحفظ القرآن. فالواجب هو التعرّف على هذه الطريقة، وتوصيفها وصفاً دقيقاً.

 

ومن زاوية أخرى فإن الواقع التاريخي، المعلوم لنا بالضرورة، يثبت أيضاً أن السنّة بمجملها إنما نقلت هكذا: روايات آحاد مسلسلة إلى منتهاها، مع التحقيق والتمحيص الذي قام به علماء الحديث، ولم تنقل بغير هذه الكيفية أصلاً (باستثناء أشياء يسيرة نقلت أو رويت بالتواتر)، وجب أن تكون هذه الكيفية هي التي أختارها الله، تباركت أسماؤه، لحفظ السنّة، بوصفها بعض الذّكر. الذي تكفّل هو بحفظه.

وبما أن الله، جل جلاله، قد تكفل بحفظ الذّكر، ومنه السنّة، وهو في نفس الوقت قد أذن بتقديره الكوني أن تنقل السنّة على النحو آنف التفصيل فهذا يقتضي ضرورة أنه، جل جلاله، قد تكفّل بفضح من كذب على النبي، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، ولو مرة واحدة، وضَمِن تيسير الأمارات والقرائن التي تكشف، لا محالة، وهْمَ الواهمين في الرواية، وأخطاء المخطئين في الحديث من مخالفة غيره من الثقات، وهذا هو الشذوذ، أو بقوادح خفية، تسمى العلل، أصَّلها أهل الصنعة بتوفيق الله ومنّته، فأسّسوا علما كاملاً ضخماً متكاملاً، تفردت به الأمة المحمّدية. هذا من ناحية الرواية.

وكذلك من ناحية (الدراية) بنقد المتون، وإبطال الروايات التي تناقض المعلوم يقيناً من القرآن أو السنّة المتواترة، أو ضرورات الحس والعقل، وقد بدأ علماء الأمة ببعض هذا، وإن كان قليلاً، وصرف الله همتهم، وجل جهدهم، لما يمكن إنجازه في عصورهم من نقد الأسانيد. وهذا أيضاً من (حفظ الذكر) لأن نقد المتون قد يحتاج إلى علوم ومعارف لم تكتمل بعد، بل هي تتغير وتتطور، لذلك بقي المجال مفتوحاً لمزيد من الدرس والتمحيص، بل لمعظم الدرس والتمحيص.

 

وسوف ترى في ثنايا هذا الكتاب، وفي الملحق المخصص لدراسة الأسانيد، نماذج قليلة لدِقة هذا العلم الشريف وكيفية تطبيقه، ودرجة الحيطة في التصحيح والتضعيف ونقد الرجال، التي قد تصل إلى حد التّقعر والغلو أحياناً!

 

ولما كان حفظ كل شيء بحسبه، وبما يتناسب مع طبيعته، وجب أن تكون السنّة النبوية الشريفة محفوظة فقط بجملتها إلى يوم القيامة بالكيفية والتفصيل التالي:

(1)- فلا يجوز أن يضيع منها شيء فلا نجده أبداً، فإذا لم تكن الرواية في هذا المسند وذاك المصنف، وجدناها في ثنايا تلك السيرة أو ذاك الكتاب؛

(2)- ولا يجوز أن يدخل فيها ما ليس منها على نحو لا يتبين أو لا يتميز أبداً. فإذا اغترّ هذا العالم بحديث أو رواية أو قصة باطلة من السيرة، لم يغتر بها غيره، بل اكتشف الأمر، ونبّه عليه غيره من أهل العلم؛

(3)- ولا يجوز أن يحفظ المنسوخ أو المجمل أو العام أو المطلق، ويضيع الناسخ أو المفسِّر أو المخصِّص أو المقيِّد!

(4)- وليست السنّة محصورة في كتب السنن والمسانيد والموطئات والجوامع، وإن كان أكثرها هناك.

(5)- وليس ما هو في أي كتاب من كتب السنّة هو السنّة محضة، بل كتب السنّة والسيرة تضم أقوالاً للعلماء، وألفاظاً اندرجت على الرواة، وربما أحاديث موضوعة. فمن زعم أن كل حرف في كتاب كيت وكيت، غير القرآن، هو من عند الله، فهو كذاب أشر أو كافر ملعون!

 

فلا يقولن قائل إذاً: إن الثقة ليس بمعصوم من الكذب والوهم والخطأ، فلا بد من نقل التواتر فحسب، الذي تقتضي ضرورة العقل التسليم بثبوته، لا يقولن ذلك قائل، لأن الله قد تكفّل بحفظ الذّكر، مع أمره بقبول رواية الآحاد الثقات، وهذا يقتضي ضرورة أنه، جل جلاله، قد تكفّل بفضح من كذب على النبي، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، ولو مرة واحدة، وضمن تيسير الأمارات والقرائن التي تكشف، لا محالة، وهم الواهمين في الرواية، وأخطاء المخطئين في الحديث سنداً أو متناً، كما أسلفنا.

ولما كانت أدلة القرآن القاطعة، والسنّة المتواترة قد برهنت على وجوب قبول خبر الثقة الواحد في البلاغ، والنذارة والشهادة والبيان، وبيّنت أن هذه هي كيفية الشهادة وتلقي العلم، ورواية السنّة إلى يوم القيامة، كما انعقد عليه إجماع الصحابة المتيقن، كما فصّله العلماء في كتب علوم التوحيد، وعلوم أصول الفقه، وعلوم الحديث. ولما كان الله جل جلاله، مع تكفّله بحفظ السنّة، قد أذن بتقديره الكوني، أن تُنقل بالجملة بروايات الآحاد:

لذلك: وجب شرعاً قبول ما رواه الثقات الآحاد، بعضهم عن بعض متصلاَ، ما دام ذلك النقل سليماً من العلل والقوادح، ومن الشذوذ المنكر في الإسناد أو المتن، حسب قواعد وضوابط ذلك العلم الشريف. فلا يحل ردّ خبر الآحاد الصحيح إلا ببرهان. ومن ردّ خبر الآحاد الصحيح بغير حجة ولا برهان فهو آثم فاسق لأنه متبع للهوى، وربما وصل إلى الكفر، والبراءة من الإسلام، عياذاً بالله.

 

فالسنّة النبوية، في جملتها، محفوظة لا شك بالكيفية وعلى البيان والتفصيل المذكور أعلاه، كما دلت عليه الأدلة اليقينية المذكورة آنفاً، وغيرها مما أفاض العلماء في بسطه وبيانه وتأصيله في مواضعه. وهي تتمثل في الأحاديث الثابتة الصحاح والحسان، وهي حُجّة يقينية قاطعة كالقرآن، والسنّة المتواترة، سواء بسواء!

 

واللغة العربية محفوظة كذلك كحفظ الذّكر، أو أشد، لأنها وإن كانت في ذاتها ليست من (الوحي) أو (الذِّكْر المنزَّل) لأنها ليست منزلة تنزيل القرآن والسنّة، إلا أنها شرط ضروري لفهم الذّكر، أي فهم القرآن والسنّة. فالقرآن والسنّة لا تفهم ولا قيمة لها بدون العربية، لذلك لا يُتصور أن يكون الذّكر محفوظاً بدون حفظ اللغة العربية. إذًا لا بد من الجزم بأن الله قد تكفل بحفظ اللغة العربية أيضاً عندما تكفل بحفظ الذّكر. فاللغة العربية، نحواً وصرفاً ولغة وبياناً وبديعاً وبلاغة، محفوظة كحفظ القرآن والسنّة أو أشد.

 

وهذا هو الذي وقع تاريخياً بالفعل، وهو موضع إجماع المسلمين وغيرهم. وحتى غلاة المستشرقين والمنصرين، من أمثال جولدتسيهر وشاخت، الذين زعموا أن السنّة النبوية المتضمنة للأحكام كلها زائفة موضوعة، مع أنهم تناقضوا وقبلوا المغازي والسير، لم يصدر منهم أي شيء يطعن في حفظ اللغة العربية، ولو فعلوا لافتضح أمرهم، ولصنّفهم الناس على الفور في عداد المجانين والمعتوهين، وهو، وايم الله، على كل حال، التصنيف الحق اللائق بهم، والمناسب لهم ولأمثالهم من الكفرة الخبثاء المتعالمين.

 

فصل ملحق: لمحة خاطفة عن تدوين السنّة

ولعلنا نلمّح تلميحاً مختصراً سريعاً إلى الكيفية التي تم بها تدوين السنّة الشريفة، وذلك لأن الكثير من عوام الناس، بل من خواصهم، وكذلك أدعياء «العلم» من المستشرقين، ومقلدتهم من «القرآنيين»، ظنوا أن استخدام لفظ (التحديث) في أغلب طرق الحديث النبوي، أي قول المحدّث: «حدّثنا» أو «حدّثني»، يدل أو يقتضي أن تكون السنّة النبوية إنما نقلت مشافهة، من غير كتابة ولا تدوين، حتى بدأ تدوينها في القرن الهجري الثالث بمصنفات البخاري ومسلم، وبقية مصنفي الكتب الستة (التي يسمونها: الكتب الرسمية المعتمدة (Canonical Books))، ومن جاء بعدهم من المصنفين.

 

وهذا القول الباطل قد يفهم على وجهين:

الوجه الأول: ولعله هو مقصد الحذاق والمدققين من المستشرقين، ألا وهو: عدم وجود كتب معتمدة يتداولها الناس مكتوبة، بحيث تعتبر منقولة نقل تواتر منذ اللحظة التي تم (الاعتماد الرسمي) فيها. وهذا إنما هو قياس على مزاعم أحبار اليهود أن لديهم روايات ونقول شفوية (Oral Tradition) عن موسى، صلوات الله وسلامه عليه، زيادة على ما هو مكتوب في أسفار العهد القديم المعتمدة (وأسفار العهد القديم هذه عندهم إلهامية معصومة، كتبت تحت العناية الإلاهية، بزعمهم!)؛ وهذه الروايات بزعمهم هي أساس ما أصلوه في (التلمود)، وغيره من أسفار الأحبار؛ وكذلك يقول آباء الكنائس النصرانية الأوائل أن لديهم بعض النقول الشفوية (Oral Tradition) خارج أسفار العهد الجديد المعتمدة (وهذه، أي: أسفار العهد الجديد، أيضاً عندهم إلهامية معصومة). فلفظة: شفوية (Oral Tradition)، لا تعني عدم الكتابة من حيث هي، وإنما تعني فقط عدم وجود تلك المرويات في كتب رسمية معتمدة يتداولها الكافة؛

 

الوجه الثاني: وهو قول جهلة العوام من الصحفيين، وأشباه العوام من «القرآنيين»، وبعض المصابين بالمرض النفسي أو الشلل العقلي من المستشرقين، ومفاده: أن السنة بمجملها إنما رويت مشافهة محضة حتى القرن الهجري الثالث، ما كتبت قط، وربما استشهدوا بروايات تزعم النهي عن كتابة السنن أصلاً.

