كتاب التوحيد - الباب العاشر: ماهية التقديس والشعائر التعبدية

الفهرس

 

القسم الثاني: التوحيد – القواعد والأصول

الباب العاشر: ماهية التقديس والشعائر التعبدية

فصل: السجود ليس (عبادة)

فصل: القيام بخشوع وسكون على هيئة مخصوصة ليس (عبادة)

فصل: حديث: (إِنَّهُ لَا يُقَامُ لي، إِنَّمَا يُقَامُ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ)

فصل: الطواف حول القبر ليس (عبادة) للقبر

فصل: ماهية (الدعاء): دعاء المسألة ودعاء (العبادة)

فصل: اختلاف الشرائع وعلاقته بـ(العبادات)

فصل: بطلان تعريف الشيخ بن سعدي لـ(العبادة)

فصل: معنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾

فصل: هل يوجد شرك أكبر عملي محض، بدون اعتقاد أصلاً؟!

فصل: مشركو العرب و(توحيد الربوبية) مرة أخرى

فصل: هل يكفر (من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة)؟!

فصل: نواقض الإسلام العشرة الوهابية

فصل: استشكالات السيد العلامة محمّد بن إسماعيل الأمير الصنعاني

فصل: مسخ الفرقة الوهابية لمفهوم (العبادة)



 

الباب العاشر: ماهية التقديس والشعائر التعبدية

 

سبق لنا في الباب السادس تحرير معنى (العِبَادة)، المعرفة بالألف واللام أو بالإضافة أو بالجملة التامة، أعني في مثل قوله، جل جلاه، وسما مقامه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، (الذاريات؛ 51: 56)، لأن معني: (لِيَعْبُدُونِ)، هو ليصرفوا لي (العِبَادة حيث قلنا أن: [(العِبَادة) لـ(كائن) إنما هي، بحق، حصراً: (نسبة شيء من الألوهية) لذلك (الكائن)]. وعليه فإن (نسبة شيء من الألوهية لكائن) هي (العبادة لذلك الكائن)، ضرورة ولا بد، حتى لو لم يصرف له أو يوجه إليه أي فعل آخر أصلاً: فهي في حقيقتها أمر اعتقادي إيماني محض.

 

وقررنا أن هذا يقين مقطوع به، توجبه (المعادلة) التي سبق إيرادها، والبرهنة عليها، هناك:

 

(م2)- [عبادة غير الله] = [نسبة شيء من الألوهية لغير الله

 

وهذه (المعادلة) لا معنى لها أصلاً، ولا تمكن صياغتها، ثم البرهنة عليها مطلقاً إلا إذا تم تعريف (الألوهية) أولاً، قبل الكلام عن (العِبَادة) وتعريفها: فمفهوم (الألوهية) سابق على مفهوم (العِبَادة) مفاهيمياً في الوجود الذهني.

 

وعليه أيضاً: فإن (الألوهية) سابقة في مراتب الوجود على (العبادة)، قطعاً ولا بد، إن كان ثمة (إله) أصلاً، وهو بالضرورة (الله) العزيز الحكيم. وأما المنكرون لوجود (الله)، القائلين بأزلية الكون، وبـ(الطبيعة) الأزلية الميتة العمياء الصماء البكماء، التي لا تعلم شيئاً، ولا تدرك نفسها، الفعالة الخلاقة بالاضطرار: فهذه (الطبيعة)، وإن كانت بزعمهم واجبة الوجود أزلية قديمة، قطعاً، لا تتصف بـ(الألوهية)، ولا تستحق أن تسمى: (إلاه)، أصلاً؛ فيلزمهم أن القول بأن (العبادة)؛ أي عقائد وأفعال العباد، وهي (موجودة) فعلاً، سابقة في الوجود على (الإله)، الذي هو مجرد (خرافة) ذهنية أنشأتها تلك العقائد والأفعال: تماماً كقول الفرقة الوهابية، الذي هو في جوهره: (الإله هو المعبود): فالبشر هم الذين يصنعون آلهتهم عند الوهابيين والملحدين على حد سواء!!

 

وعليه فتكون (العبادات)، وواحدتها (عبادة)، هي تلك [الأقوال والأفعال المتعلقة بمن، أو الموجهة إلى من، أو المصروفة لمن يعتقد أنه كائن إلاهي، أي: لمن يعتقد فيه شيء من (الألوهية)؛ خصوصاً تلك الأقوال والأفعال المظهرة أو المعبرة عن (التذلل والخضوع والاستسلام، والسمع والطاعة، والتعظيم والتوقير، والثقة والتوكل؛ أو الخشية والرهبة؛ أو المحبة، والأنس والقرب؛ أو الفقر والحاجة، ونحو ذلك)؛ أو الأقوال والأفعال التي تطلب من كائن إلاهي (جلب منفعة أو دفع مضرة)]. فما يسميه الناس (عبادات)، أو (شعائر)، أو (مناسك) ليس هو عين، أو ذات (العِبَادة)، وإنما هو تعبير أو إظهار أو تطبيق لها.

 

بل لعلنا نبالغ فنقول أن تسميه أي حال من أحوال القلب، كـ(الأنس)، أو انفعال من انفعالات النفس، كـ(الرهبة)، أو انفعال من انفعالات البدن كـ(اقشعرار الجلود)، أو أي فعل معين من الأفعال الإنسانية الاختيارية، كـ(السجود)، (عبادة) لـ(كائن) ما، إنما هو مجاز واختصار للقول بأنه نشأ من أو بني على (العِبَادة) بحق، ألا وهي: (نسبة شيء من الألوهية لذلك الكائن المعين).

 

فوجب، ضرورة، ولا بد، بملاحظة كل ما سلف أن تكون الأحوال القلبية، والمشاعر والانفعالات النفسية، والأقوال والأفعال الإرادية المشمولة بلفظ (العبادة) هي فقط تلك التي تصرف أو توجه لمن يعتقد فيه شيء من الألوهية، أو تتعلق به. ونزيد هذا تفصيلاً باستقراء جمع مما اعتاد البشر تسميته عبادة، وما يصاحب أفعالهم تلك عادة من النوايا والمقاصد، فنقول أن التعريف الصحيح لـ(العبادات)، هو ضرورة، ولا بد: [(العبادات) هي: أحوال قلبية، ومشاعر وانفعالات نفسية، وأقوال وأفعال ظاهرة وباطنة، وشعائر معينة (والشعيرة: مجموعة من الأفعال والأقوال تم تركيبها بطريقة مخصوصة)، تعلقت بمن، أو وجهت إلى من، أو صرفت لمن يعتقد فيه شيء من (الألوهية): لإظهار التعظيم والتوقير والتقديس له؛ أو للتعبير عن الاستسلام والخضوع والذلة له؛ أو للتقرب إليه والأنس بحضرته وطلب رضاه ومحبته والزلفى إليه؛ أو لاستدرار عطفه وبره وإنعامه؛ أو الاستعانة به في دفع ضر أو جلب منفعة؛ أو لاتقاء غضبه ونقمته وعقوبته؛ وربما لاتقاء شره وضرره، ونحو ذلك)].

 

ويترتب أيضاً على كل ما سلف، ضرورة ولا بد، أن من صرف شيئاً من (العبادات)، بشرط تعريفها التعريف الصحيح، لغير الله فهو مشرك كافر ولا بد، لأن من فعل شيئاً من ذلك ففعله مسبوق، ضرورة ولا بد، باعتقاد كفري شركي. وما يقوم به المشرك من أفعال، أو يتلفظ به من أقوال، إنما هو تعبير وإظهار وتطبيق لذلك الشرك والكفر، وليس هو عين الشرك والكفر: فهو إذاً (زيادة في الكفر) فقط، كالنسيء تماماً: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾، (التوبة؛ 9: 37).

 

فلا معنى أصلاً لتساؤلات منسوبي الفرقة الوهابية بلهفة: [ما حكم من صرف شيئاً من (العبادة) لغير الله؟!]، هذا سؤال لا يتصور صدوره إلا:

(أ)- ممن تسطح فكره فلم يميز بين (العِبَادة)، المعرفة بالألف واللام أو بالإضافة أو بالجمل التامة، وبين (العبادات)، جمع للنكرة (عبادة)، التي إنما هي أفعال وأقوال وانفعالات للتعبير عن (العِبَادة)، أو إظهار وتطبيق لها؛

(ب)- أو ممن يعتقد وجود قائمة حصرية لأفعال وأقوال وانفعالات مجردة تستحق أن تسمى كل واحدة منها بذاتها (عبادة

(ج)- أو ممن يظن أن (العبادات) يمكن تعريفها تعريفاً مستقلاً عن تعريف (الألوهية).

 

وقد أسلفنا في الباب السادس أن كل ذلك باطل، ووعدنا بأننا سنبطل المقولات الوهابية التفريعية مقولة بعد مقولة على وجه التفصيل في هذا الباب المخصص لـ(ماهية التقديس والشعائر التعبدية)، وهو ما سنشرع فيه بعد قليل.

 

ومن زاوية أخرى، فإن الحق أن مواقف الناس من العلاقة بين الأفعال التي يسمونها (عبادات) بهذا المعنى المخصوص الذي يقصدونه عند الكلام عن الآلهة والدين والتدين والتقديس، ومفهوم (الإله) لا يخرج حصراً، بالضرورة العقلية، بالقسمة المنطقية التامة الصارمة، عن واحد من المواقف الآتية:

(1)            الموقف الأول: ــ أن (الألوهية) لها تعريف مستقل، تمام الاستقلال، عن أفعال ومواقف الكائنات الأخرى: فمن اتصف بشيء من الألوهية صحت تسميته (إله). في حين أن «العبادات» إنما هي فقط تصنيف اصطلح الناس على إطلاقه على أي فعل من الأفعال، الظاهرة أو الباطنة، أو قول من الأقوال، أقوال القلب أو اللسان، التي تصرف لمن أو توجه إلى من، أو تتعلق بمن يعتقد أنه «إله»: لإظهار الاستسلام والخضوع والتذلل والسمع والطاعة، أو للتعبير عن التعظيم؛ أو لإظهار الخوف والخشية والرهبة؛ أو للتعبير عن الفقر والحاجة وطلب جلب منفعة أو دفع مضرة؛ أو للتعبير عن الود والمحبة وطلب الأنس والقربى، وما شابه ذلك.

 

فإذا كان هذا حقاً، وهو كذلك بقواطع البراهين التي أوردناها في الأبواب السابقة– وسيأتي المزيد، إن شاء الله، ها هنا - ترتب عليه، ضرورة، ولا بد: أنه لا يوجد قول ظاهر أو باطن، أو فعل ظاهر أو باطن، لا فرق بين سجود وركوع، وقيام أو انحناء أو قعود، أو سعي وركض؛ أو ذبح وتقديم قرابين، أو إيقاد شموع وإطلاق مجامر؛ أو حب وبغض، وتعظيم أو إرادة، ورغبة ورهبة، ورجاء أو خوف، أو نداء واستغاثة واستعاذة، أو غير ذلك؛ أو شعيرة مركبة من بعض ذلك؛ يمكن اعتباره أو تسميته: (عبادة)، أصلاً، إلا إذا كان متعلقاً، أو موجهاً إلى (إله). إما إذا تعلق نفس الفعل، أو وجه نفس الفعل إلى (شيء) آخر لا تعتقد فيه شيء من (الألوهية)، فليس ذلك (عبادة) أصلاً، ولا تجوز تسميته (عبادة) بتاتاً: ومن فعل ذلك فقد كذَّب القرآن، وكذب على الله، وأعظم الفرية؛

 

(2) الموقف الثاني: ــ أن تصنف أفعال معينة، من حيث هي بوصفها أفعالاً مجردة، على أنها عبادة لذاتها، وبغض النظر عن مضمون التصور ومحتوى الاعتقاد عند فاعلها حول من تصرف له، أو توجه إليه أو تتعلق به. وهذا هو حقيقة قول الفرقة الوهابية عند التحرير التام لأقوالها التي تتصف عادة بالسطحية والركاكة والغموض، وعدم الدقة، بل بالتخبط والتناقض، والسقوط في الدور الخفي، بل وفي الدور الجلي أحياناً.

وعلى هذا المسلك ينبني قول من قال، على سبيل المثال، لا الحصر:

(أ) - أن التحية العسكرية وتحية العلم، شرك كفري يخرج من الملة الإسلامية، لأنها تتضمن: (الوقوف بسكون تام، وخشوع كامل، على هيئة مخصوصة)، حتى ولو كان فاعلها يعتقد اعتقاداً جازماً، ويوقن يقيناً صادقاً أن أصحاب الرتبة العسكرية أو أن العلَم عبد مخلوق مربوب لا يملك من أمره شيئاً ولا يفعل ولا يتصرف إلا بإذن الله وتقديره ومشيئته، بل ويعتقد أن العلم مجرد خرقة من القماش ربطت على عود ليس فيها حياة ولا سمع ولا بصر، ولا تملك نفعاً ولا ضراً؛

(ب) - وكذلك قول من قال أن الاستغاثة بالنبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، «شرك أكبر» بمجرد التلفظ به، بغض النظر عن معتقد المستغيث في النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حتى لو كان يعتقد اعتقاداً جازماً أنه بشر مخلوق مربوب، لا يملك لنفسه ﴿ضَرّاً وَلَا نَفْعاً﴾، وَلَا يَمْلِك ﴿مَوْتاً وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُوراً﴾، إلا ما أعطاه الله إياه ومكنه، منه؛

(ج) - أو أن الطواف بقبر عبد القادر الجيلاني، أو أحمد البدوي، شرك كفري يخرج من الملة، بمجرد فعله، أي بمجرد الطواف من حيث هو فعل مجرد يشبه في ظاهره الطواف حول الكعبة مثلاً، بغض النظر عن معتقد الفاعل في عبد القادر الجيلاني، أو أحمد البدوي.

 

لذلك فإن العلاقة بين تعريف (الألوهية) وتعريف (العبادة) في هذا المسلك الثاني هو، ضرورة ولا بد، أن (العبادة) هي الأصل، وتعرف بأنها فعل كذا، وكذا، وكذا: فيتم تقديم قائمة بأفعال معينة تسمى (عبادات): فيكون (الإله) هو من تصرف له تلك الأفعال، أي باختصار: أن (الإله هو المعبود).

وهذا المسلك الثاني، وإن كان سالماً من الدور والتناقض الداخلي، إلا أنه باطل، وغير مسلَّم لأصحابه لقيام البرهان القاطع من النصوص الشرعية اليقينية، أي من نصوص الكتاب والسنّة، لأنها هي وحدها النصوص الشرعية؛ بل وقبل ذلك من ضرورات الحس والعقل واللغة، على ما يثبت يقيناً خلاف ذلك:

أولاً: كما بيناه ها هنا على وجه العموم، لأن القضية قد حسمت، فيما سلف، بدقة برهانية صارمة لصالح الاحتمال أو المسلك الأول في تعريف (العبادات)، ومن ذلك:

(أ)- أن مقولة (الإله هو المعبود) تقتضي ألا تكون (الألوهية) صفة لله، تعالى وتقدس، وأنه ما كان إلاها في الأزل: وهذا كفر مجرد صريح. ولا منجى لأهل هذا المسلك بمقولة: (الإله هو المعبود بحق)؛ أو (الإله هو المستحق للعبادة) لأنها تقتضي أيضاً أن الله، جل جلاله، ما كان إلاها في الأزل، وهذا أيضاً كفر مجرد صريح، وتقتضي تكذيب القرآن؛

(ب)- ولأن هذا المسلك الثاني ما هو في ذاته إلا مكابرة للمحسوسات، ومخالفة لإجماع العقلاء من أصحاب شتى اللغات، وتكذيباً لترتيبه، جل جلاله، وسما مقامه، للعبادة على الألوهية، في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، (الأنبياء؛ 21: 25)؛ ولقوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾، (طه؛ 20: 14)؛

وثانياً: كما سنفصل بعضه، على وجه الخصوص، لكثير من الأفعال التي أسمتها الفرقة الوهابية، زوراً وبهتاناً، (عبادات)، فعلاً بعد فعل، في هذا الباب المخصص لـ(ماهية التقديس والشعائر التعبدية)؛

 

(3) الموقف الثالث: ــ إدخال (الإله) في تعريف (العبادة) كأن يقال مثلاً: (العبادة) هي كل ما يصرف لـ(الإله)؛ وفي نفس الوقت: إدخال (العبادة) في تعريف (الإله) كأن يقال مثلاً: (الإله) هو المعبود: فلا تعرف (العبادة) حتى يعرف (الإله)، وفي نفس الوقت لا يعرف (الإله) حتى تعرف (العبادة): هذا دور قبلي يؤدي إلى استحالة أي من التعريفين، فيبقى كل واحد منهما مجهولا غير معرَّف؛ وغاية ما يمكن الحصول عليه هو: (العبادة) هي (العبادة)، تحصيل حاصل فارغ لا معنى له، ولا محصول يرجى من ورائه؛ وكذلك، حرفاً بحرف: (الإله) هو (الإله). وهذا الدور تجده، خفياً، في كلام ابن تيمية، وبكثرة في كلام رجالات الفرقة الوهابية، خفياً؛ وكذلك جلياً، ولا عجب فالقوم مفلسون تماما في العلوم الآلية، كعلوم اللغة، والمنطق، والرياضيات، وسائر العلوم العقلية.

 

(4) الموقف الرابع: ــ فك الارتباط بين مفهوم (الإله) فيكون له تعريف مستقل عن أفعال العباد، وبين مفهوم (العبادة) بحيث تصنف أفعال معينة، من حيث هي بوصفها أفعالاً مجردة، على أنها عبادة لذاتها، وبغض النظر عن مضمون التصور ومحتوى الاعتقاد عند فاعلها حول من تصرف له، أو توجه إليه أو تتعلق به، تماماً كما هو في (الموقف الثاني). ويترتب على هذه، ضرورة ولا بد، أن (عبادة) غير الله لا تكون شركا إلا إذا كان ذلك (الغير) كائناً إلاهيا: وهذه مكابرة للحس والعقل ولفطرة واللغات، وتخطئة صريحة لتعبير القرآن، ونسبة العي والعجز عن صحيح العبارة إليه، أو التضليل والتلبيس للمخاطبين به، إذ جاء: ﴿ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ﴾، وكان حقه أن يقول: ﴿أَلاَّ تَعْبُدُواْ إلهاً إِلاَّ اللَّه﴾، عياذاً بالله. وهو أيضاً رد وتكذيب صريح للترتيب: ﴿إِنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أنا: فَاعْبُدُون﴾، وهذا لا يمكن إلا إذا كان القرآن ليس من عن الله: وحسبك بهذا كفراً. ولا أعلم أحداً في العالم اتخذ هذا الموقف، أو سلك هذا المسلك، هكذا صراحة وبون مواربة، وإنما هو فقط (الدور)، خفياً كان أو جلياً، المذكور تحت (الموقف الثالث).

 

وهذا (الدور الخفي) هو الذي تورط فيه المعلمي في تعريفه للعبادة، فوجد نفسه مضطراً لتصنيف (الآلهة) إلى صنفين، وحاول جاهداً أن يبقي (العبادة) شيئاً واحداً، لأن هذا ضروري لجعل عبادة غير الله شركاً مذموماً: فلم يفلح كما برهنا عليه في الباب السادس. وانتهى إلى خيارين أحلاهما مر: إما أن يضرب بتعريفه عرض الحائط، أو: يعرف العبادة تعريفاً مختلفاً: لكل نوع من أنواع الآلهة تعريف خاص للعبادة، وحينئذ يلزمه أن يقبل أن عبادة غير الله ربما تكون شركاً غير مذموم، وهذا يبطل القصد من البحث كلية، وينسف المذهب الوهابي على كل حال.

 

فرجع الأمر إلى الموقف الثاني: تقديم قائمة حصرية من (العبادات)، ومفردها: (عبادة)، بحيث تكون (العبادة)، المعرفة بالألف واللام أو بالإضافة أو بالجملة التامة، هي تلك القائمة، مثال لقائمة وهابية محتملة: (السجود، الركوع، الاستغاثة بالميت أو الغائب، الطواف بالقبر، سؤال ما لا يقدر عليه إلا الله، ... إلخ).

 

وهذا يتطلب إبطال كون كل واحدة من مفردات تلك القائمة (عبادة) يؤدي صرفها لغير الله إلى الشرك والكفر. ويكفي لذلك: إثبات أن (الشيء) المدرج في القائمة، لا يمكن أن يكون دوماً شركاً وكفراً إذا صرف غير الله.

.

وقبل الشروع في إبطال المقولات الوهابية التفريعية، مقولة بعد مقولة، نذكّر ببعض ما أسلفنا في هذا الكتاب من القواعد اليقينية المطلقة:

أولاً: للإيمان بها، والتقرب إلى الله بالإقرار بهذا الاعتقاد، والتسليم بمقتضاه، والاستسلام لله به، هذا أولاً، وقبل كل شيء؛

وثانياً: حتى تكون دوماً حاضرة في الذهن، جاهزة للتطبيق:

(1) - ما ثمّ إله مستحق لهذا الإسم حقيقة، وهو وحده أهل أن يعبد، في الوجود كله، أزلاً وأبداً، إلا الله. هذه حقيقة وجودية قاطعة، وهي حقيقة قرآنية قاطعة، وهي من المحكمَات، بل هي رأس المحكمَات، وأساس العقيدة الإسلامية، التي تحكم على كل مقولة أخرى، والتي يُرد إليها كل متشابه.

(2) - أن الله، جل وعلا، وإن كان هو صاحب السيادة، فهو السيد الكامل المطلق السيادة، والرب الكامل المطلق الربوبية، يحرِّم ما يشاء، ويُحِل ما يشاء، فقد أحل قديماً نكاح بعض المحارم كالأخوات، ثم حرّمه أخيراً، وأمر إبراهيم، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، بذبح ولده ثم نسخ الحكم قبل التنفيذ، وهكذا. إلا أنه جل شأنه، هو أيضاً «الحق المبين، القدّوس السلام»، فلا يأمر بما هو متناقض في ذاته، أو بما يتناقض مع كماله وجلاله وجماله و«قداسته»:

                        (أ) - فمن المحال الممتنع أن يقول: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾، ثم يقول: اتخذوا معي (أي: مع الله) إلهاً، أو بلفظ آخر: كذبوني في شهادتي بأني أنا، وفقط أنا، الإله الواحد، وما ثمَّ إله غيري في الوجود مطلقاً، حاشاه، تبارك وتقدس، من مثل هذا التناقض الباطل، وهو الله الحق المبين. فمن المحال أن يأمر الله بالشرك والكفر، وقد قال، تعالى ذكره، ذلك نصاً في القرآن: ﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾، ﴿ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون﴾، والله جل وعلا لا يشرّع إلا ما يحب ويرضى، فلا يريد إرادة شرعية دينية إلا ما يحبه ويرضاه، وإن كان يقع في الكون كثير وكثير مما لا يرضاه، بل يغضبه، بإرادته وإذنه التكويني القدري، لا رغماً عنه، وذلك لحكمة كونية قدرية بالغة.

                        (ب) - ومن المحال الممتنع أن يأمر بـ«الفاحشة» أصلاً، أي أن يجعلها فريضة واجبة، أو نافلة مستحبة، لا في شريعة سابقة، ولا في هذه الشريعة المباركة الخاتمة، من باب أولى. قال، تباركت أسماؤه، وتعالى ذكره: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ: إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ، أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾، (لأعراف؛ 8:28)، فهذا خبر يقيني صادق، أزلاً وأبداً، لا يتصور في العقل ما يناقضه، ولا يمكن نسخه لأن الأخبار لا تنسخ: (أنه، جل جلاله، لا يأمر بالفحشاء)، ولم يأمر بها قط في سابق الأزمنة في كوننا هذا، ولا في أي كون من الأكوان الممكنة. وقال، جل وعز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، (النور؛ 24::21)، ومن المحال الممتنع أن يأمر الله، الحق المبين، الملك القدوس السلام، تبارك وتعالى وتقدّس، بما يأمر به الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم، عدو الله!

                        (ج) - ومن المحال الممتنع أن يجعل الله، وهو الحق المبين، العقل والإرادة الحرة مناط التكليف، ثم يقول: خذوا البريء بجناية المجرم، أي أن يأمر بالظلم، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

 

كل ذلك، ونحوه من المحالات المنطقية العقلية، أو مما يناقض قداسة مقام الألوهية السامي الرفيع، لا يقع من الله، جل جلاله، وتقدست أسماؤه، أزلا وأبداً، لا لأنه في الأصل من المحالات الذاتية التي لا تتعلق بها القدرة، ولكن بموجب «القداسة»، و«القداسة» هي: الطهارة المطلقة، والسلامة من كل عيب ونقص، والتعالي فوق كل خسة ودناءة؛ حيث حرَّم الرب، جل جلاله وسما مقامه، ذلك على نفسه المقدسة، فصار لا يقع أزلاً وأبداً، كأنه من المحالات المنطقية العقلية، التي لا تتعلق بها القدرة، ولا فرق.

 

فصل: السجود ليس (عبادة)

فإذ تحرر هذا، فلعلنا الآن نشرع في إبطال المقولة الوهابية الكاذبة الزاعمة مثلاً بـ(أن السجود عبادة لمن سجد له، من حيث هو سجود مجرد، أي فعل مجرد، وذلك بغض النظر عن معتقد الساجد في المسجود له).

فنقول، بعون الله وتوفيقه: قد قام الدليل القاطع، من القرآن والسنّة المتواترة، الذي يكفر مُنكره، ويخرج من الإسلام بجحده: أن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم؛ فعلى قول الوهابيين، المتهافت الساقط، بـ(أن السجود من حيث هو سجود وفعل مجرد عبادة، بغض النظر عن محتوى الاعتقاد في الكائن المسجود له) يكون الله، تعالى وتقدس، قد أمر الملائكة بأن يعبدوا آدم، أي أن يتخذوا آدم مع الله إلها آخر، أي أمّرّ بالشرك والكفر،! فلينظر الوهابيون إلي أين ينتهي قولهم!

وثبت بالأدلة اليقينية القاطعة، من القرآن والسنّة المتواترة، التي يكفر منكرها ويخرج من الإسلام بجحدها، أن آل يعقوب خروا ليوسف سجداً، وعقَّب يوسف، عليه وعلى آبائه الصلاة والسلام، على ذلك بشكر الله الذي جعل رؤياه حقاً. أي بشكر الله على كفر وردة أهل بيته ومقارفتهم الشرك الأكبر، على مذهب الوهابيين المتناقض الساقط، الذي هو في حقيقته مذهب مهلك، ومقولة خبيثة، شنيعة النتائج والمآلات، كما سيظهر قريباً، إن شاء الله. ويعقوب، عليه الصلاة والسلام، كان قطعاً، أحد الساجدين، فهو المرموز له بالشمس في الرؤيا، فأصبح بذلك كافراً مرتداً، مضيعاً لما خصّه الله به من علم: ﴿وإنه لذو علم لما علمناه﴾، فتَعْساً لعلم محصوله الشرك والكفر. فمن كان هذا قوله في الله، وفي أنبياء الله، فقد والله كفانا مجرد الحديث معه.

 

نعم، سوف يقولون سريعاً: سجود الملائكة لآدم ليس سجود عبادة، وكذلك آل يعقوب ليوسف، وإنما هو سجود تكريم. فنقول: قد بطل إذاً قولكم: (أن السجود من حيث هو سجود وفعل مجرد عبادة)، فهناك سجود واحد على الأقل، ليس عبادة؛ فوجب تحرير: متى يكون السجود عبادة، ومتى لا يكون؟! فقولكم – معشر الوهابيين - قد بطل، على كل حال، وتمزق وتفكك، وسقط سقوطاً مدوياً، فانتهى أمره، وفُرغ منه.

 

وربما قلتم: بل السجود كان لله، وإنما كان آدم مجرد «قبلة» للسجود، تماماً كالكعبة. فنقول: هنيئاً لكم تكذيب الله ووصفه بالعي، والعجز عن التعبير: فهو يقول عن ملائكته المسبحين بحمده: ﴿وله يسجدون﴾، أي: لله يسجدون، بلفظ السجود متعدياً بحرف اللام «لـ»، تماما، ويستخدم عين اللفظ في أمره للملائكة: اسجدوا لآدم، متعدياً بحرف اللام «لـ»، ويقول آمراً: ﴿فاسجدوا لله واعبدوا﴾، وغير ذلك مما لا يحصى. فكأنه، جل وعلا، عجز أن يقول: (اسجدوا إلى آدم) أو (اسجدوا لي مستقبلين آدم)، أو (اتخذوا آدم قبلة في سجدة واحدة)، أو (وَلُّوا وُجُوهَكُم شَطْرَ آدم، واسجدوا)، أو كذب صراحة، تعالى وتقدس عن ذلك، أو مكر بنا فتعمّد تضليلنا والتلبيس علينا، سبحانك هذا بهتان عظيم. فإن كان ذلك قولكم فحسبكم اللحاق بالمجانين، أو بالكفار المشركين، ومن كان هذا قوله في ربه فقد كفانا مؤنة الرد عليه، والحمد لله رب العالمين!

 

وقد حاول بعض الوهابيين الإفلات من الإشكالية بزعم أن سجود الملائكة لآدم، وسجود آل يعقوب ليوسف، لم يكن بوضع جبهة على الأرض، وإنما كان انحناءً، ليس إلا.

قلت: وهذا، إذا أحسنا الظن، طرفة تضحك الثكلى، بل هو أعجوبة الدهر. نعم: ليس للملائكة، والله أعلم، جباه يسجد عليها، لأنهم ليسوا من لحم ودم وعظم، ولكن ما الذي جعل لهم ظهوراً وفقاراً تنحني؟!

ثم إن الذي أحاط بهم، وبكيفية خلقهم، وباللغة العربية، وأحاط بكل شيء علماً، جل ذكره، عبر عنه في كتابه الحكيم، بلسان عربي مبين، بلفظة «السجود» فكيف جعلتموه «انحناءً»؟! هذا تكذيب صريح لكلام الله، أو نسبة العي وسوء التعبير إلى مقام الله، وكفى بذلك بهتاناً وكفراً!

 

هذه الشبهة السخيفة المضحكة قد تكون عذركم في هذا الهراء الباطل بالنسبة للملائكة، وهي ليست مقولة سخيفة باطلة فحسب، بل هي في حقيقتها مقولة من مقولات الكفر، لا يصر عليها بعد البيان، وقيام الحجة إلا كافر، فما هو العذر يا ترى بالنسبة لآل يعقوب، وهم بشر من لحم ودم وعظم، لهم رؤوس وجباه وظهور وفقار؟!

 

ثم ما الذي جعل السجود والركوع عبادة، أما الانحناء فليس عبادة، وأنتم تقولون أيضاً: أن الركوع عبادة، والركوع ما هو إلا نوع مخصوص من أنواع الانحناء؛ فما هو حد الانحناء المسموح به بزعمكم (لأنه ليس عبادة): 10 درجة زاوية، 20 درجة زاوية؟! ولماذا لا توقفون عند كل إنسان مسلم ينحني من يقيس زاويته (بفرجار أو اسطرلاب؟!) فيقوم بتنبيهه إلى اقترابه من الزاوية «الحرجة»، حتى لا يخرج من الإسلام إلى الكفر؟!

 

ثم لو تواقحتم وذكرتم زاوية معينة على أنها حد لذلك، طلبنا منكم البرهان العقلي والشرعي على ذلك، ولا سبيل لكم إلى شيء من ذلك أبد الدهر، فإن كابرتم وتحكمتم وذكرتم حداً من عند أنفسكم زدناكم عليه شيئاً يسيراً جداً (واحد على ألف من الدرجة مثلاً) شيئاً فشيئاً حتى يصبح الانحناء ركوعاً فتتركوا قولكم في الركوع، أو حتى تتركوا هذا القول الخبيث جملة، أو حتى تلحقوا بالمجانين!

 

وكذلك سجد معاذ بن جبل ـ وهو من أكابر الصحابة، ومن أعلمهم بالحلال والحرام، والإسلام والكفر ـ للنبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بعد رجوعه من الشام سجود إجلال وتكريم، فما زاد النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في الانكار عليه على أن قال: (ما هذا يا معاذ؟!)، إن سلَّمنا جدلاً أن هذا إنكار، وليس تساؤلاً محضاً، وإليك أصح رواية، وأتمها لفظاً:

* كما جاءت في كشف الأستار عن زوائد البزار (2/ 175/1461): [حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَوْفٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ مِنْ بَنِي مُرَّةَ بْنِ هَمَّامٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، أَنَّهُ أَتَى الشَّامَ فَرَأَى النَّصَارَى يَسْجُدُونَ لأَسَاقِفَتِهِمْ وَبَطَارِقَتِهِمْ وَرُهْبَانِهِمْ، وَرَأَى الْيَهُودَ يَسْجُدُونَ لأَحْبَارِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ وَفُقَهَائِهِمْ، فَقَالَ: لأَيِّ شَيْءٍ تَفْعَلُونَ هَذَا؟ قَالُوا: هَذهِ تَحِيَّةُ الأَنْبِيَاءِ، قُلْنَا: فَنَحْنُ أَحَقُّ أَنْ نَصْنَعَ بِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَجَدَ لَهُ، فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا مُعَاذُ؟» فَقَالَ: إِنِّي أَتَيْتُ الشَّامَ، فَرَأَيْتُ النَّصَارَى يَسْجُدُونَ لأَسَاقِفَتِهِمْ وَقِسِّيسِهِمْ وَرُهْبَانِهِمْ وَبَطَارِقَتِهِمْ، وَرَأَيْتُ الْيَهُودَ يَسْجُدُونَ لأَحْبَارِهِمْ وَفُقَهَائِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ، فَقُلْتُ: لأَيِّ شَيْءٍ تَصْنَعُونَ هَذَا؟ (أَوْ تَفْعَلُونَ هَذَا؟) قَالُوا: هَذهِ تَحِيَّةُ الأَنْبِيَاءِ، قُلْتُ: فَنَحْنُ أَحَقُّ أَنْ نَصْنَعَ بِنَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّهُمْ كَذَبُوا عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ كَمَا حَرَّفُوا كِتَابَهُمْ، لَوْ أَمَرْتُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لأَحَدٍ، لأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا مِنْ عِظَمِ حَقِّهِ، وَلا تَجِدُ امْرَأَةٌ حَلاوَةَ الإِيمَانِ حَتَّى تُؤَدِّيَ حَقَّ زَوْجِهَا وَلَوْ سَأَلَهَا نَفْسَهَا وَهِيَ عَلَى ظَهْرِ قَتْبٍ»]؛ وأخرجها الحاكم في مستدركه (ج4/ص190/ح7325): [أخبرنا أبو عبد الله محمّد بن عبد الله الصفار حدثنا أحمد بن مهدي بن رستم الأصفهاني حدثنا معاذ بن هشام الدستوائي به]، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)، قلت: هذا غايته أن يكون على شرط مسلم، وقد ناقشنا مشكلة اضطراب الإسناد المزعومة في الملحق مناقشة مستفيضة.

ــ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج4/ص381/ح19423) بلفظ أتم: [حَدَّثَنَا عَلِيٌّ (هو ابن المديني) حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَوْفٍ، رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، أَحَدِ بَنِي مُرَّةَ بْنِ هَمَّامٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: إِنَّهُ أَتَى الشَّامَ، فَرَأَى النَّصَارَى: فَذَكَرَ مَعْنَاهُ؛ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: فَقُلْتُ: لِأَيِّ شَيْءٍ تَصْنَعُونَ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا كَانَ تَحِيَّةَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَنَا، فَقُلْتُ: نَحْنُ أَحَقُّ أَنْ نَصْنَعَ هَذَا بِنَبِيِّنَا. فَقَالَ: نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّهُمْ كَذَبُوا عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ كَمَا حَرَّفُوا كِتَابَهُمْ، إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَبْدَلَنَا خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ السَّلَامَ: تَحِيَّةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ)].

 

وفي الملحق عدة أحاديث في هذا الباب (باب السجود لغير الله)، قد أشبعناها درساً بأسانيدها دراسة متشددة، منها ثلاث صحاح، إن شاء الله، لا أشك في صحتها: حديث معاذ آنف الذكر، وحديث قيس بن سعد بن عبادة، وحديث أبي هريرة. وهناك روايات: ليست أسانيدها بتلك الدرجة عن ستة من الصحابة، رضوان الله وسلامه عليهم، هم: عائشة، وأنس بن مالك، وسراقة بن مالك، وجابر بن عبد الله، وبريدة، وغيلان بن سلمة، رضوان الله وسلامه عليهم؛ فهذا نقل تواتر، يجب القطع به، ولا تحل مخالفته أو إهماله.

 

وقد حاول البعض، ومنهم الشيخ عبد القادر شيبة الحمد، رد الأحاديث المذكورة أعلاه «دراية»، بالرغم من ثبوتها «رواية»، بدعوى أن السجود لغير الله شرك. قلت: هذه مصادرة على المطلوب، فضلاً عن كونها في ذاتها زعم باطل، إذ لا مخلص لهؤلاء من إشكالية سجود الملائكة لآدم، وسجود ال يعقوب ليوسف، وقد سلفت مناقشتها، وبيّنا بالدليل القاطع أنها تفيد أن السجود من حيث هو فعل مجرد، ليس عبادة ومن المحال الممتنع عقلاً وشرعاً أن يكون عبادة. ولا سبيل لرد ذلك «دراية» إلا بتكذيب القرآن، فهنيئاً للشيخ عبد القادر شيبة الحمد على هكذا (دراية)!

 

فمعاذ بن جبل، وهو من العلماء الراسخين، رضي الله عنه، من أعلم الناس بالتوحيد والشرك، وبما هو عبادة وما ليس كذلك، فأقره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على ذلك الفهم، أي فهم معنى «العِبَادة»، مع إنكاره للفعل، إنكاراً خفيفاً لم يزد فيه على تساؤله: ((ما هذا يا معاذ؟!))، إن صح أن هذا إنكار أصلاً؛ وبين أن الشرع الإسلامي حكم بقصر السجود لله سبحانه وتعالى، حتى لو كان تكريمًا أو إجلالاً أو تحية، ولم يكن «عبادة»، ذلك لأن وجوب إفراد الله ـ سبحانه وتعالى ـ بالعبادة أمر معلوم لمن هو أقل من معاذ بن جبل علماً وفضلاً، وقد استقر في علم الصحابة استقرارًا تاماً في عهدهم المكي، فلا توجد حاجة ها هنا للتنبيه عليه في العهد المدني إلا قليلاِ، لا سيما بالنسبة لفقهاء الصحابة وعلمائهم، من أمثال معاذ.

 

ولو كان فعل معاذ شركاً أو كفراً، لبين النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ذلك، وسماه باسمه، وأنكره، كما حدث في قصة ذات الأنواط، التي اشتد فيها إنكار النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، على طائفة من أصحابه، كانوا حديثي عهد بالكفر والجاهلية، وأغلظ فيها لهم القول: «قلتم كما قيل لموسى: (اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة)»، أو كما قال بأبي هو وأمي. وهذا الإنكار كان متعيناً ساعة وقوع الجريمة، لأنه وقت الحاجة إلى البيان، ولا يجوز لله ورسوله تأخير البيان عن وقت حاجته، حاشا لله أن يخلف وعده: ﴿ثم إن علينا بيانه﴾!