ولكن هذا كله وهمٌ، لا حقيقة له أصلاً، بل الصحيح أن «الحفظ» كتابة بدأ في العهد النبوي الشريف: فهناك صحائف للعديد من الصحابة سيأتي ذكر بعض مشاهيرهم بعد قليل، بل لو قال قائل أن كل صحابي، باستثناء الشاذ النادر، كانت له صحيفته الخاصة من الأحاديث التي كان يحفظها، والتي كان يدرسها ويراجعها، كما يراجع مصحف القرآن، لما كان بعيداً عن الصواب:

* فقد جاء في المحدث الفاصل بين الراوي والواعي للرامهرمزي (ص: 378) بإسناد حسن: [حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ، حدثنا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كَانَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَأَنَا مَعَهُمْ وَأَنَا أَصْغَرُ الْقَوْمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ، صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»؛ فَلَمَّا خَرَجَ الْقَوْمُ قُلْتُ لَهُمْ: كَيْفَ تُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَقَدْ سَمِعْتُمْ مَا قَالَ، وَأَنْتُمْ تَنْهَمِكُونَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم،؟ قَالَ: فَضَحِكُوا، وَقَالُوا: (يَا ابْنَ أَخِينَا، إِنَّ كُلَّ مَا سَمِعْنَا مِنْهُ فَهُوَ عِنْدَنَا فِي كِتَابٍ)]؛

قلت: محمد بن يحيى المروزي هو في الأرجح محمد بن يحيى بن سليمان المروزي، أبو بكر الوراق، نزيل بغداد، صاحب أبي عبيد، ثقة، من الحادية عشرة، من شيوخ الإمام النسائي، مات سنة 298 هـ، كذا في تقريب التهذيب (ج1/ص512/ن6385)؛ وقد يكون محمد بن يحيى بن خالد المروزي، أبو يحيى المَشْعَراني، ثقة أيضاً، كما في تقريب التهذيب (ج1/ص512/ت6383)؛ ولكن الجمهور على تضعيف إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيمي؛ ولكن قال الإمام البخاري، جبل الحفظ، إمام الدنيا، ورأس الاعتدال في ضعفاء البخاري (ج1/ص17/ت21): (يتكلمون في حفظه، يكتب حديثه)؛ وقال مرة أخرى: (يهم في الشيء بعد الشيء الا أنه صدوق)؛ وقال يعقوب بن شيبة: (لا بأس به: وحديثه مضطرب جداً)؛ وقال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي الحافظ: (صالح)؛ كل ذلك من تهذيب التهذيب (ج1/ص222/ت479)؛ ؛ وسبر ابن حبان حديثه فقال في الثقات (ج6/ص45/ت6652): (يخطئ ويهم؛ قد أدخلنا إسحاق بن يحيى هذا في الضعفاء لما كان فيه من الايهام ثم سبرت أخباره فإذا الاجتهاد أدى إلى أن يترك ما لم يتابع عليه ويحتج بما وافق الثقات بعد أن استخرنا الله تعالى فيه).

 

وهذا الخبر، آنف الذكر، يظهر دوافع عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله عنه، إلى كتابة صحيفته المشهورة التي كان يسميها «الصادقة»، والتي اشتملت على أكثر من ألف حديث سمعها من النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مباشرة، وكتبها فوراً. وكان يحافظ على صحيفته، «الصادقة»، أشد المحافظة في صندوق مغلق، لا يخرجها إلا للمراجعة أو الإملاء على التلاميذ؛ وكان عبد الله يملي الحديث على تلاميذه بصفة منتظمة، وقد نقل عنه تلميذه حسين بن شفي بن ماتع الأصبحي في مصر كتابين، أحدهما فيه أقضية النبي، صلى الله عليه وسلم: «قَضَى فِي كَذَا بِكَذَا، وَقَالَ كَذَا فِي كَذَا»، والآخَرُ: «مَا يَكُونُ مِنَ الأَحْدَاثِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ»؛ وقد ورث أبناؤه وحفدته تلك الصحيفة؛ وقد سبق قبل عدة فصول ذكر اعتراض قريش على كتابته، ومشاورته للنبي، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، في الموضوع وإقراره له على كتابة كل ما يسمع؛ وإليك هذه الأخبار الطريفة، زيادة في البيان والبرهان:

* فقد جاء في المحدث الفاصل بين الراوي والواعي للرامهرمزي (ص: 366): [حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ غَنَّامٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: «مَا يُرَغِّبُنِي فِي الْحَيَاةِ إِلَّا خَصْلَتَانِ؛ الْوَهْطُ، وَالصَّادِقَةُ: صَحِيفَةٌ كُنْتُ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، أَنْ أَكْتُبَهَا عَنْهُ فَكَتَبْتُهَا وَهِيَ الصَّادِقَةُ»]

 

* وجاء أيضاً في المحدث الفاصل بين الراوي والواعي للرامهرمزي (ص: 367): [حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ جُبَيْرٍ الْوَاسِطِيُّ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْعَطَّارُ، حدثنا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حدثنا إِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: رَأَيْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو صَحِيفَةً، فَذَهَبْتُ أَتَنَاوَلُهَا فَقَالَ: (مَهْ يَا غُلَامَ بَنِي مَحْزُومٍ)؛ قُلْتُ: (مَا كُنْتُ تَمْنَعُنِي شَيْئًا)، قَالَ: (هَذِهِ الصَّادِقَةُ، فِيهَا مَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فِيهَا أَحَدٌ)]

* وجاء أيضاً في المحدث الفاصل بين الراوي والواعي للرامهرمزي (ص: 368): [حَدَّثَنَا الْحَضْرَمِيُّ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حدثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَخِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «مَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، صلى الله عليه وسلم، أَكْثَرُ حَدِيثًا مِنِّي، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، إِلَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ، وَأَنَا لَا أَكْتُبُ»]

 ــ وجاء أيضاً في المحدث الفاصل بين الراوي والواعي للرامهرمزي (ص: 369): [حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، حدثنا أَبُو الْخَطَّابِ، حدثنا عَبْدُ الْأَعْلَى، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كُنْتُ أَعِي بِقَلْبِي، وَكَانَ هُوَ يَعِي بِقَلْبِهِ، وَيَكْتُبُ بِيَدِهِ» يَعْنِي: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو]

* واشتهر الحبر البحر عبد الله بن العباس، رضوان الله وسلامه عليهما، بالدأب في طلب العلم وكتابته، وكان بعد وفاة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يسأل الصحابة ويكتب عنهم، وعندما توفي ابن عباس ظهرت كتبه، وكانت حمل بعير، حفظها مولاه كريب، وهو الثقة المأمون، وفقاً لما جاء في الطبقات الكبرى [ط دار صادر (5/293)] بإسناد صحيح: [أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: (وَضَعَ عِنْدَنَا كُرَيْبٌ حِمْلَ بَعِيرٍ أَوْ عِدْلَ بَعِيرٍ مِنْ كُتُبِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: فَكَانَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ إِذَا أَرَادَ الْكِتَابَ كَتَبَ إِلَيْهِ: ابْعَثْ إِلَيَّ بِصَحِيفَةِ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: فَيَنْسُخُهَا، فَيَبْعَثُ إِلَيْهِ بِإِحْدَاهِمَا)]؛ وهو بعينه في التاريخ الكبير [تاريخ ابن أبي خيثمة - السفر الثالث (2/200/2402)]؛ وهو في تقييد العلم للخطيب البغدادي (ص: 136): [أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رَزْقَوَيْهِ، أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ، حَدَّثَنَا حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ]؛ وفي المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي (ص: 421/773): [وَأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو، حَدَّثَنَا حَنْبَلٌ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ].

ــ بل كانت نسخ كتب عبد الله بن العباس مشهورة متداولة في أيدي الناس أثناء حياته، يقرؤونها عليه، كما جاء في ضعيف سنن الترمذي (ص: 562/42): [حدثنا سويد بن نصر، حدثنا علي بن الحسين بن واقد، عن أبي عصمة، عن يزيد النحوي، عن عكرمة: أن نفرا قدموا على ابن عباس من أهل الطائف، بكتب من كتبه، فجعل يقرأ عليهم، فيقدم، ويؤخر، فقال: إني بليت بهذه المصيبة (أي اصابته بضعف البصر، ثم عمي آخر عمره، رضي الله عنه)، فاقرؤوا علي، فإن إقراري به كقراءتي عليكم].

 

فهذه كتب عبد الله بن العباس الكثيرة، ولا يعقل أنها خلو من الأحاديث النبوية، بل لا بد أن الأحاديث كانت هي عمودها الفقري. فكتب عبد الله بن العباس (المتوفى سنة 68 هـ) هذه كانت معتمدة منه شخصياً، وأيضاً معتمدة مقبولة من الجمهور، ومتداولة متواترة في أيدي المئات إن لم يكن الألوف منهم، حوالي سنة 65 هـ، على أبعد تقدير. وانقراض تلك النسخ كلها، بحيث لم تصلنا ولا واحدة منها اليوم، لا يطعن في وجود المئات، أو الألاف، منها آنذاك، لا سيما أن العصور المتأخرة اكتفت بالمدونات الموسعة، التي استوعبت مرويات السنة والسيرة النبوية الموجودة في كتب الجيل الأول استيعاباً تاماً، وتفوقت عليها في حسن الخط والتنقيط والتأليف، وخفة الوزن، ورخص الثمن.

 

* وكانت لعبد الله بن مسعود كتب ورثها أبناؤه وتلاميذه فقد رُوِيَ عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ مَعْنٍ قَالَ: «أَخْرَجَ إِلَيَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ كِتَابًا وَحَلَفَ لِي: إِنَّهُ خَطُّ أَبِيهِ بِيَدِهِ»

 

* وهناك صحائف عدة أملاها أبو القاسم، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، لغير واحد من ولاته عند تنصيبهم حكاما أو قضاة أو جُبَاةً للزكاة في البعيد من المناطق، تشمل عادة أحكام الزكاة وتفاصيل مقاديرها، والحدود والديات والجنايات، مع وصايا أخرى، وأحكام عامة وتكاليف وتوجيهات معينة فمن ذلك:

ــ صحيفة عمرو بن حزم الأنصاري، رضي الله عنه، الذي استعمله النبي، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، على نجران؛

ــ وكتاب العلاء بن الحضرمي عندما بعثه إلى المنذر بن ساوي، فقال العلاء: (فاكتب لي يا رسول الله كتابا يكون معي)، فكتب له رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فرائض الإبل والبقر والغنم والحرث والذهب والفضة على وجهها؛

ــ وكتاب وائل بن حُجْر بن سعد بن مسروق، أبي هنيدة الحضرمي الكندي، وكان من ملوك اليمن؛ كتبه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لقوم وائل بن حجر في حضرموت، فيه المعالم الكبرى، والخطوط العريضة، للإسلام، وبعض أنصبة الزكاة، وحد الزنا، وتحريم الخمر، وكل مسكر حرام؛

ــ وعندما عجز أبو شاة، وهو رجل من أهل اليمن، أن يحفظ عن ظهر قلب خطبة النبي العصماء التي ألقاها يوم الفتح المكي المجيد، اشتكى ذلك إلى سيدي أبي القاسم، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، فأمر الحفاظ المتقنين الأثبات، الذين كانوا يحفّون به، ولا يغادرون رفقته، بأن يكتبوا لأبي شاة، فهذه صحيفة أبي شاه.

ــ وصحيفة أنس بن مالك، رضي الله عنه، عندما استعمله خليفة رسول الله أبو بكر على زكوات البحرين، وهي نسخة من صحيفة استملاها أبو بكر من النبي، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، وكانت ممهورة بالختم النبوي الشريف؛ وغيرها: صحف وكتب ورسائل كثيرة.

 

* كما كان لأنس بن مالك، رضي الله عنه، كتب أخرى فيها أحاديث كتبها عن النبي، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، مباشرة ثم عرضها عليه؛ و«العرض»، أو: «المعارضة»، على الشيخ هو: القراءة لما تمت كتابته من حديث الشيخ أو إملائه، على الشيخ نفسه، للتأكد من صحة التلقي ودقة الإملاء:

* فقد جاء في تاريخ واسط (ص: 63) بإسناد جيد: [حدثنا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزْيَدٍ، قَالَ: حدثنا أَبُو شُعَيْبٍ (وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ شَابُورَ الدِّمَشْقِيُّ)، قَالَ: حدثنا عُتْبَةُ بْنُ أَبِي الْحَكِيمِ عَنْ هُبَيْرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (وَهُوَ أَبُو عُمَرَ بْنُ هُبَيْرَةَ) قَالَ: كَانَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ إِذَا حَدَّثَ وَكَثُرَ عليه الناس جاء يكتب فَأَلْقَاهَا، ثُمَّ قَالَ: (هَذِهِ أَحَادِيثُ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَكَتَبْتُهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وعرضتها عليه)]؛ وهو باختصار طفيف في المحدث الفاصل بين الراوي والواعي للرامهرمزي (ص: 367): [حَدَّثَنَا الْحَضْرَمِيُّ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَنَانٍ الْحِمْصِيُّ، حدثنا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ، عَنْ هُبَيْرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: كُنَّا إِذَا أَكْثَرْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَلْقَى إِلَيْنَا مِخْلَاةً فَقَالَ: «هَذِهِ أَحَادِيثٌ كَتَبْتُهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم»]؛ وقد ثبت هذا عند الإمام البخاري عن هبيرة بن عبد الرحمن فجزم بنسبته إليه في التاريخ الكبير (ج8/ص240/ت2858): [هبيرة بن عبد الرحمن قال: (كنا إذا أكثرنا على أنس ألقى إلينا سجلا فقال: (هذه أحاديث كتبتها عن النبي، صلى الله عليه وسلم، ثم عرضتها عليه))]، كذا من غير إسناد.