 

وعلى تتبعنا لطرق وألفاظ قصة معاذ بن جبل، رضي الله عنه، هذه، كما هو في الملحق، والقصص المماثلة: قصة قيس بن سعد بن عبادة، وسجود البعير للنبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقصة الأعرابي، ونحوها، بشتى طرقها وألفاظها، كما سنذكر طرفاً منها في الملحق، لم نجد في شيء من ذلك، صحيحاً كان أو ضعيفاً، أو حتى موضوعاً، أن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، سمّى فعل معاذ شركاً أو كفراً، أو قال له: جعلتني رباً، أو إلهاً، أو قال: عبدتني من دون الله، أو جعلتني لله نداً، أو نحواً من ذلك، أو قريباً منه، أو لفظاً مشابهاً في الحكم، مع أنه، وهو أفصح العرب وقد أوتي جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصاراً، قال نحو ذلك في مناسبات كثيرة:

ــ كقوله: «جعلت لله نداً؟! ما شاء الله وحده»!، منتهراً ذلك الرجل الذي قال: (ما شاء الله وشئت)، كما أخرجه الإمام البخاري في الأدب المفرد (ج1/ص274/ح783) بإسناد صحيح: [حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا سفيان عن الأجلح عن يزيد بن الأصم عن بن عباس قال رجل للنبي، صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت، قال: (جعلت لله ندا، ما شاء الله وحده)]؛ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج1/ص214/ح1839، ج1/ص283/ح2561، ج1/ص347/ح3247؛ والطبراني في معجمه الكبير ج12/ص244/ح13005، ج12/ص244/ح13006؛ والبيهقي في سننه الكبرى ج3/ص217/ح5603؛ والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه ج6/ص74/ح29573؛ وغيرهم. والحق أن هذا اللفظ إنما هو شرك لفظي، كما سيأتي محرراً هو وما شابهه في بابه من القسم الثالث لهذا الكتاب (التوحيد - الآداب والفروع)، وهو في الصحيح الأرجح مكروه، وليس حتى بحرام: والأرجح أنه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، جاءه الوحي، أو استشعر من هذا الرجل المعين تعظيما مفرطاُ، أو خللاً اعتقادياً، لذلك كان الانتهار؛

ــ ولا قال غاضباً: «هذا كما قال قوم موسى: ﴿اجعل لنا إلها كما لهم آلهة﴾»، كما أخرجه الإمام الترمذي، في سننه (ج4/ص475/ح2180)، حيث قال: [حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي حدثنا سفيان عن الزهري عن سنان بن أبي سنان عن أبي واقد الليثي أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لما خرج إلى حنين، مر بشجرة للمشركين يقال لها ذات أنواط يعلقون عليها أسلحتهم فقالوا: (يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط)، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله: هذا كما قال قوم موسى: ﴿اجعل لنا إلها كما لهم آلهة﴾! والذي نفسي بيده لتركبن سنّة من كان قبلكم»، وقال أبو عيسى معقباً: (هذا حديث حسن صحيح؛ وأبو واقد الليثي اسمه الحارث بن عوف وفي الباب عن أبي سعيد وأبي هريرة)]، قلت هذا إسناد في غاية الصحة، وقد أخرجه ابن حبان في صحيحه ج15/ص95/ح6702؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج5/ص218/ح21947، ج5/ص218/ح21950، ج5/ص218/ح21952؛ والطيالسي في مسنده ج1/ص191/ح1346؛ والحميدي في مسنده ج2/ص375/ح848؛ والطبراني في معجمه الكبير ج3/ص244/ح3291، ج3/ص244/ح3292، ج3/ص244/ح3293، ج3/ص245/ح3294؛ وابن حنبل في فضائل الصحابة ج2/ص726/ح1245؛ وأبو يعلى في مسنده ج3/ص31/ح1441؛ والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه ج7/ص479/ح37375؛ وغيرهم بأسانيد أكثرها في غاية الصحة. وقد أشبعنا قصة (ذات أنواط) في فصل مستقل، في باب سابق؛

ــ ولا أمره بالتلفظ بالشهادتين، ولا بغير ذلك من الكفارات، كما أمر من سبقه لسانه فحلف باللات والعزى، كعادتهم في الجاهلية: أمره بأن يقول: (لا إله إلا الله)؛ وأن يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

* كما أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج1/ص183/ح1590) بإسناد متصل صحيح: [حدثنا يحيى بن آدم حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن مصعب بن سعد عن أبيه قال حلفت باللات والعزى فقال أصحابي قد قلت هُجْرا فأتيت النبي، صلى الله عليه وسلم، فقلت ان العهد كان قريبا وإني حلفت باللات والعزى فقال الرسول، صلى الله عليه وسلم، قل: (لا إله الا الله وحده، ثلاثا؛ ثم انفث عن يسارك ثلاثا؛ وتعوذ؛ ولا تعد]]؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج1/ص187/ح2022): [حدثنا حجين بن المثنى وأبو سعيد قالا حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق (قال أبو سعيد قال: حدثنا أبو إسحاق) به]؛ وأخرجه ابن ماجه في سننه (ج1/ص678/ح2097): [حدثنا علي بن محمد والحسن بن علي الخلال قالا: حدثنا يحيى بن آدم به]؛ وابن حبان في صحيحه (ج10/ص207/ح4364): [أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا يحيى بن آدم به]؛ وابن حبان في صحيحه (ج10/ص208/ح4365): [أخبرنا أبو يعلى قال حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني قال حدثنا عبيد الله بن موسى حدثنا إسرائيل يه]؛ وأبو يعلى في مسنده (ج2/ص75/ح719): [حدثنا زهير حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي حدثنا إسرائيل به]؛ وأبو يعلى في مسنده (ج2/ص85/ح736): [حدثنا موسى بن حيان حدثنا سلم بن قتيبة حدثنا إسرائيل به]؛ وهو في مصنف ابن أبي شيبة (ج3/ص79/ح12290): [حدثنا عبيد الله قال: أنبأنا إسرائيل يه]؛ وغيرهم؛ ولا خوف من تدليس أبي إسحاق فقد جاء تصريحه بالسماع في طرق أخرى، كما أنه معروف بالرواية عن مصعب بن سعد، مكثر عنه؛

ــ وأخرجه الإمام النسائي في سننه (ج7/ص8/ح3776) بإسناد متصل صحيح: [أخبرنا أبو داود الحراني قال حدثنا الحسن بن محمد (وهو بن أعين: ثقة) قال حدثنا زهير قال حدثنا أبو إسحاق عن مصعب بن سعد عن أبيه قال كنا نذكر بعض الأمر وأنا حديث عهد بالجاهلية فحلفت باللات والعزى فقال لي أصحاب رسول الله: (بئس ما قلت: ائت رسول الله فأخبره، فإنا لا نراك إلا قد كفرت)؛ فأتيته فأخبرته فقال لي: (قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ثلاث مرات؛ وتعوذ بالله من الشيطان ثلاث مرات؛ واتفل عن يسارك ثلاث مرات؛ ولا تعد له)]؛ وأخرجه النسائي في سننه الكبرى (ج3/ص125/ح4717)، (ج6/ص246/ح10827)؛

ــ وأخرجه الإمام النسائي في سننه (ج7/ص8/ح3777)، وفي سننه الكبرى (ج3/ص126/ح4718) بأسانيد حسان: [أخبرنا عبد الحميد بن محمد قال حدثنا مخلد قال حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبيه قال حدثني مصعب بن سعد عن أبيه قال حلفت باللات والعزى فقال لي أصحابي بئس ما قلت، قلت هجرا فأتيت رسول الله فذكرت ذلك له فقال: (قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) وانفث عن يسارك ثلاثا وتعوذ بالله من الشيطان ثم لا تعد]؛ والنسائي في سننه الكبرى (ج6/ص474/ح11545): [أخبرنا أحمد بن بكار وعبد الحميد بن محمد قالا حدثنا مخلد بعينه]؛ وأخرجه النسائي في سننه الكبرى (ج6/ص245/ح10826): [أخبرني أحمد بن بكار قال حدثنا مخلد بعينه]؛ وغيره.

 

* وأيضاً أخرج الإمام البخاري في صحيحه (ج5/ص2321/ح5942): [حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن بن شهاب قال أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: قال رسول الله من حلف منكم فقال في حلفه باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله؛ ومن قال لصاحبه تعال أقامرك فليتصدق]؛ ــ وأخرجه البخاري بعينه في الأدب المفرد (ج1/ص432/ح1262)؛ وأخرجه الإمام البخاري في صحيحه (ج4/ص1841/ح4579): [حدثنا عبد الله بن محمد أخبرنا هشام بن يوسف أخبرنا معمر عن الزهري]، و(ج5/ص2265/ح5756): [حدثني إسحاق أخبرنا أبو المغيرة حدثنا الأوزاعي حدثنا الزهري]، و(ج6/ص2450/ح6274): [حدثني عبد الله بن محمد حدثنا هشام بن يوسف أخبرنا معمر عن الزهري]؛ وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه (ج3/ص1268/ح2047): [حدثني أبو الطاهر حدثنا بن وهب عن يونس (ح) وحدثني حرملة بن يحيى أخبرنا بن وهب أخبرني يونس عن بن شهاب أخبرني حميد بن عبد الرحمن بن عوف به]؛ والنسائي في سننه (ج7/ص7/ح3775)، وفي سننه الكبرى (ج3/ص125/ح4720): [أخبرنا كثير بن عبيد قال حدثنا محمد بن حرب عن الزبيدي عن الزهري]؛ وابن خزيمة في صحيحه (ج1/ص29/ح45): [أخبرنا أبو طاهر حدثنا أبو بكر حدثنا محمد بن يحيى حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر]؛ والترمذي في سننه (ج4/ص117/ح1545): [حدثنا إسحاق بن منصور حدثنا أبو المغيرة حدثنا الأوزاعي حدثنا الزهري]، وقال أبو عيسى: (هذا حديث حسن صحيح؛ وأبو المغيرة هو الخولاني الحمصي واسمه عبد القدوس بن الحجاج)؛ وأبو داود في سننه (ج3/ص222/ح3247): [حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري]؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج2/ص309/ح8073): [حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري]؛ والنسائي في سننه الكبرى (ج6/ص246/ح10828)، و(ج6/ص474/ح11546): [أخبرنا أحمد بن سليمان قال حدثنا مسكين بن بكير قال حدثنا الأوزاعي قال حدثني الزهري]، و(ج6/ص246/ح10829): [أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قال أخبرني بن وهب قال أخبرني يونس عن بن شهاب]؛ والبيهقي في سننه الكبرى (ج1/ص149/ح666): [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو عبد الله إسحاق بن محمد بن يوسف السوسي قالا حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن عوف الطائي حدثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج حدثنا الأوزاعي عن الزهري]، و(ج1/ص149/ح667): [أخبرناه أبو سعيد محمد بن موسى حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا الربيع بن سليمان أخبرنا الشافعي أخبرنا إبراهيم يعني بن سعد عن بن شهاب]، و(ج10/ص30/ح19618): [أخبرنا أبو الحسين بن بشران ببغداد حدثنا أبو الحسين عبد الصمد بن علي بن محمد بن مكرم حدثنا عبيد بن عبد الواحد حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن بن شهاب]؛ وغيرهم.

 

بل هو، بأبي هو وأمي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قد قال نصاً: «لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها»، نعم: هذا تقدير امتناع لامتناع، ولكن هل يتصور أن يكون الشرك والكفر مأموراً به أصلاً، وقد بينا أن الله محال عليه أن يرضى بالشرك والكفر، أو أن يأمر بهما؟! أعجز نبي الله الخاتم، أفصح العرب، الذي أوتي جوامع الكلم، واختصر له الكلام اختصاراً، أن يقول مثلاً: (لولا أن السجود لغير الله شرك (أو كفر) لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)؟!

 

لذلك لا بد من الحكم القاطع بالبطلان على قولكم – معشر الوهابيين – بصفة عامة؛ وبطلان القول الشنيع الذي تفوه به المدعو/علي الحلبي، تلميذ الألباني، تعقيباً على قصة معاذ آنفة الذكر: «... فلم يكفره الرسول، صلى الله عليه وسلم، وبين له أن هذا كفر، وأنه لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد»، قاله في مقابلة مع مجلة «الهدْيُ النبوي» في الصفحة الرابعة والعشرين من عددها التاسع (رمضان 1417هـ)!

 

نعم، والله، أنكر، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، فعل معاذ، وإن كان إنكاراً خفيفاً، وبيَّن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أنه لو كان آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمر المرأة أن تسجد لزوجها»! إي، وربي، لم يكفّره الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل ولم يفسّقه، أو يؤثّمه، أو يأمره بكفارة، أو باستغفار!

 

فهل عجز النبي، المعصوم، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، عن وصف ذلك الفعل بالكفر أو الشرك؟! أو أن يقول له: جعلتني رباً أو إلهاً، أو يقول: عبدتني من دون الله، أو جعلتني لله نداً، أو نحواً من ذلك، أو قريباً منه، أو لفظاً مشابهاً في الحكم؟! فلعله تركها لـ«العبقري» الحلبي يستدركها عليه في دبر الزمن وأواخره؟! حاشا لله!!

 

نعم، والله، ما قال، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، قط: «لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد»، كما افتراها الحلبي الكذاب بخياله الجامح؛ وإنما قال فقط: «لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا؛ وَلَا تُؤَدِّي الْمَرْأَةُ حَقَّ زَوْجِهَا حَتَّى لَوْ سَأَلَهَا نَفْسَهَا عَلَى قَتَبٍ لَأَعْطَتْهُ» كما جاء نصاً في أصح رواية. ولكنه الفكر التافه المنحط السقيم، والفهم السطحي البليد لكلام الله ورسوله، وهذا هو المتوقع من أمثال الحلبي وغيره من دجاجلة (السلفية العلمية)، المعروفين بتفاهة الرأي وضحالته، وبمعاداة الفكر ورفضه؛ بل باتباع الهوى، وعدم التورع عن الكذب وتحريف الألفاظ والنصوص؛ أو هو، عياذاً بالله، الكفر والتقديم بين يدي الله ورسوله!!

 

وحتى لو سلمنا جدلاً بأن معاذًا لم يسجد، كما يزعم بعض المشككين في صحة هذه الجزئية من الرواية، وإنما فكَّر في ذلك فقط، وسأل عنه النبي، حيث قال: (يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ أَهْلَ الْكِتَابِ يَسْجُدُونَ لِأَسَاقِفَتِهِمْ وَبَطَارِقَتِهِمْ؟ أَفَلَا نَسْجُدُ لَكَ؟)، كما جاء في طريق صحيحة أخرى، ولكنها مختصرة، لم يرد فيها النص صراحة على أنه سجد بالفعل، وكذلك ليس فيها التصريح بأنه فقط فكَّر وسأل، ولم يسجد:

* كما أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (ج5/ص208/ح5120) مختصراً بإسناد صحيح: [حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، أَنَّ مُعَاذًا قَالَ: (يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ أَهْلَ الْكِتَابِ يَسْجُدُونَ لِأَسَاقِفَتِهِمْ وَبَطَارِقَتِهِمْ؟ أَفَلَا نَسْجُدُ لَكَ؟)؛ قَالَ: «لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا، وَلَا تُؤَدِّي الْمَرْأَةُ حَقَّ زَوْجِهَا حَتَّى لَوْ سَأَلَهَا نَفْسَهَا عَلَى قَتَبٍ لَأَعْطَتْهُ»].

وكما هو الحال كذلك في قصة قيس بن سعد بن عبادة، رضي الله عنهما:

* فقد أخرج أبو داود في سننه (ج2/ص244/ح2140) مثلها عن قيس بن سعد: [حدثنا عمرو بن عون أخبرنا إسحاق بن يوسف عن شريك عن حصين عن الشعبي عن قيس بن سعد قال: (أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم) فقلت: (رسول الله أحق أن يسجد له)، قال: (فأتيت النبي، صلى الله عليه وسلم، فقلت: إني أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فأنت، يا رسول الله، أحق أن نسجد لك؟!)، قال: (أرأيت لو مررت بقبري أكنت تسجد له؟!)، قال: (قلت: لا!)، قال: (فلا تفعلوا، لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن لما جعل الله لهم عليهن من الحق)]؛ وأخرجه الحاكم في مستدركه (ج2/ص204/ح2763): [حدثنا محمّد بن صالح بن هانئ حدثنا الفضل بن محمّد بن المسيب حدثنا عمرو بن عون حدثنا شريك به]، ثم قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)، قلت: هذا إسناد حسن للكلام في شريك القاضي، ولكن الحديث صحيح بالمتابعة التي ستأتي عند البيهقي؛ وأخرجه الطبراني في معجمه الكبير (ج18/ص352/ح895): [حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا عمرو بن عون الواسطي حدثنا إسحاق الأزرق عن شريك بنحوه]؛ وابن أبي عاصم عمرو الشيباني في الآحاد والمثاني (ج4/ص74/ح2023): [حدثني إسماعيل بن هود حدثنا إسحاق الأزرق حدثنا شريك بنحوه]؛ وأخرج البيهقي في سننه الكبرى (ج7/ص291/ح14482) متابعة لشريك: [أخبرنا محمّد بن محمّد بن محمش الزيادي، أنا أبو بكر محمّد الحسين القطان حدثنا أحمد بن يوسف السلمي، حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكر النخعي، حدثني أبي، حدثنا حصين بن عبد الرحمن السلمي عن عامر الشعبي عن قيس قال: قدمت الحيرة فرأيت أهلها يسجدون لمرزبان لهم فقلت: نحن كنا أحق أن نسجد لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلما قدمت عليه أخبرته بالذي رأيت قلت: نحن كنا أحق أن نسجد لك، فقال: لا تفعلوا، أرأيت لو مررت بقبري أكنت ساجدا؟ قلت: لا، قال: فلا تفعلوا، فإني لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن لما جعل الله من حقهم عليهن].

 

فحتى لو سلمنا جدلاً بذلك؛ وسلمنا جدلاً أن السجود بذاته، من حيث هو فعل مجرد، عبادة، وفعله لغير الله شرك، كما يزعمون، لما خفي هذا على معاذ بن جبل، وهو من أئمة العلماء يوم القيامة، ولما خطر في باله أن يسأل النبي عن ذلك؛ وكذلك الحال بالنسبة لقيس بن سعد، وإن كان دون معاذ في العلم، إلا أنه مثله في طول الصحبة، والسبق إلى النصرة؛ وكلاهما راسخ القدم في الإسلام، بعيد عهد بالشرك.

 ولو كان السجود عبادة بذاته، وفعله لغير الله شرك، كما يزعمون، لاشتد نكيره، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، على ذلك؛ ولكن الحق الثابت أنه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ما زاد على أن قال: (لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن لما جعل الله لهم عليهن من الحق)؛ وربما قال: (فلا تفعلوا)، إذا ثبتت هذه العبارة.

 

وها هو الإمام ابن كثير ينص أثناء الكلام على قوله، تعالى ذكره: ﴿وخروا لهُ سجداً﴾، على أن السجود لغير الله: [كان هذا سائغاً في شرائعهم إذا سلّموا على الكبير يسجدون له، لم يزل هذا جائزاً من لدن آدم عليه السلام إلى شريعة عيسى عليه السلام، فحرم هذا في هذه الملة، (أي ملة محمّد، صلى الله عليه وسلم)، وجعل السجود مختصاً بجناب الرب سبحانه وتعالى]، كما هو في (صفحة 645 من المجلد الثاني من «تفسير ابن كثير»). فقد صرح الإمام أنه كان مباحاً، ولكنه ما قال قط أنه انقلب شركاً وكفراً كما تزعمون؟! نعم: هو عند الإمام ابن كثير حرام في شريعتنا، كالسرقة والزنا، وهذه ليست شركاً وكفراً إلا في حق من جحد حكمها أو استحلها، بموجب الجحد والاستحلال، ولكن ليس بوصفها عملاً مجرداً؛ وربما نازعه جمع من الفقهاء حتى في قطعية هذه الحرمة، وقال فقط بالكراهة.

 

ولعلنا لا ننتقل من هذا الفصل إلا بعد مناقشة هذه الإشكالية العجيبة:

* التي جاءت في آثار (الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي اليماني) - (3/746): [قال ابن حجرٍ الهيتميُّ في كتابه "الإعلام بقواطع الإِسلام": ((واستشكل العزُّ بن عبد السلام الفرقَ بين السجود للصنم وبين ما لو سجد الولد لوالده على جهة التعظيم حيث لا يكفر، والسجود للوالد كما يُقْصَد به التقرُّب إلى الله تعالى كذلك قد يُقْصَد بالسجود للصنم، كما قال تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، (الزمر: 3]، ولا يمكن أن يُقال: إن الله شرع ذلك في حقِّ العلماء والآباء دون الأصنام)). قال القرافيُّ في "قواعده": كان الشيخ يستشكل هذا المقام، ويُعْظِم الإشكالَ فيه. ونقل هذا الإشكال الزركشيُّ وغيرُه ولم يجيبوا عنه. ويُمكِن أن يُجاب عنه بأن الوالد وردت الشريعة بتعظيمه، بل ورد شرعُ غيرِنا بالسجود للوالد، كما في قوله تعالى: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: 100]: ... فكان شبهةً دارئةً لكفر فاعله". أقول (يعني المعلمي نفسه): في هذا غفلةٌ؛ فإن الآية ليس فيها السجود للوالد، وإنما هي في سجود إخوة يوسف وأبويه له. نعم؛ يمكن أخذ السجود للوالد منها من باب أولى، وذُكِر في السجود للعالِم أنه ثبت لجنسه في غير شرعنا، وذلك في سجود الملائكة لآدم]؛

فأقول: ليس ثمة إشكالية أصلاً في مذهبنا الذي أصلناه بالأدلة اليقينية: لأن السجود للصنم (عبادة)، أي واحدة من الأفعال المشمولة بلفظة: (نَعْبُدُهُمْ)، وهذا مسبوق لا محالة باعتقاد شيء من (الألوهية) في (الصنم)، كما فصلناه في الكلام عن الأوثان والأصنام، وبغض النظر عن ماهية ذلك [الشيء من (الألوهية)] الذي اعتقده الساجد في (الصنم)؛ وهو في حالة هذه الآية المخصوصة كون الكائن الإلاهي - الذي قام (الصنم) مقامه - (ولد) من أولاد الله، تعالى ربنا وتقدس لأن السياق التام يقول: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ؛ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ * لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَّاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾، (الزمر؛ 39: 1 - 4)؛ وسنعود لهذه الآية بشرح ودراسة مفصلة في فصل مستقل، سيأتي إن شاء الله.

 

وإليك حل الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي لهذه الإشكالية:

* فقد جاء في آثار (الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي اليماني) - (3/747): [فالحقُّ أن إطلاق علماء المذهب أن السجود للأبوين ونحوهما لا يكون ردَّةً محمولٌ على ما إذا سجد لهما غيرَ متديِّنٍ بالسجود ولا زاعمٍ أنه يفيده نفعًا غيبيًّا، بل سجد بجاذبٍ طَبَعِيٍّ أو عاديٍّ أو غرضٍ، كمَن يسجد لسلطانٍ ليؤمِّره أو يصلَه بمالٍ أو نحو ذلك، فهذا لا مشابهة فيه لسجود المشركين لآلهتهم (*) كما لا يخفى، فأما مَن سجد لأبويه تديُّنًا يطلب به نفعًا غيبيًّا فهذا هو عمل المشركين سواءً]؛

ــ وسارع المحقق بالتهميش قائلاً في نفس الصفحة: [(*) سبق في تعريف العبادة (ص 733 - 734) أنه لا يُشترط في السجود للصنم طلب نفعٍ غيبِيًّ، بل لو سجد له عِنادًا أو طمعًا في نفع دنيويًّ كمَن يُجْعَلُ له مال عظيم على أن يسجد لصنمٍ، ومثلُه إذا سجد له هزلاً ولعبًا كل ذلك يرتدّ به الشخص، والفقهاء يثبتون الردّة بذلك كما هو نصُّ كلامه. ويظهر أنَّ المؤلَّف لا ينظر إلى ذات السجود، بل إلى المسجود له، فيفرِّق بين الصنم الذي من شأن عابديه أن يطلبوا بذلك نفعًا غيبيًّا وبين الملِكِ من بني آدم الذي لم تجر العادة بالسجود له طلبًا لنفعٍ غيبِيًّ، فَشَرَطَ في تكفير الساجد للمِلك أن يطلب بذلك نفعًا غيبيًّا ولم يشترط ذلك في السجود للصنم]؛

 

واستمر العلامة المعلمي (3/748): [ومما يدلُّ على هذه التفرقة ما نقله ابن حجرٍ الهيتميُّ في كتابه المذكور عن الروضة (روضة الطالبين 1/326)، ولفظه: "وليس من هذا ما يفعله كثيرون من الجهلة الظالمين من السجود بين يدي المشايخ؛ فإن ذلك حرامٌ قطعًا بكلِّ حالٍ، سواءٌ أكان للقبلة أو لغيرها، وسواءٌ قصد السجود لله أو غفل. وفي بعض صوره ما يقتضي الكفر، عافانا الله من ذلك" اهـ. فأما سجود الملائكة لآدم، وسجود آل يعقوب ليوسف، فذاك طاعةٌ لله عزَّ وجلَّ كان عندهم بذلك من الله سلطانٌ. فإن قلت: وكيف يكون الشيء كفرًا وقد كان مثلُه إيمانًا؟

قلت: ليس السجود للمخلوق بأمرٍ واحدٍ، بل ثلاثة أمور: إن أنزل الله به سلطانًا كان إيمانًا. وإن لم ينزل به؛ فإن لم يقصد به التديُّن كان معصيةً، وإن قصد به التديُّن كان كذبًا على الله تعالى وشركًا]، انتهى؛

 

فنقول: أرأيت حجم التخبط والارتباك الناشئ من الجهل بحقيقة الأصنام، والجهل بأن (الألوهية) لها مفهوم سابق لمفهوم (العبادة) ومستقل عنها، ثم تنبني على ذلك أن (العبادة) لا تكون أصلا إلا لـ(إله)؟!

 

فلنسلم مؤقتاً بأن السجود للوالدين – مثلاً – لمحض التوقير معصية: فهل قول العلامة المعلمي: (وإن قصد به التديُّن كان كذبًا على الله تعالى، وشركًا) صحيح منضبط؟!

الظاهر أنه يقصد بـ(التدين): التقرب والزلفى إلى الله، كما هو في الآية، فهذا له أوجه:

الأول: أن المسجود له (هو الذي بذاته وفعله) يُقَرِّب إلى الله زلفى امتناناً وشكرا للساجد على تعظيمه بفعل السجود:

(أ) - وهذا قد يكون فيما يعتقده الساجد بالدعاء له في الدنيا، أو بالشفاعة له يوم القيامة، إذا أذن في الشفاعة. فهذا (توسل)، ولا يتصور إلا عند من يعتقد إباحة السجود ابتداءً: فالبحث هنا في الإباحة أو الحرمة، وهو بحث فقهي لا علاقة له بالإيمان والكفر، وقد سبق - عرضاً – بعض الكلام في هذا الخصوص من غير كبير استيعاب؛

(ب) - وهذا قد يكون فيما يعتقده الساجد من قدرة المسجود له على الشفاعة عند الله، شفاعة لا ترد، ولا تحتاج إلى استئذان البتة؛ أو أنه يجيره من الله، أو يقدر أن يحميه من عقوبة الله (ولا فرق في هذا إن كان يعتقد أن المسجود له يقدر على ذلك لنسبه الإلاهي الرفيع، وهذا الغالب الأكثر في عبدة الوثن؛ أو لأن له قدرة مساوية لقدرة الله ولو في بعض الأمور فيحتاج الله لمداراته، وتجنب المواجهة معه؛ أو لما شئت من المسوغات)؛ وما شابه ذلك: فهذا قد جعل المسجود له إلاها مع الله: فسجوده (عبادة) للمسجود له، ضرورة ولا بد، وهو مشرك كافر. وهذا هو قطعاً حال المشركين، الساجدين للأصنام؛

 

الثاني: أن السجود نفسه، أي فعل الساجد هو الذي يُقَرِّب إلى الله زلفى، كسائر الأعمال الصالحة التي يحبها الله ويرضاها. وهذا يقتضي أنه يعتقد استحباب السجود أو وجوبه:

            (أ) – بدليل، أو بشبهة دليل (كسجود الملائكة لآدم)، فأنعم وأكرم؛ فيكون خطأً فقهياً في أبعد تقدير؛

            (ب) - تحكماً محضاً (وهذا لا نحسبه موجوداً عند أهل الإسلام) فيكون ابتداعاً في الدين. وهذا في ذاته (كفر)، ولكن لا يكفر فاعله بعينه لشبهة التأوُّل بـ(التقرب إلى الله)، كما هو الحال في أكثر البدع. فإن أفهم، وقامت عليه الحجة، وتمادى على ذلك فهو مشرك كافر: ليس لأنه (عبد) المسجود له، حاشا لله، وإنما لأنه شرع من دون الله، فاتخذ إله هواه: فهو قد عبد هواه.

 

ولعلنا نعود الآن السجود للوالدين – مثلاً – لمحض التوقير، الذي سلمنا مؤقتاً بأنه معصية، وزعم الهيثمي أنه حرام قطعاً، حيث قال: (ما يفعله كثيرون من الجهلة الظالمين من السجود بين يدي المشايخ؛ فإن ذلك حرامٌ قطعًا بكلِّ حالٍ، سواءٌ أكان للقبلة أو لغيرها، وسواءٌ قصد السجود لله أو غفل. وفي بعض صوره ما يقتضي الكفر، عافانا الله من ذلك)؛ فنقول: هذه أقوال مرسلة، لا حجة عليها، تستند إلى التباس القضية في أذهان أولئك الأكابر بالسجود للصنم، وعدم تحريرهم لماهية الأوثان والأصنام، وظنهم أنها مجرد تماثيل أو منحوتات حجرية؛ والسجود ها هنا – قطعا – مسبوق باعتقاد شيء من الألوهية في الصنم (أو بلفظ أدق: مسبوق باعتقاد شيء من الألوهية في الكائن السماوي أو الروحاني أو حتى الشيطاني، الذي يمثله تمثال الصنم، ويقوم مقامه).

 

ومع ذلك فإنه من الصعب جداً أن نتصور سجودا للوالدين أو المشايخ المعظمين، أو حتى لقبورهم، تكريماً محضاً، من غير لون من ألوان التدين أو التقرب إلى الله الذي يزعم أنه أوجب أو استحب ذلك: اللهم إلا من جاء من سفر بعيد أو غيبة طويلة فقد يحتمل أن يكون هذا لمحض الترحيب والتحية؛ فيعود هذا إلى ما أسلفناه درسه: ابتداع في الدين، ولا يكون شركاً أو كفراً إلا في أحوال مخصوصة، سبق ذكرها.

 

وعلى كل حال فإن المناقشة السابقة تبين أن قول العلامة المعلمي: (فأما مَن سجد لأبويه تديُّنًا يطلب به نفعًا غيبيًّا فهذا هو عمل المشركين سواءً) عديم المعنى، قليل المحصول، بالإضافة إلى غموضه، بحيث يحتاج إلى شرح لفك طلاسمه: ما معنى (تديُّنًا)؛ فهذا محال أن يكون قد نشأ من تدبر القرآن، الذي أنزله الله بلسان عربي مبين، ويسره للذكر أيما تيسير!

 

على أن العلامة المعلمي قد ناقض نفسه، كما لاحظه محقق آثار الشيخ عندما همَّش قائلاً: [(*) سبق في تعريف العبادة (ص 733 - 734) أنه لا يُشترط في السجود للصنم طلب نفعٍ غيبِيًّ، بل لو سجد له عِنادًا أو طمعًا في نفع دنيويًّ كمَن يُجْعَلُ له مال عظيم على أن يسجد لصنمٍ، ومثلُه إذا سجد له هزلاً ولعبًا كل ذلك يرتدّ به الشخص، والفقهاء يثبتون الردّة بذلك كما هو نصُّ كلامه. ويظهر أنَّ المؤلَّف لا ينظر إلى ذات السجود، بل إلى المسجود له، فيفرِّق بين الصنم الذي من شأن عابديه أن يطلبوا بذلك نفعًا غيبيًّا وبين الملِكِ من بني آدم الذي لم تجر العادة بالسجود له طلبًا لنفعٍ غيبِيًّ، فَشَرَطَ في تكفير الساجد للمِلك أن يطلب بذلك نفعًا غيبيًّا ولم يشترط ذلك في السجود للصنم].

 

الصفحة المذكورة تأكدنا من صحة فهم المحقق، خصوصا في قوله: (أو يكون في حكم الطالب، بأن يكون المعهود في ذلك الفعل أنه يُطْلَب به نفعٌ غيبيٌّ):

* فقد جاء في آثار (الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي اليماني) - (3/733): [وتحرير العبارة في تعريف العبادة أن يُقال: (خضوعٌ اختياريٌّ يُطْلَب به نفعٌ غيبيُّ). فقوله: (خضوعٌ) يتناول ما كان بالطاعة وما كان بالتعظيم. وقوله: (اختياريٌّ) يخرج به المكره ونحوه، على ما يأتي تفصيله في الأعذار إن شاء الله تعالى. وقوله: (يُطْلَب به) أي: مِن شأنه ذلك، فيدخل ما يكون الخاضع طالبًا بالفعل، بأن يكون له اعتقادٌ أو ظنٌّ أو احتمالٌ أن ذلك الخضوع سببٌ لنفعٍ غيبيًّ؛ أو يكون في حكم الطالب، بأن يكون المعهود في ذلك الفعل أنه يُطْلَب به نفعٌ غيبيٌّ، كالسجود للصنم وَفَعَلَه الخاضع عنادًا كما مرَّ في فرعون وقومه، أو خوفًا من ضررٍ لا يبلغ حدَّ الإكراه، كما مرَّ في أوائل الرسالة في المستضعفين الذي عرَّضوا أنفسهم لأن يُكْرَهوا على الكفر رغبةً عن الهجرة التي فيها خروجهم من بيوتهم وأموالهم وأهليهم، أو مداهنةً؛ لأنه أولى مما قبله، ويدلُّ عليه قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾، (النساء؛ 4: 140)، أو طمعًا في نفعٍ دنيويًّ، كمَن يُجْعَلُ له مالٌ عظيمٌ على أن يسجد لصنمٍ، وهذا أولى من الخائف، أو هزلًا ولعبًا كما تدلُّ عليه آية الإكراه على ما تقدَّم أوائلَ الرسالة، والفقهاء يثبتون الرِّدَّة بذلك. وقوله: (نفعٌ) أُرِيد به ما يشمل دَفْعَ الضرر. وقوله: (غيبيٌّ) قد تقدَّم تفسيره. وهذا تعريف لـ(العبادة) من حيث هي، فإن أُرِيد تعريف عبادة الله عزَّ وجلَّ زِيد: (بسلطانٍ)، أو تعريفُ عبادة غيره، زِيد: (بغير سلطانٍ)، وقد يكون الفعل عبادةً لغير الله عزَّ وجلَّ، ولَكِن فاعله معذورٌ؛ فلا يُحْكَمُ عليه بالشرك، كما سيأتي إن شاء الله تعالى]، انتهى بأحرفه، باستثناء بعض علامات الترقيم، وشيء من التلوين للتأكيد؛

 

عبارة العلامة المعلمي: (أو يكون في حكم الطالب، بأن يكون المعهود في ذلك الفعل أنه يُطْلَب به نفعٌ غيبيٌّ) ما هي محاولة للفرار من الكلام عن (المسجود له)، أو بلفظ أدق: معتقد الساجد في المسجود له، لأن ذلك يهدم لا محالة كل ما بناه بعد جهد جهيد وتسويد لما يزيد على ستمائة صفحة للوصول إلى تعريف لـ(العبادة) يقتصر فقط على الفعل ومقاصده، ويخلو من أي ذكر لصفات (المعبود) لأنه يعلم جيداً أن هذا يفضي إلى (الدور)، وبطلان التعريف، لا محالة كما ذكره هو نفسه في أول كتابه.

 

وأما قوله: (والفقهاء يثبتون الرِّدَّة بذلك)، فلا أدري أهو إجماع متيقن لأهل الإسلام كلهم، أو هو قول جمهور الفقهاء، دون قلة منهم؟! والأغلبية الساحقة من الفقهاء تبعوا عمر بن الخطاب في إثبات بقاء الرجم، مع أنه هو نفسه رد على القائلين: (ما نجد الرجم في كتاب الله) في حديث السقيفة المشهور، رداً لو تأمله المنصف لعلم أنه شهادة بنسخ الرجم!

 

والآن فللنظر إلى مثال المسلم الذي طلب منه السجود للصنم، لقاء مال هائل: فهذا الساجد لم يرد (نفعاً غيبياً)، أيا ما كان تعريف (النفعٌ الغيبيٌّ)، وإنما أراد مالاً حاضراً؛ وهو لا يؤمن بألوهية (الصنم) أصلا، وإنما يعتبره تمثالاً حجرياً فقط، ولعله يضحك في قرارة نفسه من سدنة الصنم الحمقى الذين عرضوا عليه هذا المال الضخم: فما هي حقيقة كفره وشركه إذاً، إذا سلمنا أصلاً أنه مشرك كافر؟!

الحق أن هذا (الساجد للصنم لقاء مال هائل) قد لا يخرج عن واحدة من الأحوال التالية:

(1)- عالم ومقر بأن السجود للصنم فعل من أفعال الكفر من حيث هو، إلا من قام به مانع من موانع التكفير؛ وعالم أن كسب المال الضخم ليس من موانع التكفير: فهذا غير مبال بفعل الكفر، وبذلك فهو ممن قد شرح بالكفر صدراً. والحق في هذه الحالة أن هذا الساجد ما عبد الصنم أصلاً، ولا اتخذه من دون الله إلها، وإنما هو قد شرع لنفسه، واتخذ إله هواه؛

(2)- عالم ومقر بأن السجود للصنم فعل من أفعال الكفر من حيث هو، إلا من قام به مانع من موانع التكفير؛ لكنه متأول بأن كسب المال الضخم هذا ينفع المسلمين لأنه يمكنه من شراء سلاح لأهل الإسلام، أو استئجار عصابات من سفلة الحربيين للقيام باغتيالات، وأعمال تخريبية في دار الحرب، بل هو أنفع للمسلمين من الجاسوس المسلم في دار الحرب الذي يجوز له التظاهر بالشرك، بما في ذلك السجود للأصنام؛

(3)- ليس مقراً بأن السجود للصنم فعل من أفعال الكفر من حيث هو، لأنه يغلو في (الإرجاء)، فلا يُكَفِّر بفعل دون اعتقاد: وهو ساخر من الصنم وعبدة الصنم، مستهزئ بهم، مستغفل لهم؛

(4)- جاهل بالحكم لأنه أمي، أو حديث عهد بالإسلام؛

فحكم الفقهاء على هذا بالردة من غير تفصيل لا يمكن قبوله؛ ومعاذ الله أن تكون الأمة قد أجمعت على قول غير محرر، لأنه يحتمل أن يكون باطلاً، أو بعض جزئياته، كما لا يظهر إلا بعد الضبط والتحرير.

 

وفي الباب السادس سبقت مناقشة سجود إنسان للمسيح بن مريم، صلوات الله وسلامه عيه وعلى والدته، في إطار مناقشتنا وإبطالنا لتعريف الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي للعبادة، فراجعه أيضاً.

 

وعلى كل حال: فالسجود من حيث هو ليس عبادة للمسجود له، فلا يكون شركا وكفراً. وهو قطعاً كفر وشرك وعبادة للمسجود له إذا كان الساجد ينسب للمسجود له شيئاً من (الألوهية). وربما كان شركاً وكفرا لاعتبارات أخرى فيكون عبادة للهوى؛ أو عبادة لمن أمره بذلك السجود، إذا كان يعتقد أن لذلك الآمر حق الطاعة المطلقة، أي: نسب له شيء من (الحاكمية)؛ وهو شرك وكفر إذا كان الآمر غير الله؛ أما إذا كان يعتقد أن الآمر هو الله: فهذه عبادة لله. وهي عبادة محمودة مقبولة، إن كان لها بعينها دليل، أو شبهة دليل اعتمده الساجد؛ وعبادة لله مبتدعة، إن لم تكن لدى الساجد دليل أصلاً: وقد تصل البدعة – عادة بالمكابرة والمعاندة - إلى حد الكفر فيصبح الساجد إما عابداً لهواه، أو عابدا، إن كان مقلداً، لمن أفتاه بها، متخذا له رباً من دون الله، وفي كلتا الحالتين تبطل العبادة، لأن عبادة الله تبطل بالشرك.

 

فصل: القيام بخشوع وسكون على هيئة مخصوصة ليس (عبادة)

هذا بالنسبة للسجود والركوع والانحناء، أما بالنسبة للقيام فمن المعلوم أن أنواع القيام للمخلوقين ثلاثة: (قيام إليه)، و(قيام له)، و(قيام عليه)، أما الأول فمباح وهو القيام الذي يكون بقصد السلام والتحية والمعانقة وتلقي القادم ونحو ذلك، وقد دلت النصوص المتواترة المفيدة بمجملها للقطع واليقين على أن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان يفعله لبعض أصحابه، وأقاربه، ويفعله بعض الصحابة رضى الله عنهم لبعض:

ــ كما في الحديث الذي رواه الشيخان عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال للأنصار في بني قريظة لما جاء سعد بن معاذ: «قوموا إلى سيدكم».