ــ وهو في المستدرك على الصحيحين للحاكم (3/664/6452): [حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَنْبَأَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ مَزِيدٍ الْبَيْرُوتِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ شَابُورٍ، حَدَّثَنِي عُتْبَةُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: كُنَّا إِذَا أَكْثَرَنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخْرَجَ إِلَيْنَا مَجَالَّاً عِنْدَهُ، فَقَالَ: «هَذِهِ سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، فَكَتَبْتُهَا وَعَرَضْتُهَا عَلَيْهِ»]؛ قلت: كذا جاء: (مَعْبَدِ بْنِ هِلَالٍ) فإن لم يكن وهماً، فلعل عتبة بن حكيم سمعه من كليهما: هُبَيْرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، و مَعْبَدِ بْنِ هِلَالٍ؛ وعلى كل حال لا معنى لقول الذهبي: (الحديث منكر) بعد تصحيح البخاري.

 

* وهناك صحيفة إمام الهدى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضوان الله وسلامه عليه، التي كان يحافظ عليها معلّقةً في قائم سيفه. وهي شاملة لأحكام الزكاة، وقواعد دستورية أخرى مهمة، وبعض أحكام «صحيفة المدينة» الدستورية الشهيرة، كما هو محرر في بحثنا المنشور المعنون: «صحيفة المدينة الدستورية»؛ وكان عنده كتاب شامل للصدقات، فقد رُوِيَ عَنْ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ: محمد بن علي بن أبي طالب (توفي 81 هـ) قَالَ: أَرْسَلَنِي أَبِي، قَالَ: «خُذْ هَذَا الكِتَابَ، فَاذْهَبْ بِهِ إِلَى عُثْمَانَ، فَإِنَّ فِيهِ أَمْرَ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، بِالصَّدَقَةِ».

* وفي بحثنا المنشور المعنون: «صحيفة المدينة الدستورية»؛ أيضاً تحرير وإثبات لصحة نقل «صحيفة المدينة»، تلك الوثيقة الدستورية، خطيرة الشأن، نفسها.

 

* وعندما عاد حافظ الإسلام وراويته الأول أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر، رضي الله عنه، من البحرين، التي كان فيها قائما ببعض أعمال الولاية ومعاوناً لواليها العلاء بن الحضرمي، إلى المدينة في أول خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فما كان من هذا إلا أن اشتد في محاسبته، فضربه وصادر ماله، إلا ما كان عطاءً ثابتاً، كما أثبتناه في الملحق في الفصل المعنون: (فصل: ضرب أبي هريرة، وانتزاع ماله)، فاعتزل أبو هريرة الأعمال العامة، فلم يقبل من عمر بعد ذلك عملاً، وأقبل على تعلم الكتابة والقراءة حتى أتقنها، وحفظ القرآن، وكتب محفوظاته عن النبي، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، ولعلها تنوف على أربعة آلاف حديث. ثم خصص جزءً من كل ليلة لمراجعتها، وتثبيت حفظها، حتى توفاه الله. وقد وردت روايات متعدّدة تفيد مراجعته لها عند شكّه في بعض المحفوظ، وهي وقائع نادرة جداً لتمتعه، رضي الله عنه، بحافظة جبارة. هذه كتابة مبكرة جداً في حدود عشر سنوات من تاريخ السماع مباشرة، من المستمع المتلقي نفسه.

 

* وصحيفة جابر بن عبد الله الأنصاري، رضي الله عنه، معروفة مشهورة وكانت تحتوي نحواً من خمسمائة حديث نبوي شريف. إلا أننا لا نعلم هل كتبها من في النبي، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، مباشرة فور السماع والمشافهة، كما فعل أنس بن مالك، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وهذا هو القوي الراجح لأن هذه هي عادة الأنصار، أم كتبها بعد وفاة النبي، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، كما فعل أبو هريرة؛ وذكر أن له أيضاً كتاباً آخر عن الحج، يسميه البعض: (المنسك الصغير)، والظاهر أنه الحديث الطويل المشهور، كما هو في صحيح الإمام مسلم.

 

وصحيفة جابر بن عبد الله الأنصاري (المتوفى سنة 78 هـ، أو حواليها)، تماماً مثل كتب عبد الله بن العباس، كانت معتمدة منه شخصياً، وأيضاً معتمدة مقبولة من الجمهور، ومتداولة متواترة في أيدي المئات إن لم يكن الألوف منهم، حوالي سنة 70 هـ، على أبعد تقدير. وقد استوعبت مدونات الأجيال التالية جميع أحاديث صحيفة جابر بن عبد الله، فلا يستغرب انقراض تلك النسخ كلها، بحيث لم تصلنا ولا واحدة منها اليوم، ولا يطعن هذا في وجود المئات، أو الألاف، من نسخ تلك الصحيفة آنذاك، كما سلف بيانه عند الكلام عن كتب ابن عباس.

وهناك صحف وكتب أخرى، منها: فقد كان عند الصحابي سعد بن عبادة الأنصاري كتاب أو كتب فيها طائفة من أحاديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم؛ وروي الإمام البخاري أن هذه الصحيفة كانت نسخة من صحيفة عبد الله بن أبي أوفى، الذي كان يكتب الأحاديث بيده، وكان الناس يقرءون عليه ما جمعه بخطه. وكان عند أبي رافع مولى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كتاب فيه استفتاح الصلاة، دفعه إلى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، أحد فقهاء المدينة السبعة. وكان عند أسماء بنت عُميس كتاب جمعت فيه بعض أحاديثه، صلى الله عليه وسلم. ولما مات محمد بن مسلمة الأنصاري، وُجِدَ في ذؤابة سيفه كتاب: (بسم الله الرحمن الرحيم، سمعت النبي، صلى الله عليه وسلم، يقول: «إِنَّ لِرَبِّكُمْ فِي بَقِيَّةِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٌ فَتَعَرَّضُوا لَهُ، ...»). وكتبت سُبيعة الأسلمية إلى عبد الله بن عتبة تروي عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه أمرها بالنكاح بعد قليل من وفاة زوجها بعدما وضعت؛ وغير هذه كثير.

 

هذا بعض ما كتب من الحديث النبوي الشريف فوراً أو بعد مدّة يسيرة من السماع المباشر، وهو قسم كبير من الحديث النبوي الشريف، لعله يستوعب عامة ما هو في أيدينا من المتون، وهو بالقطع فوق النصف، بكثير، مما هو في أيدينا الآن.

 

نعم، كان الغالب على عهد كبار الصحابة هو الحفظ والنقل مشافهة من كتبهم وصحائفهم ومجلاتهم الخاصة، التي لم تنشر على الملأ، وهذا هو الحال بالنسبة للمخضرمين، الذين فاتهم شرف الصحبة، ولكنهم أدركوا الجاهلية والإسلام، وكذلك حال الطبقة الأولى من الرواة بعد الصحابة أي كبار التابعين. كما كان يكثر في هذه الطبقة التحديث في المناسبات، والتعليق على النوازل، والفتوى، والقضاء، بالإضافة إلى حلقات الدرس، وجلسات العلم المخصصة لرواية الحديث النبوي الشريف التي بدأت في ذلك الزمن الباكر، في زمن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، نفسه، كما يشهد لذلك كتابة عبد الله بن عمرو بن العاصي؛ وتناوب عمر بن الخطاب مع أخيه الأنصاري حضور حلقة النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: هذا يحضر يوماً ثم يذاكر صاحبه في مساء ذلك اليوم بما تعلَّم في نهاره، وذاك كذلك اليوم التالي، وهكذا على التبادل دواليك؛ ثم حلقات كل من عبد الله بن العباس وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو بن العاص، وغيرهم.

 

ولكن حلقات الدرس، وجلسات التحديث المخصوصة، وكتابة الحديث في مذكرات خاصة، يكتب كل عالم وطالب علم لنفسه، وإملاء الشيخ على التلاميذ، أو قراءة تلميذ جيد الإلقاء، جهوري الصوت من مذكرة الشيخ، والشيخ يتابع ما يقرأ في نسخته، أو من ذاكرته، وبقية الحضور يكتبون، كل ذلك أصبح السمة الغالبة في طبقة أوساط التابعين وصغارهم. بل إن المكتبة الخاصة لبعض كبار المحدثين كانت تنقل معه على عدة أباعر، كما هو مشهور عن الإمام محمد بن شهاب الزهري، وهو من طبقة صغار التابعين (وهي الطبقة التي أدركت بعض من تأخرت وفاته من صغار الصحابة)، حيث كان هذا يراجع كتبه دوما إذا خلى بنفسه، حتى تضجّرت زوجه من ذلك، وقالت ما معناه أن تلك الكتب أشد عليها من الضرائر، أو كلاماً هذا معناه.

 

* واعتنى بعض الولاة والوجهاء بذلك، فها هو عبد العزيز بن مروان يجمع قسطاً كبيرا من الأحاديث، كما هو في الطبقات الكبرى [ط العلمية (7/311/3833)]: [(كَثِيرُ بْنُ مُرَّةَ الْحَضْرَمِيُّ، ويكنى أبا شجرة. وكان ثقة): قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سعد قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب أَنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ مَرْوَانَ كَتَبَ إِلَى كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ الْحَضْرَمِيِّ. وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ بِحِمْصَ سَبْعِينَ بَدْرِيًّا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، (قَالَ لَيْثٌ: وَكَانَ يُسَمِّي الْجُنْدَ الْمُقَدَّمَ). قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهِ بِمَا سَمِعَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، مِنْ أَحَادِيثِهِمْ، إلا حديث أبي هريرة فإنه عندنا]، وهذا كان قطعاً قبل سنة 85 هـ، التي نوفي فيها عبد العزيز بن مروان.

* كما أن الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز بن مروان، رضي الله عنه، وهو نفسه خليفة راشد وراوية ثقة مأمون، بدأ عملية كتابة وجمع للحديث بطريقة رسمية، وخاصة حديث عمرة بنت عبد الرحمن، راوية أم المؤمنين عائشة، وأمر قاضي المدينة أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، (وهو حفيد عمرو بن حزم الذي كان عامل النبي، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، على نجران)، وهو من سادات التابعين: إمام فقيه ومحدّث ثقة، بمباشرة ذلك بنفسه، وذلك في العام 100 هـ، أو حواليه؛ والأرجح أنه ورث مجموعة جده.

 

* وقد وجد العلامة المحقق محمد حميد الله، رحمه الله، حديثاً (حوالي 1965 م) نسخة فريدة من صحيفة تلميذ أبي هريرة التابعي همام بن منبه بن كامل الأبناوي، وهي مشهورة لها ذكر في مصنفات الأوائل ورواياتهم، جمع فيه همام مسموعاته من أبي هريرة (138 حديث). ومحتويات الصحيفة موجودة بكاملها في مسند الإمام أحمد بن حنبل بسنده الصحيح إلى همام بن منبه، ونص المسند يكاد يتطابق حرفيا مع نص الصحيفة، التي يمكن تأريخ انتشارها حوالي سنة 115 هـ، تقريباً.

 

* كما حقق العلامة المحقق محمد حميد الله، رحمه الله، حديثاً (حوالي 1985 م) نسخة من كتاب (السرد والفرد في صحائف الأخبار، ونسخها المنقولة عن سيد المرسلين) للإمام الحافظ أبي الخير رضي الدين أحمد بن اسماعيل بن يوسف الطلقاني القزويني ( توفي حوالي: 590 هـ = 1194 م). والكتاب مجموعة من الصحائف الأولى، كل واحدة بمفردها، يرويها أبو الخير بسنده، وهذه دلالة قاطعة على أن نسخها كانت بأيدي الناس، ولا شك أن أصولها كانت في مكتبة الخلافة ببغداد التي دمرها المغول. ومن الصحف المشمولة: صحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة؛ وصحيفة كلثوم بن محمد عن أبي هريرة؛ وصحيفة عبد الرزاق عن أبي هريرة؛ وصحيفة حميد الطويل عن أنس؛ وصحيفة خراش عن أنس؛ وصحيفة آل البيت عن علي؛ وصحيفة الأشج عن علي؛ وصحيفة عبد الرزاق عن ابن عمر؛ وصحيفة جويرية بن أسماء عن ابن عمر؛ وغيرها.

 

ثم بنت الطبقات التالية، طبقات كبار الأتباع وأوساطهم، على هذا الأسلوب وعمقته فأصبحت الرواية علماً «أكاديمياً»، وأصبحت لجلسات التحديث والإملاء آداب وإجراءات، وتسجيل للحضور، وحصول على التواقيع،... إلخ. وقلّت الرواية العفوية، ولم يعد يعتدّ بما يرويه الوعاظ، والقصاص، وخطباء الجمعة إلا إذا كانت مسندة من محدّث راسخ القدم، وهذا قليل جداً على كل حال.

 

ومع أواخر القرن الهجري الأول وبداية القرن الهجري الثاني انتشرت صناعة الورق في العالم الإسلامي من موطنها الأصلي في سمرقند، التي أخذ أهلها ذلك من قبل من أهل الصين. وما كاد ثلث القرن الثاني ينصرم، وأمر الدولة العباسية يستتب، إلا وصناعة الورق بجودة عالية وأثمان معقولة قد انتشرت في كل مكان، وأصبح نشر الكتب وبيعها على الجمهور بأسعار مقبولة من أوساط الناس أمراً عادياً، وانتشرت بالفعل كتب الأنساب والشعر والأدب والعربية، وكتابات الأدباء من أمثال ابن المقفع، وترجمات كليلة ودمنة، وغيرها من الأدب الفارسي والهندي. وهكذا نشأت مهنة «الورّاق»، وهو الذي يوظف جهازاً كاملاً من النساخ والمراجعين يقوم بنسخ الكتب بأعداد وفيرة، تعرض للبيع على العامة. أي أن «الورّاق» في الاصطلاح القديم هو «الطابع والناشر» في اللفظ الحديث.

 

لكن علماء الحديث لم يرحّبوا بذلك لأن ما ينتجه «الورّاق»، على جودته، وقلة أغلاط النساخ فيه، لا يصل في الوثاقة إلى مرتبة ما يتلقاه التلميذ من شيخه إما إملاءً أو عرضاً، فخشوا أن تضيع أصول الرواية المنضبطة المسندة المتشددة، وتنتشر النسخ المحرّفة أو المزوّرة، كما حدث عند أهل الكتابين السابقين، اليهود والنصارى. ولكن أبا جعفر المنصور لم يقتنع بذلك وأصر على أن من حق عوام المسلمين، من غير المتفرغين لعلوم الحديث، الحق في الاطلاع على الحديث النبوي، واقتناء كتبه في مكتباتهم الخاصة. أما طلبة العلم فأمامهم المحدثون المعتبرون يتلقون منهم مباشرة، أو يصححون ما اشتروه من نسخ الوراقين بالقراءة أو العرض على علماء الحديث المسندِين.

قلت: وقد أصاب أمير المؤمنين أبو جعفر في ذلك فإن الرواية المسندة المنضبطة استمرت لعدة قرون بعد ذلك، واستمر جمع السنن فجاءت بعد موجة النشر الأولى، التي يقع فيها جامع معمر بن راشد، وما ألَّفه ابن جريج، والأوزاعي، وسعيد بن أبي عروبة، والسفيانان: سفيان الثوري وسفيان بن عيينة، والحمَّادان: حماد بن زيد بن درهم وحماد بن سلمة بن دينار، وأبو حنيفة، ومغازي ابن إسحاق، ويمكن تأريخها حول عام 143 هـ، وكذلك موطأ الإمام مالك، وبعض هذه الكتب، مثل جامع معمر بن راشد وموطأ مالك، موجود في أيدينا اليوم، كما جاء في تاريخ الخلفاء للسيوطي (ج1/ص261): [قال الذهبي: (في سنة ثلاث وأربعين شرع علماء الإسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير فصنف ابن جريج بمكة ومالك الموطأ بالمدينة والأوزاعي بالشام وابن أبي عروبة وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة ومعمر باليمن وسفيان الثوري بالكوفة وصنف ابن إسحاق المغازي وصنف أبو حنيفة رحمه الله الفقه والرأي؛ ثم بعد يسير صنف هشيم والليث وابن لهيعة ثم ابن المبارك وأبو يوسف وابن وهب؛ وكثر تدوين العلم وتبويبه ودونت كتب العربية واللغة والتاريخ وأيام الناس. وقبل هذا العصر كان الأئمة يتكلمون من حفظهم أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة)].

 

ثم جاءت موجة ثانية: فيها مصنّف عبد الرزاق، وسنن الحميدي، ومسند الطيالسي، ومؤلفات الواقدي، وغيرهم، وهي حوالي العام 190 هـ: وعامة هذه الكتب موجودة في أيدينا اليوم؛

وموجة ثالثة: اشتملت على المسانيد والجوامع الكبرى: مسند أحمد بن حنبل، ومسند إسحاق بن راهويه، ومصنف بن أبي شيبة، وسنن سعيد بن منصور، وطبقات بن سعد، وغيرهم، ولعلنا نؤرخها حوالي 220 هـ: وعامة هذه أيضاً موجود في أيدينا اليوم؛

 

وفي موجة رابعة: حوالي العام 255 هـ ، جاءت الصِّحاح المباركة: البخاري ومسلم، ومعهما سنن الدارمي؛ وبعدهما بقليل سنن أبي داود، والترمذي، وابن ماجه، ومسند بقي بن مخلد في الأندلس، ثم مسانيد أبي يعلى والبزار، وسنن النسائي: وكل هذه أيضاً موجود في أيدينا اليوم، باستثناء مسند بقي بن مخلد، الذي ما زال مفقوداً؛

 

بهذا نضج جمع الحديث النبوي ونشره، فلم يعد ثمّ ما يستدرك إلا قليلاً، ولكن الجمع والتدوين استمر في الموجة الخامسة: معاجم الطبراني، ثم صحيح ابن حبان. فسنن الدارقطني، فمستدرك الحاكم، وكتب الرجال التي تكثر من ذكر مروياتهم بأسانيدها مثل «الكامل في الضعفاء» للإمام ابن عدي، وغيرها. وأكثر هذه الكتب والمصنفات قد انتشر في الآفاق، وكثرت نسخه حتى أصبح منقولاً نقل تواتر لا تضرّ معه أغلاط النساخ، لأنها، بدون شك، ممكنة التصحيح، ولا تزوير المزورين، لأنها مفضوحة لا محالة: فهي إذا كتب معتمدة ((Canonical Books)).

 

ومع ذلك بقيت أحاديث يسيرة، وطرق أخرى لأحاديث معلومة لا تجدها إلا في ثنايا الموجات التالية من كتب الفقه وأصوله، وكتب الحديث، وكتب التواريخ ونقد الرجال، ومن أهم تلك المصادر: «السنن الكبرى» للإمام البيهقي؛ و«الإحكام في أصول الأحكام»، و«المحلى» وكلاهما للإمام المتقن الحجة أبي محمد علي بن حزم، و«تاريخ بغداد» للإمام الكبير الخطيب البغدادي، وغيرها. ولعل ذلك كله تم في حدود 450 هـ .

 

واستمرت رواية الحديث بعد ذلك برواية كتبه في جلسات الإملاء والتحديث حتى القرن التاسع الهجري في جميع أنحاء العالم الإسلامي تقريباً، وما زال بعض ذلك متصلاً بأسانيده في الديار الهندية، وفي المغرب الأقصى إلى ساعة كتابة هذه السطور.

 

وفي هذه الأيام، في عصرنا هذا، تم إدخال أكثر تلك الكتب القيمة في الحاسوب، هذا حفظ جديد، وإن كانت بعض تلك النصوص ليست على أعلى درجات النظافة، ولم تستند بعد على أفضل المخطوطات، إلا أن ذلك سيكون إن شاء الله، في القريب من مستقبل الأيام، شيئاً فشيئاً، بجهود طلبة العلم، والمحقّقين من الباحثين، الذين انتخبهم الله لهذا الشأن.

 

وخلافاً لما يظنه بعض الجُهّال، وبخاصة من أدعياء (السلفية العلمية) الذين اقتصر علمهم على تقليد الحافظ بن حجر العسقلاني، فإن حال السيرة النبوية، لا سيما العهد المدني منها الذي حفل بالمغازي، هو كحال الحديث أو أفضل، فقد بدأ التصنيف فيها، غالباً تحت مسمَّى «المغازي» مبكراً، قبل التصنيف في السنن والمسانيد بمدة طويلة، ونشر هذا كذلك على عامة الناس مبكراً. هذا هو الواقع التاريخي، المطابق لما عرف به عوام الناس من حب السير والقصص والتواريخ، وتفضيلهم ذلك على الأسلوب العلمي «الجاف» الذي تتسم به كتب السنن والمسانيد، التي تأخر تصنيفها جداً على كل حال. بل إن عقد حلقات مخصوصة لـ«المغازي» بدأ مبكراً في عهد الخلفاء الراشدين، لشحذ همم الجنود، وتحريض المؤمنين على الجهاد، وكانت تلك الحلقات تسمَّى حلقات «القصّ»، يتحدث فيها «القصّاص».

 

وقد ألفت كتب مستقلة في «المغازي» في عهد مبكر، فمن ذلك «مغازي عروة» من تأليف الإمام التابعي الكبير عروة بن الزبير بن العوام، رضي الله عنهما، المتوفى في أواخر القرن الهجري الأول، وهي مروية من عدة طرق. وقد طبعت مؤخراً بعناية فضيلة الشيخ المحدث العلامة محمد مصطفى الأعظمي، حفظه الله، طبعة جيدة مقارِنة لبعض طرق روايتها: فـ«مغازي عروة» إذا من الكتب الرسمية المعتمدة (Canonical Books).

 

وكذلك ألف الإمام التابعي أبان بن عثمان بن عفان، رضي الله عنهما، في «المغازي»، ولكنه أخطأ خطأً عظيما بعرضها على الطاغية المجرم الوليد بن عبد الملك بن مروان، لعنهما الله، الذي استنكر ما فيها من الحقائق «المسيئة» لبني أمية، فأمر بتمزيقها! ولم تتجه همة أبان بن عثمان بعد تلك الصدمة لإعادة كتابتها مرة أخرى، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

 

وهناك أيضاً كتاب المغازي للتابعي الكبير وهب بن منبه بن كامل الأبناوي (المتوفي سنت 110هـ)، الأخ الأكبر لهمام بن منبه، وقد تم العثور مؤخراً على قطعة من مخطوطة هذا الكتاب، وجدها المستشرق بيكر (C.N. Becker)، فيما نقل عنه المستشرق هوروفيتس، في مجموعة أوراق البردي للمستشرق شُت رينهاردت (Shott- Reinhardt) المحفوظة الآن في مكتبة هايدلبرج بألمانيا: فهذه إذا من الكتب الرسمية المعتمدة (Canonical Books)).

 

ولا شك أن غير هؤلاء كثير قد ألَّف في «المغازي» وصنّف، كما فعل الإمام الكبير محمد بن شهاب الزهري (المتوفى سنة 124 ه)، بعد تلك الطبقة مباشرة، ثم نهض إمام المغازي والسير محمد بن إسحاق بن يسار، المتوفى 150 هـ، فألف سيرته الشاملة الكبيرة فجمع وأوعى، ولكنه ضمنها ما هبّ ودبّ، وكثير منه غير ثابت، ثم اختصرها وهذّبها الإمام اللغوي الشهير بن هشام فأصبحت «سيرة بن هشام» تكاد تكون علما على «السيرة النبوية» أو مرادفة للفظة «السيرة» إذا أطلقت هكذا من غير تفصيل أو زيادة بيان، ولا شك أنها إذا من الكتب الرسمية المعتمدة (Canonical Books)).