ــ وما روياه أيضاً من حديث كعب بن مالك الطويل ـ في قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا ـ من قيام طلحة بن عبيد الله إليه يهنئه ويسلم عليه، بعد أن تاب الله عليه، وكان ذلك في مجلس النبي وبحضرته من غير إنكار، وما زال كعب يذكر ذلك لطلحة رضى الله عنهما!

ــ وما رواه الترمذي عن عائشة رضى الله عنها في قيام النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لمعانقة زيد بن حارثة.

ــ وما رواه النسائي والترمذي وأبو داود عنها أيضاً في قيام النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لفاطمة إذا أتته، وقيامها له إذا أتاها.

ــ وما رواه البيهقي في قيام النبي، صلى الله عليه وسلم، لعكرمة بن أبي جهل لما هاجر إليه؛ وغير ذلك من المتواتر معنوياً بما يفيد القطع واليقين.

 

وأما النوعان الباقيان من القيام، وهما: (قيام له)، و(قيام عليه)، فحرام، أو مكروه، على خلاف بين الفقهاء، وهو القيام للتعظيم وليس بقصد التحية والسلام ونحوه وهو على صورتين: القيام على الرجل وهو قاعد كما يفعله أعوان الملوك تعظيماً من غير سبب آخر موجب لذلك (أما الحراس، والشرط، ونحوهم، الذين تتطلب وظيفتهم، أو حراستهم، ممارستها قائمين، فلا بأس، لأنه وقوف لأداء الوظيفة، التي لا يتم أداؤها إلا حالة الوقوف، أي: أنه من متطلبات أداء العمل على وجهه الصحيح)، فهذا يسمَّى: (قيام عليه)، وهو حرام في الأرجح. والقيام للداخل أو المار إعظاماً له، من غير مصافحة، أو معانقة، أو تلقي، وهذا في الأرجح ليس بحرام، ويسمَّى: (قيام له)، وهذان النوعان جاءت النصوص بالنهى عنها والإخبار بأنها تشبه بالأعاجم في تعظيمهم غير الله سبحانه وتعالى:

* كما روى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج3/ص134/ح12393) بإسناد صحيح: [حدثنا أبو كامل حدثنا حماد مرة عن ثابت عن أنس ومرة عن حميد عن أنس بن مالك قال: (ما كان أحد من الناس أحب إليهم شخصاً من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كانوا إذا رأوه لا يقوم له أحد منهم، لما يعلمون من كراهيته لذلك)]؛ وأخرجه البخاري في الأدب المفرد ج1/ص326/ح946؛ والترمذي في سننه ج5/ص90/ح2754)، وقال: (هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه)؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج3/ص132/ح12367، ج3/ص251/ح13648؛ وأبو يعلى في مسنده ج6/ص418/ح3784؛ والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه ج5/ص234/ح25583؛ وغيرهم؛

 

* وكالذي رواه عبد بن حميد في مسنده (ج1/ص156/ح413) بإسناد صحيح: [أخبرنا أبو أسامة عن حبيب بن الشهيد عن أبي مجلز لاحق بن حميد قال: دخل معاوية بيتا فيه عبد الله بن عامر وعبد الله بن الزبير، فقام عبد الله بن عامر ولم يقم عبد الله بن الزبير، فقال معاوية لعبد الله بن عامر: اجلس فإني سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: (من سره أن يمثل الرجال له قياما فليتبوأ مقعده من النار)]؛ وأخرجه الإمام البخاري في الأدب المفرد ج1/ص339/ح977؛ والترمذي في سننه ج5/ص91/ح2755؛ وأبو داود في سننه ج4/ص358/ح5229؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج4/ص93/ح20891، ج4/ص100/ح20962؛ والطبراني في معجمه الكبير ج19/ص351/ح819، ج19/ص351/ح820، ج19/ص352/ح821، ج19/ص352/ح822؛ وابن الجعد في مسنده ج1/ص222/ح1482؛ والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه ج5/ص234/ح25582؛ وغيرهم.

ــ وأخرجه الطبراني في معجمه الأوسط (ج4/ص282/ح4208) من طريق ثانية: [حدثنا علي بن إبراهيم الخزاعي الأهوازي قال: حدثنا عبد الله بن داود بن دلهات قال: حدثني أبي عن أبيه دلهات عن أبيه اسماعيل عن أبيه أن أباه مسرع بن ياسر حدثه عن عمرو بن مرة الجهني قال: قال النبي، صلى الله عليه وسلم: (من أحب ان يتمثل له الرجال بين يديه قياما فليتبوأ مقعده من النار)]؛

 

فالوعيد الشديد إنما هو فقط (لمن أحب أن يمتثل الناس له قياماً)؛ فحب الإنسان أن يمتثل الناس له قياماً حرام، لا شك في حرمته، وهو من الكبر والعجب بالنفس، وهو من أمراض القلوب المهلكة؛ وقد كان النبي المعصوم الخاتم، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أبعد الناس عن ذلك، لذلك ترك أصحابه، رضوان الله وسلامه عليهم، القيام له، مع أنه ما نهاهم عنه قط، اللهم إلا إذا كان تشبهاً بالأعاجم:

* كما في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج5/ص253/ح22235): [حدثنا بن نمير حدثنا مسعر عن أبي العَنْبَس عن أبي العَدَبَّس عن أبي مرزوق عن أبي غالب عن أبي أمامة قال: خرج علينا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو متوكئ على عصا، فقمنا إليه فقال: (لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضا!)؛ قال: فكأنا اشتهينا أن يدعو الله لنا فقال: (اللهم اغفر لنا وارحمنا وارض عنا وتقبل منا وأدخلنا الجنة ونجنا من النار، واصلح لنا شأننا كله)، فكأنا اشتهينا أن يزيدنا فقال: (قد جمعت لكم الأمر)]؛ وأخرجه ابن ماجه في سننه ج2/ص1261/ح3836؛ وأبو داود في سننه ج4/ص358/ح5230؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج5/ص256/ح22255؛ والطبراني في معجمه الكبير ج8/ص279/ح8072؛ والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه ج5/ص233/ح25581، ج6/ص45/ح29351؛ وغيرهم، وليس إسناده بذاك، ولكن المتن مستقيم. وهذا كسابقه ليس فيه كلام عن الشرك أو الكفر، وإنما هو كراهية للتشبه بالأعاجم، فقط لا غير؛

 

* وكما في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه (ج1/ص309/ح413): [حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث (ح) وحدثنا محمّد بن رمح أخبرنا الليث عن أبي الزبير عن جابر قال: اشتكى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فصلينا وراءه وهو قاعد وأبو بكر يسمع الناس تكبيره فالتفت إلينا فرآنا قياما فأشار إلينا فقعدنا فصلينا بصلاته قعودا فلما سلم قال: «إن كدتم آنفاً لتفعلوا فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود: فلا تفعلوا؛ إئتموا بأئمتكم إن صلى قائما فصلوا قياما وإن صلى قاعدا فصلوا قعودا»]؛ وأخرجه البخاري في الأدب المفرد ج1/ص327/ح948؛ والنسائي في سننه ج3/ص9/ح1200؛ وابن حبان في صحيحه ج5/ص493/ح2122، ج5/ص494/ح2123؛ وابن خزيمة في صحيحه ج1/ص246/ح486؛ وابن ماجه في سننه ج1/ص393/ح1240؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج3/ص334/ح14630؛ والطحاوي في شرح معاني الآثار ج1/ص403؛ والنسائي في سننه الكبرى ج1/ص193/ح535، ج1/ص358/ح1123؛ والبيهقي في سننه الكبرى ج3/ص239/ح5728؛ وغيرهم؛

وليس في هذا اللفظ كلام عن الشرك أو الكفر، وإنما هو كراهية للتشبه بفارس والروم في ذلك الفعل المخصوص، فقط لا غير. ويستفاد من ذلك أن القيام للمخلوق فيه الوعيد الشديد فقط على من أحب أن يفعل له ذلك؛ كما أنه من التشبه بالكفار، والتشبُّه بالكفار، والاقتباس منهم، بما هو من خصوصياتهم المتعلقة بكفرهم، أو المميزة لهم بوصفهم كفاراً، جاء فيه ما جاء من الوعيد الشديد، فقد روى أحمد وأبو داود عن ابن عمر رضى الله عنهما أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «من تشبه بقوم فهو منهم» وروى الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا، ولا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى»، إلى غير ذلك من عشرات النصوص الصحيحة، الصريحة، أو الضمنية.

 

وهذان النوعان المكروهان أو المحرمان من القيام لم يسمهما النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، عبادة، ولا فعلهما شركاً، ولا قال: جعلتموني رباً، أو إلهاً، أو قال: عبدتموني من دون الله، أو جعلتموني لله نداً، أو نحواً من ذلك، أو قريباً منه، أو لفظاً مشابهاً في الحكم، مع كونه نهي عنهما، كما فصلناه!

 

على أننا نعلم، ضرورة، أن الصلاة الإسلامية، على الضد من ذلك، شعيرة تعبدية، وأن القيام فيها (عبادة)، ويبقى عبادة، على كل حال: حتى ولو لم يكن - كما ينبغي لها - بخشوع تام، وقنوت كامل، ولكنها (عبادة)، على كل حال، وكذلك ما فيها من ركوع وسجود.

 

وما قلناه في هذا الفصل عن القيام بخشوع وسكون تام على هيئة مخصوصة، وما قلناه في فصل سابق عن السجود ينطبق، من باب أولى، على الركوع والانحناء والتحية بـ(التكفير)، أي: بطأطأة الرأس ووضع اليدين على الصدر، ونحو ذلك من أوضاع البدن: فليس شيئاً من ذلك بذاته مجرداً (عبادة) أصلاً، فلا نطيل بمناقشته أو البرهنة عليه.

 

فصل: حديث: (إِنَّهُ لَا يُقَامُ لي، إِنَّمَا يُقَامُ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ)

وقد جاء حديث مناسب لهذا المبحث: (هل القيام عبادة؟!)، وإن كانت لا تقوم به حجة لوجود رجل مبهم في الإسناد، لكنه يصلح للاستئناس، وفيه أكثر من صفعة على أقفية الوهابيين الأغبياء؛ لذلك ألحقناه في هذا الفصل، الذي هو بمثابة الملحق، أو التذييل، للفصل السابق:

* جاء في تفسير ابن أبي حاتم [محققا (8/2444/13602)]: [ذُكِرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعة، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ زَيْدٍ الْحَضْرَمِيُّ، عَنْ عُلَيِّ بْنِ رَبَاحٍ اللَّخْمِيِّ، حَدَّثَنِي مَنْ شَهِدَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، يَقُولُ: كُنَّا فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَنَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، يُقْرِئُ بَعْضُنَا بَعْضًا الْقُرْآنَ، فَجَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بن أبي بن سَلُولَ، وَمَعَهُ نُمْرُقة وزِرْبِيّة، فَوَضَعَ وَاتَّكَأَ، وَكَانَ صَبِيحًا فَصِيحًا جَدِلًا فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، قُلْ لِمُحَمَّدٍ يَأْتِينَا بِآيَةٍ كَمَا جَاءَ الْأَوَّلُونَ؟ جَاءَ مُوسَى بِالْأَلْوَاحِ، وَجَاءَ دَاوُدُ بِالزَّبُورِ، وَجَاءَ صَالِحٌ بِالنَّاقَةِ، وَجَاءَ عِيسَى بِالْإِنْجِيلِ وَبِالْمَائِدَةِ. فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: قُومُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، نَسْتَغِيثُ بِهِ مِنْ هَذَا الْمُنَافِقِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (إِنَّهُ لَا يُقَامُ لِي، إِنَّمَا يُقَامُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ). فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَقِينَا مِنْ هَذَا الْمُنَافِقِ. فَقَالَ: (إِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِي: اخْرُجْ فَأَخْبِرْ بِنِعَمِ اللَّهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْكَ، وَفَضِيلَتِهِ الَّتِي فُضِّلت بِهَا، فَبَشَّرَنِي أَنِّي بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، وَأَمَرَنِي أَنْ أُنْذِرَ الْجِنَّ، وَآتَانِي كِتَابَهُ وَأَنَا أُمِّيٌّ، وَغَفَرَ ذَنْبِي مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ، وَذَكَرَ اسْمِي فِي الْأَذَانِ وَأَيَّدَنِي بِالْمَلَائِكَةِ، وَآتَانِي النَّصْرَ، وَجَعَلَ الرُّعْبَ أَمَامِي، وَآتَانِي الْكَوْثَرَ، وَجَعَلَ حَوْضِي مِنْ أَعْظَمِ الْحِيَاضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَوَعَدَنِي الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ وَالنَّاسُ ﴿مُهْطِعُونَ مُقْنِعُو رُءُوسِهِمْ﴾، وَجَعَلَنِي فِي أَوَّلِ زُمْرَةٍ تَخْرُجُ مِنَ النَّاسِ، وَأَدْخَلَ فِي شَفَاعَتِي سَبْعِينَ أَلْفًا مِنْ أُمَّتِي الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَآتَانِي السُّلْطَانَ وَالْمُلْكَ، وَجَعَلَنِي فِي أَعْلَى غُرْفَةٍ فِي الْجَنَّةِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، فَلَيْسَ فَوْقِي أَحَدٌ إِلَّا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ، وَأَحَلَّ لِيَ الْغَنَائِمَ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلَنَا)]؛ وهو بعينه في تفسير ابن كثير [ت سلامة (5/333)]: [قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: ذُكِرَ عَنْ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ،... فساقه بتمامه]، ثم قال الإمام ابن كثير: (وَهَذَا الْحَدِيثُ غَرِيبٌ جِدًّا)؛ وهو في فتوح مصر وأخبارها لأبي القاسم عبد الرحمن بن عبد الله عبد الحكم بن أعين القرشي المصري - (ص: 298/67): [ومنها: حديث ابن لهيعة،... فساقه بنحوه سنداً، ومتناً]؛

ــ وهو في تفسير القرآن من الجامع لابن وهب (3/6/3): [(._._._ عَنِ) ابْنِ لَهِيعَةَ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ رجلٍ سَمِعَ عُبَادَةَ [بْنِ الصَّامِتِ يَقُول]: إِنَّا كُنَّا فِي الْمَسْجِدِ نَقْتَرِئُ، مَعَنَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَنَحْنُ أُمِّيُّونَ يُقْرِئُ بَعْضُنَا بَعْضًا؛ فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بن أبي بن سلول تتبعه نمرقٌ وَزِرْبِيّه، ثُمَّ وُضِعَتَا لَهُ فَاتَّكَأَ؛ فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلا تَقُولُ لمحمدٍ يَأْتِينَا بآيةٍ كَمَا جَاءَ بِهَا الأَوَّلُونَ: جَاءَ صَالِحٌ بِالنَّاقَةِ وَجَاءَ (مُوسَى بِالأَلْوَاحِ)، وَجَاءَ دَاوُدُ بِالزَّبُورِ، وَجَاءَ عيسى بالمائدة، وعبد الله بن أبي بن سَلُولٍ رجلٌ جَدِلٌ صَبِيحٌ، فَصِيحٌ؛ فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: قُومُوا نَسْتَغِيثُ بِنَبِيِّ اللَّهِ مِنْ هَذَا الْمُنَافِقِ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: إِنَّهُ لا يُقَامُ لِي، إِنَّمَا يُقَامُ لِلَّهِ، إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَقَالَ: اخْرُجْ فَحَدِّثْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْكَ وَبِفَضِيلَتِهِ الَّتِي فُضِّلْتَ بِهَا، فَبَشَّرَنِي بِعَشْرٍ لَمْ يُؤْتَهَا نبيٌ قَبْلِي؛ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَى النَّاسِ جَمِيعًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أُنْذِرَ الْجِنَّ، وَإِنَّ اللَّهَ لقاني كلامه وأنا أميٌ؛ فقد أُوتِيَ دَاوُدُ الزَّبُورَ، وَمُوسَى الأَلْوَاحَ، وَعِيسَى الإِنْجِيلَ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِي ذَنْبِي مَا تَقَدَّم مِنْهُ وَمَا تَأَخَّرَ، وَإِنَّ اللَّهَ أَعْطَانِي الْكَوْثَرَ، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَدَّنِي بِالْمَلائِكَةِ وَأَتَانِي النَّصْرُ، وَجَعَل بَيْنَ يَدَيَّ الرُّعْبُ، وَجَعَل حَوْضِي أَعْظَمَ الْحِيَاضِ، وَرَفَعَ ذِكْرِي فِي النَّادِينَ، وَبَعَثَنِي يَوْمَ القيامة مقاماً محموداً، والناس ﴿مهطعين، مقنعي (رؤوسهم﴾)؛ (._._._ )]؛ وأصله من مخطوطة رديئة كما لا يخفى؛

ــ وهو باختصار شديد في مسند أحمد (37/380/22706): [حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ أَنَّ رَجُلًا سَمِعَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ يَقُولُ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قُومُوا نَسْتَغِيثُ بِرَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، مِنْ هَذَا الْمُنَافِقِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (لَا يُقَامُ لِي، إِنَّمَا يُقَامُ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى)]؛ وهو في الطبقات الكبرى لابن سعد (1/387): [أخبرنا موسى بن داود ، أخبرنا ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد بتمامه حرفاً، بحرف]؛ وهو في جامع المسانيد والسنن (4/619/5875)، وقال الإمام ابن كثير معقباً: (لم يخرجوه، وقد رواه الطبراني عن على عن عبادة، بلا واسطة، فالله أعلم)؛

 

فهؤلاء الثقات الثلاثة: الإمام عبد الله بن وهب، وهو أثبت الناس في ابن لهيعة، وأصحهم حديثاً، ومن أقدمهم سماعاً، وكانت عنده أصول ابن لهيعة وكتبه؛ وزيد بن الحباب، وهو من أهل السماع القديم من ابن لهيعة؛ وموسى بن داود، كلهم يقول: (إِنَّهُ لا يُقَامُ لِي، إِنَّمَا يُقَامُ لِلَّهِ)؛ وكلهم يجعله عن رجل مبهم عن عبادة بن الصامت.

 

* ولكن أخرج الإمام الطبراني كما نجده تاماً في جامع المسانيد والسنن لابن كثير (4/568/5780): [قال الطبراني: حدثنا أحمد بن حماد بن زُغْبَة المصري، حدثنا سعيد بن عُفَيْر، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن على بن رباح، عن عبادة، قال: قال أبو بكر: قوموا نستغيث برسول الله، صلى الله عليه وسلم، من هذا المنافق، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهُ لا يُسْتَغَاثُ بِي، إِنَّما يُسْتَغَاثُ بالله، عزَّ وجَلَّ»]، ثم قال الإمام انب كثير: (إنما رواه أحمد بن على عن رجلٍ، عن عبادة، كما سيأتي في الْمُبْهَمَاتِ عنه)؛ وهو ساقط من المخطوطات التي بأيدي الناس اليوم؛

ــ وهو مشار إليه في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (10/159/17276): [وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: «قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قُومُوا نَسْتَغِيثُ بِرَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، مِنْ هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (إِنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي، إِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بِاللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ)]؛ وفي مجمع الزوائد ومنبع الفوائد [محقق (11/26/17276)، ثم قال الهيثمي: (رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير ابن لهيعة وهو حسن الحديث. وقد رواه أحمد بغير هذا السياق وهو في الأدب في باب القيام)]؛ وفي مجمع الزوائد ومنبع الفوائد [ط – دار الفكر (10/246/17276)]؛

فنقول: هذا باطل، قطعاً بلا جدال، ويبعد جداً ان يكون تصحيفاً لتباعد لفظة: (يُقَامُ) عن لفظة: (يُسْتَغَاثُ) في الرسم؛ والعهدة فيه على أحمد بن حماد بن زُغْبَة المصري أو سعيد بن كثير بن عُفَيْر، وهو الأرجح، لأنه كان يقرأ من كتب الناس (كذا في تاريخ الإسلام [ت - بشار (5/578)])، وكتب المتأخرين من رواة ابن لهيعة لا يوثق بها طلقاً، وفيها تخليط كثير. وجاء أيضاً في تاريخ الإسلام [ت - بشار (5/578)]: [وقال ابن يونس في مكان آخر: وهذا الحديث ممّا أُنْكِر على سعيد بن عفير، ما رواه عن ابن لَهِيعَة إلّا هو، وكذا أُنْكِر عليه حديث آخر رواه عن ابن لهيعة]؛

 

وأقول أيضاً: فوالله، الذي لا إله إلا هو، ما قال نبي الله الخاتم قط: (إِنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي، إِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بِاللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ)، ولا خطرت له هذه العبارة على بال، لا في ليل أو نهار!!

 

ولكن هذا الحديث الباطل جاء على هوى الإمام ابن تيمية، وجاء موافقاً لبدعته، فطار به واعتمده:

* فقد جاء في جامع الرسائل لابن تيمية (ص: 7، بترقيم الشاملة آليا): [فالطالب للدعاء من غيره نوعان: أحدهما أن يكون سؤاله على وجه الحاجة إليه فهذا بمنزلة أن يسأل الناس قضاء حوائجه، والثاني أنه يطلب منه الدعاء لينتفع الداعي بدعائه له وينتفع هو فينفع الله هذا وهذا بذلك الدعاء كمن يطلب من المخلوق ما يقدر المخلوق عليه، والمخلوق قادر على دعاء الله ومسألته، فطلب الدعاء جائز كمن يطلب منه الإعانة بما يقدر عليه فإما ما لا يقدر عليه إلا الله فلا يجوز أن يطلب إلا من الله، لا من الملائكة ولا من الأنبياء ولا من غيرهم، لا يجوز أن يقول لغير الله: اغفر لي، واسقنا الغيث، ونحو ذلك. ولهذا روى الطبراني في معجمه أنه كان في زمن النبي، صلى الله عليه وسلم، منافق يؤذي المؤمنين فقال الصديق رضي الله عنه: قوموا بنا نستغيث برسول الله، صلى الله عليه وسلم، من هذا المنافق فجاؤوا إليه فقال: (إنه لا يستغاث بي إنما يستغاث بالله)، وهذا في الاستعانة مثل ذلك]؛

 

وطار به الوهابيون، وبنوا عليه (قصورا في الهواء)، فلا يكاد يخلو كتاب من كتبهم من ذكره، وتفننوا في (الفلسفة) حول معانيه؛ وربما طوَّلوا في دفع المطاعن عن إسناده، وعهدنا بهم أنهم هم (الأئمة) في تضعيف الأحاديث الصحيحة التي لا توافق أمزجتهم المنحرفة، وأهوائهم الخبيثة:

* فقد جاء في صالح بن عبد العزيز آل الشيخ [جمع الشاملة - (11/132)]: [قال (روى الطبراني بإسناده: أنه كان في زمن النبي، صلى الله عليه وسلم، منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم) بعضهم هنا هو أبو بكر الصديق كما جاء في بعض الروايات (قوموا بنا نستغيث برسول الله، صلى الله عليه وسلم، - من هذا المنافق. فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: "إنه لا يستغاث بي، إنما يستغاث بالله") من طلب الصحابة الاستغاثة بالنبي، صلى الله عليه وسلم، هذا طلب جائز لأنهم طلبوا الإغاثة من النبي عليه الصلاة والسلام فيما يقدر عليه؛ لأن عليه الصلاة والسلام في هذا المقام يقدر أن يُغيث بالأمر بقتل المنافق أو الأمر بسجنه أو بتهديده أو بأخذ عقوبة عليه؛ لأنه كان يؤذي المؤمنين، بتعزير أو بغيره، فإذن استغاثتهم إنما هي في قولهم (قوموا بنا نستغيث برسول الله) استغاثتهم برسول الله فيما يقدر عليه لكن النبي، صلى الله عليه وسلم، علمهم الأدب في ذلك وعلمهم الأكمل في ذلك، حيث قال: (إنه لا يستغاث بي إنما يستغاث بالله)، وحقيقة الاستغاثة على وجه الكمال إنما هي بالله جل وعلا لا بنبيه، صلى الله عليه وسلم، فكان حصل منهم نوع التفات للنبي عليه الصلاة والسلام فيما يقدر عليه، فبين لهم أن الواجب عليهم أن يستغيثوا بالله جل وعلا أولا فقال (إنه لا يستغاث بي) و(لا يستغاث بي) هذا نفي فيه معنى النهي؛ يعني لا تستغيثوا بي إنما أستغيث بالله في هذا الأمر، وإذا أغاثهم الله جل وعلا كفّ شر ذلك المنافق عنهم]؛

 

* وجاء في صالح بن عبد العزيز آل الشيخ [جمع الشاملة - (11/133)]: [هذا الحديث بعض العلماء قال إن في إسناده ابن لهيعة وحاله معروف، وإيراد الأئمة أئمة الحديث للأحاديث التي قد يكون إسناد بعض مقال هذا هو الصواب إذا كان ما في الحديث من المعنى قد عضدته الأدلة من القرآن أو من السنة، وما في هذا الحديث من قوله النبي عليه الصلاة والسلام (إنه لا يستغاث بي إنما يستغاث بالله)، قد دلت عليه الآيات التي سلفت، وهذا صنيع أهل الحديث، صنيع الراسخون في العلم من أهل الحديث كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض كلام له في الفتاوى قال: أهل الحديث لا يستدلون بحديث ضعيف في أصل من الأصول؛ بل إما في تأييده - يعني في تأييد ذلك الأصل - أو في جزء من الفروع. وهذا هو صنيع الشيخ رحمه الله في هذا الكتاب، فإنهم يستدلون بأحاديث هي من جهة المعنى التي اشتملت عليه صحيحا، فقد ساق شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الحديث مستدلا به في رده على البكري المعروف بالاستغاثة، كتاب الاستغاثة الكبرى أو الرد على البكري، وقال: إن هذا حديث هو في معنى ما جاء في النصوص]؛ كذا: (صنيع الراسخون في العلم)؟! بلاً من (صنيع الراسخين في العلم)، ولكن لا بأس. ومهما يكن فلا أظن صالح بن عبد العزيز آل الشيخ من الراسخين في العلم، والله أعلم.

 

* وغلا سليمان بن سحمان فقال في الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق (ص: 476): [... أن ابن لهيعة خرج له البخاري ومسلم فجاوز القنطرة، ولا يقدح فيما رواه ابن لهيعة إلا جاهل بالصناعة والاصطلاح، وهو قاضي مصر وعالمها ومسندها، روى عن عطاء بن أبي رباح، والأعرج، وعكرمة، وخلف، وعنه شعبة بن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث، وعمرو بن الحارث، والليث بن سعد، وابن وهب، وخلق. ومن طعن في ابن لهيعة بقول بعض الناس لزمه الطعن في كثير من الأكابر المحدثين كسعيد المقبري، وسعيد بن إياس الجريري، وسعيد بن أبي عروبة، وإسماعيل بن أبان، وأزهر بن سعد السمان البصري، وأحمد بن صالح المصري، وأبي اليمان، وأمثالهم ممن خرج لهم البخاري وغيره من الأئمة. وعلى كل حال فهو خير من هؤلاء الذين أجازوا الاستغاثة برسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأعلم بكتاب الله، وسنة رسوله منهم، وبأقوال أهل العلم]؛ وسليمان بن سحمان، هو: سليمان بن سحمان بن مصلح بن حمدان بن مصلح بن حمدان بن مسفر بن محمد بن مالك بن عامر الخثعمي، التبالي، العسيري، النجدي (المتوفى: 1349هـ)؛

ــ ولكن لم يوافقه عبد السلام بن برجس بن ناصر بن عبد الكريم، وهو محقق الكتاب، على هذا الغلو فحاول (تلطيف) المسألة. وللأمانة العلمية أسوق لك ما قاله في هامش نفس الصفحة بأحرفه: [هذا ما جنح إليه الشيخ المؤلف رحمه الله تعالى هنا في حديث ابن لهيعة، وقد ذكر مستنده على ذلك. أما قوله: (إنه جاوز القنطرة لرواية الشيخين عنه) فغير مسلم، لأن مسلماً إنما أخرج له مقروناً بغيره، وهو "عمرو بن الحارث". وقد تقرر أن المخرج لهم في الشواهد والمتابعات - دون الأصول - لا يكون ذلك توثيقاً لهم، بل لنكتة خفية أو ظاهرةً أخرج لهم في الصحيح. هذا فيما يتعلق بإخراج مسلم لابن لهيعة في "الصحيح" أما البخاري فقد أخرج في كتاب الفتن من صحيحه: عن المقري عن حيوة و"غيره" عن أبي الأسود قال: "قطع على أهل المدينة بعث... " الحديث، عن عكرمة عن ابن عباس. وروى هذا الحديث بصورة هذا السند في "الاعتصام" و"تفسير سورة النساء" وفي آخر "الطلاق" ولا يسمى قرين حيوة. قال ابن حجر: وهو ابن لهيعة لا شك فيه اهـ. ومثل هذا لا يعتبر تقوية للرجل، بل توثيقه ومجاوزته القنطرة، ولعل البخاري وقع في سماعه هذا السند بهذه الصورة، فأثبتها، ولم يجرأ على تسميته تنزيهاً لصحيحه، فقال: عن حيوة وغيره. والعلم عند الله. وأما قول الشيخ المؤلف رحمه الله: (ولا يقدح فيما رواه ابن لهيعة إلا جاهل بالصناعة والاصطلاح)، لا يعني به القدح في العلماء المتقدمين - كما توهمه بعضهم! - بدليل أنه أشار إلى اختلاف الناس فيه، كما في آخر هذا الوجه، وفي أول الوجه الثالث. وإنما يعني به - في نظره - من لم يحسن تنزيل قواعد الجرح والتعديل على أقوال العلماء المتقدمين، ولا شك أن كلام الشيخ هنا خلاف الصواب في هذه المسألة، بيد أنه ليس أول قائل بتوثيق ابن لهيعة مطلقاً، فقد سبقه من المتقدمين والمتأخرين جماعة، وكلام الشيخ المؤلف على حديث ابن لهيعة في "الوجه الثالث" أقرب للصواب، من رأيه هنا. والذي يترجح في حال حديث ابن لهيعة أنه حسن في الشواهد والمتابعات]؛

 

* وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة [جمع الشاملة - 1 (1/121)]: [هذا الحديث النص على أنه لا يستغاث بالنبي، صلى الله عليه وسلم، ولا بمن دونه، كره، صلى الله عليه وسلم، أن يستعمل هذا اللفظ في حقه وإن كان مما يقدر عليه في حياته؛ حماية لجناب التوحيد، وسدا لذرائع الشرك، وأدبا وتواضعا لربه، وتحذيرا للأمة من وسائل الشرك في الأقوال والأفعال، فإذا كان هذا فيما يقدر عليه، صلى الله عليه وسلم، في حياته فكيف يجوز أن يستغاث به بعد وفاته ويطلب منه أمور لا يقدر عليها إلا الله عز وجل؟! وإذا كان هذا في الرسول، صلى الله عليه وسلم، فكيف بمن دونه؟! وأما الإجماع: فالأمة مجمعة على أن الدعاء من خصائص الله جل وعلا، وصرفه لغيره شرك]؛ لاحظ أكذوبة (الإجماع): (وأما الإجماع: فالأمة مجمعة على أن الدعاء من خصائص الله جل وعلا، وصرفه لغيره شرك)؛ أكذوبة، ورب الكعبة، إلا إذا قلنا: الوهابيون مجمعون، وهم (الأمة) حصراً، ومن سواهم ليس من الأمة لأنه كافر مشرك؛

 

* وجاء في فتاوى الشبكة الإسلامية [بجمع الشاملة - (9/2101)]: [فقد سبق لنا أن بينا حالات استعمال عبارة يا رسول الله، وحكم كل حالة في الفتوى رقم: 14620، فراجعها، وعبارة يا محمد ليست من ألفاظ التعجب بل إن أكثر ما تستعمل عند العامة في الاستغاثة بالنبي، صلى الله عليه وسلم، ولهذا ينبغي تجنب استعمالها عند التعجب سدا للذريعة وبعدا عن التشبه بمن يقولها استغاثة فقد أخرج الطبراني في المعجم الكبير عن عبادة بن الصامت قال: قال أبو بكر: قوموا نستغيث برسول الله، صلى الله عليه وسلم، من هذا المنافق فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إنه لا يستغاث بي، إنما يستغاث بالله عز وجل. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، غير ابن لهيعة وهو حسن الحديث. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الاستغاثة: وهو صالح للاعتضاد، ودل على معناه الكتاب والسنة. وتوسع في (تلخيص كتاب الاستغاثة) في بيان صحة معناه، وقال الشيخ سليمان بن عبد الله في (تيسير العزيز الحميد): المراد بذلك الإرشاد إلى حسن اللفظ والحماية منه، صلى الله عليه وسلم، لجانب التوحيد وتعظيم الله تبارك وتعالى، فإذا كان هذا كلامه، صلى الله عليه وسلم، في الاستغاثة به فيما يقدر عليه فكيف بالاستغاثة به أو بغيره في الامور المهمة التي لا يقدر عليها أحد إلا الله، كما هو جار على ألسنة كثير من الشعراء وغيرهم، وقل من يعرف أن ذلك منكر فضلا عن معرفة كونه شركاء. انتهى. وللمزيد من الفائدة راجع الفتوى رقم: 31789]؛

 

* وتفلسف الغنيمان حيث جاء في شرحه لفتح المجيد (134/2، دروس صوتية - بترقيم الشاملة آليا): [ونحو ذلك الحديث السابق الذي فيه أن رجلاً من الصحابة آذاه منافق فقال: قوموا بنا إلى الرسول، صلى الله عليه وسلم، نستغيث به من هذا المنافق، فقال، صلى الله عليه وسلم: (إنه لا يستغاث بي، إنما يستغاث بالله) ومعلوم أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، كان يستطيع أن يأمر بقتله، ولو قال لأحد الصحابة: اقتله؛ لأسرع مبادراً إلى قتله، بل لتسابقوا إلى ذلك، ولكن أراد صلوات الله وسلامه عليه أن يمنع الوسائل التي يمكن أن يدخل معها إلى ما لا يجوز، ونحو ذلك أشياء كثيرة جداً بينت في الأحاديث عن النبي، صلى الله عليه وسلم](!!!)؛

 

* ولكن علي بن حسين فقيهي كان أحسن حالاً، شيئاً ما، عندما تفلسف في أرشيف ملتقى أهل الحديث - 3 (30/419): [والحديث فيه ضعف. والخبر - لو صح - يحتمل أحد أمرين: أحدهما: أنه، صلى الله عليه وسلم، قال (نه لا يستغاث بي) لأنه لا يستطيع قتل عبد الله بن أبي لأنه ممنوع من ذلك، صلى الله عليه وسلم، لئلا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه؛ والاحتمال الثاني: أنه قال ذلك، صلى الله عليه وسلم، سداً للذريعة وإن كان يقدر على قتله أو سجنه أو نفيه من الأرض وإنما قال ذلك من باب سد الذرائع حتى لا يتساهلوا في مثل هذا الكلام ويعتادوه فيقعوا في المحذور]؛

 

* وجاء في تفسير الألوسي [روح المعاني (3/297)]: [(الثاني): أن الناس قد أكثروا من دعاء غير الله تعالى من الأولياء الأحياء منهم والأموات وغيرهم، مثل يا سيدي فلان أغثني، وليس ذلك من التوسل المباح في شيء، واللائق بحال المؤمن عدم التفوه بذلك وأن لا يحوم حول حماه، وقد عدّه أناس من العلماء شركا، وأن لا يكنه، فهو قريب منه ولا أرى أحدا ممن يقول ذلك إلا وهو يعتقد أن المدعو الحي الغائب أو الميت المُغَيَّب يعلم الغيب أو يسمع النداء ويقدر بالذات أو بالغير على جلب الخير ودفع الأذى وإلا لما دعاه ولا فتح فاه، وفي ذلك بلاء من ربكم عظيم، فالحزم التجنب عن ذلك وعدم الطلب إلا من الله تعالى القوي الغني الفعال لما يريد (1). ومن وقف على سر ما رواه الطبراني في معجمه من أنه كان في زمن النبي، صلى الله عليه وسلم، منافق يؤذي المؤمنين فقال الصديق رضي الله تعالى عنه: قوموا بنا نستغيث برسول الله، صلى الله عليه وسلم، من هذا المنافق فجاؤوا إليه، فقال: إنه لا يستغاث بي إنما يستغاث بالله تعالى» لم يشك في أن الاستغاثة بأصحاب القبور - الذين هم بين سعيد شغله نعيمه وتقلبه في الجنان عن الالتفات إلى ما في هذا العالم، وبين شقي ألهاه عذابه وحبسه في النيران عن إجابة مناديه والإصاخة إلى أهل ناديه - أمر يجب اجتنابه ولا يليق بأرباب العقول ارتكابه، ولا يغرنك أن المستغيث بمخلوق قد تقضى حاجته وتنجح طلبته فإن ذلك ابتلاء وفتنة منه عز وجل، وقد يتمثل الشيطان للمستغيث في صورة الذي استغاث به فيظن أن ذلك كرامة لمن استغاث به، هيهات هيهات إنما هو شيطان أضله وأغواه وزين له هواه، وذلك كما يتكلم الشيطان في الأصنام ليضل عبدتها الطغام، وبعض الجهلة يقول: إن ذلك من تطور روح المستغاث به، أو من ظهور ملك بصورته كرامة له ولقد ساء ما يحكمون، لأن التطور والظهور وإن كانا ممكنين لكن لا في مثل هذه الصورة وعند ارتكاب هذه الجريرة، نسأل الله تعالى بأسمائه أن يعصمنا من ذلك، ونتوسل بلطفه أن يسلك بنا وبكم أحسن المسالك]؛ انتهى نصاً بعد تصحيح بعض الأغلاط الإملائية، وإضافة بعض علامات ترقيم؛

فأقول: اللهم لك الحمد: أصبح الحديث المكذوب الباطل يحتوي (على سر)!! فإنا لله، وإنا إليه راجعون. وعلى كل حال فقد أعجبت بلاغة بعض هذا النص الوهابيين فتناقلوا جملته (الاستغاثة بأصحاب القبور - الذين هم بين سعيد شغله نعيمه... إلخ)، فقل أن يخلو منها مصنف من مصنفاتهم. وللإنصاف أقول: لا يعتبر الألوسي وهابياً صرفاً، وإنما هو شبه وهابي؛

ــ ولكن المحقق/علي عبد الباري عطية لم يستطع على هذا الكلام (المعتدل نسبياً) صبراً، فهمش قائلاً: [(1) هذا هو الحق وهو أنه يجتنب ذلك مطلقا، وما مال إليه المصنف قبل من الجواز هو رأي له غير مقبول فتنبه]؛

 

فصل: الطواف حول القبر ليس (عبادة) للقبر

و أما قول الفرقة الوهابية أن الطواف بالقبور، بقبر عبد القادر الجيلاني، أو أحمد البدوي، مثلاً، شرك كفري يخرج من الملة، بمجرد فعله، أي بمجرد الطواف من حيث هو فعل مجرد يشبه في ظاهره الطواف حول الكعبة مثلاً، بغض النظر عن معتقد الفاعل في عبد القادر الجيلاني، أو أحمد البدوي، وبغض النظر عن المقصد من الفعل؛ وهم عادة يقولون باختصار: (الطواف حول القبور عبادة للقبور)؛ قولهم هذا، بالإضافة إلى كونه خطأً محضاً، وإفكاً مجرداً: شاهد على الإفلاس الفكري للوهابيين، ودليل على نظرتهم السطحية إلى الأفعال، والخلط بين متعلقات تلك الأفعال.

 

وليس خصومها، أعني خصوم الفرقة الوهابية، بأعمق فكراً، ولا أحسن حالاً، إلا قليلاً، عندما يقول أحدهم، مثلاً: (أن الطواف بالقبور ليس بالضرورة شركا ولا عبادة وأنه كالطواف بالبيت الحرام: فكما أن الطواف بالبيت ليس عبادة للبيت، كذلك الطواف بالقبر ليس عبادة للقبر)!