 

وما زال التأليف والتنقيح والمراجعة للسيرة النبوية مستمرة حتى يومنا هذا، حتى كتب الشيخ صفي الرحمن المباركفوري، حفظه الله وأثابه، في زماننا هذا سيرته المحققة الرائعة: «الرحيق المختوم»، التي حصلت بحق على الجوائز العالمية، وترجمت إلى اللغات الكثيرة، فلله الحمد والمنة.

 

وقد يقول قائل: فلم لا يحتج بجزئيات «السيرة» في قضايا التشريع والعقيدة، مع كونها تعطي صورة تاريخية صحيحة في الجملة؟! وجواب ذلك أن طريقة التأليف التاريخي ترغم المؤلف، عادة، على حذف الأسانيد، وتركيب الروايات المختلفة في سياق واحد متماسك: هذا ينتج تأريخا وقصصا جيداً، أي صورة كلية صحيحة، لكنه لا يحدث يقيناً بثبوت جزئية معينة على النّحو الذي تقوم به الحجة، وتطمئن إليه النفس. لذلك قال علماء الحديث، بطريقتهم الصارمة المتشددة: السير والتاريخ لا أصل لها، وهم لا يقصدون إلا أن مفرداتها لا تثبت كل مفردة بعينها، على نحو تقوم به الحجة في العقيدة والتّشريع. تماما كما أن أقوال الصحف وروايات محطات الإذاعة والتلفاز، وإن كانت ربما أعطت صورة الحدث العامة، إلا أنها لا تقبل عادة في الترافع القضائي، بل لا بد من شهود العيان، والأدلة المادية المحسوسة، والوثائق المعتبرة أو الرسمية، وصمود كل ذلك للنقد، والاستجواب «التقاطعي» (cross examination)، والخلوّ من المعارضة، وإلا فلا. وأمور العقيدة والشريعة هي قطعاً، بلا شك، أهم من ملكية منزل أو ثبوت دَين في ذمة، والتشدد فيها أولى وأوجب!

 

هذه لمحة خاطفة، في أسلوب أشبه بالبرقيات، وإلا فإن تفصيل ذلك يحتاج إلى المجلدات، ويكفي من ذلك الرسالة التاريخية القيمة التي حصل بها فضيلة شيخنا المحدث العلامة الأستاذ الدكتور محمد مصطفى الأعظمي، حفظه الله، على درجة الدكتوراه من جامعة «كامبريدج» في بريطانيا، أتى فيها على بنيان «المستشرقين» من القواعد، فخرّ عليهم السقف من فوقهم، فمزّق مزاعمهم، وأبطل نظرياتهم، ومزق دعاويهم الكاذبة تمزيقاً، بل طحن دعاويهم وافتراءاتهم طحناً، فلله الحمد والمنة.

وليس هذا فحسب، بل إن أكثر المنصفين من المستشرقين قد تراجعوا عن مقولات «جولدتسيهر» و«شاخت» السخيفة الساقطة. وما زالت الأبحاث الرصينة والمؤلفات تتوالى بتقوية السنّة عموماً، والتأكيد على ثبوتها في الجملة بأدلة أكاديمية بحتة، من غير إحالة إلى البرهان العقائدي الذي ذكرنا أعلاه. وكلما تطاول الزمن لم تزل الأدلة على صدق القرآن، وأنه من عند الله تتوالى تترا، كما وعد الله، جل جلاله، وسما مقامه، بذلك عندما قال قولاً كريماً: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شيء شَهِيدٌ * أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شيء مُحِيطٌ﴾، (فصّلت؛ 41: 53 ــ 54). نعم، لقد وقع هذا في زمن قريش وبعدها، وفي زمننا هذا، ولا يزال يتحقق شيئاً بعد شيء، يوماً بعد يوم إلى يوم، القيامة الكبرى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شيء شَهِيدٌ﴾؟! (فصلت؛ 41: 53).

 

فصل ملحق: عوقبوا بما صنعوا يوم بدر

يقول الله، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (69)﴾، (الأنفال؛ 8: 67 - 69)؛ وهذا سياق تام، في قضية مغايرة، ومستقلة عما سبقها، وما يأتي بعدها من آيات الذكر الحكيم.

 

* وجاء في تفسير الطبري [جامع البيان ط هجر (11/276)]: [الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: 68] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِأَهْلِ بَدْرٍ الَّذِينَ غَنِمُوا وَأَخَذُوا مِنَ الْأَسْرَى الْفِدَاءَ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: 68] يَقُولُ: لَوْلَا قَضَاءٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَكُمْ أَهْلَ بَدْرٍ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ بِأَنَّ اللَّهَ مُحِلٌّ لَكُمُ الْغَنِيمَةَ، وَأَنَّ اللَّهَ قَضَى فِيمَا قَضَى أَنَّهُ لَا يُضِلُّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ، وَأَنَّهُ لَا يُعَذَّبُ أَحَدًا شَهِدَ الْمَشْهَدَ الَّذِي شَهَدْتُمُوهُ بِبَدْرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، نَاصِرًا دَيْنَ اللَّهِ، لَنَالَكُمْ مِنَ اللَّهِ بِأَخْذِكُمُ الْغَنِيمَةَ وَالْفِدَاءَ عَذَابٌ عَظِيمٌ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ:

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حدثنا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، قَالَ: حدثنا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: 68] الْآيَةُ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ كَانَ مُطْعِمُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْغَنِيمَةَ، وَإِنَّهُمْ أَخَذُوا الْفِدَاءَ مِنْ أُسَارَى بَدْرٍ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرُوا بِهِ. قَالَ: فَعَابَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ أَحَلَّهُ اللَّهُ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، قَالَ: حدثنا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ [ص: 277] الْحَسَنِ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: 68] الْآيَةَ، وَذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، أَخَذَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، الْمَغَانِمَ وَالْأُسَارَى قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرُوا بِهِ، وَكَانَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ كَتَبَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ: الْمَغَانِمُ وَالْأُسَارَى حَلَالٌ لِمُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَلَّهُ لَأُمَّةٍ قَبْلَهُمْ. وَأَخَذُوا الْمَغَانِمَ، وَأَسَرُوا الْأُسَارَى قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ، قَالَ اللَّهُ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: 68] يَعْنِي فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمَغَانِمَ وَالْأُسَارَى حَلَالٌ لَكُمْ ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: 68]

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حدثني أَبِي، قَالَ: حدثني عَمِّي، قَالَ: حدثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: 68] الْآيَةَ، وَكَانَتِ الْغَنَائِمُ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ النَّبِيُّ، صلى الله عليه وسلم، فِي الْأُمَمِ إِذَا أَصَابُوا مَغْنَمًا جَعَلُوهُ لِلْقُرْبَانِ، وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، حَرَّمَ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ وَعَلَى أُمَّتِهِ، فَكَانُوا لَا يَأْكُلُونَ مِنْهُ وَلَا يَغُلُّونَ مِنْهُ وَلَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا إِلَّا عَذَّبَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ. وَكَانَ اللَّهُ حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ تَحْرِيمًا شَدِيدًا، فَلَمْ يُحِلَّهُ لِنَبِيٍّ إِلَّا لِمُحَمَّدٍ، صلى الله عليه وسلم،. وَكَانَ قَدْ سَبَقَ مِنَ اللَّهِ فِي قَضَائِهِ أَنَّ الْمَغْنَمَ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ حَلَالٌ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ يَوْمَ بَدْرٍ فِي أَخْذِ الْفِدَاءِ مِنَ الْأُسَارَى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: 68]

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: حدثنا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنِ الْحَسَنِ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: 68] قَالَ: إِنَّ اللَّهَ كَانَ مُعْطِي هَذِهِ الْأُمَّةِ الْغَنِيمَةَ، وَفَعَلُوا الَّذِي فَعَلُوا قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ الْغَنِيمَةُ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، قَالَ: قَالَ الْأَعْمَشُ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: 68] قَالَ: سَبَقَ مِنَ اللَّهِ أَنْ أَحَلَّ لَهُمُ الْغَنِيمَةَ

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ بَشِيرِ بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدًا، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: 68] قَالَ: يَعْنِي: لَوْلَا أَنَّهُ سَبَقَ فِي عِلْمِي أَنِّي سَأُحِلُّ الْغَنَائِمَ، لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ مِنَ الْأُسَارَى عَذَابٌ عَظِيمٌ

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حدثنا جَابِرُ بْنُ نُوحٍ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، بِنَحْوِهِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «مَا أُحِلَّتِ الْغَنَائِمُ لِأَحَدٍ سُودِ الرؤوس مِنْ قَبْلِكُمْ، كَانَتْ تَنْزِلُ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ وَتَأْكُلُهَا»، حَتَّى كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، فَوَقَعَ النَّاسُ فِي الْغَنَائِمِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ﴾ [الأنفال: 68] حَتَّى بَلَغَ ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: 168] حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ: حدثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، بِنَحْوِهِ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ أَسْرَعَ النَّاسُ فِي الْغَنَائِمِ

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حدثنا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّارٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبِيدَةَ، قَالَ: أَسَرَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ سَبْعِينَ وَقَتَلُوا سَبْعِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «اخْتَارُوا أَنْ تَأَخُذُوا مِنْهُمُ الْفِدَاءَ فَتَقْوَوْا بِهِ عَلَى عَدُوِّكُمْ، وَإِنْ قَبِلْتُمُوهُ قُتِلَ مِنْكُمْ سَبْعُونَ، أَوْ تَقْتُلُوهُمْ» فَقَالُوا: بَلْ نَأْخُذُ الْفِدْيَةَ مِنْهُمْ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ. قَالَ عُبَيْدَةُ: وَطَلَبُوا الْخَيْرَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حدثنا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبِيدَةَ، قَالَ: كَانَ فِدَاءُ أُسَارَى بَدْرٍ: مِائَةَ أُوقِيَّةٍ، وَالْأُوقِيَّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَمَنَ الدَّنَانِيرِ: سِتَّةُ دَنَانِيرَ

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَا: حدثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: حدثنا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عُبَيْدَةَ، أَنَّهُ قَالَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «إِنْ شئتُمْ قَتَلْتُمُوهُمْ، وَإِنْ شئتُمْ فَادَيْتُمُوهُمْ وَاسْتُشْهِدَ مِنْكُمْ بِعِدَّتِهِمْ» فَقَالُوا: بَلَى، نَأْخُذُ الْفِدَاءَ فَنَسْتَمْتِعُ بِهِ وَيُسْتَشْهَدُ مِنَّا بِعِدَّتِهِمْ

حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطُّوسِيُّ، قَالَ: حدثنا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، قَالَ: حدثنا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حدثنا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: أَمَرَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَتْلِ الْأُسَارَى، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: 68]

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: حدثنا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، [ص: 280] قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: 68] قَالَ: كَانَ الْمَغْنَمُ مُحَرَّمًا عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ وَأُمَّتِهِ، وَكَانُوا إِذَا غَنِمُوا يَجْعَلُونَ الْمَغْنَمَ لِلَّهِ قُرْبَانًا تَأْكُلُهُ النَّارُ، وَكَانَ سَبَقَ فِي قَضَاءِ اللَّهِ وَعِلْمِهِ أَنْ يُحِلَّ الْمَغْنَمَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حدثنا جَرِيرٌ، عَنْ عَطَاءٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ﴾ [الأنفال: 68] قَالَ: كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنْ تَحِلَّ لَهُمُ الْغَنَائِمُ، فَقَالَ: لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ بِأَنَّهُ أَحَلَّ لَكُمُ الْغَنَائِمَ، لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لِأَهْلِ بَدْرٍ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ لَمَسَّهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ سَعِيدٍ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: 68] قَالَ: لِأَهْلِ بَدْرٍ مِنَ السَّعَادَةِ