 

نعم: الطواف يكون بـ(شيء) ما، أو حول (شيء) ما؛ ويكون له (قصد) ما:

ــ فقد يتدرب رياضي استعداداً لسباق طويل (عشرة آلاف متر مثلا) بالركض حول مركز ملعب رياضي كبير عشرات المرات، والقصد هو تقوية العضلات وتحقيق اللياقة البدنية: هذا طواف حول مركز الملعب، وليس هو موجه إلى شيء، فليس هو عبادة للملعب، ولا هو عبادة لشيء آخر أصلاً؛

ــ ويطوف المسلم حول الكعبة، موقناً بأن الله هو الإله الواحد الأحد، تقرباً إلى الله، مطيعاً لأمر الله: فهذا طواف عبادة لـ(الله)، وهو في نفس الوقت طواف حول الكعبة، وليس عبادة للكعبة؛

ــ وقد يطوف إنسان حول بناء معماري أو تحفة فنية حتى يستوعب جميع نواحي الجمال فيها، والقصد هو التذوق الفني: هذا طواف حول المبنى أو التحفة، وليس عبادة للمبنى أو التحفة، ولا هو عبادة لشيء آخر أصلاً؛

ــ ويطوف المؤمنون بألوهية كريشنا في الهند حول كل معبد من معابد كريشنا، تقرباً إليه: هذا طواف عبادة لـ(كريشنا)، وهو في نفس الوقت طواف حول جدران المعبد، وليس عبادة للمعبد ولا هو عبادة لجدران المعبد؛

 

فمن المقطوع به إذاً أن طواف إنسان حول قبر ليس عبادة للقبر من حيث هو طواف مجرد، ولكن السؤال الآن هو: ما هو قصد هذا الطائف حول القبر، وهو له مقصد ولا بد، وإلا كان مجنوناً قد رفع عنه القلم؛، أو لعله ضرير فقد عصاه فهو يتخبط في سيره الذي وقع مصادفة في صورة الطواف:

ــ هل القصد هو التقرب إلى الله، موقناً بأن الله هو الإله الواحد الأحد، بالطواف حول قبر نبي من أنبيائه، أو ولي من أوليائه، إكراماً وتوقيراً للولي تقرباً إلى الله؟! فالطواف بالقبر حينئذ عبادة لله، ولا شك، وليس عبادة للقبر، كما أفحشت الفرقة الوهابية، ولكنها (عبادة) مبتدعة باطلة، لأن الإجماع المتيقن قد انعقد على أن الله لم يأمر بطواف حول نقطة أو مكان معين - وجوباً او استحباباً – غير الطواف بالكعبة. ومن تقرب إلى الله بما لم يأت دليل أصلاً على وجوبه أو استحبابه فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله؛ وهذا في ذاته بدعة كبرى، أي بدعة هي في ذاتها شرك وكفر، وفاعله ممن قال الله فيهم: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾، (الجاثية: 45: 23) ؛ فهو مشرك كافر، فهذا ليس عابداً للقبر، وإنما هو عابد لهواه؛ إلا من عذر بجهل أو تأويل (وهذا هو، إن شاء الله، حال أكثر أهل الإسلام المتورطين في مثل هذا) أو إكراه، أو غير ذلك من موانع تكفير المعين:

ــ أو أن القصد هو محض التكريم والتوقير لصاحب القبر؟! فنقول: هذا يصعب تصوره بدون امتزاجه بنوع تقرب إلى الله، لأن صاحب القبر ما استحق عند الطائف بقبره أصلاً هذه الحفاوة وهذا التكريم، بهذه الصورة المخصوصة، إلا لمكانته عند الله؛ وتوقير أنبياء الله وتكريمهم مما يتقرب به قطعاً إلى الله؛ فكيف يمكن تصور إخلاء الذهن، وتفريغ القلب، من أي تقرب إلى الله؟! فهذا كأنه يعود – والله أعلم – للنوع السابق. لا سيما إذا لا حظنا أن تكريم الإنسان في حياته يكون بتلقيه من تلقاء وجهه، ومعانقته، وتقبيل يديه، وربما رجليه: فلو ترك هذا الطائف طوافه، وألقى نفسه على القبر، يحتضنه ويقبله، لكان معقولاً، ولما وجد كبير إشكال؛ وما عهدنا إنساناً حياً يطوف حول إنسان حي إلا إذا كان يريد الانقضاض عليه واغتياله!

ــ أو لعل الطائف يعتقد في صاحب القبر شيئاً من الألوهية، كأن يعتقد أن الله حل فيه، أو أنه تطور أو ترقى إلى كائن إلاهي (على طريقة الحكيم الهندي دورفاس)، أو أن الله أشركه في الملك شراكة حقيقية، بحيث لا يقدر الله على منعه من التصرف، أو نقض ما أبرم التصرفات: فلا حاجة إلى كبير تحليل ونظر: هذا طواف عبادة لـ(صاحب القبر)، أو عبادة للمقبور؛ وهو في نفس الوقت طواف حول (القبر): ولا يجوز أن يقال أصلاً: (عبادة للقبر)، وإنما يقول هذا الرعاع والمتنابزين بالألقاب؛ أما أهل العلم والتحقيق فيقولون فقط: [عبادة لـ(صاحب القبر)، أو عبادة للمقبور]؛

ــ ولعل هناك أنواع أخرى للطواف، لها مقاصد أخرى: فلن يعجز القارئ الفطن عن إصدار الحكم عليها إذا نظر إليه نظرة مستنيرة فحلَّلها إلى جزئياتها بكل دقة وعناية.

 

وما قلناه في هذا الفصل عن (الطواف حول القبر)؛ وما قلناه في فصل سابق عن (القيام بخشوع وسكون تام على هيئة مخصوصة)، وكذلك عن (السجود)، ينطبق أيضاً على الزحف والحبو والمشي والهرولة والسعي بكيفية مخصوصة في مكان معين: فليس شيئاً من ذلك (عبادة) أصلاً، فلا نطيل بمناقشته أو البرهنة عليه.

 

فصل: ماهية (الدعاء):- دعاء المسألة ودعاء (العبادة)

وقد تخبطت الفرقة الوهابية في موضوع (الدعاء) كما تخبطت في مواضيع السجود والقيام والطواف، بل لعل تخبطها ها هنا أشد وأقبح، وإليك أولاً – قبل المناقشة – بعض النماذج:

* جاء في أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة (ص: 38)، وهو من تأليف (نخبة من العلماء)؛ ونشر وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، في ما يسمى: المملكة العربية السعودية، بتاريخ 1421هـ: [فمن دعا غير الله عز وجل بشيء لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك كافر سواء كان المدعو حيا أو ميتا، ومن دعا حيا. بما يقدر عليه مثل أن يقول: يا فلان أطعمني، أو يا فلان اسقني، ونحو ذلك فلا شيء عليه، ومن دعا ميتا أو غائبا. بمثل هذا فإنه مشرك؛ لأن الميت والغائب لا يمكن أن يقوم. بمثل هذا]، انتهي؛

 

* وجاء في شرح ثلاثة الأصول - صالح آل الشيخ (ص: 21): [وهذه المسألة مقررة تقريرا واضحا في كتب أهل العلم؛ ألا وهي أن قوله تعالى ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، [الجن: 18]، أنه يشمل نوعي الدعاء؛ دعاء المسألة ودعاء العبادة. وقد جاء في الحديث الصحيح عن النعمان بن بشير أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال «الدعاء هو العبادة»، وفي معناه ما جاء عن أنس مرفوعا «الدعاء مخ العبادة»]، انتهي؛

 

* وجاء في اللقاء الشهري لابن عثيمين (3/226): [(السؤال): فضيلة الشيخ: أرجو أن تبين لي الفرق بين دعاء المسألة ودعاء العبادة؟

(الجواب): جميع العبادات التي يتعبد بها الإنسان دعاء عبادة، الصلاة دعاء عبادة، الصدقة دعاء عبادة، الصوم دعاء عبادة، الحج دعاء عبادة، بر الوالدين دعاء عبادة، طلب العلم دعاء العبادة، لأنك لو تسأل هذا العابد: ماذا تريد بالعبادة؟ قال: أريد التقرب إلى الله وأن أحل دار كرامته. إذاً هو داع بلسان الحال. أما دعاء المسألة: فأن يسأل الإنسان ربه ما يريد فيقول: اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، اللهم اهدني، وما أشبه ذلك، فهذا هو الفرق، فكل عابد لله فهو داع بلسان الحال، وكل سائل فهو داع...إلخ]، انتهي؛

 

* وجاء في فتاوى نور على الدرب النصية (6/9): [هذا سؤال بعث به كل من الأخ سليمان ومحمد من حضرموت: (قال أهل العلم: إن الدعاء ينقسم إلى قسمين: دعاء عبادة ودعاء مسألة، ماذا يقصد بكل منهما؟

فأجاب رحمه الله تعالى: يريد العلماء رحمهم الله بتقسيم الدعاء إلى قسمين: دعاء مسألة ودعاء عبادة، ما ذكره الله تعالى في قوله: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ). فدعاء المسألة: أن تسأل الله تعالى حاجاتك، بأن تقول: رب اغفر لي وارحمني وارزقني وعافني واجبرني وما أشبه ذلك. ودعاء العبادة: أن تتعبد لله تبارك وتعالى بما شرع، تصلى وتزكي وتصوم وتحج وتفعل الخير؛ لأن هذا الذي يتعبد لله ما قصد إلا رضوان الله وثوابه، فهو داع لله تعالى بلسان الحال له لا بلسان المقال. على أن بعض هذه العبادات التي يتعبد بها تتضمن دعاء المسألة، كالصلاة مثلاً، ففي الصلاة يقول المصلى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) وهذا دعاء مسألة. ويقول: رب اغفر لي وهذا دعاء مسألة، ويقول: السلام عليك أيها النبي، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، اللهم صل على محمد، اللهم بارك على محمد، أعوذ بالله من عذاب جهنم، وهذا كله دعاء مسألة. فالفرق بينهما إذاً: أن دعاء المسألة أن يسأل الله تعالى شيئاً مباشرة، سواء سأله حصول مطلوب أو سأله النجاة من مرهوب. ودعاء العبادة أن يتعبد لله تعالى بما شرع، رجاء ثوابه جل وعلا، وخوفاً من عقابه، هذا هو معنى تقسيم أهل العلم رحمهم الله]، انتهي؛

 

* وجاء في أجوبة مفيدة عن وأسئلة عديدة لعبدالعزيز الراجحي (8/66/7426): [حدثنا معلى بن أسد، حدثنا وهيب، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان النبي، صلى الله عليه وسلم، - يقول عند الكرب: (لا إله إلا الله العليم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات، ورب الأرض، ورب العرش الكريم).

الشرح: هذا دعاء يدعى به عند الكرب والشدة، قوله: (لا إله إلا العليم الحليم) في رواية أخرى (العظيم الحليم) وقوله: (رب السماوات ورب الأرض): في رواية أخرى (رب السماوات): وليس فيها رب الأرض. وهذا الدعاء دعاء عبادة، وفي ضمنة دعاء المسألة، فهو يذكر الله، ويثني عليه، ويهلل، يريد من الله أن يفكّ كربته، وأن يزيل عنه الشدة، فهو دعاء في المعنى ودعاء العبادة، مثل الصلاة والصدقة والصيام، كل هذه الأمور من دعاء العبادة، فالمصلي يطلب الثواب من الله - تعالى - في المعنى، والصائم كذلك، أما دعاء المسألة، فمثل إذا دعا ربه بلسانه، فقال: اللهم اغفر لي الهم ارحمني، وهكذا جميع العبادات التي يفعلها الإنسان كلها من دعاء المسألة؛ لأن المتعبد سائل في المعنى، فقوله (لا إله إلا الله العليم الحليم): هذا دعاء عبادة؛ لأنه يريد بذلك أن يفرج الله كربته]، انتهي؛

 

* وجاء في القواعد الحسان في تفسير القرآن لعبدالرحمن السعدي (1/87): [وقوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّه﴾ [المؤمنون: من الآية117]، ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن: من الآية18]، ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ [القصص: من الآية88]، يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة. فكما أن من طلب من غير الله حاجة لا يقدر عليها إلا الله فهو مشرك وكافر، فكذلك من عبد مع الله غيره فهو مشرك وكافر]؛

 

* وجاء في صالح بن عبد العزيز آل الشيخ (11/68): [قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، (تَدْعُونَ) يعني تعبدون، وقد تكون العبادة بدعاء المسألة، وقد يكون بأنواع العبادة الأخرى، أو نقول (تَدْعُونَ) هذه تشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة لأنه حالتان من أحوال أهل الإشراك بالله]؛

* وجاء في الإعلام بتوضيح نواقض الإسلام [تأليف عبدالعزيز بن مرزوق الطّريفي - (ص: 6)]: [وللشرك الأكبر أقسام أربعة: الأول: شرك الدعوة - أي الدعاء -: وهو أن يدعو العبد غير الله كدعاء الله عبادة ومسألةً، فمن دعا غير الله كدعاء الله فقد أشرك بالله، قال تعالى عن هذا النوع من الشرك [العَنكبوت: 65]﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ يشركون في الدعاء. فمن كان مراده بالدعاء طلب نفع أو دفع ضر فهذا دعاء المسألة. ومن كان مراده الخضوع والانكسار والذل بين يدي الله جل شأنه فهذا دعاء عبادة. والدعاء بنوعيه دعاء المسألة ودعاء العبادة لا يجوز التوجه به لغير الله، فالدعاء من أعظم العبادات وأفضل القربات وأجل الطاعات قال تعالى: [البَقَرَة: 186]﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ وقال آمراً بدعائه وسؤاله: [غَافر: 60]﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ *﴾ و[النِّسَاء: 32]﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾]؛

 

ولعل في هذه النصوص كفاية، وليس عند القوم سوى تكرار هذا الكلام المرسل السقيم، مطولاً بالإكثار من ضرب الأمثلة تارة، ومختصراً تارة أخرى. ولعل القارئ الكريم لاحظ أيضاً كثرة الأسئلة الواردة عن الفرق بين (دعاء المسألة) و(دعاء العبادة) لأنها – فيما يبدو – قد أعضلت بكثير من الناس، كما اضطرب فيها (علماؤهم) أنفسهم!!

 

فأما فيما يتعلق بلفظة (الدعاء) و(الدعوة)؛ وأصله الثلاثي (د ع و): دعا، يدعو، دعاءً أو دعوة، وهو داعي أو (داع)، ومشتقاتها، فخير ما نحرر به معانيها هو استقراء آي الذكر الحكيم. وقد فعلنا ذلك واستوعبنا، فلا نظن أنه فاتتنا آية أصلاً، كما هو مذكور بتمامه أدناه بالرغم من أنه طال جداً؛ وجدناها تأتي حصراً بالمعاني التالية:

* المعنى الأول: ولعله المعنى الأصلي: مجرد الخطاب، وكذلك النداء والهتاف: بمعنى: اسمع، وتعال وأقبل وهلم إلينا؛ من غير طلب شيء من المخاطب غير إسماعه، ولفت انتباهه؛ وربما دعوته للحضور والشهادة؛ ويكون هذا في الغالب بصوت مرتفع، ونحو ذلك:

ــ ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾، (الكهف؛ 18: 52)، (فَدَعَوْهُمْ) يعني: فنادوهم؛

ــ ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾، (القصص؛ 28: 64)، (فَدَعَوْهُمْ) يعني: فنادَوْهم؛

ــ ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْفَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، (الأعراف؛ 7: 194)، (فَادْعُوهُمْ) يعني: فنادُوهم؛

ــ ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾، (الأعراف؛ 7: 195)، (ادْعُوا) يعني: نادوا شركاءكم؛

ــ ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾، (الإسراء؛ 17: 56)، (ادْعُوا) يعني: نادوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ؛

ــ ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾، (سبأ؛ 34: 22)، (ادْعُوا) يعني: نادوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ؛

ــ ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾، (الفرقان؛ 25: 13، 14): وهذا مجاز: كأنهم ينادون الهلاك والثبور ليأتي مخلصاً لهم مما هم فيه من العذاب؛

ــ ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾، (الأعراف؛ 195): وهذا تحدي واستهزاء: نادوا شُرَكَاءَكُمْ ليشاركوكم في الكيد لي؛

ــ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾، (القمر؛ 54: 6): (يَدْعُ الدَّاعِ) يعني: ينادي المنادي؛

ــ ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (42) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾، (القلم؛ 68: 42 - 43): (يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ) يعني: ينادون مطالبين السجود؛

ــ ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾، (طه؛ 20: 108): (الدَّاعِيَ) هو المنادي؛

ــ ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾، (الأنبياء؛ 14، 15): (دَعْوَاهُمْ) يعني: هتافهم؛

ــ ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾، (الأعراف؛ 7: 5): (دَعْوَاهُمْ) يعني: هتافهم؛

ــ ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، (يونس؛ 10): (دَعْوَاهُمْ) يعني: هتافهم؛

ــ ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، (إبراهيم؛ 22)، (دَعَوْتُكُمْ) يعني: ماديتكم؛

 

وهو كذلك، أو نحوه وقريباً منه، في عموم الآيات التاليات:

ــ ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾، (القصص؛ 28: 64)؛

ــ ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، (الروم؛ 25)؛

ــ ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾، (البقرة؛ 2: 282)؛

ــ ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾، (النور؛ 24: 48)؛

ــ ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، (النور؛ 24: 51)؛

ــ ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾، (الانشقاق؛ 84: 10 - 12)؛

ــ ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾، (القصص؛ 28: 64)؛

ــ ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾، (سبأ؛ 34: 22)؛

ــ ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾، (فاطر؛ 35: 18)؛

ــ ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (15) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (20) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾، (المعارج؛ 70: 15 - 17)؛

ــ ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾، (الشعراء؛ 72، 73)؛

ــ ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾، (آل عمران؛ 3: 61)؛

ــ ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾، (العلق؛ 96: 17، 18)؛

ــ ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾، (الإسراء؛ 17: 71)؛

ــ ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾، (البقرة؛ 2: 260)؛

ــ ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾، (آل عمران؛ 3: 153)؛

ــ ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾، (الإسراء؛ 52)؛

ــ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾، (الأحزاب؛ 33: 53)؛

ــ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (6) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (7) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾، (القمر؛ 6 - 8)؛

ــ ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، (البقرة؛ 171)؛

ــ ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾، (النور؛ 24: 63): يعني: لا يكون خطابكم للرسول كخطاب بعضكم لبعض بالاسم وبأصوات مرتفعة، وإنما يجب غض الصوت، وأن يقال: (يا رسول الله،... يا نبي الله)؛

ــ ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾، (الأنبياء؛ 21: 45)؛

ــ ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾، (النمل؛ 27: 80)؛

ــ ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾، (الروم؛ 30: 52)؛

ــ ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾، (فاطر؛ 35: 14)؛

ــ ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾، (الأحقاف؛ 46: 5)؛

ــ ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، (الروم؛ 30: 25)؛

 

* المعنى الثاني: الاستضافة ومطالبة المدعو بأقوال وأفعال على وجه النصح والإرشاد؛ وأشهر صورة لها: الدعوة إلى الإيمان بالله، ونحو ذلك، ويأتي عادة متعديا بحرف (إلى) للأسماء، أو بـ(اللام) للأفعال:

ــ ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، (النحل؛ 125)؛

ــ ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، (فصلت؛ 33)؛

ــ ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾، (الأعراف؛ 193)؛

ــ ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾، (الأعراف؛ 198)؛

ــ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لـمَا يُحْيِيكُمْ﴾، (الأنفال؛ 24)؛

ــ ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾، (نوح؛ 5)؛

ــ ﴿فَلـذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾، (الشورى؛ 15)؛

ــ ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لـتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾، (نوح؛ 7)؛

ــ ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لـأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾، (غافر؛ 41 - 43)؛

ــ ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾، (الكهف؛ 57)؛

ــ ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾، (محمد؛ 35)؛

ــ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾، (غافر؛ 10)؛

ــ ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لـتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾، (محمد؛ 38)؛

ــ ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾، (هود؛ 62)؛

ــ ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾، (فصلت؛ 5)؛

ــ ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾، (إبراهيم؛ 9)؛

ــ ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾، (الشورى؛ 13)؛

ــ ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، (الأنعام؛ 71)؛

ــ ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾، (البقرة؛ 221)؛

ــ ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾، (البقرة؛ 221)؛

ــ ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾، (القصص؛ 41)؛

ــ ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، (يونس؛ 25)؛

ــ ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لـيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، (إبراهيم؛ 10)؛

ــ ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لـتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، (الحديد؛ 8)؛

ــ ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾، (آل عمران؛ 23)؛

ــ ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، (آل عمران؛ 104)؛

ــ ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، (يوسف؛ 33)؛

ــ ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾، (آل عمران؛ 23)؛

ــ ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾، (القلم؛ 43)؛

ــ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾، (لقمان؛ 21)؛

ــ ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لـيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾، (فاطر؛ 6)؛

ــ ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لـتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾، (محمد؛ 38)؛

ــ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾، (غافر؛ 10)؛

ــ ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، (الصف؛ 7)؛

ــ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾، (الأحزاب؛ 45، 46)؛

ــ ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾، (نوح؛ 8)؛

ــ ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، (الأحقاف؛ 31، 32)؛

ــ ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾، (إبراهيم؛ 44)؛

ــ ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ﴾، (القصص؛ 28: 25)؛

ــ ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، (الجاثية؛ 45: 28)؛

ــ ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾، (الفتح؛ 20)؛

 

* المعنى الثالث: الطلب والمسألة باستعلاء، على وجه الاستحقاق، ونحو ذلك؛ وهو قليل في القرآن؛ ولم نجده إلا:

(أ) - متعديا بحرف (الباء): (يدعو بـ) في موضعين من القرآن العظيم:

ــ ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِـفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾، (ص؛ 51)؛

ــ ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِـكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾، (الدخان؛ 55)؛

 (ب) - أو مشتقاً على وزن (افتعل): ادَّعى من دعا، كقولك: اكتتب من كتب، في ثلاث مواضع:

ــ ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾، (يس؛ 57)؛

ــ ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾، (فصلت؛ 31)؛

ــ ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (26) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾، (الملك؛ 25 - 27)؛

 

* المعنى الرابع: الجعل والنسبة والتسمية: جَعَلَ، وسَمَّى، ونحوها، ونحو ذلك؛ وهو قليل في القرآن:

ــ ﴿قَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾، (مريم؛ 19: 88 - 92): (دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا) يعني: نسبوا إلى الرحمن ولداً؛

ــ ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾، (الأحزاب؛ 5): (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ) انسبوهم لِآبَائِهِمْ؛

ــ ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، (الأحزاب؛ 4): (أَدْعِيَاءَكُمْ) يعني: المنسوبين إليكم بالتبني؛

ــ ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾، (الأحزاب؛ 37): (أَدْعِيَائِهِمْ) يعني: المنسوبين إليهم بالتبني؛

ــ ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾، (المؤمنون؛ 117): (يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) يعني: (يجعل مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ)، أو بلفظ آخر: (ينسب شيئاً من الألوهية لغير الله). ويحتمل أن تكون هذه من النوع الخامس وسيأتي قريباً؛

ــ ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾، (الشعراء؛ 213): (َلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) يعني: (لا تجعل مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ)، أو بلفظ آخر: (لا تننسب شيئاً من الألوهية لغير الله). وهذه أيضاً يحتمل أن تكون من النوع الخامس؛

ــ ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، (القصص؛ 88): (َلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) يعني: (لا تجعل مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ)، أو بلفظ آخر: (لا تننسب شيئاً من الألوهية لغير الله). وهذه أيضاً يحتمل أن تكون من النوع الخامس؛

ــ ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾، (الفرقان؛ 68): (لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) يعني: (لا يجعلون مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ)، أو بلفظ آخر: (لا ينسبون شيئاً من الألوهية لغير الله). ويحتمل أن تكون هذه أيضاً من النوع الخامس وسيأتي قريباً؛

ــ ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، (الجن؛ 18): (لَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) يعني: (لا تجعلوا مَعَ اللَّهِ أحداً في الألوهية)، أو بلفظ آخر: (لا تنسبوا شيئاً من الألوهية لغير الله)، ولكن هذه في الأرجح من النوع الخامس؛

 

* المعنى الخامس: الطلب والمسألة بخضوع وتضرع، ويكون عادة بصوت خاشع منخفض، وهذا هو الذي يسميه الوهابيون (دعاء المسألة)؛ وهو الغالب الأكثر في القرآن، وهو محل البحث والجدل ها هنا:

ــ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، (غافر؛ 60): (ادْعُونِي) يعني: اطلبوا مني واسألوني بخشوع وذلة؛

ــ ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، (الأعراف؛ 55): (ادْعُوا رَبَّكُمْ) يعني: اطلبوا من رَبِّكُمْ واسألوا رَبَّكُمْ بخشوع وذلة؛

وهو كذلك، أو نحوه وقريباً منه، في عموم الآيات التاليات:

ــ ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، (البقرة؛ 186)؛

ــ ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، (الأعراف؛ 29)؛

ــ ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾، (الأعراف؛ 56)؛

ــ ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، (الأعراف؛ 180)؛

ــ ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، (غافر؛ 65)؛

ــ ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، (البقرة؛ 186)؛

ــ ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾، (الرعد؛ 14): (دَعْوَةُ الْحَقِّ) يعني: الدعوة المستجابة؛

ــ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾، (إبراهيم؛ 40)؛

ــ ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾، (غافر؛ 50)؛

ــ ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾، (فصلت؛ 49)؛

ــ ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾، (فصلت؛ 51)؛

ــ ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾، (مريم؛ 48)؛

ــ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾، (إبراهيم؛ 39 - 41)؛

ــ ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾، (الإسراء؛ 11)؛

ــ ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾، (الفرقان؛ 77)؛

ــ ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾، (مريم؛ 2 - 4)؛

ــ ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، (آل عمران؛ 38)؛

ــ ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾، (الأنبياء؛ 89، 90)؛

ــ ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، (يونس؛ 89)؛

ــ ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾، (الجن؛ 19)؛

ــ ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾، (الزمر؛ 8)؛

ــ ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾، (الدخان؛ 22)؛ يعني؛ فأنجني منهم؛

ــ ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾، (القمر؛ 10)؛

ــ ﴿67) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾، (البقرة؛ 68، 69 - 70)؛

ــ ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، (الأعراف؛ 134)؛

ــ ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾، (الزخرف؛ 49)؛

ــ ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾، (البقرة؛ 61)؛

ــ ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، (يونس؛ 12)؛

ــ ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا﴾، (الزمر؛ 49)؛

ــ ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾، (النمل؛ 62)؛

ــ ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾، (الأعراف؛ 189)؛

ــ ﴿جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾، (يونس؛ 22)؛

ــ ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾، (العنكبوت؛ 65)؛

ــ ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾، (الروم؛ 33)؛

ــ ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾، (لقمان؛ 32)؛

ــ ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، (الأعراف؛ 55)؛

ــ ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾، (الزمر؛ 8)؛

ــ ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، (الأنعام؛ 52)؛

ــ ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، (الكهف؛ 28)؛

ــ ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، (الإسراء؛ 110)؛

ــ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾، (غافر؛ 49)؛

ــ ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾، (الأنعام؛ 40، 41)؛

ــ ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (27) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾، (الطور؛ 27، 28)؛

ــ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾، (غافر؛ 49)؛

ــ ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾، (غافر؛ 12)؛

ــ ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (73) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾، (غافر؛ 73، 74)؛

ــ ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾، (الأنعام؛ 63)؛

ــ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾، (السجدة؛ 20)؛

ــ ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (47) وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (48) لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (49) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (50) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾، (فصلت؛ 47 - 51)؛

 

وهو كذلك في عموم الآيات التاليات التي جاءت على صورة: (تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ)، والتي قد ترد عليها بعض الإشكالات:

ــ ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، (الأنعام؛ 56)؛

ــ ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾، (الإسراء؛ 56، 57)؛

ــ ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾، (الأعراف؛ 37)؛

ــ ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، (الأعراف؛ 194): (فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ) هذه ليست من هذا النوع، وإنما هي استهزاء وتحدي من النوع الأول، بمعنى: نادوهم وسترون إن كانوا سيستجيبون لكم!؛

ــ ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾، (الأعراف؛ 197)؛

ــ ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾، (مريم؛ 48)؛

ــ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾، (الحج؛ 73)؛

ــ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾، (فاطر؛ 13)؛

ــ ﴿أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾، (فاطر؛ 40)؛

ــ ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾، (الزمر؛ 38)؛

ــ ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾، (فاطر؛ 13، 14)؛

ــ ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، (النحل؛ 86)؛

ــ ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾، (الكهف؛ 14)؛

ــ ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾، (الأنعام؛ 71)؛

ــ ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، (يونس؛ 106)؛

ــ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (12) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾، (الحج؛ 11 - 13)؛

ــ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾، (الحج؛ 62)؛

ــ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، (العنكبوت؛ 41، 42)؛

ــ ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾، (يونس؛ 66)؛

ــ ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾، (هود؛ 101)؛

ــ ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾، (الرعد؛ 14)؛

ــ ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾، (النحل؛ 20)؛

ــ ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، (الزخرف؛ 86)؛

ــ ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾، (غافر؛ 20)؛

ــ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾، (لقمان؛ 30)؛

ــ ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، (الأنعام؛ 108)؛

ــ ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾، (النساء؛ 117)؛

ــ ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾، (الأحقاف؛ 5 - 6)؛

ــ ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، (غافر؛ 66)؛

ــ ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾، (الأحقاف؛ 4)؛

 

فنقول: وليس في شيء من الآيات السابقة - إذا قرأت في سياقها الصحيح – ضرورة توجب فهم لفظة (يدعون) بمعني (يعبدون) أصلاً: فلا معنى لتقسيم الوهابيين لـ(الدعاء) إلى (دعاء مسألة) و(دعاء عبادة).

 

وأما قول الوهابيين في قوله، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿قُلْ: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾، (الزمر؛ 38)؛ (تَدْعُونَ) يعني (تَعْبُدُونَ) كما تجده، مثلاً، عند صالح بن عبد العزيز آل الشيخ (11/68): [قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، (تَدْعُونَ) يعني تعبدون، وقد تكون العبادة بدعاء المسألة، وقد يكون بأنواع العبادة الأخرى، أو نقول (تَدْعُونَ) هذه تشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة لأنه حالتان من أحوال أهل الإشراك بالله]؛ فهو عدوان على اللغة العربية، وعلى القرآن بما يخل بلاغته المعجزة.

برهان ذلك: أننا لو استبدلنا في هذه الآية بعينها لفظة؛ (تَدْعُونَ) بلفظة (تَعْبُدُونَ) لتحصلنا على الجملة: [قُلْ: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ] ولذهب الترابط البديع في المعاني لأن المعنى الأصلي هو: هل تعتقدون أن آلهتكم التي تتضرعون إليها وتطلبون منها جلب المنافع ودفع الأضرار قادرة على نفعي بكشف ضر أصابني الله به، أو قادرة على ضري بمنع وصول رحمة الله إلي؟! فالكلام هنا عن (الطلب والسؤال بذلة وتضرع) لجلب نفع أو دفع ضر؛ وليس هو عن غيره من (العبادات). وهذا هو الحال في جميع الآيات التي سقناها أعلاه من آي الذكر الحكيم التي تحتوي (يدعو مِنْ دُونِ اللَّهِ)، او أحد تصريفاتها، لو استبدلنا لفظة: (يدعو)، ومشتقاتها أو تصريفاتها، بلفظة: (يعبد).

 

وإن كان ولا بد من صرفها، أو صرف بعضها، عن هذا المعنى الخامس (الضراعة والسؤال بذلة) فلأولى حينئذ أن تكون بالمعنى الرابع (الجعل والنسبة)، فيكون تأويل قوله، جل جلاله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ حينئذ هو: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تنسبون إليه الألوهية من دون اللَّهِ)، فهذا التعبير الأول في غاية الانسجام مع قوله تعالى مجده: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾، (الأنبياء؛ 21: 29)؛ أو: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تجعلونه إلاهاً مع اللَّهِ)؛ وهذه العبارة الثانية في أتم الانسجام مع قوله، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾، (الإسراء؛ 17: 22).

 

ومن هذا الصنف أيضاً أحاديث (عنق النار) الذي يخرج منها قائلاً: (أُمِرْتُ – أو وُكِّلْتُ - بثلاث)، فيذكر منها: (من دعا مع الله إلها آخر)؛ فقد جاءت طرق بلفظ: (من ادَّعَى مع الله إلها آخر): ادَّعَى على وزن افتعل من دعا؛ وطرق أخرى بلفظ (من جعل مع الله إلها آخر)، مما يدل على تطابق المعنى في أذهان الرواة من الصحابة والتابعين وأتباعهم، هذا إن لم أصل يكن تنوع الألفاظ من النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

 

ومن هذا الصنف كذلك حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه، الذي سبقت سياقته مراراً، وفيه: (وهل الشرك إلا من جعل مع الله إلها آخر؟!)؛ فقد جاء بلفظ: (وهل الشرك إلا من دعا مع الله إلها آخر) كما أخرجه الإمام أبو يعلى في مسنده (ج1/ص62/ح61): [حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَيَّانَ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ أَسْلَمَ، وَفَهْدٌ، قَالا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ، صلى الله عليه وسلم، مَعَ أَبِي بَكْرٍ، أَوْ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ، عَنِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ قَالَ: الشِّرْكُ أَخْفَى فِيكُمْ مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلِ الشِّرْكُ إِلا مَنْ دَعَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: الشِّرْكُ أَخْفَى فِيكُمْ مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، ثُمَّ قَالَ: أَلا أَدُلُّكَ عَلَى مَا يُذْهِبُ عَنْكَ صَغِيرَ ذَلِكَ وَكَبِيرَهُ؟ قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ مِمَّا لا أَعْلَمُ]، مما يدل أيضاً على تطابق المعنى في أذهان الرواة من التابعين وأتباعهم.

 

وحينئذ فقط يجوز أن نستبدل (تَدْعُونَ) في مثل قوله، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، بلفظة: (تَعْبُدونَ) استناداً إلى (المعادلة) التي أقمنا عليها قواطع الأدلة في أبواب سابقة:

 

(م2) - (عبادة غير الله) = (نسبة شيء من الألوهية لغير الله) = (أن تجعل مع الله إلاهاً آخر)

 

حينئذ، وحينئذ فقط، بالبرهان آنف الذكر، وليس بالمزاعم المجردة، والأقاويل المرسلة؛ وبالمعنى الصحيح للفظة (العبادة)، الذي حررناه في الأبواب السابقة، وليس بالوساوس الوهابية عنها، يصح أن نقول أن:

 

(مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) = (مَا تَعْبُدونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ)؛

 

فلا عجب، إذاً، أن تكون التفرقة بين (دعاء مسألة) و(دعاء عبادة) قد أعضلت بكثير من الناس، ولم تستسغه فطرهم السليمة لأن الحق – كما هو مبرهن عليه أعلاه - أنه ليس ثمة (دعاء مسألة) و(دعاء عبادة) أصلاً، وإنما ترد لفظة (دعا) بهذا المعنى أو ذاك (وبمعان أخرى أبضاً) حسب ما يقتضيه السياق. ولا تكاد ترد بمعنى (عبد) إلا في التركيبة المخصوصة: (دعا مِنْ دُونِ اللَّهِ)، أو (دعا مع اللَّهِ).

 

وقد فطن الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي، وهو من عقلاء الوهابية، لذلك حيث جاء في آثار (الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيي المعلمي اليماني) - [جمع الشاملة - (3/755)]: [ونُقِلَ عن بعض السلف تفسيرُ الدعاء في بعض ذلك بالعبادة، وكاد المفسِّرون المتأخَّرون يطبقون عليه، وفيه نظر؛ فإنه لا يُعرَف في اللغة. ولهذا لم يذكره كثيرٌ من أهل اللغة، حتى الذين يتعرَّضون للمجاز - كصاحب القاموس وصاحب الأساس وصاحب المصباح، بل لم يذكره الراغب - مع أن كتابه موضوع لغريب القرآن، ومَن ذكره - كصاحب اللسان - فإنما ذكره تفسيرًا لبعض الكلمات القرآنيَّة، وهذا من أشدِّ العيوب في كتب اللغة؛ يعمِدون إلى بعض الكلمات التي جاءت في القرآن وفسَّرها بعض السلف بشيءٍ أو فهموه هم من القرائن فيثبتون ذلك (لغةً)، مع أن السلف كانوا يتسامحون في التعبير؛ ثقةً بفهم السامع، فربمَّا فسَّروا الكلمة بلازمها، أو ببعض ما يدخل تحت عمومها، أو غير ذلك مما تدلُّ عليه في الجملة - كما نبَّه عليه المحقِّقون، ولذلك أكثر الاختلاف عنهم. وأما ما يفهمونه من القرائن فلعلَّهم يكونون مخطئين، فلا ينبغي أن يجزموا بأن ذلك (لغةٌ)؛ لأن الناظر في كتب اللغة إذا رأى مثلاً: (الحَرْد: المنع)، يأخذ هذا على أنه نقلٌ يقينيٌّ، ولا يكاد يخطر بباله أن قائل ذلك إنما فهم من الآية، وفي هذا ما فيه.

وغاية ما يمكنهم أن يقولوا: إنَّ جَعْلَه في تلك المواضع على حقيقته - وهو مجرَّد النداء - لا يصحُّ؛ لأن القرآن جعله في تلك المواضع شركًا، وجَعْلُه بمعنى الرغبة والسؤال لا يأتي؛ لما تقدَّم أنَّ ذلك خاصٌّ بالله عزَّ وجلَّ، ويزيد المتأخِّرون أنه نُقِل عن بعض السلف تفسير الدعاء في بعض تلك المواضع بالعبادة. وأقول: أمَّا كونه في تلك المواضع لا يصلح أن يُفسَّر بمجرَّد النداء فلا بأس به، وأما كونه لا يصلح أن يفسَّر بالرغبة والسؤال على وِزان دعاء الله عزَّ وجلَّ ففيه نظرٌ

 

وأما متى يكون (الدعاء) بمعنى الطلب والمسألة بخضوع وتضرع، الذي يسميه الوهابيون (دعاء المسألة)، (عبادة) بحيث يكون صرفها لغير الله شركا وكفراً، فهو – بلا شك - موضوع في غاية الخطورة، تخبط فيها المارق بن عبد الوهاب، مؤسس الفرقة الوهابية الدموية المارقة، شر تخبط، وكثرت عليه الردود فيها حتى (ضبطها) لهم الإمام محمّد بن علي الشوكاني.

 

نعم: لقد حاول الإمام محمّد بن علي الشوكاني مزيد تحرير لمسألة (الدعاء)، محاولاً تجاوز الإشكاليات، والاعتراضات التي أثارها السيد العلامة محمّد بن إسماعيل الأمير الصنعاني عندما قال (أعني: الشوكاني) في رسالة «وجوب توحيد الله»: [إن من يدعو الأموات، ويهتف بهم عند الشدائد، ويطوف بقبورهم، ويطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله (سبحانه)، لا يصدر ذلك منه إلا عن اعتقاد، كاعتقاد أهل الجاهلية في أصنامهم، هذا إن أراد من الميت، الذي يعتقده، ما كانت تطلبه الجاهلية من أصنامها من تقربهم إلى الله، فلا فرق بين الأمرين. وإن أراد استقلال من يدعوه من الأموات بأن يطلبه ما لا يقدر عليه إلا الله (عز وجل)، فهذا أمر لم تبلغ إليه الجاهلية].

 

فها هنا حاول الإمام الشوكاني، وهو فقيه زيدي كبير، ولعله مجتهد مطلق، حسم المسألة بإضافة «ضابط» جديد يتعلق بـ(الاعتقاد)، وليس بمجرد الأفعال والأقوال من حيث هي أفعال وأقوال مجردة، بقوله: (يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله)، موجهاً، حسب ظنه واعتقاده، الضربة القاضية إلى «القبوريين»، حاكماً عليهم من ثم بالشرك الأكبر، شرك الكفر، مخرجاً لهم بذلك من الملة، مُنهياً للإشكاليات التي أوردها السيد العلامة محمّد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، رحمه الله تعالى. والأرجح أن هذه ليست من بنات أفكاره، وإنما اقتبسها من الإمام ابن تيمية الذي قال نصاً: (فالطالب للدعاء من غيره نوعان: أحدهما أن يكون سؤاله على وجه الحاجة إليه فهذا بمنزلة أن يسأل الناس قضاء حوائجه، والثاني أنه يطلب منه الدعاء لينتفع الداعي بدعائه له وينتفع هو فينفع الله هذا وهذا بذلك الدعاء كمن يطلب من المخلوق ما يقدر المخلوق عليه، والمخلوق قادر على دعاء الله ومسألته، فطلب الدعاء جائز كمن يطلب منه الإعانة بما يقدر عليه فإما ما لا يقدر عليه إلا الله فلا يجوز أن يطلب إلا من الله، ... إلخ)، كذا كما جاء في جامع الرسائل لابن تيمية (ص: 7، بترقيم الشاملة آليا).

ولكن هذا كذلك باطل، وهو لا يجدي، لأن هذا (الضابط) المزعوم ليس صحيحاً، لأنه جاء غير محرر، لا يُعرف المقصود منه: هل يعني ابن تيمية والشوكاني (ما لا يقدر عليه إلا الله) كما هو في نفس الأمر وحقيقته، بموجب الأدلة العقلية والشرعية اليقينية القاطعة، أو حسب معتقد «القبوري» السائل؟!

 

أما الأول فلا قيمة له لأننا نعلم يقيناً، بالبراهين العقلية والتاريخية والشرعية المقطوع بها أن «اللات» ما هو إلا اسم لكائن مؤنث خرافي، لا وجود لها في الحقيقة، ومع ذلك فمن اعتقد بوجودها، وكونها من بنات الله، أو صاحبة الله، فهو مشرك كافر، فضلاً عن كونه مخطئ مخرِّف.

 

إذاً، المعتبر، ضرورة ولا بد، هو معتقد السائل، أي هذا الشخص محل البحث، الذي قال عنه الشوكاني أنه: (يدعوا الأموات، ويهتف بهم عند الشدائد، ويطوف بقبورهم، ويطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله)، أي محتوى المعتقد، وجوهر التصور الذهني، الباعث على تلك الأفعال والأقوال، وليس مجرد وجود أي معتقد، كما أشبعناه بحثاً وبرهنة فيما سلف. وحينئذ نستطيع أن نحكم على هذا الاعتقاد بأنه: (كاعتقاد أهل الجاهلية في أصنامهم)، أو حتى – عياذاً بالله - أبشع وأسوأ، كما زعم الإمام الشوكاني.

 

وبالضرورة نعلم أن هذا السائل عنده قطعاً «اعتقاد» و«تصور» معين، فهو لا يتوجه بمسألته إلا إلى من يعتقد أنه يسمعه، أو يبلغه نداؤه، وأنه قادر على إجابة السؤال، وتحقيق المطلوب، وإلا كان، ضرورة، مجنوناً، مختل العقل، لا يستحق خطاب التكليف!

 

والبحث إنما يكون في «ماهية» أو «محتوى» معتقد هذا السائل الداعي، فإذا اعتقد في من يدعوه معتقداً شركياً، مناقضا لقطعيات الإسلام، كان دعاؤه (عبادة)، وكان شركاً وكفراً ينقل عن الملة، وإلا فلا.

 

فمثلاً إذا دعا داع بما تعتقد أنت أنه أمر «لا يقدر عليه إلا الله» فلا بد من سؤاله عما يعتقده هو، ولن يخرج جوابه عن واحدة مما يلي:

الأول: أن هذا الأمر حقاً «لا يقدر عليه إلا الله»، فليزمه حينئذ أن يقول:

(أ)- أن المدعو هو الله، أو أن الله اتحد به، أو حل فيه، أو أنه «بعض» الله، أو أنه صورة خيالية لا حقيقة لها، وإنما خلقها الله في إدراك الناظرين، أو نحو ذلك من الأقوال التي قيل مثلها في المسيح عيسى بن مريم، صلوات الله عليه وعلى والدته. وكل هذا شرك وكفر اعتقادي من حيث هو معتقد، فهذا الداعي قد اتخذ المدعو إلاهاً، لأن المدعو هو بزعمه «عين» الله، أو «بعض» الله، أو تجسد الله، أو صورة الله، أو من حل فيه الله، أو ما شاكل؛ والدعاء حينئذ ضرورة (عبادة)، وهو بدعائه هذا عابد لهذا المدعو. هذه المقولة، وهي مقولة كفرية بذاتها، نادرة جداً، والقائلون بها يصرحون بها ابتداءً (كالنصارى المثلثين)، فلا يحتاج الأمر معهم عادة إلى كبير جدال؛

(ب)- أو أن المدعو واسطة ضرورية إلى الله، لأن الله لا يعلم الجزئيات فلا معنى لمخاطبته مباشرة أصلاً، فيحتاج إلى من يرفع إليه الحاجات: وهذه مقولة شرك وكفر، لا خفاء فيها، و(الوسيط) قد جعل إلاها ونداُ من دون الله؛

(ج)- أو أن المدعو واسطة ضرورية لتنفيذ أمر الله، لأن الله لا يتنازل فيتلطخ بقذارة عالم الحوادث والفساد، فيحتاج إلى من يعينه في التنفيذ، أو من ينفذ نيابة عنه: وهذه مقولة شرك وكفر، لا خفاء فيها، و(الوسيط) قد جُعِل إلاها ونداُ من دون الله؛

(د)- أو أن المدعو واسطة ضرورية من وإلى الله، لأن الله متكبر متعالي، لا يبالي بالعباد أصلاً، ولا عناية له بهم مطلقاً؛ فلا معنى لمخاطبته مباشرة، فيحتاج إلى من يرفع إليه، وينفذ نيابة عنه: وهذه مقولة شرك وكفر، لا خفاء فيها، و(الوسيط) قد جعل إلاها ونداُ من دون الله؛

 

الثاني: أن يقول أن هذا الأمر المطلوب مقدور لغير الله، وهذا متصور في أحوال منها:

(أ) - أن المدعو له قدرة تضاهي أو تقارب قدرة الله، ولو فقط في هذا الأمر المخصوص أو تلك الجزئية المعينة. فهذا الداعي بهذا المعتقد قد جعل المدعو نداً لله، ومساوياً له، أو في نفس مرتبته، ولو في جزئية واحدة أو أمر واحد. فهذا شرك وكفر اعتقادي من حيث هو معتقد، فهذا الداعي قد اتخذ المدعو إلاهاً من دون الله، والدعاء حينئذ ضرورة (عبادة)، وهو بدعائه هذا عابد للمدعو من دون الله.

ونسارع فنقول أن هذه مقولة كفرية بذاتها، ولا مخرج منها بالقول أن تلك «القدرة» المساوية أو المضاهية أو المقاربة لقدرة الله، مخلوقة لله، فذلك مناقض لنصوص الشرع القطعية الصريحة، وهو قبل ذلك في ذاته محال عقلاً، لأنه يترتب عليه ضرورة أن الله، جل وعلا، ليس هو الحق، الأول، القيوم، الغني بذاته، واجب الوجود القديم، وهو كذلك في نفس الوقت؛ فيكون التناقض، وينهدم العقل، وتبطل الشرائع، عياذاً بالله. هذا كفر صريح، وهو شرك صريح أيضاً، لأن كل شيء يجوز أن يكون إلاهاً في نفس الوقت، في مسلسل لا ينتهي من التناقضات والمحالات.

(ب) - أن المدعو، وهو كائن آخر غير الله، له قدرة على ذلك الأمر، فلا يرد عليه قولك: هذا أمر «لا يقدر عليه إلا الله»، وهي لا تضاهي قدرة الله، ولكنها ذاتية مستقلة فيه: فهي ليست من خلق الله ولا تقديره؛ ؛ أو هي قدرة خارقة للطبيعة مكتسبة بالاجتهاد في الرياضة والعبادة بطريقة سحرية غامضة (كما سبق في قصة الحكيم الهندي دورفاس)؛ أو هي من خلق الله وتقديره، ولكنه مستقل في الفعل عن الله، لا يحتاج إلى إذن الله ومشيئته، كمعتقد قريش قديماً، ومعتقد أكثر الأفارقة الوثنيين الآن في الجن، لأنهم من عنصر إلاهي، وإن كانوا من «قبيلة» غير «قبيلة» الله، تعالى وتقدس، وفي الملائكة، وهؤلاء من نفس القبيلة، ولعلهم أبناء الله وبناته، جل جلاله وسمى مقامه فوق هذه الأقاويل الخبيثة والظنون الشنيعة؛ أو ما شئت من الأقاويل المخبولة. فهذا أيضاً شرك وكفر اعتقادي من حيث هو معتقد، فهذا الداعي قد اتخذ المدعو إلاهاً من دون الله؛ والدعاء حينئذ، ضرورة، (عبادة)، وهو بدعائه هذا عابد للمدعو من دون الله، وهو من ثم ضرورة مشرك الشرك الأكبر، شرك الكفر.

(ج) - أن المدعو، وهو كائن آخر غير الله، له قدرة على ذلك الأمر، فلا يرد عليه قولك: هذا أمر «لا يقدر عليه إلا الله»، وهي لا تضاهي قدرة الله، ولكنها ليست ذاتية فيه بل هو مخلوق لله، وقدرته تلك من خلق الله وتقديره، ولا يستطيع استخدامها إلا بإذن الله ومشيئته، فهو إذاً ليس مستقلاً في الفعل عن الله، وإنما يفعل بإقدار الله له، وبإذن الله ومشيئته. فغاية هذا أن يكون:

(1) - مخطئاً في نسبة تلك القدرة إلى المدعو، وهي في حقيقة الأمر ليست كذلك؛ هذا قد يكون خطأً أو تخريفاً، ولكنه ليس بالضرورة شركاً. نعم: (كل شرك هو خرافة وباطل، وليس كل خرافة وباطل شركاً). فإذا أُفهم هذا وعُلِّم، وبُين له أنه على خرافة وخطأ، فإما أن يرتدع ويتوقف عن ذلك الدعاء، أو يلحق ضرورة بأحد الأنواع السابقة أو اللاحقة.

(2) - أو مخطئاً أو متساهلاً في التعبير، كمن يقول: (يا سيدي رسول الله: أسألك مرافقتك في الجنة)، أو (يا سيدي عبد القادر: مدد)، وهو إنما يقصد: (يا سيدي رسول الله: ادع الله لي أن أكون رفيقك في الجنة)، (يا سيدي عبدالقادر ادع الله أن يمدني بقوة وعزيمة).

 

وقد يقول قائل سريعاً: كيف يُنَادى الغائب أو الميت؟! أليس هذا معتقد شركي بذاته؟! فنقول: طبعاً لا. والحي الحاضر إنما يسمع بما خلقه الله فيه من أدوات وقدرات على السمع، وبإذن الله ومشيئته، لا بقدرته الذاتية، وليس على وجه الاستقلال. لذلك تجنبت تلك (النخبة من العلماء) تخصيص (الضابط) الشوكاني بدعاء المقبورين فقط، فقالت: [[فمن دعا غير الله عز وجل بشيء لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك كافر سواء كان المدعو حيا أو ميتا]، كذا من أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة (ص: 38)، وقد سقناه بتمامه أعلاه: وهو كلام صحيح، لو كان الضابط صحيحاً منضبطاً، ولكن الأمر ليس كذلك للأسف الشديد.

 

وقالت (النخبة من العلماء): [ومن دعا حيا. بما يقدر عليه مثل أن يقول: يا فلان أطعمني، أو يا فلان اسقني، ونحو ذلك فلا شيء عليه]، ليس بدقيق، وإن كان يمكن قبوله تساهلا، وإلا فالواجب أن يقال: [ومن دعا حيا حاضراً. بما يقدر عليه مثل أن يقول: يا فلان أطعمني، أو يا فلان اسقني، ونحو ذلك فلا شيء عليه إذا كان يعتقد اعتقاداً جازما أن المدعو مخلوق مربوب، لا يقدر إلا بإقدار الله له، ولا يخرج البتة عن هيمنة الله الكونية الشاملة: فلا يفلت من قبضة الله، أو يعجزه هرباً].

 

وأما قول (النخبة من العلماء): [ومن دعا ميتا أو غائبا. بمثل هذا فإنه مشرك؛ لأن الميت والغائب لا يمكن أن يقوم. بمثل هذا]، فكذب محض، وإفك مجرد: فسماع الميت والبعيد بإقدار الله له ليس على الله بعزيز، ولا يترتب على القول به نسبة النقص إلى الله، أو إلحاد في أسمائه؛ إلا أنه خلاف العادة، ويحتاج إلى برهان من الحس والعقل (الهاتف واللاسلكي مثلاً) أو من الشرع؛ فالقول به من غير برهان على وجوده، باطل وتخريف، وليس شركاً: (كل شرك هو خرافة وباطل، وليس كل خرافة وباطل شركاً).

 

وبعض الناس يعتقد أن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بوفاته، وتحرر روحه من الجسد، قد انتقل إلى حالة أكمل وأقوى، فأصبح يسمع من بعيد، ويتصرف بما لم يكن مقتدراً عليه حال الحياة. كل ذلك بتمكين الله له، وبما أعطاه من قوى خاصة، ومكانة متميزة؛ وهو بذلك لم يجاوز مراتب المخلوقين، فما زال عبداً مخلوقاً مربوباً، لا يملك لنفسه ضراً، ولا نفعاً، إلا أن يشاء الله. فهذا ونحوه، على هذه الصورة من التعميم المفرط، في الصحيح الراجح، معتقد باطل، وكذب بذاته، غير مطابق للواقع، ولكنه قطعاً ليس بمخرج من الملة، وليس فيه انتقاص من قدرة الله، أو تفرده بالخلق، والتصرف، والتدبير؛ وليس فيه تكذيب لما جاء عن الله ورسوله. فلا يكون الدعاء في مثل هذه الحالة (عبادة)، وليس هو من باب الشرك والكفر أصلاً؛ وقد يكون محرّماً لأنه جاء على صورة غير شرعية خلافاً للأحكام الشرعية، أو لاعتبارات أخرى، وقد لا يكون.

 

ولعل المناقشة الفائتة، على اختصارها، تبين أن جملة: (الدعاء لا يكون دعاء عبادة إلا إذا سأل السائل من غير الله «ما لا يقدر عليه إلا الله»)، تحتاج إلى شرح وبيان، وتقسيم وتفريع، وإلا وقعت قليلة الجدوى، ضئيلة المحصول؛ وهذا لا يجوز التساهل فيه في قضايا الإسلام والكفر، والتوحيد والشرك، هذه قضايا (حياة أو موت). فهي إذاً ليست «ضابط» كما زعم مقلدة محمّد بن عبد الوهاب، بل هي بأمس الحاجة إلى ضوابط وشروح تجعل لها معنىً مفيداً، فتعساً لهذا «الضابط»، الذي لا ينضبط!

 

أما قول الإمام الشوكاني: (وإن أراد استقلال من يدعوه من الأموات بأن يطلبه ما لا يقدر عليه إلا الله (عز وجل)، فهذا أمر لم تبلغ إليه الجاهلية)، فهو قول مرسل، بل هو مجازفة قبيحة، جاءت خلاف البرهان القاطع أن مشركي الجاهلية كانوا يعتقدون الألوهية في أصنامهم (أو بلفظ أدق: في الكائن الذي يقوم التمثال مقامه)، وهذا يتضمن أنواعاً مختلفة من المعتقدات التفصيلية، يقتضي أكثرها اعتقاد الاستقلالية في الآلهة، ولو في جزئية واحدة معينة، أو اعتبارٍ واحد معين. والظاهر أن الإمام الشوكاني أخذ خرافة «اللات»، الذي كان يلت السويق للحجاج، محمل الجد، واعتمد مزاعم المارق بن عبد الوهاب الكاذبة أنهم كانوا (يعتقدون في الأموات، والصالحين) قضية مسلمة، وكل ذلك باطل بالبراهين اليقينية القاطعة، آنفة الذكر في الأبواب السابقة.

 

وقد سلف إيراد كلام الألوسي في تفسيره [روح المعاني (3/297)]: [(الثاني): أن الناس قد أكثروا من دعاء غير الله تعالى من الأولياء الأحياء منهم والأموات وغيرهم، مثل يا سيدي فلان أغثني، وليس ذلك من التوسل المباح في شيء، واللائق بحال المؤمن عدم التفوه بذلك وأن لا يحوم حول حماه، وقد عدّه أناس من العلماء شركا، وأن لا يكنه، فهو قريب منه ولا أرى أحدا ممن يقول ذلك إلا وهو يعتقد: أن المدعو الحي الغائب أو الميت المُغَيَّب يعلم الغيب أو يسمع النداء ويقدر بالذات أو بالغير على جلب الخير ودفع الأذى وإلا لما دعاه ولا فتح فاه، وفي ذلك بلاء من ربكم عظيم].

فنقول: هذا كلام أعقل وأكثر اعتدالاً بكثير:

(1)- فالألوسي لم يجزم بكون ذلك شركاً؛

(2)- والألوسي يجزم باستحالة صدور تلك الجمل التي يتفوه بها (الداعون) إلا لوجود (معتقدات) معينة لديهم في (المدعوين)، مثل: يعلم الغيب أو يسمع النداء ويقدر بالذات أو بالغير على جلب الخير ودفع الأذى؛

فنقول: صدق الألوسي، إلا أن ما ذكره من المعتقدات ليس فيه ما يجعل من نسبت إليه كائناً إلاهياً:

(1)- فما يسمى بـ(الغيب) أمر نسبي: فما هو غيب لي، قد يكون شهادة عندك. فبيت القصيد هل نسب إلى المدعوين علما حصل لهم بقدرتهم الذاتية على وجه الاستقلال، أي بدون إذن الله ومشيئته بحيث يعلمون بدون تعليم من الله، أو يعلمون ولو أراد الله تجهيلهم؟! فإن كان كذلك فهم كائنات إلاهية، وإلا فلا؛

(2)- وكذلك (السمع)، كما قلنا في (العلم)، حرفاُ بحرف؛

(3)- قول الألوسي: (ويقدر بالذات أو بالغير) لا معنى له؛ وإنما هي إما قدرة ذاتية مستقلة: فهذه صفة الكائن الإلاهي، وإلا فلا؛

(4)- وطبعا لم يخطر للألوسي (النسب) أو (الجوهر) الإلاهي على بال أصلاً؛

 

ومن ناحية أخرى فإن «نداء» الأولياء والصالحين قد يكون شركاً وكفراً (وهو الذي يسميه الوهابيون: شركا أكبر)، إذا كان المنادي قد نسب إليهم شيئاً من (الألوهية)، هكذا على وجه العموم، كما سبق تفصيله في الأبواب السابقة، وليس فقط بموجب (الضابط) الشوكاني الأعرج، الذي لا ينضبط؛ فيكون «النداء» حينئذ، بحق، وحينئذ فقط، نوعاً من أنواع «العبادات»، كما يقول الوهابيون؛ وقد يكون حراماً، وإثما غير مخرج من الملة (ولا نستجيز تسميته شركاً أصغر، إلا بدليل شرعي على التسمية) كما قاله السيد العلامة محمّد بن إسماعيل الأمير، رحمه الله تعالى؛ وقد لا يكون لا هذا ولا هذا، كقول بلال بن الحارث المزني، رضي الله عنه: (يا رسول الله، استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا!)، عندما أتى إلى قبر النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في عام الرمادة، حيث فصلنا هذا في بحث مستقل بعنوان: (التوسل: حديث مالك الدار وما هو من بابه). وكل ذلك بحسب محتوى المعتقد وماهيته؛ وليس بمجرد وجود أي «معتقد»؛ أو لمجرد قوة المعتقد ورسوخه؛ أو حرارة النداء ولهفته؛ أو مقصد «النداء» وموضوعه: فلا فرق بين استعانة أو استعاذة أو استغاثة أو استسقاء أو استمداد؛ وكذلك بحسب ما تمليه النصوص الشرعية، وليس بالأقيسة المنتنة، والمزاعم الجامحة، أو التعميمات المكذوبة المجردة.

 

فما أسماه الخارجي المارق بن عبد الوهاب إذاً «شرك القبور»، هو من حيث المبدأ، في ذاته «خرافة» لا وجود لها إلا في خياله المريض؛ وهو - من حيث ربطه بأحكام الكفر والإسلام - «بدعة» نكراء، وضلالة عمياء: قد أفضت بالقائلين بها إلى سل السيف ومقاتلة أهل الإسلام، وهذ من الكفر العملي لأن (سباب المسلم، وقتاله كفر)؛ ويخشى عليهم إن تمادوا فيها من السقوط في هاوية الشرك والكفر الاعتقادي، المفضي إلى اللعنة الأبدية، والنار السرمدية: عياذاً بالله!

                                                                                                 

فصل: اختلاف الشرائع وعلاقته بـ(العبادات)

وقد حاول بعض أنصار الفرقة الوهابية الإفلات مما قلناه آنفاً بقولهم: [مع كل رساله وشريعة سماوية تكون هناك أوامر ونواهي، ويكون هناك كفر بهذه الشريعة وإيمان، وعلى حسب الكفر والإيمان الموضح في الشريعة المنزلة من لدن الله سبحانه تتشكل المفاهيم، بل وحتى المصطلحات. فمفهوم الكفر في الشريعة التي جاء بها المصطفى محمّد، صلى الله عليه وسلم، غير مفهوم الكفر الذي جاء به عيسى عليه السلام، مع أن أساس جميع الرسالات واحد: (وهو لا إله إلا الله)]، أو كلاماً نحو هذا. ثم ضربوا بعض الأمثلة، مثل: [شرب الخمر من الكبائر في شريعة محمّد، صلى الله عليه وسلم، ومن أحل الحلال في شريعة غيره من الأنبياء].

 

وجوابنا هو: كلامكم هذا مجمل، فيه تداخل مفاهيمي خطير، بل مهلك مدمِّر، لذلك جاء فيه حق وباطل، كما يظهر من التفصيل التالي:

نعم، نسخ الدين الخاتم جميع الشرائع السابقة، فلم يعد حرامها حراماً، ولا واجبها واجباً. وما كان في شريعتنا موافقاً أو حتى مطابقاً لما جاء في شريعة سابقة إنما هو شرع جديد مستأنف، جاء مطابقاً للشريعة السابقة، وليس هو إقرار لها. على كل حال، هذا تقتضيه ضرورة الشرع والعقل، وأحسب أني أشبعته بحثاً في كتابنا هذا: (كتاب التوحيد). إلا أن النسخ إنما يتطرق إلى الأحكام الشرعية التكليفية: الواجب (وهو الفرض)، والمستحب، والحلال المحض وهو المباح، والمكروه، والحرام؛ وكذلك الأحكام الوضعية: الصحة، والبطلان، والفساد، والسبب، والشرط، وغيرها. فالمصطلحات والمفاهيم من هذا النوع تختلف باختلاف الشرائع، هذا حق. ولكن هناك مصطلحات ومفاهيم موضوعية تتعلق بواقع معين وصفاً له أو حكماً عليه، هذه من جنس الأخبار، والأخبار من المحال العقلي والشرعي أن تنسخ أو يتطرق إليها النسخ. فالخبر إما صادق أو كاذب، فقط لا غير.

 

نعم: قد توجد مقولات غير محرّرة، لا يمكن وصفها بالصدق أو الكذب هكذا، لأنها مركبة من أجزاء، بعضها حق وبعضها باطل، (مثل مقولتكم هذه بعينها التي نحللها ونناقش جزئياتها الآن). ولكن إذا حررتها وفككتها إلى أجزائها أمكن الحكم عليها من حيث المبدأ (نعم، قد يتعسر هذا علي أو عليكم، ولكنه ممكن من حيث المبدأ، وإن شئتم فقولوا: كما هو في علم الله العزيز الحكيم).

 

نعم: وهناك جمل لغوية تبدوا كأنها مقولات يمكن الحكم عليها بالصدق أو الكذب، وهي في الحقيقة فارغة المحتوى، مثل القول: (روح الإنسان خضراء اللون)، لأن الروح ليست من الماديات التي تسري عليه مفاهيم الألوان أصلاً، والصواب في هذه الحالة أن يقال: هذا كلام فارغ: فالروح لا تسري عليها مفاهيم الألوان مطلقاً، لأنك لو قلت: روح الإنسان ليست خضراء اللون، فلربما وهم واهم أنها حمراء مثلاً.

 

فلعلنا لا نطيل بهذا، لأنه ينبغي أن يكون واضحاً بديهياً. وهذا معلوم بالحس والعقل قبل مجيء الشرع، لأنه مغروس في بنية العقل من حيث هو عقل، وأعطي للإنسان قبل أن يخاطب بخطاب التكليف أصلاً، لأن خطاب التكليف محال إن لم يكن العقل موجوداً. قال تباركت أسماؤه، وسمى مقامه: ﴿وعلَّم آدم الأسماء كلها، ثم عرضهم على الملائكة﴾.

 

أما الأمثلة التي ذكرتم فهي حجة عليكم لا لكم، فأنتم تقولون: (شرب الخمر من الكبائر في شريعة محمّد، صلى الله عليه وسلم، ومن أحل الحلال في شريعة غيره من الأنبياء)، فأقول: صدقتم، وبررتم وأحسنتم، ولكن الخمر هي الخمر، وهي كل مسكر، هذا واقع موضوعي يدرك بالحس، والتجربة، والعقل. ولكن الحكم الشرعي مختلف باختلاف الشرائع، فمفهوم الخمر عندنا، وفي الشرائع السابقة، واحد، من حيث هي شيء مادي يشرب (أو يؤكل أو يستنشق أو يدخن) فيؤدي إلى «السكر»، وهو تغيّر معلوم في حالة العقل والنفس، ولكن حكم شربها مختلف باختلاف الشرائع.

 

وعندما قال، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «ما أسكر كثيره (وفي رواية: الفرق منه)، فقليله (وفي رواية: ملؤ الكف منه) حرام»، أحال إلى واقع محسوس لأشياء تسمَّى أو توصف بأنها «مسكرة»، وهي لفظة معلومة في لغة العرب، يعرفها العرب قبل مجيء الوحي، ويدركون واقعها بضرورة الحس والعقل، ثم حكم عليها بحكم شرعي: ألا وهو الحرمة.

 

وقد أسلفنا، مراراً وتكراراً، أن مفهوم (العبادة) كذلك له واقع موضوعي، لا محالة مدرك، في جوهره، بضرورة الحس والعقل، قبل ورود الشرائع، وإلا كان قول الأنبياء لأقوامهم: (لا تعبدوا إلا الله) عديم المعنى، لأن الأقوام سوف يقولون: ما هذه اللفظة: (تعبدوا)، أو ما يكافئها في لغاتهم، هذه لا نعرف معناها أصلا. ولكن الواقع الحسي، والتواتر التاريخي، ونصوص القرآن القاطعة تبين أنهم عرفوا المطلوب على الفور، وسارع أكثرهم بالاستنكار والاحتجاج: ﴿ما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك﴾، ﴿أجعل الآلهة إلاهاً واحداً؟! إن هذا لشيء عجاب!﴾، وما شابه. فالقوم فهموا فوراً، وعلى البديهة مراد الأنبياء، عليهم السلام، وعرفوا أنها الطامة الكبرى، والنقيضَ التام، والهدمَ الكامل لموروثاتهم، لأنها تقتضي بطلان آلهتهم، وأنها خرافات لا وجود لها في الواقع!

 

فالسؤال الجوهري هو: ما هو مفهوم (العبادة) أو مفهوم (الإله) الذي دار حوله الجدل بين الأنبياء، وأقوامهم؟! وما هي علاقة المفهومين ببعضهم البعض؟! لا بد إذاً من تحرير مفهوم (العبادة)، ومفهوم (الإله) وتبيان أيهما الأصل، وأيهما التابع: هذا هو الذي حررناه آنفاً، وسوف يزداد ذلك التحرير والبيان قوة بإبطال شبهاتكم واعتراضاتكم، أو بيان أنها ليست في الموضوع محل البحث، كما سلف، وكما سيأتي شيئاً فشيئاً، إن شاء الله.

 

هذا إذاً هو المطلوب تحريره أولاً وقبل كل شيء، تماما كما أن المطلوب معرفة: هل هذا الشراب الذي يشربون، أو هذه العشبة التي يدخنون، أو تلك الحبوب التي يبتلعون، من «المسكرات» أم لا؟! وليس المطلوب الآن معرفة ما حكم تدخين العشبة، أو ابتلاع تلك الحبة؛ هذا موضوع آخر يأتي في حينه، بعد ذلك.

 

كما أن القضية ها هنا، وفي غير هذا من الأفعال، قضية نوع الفعل وحقيقته، أي قضية (ماهية) الفعل، ومنها ما يسبقه أو يصاحبه من اعتقادات وتصورات، إن وجدت؛ وليست هي قضية درجته أو شدته، أو وصفه وهيئته. فالغريق الملهوف الذي يستغيث بالواقفين على الشاطئ لم يعبد الواقفين على الشاطئ من دون الله، وذلك بغض النظر عن حرارة استغاثته، وشدة لهفته، وهذا بقولنا وقولكم وإجماع جميع العقلاء. وكذلك الحال في أولئك الذين جبنوا عن القتال، بعد أن فرض عليهم، خشية من الناس، وخوفاً من الموت والجراحات والألم والمشقة، بل أن خشيتهم للناس بلغت درجة خشيتهم لله أو أشد، بنص القرآن القاطع، ومع ذلك لم يقل أحد من أهل الإسلام قط أنهم أصبحوا بهذا الموقف، وهو موقف ذميم مقبوح بلا شك، لدلالته على ضعف إيمانهم، عابدين للناس من دون الله، مشركين شركاً يخرج عن الملة.

 

ولو شئنا لسودنا مئات الصفحات ها هنا في البرهنة على أنه ما ثمة من فعل من أفعال المخلوقين في العالم، لا فرق بين أفعال الجوارح والبدن كالسجود والركوع، وأفعال أو انفعالات القلب كالمحبة، والخوف، والخشية، يصلح أن يكون من حيث هو فعل مجرد «عبادة»، بل لا بد لتصنيفه (عبادة) بحق أن يسبقه اعتقاد أو تصور معين عن «المفعول به»، أو عن «المفعول لأجله»، أو عمن (تم توجيه الفعل إليه)، في ذهن «الفاعل»، بحيث يكون هذا (الاعتقاد)، الذ هو محل البحث والنظر، هو الدافع لذلك الفعل، كالسجود والركوع؛ أو المثير لذلك الشعور والانفعال، كالمحبة، والخوف، والخشية؛ فلو شئنا لسودنا مئات الصفحات ها هنا - وذلك بمناقشة كل فعل على حده - في البرهنة على ذلك، ولكن في أمثلة السجود، والركوع، والانحناء، والقيام، والدعاء، التي سلفت، غُنْية عن التطويل والتكرار الممل.

 

وبهذه المناقشة ها هنا يتبين – بالإضافة إلى البراهين الضرورية التي سقناها في أبواب سابقة - بطلان تسمية، أو اعتبار أي عمل من الأعمال، أو انفعال من انفعالات النفس (عبادة)، من حيث هو عمل أو انفعال محض مجرد عن وجود (الاعتقاد)، أو بغض النظر عن (مضمون الاعتقاد) في من وجهت إليه، أو تعلَّقت به، أو فعلت لأجله تلك الأفعال الإرادية، أو نشأت تلك الانفعالات النفسية.

 

نعم، في ما مضى كفاية، إن شاء الله، لهدم المقولة الباطلة، والتي هي في نفس الوقت مقولة مبتدعة ضالة مهلكة بـ(أن ثمة أفعال هي «عبادة» من حيث هي فعل مجرد، بغض النظر عما يصاحبها من اعتقاد الفاعل عن الكائن المفعول به، أو المفعول لأجله، أو الذي تم توجيه تلك الأفعال إليه)، ومع ذلك فلربما نعود إليها بزيادة تقرير وضرب أمثلة، كلما سنحت مناسبة لذلك.

 

أما عن نوعية «المعتقد» أو «التصور» الذي يصلح أن تصنف الأفعال المبنية عليه «عبادة» لذلك «المفعول به»، أو «المفعول لأجله»، فهو، بالضرورة الشرعية والعقلية: «الألوهية»، ومنها «الربوبية»، أو «الندية لله»، كما عرفنا جزئياتها في الأبواب والمباحث السابقة من هذا الكتاب، لا يجوز غير ذلك، ومن المحال أن يكون الأمر إلا كذلك.

 

لذلك نكرر تقرير القاعدة المهمة: لا يمكن أن يسمى عمل من أعمال القلب، أو انفعال من انفعالات النفس، أو قول من أقوال اللسان، أو فعل من أفعال الجوارح «عبادة» (بالمعني الصحيح الذي يستعمله العرب الفصحاء الأقحاح عند كلامهم عن الآلهة والأديان زمن نزول القرآن) إلا إذا كان مسبوقاً ومبنياً على اعتقاد «الألوهية»، أو «الربوبية»، أو «الندية لله»، ولو في جزئية واحدة أو معنى واحد من معانيها، فيمن يفعل به، أو لأجله، ذلك الفعل، أو يوجه إليه ذلك الفعل، أو فيمن يراد التقرب إليه بذلك الفعل. فمفهوم «الألوهية»، ومنه: «الربوبية»، أو «الندية لله»، إذًا، وضرورة، سابق لمفهوم (العبادة)؛ و(العبادات) لا تكون إلا لـ(إله).

 

وقد أسلفنا في الفصل المعنون: (مثال توضيحي لـ(عبادة) مخصوصة) من الباب السادس إيراد (عبادة الجن)، كمثال للتعريف الصحيح للفظة: (عبادة)، حيث قلنا: أن من اعتقد أن الجن يستطيعون الاختباء من الله، أو أنهم يفلتون منه، ويعجزونه هرباً، فهو بهذا المعتقد مشرك كافر، مرتد عن الإسلام إن كان صح عقد الإسلام له من قبل، ويترتب على ذلك أن خوفه من الجن «عبادة»، حتى ولو كان خوفاً هزيلاً، وربما اعتقد أنه يستطيع مغالبتهم، أو مناورتهم، أو التلاعب بهم، بالسحر والطلاسم والتعاويذ؛ وذلك على الضد التام من خوف المسلم الفار من الأسد حال هجوم الأسد عليه، مع أن الخوف قد يكون طاغياً على هذا، مستحوذاً عليه بحيث لم يعد في قلبه وعقله إلا الرعب والخوف، وربما أطلق ساقيه للريح، وتردى في هاوية وهو لا يبصر، ومع ذلك فليس خوفه الهالع هذا «عبادة»، ومعاذ الله أن يكون خوفه «عبادة»، ومعاذ الله أن يموت مشركاً كافراً لو تردى قتيلاً في حفرة، ومن زعم هذا أو نحوه فقد فارق العقل، وفارق الإسلام، فهنيئاً له!

وهذه الأمثلة تبين أيضاً – من زاوية أخرى غير التي أوردناها هناك في الباب السادس - خطأ تعريف الإمام ابن تيمية الفادح لـ(العبادة) بأنها (غاية الذل، مع غاية الحب).

 

نعم: هكذا ينبغي أن تكون (حال عابد الله)، ولكن ليست هذه (ماهية عبادة الله)، ومن ثم فليس هذا تعريفها أصلاً. نعم، هذه (حال عابد الله)، جل جلاله، إذا كان العابد صادقاً مخلصاً، وإلا فعبادة منقوصة أو مرفوضة، ولكنها تبقى مستحقة لاسم (العبادة)، ولن تنقلب – بسبب هذا القصور - إلى (رياضة بدنية) أو (تجارة) مثلاً.

 

والمشركون يعبدون آلهة متعددة، وفي أغلب الأحوال يكون لكبيرهم – أي لكبير الآلهة – أو لإله القرية أو القبيلة أو الأسرة وراعيها النصيب الأكبر من المحبة والتذلل، فهل يعني أن الآلهة الأخرى لم تعبد لأن محبتها أو التذلل لها لم تبلغ الغاية، فهم (موحدون) إذاً؟!

 

وهذه المناقشة تبين أيضاً أن خصوم الفرقة الوهابية من «الصوفية» و«البريلوية»، وغيرهم، ممن شابههم في شن الحرب الشعواء على الوهابيين، ليسوا بأحسن حالاً أو أعمق فكراً عند إجابتهم على ذلك عندما يذكرون «النية» أو «قصد الفاعل»، على أنها بيت القصيد، ومناط الحكم في القضية.

 

وبطلان كون «النية» أو «القصد» هو المناط في المسألة، يظهر لمن تأمل أن الخوف، مثلاً، ينشأ، في أغلب الأحيان، في النفس قسراً، فلا مدخل لـ«الإرادة» و«القصد»، و«النية» في كونه يستحق أن يصنف «خوف عبادة»، أو أن يصنف: «خوفاً غريزياً».

 

وعندما أراد قيس بن سعد بن عبادة السجود للنبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو إنما أراد (التحية والتعظيم) لمن يعتقد أنه نبي معظَّم؛ وإذا رأى الوثني صنما لأحد آلهته على قارعة الطريق فلربما سجد له قاصدا (التحية والتعظيم) لمن يعتقد أنه إله معظَّم: فـ(القصد) واحد، هو (التحية والتعظيم)، والفعل واحد، وهو (السجود)؛ ولكن (المعتقد) في (المسجود له) مختلف أشد الاختلاف: فهذا الوثني يعتقد (ألوهية) المسجود له، فسجوده (عبادة)؛ وذاك الصحابي لا ينسب للمسجود له شيئاً من الألوهية أصلاً، فسجوده ليس (عبادة): (القصد) واحد، هو (التحية والتعظيم)، والفعل واحد، وهو (السجود)!

 

و«النية»، وإن كان لها دخل في استحقاق الذم والعقوبة، أو الثناء والمثوبة، لأنه: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل أمرئ ما نوى»، ولكن لا دخل لها قطعاً في تصنيف الفعل ونوعه، أو في تسميته؛ فالقاتل خطأً «قاتل»، وإن كانت رفعت عنه المؤاخذة، وليس مستحقاً لعقوبة القاتل العمد، ولكن واقعه أنه «قاتل»، ولن ينقلب فجأة إلى: «ضاحك» أو «تاجر»، بسبب تغير النية!

 

فالقوم كلهم متخبطون متناقضون، لا فرق بين رجالات الفرقة الوهابية وخصومهم في هذا الباب، وأكثرهم، وخاصة منسوبي الفرقة الوهابية، يرفض الفكر العميق، والنظر المدقق المستنير، ويفضل الانغماس في السب واللعن والتكفير، أو رفع الأئمة السابقين إلى مراتب المعصومين القديسين، وتسويد الصفحات بل المجلدات بذكر أخبارهم ومناقبهم وتمجيد عبقريتهم، بحق أو بباطل، والمعاندة في الإصرار على زلاتهم، بدلاً من تصحيح أغلاطهم، ودعاء الله لهم بالمغفرة والثواب على اجتهادهم. على أن الفرقة الوهابية تتميز بمزيد عداوة للفكر ورفضه، جعلها تصل إلى درجة الإفلاس الفكري، وتتورط في مقولات تشبه مقولات المخبولين؛ مع غطرسة وتكبر، وعجب بالنفس وتزكية لها، وفجور في الخصومة، ولجاجة في عتو ونفور.

 

فلا بد إذاً من قلع هذا الإفك الوهابي من جذوره لإيقاف مسلسل هدم الإسلام، الذي تخوّفه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، عندما قال: (إنما يهدم الإسلام: زلة العالم، وجدل المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين)، وما كانت هذه المقولة الرائعة من بنات أفكاره، رضوان الله وسلامه عليه، بل هي مما استفاده من خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله!

 

فصل: بطلان تعريف الشيخ بن سعدي لـ(العبادة)

* قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي، رحمه الله، في كتابه المسمَّى (القول السديد)، وهو شرح لـ(كتاب التوحيد) المشهور، وله طبعات عديدة بيدي منها الآن طبعة على شكل كتيب من إصدار (مكتب الدعوة في بريطانيا) ضمن سلسلة (رسائل الإصلاح والفقه: رقم 27): [فإن حد الشرك الأكبر، وتفسيره الذي يجمع أنواعه: (أن يصرف العبد نوعاً أو فرداً من أفراد العبادة لغير الله). فكل اعتقاد أو قول أو عمل ثبت أنه مأمور به من الشارع فصرفه لله وحده توحيد وإيمان وإخلاص، وصرفه لغيره شرك وكفر. فعليك بهذا الضابط للشرك الأكبر فإنه لا يشذ عنه شيء]، انتهى كلامه نصاً.