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: حدثنا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: 68] لِأَهْلِ بَدْرٍ مَشْهَدَهُمْ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: 68] قَالَ: سَبَقَ مِنَ اللَّهِ خَيْرٌ لِأَهْلِ بَدْرٍ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: حدثنا يَزِيدُ، قَالَ: حدثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: 68] كَانَ سَبَقَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ خَيْرٌ، وَأَحَلَّ لَهُمُ الْغَنَائِمَ

حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: حدثنا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: 68] قَالَ: سَبَقَ أَنْ لَا يُعَذِّبَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حدثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: حدثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: 68] لِأَهْلِ بَدْرٍ وَمَشْهَدِهِمْ إِيَّاهُ

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: 68] لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ مِنَ الْغَنَائِمِ يَوْمَ بَدْرٍ قَبْلَ أَنْ أُحِلَّهَا لَكُمْ فَقَالَ: سَبَقَ مِنَ اللَّهِ الْعَفْوُ عَنْهُمْ، وَالرَّحْمَةُ لَهُمْ، سَبَقَ أَنْ لَا يُعَذَّبَ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَذَّبُ رَسُولَهُ وَمَنْ آمَنَ بِهِ وَهَاجَرَ مَعَهُ وَنَصَرَهُ وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ أَنْ لَا يُؤَاخِذَ أَحَدًا بِفِعْلٍ أَتَاهُ عَلَى جَهَالَةٍ، لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: حدثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حدثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: 68] لِأَهْلِ بَدْرٍ وَمَشْهَدِهِمْ إِيَّاهُ، قَالَ: كِتَابٌ سَبَقَ لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا [ص: 282] يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: 115] سَبَقَ ذَلِكَ وَسَبَقَ أَنْ لَا يُؤَاخِذَ قَوْمًا فَعَلُوا شَيْئًا بِجَهَالَةٍ. ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ [الأنفال: 68]

قَالَ ابْنُ جُرَيْج: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِيمَا أَخَذْتُمْ مِمَّا أَسَرْتُمْ. ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾ [الأنفال: 69]

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حدثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: «عَاتَبَهُ فِي الْأُسَارَى وَأَخْذِ الْغَنَائِمِ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ قَبْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يَأْكُلُ مَغْنَمًا مِنْ عَدُوٍّ لَهُ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حدثنا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حدثني أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَأُحِلَّتْ لِي الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِنَبِيٍّ كَانَ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، خَمْسٌ لَمْ يُؤْتَهُنَّ نَبِيُّ كَانَ قَبْلِيقَالَ مُحَمَّدٌ: فَقَالَ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾ [الأنفال: 67] أَيْ قَبْلَكَ ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال: 67] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ [الأنفال: 68] أَيْ مِنَ الْأُسَارَى وَالْمَغَانِمِ. ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: 68] أَيْ لَوْلَا أَنَّهُ سَبَقَ مِنِّي أَنْ لَا أُعَذِّبَ إِلَّا بَعْدَ النَّهْيِ وَلَمْ أَكُنْ نَهَيْتُكُمْ لَعَذَّبْتُكُمْ فِيمَا صَنَعْتُمْ، ثُمَّ أَحَلَّهَا لَهُ وَلَهُمْ رَحْمَةً وَنِعْمَةً وَعَائِدَةً مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ مَا قَدْ بَيَّنَّاهُ قَبْلُ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: 68] خَبَرٌ عَامٌّ غَيْرُ مَحْصُورٍ عَلَى مَعْنًى دُونَ مَعْنًى. وَكُلُّ هَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرْتُهَا عَمَّنْ ذَكَرْتُ مِمَّا قَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَنَّهُ لَا يُؤَاخِذُ بشيء مِنْهَا هَذِهِ الْأُمَّةَ، وَذَلِكَ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمِلٍ بِجَهَالَةٍ، وَإِحْلَالِ الْغَنِيمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ لِأَهْلِ بَدْرٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا كَتَبَ لَهُمْ. وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا وَجْهَ لِأَنْ يُخَصَّ مِنْ ذَلِكَ مَعْنًى دُونَ مَعْنًى، وَقَدْ عَمَّ اللَّهُ الْخَبَرَ بِكُلِّ ذَلِكَ بِغَيْرِ دَلَالَةٍ تُوجِبُ صِحَّةَ الْقَوْلِ بِخُصُوصِهِ:

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَحَدٌ مِمَّنْ نُصِرَ إِلَّا أَحَبَّ الْغَنَائِمَ إِلَّا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، جَعَلَ لَا يَلْقَى أَسِيرًا إِلَّا ضَرَبَ عُنُقَهُ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَنَا وَلِلْغَنَائِمِ، نَحْنُ قَوْمٌ نُجَاهِدُ فِي دِينِ اللَّهِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: لَوْ عُذِّبْنَا فِي هَذَا الْأَمْرِ يَا عُمَرُ مَا نَجَا غَيْرُكَ. قَالَ اللَّهُ: لَا تَعُودُوا تَسْتَحِلُّونَ قَبْلَ أَنْ أُحِلَّ لَكُمْ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حدثنا سَلَمَةُ، قَالَ: قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: 68] الْآيَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «لَوْ نَزَلَ عَذَابٌ مِنَ السَّمَاءِ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ إِلَّا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ» لِقَوْلِهِ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَانَ الْإِثْخَانُ فِي الْقَتْلِ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنَ اسْتِبْقَاءِ الرِّجَالِانتهى نص الإمام الطبري الذي تهرب من الإشكاليات العقدية والأصولية والفقهية لكل قول، وزعم أن كل المعاني مقصودة؛

 

* وجاء في تفسير الزمخشري [الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (2/236)]: [وروى الواقدي في المغازي من طريق يحيى ابن أبى كثير. عن على. قال «أتى جبريل النبي، صلى الله عليه وسلم، يوم بدر فخيره في الأسرى. أن يضرب أعناقهم. أو يأخذ منهم الفداء ويستشهد منكم في قابل عدتهم. الحديث مع ضعفه وهو منقطع]؛ قلت: ولكن أسانيد القصة المشابهة في الطبري جياد، وسيأتي المزيد؛

 

* وجاء في تفسير ابن عطية [المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (2/553): [وذكر عبد بن حميد بسنده أن جبريل نزل على النبي، صلى الله عليه وسلم، بتخيير الناس هكذا]؛

 

* وجاء في تفسير ابن كثير [ت سلامة (4/89)]: [وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ هِشَامٍ - هُوَ ابْنُ حَسَّانَ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عُبَيْدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، يَوْمَ بَدْرٍ فَقَالَ: خَيِّر أَصْحَابَكَ فِي الْأُسَارَى: إِنْ شَاءُوا الْفِدَاءَ، وإن شاؤوا الْقَتْلَ عَلَى أَنْ يُقْتَلَ مِنْهُمْ مُقْبِلًا مِثْلَهُمْ. قَالُوا: الْفِدَاءُ وَيُقْتَلُ مِنَّا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ، به؛ وهذا حديث غريب جداً]؛ قلت: ولا معنى لاستغراب ابن كثير، فهذا من أصح أسانيد الدنيا، وقد جاء نحوه عن أكثر من صحابي؛

 

* وجاء في تفسير ابن كثير [ت سلامة (4/90)]: [وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، في أُسَارَى يَوْمِ بَدْرٍ: (إِنْ شئتُمْ قَتَلْتُمُوهُمْ، وَإِنْ شئتُمْ فَادَيْتُمُوهُمْ وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِالْفِدَاءِ، وَاسْتَشْهَدَ مِنْكُمْ بِعِدَّتِهِمْ). قَالَ: فَكَانَ آخِرُ السَّبْعِينَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ، قُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]؛ وقد رواه الحاكم في المستدرك (2/140) والبيهقي في دلائل النبوة (3/139) من طريق إبراهيم بن عرعرة قال: أخبرنا أزهر، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ عُبَيْدَةَ، عن علي به، وقال ابن عرعرة: (رددت هذا على أزهر فأبى إلا أن يقول: عبيدة عن علي)؛ وصححه الحاكم وقال: (على شرط الشيخين)؛ قلت: وهو صحيح، بل غاية في الصحة، كما قال. و(عبِيدَة)، غير مصغر، هو أبو عمرو وأبو مسلم بن عمرو (ويقال بن قيس بن عمرو) السَّلْماني الكوفي؛ وليس هو أبو عُبَيْدَةَ عامر بن عبد الله بن مسعود، لذلك أراد إبراهيم بن عرعرة التأكد، وسيأتي حديث أبي عُبَيْدَةَ عامر بن عبد الله بن مسعود عن أبيه؛

 

* وجاء في الدر المنثور في التفسير بالمأثور (4/106): [وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه عَن عَليّ رَضِي الله عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عليه وسلم، للأسارى يَوْم بدر إِن شئتُم فاقتلوهم وَإِن شئتُم فاديتم وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِالْفِدَاءِ وَاسْتشْهدَ مِنْكُم بِعدَّتِهِمْ فَكَانَ آخر السّبْعين ثَابت بن قيس رَضِي الله عَنهُ اسْتشْهد يَوْم الْيَمَامَة. وَأخرج عبد الرَّزَّاق فِي المُصَنّف وَابْن أبي شيبَة عَن أبي عُبَيْدَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ نزل جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام على النَّبِي يَوْم بدر فَقَالَ: إِن رَبك يُخْبِرك إِن شئت أَن تقتل هَؤُلَاءِ الْأُسَارَى وان شئت أَن تفادي بهم وَيقتل من أَصْحَابك مثلهم فَاسْتَشَارَ أَصْحَابه فَقَالُوا: نفاديهم فنقوى بهم وَيكرم الله بِالشَّهَادَةِ من يَشَاء]

* وجاء في تفسير المنار (4/185): [وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ وَيُرْوَى عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ مَا حَصَلَ يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ الْمُصِيبَةِ كَانَ عِقَابًا عَلَى أَخْذِ الْفِدَاءِ عَنْ أَسْرَى بَدْرٍ الَّذِي عَاتَبَ اللهُ عَلَيْهِ نَبِيَّهُ بِقَوْلِهِ: مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ،... إِلَخْ. وَقَوَّوْهُ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: (جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، - فَقَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللهَ - تَعَالَى - قَدْ كَرِهَ مَا صَنَعَ قَوْمُكَ فِي أَخْذِهِمُ الْأُسَارَى، وَقَدْ أَمَرَكَ أَنْ تُخَيِّرَهُمْ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: أَنْ يُقَدَّمُوا فَتُضْرَبَ أَعْنَاقُهُمْ، وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذُوا الْفِدَاءَ عَلَى أَنْ يُقْتَلَ مِنْهُمْ عِدَّتُهُمْ قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، - النَّاسَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُمْ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ عَشَائِرُنَا وَإِخْوَانُنَا نَأْخُذُ فِدَاءَهُمْ، فَنَتَقَوَّى بِهِ عَلَى قِتَالِ عَدُوِّنَا وَيَسْتَشْهِدُ مِنَّا عِدَّتُهُمْ فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا نَكْرَهُ قَالَ: فَقُتِلَ مِنْهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ رَجُلًا عِدَّةُ أُسَارَى أَهْلِ بَدْرٍ. وَأَقُولُ مَا أَرَى أَنَّ هَذَا يَصِحُّ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَإِنَّهُ بَعِيدٌ عَنِ الْمَعْقُولِ وَكَيْفَ يَصِحُّ وَالْمَأْثُورُ أَنَّ أَخْذَ الْفِدَاءِ كَانَ مِنْ رَأْيِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، - وَرَأْيِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَحَاشَا لَهُمْ أَنْ يَرْضَيَا بِأَخْذِ مَالٍ يُعَاقَبُونَ عَلَيْهِ بِقَتْلِ سَبْعِينَ مُؤْمِنًا!! وَقَدْ تَقَدَّمَ لَنَا بَحْثُ كَوْنِ الْعُقُوبَاتِ آثَارًا طَبِيعِيَّةً لِلْأَعْمَالِ فَلْيَرْجِعْ إِلَيْهِ مَنْ شَاءَ]

 

* ولكن أخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج1/ص30/ح208)، (ج1/ص33/ح221)؛ وأخرجه الإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج7/ص357/ح36684)، (ج6/ص75/ح29583)؛ وهذا لفظ أحمد: [حَدَّثَنَا أَبُو نُوحٍ قُرَادٌ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا سِمَاكٌ الْحَنَفِيُّ أَبُو زُمَيْلٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنِي عُمَرُ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، قَالَ: نَظَرَ النَّبِيُّ، صلى الله عليه وسلم، إِلَى أَصْحَابِهِ وَهُمْ ثَلاثُ مِائَةٍ وَنَيِّفٌ، وَنَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَإِذَا هُمْ أَلْفٌ وَزِيَادَةٌ، فَاسْتَقْبَلَ النَّبِيُّ، صلى الله عليه وسلم، الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيهُ وَعَلَيْهِ رِدَاؤُهُ وَإِزَارُهُ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَيْنَ مَا وَعَدْتَنِي؟ اللَّهُمَّ أَنْجِزْ مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلامِ فَلا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ أَبَدًا»، قَالَ: فَمَا زَالَ يَسْتَغِيثُ رَبَّهُ وَيَدْعُوهُ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَرَدَّاهُ ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ ثُمَّ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، كَذَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ. وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: 9]. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُئِذٍ، وَالْتَقَوْا فَهَزَمَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا، وَأُسِرَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا، فَاسْتَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، أَبَا بَكْرٍ وَعَلِيًّا وَعُمَرَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ هَؤُلَاءِ بَنُو الْعَمِّ، وَالْعَشِيرَةُ وَالْإِخْوَانُ، فَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمُ الْفِدَاءَ، فَيَكُونُ مَا أَخَذْنَا مِنْهُمْ قُوَّةً لَنَا عَلَى الْكُفَّارِ، وَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ فَيَكُونُونَ لَنَا عَضُدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «مَا تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟» فَقَالَ: قُلْتُ: وَاللَّهِ مَا أَرَى مَا رَأَى أَبُو بَكْرٍ، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُمَكِّنَنِي مِنْ فُلانٍ - قَرِيبٍ لِعُمَرَ - فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكِّنَ حَمْزَةَ مِنْ فُلانٍ أَخِيهِ فَيَضْرِبَ [ص: 346] عُنُقَهُ، حَتَّى يَعْلَمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي قُلُوبِنَا هَوَادَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ، هَؤُلاءِ صَنَادِيدُهُمْ وَأَئِمَّتُهُمْ وَقَادَتُهُمْ. فَهَوِيَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ، فَأَخَذَ مِنْهُمُ الْفِدَاءَ. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ، قَالَ عُمَرُ: غَدَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، فَإِذَا هُوَ قَاعِدٌ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَإِذَا هُمَا يَبْكِيَانِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي مَاذَا يُبْكِيكَ أَنْتَ وَصَاحِبَكَ؟ فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ، صلى الله عليه وسلم: «الَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنَ الْفِدَاءِ، وَلَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُكُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ» - لِشَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ - وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: 67] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ [الأنفال: 68] مِنَ الْفِدَاءِ، ثُمَّ أُحِلَّ لَهُمُ الْغَنَائِمُ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ عُوقِبُوا بِمَا صَنَعُوا يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ، وَفَرَّ أَصْحَابُ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، عَنِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَهُشِمَتِ الْبَيْضَةُ عَلَى رَأْسِهِ، وَسَالَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [آل عمران: 165] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شيء قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 165] بِأَخْذِكُمُ الْفِدَاءَ]؛ وهو في مسند عمر بن الخطاب ليعقوب بن شيبة (ص: 30/15، بترقيم الشاملة آليا): [حدثنا محمد، قال: حدثنا جدي، قال: حدثناه عبد الله بن محمد، قال: حدثنا قراد أبو نوح، بعينه]؛ وفي حلية الأولياء لأبي نعيم (1/45): [حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي حدثنا أبو نوح قراد، بعينه]؛ وأخرجه مسلم في صحيحه (ج3/ص1386/ح1763): [حدثنا هناد بن السري حدثنا بن المبارك عن عكرمة بن عمار حدثني سماك الحنفي قال سمعت بن عباس يقول حدثني عمر بن الخطاب قال لما كان يوم بدر (ح) وحدثنا زهير بن حرب واللفظ له حدثنا عمر بن يونس الحنفي حدثنا عكرمة بن عمار حدثني أبو زميل هو سماك الحنفي حدثني عبد الله بن عباس قال حدثني عمر بن الخطاب قاله بنحوه]؛ وابن حبان في صحيحه (ج11/ص117/ح4793): [أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى قال حدثنا أبو خيثمة قال حدثنا عمر بن يونس بتمامه سنداً ومتناً]؛ وعبد بن حميد في مسنده (ج1/ص42/ح31): [أخبرنا عمر بن يونس اليمامي قاله بتمامه سنداً ومتناً]؛ والترمذي في سننه (ج5/ص270/ح3081): [حدثنا محمد بن بشار حدثنا عمر بن يونس اليمامي بتمامه سنداً ومتناً]، وقال أبو عيسى: (هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه من حديث عمر إلا من حديث عكرمة بن عمار عن أبي زميل وأبو زميل اسمه سماك الحنفي وإنما كان هذا يوم بدر)؛

* وجاء بعض الخبر في تفسير ابن أبي حاتم [محققا (5/1730/9150)]: [حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ الْبَصْرِيُّ حدثنا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ حدثنا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ حدثنا أَبُو زُمَيْلٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ حدثنا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَذَكَرَ طَائِفَةً مِنَ الْحَدِيثِ قَالَ أَبُو زُمَيْلٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا أَسَرُوا الأُسَارَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَا أَبَا بَكْرٍ وَعَلِيٍّ وَعُمَرَ، مَا تَرَوْنَ فِي هَؤُلاءِ الأُسَارَى؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةِ أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً فَتَكُونَ لَنَا قُوَّةٌ عَلَى الْكُفَّارِ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمُ إِلَى الإِسْلامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: مَا تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ قَالَ: قُلْتُ لَا وَاللَّهِ مَا أَرَى الَّذِي رَأَى أَبُو بَكْرٍ، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُمَكِّنَّا مِنْهُمْ فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، تُمَكِّنُ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ وَتُمَكِّنِّي مِنْ فُلانٍ نَسِيبٍ لِعُمَرَ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ فَإِنَّ هَؤُلاءِ أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُهَا وَقَادَتُهَا فَهَوَى رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَأَبِي بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ يَبْكِيَانِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شيء تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ؟ فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلِيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ لَقَدْ عُرِضَ عَلِيَّ عَذَابُكُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، شَجَرَةٍ قُرَيْبَةٍ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ في الأرض﴾، الْآيَةَ]

 

* وجاء في تفسير ابن أبي حاتم [محققا (5/1730/9151)]: [حَدَّثَنَا أَبِي حدثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حدثنا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قال: لما كان يوم بدر وجيء بِالأُسَارَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: مَا تَقُولُونَ فِي هَؤُلاءِ الأُسَارَى؟ فَقَالَ أبو بكر: يا رسول الله قومك وصلك اسْتَبْقِهِمْ وَاسْتَأَنِّهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْرَجُوكَ وَكَذَّبُوكَ فَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أنضر وَادِيًا كَثِيرَ الْحَطَبِ فَأَدْخِلْهُمْ، فِيهِ ثُمَّ أَضْرِمْهُ عَلَيْهِمْ نَارًا فَقَالَ الْعَبَّاسُ وَهُوَ فِي الأَسْرَى تسمع ما يقولون قطعتك رَحِمَكَ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، لَمْ يُجِبْهُمْ شَيْئًا فَقَالَ نَاسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَقَالَ نَاسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ عُمَرَ وَقَالَ نَاسٌ: يَأْخُذُ بِقَوْلِ ابْنِ رَوَاحَةَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَيَّنَ قُلُوبَ رِجَالٍ فِيهِ حَتَّى تَكُونَ أَلْيَنَ مِنَ اللِّينِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُشَدِّدَ قُلُوبَ رِجَالٍ فِيهِ حَتَّى تَكُونَ أَشَدَّ مِنَ الْحِجَارَةِ وَإِنَّ مَثَلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ كَمَثَلِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ وَمَثَلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ كَمَثَلِ عِيسَى قَالَ: ﴿إِنَّ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾؛ وَمَثَلَكَ يَا عُمَرُ كَمَثَلِ نُوحٍ قَالَ: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾، وَمَثَلَكَ يَا عُمَرُ كَمَثَلِ مُوسَى قَالَ: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾؛ أَنْتُمْ عَالَةٌ فَلا يَنْفَلِتَنَّ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلا بِفِدَاءٍ أَوْ ضَرْبَةِ عُنُقٍ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلا سُهَيْلُ بْنُ بَيْضَاءَ فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ الإِسْلامَ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَمَا رَأَيْتُنِي فِي يَوْمٍ أَخْوَفُ أَنْ يَقَعَ عَلِيَّ حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ مِنِّي حَتَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، إِلا سُهَيْلُ بْنُ بَيْضَاءَ فَنَزَلَ الْقُرْآنُ بِقَوْلِ عُمَرَ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ إِلَى آخِرِ الآيَاتِ]؛ وهو – باختصار – في تاريخ مدينة دمشق (98/80/9455): [أخبرنا أبو الحسن علي بن المسلم الفقيه حدثنا أبو محمد عبد العزيز بن أحمد إملاء أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد بن محمد بن إبراهيم بن مخلد حدثنا أبو جعفر محمد بن عمرو البختري الرزاز إملاء حدثنا عبد الملك بن محمد الرقاشي حدثنا يحيى بن حماد حدثنا أبو عوانة عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم بدر لأبي بكر وعمر: (مثلك يا أبا بكر في الملائكة مثل ميكائيل ومثلك يا عمر في الملائكة مثل جبريل)]؛

 

* ولكن جاء في تفسير الرازي [مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (15/511 - 513)]: [ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ كَثُرَ أَقَاوِيلُ النَّاسِ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْكِتَابِ السَّابِقِ. وَنَحْنُ نَذْكُرُهَا وَنَذْكُرُ مَا فِيهَا مِنَ الْمَبَاحِثِ:

فَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّه سَبَقَ يَا مُحَمَّدُ بِحِلِّ الْغَنَائِمِ لَكَ وَلِأُمَّتِكَ، لَمَسَّكُمُ الْعَذَابُ. وَهُوَ مُشْكِلٌ: لِأَنَّ تَحْلِيلَ الْغَنَائِمِ وَالْفِدَاءَ هَلْ كَانَ حَاصِلًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، أَوْ مَا كَانَ حَاصِلًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ؟ فَإِنْ كَانَ التَّحْلِيلُ وَالْإِذْنُ حَاصِلًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ امْتَنَعَ إِنْزَالُ الْعَذَابِ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ مَا كَانَ مَأْذُونًا فِيهِ مِنْ قَبْلُ لَمْ يَحْصُلِ الْعِقَابُ عَلَى فِعْلِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْإِذْنَ مَا كَانَ حَاصِلًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ حراماً فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَقْصَى مَا فِي الْبَابِ أَنَّهُ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّه أَنَّهُ سَيَحْكُمُ بِحِلِّهِ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّ هَذَا لَا يَقْدَحُ فِي كَوْنِهِ حَرَامًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. فَإِنْ قَالُوا: إِنَّ كَوْنَهُ بِحَيْثُ سَيَصِيرُ حَلَالًا بَعْدَ ذَلِكَ يُوجِبُ تَخْفِيفَ الْعِقَابِ. قُلْنَا: فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ امْتَنَعَ إِنْزَالُ الْعِقَابِ بِسَبَبِهِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ مِنَ التَّخْوِيفِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْعِقَابِ.