 

فالشيخ إذا لا يفرق بين (العِبَادة)، المعرفة بالألف واللام أو بالإضافة أو بالجمل التامة، و(العبادات)، برهان ذلك: أن (الشرك بالله) هو قطعاً، باتفاق الجميع (عبادة غير الله). وقد عبر عنها الشيخ بالجملة: (أن يصرف العبد نوعاً أو فرداً من أفراد العبادة لغير الله)؛ ولكن (العِبَادة)، المعرفة بالألف واللام أو بالإضافة أو بالجمل التامة، شيء واحد، لا يتكون من أفراد؛ إذا هو لا يفرق بين (العِبَادة) و(العبادات).

 

فـ(العبادات) عنده هي المجموعة الشاملة لكل (اعتقاد أو قول أو عمل ثبت أنه مأمور به من الشارع)، فهي إذا (قائمة محصورة) لا يمكن أن تعرف تمام المعرفة إلا بعد ورود الشريعة، ومن الممكن أن تتغير باختلاف الشرائع، ولكن هذا باطل ومحال كما أثبتناه في فصل سابق. فقد أسلفنا، مراراً وتكراراً، أن مفهوم (العبادة) كذلك له واقع موضوعي، مدرك بضرورة الحس والعقل، لا محالة، قبل ورود الشرائع، وإلا كان قول الأنبياء لأقوامهم: (لا تعبدوا إلا الله) عديم المعنى، لأن الأقوام سوف يقولون فوراً: ما هذه اللفظة: (تعبدوا)، أو ما يكافئها في لغاتهم، هذه لا نعرف معناها أصلا. ولكن الواقع الحسي، والتواتر التاريخي، ونصوص القرآن القاطعة تبين أنهم عرفوا المطلوب على الفور، وسارع أكثرهم بالاستنكار والاحتجاج: ﴿ما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك﴾، ﴿أجعل الآلهة إلاهاً واحداً؟! إن هذا لشيء عجاب!﴾، وما شابه. فالقوم فهموا فوراً، وعلى البديهة مراد الأنبياء، عليهم السلام، وعرفوا أنها الطامة الكبرى، والنقيضَ التام، والهدمَ الكامل لموروثاتهم، لأنها تقتضي بطلان آلهتهم، وأنها خرافات لا وجود لها في الواقع. وقد سبق لنا في الباب السادس البرهنة على (المعادلة):

 

 (م2) - (الشرك بالله) = (عبادة غير الله) = (أن تجعل مع الله إلاهاً آخر)

 

وبطلان تعريف الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ظاهر أيضاً في أنه:

(1) - جعل الاعتقاد في مرتبة واحدة مع الأعمال، وقد برهنا من قبل أن الاعتقاد، وبلفظ أدق: اعتقاد (الألوهية)، ركن في تعريف (العبادة). وأن مفهوم (الألوهية) سابق على مفهوم (العبادة

(2) - أن الشرك الأكبر يتحقق بمجرد اعتقاد شيء من (الألوهية) في غير الله، بغض النظر عن الاعتقادات الأخرى، وبغض النظر عن صرف أي فعل، أو التلفظ بأي قول يستحق أن يسمَّى حينئذ عبادة، أو اتخاذ أي معتقد قربة إلى من يعتقد فيه (الألوهية

(3) - أن كل الأفعال التي يقصد بها التذلل وإظهار التعظيم، أو التقرب وإظهار المحبة، أو طلب جلب المنافع ودفع المضار وإظهار الفقر والحاجة، ونحوه، ممن يعتقد فيه (الألوهية) هي بالضرورة (عبادة) بإجماع كافة بني آدم، لا ينازع في ذلك أحد مطلقاً: لا الوهابيون، ولا غيرهم، بغض النظر عن كون مثيلاتها تصرف لله بالدليل الشرعي أو لا تصرف: فرقص المشركين لآلهتهم عبادة، مع أن الله لا يتعبد له بالرقص؛ وكذلك المكاء والتصدية أي التصفيق والتصفير، ليس من عبادات أهل الإسلام؛ وتمكين المرأة للرجال من نفسها من غير نكاح في بعض المناسبات هو عند بعض عبدة الإلهة (دورجا) في الهند عبادة؛ و(بغاء المعبد)، وهو تمكين نساء مخصوصات ملحقات بالمعبد للرجال من أنفسهن من غير نكاح لقاء أجر يقدم للوثن عبادة عند عبدة (بعل)؛ وليس شيئاً من هذا عند أهل الإسلام عبادة مشروعة، بل هو فاحشة منكرة، وإثم كبير، وهكذا؛

(4) – إن الكثير من الأفعال التي تصرف لله تعبداً – كالسجود والركوع والقيام – قد تصرف لغيره فلا تكون عبادة إلا إذا كانت مسبوقة باعتقادات مخصوصة: فالسجود لله عبادة لله مشروعة مستحبة، أو واجبة في مواضع، بل هو من أفضل العبادات، وقد كان تحية مشروعة في شريعة يوسف ويعقوب، صلوات الله عليهما؛ ومحبة الله عبادة، بل هي من أفضل العبادات، ومحبة المؤمنين وتوليهم ليست شركاً، بل هي من أوجب الواجبات؛ وطاعة أئمة العدل الشرعيين في المعروف واجبة، وهذا لا يتناقض مع كون طاعة الله هي رأس العبادات، مما يدل على أن المحبة بذاتها، والسجود بذاته، والطاعة من حيث هي بذاتها، من حيث هي أفعال مجردة، ليست (عبادة)، ومحال أن تكون (عبادة)، وإنما تصبح عبادات إذا سبقها اعتقاد وتصور معين، وإلا فهي أفعال انسانية مجردة، وليست (عبادة) أو (غير عبادة)؛ وقد فصلنا براهين بعض ذلك أعلاه.

 

* وكذلك، بالضرورة، وقع باطلاُ تعريف الشيخ عبد الرحمن بن سعدي للشرك الأصغر، حيث قال نصاً: [كما أن حد الشرك الأصغر هو: (كل وسيلة وذريعة يتطرق منها إلى الشرك الأكبر من الإرادات والأقوال والأفعال التي لم تبلغ رتبة العبادة)]: وهو باطل من وجوه:

(1) - أن تعريفه للعبادة وللشرك الأكبر مضطرب وباطل، كما أسلفنا، وهو أدخل كلا من «العبادة» و«الشرك الأكبر» في تعريف «الشرك الأصغر»، فصار الحد ليس بمعلوم، ولا منضبط، ومن ثم عديم الجدوى، قليل المحصول؛

(2) - أن التسمية بـ«الشرك الأصغر» شرعية خالصة، وليست مما تعرفه العرب في كلامها، بل قد اندهش بعض الصحابة والتابعين، وهم عرب أقحاح في الذروة من الفصاحة، عند سماعهم لها أول مرة. وهي قد جاءت تسمية لأفعال معينة، ولم تأت النصوص بعِلّة أو علل يسوغ القياس عليها قياساً منضبطاً، حتى يجوز لنا التعميم بلفظ (كل)، فتكون النتيجة لهذا التعميم الجامح هي تسمية الأفعال شركاً، مع أن الله ورسوله لم يسمياها شركاً؛ وهذا هو «الابتداع» في دين الله، والتقديم بين يدي الله ورسوله، وهذا عظيم جداً، والقوم يزعمون أنهم أهل اتباع، وليسوا أهل ابتداع، حتى أن بعضهم يمضي أكثر العمر في محاربة «بدع» مكذوبة: كـ«بدعة» السبحة، ومحاربة «بدعة» الخروج مع جماعة التبليغ لمدة «ثلاثة» أيام؟!

 

وإليك نماذج من اندهاش بعض الصحابة والتابعين عند سماعهم أول مرة للفظة (الشرك) تستخدم للشرك الخفي:

* فقد أخرج الإمام البخاري في «الأدب المفرد»، (ج1/ص250/ح720)، عن معقل بن يسار قال: [انطلقت مع أبي بكر، رضي الله عنه، إلى النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: «يا أبا بكر! لَلشِّركُ فيكم أخفى من دبيبِ النمل». فقال أبو بكر: (وهل الشرك إلا من جعل مع الله إلهاً آخر؟!)، فقال النبي، صلى الله عليه وعلى اله وسلم: «والذي نفسي بيده، للشرك أخفى من دبيب النمل، ألا أدلك على شيء إذا فعلته ذهب قليله وكثيره؟!»، قال: «قل: اللهم إني أعوذ بك أن أُشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم»].

 

فقول أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، وهو عربي قرشي فصيح، بل في الذروة من الفصاحة، أوَّل الأمر: (وهل الشرك إلا من جعل مع الله إلهاً آخر؟!)، هكذا حصراً، هو عين قولنا الذي حررناه في مواضع كثيرة، إذ لم يتشكل في ذهنه للشرك معنى إطلاقاً إلا في اتخاذ إله آخر مع الله، أي: في اعتقاد الألوهية في غير الله، وهو بداهة يقصد الشرك الأكبر، شرك الكفر. وإطلاق لفظة (شرك) على غير ذلك اصطلاح للشريعة لا تعرفه العرب.

 

وكما اندهش أبو بكر، رضي الله عنه، كما سلف، لهذا المصطلح الجديد؛ اندهش غيره:

* فقد أخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج4/ص403/ح19622): [حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا عبد الملك يعنى بن أبي سليمان العزرمي عن أبي علي- رجل من بنى كاهل- قال: خطبنا أبو موسى الأشعري فقال: (يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل!)؛ فقام إليه عبد الله بن حزن وقيس بن المضارب فقالا: (والله لتخرجن مما قلت أو لنأتين عمر مأذون لنا أو غير مأذون!)؛ قال بل أخرج مما قلت: (خطبنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ذات يوم فقال: (أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل) فقال له من شاء الله ان يقول: (وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟!) قال: (قولوا اللهم انا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلم)]؛ وأخرجه الطبراني في معجمه الأوسط (ج4/ص10/ح3479): [حدثنا الحسين بن أحمد بن منصور قال: حدثنا احمد بن عمر الوكيعي قال: حدثنا عبد الله بن نمير بنحوه مختصراً].

 

فصل: معنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾

من الأمور الملفتة للنظر كثرة استشهاد المدافعين عن الفرقة الوهابية، بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، التي يوردونها هكذا مبتورة على عادتهم القبيحة في بتر النصوص، وإخراجها من سياقها.

فنقول: هذا الاستشهاد لا يغني عنهم شيئاً في نصرة باطلهم كما سنبين بعد بضعة أسطر، ولكن لا بد من تحرير بعض القواعد المهمة قبل ذلك أولاً.

 

فنقول، وبالله التوفيق: عند الاستشهاد بآية أو حديث ثابت لا بد من ملاحظة أمور في غاية الأهمية، منها:

(أ) - ذكر النص كاملاً، لا سيما في الآيات، حتى يعرف السياق، فيذكر ما قبلها وما بعدها، وإلا تورطنا في جريمة «تحريف الكلم عن مواضعه»، حيث أن هذا الفعل، أي انتزاع الآية من سياقها، هو أحد صور «تحريف الكلم عن مواضعه» الممكنة، وهي جريمة شنعاء قد تصل إلى درجة الكفر!

 

(ب) - أن الله جل وعلا لم ينزل تلك الآية فقط، بل أنزل آيات كثيرة أخرى، والنبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، له أحاديث كثيرة ثابتة (لعلها تنوف على عشرة آلاف متن مستقل متميز). كل تلك الآيات، وكل تلك الأحاديث واجبة الطاعة، يجب الإيمان بها كلها، وإعمالها كلها، وتعظيمها كلها. فمن الجهل المركّب الشنيع، أو الإجرام المحرّم الفظيع، الاستشهاد إذاً بآية أو حديث في مسألة أو باب وقد ورد غيرها، بل لا بد من جمع نصوص الباب كلها، وإعمالها كلها، حسب الأصول المقررة في علم أصول الفقه، وقواعد الاستنباط؛ فما جاء مجملاً في موضع، قد يفصّل ويفسّر في موضع آخر، وما جاء عاماً في موضع، قد يكون له مخصّص في موضع آخر، وما جاء مطلقاً في موضع، قد يكون له قيد في موقع آخر. بل قد يأتي شيء منسوخ، وناسخه في موضع آخر؛

ومن لم يلتزم بهذه القاعدة فهو من المجرمين المقتسمين، ﴿الذين جعلوا القرآن عضين﴾، أي أجزاء وتفاريق، يأخذون ما يعجبهم، ويتركون ما لم يكن على «المزاج»، وهو يوشك أن يكون من الكافرين، الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، فيستحق الخزي في الحياة الدنيا، ثم يرد إلى أشد العذاب، كما شهد بذلك الحبر البحر، ترجمان القرآن، عبد الله بن العباس، رضوان الله وسلامه عليهما (وسنسوق شهادته بعد قليل)؛

 

(ج) - بالنسبة لآيات الذكر الحكيم يحسن جداً مراجعة كتب التفسير المعتمدة، لا سيما تلك التي تعتني وتجمع مرويات السلف في الآية محل الدرس (كتفسير الطبري، وابن أبي حاتم، وعبد الرزاق، والثوري هم خير مثال، ثم البغوي، والواحدي، وابن كثير، وغيرهم)، إن وجد حديث مرفوع، صحيح سنداً ومتناً، في تفسير الآية، أو بعض الآية، أو لفظة من الآية، فهو، بداهة، الحجة القاطعة التي لا يجوز تجاوزها إلا ببرهان؛

 

(د) - ومن الضروري معرفة الخطوط العريضة للواقع التاريخي للناس زمن نزول القرآن، خصوصاً فيما يتعلق بما كان الناس عليه من العبادات وأنظمة الحياة؛ وكذلك من المفيد جداً معرفة أسباب النزول في المسألة الخاصة موضع النظر فقد جاء في أنساب الأشراف للبلاذري (4/38): [حدثنا خلف بن هشام، حَدَّثَنَا هشيم عَنِ الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ قَالَ: خَلا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَوْمًا فَفَكَّرَ كَيْفَ تَخْتَلِفُ الأُمَّةُ وَنَبِيُّهَا وَاحِدٌ وَقِبْلَتُهَا وَاحِدَةٌ وَكِتَابُهَا وَاحِدٌ، فَدَعَا ابْنَ عَبَّاسٍ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَيْنَا فَقَرَأْنَاهُ، وَعَلِمْنَا فِيمَا نَزَلَ؛ وَسَيَكُونُ بَعْدَنَا أَقْوَامٌ يَقْرَؤونَهُ ولا يدرون فيما نَزَلَ: فَيَكُونُ لَهُمْ فِيهِ رَأْيٌ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ اخْتَلَفُوا)، فَزَبَرَهُ عُمَرُ، ثُمَّ إِنَّهُ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَعِدْ عَلَيَّ قَوْلَكَ، فَأَعَادَهُ فَعَرَفَ عُمَرُ صَوَابَهُ وَأَعْجَبَهُ]، لذلك قدمنا باباً كاملاً عن (الواقع التاريخي لشرك العرب)؛

 

* وأما شهادة ابن عباس، التي أشرما إليها قبل عدة فقرات، فقد أخرجها الإمام البخاري في صحيحه (ج4/ص1738/ح4428): [حدثني يعقوب بن إبراهيم حدثنا هشيم أخبرنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن بن عباس رضي الله عنهما: ﴿الذين جعلوا القرآن عضين﴾، قال: (هم أهل الكتاب: جزؤوه أجزاء، فآمنوا ببعضه، وكفروا ببعضه)]، أخرجه البخاري في صحيحه (ج3/ص1435/ح3729): [حدثني زياد بن أيوب حدثنا هشيم بنحوه]؛ وأخرجه الحاكم في مستدركه (ج2/ص387/ح3354): [أخبرنا أبو زكريا العنبري حدثنا محمّد بن عبد السلام حدثنا إسحاق بن إبراهيم أنبأ جرير عن الأعمش عن أبي ظبيان عن بن عباس في قوله عز وجل: ﴿كما أنزلنا على المقتسمين * الذين جعلوا القرآن عضين﴾، قال: (المقتسمون: اليهود والنصارى)، وقوله: ﴿جعلوا القرآن عضين﴾، قال: (آمنوا ببعض وكفروا ببعض)]، ثم قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه)؛ قلت: بل أخرجه البخاري في صحيحه (ج4/ص1739/ح4429) مختصراً: [حدثني عبيد الله بن موسى عن الأعمش عن أبي ظبيان عن بن عباس، ﴿كما أنزلنا على المقتسمين﴾، قال: آمنوا ببعض وكفروا ببعض: اليهود والنصارى]؛

ــ وأخرجه الطبراني في معجمه الأوسط (ج6/ص207/ح6204): [حدثنا محمّد بن أحمد بن كسا الواسطي قال: حدثنا محمّد بن معمر البحراني قال: حدثنا حميد بن حماد قال: حدثنا حبيب بن حسان بن أبي الأشرس عن ابي ظبيان عن ابن عباس قال: سأل رجل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: أرأيت قول الله عز وجل: ﴿كما أنزلنا على المقتسمين﴾، من المقتسمين؟ قال: اليهود والنصارى، قال: ﴿الذين جعلوا القرآن عضين﴾، ما عضين؟ قال: آمنوا ببعض وكفروا ببعض]، ثم قال الطبراني: (لم يرو هذا الحديث عن حبيب بن حسان إلا حميد بن حماد بن خوار ولا يرفعه عن أبي ظبيان إلا حبيب بن حسان؛ ورواه الأعمش عن أبي ظبيان عن أبن عباس موقوفا)؛ قلت: والصحيح هو الموقوف، وحبيب بن حسان بن أبي الأشرس الكوفي، ويقال أيضاً: حبيب بن حسان بن أبي المخارق، كأنهم أجمعوا على تركه، ولكن قال ابن عدي في الكامل في الضعفاء (ج2/ص404/ت512): [ولحبيب بن حسان غير ما ذكرت من الحديث: فأما أحاديثه وروايته فقد سبرته ولا أرى به بأساً، وأما رداءة دينه كما حُكِيَ عن يحيى القطان وكما ذكر عمرو بن علي عن الأفطس فهم أعلم وما يذكرونه والذي قالوا محتمل؛ وأما في باب الرواية فلم أر في رواياته بأساً

 

والآن نعود إلى الآية الكريمة آنفة الذكر، أي قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾؛ وتقدير الكلام (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء (ما لهم من عذر أو حجة إلا أنهم قالوا:) مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)؛ وكان ابن مسعود يقرأ: ﴿ أَوْلِيَاء، قالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ﴾، وهي قراءة شاذة لا تحل القراءة بها، ولعله إنما قرأها تفسيراً، وليس تلاوة في الصلاة: فالله أعلم.

 

فالآية تنص نصاً صريحاً جلياً على أنهم صرحوا بأنهم (عبدوهم). ومن المقطوع به أنهم أقروا بمعتقدهم عن صنف فعلهم، وأنه (عبادة)؛ والله، جل جلاله، يقرر أنه كذلك في حقيقة الأمر، أي أنه (عبادة)؛ والله ورسوله والمؤمنون يدعونهم ليل نهار لترك تلك (العبادة)، ويوبخونهم عليها أشد التوبيخ: فهم صادقون كل الصدق في هذه الجزئية: صادقون ذاتياً (أو شخصانياً) في تعبيرهم عن اعتقادهم؛ وصادقون موضوعيا لمطابقة قولهم للواقع:

وهذا يعني عندكم، معشر الوهابيين: أنهم سجدوا لهم، أو ركعوا، أو رقصوا، أو انشدوا القصائد، أو أوقدوا لهم الشموع، أو قدموا لهم القرابين، أو ذبحوا لهم الذبائح، أو غير ذلك من قائمة الأفعال التي تسمونها عبادة، بغض النظر عن معتقد فاعلها في من تُقدم له. فحسب قولك: كل ذلك عبادة بغض النظر عن المعتقد، حتى لو اعتقد جازماً أنهم مخلوقون مربوبون لا يملكون لأنفسهم شيئاً؛ ولا يملكون موتاَ ولا حياةً ولا نشورا؛ ولا قدرة لهم ولا مشيئة إلا بتقدير الله ومشيئته؛ ولا شفاعة عند الله إلا بإذنه؛ ...إلخ.

وقد أبطلنا أعلاه أن يكون السجود، من حيث هو سجود مجرّد، عبادة، وكذلك بالضبط، حرفاً بحرف يمكن إبطال كون أي شيء من ذلك عبادة من حيث هو فعل مجرد. وسنزيد هذا إبطالاً، عما قريب.

 

وهذا يعني عندنا، ضرورة ولا بد: أنهم اتخذوهم آلهة، واعتقدوا استحقاقهم لأفعال التقديس والخضوع والتعظيم والمحبة والنسك والتقرّب التي استحقت بذلك أن تسمَّى «عبادة»، لأنهم وسائط تقرّب إلى الله لاعتبارات فصلها القرآن في مواضع أخرى، وأشبعناها بحثاً في باب مستقل عن حقيقة شرك العرب، ومنها:

(1) - أن تلك الآلهة، أو بعضها، بنات الله أو أبناء الله، ومن ثم ذوي «طبيعة» إلاهية، أي أنهم من «عنصر» أو «نسب»، أو «جوهر» إلاهي: وحسبك بهذا النسب الشريف، والحسب السامي الرفيع مبرراً؛

(2) - أو أنهم، أو بعضهم، أنداد يجيرون على الله ويحتاج الله إلى إرضائهم، وكسب ولائهم؛ أو لعلهم من قبيل إبليس: إله الشر والظلمة، فلا بد من مهادنتهم، واكتفاء شرهم: حتى لا تعود الحرب جذعة، بعد إبرام الصلح والزواج من بنات سرواتهم (تعالى الله وتقدس)؛

(3) - أو أن الله لا يعلم أحوال العباد إلا بإخبارهم، أو لا يستطيع الفعل والتنفيذ إلا بواسطتهم، فهو من ثم فقير محتاج إليهم، كما يحتاج ملوك بني آدم لأجهزة الاستخبارات، وللوزراء والمنفذين والعسكر؛

(4) - أو أنهم يفلتون من الله: فيختبئون منه، ويعجزونه هرباً، كما كانت العرب تعتقد في الجن، وغيرهم من المشاغبين المتمردين من قبيلة إبليس؛

 

أو لغير ذلك من الاعتبارات، تعالى الله عن ذلك كله علواً كبيراً. وقد أثبتنا – في موضعه – بقواطع الأدلة أن بعض ذلك كان هو معتقد قريش، وبعضه الآخر هو معتقد غيرها، كما هو الواقع التاريخي الثابت يقيناً، وقد يكون بعضه، أو مثله، معتقد غيرهم من المشركين.

 

ولما كنا قد أقمنا قواطع الأدلة على بطلان قولكم، وصحة قولنا عموما فيما سلف، أصبح قولنا من المحكمات، وهو الواجب تطبيقه في هذه الحالة المخصوصة التي تحتمل عدة معان، أي لكونها من المتشابهات. والواجب هو رد المتشابه إلى المحكم، وإلا وقعنا في الزيغ والضلالة.

 

على أن بطلان قولكم، وصحة قولنا، هو الحق اليقيني في هذه الحالة الخاصة، والآية في سياقها التام، وتفسيرها الصحيح، كما جاء عن أئمة السلف، ليست من المتشابهات، إذ أن الآية في سياقها التام، من أول السورة، تقول هكذا: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ؛ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى؛ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ * لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَّاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، (الزمر؛ 39: 1 - 4)؛ ثم أردف ببعض صفات وأفعال ذلك ﴿الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾، وأنه غني عنهم، ولكنه لا يرضى لهم الكفر، فقال: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ * خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ * إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، (الزمر؛ 39: 5 - 7)؛

 

* وقد قال الإمام الطبري في تفسير الآيات الثلاث الأول نصاً كما هو في تفسير الطبري [جامع البيان ت شاكر (21/248)]: [يقول تعالى ذكره: ﴿تَنزيلُ الْكِتَابِ﴾ الذي نزلناه عليك يا محمّد ﴿مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ﴾ في انتقامه من أعدائه ﴿الحَكِيمِ﴾ في تدبيره خلقه، لا من غيره، فلا تكوننّ في شكّ من ذلك، ورفع قوله: ﴿تَنزيلُ﴾ بقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ وتأويل الكلام: من الله العزيز الحكيم تنزيل الكتاب. وجائز رفعه بإضمار هذا، كما قيل: ﴿سُورَةٌ أَنزلْنَاهَا﴾ غير أن الرفع في قوله: ﴿تَنزيلُ الْكِتَابِ﴾ بما بعده، أحسن من رفع سورة بما بعدها، لأن تنزيل، وإن كان فعلا فإنه إلى المعرفة أقرب، إذ كان مضافا إلى معرفة، فحسن رفعه بما بعده، وليس ذلك بالحسن في "سُورَة"، لأنه نكرة. وقوله: ﴿إِنَّا أَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾، يقول تعالى ذكره لنبيه محمّد، صلى الله عليه وسلم: إنا أنزلنا إليك يا محمّد الكتاب، يعني بالكتاب: القرآن ﴿بِالْحَقِّ﴾ يعني بالعدل، يقول: أنزلنا إليك هذا القرآن يأمر بالحقّ والعدل، ومن ذلك الحق والعدل أن تعبد الله مخلصا له الدين، لأن الدين له، لا للأوثان التي لا تملك ضرا ولا نفعا، وبنحو الذي قلنا في معنى قوله: ﴿الكِتابَ﴾ قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

ــ حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة ﴿إِنَّا أَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ يعني: القرآن.

وقوله: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ يقول تعالى ذكره: فاخشع لله يا محمّد بالطاعة، وأخلص له الألوهة، وأفرده بالعبادة، ولا تجعل له في عبادتك إياه شريكا، كما فَعَلَتْ عَبَدة الأوثان.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

ــ حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب، عن حفص، عن شمر، قال: "يؤتى بالرجل يوم القيامة للحساب وفي صحيفته أمثال الجبال من الحسنات، فيقول ربّ العزّة جلّ وعزّ: صَلَّيت يوم كذا وكذا، ليقال: صلَّى فلان! أنا الله لا إله إلا أنا، لي الدين الخالص. صمتَ يوم كذا وكذا، ليقال: صام فلان! أنا الله لا آله إلا أنا لي الدين الخالص، تصدّقت يوم كذا وكذا، ليقال: تصدق فلان! أنا الله لا إله إلا أنا لي الدين الخالص، فما يزال يمحو شيئا بعد شيء حتى تبقى صحيفته ما فيها شيء، فيقول ملكاه: يا فلان، ألغير الله كنت تعمل؟".

ــ حدثنا محمّد، قال: حدثنا أحمد، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ، أما قوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ فالتوحيد، والدين منصوب بوقوع مخلصا عليه.

وقوله: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ يقول تعالى ذكره: ألا لله العبادة والطاعة وحده لا شريك له، خالصة لا شرك لأحد معه فيها، فلا ينبغي ذلك لأحد، لأن كل ما دونه ملكه، وعلى المملوك طاعة مالكه لا من لا يملك منه شيئا. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

ــ حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾، شهادة أن لا إله إلا الله.

وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ يقول تعالى ذكره: والذين اتخذوا من دون الله أولياء يَتَوَلَّوْنَهُم، ويعبدونهم من دون الله، يقولون لهم: ما نعبدكم أيها الآلهة إلا لتقربونا إلى الله زُلْفَى، قربة ومنزلة، وتشفعوا لنا عنده في حاجاتنا، وهي فيما ذُكر في قراءة أُبَي: (ما نَعْبُدُكُمْ)، وفي قراءة عبد الله: (قالوا ما نعبدهم)، وإنما حسن ذلك لأن الحكاية إذا كانت بالقول مضمراً كان أو ظاهرا، جعل الغائب أحيانا كالمخاطب، ويترك أخرى كالغائب، وقد بيَّنت ذلك في موضعه فيما مضى.

ــ حدثنا محمّد بن الحسين، قال: حدثنا أحمد بن المفضل، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ، قال: هي في قراءة عبد الله: (قالُوا: ما نَعْبُدُهُمْ).

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

ــ حدثنا محمّد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: حدثنا الحسن، قال: حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، قال: قريش تقوله للأوثان، ومَنْ قبْلهم يقوله للملائكة ولعيسى ابن مريم ولعُزَير.

ــ حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ قالوا: ما نعبد هؤلاء إلا ليقرّبونا، إلا ليشفعُوا لنا عند الله.

ــ حدثنا محمّد، قال: حدثنا أحمد، قال: حدثنا أسباط، عن السديّ، في قوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ قال: هي منزلة.

ــ حدثني عليّ، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثنا معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (....) وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ يقول سبحانه: لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين.

ــ حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، قال: قالوا هم شفعاؤنا عند الله، وهم الذين يقربوننا إلى الله زلفى يوم القيامة: للأوثان، والزلفى: القُرَب.

وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ يقول تعالى ذكره: إن الله يفصل بين هؤلاء الأحزاب الذين اتخذوا في الدنيا من دون الله أولياء يوم القيامة، فيما هم فيه يختلفون في الدنيا من عبادتهم ما كانوا يعبدون فيها، بأن يصليهم جميعا جهنم، إلا من أخلص الدين لله، فوحّده، ولم يشرك به شيئا.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ * لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾. يقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي﴾ إلى الحق ودينه الإسلام، والإقرار بوحدانيته، فيوفقه له ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ مفتر على الله، يتقول عليه الباطل، ويضيف إليه ما ليس من صفته، ويزعم أن له ولداً، افتراء عليه، كفار لنعمه، جحودا لربوبيته. وقوله: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ يقول تعالى ذكره: لو شاء الله اتخاذ ولد، ولا ينبغي له ذلك، لاصطفى مما يخلق ما يشاء، يقول: لاختار من خلقه ما يشاء. وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ يقول: تنزيها لله عن أن يكون له ولد، وعما أضاف إليه المشركون به من شركهم ﴿هُوَ اللَّهُ﴾ يقول: هو الذي يَعْبده كلّ شيء، ولو كان له ولد لم يكن له عبدا، يقول: فالأشياء كلها له ملك، فأنى يكون له ولد، وهو الواحد الذي لا شريك له في ملكه وسلطانه، والقهار لخلقه بقدرته، فكل شيء له متذلل، ومن سطوته خاشع]، انتهى نص الطبري بتمامه، بالتطويل الممل.

 

لاحظ أقوال المفسرين، وكلهم من الصحابة والتابعين: (ما نعبدكم أيها الآلهة إلا لتقربونا إلـى الله زُلْفَـى)، وهذا تصريح باعتقاد الألوهية فيهم، وإطلاق هذه التسمية عليهم، وكذلك: (قريش تقوله للأوثان، ومَنْ قَبْلَهم يقوله للـملائكة، ولعيسى ابن مريـم ولعزَيز)، وكذلك قول السدي: (للأوثان)، وهؤلاء كلهم نسبت إليهم الألوهية واعتقدت فيهم بدلالة نصوص القرآن، والحديث والسيرة المتواترة، والنقل التاريخي المتيقن من صحته، كما سلف في باب خصصناه بكامله لحقيقة شرك العرب.

 

ولاحظ أيضاً قول الإمام الطبري في تفسير الآية الرابعة نصاً: [يقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي﴾ إلى الحق ودينه الإسلام، والإقرار بوحدانيته، فيوفقه له ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ مفتر على الله، يتقول عليه الباطل، ويضيف إليه ما ليس من صفته، ويزعم أن له ولداً، افتراء عليه، كفار لنعمه، جحودا لربوبيته. وقوله: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ يقول تعالى ذكره: لو شاء الله اتخاذ ولد، ولا ينبغي له ذلك، لاصطفى مما يخلق ما يشاء، يقول: لاختار من خلقه ما يشاء. وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ يقول: تنزيها لله عن أن يكون له ولد، وعما أضاف إليه المشركون به من شركهم ﴿هُوَ اللَّهُ﴾ يقول: هو الذي يَعْبده كلّ شيء، ولو كان له ولد لم يكن له عبدا، يقول: فالأشياء كلها له ملك، فأنى يكون له ولد، وهو الواحد الذي لا شريك له في ملكه وسلطانه، والقهار لخلقه بقدرته، فكل شيء له متذلل، ومن سطوته خاشع]، انتهى.

قلت: نص الطبري السابق كله يدل على أن الموضوع في الآية هم آلهة قريش من الملائكة الذين كانت تعتقد قريش أنهم بنات الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وهو النص الصريح للآية التالية في السياق: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾، فما الذي جعل الآية الثانية أولى في الاعتبار من الآية الثالثة؟!

 

فلآية الكريمة، إذا ذكرت في سياقها التام، وفهمت بلسان العرب الفصحاء زمن نزول القرآن، محكمة إذاً؛ ولا يمكن أن تشتبه إلا على من جعل القرآن عضين، أو آثر التقليد، وأحال عقله على التقاعد، فتسطح فكره، كسلفه القائلين: ﴿إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا، وَإِنَّا إِن شَاء اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾، بل هو قطعاً أسوأ حالاً لأنه يكابر ويعاند ويقول: (لم يشتبه علينا شيء: بل نحن قطعاً مهتدون)!

 

على أنه من المحال الممتنع أن يطلب الإنسان شيئاً من حجر يعتقد أنه هكذا: حجر موات لا يسمع، ولا يبصر ولا يعقل، إلا أن يكون من نزلاء مصحات الأمراض العقلية، فعبدة الأصنام يعبدون آلهة ترمز إليها تلك الأصنام، أو حلَّت في الأصنام، أو تنوب عنها تلك الأصنام، وينسبون إليها إمّا الخلق بقدرتها الذاتية على وجه الاستقلال؛ وإمّا التصرف والتدبير بقدرتها الذاتية على وجه الاستقلال؛ وإمّا الإجارة على الله، أو الشفاعة بدون إذن الله؛ أو أنهم من جنس الجن والمردة والشياطين، آلهة الشر، الذين يتمردون على الله، ويستطيعون الاختباء منه، فلا يدركهم بعلمه، ويعجزونه هرباً، فلا تحيط بهم قدرته؛ أو أنهم ذوي نسب بالله، بنين وبنات، وإخوة وأخوات، وعمات وخالات، حبيبات مقربات، أو غير ذلك من المقولات الشركية الكفرية، التي ذكرنا كثيراً منها فيما سلف في باب مستقل!

 

لذلك قال أبو سفيان بن حرب يوم أحد: (أُعْلُ هُبَلُ)، أَيْ: عَلا دِينُكَ، فأجابه المسلمون: (اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ). ومن المحال الممتنع أن يكون مقصوده تمثال الحجارة الموجود بعيداً في الكعبة على مسيرة تسعة أيام من

جبل أحد في المدينة المنورة، بوصفه حجراً أصماً، وإنما قصد الإله هبل (وهو في الأرجح تعريب للإله اليوناني: أبولو) الذي يرمز له ذلك التمثال الموجود في جوف الكعبة آنذاك. ولا نستبعد أن يكون معتقد قريش فيه كمعتقد اليونان: أنه كوكب (المريخ)، إله الحرب، ابن كبير الآلهة؛ و(كبير الآلهة): هو (الله) عند العرب، وهو كوكب (المشتري) عند اليونان، تعالى الله عن ذلك وتقدّس!

 

فأكثر شرك بسطاء المشركين، من أمثال عوام اليونان والهندوس وقريش، كما أسلفنا في باب سابق، إنما نشأ من الاعتقاد بأن الألوهية، كالإنسانية، اسم جنس تتعدد أنواعه وأفراده ويجوز عليهم التناسل والتوالد، كما تختلف مراتب أولئك الأفراد ودرجاتهم: فهذا رئيس، وذاك مرؤوس، وهذا كبير، وذاك صغير، بل هذا سيد مالك، وذاك عبد رقيق مملوك، كالبشر سواءً بسواء. فلا يستغرب إذاً أن يهتف أحدهم: (لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك). وليس القِدم أو الأزلية متطلب ضروري لمفهوم الألوهية عند هؤلاء؛ فالآلهة عندهم تنشأ وتولد، بعد أن كانت معدومة، ولا يستغرب أن تفنى بعد ذلك. ومن باب أولى لا يشترط في الإله، عندهم، الكمال أو السلامة من النقص، بل إن نصيب بعض الآلهة من المخازي والفضائح كالزنا والسرقة، وغيرها، أكثر من غيرها. بل إن الأمر قد يبلغ من الشناعة أنك لا تجد عند بعض المشركين إلاهاً مركزياً أعلى، بخلاف قريش التي كانت تعترف بـ(الله)، رئيساً أعلى للآلهة، ووالدها، أو والد الملائكية منها، وأكرمها صفة، وأشرفها مقاماً؛ وكما فصلناه في أبواب سابقة.

 

على أن الله، جل جلاله، وصمهم بالكذب، كما وصمهم بالكفر: ففي ماذا كان كذبهم؟! فأما في جزئية: (نعبدهم) فقد رأينا أنهم كانوا صادقين قطعاً كل الصدق. ومن ناحية أخرى فإن الإمام الطبري حمل كذبهم فقط على جزئية: (اتخاذ الولد)، حيث قال: [(﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي﴾ إلى الحق ودينه الإسلام، والإقرار بوحدانيته، فيوفقه له ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ مفتر على الله، يتقول عليه الباطل، ويضيف إليه ما ليس من صفته، ويزعم أن له ولداً، افتراء عليه، كفار لنعمه، جحودا لربوبيته.)]، فجعلهم كاذبين موضوعياً، لأن الله جل جلاله ما اتخذ صاحبة ولا ولداً (مع كونهم بداهة صادقين ذاتياً، أي صادقين في التعبير عن معتقدهم).

 

ولكن الحق أن هناك جزئية مهمة أخرى، يحتمل أن يكووا قد كذبوا فيها، ألا وهي: زعمهم أن دافعهم وغايتهم النهائية، هو حصراً، الزلفي والقربى من الله، لأن (مَا ._._._ إِلَّا) هي صيغة حصر في قوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا﴾. والأرجح أنهم كاذبون يريدون الظهور بمظهر المعظم لله، الذي لا يريد إلا الله والتقرب إليه، فلا داعي لإزعاجهم بالمطالبة بالتوحيد، لأنهم ليسوا بعيدين عنه، وقد حققوا – بزعمهم – جوهره. ولكنهم في قرارة أنفسهم لهم دوافع ومعتقدات أخرى: كاعتقاد أن تلك الآلهة تستطيع البت في بعض الأمور باتاً نهائيا، وإمضائها بما فيه منفعة العابدين، من غير رفعها إلى الله تبارك وتعالى أصلاً؛ أو كاعتقاد أنه، تعالى وتقدس، بعيد لا يبالي، أو أصم لا يسمع، فلا معنى أصلا لعبادته، أو دعائه؛ أو غير ذلك من أقوالهم الخبيثة. وعليه فلا يجوز تصديق أقوال المشركين، وقبول مزاعمهم بدون تمحيص، كما تفعله الفرقة الوهابية. بل هي – أعني الفرقة الوهابية – تواقحت فزعمت، مثلاً، أن قول المشركين عن (شريكهم): (تملكه وما ملك) في التلبية الوثنية، صدق محض؛ بل أعظمت الفرية على الله بالزعم أن المشركين كانوا يعتقدون جازمين أن (الشريك) ما هو إلا: (عبد مملوك، مخلوق مربوب، لا يضر ولا ينفع، ولا يملك شفاعةً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً)، بل لعله: ميت في قبر، أو تمثال حجري، أو خشبة يابسة، لا يسمع ولا يرى ولا يعقل.

 

فصل: هل يوجد شرك أكبر عملي محض، بدون اعتقاد أصلاً؟!

لا شك أن الخلط في ترتيب مفاهيم «الألوهية» و«العبادة»: أيها الأول السابق، وأيها التابع اللاحق، وربط بعضها ببعض ربطاً صحيحاً؛ وكذلك الوقوع في «الدور» والتناقض، الذي ذكرناه أعلاه، هو أهم سبب لبقاء النزاع والخلاف المحتدم بين الوهابيين مع نقادهم وخصومهم حتى اليوم.

 

فمثلاً نجد الشيخ عبد الله بن محمد القرني، وهو من أتباع الفرقة الوهابية، في رسالته القيمة: (ضوابط التكفير عند أهل السنّة والجماعة)، تزل به القدم زلة شنعاء فيقول عما سماه «شرك النسك والتقرب»: [كل ما ثبت أنه عبادة مشروعة وجوباً أو استحباباً فصرفها لغير الله شرك في العبودية، ومن تحقق منه ذلك كان مشركاً، سواء اعتقد مع ذلك استحقاق المعبود للعبادة من دون الله، أو اعتقد أنه لا يستحق العبادة لذاته، وإنما هو وسيط وشفيع إلى الله. وذلك أن شرك العبادة لا يتضمن الشرك في الربوبية، لأن شرك العبادة متعلق بالإرادة ولازمها من العمل، وأما شرك الربوبية فمتعلق بالاعتقاد وإثبات الكمال لله في ذاته وصفاته وأفعاله]، (ص 129، طبعة مؤسسة الرسالة).

 

هنا نلحظ مرة ثانية المقولة الباطلة أن هناك أفعالاً تستحق أن تسمَّى لذاتها «عبادة». وقد بينا بيقين أن ذلك غير صحيح، فلا توجد قائمة من الأفعال المعلومة يصح أن تسمَّى كل واحدة منه «عبادة»، لأن «العبادات» ما هي إلا وأفعال وأقوال وشعائر تتعلق بمن أو توجه لمن يعتقد فيه «الألوهية». لذلك فإن قول الشيخ القرني: (فصرفها لغير الله شرك في العبودية، ومن تحقق منه ذلك كان مشركاً) لا معنى له، ولا محصول من ورائه، لأنها ليست «عبادة» أصلاً إلا إذا صرفت لمن يعتقد فيه «الألوهية»، أي: يجب أن تكون مسبوقة باعتقاد «الألوهية»، فلا بد من ثم أن يكون مفهوم «الألوهية» موجوداً معلوماً سبق تعريفه من قبل، ثم يترتب عليه بعد ذلك تعريف «العبادة».

 

كما نلاحظ فداحة نتائج التقسيم الباطل المشؤوم إلى «شرك ربوبية» و«شرك ألوهية»، على طريقة ابن تيمية (وقد أهمل القوم، كالعادة، شرك الذات والأسماء والصفات إهمالاً مريباً).

 

ولا يجدي الشيخ القرني شيئاً أنه حصر هذه القائمة في: (كل ما ثبت أنه عبادة مشروعة وجوباً أو استحباباً)، فظن بذلك أنه تحصل على قائمة «يقينية» لما يستحق أن يسمى عبادة بذاته، بغض النظر عن أي اعتقاد أو تصور أو نية: هذه كله أوهام وخيالات، فلا وجود أصلاً لمثل هذه القائمة الحصرية اليقينية كما هو مبرهن عليه في مجمل ما أسلفنا تفصيله في الباب السادس، وفي هذا الباب، وخاصة في الفصل المعنون: (اختلاف الشرائع وعلاقته بـ(العبادات))، والفصل المعنون: (بطلان تعريف الشيخ بن سعدي لـ(العبادة)).

 

أما قول الشيخ القرني: (سواء اعتقد مع ذلك استحقاق المعبود للعبادة من دون الله) إما أن يكون دوراً متناقضاً على طريقة: الإله هو المعبود، والعبادة لا تصرف إلا لإله، وقد أظهرنا بطلان ذلك وتناقضه من قبل، وإما أن يكون نقضاً لمقولته السابقة في عدم اشتراط الاعتقاد المسبق للألوهية فيمن تصرف له أعمال تستحق حينئذ أن تسمَّى «عبادة».

 

ولكنه عاد فتناقض مرة أخرى عندما قال: (أو اعتقد أنه لا يستحق العبادة لذاته، وإنما هو وسيط وشفيع إلى الله) فكيف يتشكل في ذهن، أو يخطر على خيال أن يقدّم أحد شعائر التعظيم والخضوع والتقديس والمحبة لشيء وهو لا يعتقد أنه يستحق ذلك؟!

 

وأما الاحتياط بلفظة: (لذاته، وإنما هو وسيط وشفيع إلى الله) فلا يسمن ولا يغني من جوع لأن الوسيط والشفيع إلى الله لا بد له، عند من اعتقد فيه الشفاعة والوساطة، من صفات ومسوغات «ذاتية» معينة تجعله كذلك، وما يقدم له من شعائر المحبة والخضوع والتعظيم مبني على اعتقاد أهليته لذلك، أي لكونه يصلح شفيعاً أو وسيطاً إلى الله. ونحن نحسن الظن بالشيخ القرني ونحسب أنه سقط من كلامه (شفاعة أو وساطة يجب على الله قبولها فلا ترد، أو تقدم بغير استئذان)، أو نحو من ذلك، لأن مجرد الشفاعة عند الله بإذنه ممكنة تكريماً من الله لبعض خلقه، كما ثبت بالنصوص اليقينية، فليست نسبتها إلى أحد على ذلك النحو الذي بينته النصوص مخرجة له من مرتبة العبودية إلى درجة (الندية مع الله)، ولو في ذلك الأمر المخصوص المحدود، ومن ثم جعله مع الله «إلاهاً» آخر.

 

أما قول الشيخ القرني بعد ذلك: (وذلك أن شرك العبادة لا يتضمن الشرك في الربوبية، لأن شرك العبادة متعلق بالإرادة ولازمها من العمل، وأما شرك الربوبية فمتعلق بالاعتقاد وإثبات الكمال لله في ذاته وصفاته وأفعاله) فباطل لما أوردناه من أن مفهوم «العبادة» مسبوق حتما بمفهوم «الألوهية»، لذلك كان الشرك يتضمن، ضرورة، اعتقاد «ألوهية» غير الله، أو «الربوبية من دون الله»، ولو في جزئية محدودة من معاني «الألوهية»، ثم تترتب على ذلك أفعال تقديس وتعظيم وخضوع ومحبة وإظهار فقر وذلة وطلب قضاء حاجة تستحق، بعد ذلك، أن تسمَّى «عبادة». فما سمَّاه الشيخ «شرك العبادة» متعلق بالاعتقاد، مشروط به، كـذلك الذي أسماه: «شرك الربوبية»، سواءً بسواء، ولا فرق.

 

وردد الشيخ القرني الأكذوبة الوهابية التقليدية بأن مشركي العرب لم يكن لديهم شرك في ما أسماه بـ(الربوبية)، مستشهداً – كالعادة - بآيات: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، و﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾، كما هي، مثلاً، في قوله، تعالى ذكره: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾، (العنكبوت؛ 29: 61)، وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾، (العنكبوت؛ 29: 63)، وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾، (لقمان؛ 31:25)، وقوله: ﴿ولَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾، (الزمر؛ 39:38)، وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾، (الزخرف؛ 43: 87)، وقوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾، (يونس؛ 10: 31)، ونحوها من الآيات، معقباً عليها بأنهم كانوا يعتقدون بـ(أن الله هو المتفرد بتدبير الأمور، لكنهم أشركوا بالله من جهة التوسط في الطلب أو العبادة)، كذا نصاً في كتابه آنف الذكر.

فأقول: أولاً: لقد أشبعنا الرد على هذا الإفك، واقتلعناه من جذوره في الباب المعنون: (الواقع التاريخي لشرك العرب)، وكذلك في الباب السادس، فراجعه؛

وثانياً: وليس في الآيات أنهم يعتقدون أنه (المتفرّد) بذلك، فهذا خارج عن النص، وتقويل للرب جل جلاله ما لم يقله، وهذا شنيع جداً، ونحسبها زلة غير مقصودة من الشيخ القرني، وإلا فهو الكفر الصراح البواح، والعياذ بالله تعالى؛

 

وأنت ترى في هذا النص القصير حجم التناقض المرعب، والاضطراب المخيف، الذي نشأ من ذلك الدور الخفي في مفهوم «العبادة» و«الألوهية». يضاف إليه الاضطراب والخلل والقصور الشنيع في قسمة التوحيد إلى توحيد «ربوبية»، وتوحيد «ألوهية»، وتوحيد «أسماء وصفات». إنها بحق قسمة «ضيزى» مشؤومة، تجب البراءة منها، ويجب طرحها جملةً، ونبذها بالتخلص منها نهائياً، والامتناع عن استخدامها بعد اليوم مطلقاً.

 

وقد استمر الشيخ القرني بأقوال وجمل هي تكرار لما سبق، بصيغ أخرى، أفحش في الخطأ، وأبلغ في البطلان، مثل قوله: (ومن جميع ما تقدم يتبين أن شرك التقرب وعبادة غير الله ليس شركاً اعتقادياً يستلزم أن يكون المعبود عند من عبده مستحقاً للعبادة من دون الله، وإنما هو شرك في إرادة غير الله بالعبادة)، فها هنا، مرة أخرى، الدور الخفي، والخلط في مفهوم العبادة مرة أخرى. وها هنا قائمة أفعال ظاهرة وباطنة تسمَّى «عبادة»، بغض النظر عن أي اعتقاد، وهذا باطل كما أسلفنا. وها هنا أيضاً محال لا يتشكل في عقل سوي: (معبود، لا يستحق عند من عبده أن يعبد!! بل إن قصص العنقاء والرخ، وخرافات عوج بن عنق، وأساطير جبل «قاف»، أقرب إلى العقل من هذا الهراء.

 

نعم، جملة: (معبود لا يستحق عند من عَبَدهُ أن يعبد!!) صحيحة لغوياً تتكون من مبتدأ وخبر، ولكنها فارغة من أي معنى، بل متناقضة ذاتياً كقولك: (الدائرة مربعة)، جملة أسمية تتكون من مبتدأ وخبر، ولكن لا معنى لها، بل تناقضٌ محض. كل هذه «البهلوانيات اللغوية»، والمحالات العقلية، في محاولة إنقاذ الخطأ وتحويله بالقوة، أو المراوغة، أو السفسطة، إلى صواب.

 

ثم زاد الشيخ القرني «الطين بلة» فخلط هذا الموضوع بموضوع الإيمان، وأنه ليس مجرد اعتقاد فقال: (لكن مرجئة المتكلمين لما ظنوا أن التوحيد هو مجرد اعتقاد وحدانية الله في ذاته وصفاته وأفعاله، وأن ذلك هو مفهوم الألوهية، التزموا أنه لا شرك بالتقرب إلى غير الله بالعبادة إلا إذا تضمن استحقاق المعبود للعبادة من دون الله، وأن المعبود منفرد بالخلق والتدبير)، إلى أن قال: (فكما قالوا هنا أن التوحيد هو اعتقاد وحدانية الرب، فكذلك الالتزام بالشريعة هو مجرد اعتقاد أنها حق بتصديق النبي، صلى الله عليه وسلم)، فها هنا تعود الإشكالية القديمة في تعريف العبادة، والدور الخفي إلى الظهور، والشيخ القرني لا يشعر بها: فكيف يعبد من لا يستحق العبادة؟! لست أدري. وكيف تصبح أقوال وأفعال ظاهرة وباطنة عبادة من غير أن يسبقها اعتقاد الألوهية في المصروفة إليه؟! لا أدري كذلك.

 

لاحظ (الدور) الخفي مرة أخرى في جملة القرني: (التزموا أنه لا شرك بالتقرب إلى غير الله بالعبادة)- فوالله الذي لا إله إلا هو ما فعلوا ذلك قط، والجميع مجمعون على أن عبادة غير الله شرك، فإذا بماذا التزموا؟! التزموا بأن أفعال التعظيم والتقرب والخضوع كالسجود، والركوع، والطاعة لا تسمى (عبادة) أصلا، ولا يكون صرفها لغير الله شركاً إلا إذا سبقها اعتقاد باستحقاق المفعول به أو لأجله (والذي لا يجوز أن يسمى معبوداً للوهلة الأولى: وإنما يسمى مؤقتاً: مسجود له، مركوع له، مطاع ... إلخ) لذلك ذاتيا لاتصافه ببعض صفات الألوهية.

 

وكذلك هناك زعم باطل في الجملة: (وأن المعبود منفرد بالخلق والتدبير):-

فأولاً: لا معنى لكلة (منفرد) أصلاً، ولا أعلم أحداً من المشركين قال بمثل هذا مطلقاً، وإلا لكان موحداً، بل يكفي عندهم أن يكون للمعبود خلق وتدبير على وجه الاستقلال؛

وثانياً: لا معنى لكلة (منفرد) أصلاً، ولا أعلم أحداً من المتكلمين جعل ذلك شرطاً في تعريف (الإله)، أو (المعبود). وإنما هم يبرهنون – ببرهان التمانع أو غيره – على أن (الإله) لا بد أن يكون واحداً فقط، ومن سواه خرافات ذهنية عند المشركين، لا وجود لها في الواقع.

 

نعم، هناك خطأ يسير في قصر من أسماهم «مرجئة المتكلمين» للتوحيد على مجرد الاعتقاد بوحدانية الرب، جل وعلا، ولعلهم إنما فعلوا ذلك للدراسة النظرية لجزئيات التوحيد وقضاياه؛ والحق هو أن الخلق إنما خُلقوا لعبادة الله، وليس لمجرد اعتقاد وحدانيته اعتقاداً نظرياُ معرفياً أو فلسفياً مجرداً.

 

و(عبادة الله) هي الشهادة والإقرار لله، جل جلاله، بـ(الحاكمية)، كما أقمنا عليه قواطع الأدلة في الباب السادس؛ ويترتب على ذلك ضرورة، ولا بد: التسليم والخضوع له، وحده لا شريك له، لأن (عبادة الله) يناقضها الشرك ويفسدها، كما تمت البرهنة عليه هناك.

 

فخطؤهم اليسير ها هنا أقل خطورة من خطأهم في جعل الإيمان الشرعي، المنجي في الآخرة، مجرد تصديق جازم واعتقاد محض، وهو أكثر من ذلك بكثير. ولكن هذا الخطأ لا يبرر خطأ الشيخ الفادح في زعمه أن «العبادة» يمكن أن تكون مجردة عن الاعتقاد، اعتقاد استحقاق من تُصرف له العبادة استحقاقاً ذاتياً، أي اعتقاد «الألوهية».

 

فكون الإيمان الشرعي ليس مجرد اعتقاد (أي: تصديق جازم بمقولات نظرية) بل منه أعمال إرادية (من أهمها: الإقرار والتسليم والاستسلام بالقلب؛ وأيضاً إقرار باللسان، إلا من عذر)؛ وأن الإسلام، المنجي في الآخرة، ليس مجرد توحيد اعتقادي نظري محض، بل لا بد من (العبادة)، لا يعني بالضرورة أن العمل ممكن بغير اعتقاد، أو أن العبادة متصورة غير مسبوقة باعتقاد؛ فهذه قضية، وتلك قضية أخرى مباينة تماماً، بل هي ضدها ومقابلتها، فسبحان من نكَّس القضايا في ذهن الشيخ القرني فجعله يهرب من أخطاء المرجئة في تعريف الإيمان، وهي أخطاء يسيرة، فسقط في خطأ أفدح واعظم في تعريف الإيمان: خطأ الخوارج الغلاة المارقين، وه أخطاء مهلكة مدمرة!

 

والحق أن الفعل الاختياري مسبوق، ولا بد، بإرادة ونية، والإرادة والنية مسبوقة بتصور واعتقاد، كما يعلمه كل واحد علماً ضرورياً بالتأمل في نفسه، واستبطان ما يجري في داخله عند التردد، ثم العزيمة فالفعل.

 

وأما استشهاد الشيخ القرني، وغيره من رجالات الفرقة الوهابية، بقوله تعالى: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾، وأمثالها كثير، فهو كذلك لا يغني عنهم شيئاً، لأن ذلك يعني أنهم يؤمنون ببعض ما ينبغي أن يعتقد فيه جل شأنه: مثل كونه موجوداً، إلاهاً، خالقاً، رازقاً، إلا أنهم يمزجون بذلك نوعاً أو أنواعاً من الشرك باعتقاد الألوهية في غيره، وصرف شعائر الخضوع والتذلل والتعظيم والمحبة لهم، أو الخشية والخوف، بناء على اعتقاد تحقق بعض معاني الألوهية أو جوانبها فيهم، لا سيما أن الكلام هنا في المقام الأول عن «الإيمان»، الذي ينصرف الذهن عادة عند ذكره إلى المعتقد والتصور، وإن كان «الإيمان» في حقيقته أكثر من مجرد ذلك، وليس عن «العبادة»، التي ربما انصرف الذهن إلى الشعائر التعبدية، والأفعال الظاهرة، وإن كانت في حقيقتها تعود إلى تصور ومعتقد معين، كما أسلفنا.

 

وقد سقنا في الباب المعنون: (الواقع التاريخي لشرك العرب) أقوال الطبري ومن سبقه من مفسري السلف، ونكتفي ها هنا بخلاصة قوله، رحمه الله، التي يستحق أن يقرأ بكل عناية: [يقول تعالـى ذكره: وما يقر أكثر هؤلاء الذين وصف عزّ وجلّ صفتهم بقوله: ﴿وكأيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِـي السَّمَواتِ والأرْضِ يَـمْرُّونَ عَلَـيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ﴾، بـالله، أنه خالقه ورازقه وخالق كلّ شيء، إلا وهم به مشركون فـي عبـادتهم الأوثان والأصنام، واتـخاذهم من دونه أربـابـا، وزعمهم أنه له ولدا، تعالـى الله عما يقولون. وبنـحو الذي قلنا فـي ذلك قال أهل التأويـل؛... ثم ساق حشداً من الروايات]؛ انتهى كلام الإمام الطبري بعينه!

 

فصل: مشركو العرب و(توحيد الربوبية) مرة أخرى

وإن كان الشيخ القرني قد أساء باستخدام لفظة «المتفرد» في نصه الذي أوردناه أعلاه، وهي خارجة عن نص القرآن، وإنما ابتدعها من خياله الجامح لدعم مذهبه الباطل، فإن بن عبد الوهاب قد أفحش في الخطأ، وأساء إساءة بالغة، عندما بالغ فاستخدم جملة: «وحده لا شريك له»:

* كما جاء في «مؤلفات الشيخ الإمام محمّد بن عبد الوهاب»، (ج:1 ص:146): [فإذا تدبرت هذا الأمر العظيم وعرفت أن الكفار يقرون بهذا كله لله وحده لا شريك له وأنهم إنما اعتقدوا في آلهتهم لطلب الشفاعة والتقرب إلى الله كما قال تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾، وفي الآية الأخرى: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾، فإذا تبين لك هذا وعرفته معرفة جيدة بقي للمشركين حجة أخرى وهي أنهم يقولون هذا حق ولكن الكفار يعتقدون في الأصنام، فالجواب القاطع أن يقال لهم إن الكفار في زمانه، صلى الله عليه وسلم، منهم من يعتقد في الأصنام ومنهم من يعتقد في قبر رجل صالح مثل اللات ومنهم من يعتقد في الصالحين وهم الذين ذكر الله في قوله عز وجل: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه﴾، يقول تعالى هؤلاء الذين يدعونهم الكفار ويدّعون محبتهم قوم صالحون يفعلون طاعة الله ومع هذا راجون خائفون فإذا تحققت أن العلي الأعلى تبارك وتعالى ذكر في كتابه أنهم يعتقدون في الصالحين وأنهم لم يريدوا إلا الشفاعة عند الله والتقرب إليه بالاعتقاد في الصالحين وعرفت أن محمّدا، صلى الله عليه وسلم، لم يفرق بين من اعتقد في الأصنام ومن اعتقد في الصالحين بل قاتلهم كلهم وحكم بكفرهم]، انتهى بأحرفه.

 

ونص بن عبد الوهاب آنف الذكر ما هو إلا إفك مجرد، وأخطاء متراكمة، وظلمات بعضها فوق بعض:

(1) - إتيانه بجملة «وحده لا شريك له»، وهي اختراع محض، لا وجود لها في نصوص الكتاب والسنّة، وهي أكثر شناعةً وقبحاً من لفظة «المتفرد» التي زلَّت قدم الشيخ القرني بها، وقد أشبعناها نقاشاً وإبطالاً فيما سلف، فهذه من باب أولى أكثر بطلاناً؛

 

(2) - زعمه: (وأنهم إنما اعتقدوا في آلهتهم لطلب الشفاعة والتقرب إلى الله)، هكذا حصراً؛ وهذا باطل كما سلف مراراً، وتكراراً، إلى درجة تبعث على الملل، وكما سيأتي منه مزيد.

نعم: هذا فقط «بعض» ما كانوا يعتقدون، في «بعض» الآلهة. وليس هو حصراً «كل» ما يعتقدون في «كل» الآلهة، كما زعم الرجل. والشفاعة التي كانوا يعتقدونها شفاعة من دون الله، أي شفاعة لا ترد، أو لا تحتاج إلى استئذان، شفاعة لا تتصور إلا من كائن إلاهي؛ وليست هي الشفاعة بإذن الله التي أثبتها الله كرامة لأنبيائه وأوليائه، فكان الواجب أن ينص على ذلك صراحة، وبكل وضوح، وبدون مواربة؛

 

(3) - إساءة الفهم لقوله، تعالى ذكره: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم؛ ويقولون: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله)﴾، فظن أن المشركين يعتقدون أن آلهتهم لا يضرون ولا ينفعون، والحق أن معتقد المشركين يقتصر على ما جاء في القول المنسوب إليهم: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله)؛ وأما جملة: (ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم)، فهي إخبار من الله، جل جلاله، بحقيقة أمر هؤلاء المعبودين من دونه، وأنهم لا يضرون ولا ينفعون، ولا يشفعون ولا يتصرفون، خلافاً لمعتقد المشركين الباطل الذي هو ضد ذلك: فالرجل خلط بين معتقد المشركين، وبين حقيقة الأمر كما أبانه رب العالمين؛ وفاته أيضاً أن ذلك محال في ذاته لأن الشفيع ينفع ويضر، وهم قطعاً يعتقدون أنهم شفعاء لهم عند الله، شفاعة لا تحتاج إلى استئذان، أو لا يمكن ردها: هذه منفعة هائلة جسيمة. وناهيك بذلك إفلاساً فكرياً، وزلة مُهلكة شنعاء!

 

(4) - عدم تعريف العبادة تعريفها الصحيح، أي أنها مسبوقة باعتقاد الألوهية، حيثما جاءت في القرآن متعلقة بالآلهة الباطلة، وبكل ما يُعبد من دون الله، كما هو في هذه الآية: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾؛

 

(5) - إساءة بالغة في الفهم لقوله، جل جلاله: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾، وقد سبقت مناقشتها أثناء كلامنا السابق عن أخطاء الشيخ القرني، وقبل ذلك في فصل مستقل؛

 

(6) - زعْمه أن الكفار في زمانه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، منهم من يعتقد في قبر رجل صالح مثل اللات. وهذا باطل بنص القرآن القاطع المثبت أن الات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، آلهة إناث كانت قريش تعتقد أنها بنات الله، أو أن إحداها، وهي: (اللات) صاحبة الله، والأخريان: بنات الله، ولما ثبت – بنقل التواتر - عن خاتمة أنبياء الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله، أن أول من غير دين إسماعيل هو عمرو بن لحي الخزاعي، وأنه هو الذي استورد الأصنام، ودعا الناس إلى عبادتها. أما قصة الرجل الذي (يلت) السويق للحجاج في الطائف، فمات فعبدوه إنما هي موقوفة على الإمام مجاهد؛ وابن عباس، رضي الله عنهما، بريء منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب. وهي إنما هي أسطورة عربية، وخرافة شعبية. ولقد أشبعنا قصة (اللات)، الذي كان يلت السويق، نقداً وإبطالاً، فاقتلعناها من جذورها، ونسفناها نسفاً في الفصل المسمَّى: (ما هي حقيقة «اللات»؟!)، وكذلك في الفصل المسمَّى: (كيف ترك العرب دين إسماعيل؟!)، تجد كليهما في الباب المعنون: (الواقع التاريخي لشرك العرب)؛ فليراجع؛

 

وحتى لو ثبت أصلٌ ما لقصة هذا (اللاتّ) الخرافي الأسطوري، الذي كان يلت السويق للحاج، لما صلحت للاحتجاج، لأن الروايات تقول أنهم (عبدوه) بعد أن مات أو فُقد، وهذا يقتضي أنهم اتخذوه إلاهاً مع الله، ولعلهم اعتقدوا حلول «اللات» فيه، لتشابه الإسم، أو تحوله إلى كائن إلاهي، بالحلول أو الاتحاد أو التطور، أو غير ذلك من المعتقدات الشركية المكفرة؛ أو لعل (الربة)، كما كان أهل الطائف يسمونها، قد اختارته زوجاً حليلاً، ورقته إلى مراتب الآلهة؛ لذلك استحقت أعمالهم الموجهة إليه، كالعكوف على قبره، أن تسمَّى: (عبادة)، لأنها مسبوقة باعتقاد (الألوهية) فيه.

 

ولم تكن عند العرب أصلاً قبور تحترم إلا ما رُوي أنهم كانوا يعظمون قبور بعض الزعماء مثل قبر (عامر بن الطفيل)، وقبر (تميم بن مر)، والد القبيلة المعروفة، ولم يرد قط أنهم:

(أ)- عبدوهم أو ألّهوهم، بأي معنى من المعاني؛ بل كانوا عندهم زعماء محترمين فقط، لا غير، كما جاء المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام (7/362 - 363): [ولا يشترط في الجوار أن يكون جوار أحياء، فقد يستجير إنسان بقبر، فيصير في جواره وفي حرمة ذلك القبر، وعلى أصحاب ذلك القبر الذب عن هذا الجار والدفاع عنه. ومن هذا القبيل استجارة الناس بقبر (عامر بن الطفيل)، فقد ذكر أن قومه من بني عامر، وضعوا حول قبره أنصابًا على مسافة منه، إذا اجتازها اللاجئ ودخل (الحرم) المحيط بالقبر، صار آمنًا على ماله ونفسه، لا يخشى خشية أحد يريد إنزال سوء به. وقد منعوا دخول حيوان إليه، أو مرور راكب به؛ احترامًا لحرمة صاحب هذا القبر. وكالذي كان من أمر قبر (تميم بن مر) جد قبيلة تميم في عرف النسابين]؛

(ب)- ولا حتى سجدوا لقبورهم ولو من باب التحية والاحترام؛ بل لم تكن العرب تتصور السجود لقبر أصلاً، أو أن يخطر لها ذلك على بال، فقد سقنا قريباً ما أخرجه أبو داود في سننه (ج2/ص244/ح2140) عن قيس بن سعد بن عبادة: [حدثنا عمرو بن عون أخبرنا إسحاق بن يوسف عن شريك عن حصين عن الشعبي عن قيس بن سعد قال: (أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم) فقلت: (رسول الله أحق أن يسجد له)، قال: (فأتيت النبي، صلى الله عليه وسلم، فقلت: إني أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فأنت، يا رسول الله، أحق أن نسجد لك؟!)، قال: (أرأيت لو مررت بقبري أكنت تسجد له؟!)، قال: (قلت: لا!)، قال: (فلا تفعلوا، لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن لما جعل الله لهم عليهن من الحق)]؛ وأخرجه الحاكم في مستدركه (ج2/ص204/ح2763): [حدثنا محمّد بن صالح بن هانئ حدثنا الفضل بن محمّد بن المسيب حدثنا عمرو بن عون حدثنا شريك به]، ثم قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)، وقلنا: هذا إسناد حسن للكلام في شريك القاضي، ولكن الحديث صحيح بالمتابعة عند البيهقي. فهذا قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي الأنصاري، رضي الله عنه، لا يتصور السجود لقبر أصلاً، مما يدل على خلو بلاد العرب وما جاورها منه خلوا تاماً مطلقاً، مع كثرة السجود للملوك والمرازبة والأحبار.

(ج)- بل نسوا أهمها، وتركوها تندثر: فقد جاءت روايات عديدة تفيد أن قبر إسماعيل بن إبراهيم، صلوات الله وسلامه عليهما، موجود في الحجر (تحت الميزاب)، ولعل قبر أمه هاجر بجانبه. وعليه فقد كان داخل بناء الكعبة، لأن الحجر منها، وإنما عجزت قريش، وفنيت نفقتها، عنما أعادوا بناء البيت، فاقتصروا على وضعه الحالي. طبعاً سيسارع الوهابيون بالقول: هذا قبر مندثر، ذهبت عينه، وكان دفنه هناك مطابقاً لشريعة سابقة منسوخة، فلا يعتد به. فأقول: قد علمنا ذلك أيها العباقرة، وليس هذا بحثنا هنا، وإنما نتساءل: كيف بقي هذا القبر آلاف السنين، ولم نسمع بأحد عبده، ولا ذكر لإسماعيل، بين آلهة قريش؛ بل ولم يكن له صنم، ولا حتى صورة في الكعبة، بخلاف إبراهيم الذي صوروه يستقسم بالأزلام، حاشاه؛ ثم اندثرت عين القبر، حتى كاد عبد الله بن الزبير أن ينبشه مصادفة عند إعادة بنائه للكعبة بعد احتراقها: كيف يعقل هذا لو كانوا (قبوريين)، كما تزعمون؟!

 

(7) - زعمه أن الكفار في زمانه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، منهم من يعتقد في الصالحين، وهم الذين ذكر الله في قوله عز وجل: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (57)﴾، (الإسراء؛ 17: 56، 57)، فخلط بين أمرين مختلفين اختلافاً جذريا:

أولهما: حقيقة الأمر كما هو في ذاته، كما هو في علم الله، وكما أخبر الله به: أن (المدعوون) عباد صالحون مكرمون، وأنهم رافضون لعبادة عابديهم، ساخطون عليهم أشد السخط، متبرؤون من أفعالهم، وسيظهر كل ذلك عياناً يوم القيامة، بحيث يراه كل أحد؛

وثانيهما: معتقد المشركين في أولئك المعبودين؛ فالمشركون يعتقدون أنهم آلهة، وأنهم راضون بعبادة عابديهم لهم، مثيبون لهم عليها؛

 

فهذا الجاهل المركب بن عبد الوهاب خلط ها هنا أيضاً بين معتقد المشركين الباطل، وبين واقع الأمر في ذاته، الذي هو الحق، كما أبانه رب العالمين، وناهيك بذلك زلة شنعاء أخرى لا يكاد يتصور صدورها إلا من نزلاء مصحات الأمراض العقلية!

 

هذه التخاليط والوساوس لا تختلف كثيراً عن تلك التي نجدها في كتابه المشهور (كتاب التوحيد) حيث قال معقباً على آية الإسراء: [بيَّن فيها الرد على المشركين الذين يدعون الصالحين، ففيها بيان أن هذا هو الشرك الأكبر]؛ وآية الإسراء المقصودة هي: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب...﴾ الآية، (الإسراء؛ 17:57)، هكذا ذكرها مبتورة، وإليك، مرة أخرى، الآية كاملة في سياقها: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (57)﴾، (الإسراء؛ 17: 56، 57).

سؤالنا هو: أين وجد هذا الجاهل المركب لفظة (الصالحين)؟! فالقرآن يستخدم في حق المدعوين، أي الذين توجه إليهم المشركون بالدعاء، جملة: (الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ)، أي الذين اتخذتم آلهة من دونه، بشهادة الآيات الأخرى، وجملة النصوص، وروايات السنّة الصحيحة، وأخبار السيرة المتواترة، وشهادة التاريخ التي أسلفنا، في غير موضع، طرفاً منها. ثم بيّن أن أولئك «الآلهة» الذين يدعوهم المشركون من دون الله، هم في «الحقيقة» عباد صالحون من الملائكة والنبيين لا يشركون بربهم، بل: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾. فالمشركون لم يعتقدوا قط أن هؤلاء عباد صالحون يتقربون إلى ربهم بكل عمل صالح، وبكل وسيلة مُقَرِّبة، وهم بين رجاء رحمته، وخشية عذابه، بل اعتقدوا فيهم (الألوهية)، ولو في جانب واحد أو اعتبار واحد؛ فدعاؤهم حينئذ هو دعاء عبادة، لا محالة، وهو بداهة شرك أكبر.

 

فالآيات، إذاً، بيان من الله أن آلهة المشركين من أمثال اللات، والعزى، ومناة، والجن، والملائكة، الذين كانوا يعتقدون أنهم أبناء وبنات الله، والمسيح الذي يعتقدون أنه ابن الله، وعزيز الذي يعتقدون أنه ابن الله، وما أشبه ذلك، لا وجود لها بهذه الصفة في الحقيقة أصلاً، إلا في أذهانهم المظلمة الضالة، وخيالاتهم الجامحة المريضة، ومعتقداتهم السخيفة الباطلة، أما الملائكة والمسيح فهم في «الحقيقة» عباد صالحون، وليسوا بآلهة، فلا يمكن أن يتوجه إليهم بالتعبد أصلاً.

 

فلو أن هذا الرجل تأمَّل هذا الموضوع الخطير حق تأمله، وراجع أقوال الأئمة السابقين، وتحرر من تقديس الإمام ابن تيمية الذي كاد أن يتخذه رباً، لا يبتدع بدعة إلا اتخذها ديناً، كما اتخذت اليهود والنصارى ﴿أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، ؛ (التوبة؛ 9: 31)؛ وكما اتخذت العرب الشيطان المفتون عمرو بن لحي رباً، لا يبتدع لهم بدعة إلا اتخذوها ديناً، لتبين له ذلك؛ وإليك تفسير الإمام الطبري لهاتين الآيتين:

* حيث جاء في «تفسير الطبري»، (ج:15 ص:103 وما بعدها): [يقول تعالى ذكره لنبيه محمّد، صلى الله عليه وسلم، قل يا محمّد، لمشركي قومك الذين يعبدون من دون الله من خلقه، ادعو أيها القوم الذين زعمتم أنهم أرباب وآلهة من دونه ثمَّ ضر ينزل بكم، فانظروا هل يقدرون على دفع ذلك عنكم أو تحويله عنكم إلى غيركم فتدعوهم آلهة، فإنهم لا يقدرون على ذلك ولا يملكونه، وإنما يملكه ويقدر عليه خالقكم وخالقهم. وقيل إن الذين أمر النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يقول لهم هذا القول كانوا يعبدون الملائكة وعزيرا والمسيح، وبعضهم كانوا يعبدون نفرا من الجن. ذكر من قال ذلك:

ــ حدثني محمّد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾، قال: كان أهل الشرك يقولون نعبد الملائكة وعزيرا، وهم الذين يدعون يعني الملائكة والمسيح وعزيرا.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا﴾، يقول تعالى ذكره هؤلاء الذين يدعوهم هؤلاء المشركون أربابا يبتغون إلى ربهم الوسيلة، يقول يبتغي المدعوون أربابا إلى ربهم القربة والزلفة لأنهم أهل إيمان به، والمشركون بالله يعبدونهم من دون الله؛ أيهم أقرب، أيهم بصالح أعماله واجتهاده في عبادته أقرب عنده زلفة، ويرجون بأفعالهم تلك رحمته ويخافون بخلافهم أمره عذابه، إن عذاب ربك يا محمّد كان محذورا]، انتهى؛

 

* ثم قال الإمام الطبري بعد ذلك بقليل: [اختلفوا في المدعوين فقال بعضهم: هم نفر من الجن. ذكر من قال ذلك:

ــ حدثني أبو السائب قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن عبد الله في قوله: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة﴾، قال: كان ناس من الإنس يعبدون قوما من الجن، (فأسلم) الجن وبقي الإنس على كفرهم، فأنزل الله تعالى: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة﴾، يعني الجن.

ــ حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله العجلي قال: حدثنا شعبة عن سليمان عن إبراهيم عن أبي معمر قال: قال عبد الله في هذه الآية: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب﴾، قال: قبيل من الجن كانوا يُعْبَدون فأسلموا.

ــ حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد قال: حدثني أبي قال: حدثني الحسين عن قتادة عن معبد بن عبد الله الزماني عن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن مسعود في قوله: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة﴾، قال: نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن، (فأسلم) الجنيون والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم، فأنزلت: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب﴾.

ــ حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد عن قتادة عن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عمه عبد الله بن مسعود قال: نزلت هذه الآية في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن، (فأسلم) الجنيون والنفر من العرب لا يشعرون بذلك.

ــ حدثنا ابن عبد الأعلى قال: حدثنا محمّد بن ثور عن معمر عن قتادة ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة﴾ قوم عبدوا الجن، (فأسلم) أولئك الجن فقال الله تعالى ذكره: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة﴾.

ــ حدثنا محمّد بن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عن عبد الله ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة﴾، قال: كان نفر من الإنس يعبدون نفرا من الجن، (فأسلم) النفر من الجن و(استمسك) الإنس بعبادتهم، فقال: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة﴾.

ــ حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن عيينة عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر قال: قال عبد الله: كان ناس يعبدون نفرا من الجن، (فأسلم) أولئك الجنيون و(ثبتت) الإنس على عبادتهم، فقال الله تبارك وتعالى: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة﴾.

ــ حدثنا الحسن قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب﴾، قال: كان أناس من أهل الجاهلية يعبدون نفرا من الجن، فلما بُعث النبي، صلى الله عليه وسلم، أسلموا جميعا فكانوا يبتغون أيهم أقرب.

وقال آخرون بل هم الملائكة:

ــ حدثني الحسين بن علي الصدائي قال: حدثنا يحيى بن الموطأ قال: أخبرنا أبو العوام قال: أخبرنا قتادة عن عبد الله بن معبد الزماني عن عبد الله بن مسعود قال: كان قبائل من العرب يعبدون صنفا من الملائكة يقال لهم الجن، ويقولون هم بنات الله، فأنزل الله عز وجل ﴿أولئك الذين يدعون (معشر العرب) يبتغون إلى ربهم الوسيلة ﴾.

ــ حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة﴾، قال: الذين يدعون الملائكة تبتغي إلى ربها الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته، حتى بلغ، إن عذاب ربك كان محذورا، قال: وهؤلاء الذين عبدوا الملائكة من المشركين.

وقال آخرون بل هم عزير وعيسى وأمه، ذكر من قال ذلك:

ــ حدثني يحيى بن جعفر قال: أخبرنا يحيى بن الموطأ قال: أخبرنا شعبة عن إسماعيل السدي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة﴾، قال: عيسى وأمه وعزير.

ــ حدثنا محمّد بن المثنى قال: حدثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله العجلي قال: حدثنا شعبة عن إسماعيل السدي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: عيسى ابن مريم وأمه وعزير في هذه الآية ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة ﴾.

ــ حدثني محمّد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال: حدثنا عيسى وحدثني الحرث قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب﴾، قال: عيسى ابن مريم وعزير والملائكة.

ــ حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج عن ابن جريج عن مجاهد مثله، حدثنا ابن حميد قال: حدثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال: كان ابن عباس يقول في قوله ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب﴾، قال: هو عزير والمسيح والشمس والقمر.

وأولى الأقوال بتأويل هذه الآية قول عبد الله بن مسعود الذي رويناه عن أبي معمر عنه، وذلك أن الله، تعالى ذكره، أخبر عن الذين يدعوهم المشركون آلهة أنهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة في عهد النبي، صلى الله عليه وسلم؛ ومعلوم أن عزيرا لم يكن موجودا على عهده عليه الصلاة والسلام فيبتغي إلى ربه الوسيلة، وأن عيسى قد كان رفع، وإنما يبتغي إلى ربه الوسيلة من كان موجودا حيا يعمل بطاعة الله ويتقرب إليه بالصالح من الأعمال، فأما من كان لا سبيل له إلى العمل، فبم يبتغي إلى ربه الوسيلة؟ فإذ كان لا معنى لهذا القول فلا قول في ذلك إلا قول من قال: ما اخترنا فيه من التأويل، أو قول من قال: هم الملائكة، وهما قولان يحتملهما ظاهر التنزيل]، انتهى كلام الطبري بإصلاح طفيف لبعض أخطاء النساخ.

 

فأنت ترى أن قول الإمام الطبري هو في جوهره عين قولنا: أنهم كانوا يعتقدون في هؤلاء المدعوين الربوبية والألوهية، فدعوهم دعاء عبادة، وهذا هو يقيناً الشرك الأكبر، فأخبرهم الله أن أولئك هم عباد صالحون إما في الأصل دائماً وأبداً، كالملائكة وعيسى وعُزير، أو الآن بعد أن أسلموا هم وتركوا الشرك وتضليل البشر العابدين لهم، كما جاء موضحاً في سورة الجن، حيث أسلم نفر من الجن وتبرؤوا من عابديهم، بعد أن كانوا قبل ذلك، تصديقاً لسفيههم إبليس، ونصرة له في معاداته لله، جل وعلا، يظنون أنهم يعجزون الله هرباً، ويفرحون باستعاذة بعض البشر بهم، ويزيدونهم رهقاً!