الْقَوْلُ الثَّانِي: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ أَنِّي لَا أُعَذِّبُ إِلَّا بَعْدَ النَّهْيِ لَعَذَّبْتُكُمْ فِيمَا صَنَعْتُمْ، وَأَنَّهُ تَعَالَى مَا نَهَاهُمْ عَنْ أَخْذِ الْفِدَاءِ، وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ لِأَنَّا نَقُولُ حَاصِلُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ مَا وُجِدَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ يُوجِبُ حُرْمَةَ ذَلِكَ الْفِدَاءِ، فَهَلْ حَصَلَ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ يَقْتَضِي حُرْمَتَهُ أَمْ لَا؟ فَإِنْ قُلْنَا حَصَلَ، فَيَكُونُ اللَّه تَعَالَى قَدْ بَيَّنَ تَحْرِيمَهُ بِوَاسِطَةِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ تَعَالَى لَمْ يُبَيِّنْ تِلْكَ الْحُرْمَةَ، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَقْلِ وَلَا فِي الشَّرْعِ مَا يَقْتَضِي الْمَنْعَ، فَحِينَئِذٍ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْمَنْعُ حَاصِلًا، وَإِلَّا لَكَانَ ذَلِكَ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَنْعُ حَاصِلًا كَانَ الْإِذْنُ حَاصِلًا، وَإِذَا كَانَ الْإِذْنُ حَاصِلًا، فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَرْتِيبُ الْعِقَابِ عَلَى فِعْلِهِ؟

الْقَوْلُ الثَّالِثُ: قَالَ قَوْمٌ قَدْ سَبَقَ حُكْمُ اللَّه بِأَنَّهُ لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، وَهَذَا أَيْضًا مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمْ مَا مُنِعُوا عَنِ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي وَالزِّنَا وَالْخَمْرِ وَمَا هُدِّدُوا بِتَرْتِيبِ الْعِقَابِ عَلَى هَذِهِ الْقَبَائِحِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ سُقُوطَ التَّكَالِيفِ عَنْهُمْ وَلَا يَقُولُهُ عاقل. وأيضاً فلو صاروا كَذَلِكَ، فَكَيْفَ آخَذَهُمُ اللَّه تَعَالَى فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِعَيْنِهِ فِي تِلْكَ الْوَاقِعَةِ بِعَيْنِهَا، وَكَيْفَ وَجَّهَ عَلَيْهِمْ هَذَا الْعِقَابَ الْقَوِيَّ؟

وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّه سَبَقَ فِي أَنَّ مَنْ أَتَى ذَنْبًا بِجَهَالَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يُؤَاخِذُهُ بِهِ لَمَسَّهُمُ الْعَذَابُ، وَهَذَا مِنْ جِنْسِ مَا سَبَقَ.

وَاعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ قَدْ أَكْثَرُوا فِيهِ، وَالْمُعْتَمَدُ فِي هَذَا الْبَابِ أَنْ نَقُولَ: أَمَّا عَلَى قَوْلِنَا: فَنَقُولُ: يَجُوزُ أَنْ يَعْفُوَ اللَّه عَنِ الْكَبَائِرِ. فَقَوْلُهُ: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ مَعْنَاهُ لَوْلَا أَنَّهُ تَعَالَى حَكَمَ فِي الْأَزَلِ بِالْعَفْوِ عَنْ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ لَمَسَّهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الْأَنْعَامِ: 54] وَمِنْ قَوْلِهِ: «سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي». وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ فَهُمْ لَا يُجَوِّزُونَ الْعَفْوَ عَنِ الْكَبَائِرِ، فَكَانَ مَعْنَاهُ لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ فِي أَنَّ مَنِ احْتَرَزَ عَنِ الْكَبَائِرِ صَارَتْ صَغَائِرُهُ مَغْفُورَةً وَإِلَّا لَمَسَّهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، وَهَذَا الْحُكْمُ وَإِنْ كَانَ ثَابِتًا فِي حَقِّ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، إِلَّا أَنَّ طَاعَاتِ أَهْلِ بَدْرٍ كَانَتْ عَظِيمَةً وَهُوَ قَبُولُهُمُ الْإِسْلَامَ، وَانْقِيَادُهُمْ لِمُحَمَّدٍ، صلى الله عليه وسلم، وَإِقْدَامُهُمْ عَلَى مُقَاتَلَةِ الْكُفَّارِ مِنْ غَيْرِ سِلَاحٍ وَأُهْبَةٍ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الثَّوَابَ الَّذِي اسْتَحَقُّوهُ عَلَى هَذِهِ الطَّاعَاتِ كَانَ أَزْيَدَ مِنَ الْعِقَابِ الَّذِي اسْتَحَقُّوهُ عَلَى هَذَا الذَّنْبِ، فَلَا جَرَمَ صَارَ هَذَا الذَّنْبُ مَغْفُورًا، وَلَوْ قَدَّرْنَا صُدُورَ هَذَا الذَّنْبِ مِنْ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ لَمَا صَارَ مَغْفُورًا، فَبِسَبَبِ هَذَا الْقَدْرِ مِنَ التَّفَاوُتِ حَصَلَ لِأَهْلِ بَدْرٍ هَذَا الِاخْتِصَاصُ.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً رُوِيَ أَنَّهُمْ أَمْسَكُوا عَنِ الْغَنَائِمِ وَلَمْ يَمُدُّوا أَيْدِيَهُمْ إِلَيْهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَقِيلَ هُوَ إِبَاحَةُ الْفِدَاءِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى الْفَاءِ فِي قَوْلِهِ: فَكُلُوا. قُلْنَا التَّقْدِيرُ: قَدْ أَبَحْتُ لَكُمُ الْغَنَائِمَ فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا نُصِبَ عَلَى الْحَالِ مِنَ الْمَغْنُومِ أَوْ صِفَةٍ لِلْمَصْدَرِ، أَيْ أَكْلًا حَلَالًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَالْمَعْنَى: وَاتَّقُوا اللَّه فَلَا تُقْدِمُوا عَلَى الْمَعَاصِي بَعْدَ ذلك، واعلموا أن اللَّه غفور ما أَقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ فِي الْمَاضِي مِنَ الزَّلَّةِ، رَحِيمٌ ما أَتَيْتُمْ مِنَ الْجُرْمِ وَالْمَعْصِيَةِ، فَقَوْلُهُ: وَاتَّقُوا اللَّهَ إِشَارَةٌ إِلَى الْمُسْتَقْبَلِ. وَقَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ إشارة إلى الحالة الماضية]، انتهى نص الإمام الرازي فتدبره بكل دقة، لترى حجم الإشكاليات والتناقض في جميع الأقوال آنفة الذكر!

 

قلت:

حل الإشكاليات كلها يتم على النحو التالي:

أولاً: أذن بالقتال في سورة الحج، التي هي – في القوي الأرجح – أول سورة نزلت في المدينة، بل لعل بعضها نزل في طريق الهجرة؛

 

ثانياً: نزلت سورة محمد، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو بعضها، قبل بدر. وفيها النص صراحة: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (1) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (3) فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (10) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ (12) وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (13)﴾. وهذا نص لا يعقل إلا أن يكون من أوائل ما نزل بالمدينة، بعد الإذن بالقتال مباشرة، وحتى قبل فرض القتال في سورة البقرة. أما ما تجده منسوباً إلى عبد الله بن العباس من ترتيب النزول وأزمنته فأكثره باطل سنداً، على ما في الروايات المختلفة من تناقض في المتون؛

 

ثالثاً: استشارة النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأصحابه كانت ولا بد عن (الإثخان): هل تحقق أو لا. وبالرغم من اختصار الروايات إلا أنه من البديهي أن تكون الاستشارة، في المقام الأول، للأنصار، لأنهم هم أهل العدد الأكبر، ولأنهم هم أهل الخبرة بالحروب المدمرة، فهم قد خرجوا البارحة من حرب بعاث، التي كادت أن تفنيهم. أما المهاجرون فهم من قريش وأحلافها ومواليها: عهدهم بالحروب بعيد؛

 

رابعاً: مالت الأغلبية لاقتراح (أخذ الفداء)، وقد مثلهم أبو بكر، ولعله دار عليهم لاستطلاع رأيهم. وقد كان ذلك رغبة في المال، وليس عن قناعة قلبية بأن (الإثخان) الواجب قد تم. هذا ما يرشد إليه قوله، تعالي ذكره: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾، بكل دقة، يعني: أنتم تعلمون أن النبي مأمور بالإثخان، ولكنكم رغبتم في مال الفدية (وهو مال جسيم: مائة أوقية = 4000 درهم = 600 دينار لكل رأس!)، فكتمتم قناعتكم بعدم تحقق (الإثخان)، ودلَّستم على نبيكم بالاحتجاج بمثل: (هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان)، أو (نأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار)، أو (عسى الله أن يهديهم فيكونون لنا عضداً)، ونحو ذلك: كل ذلك حسن جميل، ولكنه ليس هو موضوع المشورة. ولا أشك أن بعضهم، وفي مقدمتهم، أبا بكر إنما قالوا ذلك عن قناعة قلبية لطيبة نفوسهم، ورقة قلوبهم؛

 

خامساً: عندما نزل العذاب حتى بلغ الشجرة القريبة، ابتهل النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، إلى ربه فخير بين عذاب فوري، أو سبعين يقتلون مستقبلاً بدلاً من السبعين الذين تقرر أخذ الفدية عنهم. وأكاد أجزم بأنه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ألحَّ على ربه أن يكون قتلهم شهادة: فأستجيب له ذلك، فكان ذلك في غزوة أحد. أما القول بأن التخيير كان بين (قتل الأسرى) أو (المفاداة، واستشهاد عدتهم من الرجال)، وأنه خير أصحابه بذلك، فما أحسبه إلا من أوهام الرواة: أخبر النبي عن العقوبة على أخذ (الفداء) وعدم قتل الأسرى بأنها: كذا وكذا، فظن بعض الرواة أنه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، خُيِّرَ هكذا، ثم خَيَّرَ هكذا. ولو أن الصحابة الحاضرين – وهم مئات – خيروا لسارت بذلك الركبان، ولنقل لنا نقل تواتر. فالصحيح أنه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هو فقط الذي خير، والأرجح أنه أبلغ فقط نفراً محدوداً من الصحابة: رفقاً بأصحابه، وجبراً لخاطرهم؛

 

فالخلاصة إذاً:

أولاً: أنه ليس في الآيات كلام عن حل الغنائم أو حرمتها أصلاً: فنسخ حرمتها في الشرائع السابقة، وثبوت حلها سنبرهن عليه في الباب الآتي بالأدلة اليقينية. وإنما يدور الكلام حول (الإثخان) الذي لا بد من تحققه – حسب رأي وتقدير أهل الخبرة – وإلا فلا يجوز أخذ الفداء؛

 

ثانياً: الحكم الشرعي: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ؛ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ: فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾، ثابت بين معلوم قبل الواقعة. ومن المحال الممتنع أن تنزل عقوبة إلا على معصية: ومن قال خلاف ذلك فقد أساء الظن بالله أقبح إساءة، وما قدر الله حق قدره: فليس هناك أصلاً اجتهاد بالمعنى الاصطلاحي الفني في أصول الفقه: (استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيليةلا من النبي، ولا من غيره؛

 

ثالثاً: أن التدليس إنما وقع من الصحابة، فاستحقوا العقوبة والتوبيخ. أما النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلم يقع منه إلا أتم الإحسان. وما أصابه يوم أحد إنما هو رفعة لدرجته، وزيادة في مثوبته، وإن كان فيه إيلام وعقوبة لأصحابه لشدة محبتهم له، واستماتتهم في دفع الأذى عنه، بل واستعدادهم للموت دونه؛

 

رابعاً: الغنيمة المخصوصة التي تحققت بأخذ الفدية كانت أموال معصية محرمة بلا شك، ولكن الله، جل جلاله، وسما مقامه، رخص فيها استثناءً، حيث قال: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، (الأنفال؛ 8: 69)، يعني مال الفدية، مع بقاء عقوبة من نوع آخر، أنفذها الله يوم معركة أحد.

حزب التجديد الإسلامي 2016