 

نعم: الراجح هو أن نزول الآية كان أصلاً في الجن الذين أسلموا، لأنها منطبقة على ذلك الواقع انطباقاً تاماً أولياً، ثم هي منطبقة في جوهر موضوعها بعد ذلك على كل من اعتُقد فيه الألوهية والربوبية مع كونه، في حقيقة الأمر، من عباد الله الصالحين، المتقرّبين إليه بكل وسيلة مشروعة، كالمسيح عيسى بن مريم ووالدته، عليهما صلوات من الله وسلام، وعزير، وغيرهما، المتبرئين من كل من غلا فيهم، فجعل فيهم شيئاً من الألوهية والربوبية.

 

فظهر بذلك يقيناً بطلان قول بن عبد الوهاب: (إن الكفار في زمانه، صلى الله عليه وسلم، منهم من يعتقد في الصالحين)، وكذلك بطلان جملته: (بيَّن فيها الرد على المشركين الذين يدعون الصالحين، ففيها بيان أن هذا هو الشرك الأكبر)، فما كان في زمانه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، من يعتقد في المقبورين، ولا من يعتقد في الصالحين، كما زعم الخارجي المارق بن عبد الوهاب، ومقلدته من رجالات الفرقة الوهابية. فإذ لم يكن لهؤلاء وجود أصلاً، فمن المحال الممتنع أنه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (قاتلهم كلهم وحكم بكفرهم)، كما زعم.

 

وإذ بطل هذا قطعاً، فقد بطلت معارضته لمن أسماهم بـ«المشركين»، إذ قال: [بقي للمشركين حجة أخرى وهي: أنهم يقولون هذا حق ولكن الكفار يعتقدون في الأصنام فالجواب القاطع أن يقال لهم إن الكفار في زمانه، صلى الله عليه وسلم، منهم من يعتقد في الأصنام ومنهم من يعتقد في قبر رجل صالح مثل اللات ومنهم من يعتقد في الصالحين،..، إلخ]، فالجواب «القاطع» المزعوم، ليس بقاطع، بل هو على الضد التام من ذلك: «مقطوع»، منكسر، داحض، وهو خطأ محض، وباطل مجرد، قد بني على تخيل أشياء لا وجود لها في الواقع التاريخي أصلاً، وعلى أخطاء فظيعة في فهم بعض نصوص القرآن والسنّة، وإهمال شنيع لأكثر نصوص القرآن والسنّة، ومرويات التاريخ.

 

وأشنع من هذا، وأفحش خطأً، ما قاله في كشف الشبهات: [فإذا أردت الدليل على أن هؤلاء الذين قاتلهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يشهدون بهذا، فاقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: 31]. وقوله ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: 84 - 89] وغير ذلك من الآيات. فإذا تحققت أنهم مقرون بهذا ولم يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وعرفت أن التوحيد الذي جحدوا هو توحيد العبادة الذي يسميه المشركون في زماننا (الاعتقاد). كما كانوا يدعون الله سبحانه وتعالى ليلا ونهارا، ثم منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم من الله ليشفعوا له أو يدعو رجلا صالحا مثل اللات، أو نبيا مثل عيسى. وعرفت أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قاتلهم على هذا الشرك ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله وحده، كما قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18]، وقال: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ [الرعد: 14]. وتحققت أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قاتلهم ليكون الدعاء كله لله، والنذر كله لله، والاستغاثة كلها بالله، وجميع أنواع العبادات كلها لله. وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة، والأنبياء، والأولياء، يريدون شفاعتهم والتقرب إلى الله بذلك هو الذي أحل دماءهم وأموالهم. عرفت حينئذ التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأبى عن الإقرار به المشركون].

أرأيت المزاعم الداحضة المكذوبة؟!:

ــ قوله: (منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم من الله): فوالله الذي لا إله إلا هو ما كانوا يدعون الملائكة لصلاحهم، وإنما لأنهم بنات وأبناء الله، من الجنس والعنصر والنسب الإلاهي!

ــ وقوله: (يدعو رجلا صالحا مثل اللات، أو نبيا مثل عيسى): فوالله الذي لا إله إلا هو ما كانوا يدعون عيسى بوصفه بشراً نبياً، وإنما كانوا يدعون المسيح بوصفه ابن الله، والمسيح عندهم كائن إلاهي سماوي، مساو لأبيه في الجوهر؛ أما الرجل الصالح الذي زعم أنه (اللات)، فالأرجح أنه لم يوجد في العالم قط؛ وإن كان قد وجد فهو في الأرجح من سدنة الآلهة، مشرك كافر، طالح وليس بصالح!

ــ وقوله: (إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام): فوالله الذي لا إله إلا هو ما كانوا مقرين بتوحيد الربوبية أياً ما كان تعريفها!

ــ وقوله: (قصدهم الملائكة، والأنبياء، والأولياء): فوالله الذي لا إله إلا هو ما قصدوا الأنبياء والأولياء قط، ولو آمنوا بنبوة نبي واحد حقاً، لما كانوا مشركين!

 

فصل: هل يكفر (من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة)؟!

* من التخاليط والوساوس كذلك ما قاله الإمام أبو العباس أحمد بن تيمية في «مجموع الفتاوى»، (ج:1 ص:124): [وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، (آل عمران؛3: 79- 80)، فبين سبحانه (أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كفر). فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يسألهم غفران الذنب وهداية القلوب وتفريج الكروب وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين]، انتهى كلامه، رحمه الله، نصاً.

 

نقول: أما (أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كفر) فهذا حق يقيني لا شبهة فيه، وهو نص الآية الكريمة. ولكن قوله: (جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يسألهم غفران الذنب وهداية القلوب وتفريج الكروب وسد الفاقات فهو كافر بإجماع المسلمين)، ليس هو نص القرآن المعصوم، لأن القرآن نص فقط على: (أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كفر)، وأحال إلى لغة العرب، وآيات الذكر الحكيم الأخرى، والبيان النبوي الشريف، لإكمال بيان لفظتي «اتخاذ»، و«أرباب» التي هي بيت القصيد ها هنا، لأن الكفر أنيط بـ«اتخاذ الأرباب»، وليس بشيء آخر.

 

ولا شك أن مجرد اعتقاد (الربوبية) - وهي على الصحيح: بعض (الألوهية) - في غير الله هو كفر، بأدلة القرآن والسنّة القطعية، وبالإجماع المتيقن، وكذلك من (عبد غير الله)، وهذا يقتضي ضرورة أنه يعتقد في المعبود شيئاً من (الربوبية) أو (الألوهية). وقد أثبتنا في ما مضى أن الأفعال والأقوال المجردة لا يصح أن يقال عنها أنها عبادة أو غير عبادة أصلاً، فلا بد من ثم من أخذ الاعتقاد في الاعتبار، فـ(العبادات) إنما هي أقوال وأفعال، باطنة، أي أقوال القلب وأفعاله، أو ظاهرة: أقوال اللسان وأفعال البدن، وجِّهت أو تعلقت أو صُرِفَت لمن يُعتقد فيه (الربوبية) أو (الألوهية) من دون الله، أو مع الله، ولو في جزئية من الجزئيات.

 

فقول الشيخ: (جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يسألهم غفران الذنب وهداية القلوب وتفريج الكروب وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين) تفسيراً لقوله: (ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا) ليس بأولى ممن قال: (لا يأمركم أن تجعلوا بين الله وبين الملائكة والنبيين نسباً)، بل هذه أولى لما سبق ذكره من اعتقاد قريش في الملائكة أنها بنات الله؛ واعتقاد النصارى في المسيح بن مريم، صلى الله عليه وعلى والدته وسلم، أنه ابن الله؛ واعتقاد النصارى في الروح القدس جبريل خاصة أنه أقنوم من أقانيم الله؛ لا سيما أن سياق الآيات، وهو: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78) مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (82)﴾؛ (آل عمران؛ 3: 78 - 82)؛ وهذه بدورها جاءت عقب سياق محاججة والتمهيد لمباهلة وفد نجران في القصة المشهورة.

 

فقوله، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ تبرئة للمسيح بن مريم مما ينسبه النصارى إليه من ادعاء الألوهية لنفسه وللروح القدس؛ لأن قوله: ﴿وَ(لَا) يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا: أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ ... الآية﴾، تقديره: ﴿و(مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ) يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا: أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ ... الآية﴾

 

فإذا تبين أن قول الشيخ: (فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يسألهم غفران الذنب وهداية القلوب وتفريج الكروب وسد الفاقات، فهو كافر بإجماع المسلمين) ليس هو الترجمة الأمينة لمعنى الآية، فضلاً عن شموله لألفاظ غامضة، وعبارات غير محررة أو بينة بذاتها: فالوسيط قد يكون كائناً إلاهيا، وقد لا يكون؛ والدعاء والنداء قد يوجه لمن يعتقد فيه الألوهية: فيكون (عبادة)، وإذا وجه لمن لا يعتقد فيه الألوهية، فليس (عبادة)، ومحال أن يكون كذلك؛

 

نعم: لا شك أن بعض الأمور التي مثَّل بها: (غفران الذنب وهداية القلوب وتفريج الكروب وسد الفاقات)، لا تصدر عادة، وليس دوماَ أو بالضرورة، إلا مع وجود اعتقاد معين في المسؤول يجعله كائنا إلاهياً، ويجعل السائل من ثمة مشركاً كافراً. نكرر ونؤكد، عادة، وليس دوماً وضرورة: فالإنسان المسلم الذي يقول لصديقه: (أنا مكروب، أعاني من أشد الضيق، فرج كربتي، وانتشلني من هذا المأزق)، لم يصبح مشركاً كافراً بمجرد هذا القول، بل لا بد من وجود اعتقاد معين، وهو غير موجود ها هنا بقرينة الحال، بخلاف القرشي الذي يقول مخاطباً هبل: (أنا مكروب، أعاني من أشد الضيق، فرج كربتي، وانتشلني من هذا المأزق)، فهذا مشرك كافر، بقرينة الحال أيضاً، لأن هبل هو اسم أحد آلهة قريش المعروفة، مع استخدامهما «عين» اللفظ، وتلفظهما «عين» الدعاء!

 

فظهر أن مقولة الإمام ابن تيمية آنفة الذكر ليست محررة منضبطة، وتكراره لمثل هذا في مواضع كثيرة، على هذا النحو المشكل الملتبس، يرجح بقوة بأنه ينظر فقط إلى ظاهر الفعل أو القول، بغض النظر عن الاعتقاد أو التصور المصاحب، وهذا باطل تترتب عليه مصائب وبلايا، كما أسلفنا.

 

أما دعوى الإمام ابن تيمية انعقاد الإجماع على ما قال، وفق عادته السيئة، لأنه تورط في مثل دعوى الإجماع الباطلة هذه في مواضع عديدة؛ فهو زعمٌ مجرد، نرجو الله أن لا يكون كذباً متعمداً: لأن مقولته ملتبسة غير محررة، فهي تحتمل الباطل قطعاً: حتى يتم تحريرها وتصحيحها، ولو انعقد الإجماع عليها لانعقد على باطل، ولكانت الأمة مجمعة على ضلالة، عياذاً بالله.

 

أما المعني المحرر الصحيح، الذي يجعل الاعتقاد، اعتقاد الألوهية، أو الربوبية من دون الله، ولو في جزئية واحدة، أو اعتبار واحد، هو مناط الحكم، هذا المعنى الصحيح المحرر قد ثبت ثبوتاً قطعياً بالآية التي استشهد بها الشيخ، وبغيرها من آي القرآن الكثيرة، وأدلة السنّة الصحيحة، ووقائع التاريخ المتواترة. وما كان كذلك فهو، ضرورة، مُجمع عليه، وذلك لأن المخالف كافر خارج عن الملة.

 

فصل: نواقض الإسلام العشرة الوهابية

ومن المؤسف أن بن عبد الوهاب أخذ جملة الإمام ابن تيمية، التي أوردناها قبل قليل، كما هي، على عجرها وبجرها. وغموضها والتباسها، كأنها لفظ قرآن منزل، وجعلها الناقض الثاني من نواقض الإسلام، بزعمه:

* كما جاء في «مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب»، (ج:1 ص:212 وما بعدها): [اعلم أن من أعظم نواقض الإسلام عشرة:

الأول: الشرك في عبادة الله وحده لا شريك له، والدليل قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ ومنه الذبح لغير الله كمن يذبح للجن أو القباب.

الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم الشفاعة كفر إجماعا.

الثالث: من لم يكفّر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر إجماعا.

الرابع: من اعتقد أن غير هدى النبي، صلى الله عليه وسلم، أكمل من هديه أو أن حكم غيره أحسن من حكمه كالذين يفضلون حكم الطاغوت على حكمه فهو كافر.

الخامس: من أبغض شيئا مما جاء به الرسول، صلى الله عليه وسلم، ولو عمل به، كفر إجماعا، والدليل قوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم﴾.

السادس: من استهزأ بشيء من دين الله أو ثوابه أو عقابه كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿قل أبالله ورسوله كنتم تستهزؤون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾.

السابع: السحر ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضى به كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾.

الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين.

التاسع: من اعتقد أن بعض الناس لا يجب عليه اتباعه، صلى الله عليه وسلم، وأنه يسعه الخروج من شريعته كما وسع الخضر الخروج من شريعة موسى عليهما السلام، فهو كافر.

العاشر: الأعراض عن دين الله، لا يتعلمه ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن ذكّر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون﴾.

ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف إلا المكره وكلها من أعظم ما يكون خطرا ومن أكثر ما يكون وقوعا فينبغي للمسلم أن يحذرها ويخاف منها على نفسه نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه وصلى الله على محمّد]، انتهى نصاً.

 

ونلاحظ أولاً أن حصر النواقض الكبرى في هذه العشرة فقط لا دليل عليه، وإنما هو تحكم محض، وابن عبد الوهاب ليس من المعروفين بالاستقراء التام، أو بالدقة المتناهية، بل هو بعيد عنها بعد المشرقين، كما ظهر، وسيظهر، من مناقشتنا هذه.

 

فأما الناقض الأول فهو ركيك الصياغة، لأن الواجب أن يقال: (الشرك بالله) أو (عبادة غير الله)، ولا معنى ها هنا أصلاً للتذييل: (وحده لا شريك له) بعد لفظ الجلالة: فهذا الرجل لا يدري ما يخرج من رأسه، ويخطه بقلمه. وعلى كل حال فالناقض الأول لا بأس به – تساهلاً - بشرط أن تعرّف «العبادة» تعريفها الصحيح، كما حررناه، وليس كتعريفه لها الذي ألمح إليه في قوله: (الذبح للقباب)، وهو كلام لا معنى له. فلا يوجد أحد في العالم يذبح للقباب، وإنما يكون الذبح لصاحب القبة، أي المقبور. ثم ما هو المعتقد في المقبور؟! هل هو معتقد يجعله إلاهاً من دون الله؛ أو هو غير ذلك من المعتقدات، التي ربما تكون باطلة خرافية، ولكنها لا تجعله إلاهاً من دون الله؟!

 

ثم ما معنى الذبح لشخص ما؟! وما هو المقصود منه؟! لعلها أضحية أو صدقة عنه، أو وليمة لزوار مشهده، وتساهل الناس في التعبير عنها فقالوا ذبح (له)، بدلاً من التعبير الدقيق: ذبح (عنه)؟!

 

وكذلك (الذابح للجن): ما هو معتقده في الجن وطبيعتهم؟! هل يعتقد مثلاً أنهم مخلوقات شريرة، لا تخرج عن قدر الله وسلطته، ولا يستطيعون منه إفلاتاً، ولا يعجزونه هرباً؛ فإذا ألقى إليهم الإنسان بذبيحة أمن شرهم تماماً كما يأمن شر السبع الضاري إذا ألقى له بذبيحة ينشغل بها عن هذا الإنسان الذابح حتى يتمكن من الفرار؟! هذا تخريف وليس شركاً.

 

نعم: قد يقول مقلدة ابن عبد الوهاب: إنما قصد ذبح التعبّد، أو ذبح النسك، وما قصد شيئاً مما ذكرتموه. فنقول: قضايا الإسلام والكفر، والتوحيد والشرك أخطر من تركها نهباً للظنون والاحتمالات، والشكوك والتخرّصات، وربما قصد كيت، وأراد ذاك. ثم ما معنى قولكم: إنما قصد الذبح تعبداً، فما هي (العبادة) إذاً؟! وهكذا ندور، وتدورون أبد الدهر في حلقة مفرغة من التخرصات والظنون حتى تعرفوا (العبادة) تعريفاً صحيحاً، مطابقاً لواقعها، سالماً من المعارضة، جامعاً مانعاً. وليس في العالم تعريف منضبط بهذه الصفة إلا تعريفنا: عبادة غير الله إنما هي حصراً نسبة شيء من الألوهية لغير الله؛ وفق (المعادلة) المشهورة:

 

 (م2)- [عبادة غير الله] = [نسبة شيء من الألوهية لغير الله

 

وهذا يوجب، ضرورة، أن تكون الأحوال القلبية، والمشاعر والانفعالات النفسية، والأقوال والأفعال الإرادية المشمولة بلفظة (العبادة)، المعرفة بالألف والام، أو بالإضافة، أو بالجمل التامة، هي فقط تلك التي تتعلق بمن، تصرف لمن، أو توجه لمن يعتقد فيه شيء من (الألوهية). وعليه فيكون التعريف الصحيح لـ(العبادات)، وواحدتها (عبادةهو ضرورة، ولا بد: [(العبادات) هي: أحوال قلبية، ومشاعر وانفعالات نفسية، وأقوال وأفعال ظاهرة وباطنة، وشعائر معينة (والشعيرة: مجموعة من الأفعال والأقوال تم تركيبها بطريقة مخصوصة)، تعلقت بمن، أو وجهت إلى من، أو صرفت لمن يعتقد فيه شيء من (الألوهية): لإظهار التعظيم والتوقير والتقديس له؛ أو: للتعبير عن الثقة به والتوكل عليه؛ أو للتعبير عن الاستسلام والخضوع، والسمع والطاعة، والذلة له؛ أو للتقرب إليه والأنس بحضرته وطلب رضاه ومحبته والزلفى إليه؛ أو لاستدرار عطفه وبره وإنعامه؛ أو لإظهار الفقر والحاجة إليه؛ أو للاستعانة به في دفع ضر أو جلب منفعة؛ أو لإظهار الخشية والرهبة؛ أو لاتقاء غضبه ونقمته وعقوبته؛ وربما لاتقاء شره وضرره، ونحو ذلك)]؛ فما يسميه الناس (عبادات)، أو (شعائر)، أو (مناسك) ليس هو عين، أو ذات (العِبَادة)، وإنما هو تعبير أو إظهار أو تطبيق لها.

 

أما بقية النواقض التي ذكرها، فبعضها يحتاج إلى مزيد شرح وتحرير، لا سيما «الناقض الثالث»، فهو كما هو هناك خطير ملتبس، لا سيما أنه سمَّى أقواماً بـ«المشركين» بالباطل، مع أنهم من أهل الإسلام، فوقع ناقضه من ثم ساقطاً منقوضاً، للأسف الشديد. والظاهر أنه ما صاغ هذا الناقض هكذا إلا لشيطنة خصومه، وتكفيرهم، ثم ذبحهم، كما وقع بالفعل تاريخياً: جريمة كبرى، تكررها الدولة الإجرامية في العراق والشام (داعش) حذو القذة بالقذة!!

 

والناقضان «الرابع»، و«التاسع»، يعودان إلى أصل واحد: وجوب اتباع محمد رسول الله، خاتم النبيين؛ أي: شهادة أن محمداً رسول الله، فليس ثمة حاجة لفصلهما.

 

وكذلك الناقضان «الخامس»، و«العاشر»، فليست محررة لأن (الكراهية) المذكورة في الآية هي (كراهية الرفض والجحود) وليسك ككراهية القتال، التي هي كراهية طبيعية غريزية، وكذلك (الإعراض): لا بد من تحريره بأنه (إعراض الرفض والجحود). فإذا فعلنا ذلك لم تعد هناك حاجة لتمييز الناقضين المزعومين، وإنما هو شيء واحد: كفر (الرفض والجحود) الذي يظهر حينا بصورة (الكراهية)، وحيناً بصورة (الاستكبار)، وأحياناً بصورة (الإعراض)، ... إلخ؛

 

وأما الناقض «السابع»، أي «السحر»، فهو هكذا على إطلاقه خطأ محض، وسوف نحرر ذلك في موضعه من أبواب القسم الثالث من أقسام هذا الكتاب (القسم الثالث: التوحيد – الآداب والفروع)، إن شاء الله تعالى.

 

والناقض «الثامن» خطير جداً، لأنه لم يقصره على الكفار الحربيين، أو على تحريض الكفار على حرب المسلمين، أو على مظاهرة الكفار على المسلمين بإفشاء أسرار المسلمين الحربية والأمنية لهم. وهذا التحديد هو الواجب، كما أشبعناه درساً وتحليلاً، والحمد لله، في كتابنا: «الموالاة والمعاداة»، فراجعه، وتحرير هذا الأمر في غاية الأهمية عموماً، وفي أيامنا هذه خصوصاً، إذ يتعرض المسلمون لواحدة من أشرس وأخبث هجمات العدو الكافر الحربي المعتدي: هجمة الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وحلفائهما.

 

ثم أبى هذا الأزرقي المارق إلا أن يختتم نصه القصير بمزيد من الأخطاء: فأخطأ خطاً فاحشاً مهلكاً في قصر العذر على المُكْرَه فقط، ولم يذكر اعذار «تكفير المعيّن» الأخرى: الجهل، والتأويل، والرواية والحكاية والشهادة، ونحوها، ولكن تحرير هذا موضعه ليس هنا.

 

* وتظهر الإشكاليات المترتبة على هذه «الفوضى» الشنعاء في تعريف العبادة بشكل واضح مرة أخرى في قول آخر جاء في «الرسالة السنيّة»: [فإذا كان على عهد النبي، صلى الله عليه وسلم، من انتسب إلى الاسلام ممن مرق منه، مع عبادته العظيمة، فليعلم أن المنتسب الى الاسلام والسنّة في هذه الازمان أيضا قد يمرق أيضا من الاسلام، وذلك بأسباب منها الغلو الذي ذمّه الله في كتابه حيث قال: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم،..، الآية﴾. وكذلك الغلو في بعض المشايخ بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح عليه السلام، فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يقول يا سيدي فلان انصرني أو أغثني أو ارزقني أو اجبرني أو أنا في حسبك ونحو هذه الاقوال، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل، فان الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليُعبد وحده، ولا يُدعى معه إله آخر. والذين يدعون مع الله آلهة أخرى، مثل المسيح والملائكة والاصنام، لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق أو تنزل المطر أو تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم أو يعبدون صورهم يقولون: ﴿إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى﴾، ويقولون: ﴿هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾، فبعث الله رسله تنهى ان يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة]، انتهى.

 

فها هنا أصلح المصنف، وأجاد إذ قال: (من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعا من الإلهية) فبين أن الغلو المهلك، الذي ذمته الآية، هو أن يجعل شيئاً من الألوهية فيمن وقع الغلو في حقه. ثم كأنه لم يصبر على الصواب إلا قليلاً فهدم سريعاً ما بنى، كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، حيث فسّر الألوهية: (وجعل فيه نوعا من الإلهية مثل أن يقول يا سيدي فلان انصرني أو أغثني أو ارزقني أو اجبرني أو أنا في حسبك ونحو هذه الاقوال، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل)، فجعل مجرد القول بواحدة من تلك الجمل مرادفاً لجعل المنادى أو المطلوب منه أو المسؤول، إلاهاً: لقد والله هزلت «الألوهية» إن كان هذا هو معناها!!

 

ولو أن الله فتح على المصنف فتأنَّى، ولم يستعجل، وقرأ الآية إلى منتهاها، ونظر في غيرها من آي الذكر التي جاءت في نفس موضوعها، لعلم أن غلو النصارى في المسيح أنهم قالوا فيه، أي اعتقدوا فيه، غير الحق: أنه الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة، وأنه على كل حال: إلاه تام الألوهية، مساوٍ لأبيه في الجوهر، إله حق من إله حق، نور من نور. فأين هذا من الجملة الهزيلة: (يا سيدي، أنا في حسبك) أو (يا عيسى، أنا في حسبك)؟! نعم، قد تكون هذه الجملة ممن يعتقد في عيسى بن مريم، صلوات الله عليه وعلى والدته، ما ذكرناه من الكفريات، فتكون عبادة له، وكفراً، وشركاً بالله، ومظهراً لذلك الاعتقاد الخبيث، الذي هو من حيث هو اعتقاد مجردُ: شرك وكفر. وقد تكون هذه الجملة، وما شاكلها، بدون هذا الاعتقاد، أو إساءة في التعبير لمعنىً صحيح، فلا تكون من باب الشرك والكفر، ولكن تكون دراستها من باب الحلال والحرام، والمستحب والمكروه، أو الخطأ والصواب، ونحو ذلك.

 

وزاد المصنف، سامحه الله، في الخطأ، بل بالغ وأفحش عندما قال: (والذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل المسيح والملائكة والاصنام لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق أو تنزل المطر أو تنبت النبات وإنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم أو يعبدون صورهم). هذه مزاعم جامحة مجردة، بل أخطاء يقينية، مقطوع بكونها خطأ، من جوانب كثيرة:

(1) - فالمسيح بوصفه هو الله، هو الخالق، منزل المطر، منبت الزرع؛ وبوصفه ابن الله، هو بعض الله، أو أقنوم من أقانيم الله، أو شخص ثالث من ثلاثة: مشارك في ذلك ضرورة، بنحو أو آخر، وبوصفه «كلمة الله» فهو «آلة» الخلق، إن صح التعبير، فالله يخلق بـ«الكلمة». ودعاء المسيح وعبادته ها هنا هي له لذاته، لأنه بذاته إله حق مستحق لذلك، فضلاً عن كونها ترضي بقية أشخاص أو «أقانيم» الثالوث، لأنهم ثلاثة في واحد وواحد في ثلاثة؛ وهم، في معتقد النصارى المثلثين، «شركة مباركة متآلفة» بلغت غاية النهاية في الألفة والمحبة: يحب بعضهم بعضاً أكمل المحبة، ويرضى بعضهم لبعض ما يرضى لنفسه غاية الرضا!

 

(2) - والملائكة عند قريش كائنات إلاهية، وهي بنات الله لصلبه، أمهاتهم سروات الجن، وحسبك بهذا شركاً وكفراً. ولا ندري هل كانت قريش تعتقد أن لهن مشاركة في خلق الخلائق، أو إنزال المطر، أو انبات الزرع، ولكننا نعلم قطعاً أنهن الحبيبات المدللات، اللاتي يشفعن عند أبيهن، قطعاً بدون استئذان، شفاعة لا ترد، أو حري بها ألا ترد، لكونهم من «عنصر» و«نسب» إلاهي سماوي، وهذا بمفرده شرك اعتقادي وكفر. نعم، الغالب ها هنا أن يكون دعاء هؤلاء وعبادتهم لأنهم يقربون إلى الله زلفى، ويشفعون عنده شفاعة لا ترد، ولا تحتاج إلى استئذان لأنهن البنات المقربات، الحبيبات المدللات!

 

(3) - أما الملائكة عند عبدة النجوم (الصابئة كما يسميهم البعض خطأً)، فهم عقول أو نفوس أو أرواح فلكية، كائنات إلاهية، وسيطة بين الله (الذي يسمونه العقل الأول، أو العلة الأولى)، درجة بعد درجة حتى فلك القمر، وهو أدنى تلك العقول الفلكية، ذات الجوهر الإلاهي، وبين العالم السفلي، عالم المخلوقات، عالم الموت والفساد والفناء، في الاتجاهين، صعوداً وهبوطاً؛ فالله جل جلاله لا يتصرف مباشرة، إن كان له تصرف أصلاً (بعض مذاهبهم تقول: أنه لا يعقل إلا ذاته، ولا يدرك غير نفسه)، والدعاء لا يصعد إليه مباشرة، بل مروراً بالعقول السفلى، درجة بعد درجة، فيقوم كل فلك بما عليه، حسب اختصاصه، ثم «يرفع» الباقي إلى أعلى: فيا لها من دولة إلاهية هرمية؟! وحسبك بذلك تخريفاً وشركاً وكفراً.

 

وفي هذا النوع من المعتقد يكون دعاء هؤلاء وعبادتهم ليس فقط لأنهم يقربون إلى الله زلفى، ويشفعون عنده شفاعة لا ترد، بل لأن لهم صلاحيات وأمور يبتّون هم فيها بتاً نهائياً، من غير رفعها إلى أعلى أصلاً، فلهم من التصرف والاستقلالية ما لا يوجد لدى «ملائكة قريش» المسكينة، ذات الصلاحيات المحدودة!!

 

(4) - لا يوجد في العالم قبر عُبد قط، وإنما يكون المعبود هو المقبور، إن كان معبوداً أصلاً. وبالضرورة نعلم أن من دعاه أو طلب منه شيئاً يعتقد فيه أنه حي حاضر يسمع ويرى ويجيب، وهذا المعتقد، على بطلانه عموماً، ليس من اعتقاد الألوهية في المقبور من صدر ولا ورد. فإن وجد اعتقاد شيء من (الألوهية)، بتعريفها الصحيح، في المقبور أصبح النداء والطلب عبادة وشركاً ينقل عن الملة. وإن لم يوجد اعتقاد مكفر، فليس ثمة شرك أكبر، يخرج عن الملة.

نعم: ربما كانت هناك معصية أو ابتداع محرم، أو حتى شرك عملي أصغر، لا ينقل عن الملة، ولكن هذا كله باب آخر، يختلف تماماً عن الشرك الأكبر، شرك الكفر المناقض للإسلام كل المناقضة، المخرج من الملة، المردي في اللعنة الأبدية، والنار السرمدية، والذي هو فقط محل بحثنا هنا في هذا المقام.

 

(5) - ولا يوجد في العالم من يعبد الصور، وإنما تكون (العبادة)، إن كانت عبادة بحق، للشخص أو الذات المصورة؛ أما الصورة، من حيث هي صورة، فما عبدت قط. ولكن عبدة الأصنام، وهي نوع مخصوص من التماثيل والصور، يعتقدون أن الآلهة تحل فيها، أو ترتبط على نحو ذاتي بها، أو أن الصنم يمثل الإله وينوب عنه نيابة كاملة، أو أنه بمثابة البدن للإله، لذلك ساغ هنا، وهنا فقط أن نقول: فلان يعبد الصنم، كما استعمله القرآن، ومن أحسن من الله حديثاً، وهذا في حقيقته مجاز، على وجه الاختصار للجملة الطويلة: (فلان يعبد الإله كذا وكذا، الذي سكن أو حل أو اتحد بالصنم، فأصبح الصنم رمزاً له، يسمَّى باسمه، قائماً مقامه، كأنه هو هو)!

 

وقد جاء هذا مقروناً مع إساءة التعبير البالغة، في مثل قوله: (يعبدون قبورهم، أو يعبدون صورهم). هذه صياغات قد تُحْتمل على مضض من جهلة العوام، أو من أهل المراء المتنابزين بالألقاب، أما من (العلماء) المصنفين، فإنا لله وإنا إليه راجعون؟!

 

فأنت ترى مقدار الخلل الجسيم، والخطأ القاتل، في هذا النص القصير، الذي ينسب عادة إلى «الرسالة السنيّة» لشيخ الإسلام الإمام ابن تيمية، هكذا في مصادر كثيرة، كما هو مثلاً في الدرر السنية في الأجوبة النجدية جمع عبد الرحمن بن محمد بن قاسم (1/425)، و(8/213)، و(10/204)، و(10/518)، و(11/453)؛ وفي مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الأول) (ص: 291)؛ ومنهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس (ص: 249)؛ وفي غاية الأماني في الرد على النبهاني (1/45)؛ وغيرها كثير؛ مع أني أجد صعوبة كبيرة في تصديق نسبة هذا الفكر المنحط، والكلام السقيم إلى مؤلف (درء تعارض النقل والعقل)، و(الرد على المنطقيين) الذي شهد له الأتباع والخصوم على أنه كان عبقرياً من أذكياء العالم!

 

نقول: إن ثبت هذا (الهراء) عن ابن تيمية، فلعله مصداق للمقولة: (بين العبقرية والجنون مقدار شعرة)، فإذا زل العبقري، لا سيما إذا جمحت به العاطفة وأراد (حراسة) الإيمان و(الدفاع) عن حريم الدين، جاء بما يشبه هذيان المجانين! والعصمة من هذا الهوس والجنون تكون باليقين الجازم أن الله قد تكفل بحفظ الذكر، وإظهار الدين، فلا موجب للخوف المَرَضي عليه، وإنما يكون الحرص الصحيح عليه بالسمع والطاعة لأوامره:

ــ حيث أمر، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ: لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ، وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ: إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً﴾، (النساء؛ 4: 171)؛

ــ وأمر، عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «وإياكم والغلو في الدين: فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين».

 

* ولكن جاء في «شرح كتاب التوحيد»، (ج:1 ص:195): [قال تعالى: ﴿ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون﴾، وهذا بعينه هو الذي يعتقده من دعا الأنبياء والصالحين ولهذا يسألونهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات وشفاء ذوي الأمراض والعاهات فثبت أن ذلك شرك]؛ قلت: الخطأ هنا أهون، لأن الشارح أرجع كل شيء إلى الاعتقاد، كما هو الواجب؛ ولكنه زعم أن معتقد (من دعا الأنبياء والصالحين) هو «عين» ما نصَّت عليه الآية من (اتخاذهم أرباباً)، وهذا ليس بمُسلَّم، فقد يكون وقد لا يكون، وما ذكره من الأقوال، وأنواع المسألة، لا يقتضي ذلك ضرورة، وإن كان كذلك عادة في النادر من الأحوال، كما أسلفنا. وإذا كان الكلام عن أهل الإسلام فالأصل اليقيني هو أنه ليس كذلك، إلا بعد إقامة قواطع البراهين، لأن من قال لأخيه يا كافر، ولم يكن كذلك، إلا حار عليه.

 

ونحسب أن القراء الكرام قد ملّوا تكرار ذكر هذه النصوص، وتكرار الرد عليها، وهي نصوص متشابهة، وردود متقاربة، وأكثرها اقتباسات من كلام الإمام ابن تيمية بنفس ألفاظه في الغالب، وإن وجد تنقيح أو تحرير من قبل الوهابيين فهو في اتجاه مزيد من الإفحاش في الخطأ، أحياناً إلى درجة الخبل، والغلو في الدين إلى درجة الوسوسة والهوس. فلعلنا نكتفي بهذا، وفيه لطالب الحق كفاية وزيادة، إن شاء الله. كما نأمل أن الموضوع قد تبلور في ذهن القراء حتى أصبح كأنه محسوساً ملموساً باليد، وليس فقط مدركاً بالعقل.

 

فصل: استشكالات السيد العلامة محمّد بن إسماعيل الأمير الصنعاني

ولعلنا قبل أن نختم هذا الباب نقرر ونؤكد أنه ينبغي أن يعلم، على كل حال، هنا في هذا المقام وغيره من المقامات ـ كما أسلفنا مرارًا وتكرارًا ـ علمًا يقينيًا، لا يتطرق إليه الشك: أن العبرة هي بحقيقة المعتقد، وجوهر محتوى التصور، بغض النظر عن الأسماء والألفاظ، فمن اعتقد:

(أ)- أن غير الله يتصرف في الكون بغير إذن من الله، ولا مشيئة ولا تقدير؛

 

(ب)- أو أن له قدرة وتصرف تضاهي قدرة الله، ولو في بعض الأمور؛

 

(ج)- أو أن بعض الكائنات تقدر على الإفلات من سلطة الله، أو أنهم يجيرون على الله، أو أنهم يُعجزون الله هرباً، كاعتقاد بعض جهلة العوام في الجن؛

 

(د)- أو أن لغير الله عند الله شفاعة واجبة القبول فلا ترد، ولا تحتاج إلى استئذان؛

 

(ه)- أو نسب إلى غير الله الخلق والإيجاد المستقل من عدم، كما يفعل الثنوية المجوس بالنسبة لما يسمونه إله الشر «أهريمن»؛

 

من اعتقد شيئاً من ذلك، أو نحوه، فقد جعله متصفًا ببعض صفات (الألوهية)، أي استحقاق (العبادة)، فجعله مع الله إلها آخر، وذلك بغض النظر عن:

(1) اعتقاداته الأخرى فيه، فلا يلزم أن يعتقد أنه أزلي أو واجب الوجود، أو أنه من عنصر أو جوهر أو جنس إلاهي، بل من الممكن جدا أن يكون حادثاً مخلوقاً، كإله الشر عند بعض طوائف المجوس. ولا يلزم أن يعتقد أنه نشأ من اتحاد أو تجُسُّد أو حلول لله في مخلوق، بل يمكن أن يكون بلغ الرتبة بـ(الترقي) فانقلب كائنا إلاهي بعد أن لم يكن؛ ولا يلزم أن تكون له خالقية أو رازقية أو فعالية إيجابية، بل يكفي أن تكون فعاليته – على وجه الاستقلال – سلبية: كأن يختبئ من الله أو يعجزه هرباً؛

(2) وبغض النظر عن تسميته، سواء سماه إلهاً، أو سماه شيطانا، أو سماه ملَكا، أو عقلا فلكيا، أو روحاً علوياً أو سفلياً، أو غير ذلك؛

(3) وبغض النظر عن حبه له أو بغضه إياه، أو عدم مبالاته به؛

(4) وبغض النظر عن تقديم الشعائر والقرابين أو عدم تقديمها له؛

(5) وبغض النظر عن تسمية تلك الشعائر: سواء سمِّيَت صراحة «عبادة»، أو سميت «دعاء»، أو سميت نداء، أو تكريماً، أو احتراما، أو توسلاً، أو وساطةً، أو استشفاعاً، إذ العبرة بمحتوى وحقيقة المعتقد وليس بالتسميات، وكل ما يصرف من أفعال التذلل والخضوع هو عبادة حقيقية، بغض النظر على المسمى الذي يطلقه فاعلها عليها؛ فهي عبادة على الحقيقة، ولو سميت نداء، أو تكريماً، أو احتراماً، أو توسلاً، أو وساطةً واستشفاعاً.

 

(و)- وكذلك من زعم أن لغير الله حق التشريع، سواء سمى ذلك ألوهية أو ربوبية، أو سماه ممارسة للسيادة والحرية، أو نسبه إلى سيادة الشعب أو الدولة، أو أرجعه إلى الحق الإلهي للملوك، أو إلى (تفويض) من الله لـ«مجمع الكرادلة»، أو كذب على الله فسمَّاه «طاعة مشروعة لأولي الأمر»، مثل (الطاعة الشامية) الملعونة؛ من زعم أي شيء من ذلك ونسبه إلى غير الله فقد جعله سيداً ورباً من دون الله، وهو بذلك الاعتقاد مشرك كافر، وهو عابد له من دون الله، قد حبط عمله وخاب سعيه؛ فإذا أطاعه بناءً على ذلك الاعتقاد، فطاعته تلك (عبادة): وهي زيادة في الكفر والشرك. فالعبرة دائماً وأبداً بمحتوى وحقيقة المعتقد، وليس بالتسميات؛ وكل ما يصرف إلى هذا الكائن من أفعال الطاعة والإتباع والالتزام بالأمر والنهي، هو عبادة حقيقة، بغض النظر عن المسمى الذي يطلقه فاعلها عليها؛ فهي عبادة على الحقيقة ولو سميت تكريماً، أو احتراماً، أو احترام القانون، أو خضوعاً للنظام.

 

فـ«العبادات» هي اذآً: (أقوال وأفعال ظاهرة وباطنة يراد بها: اظهار التذلل والخضوع، والسمع والطاعة، أو التعبير عن التعظيم والاحترام، أو التودد والتقرب وإظهار المحبة، أو طلب جلب المنافع ودفع المضار وإظهار الخشية والفقر والحاجة لمن يعتقد باستحقاقه الذاتي لذلك، أي لمن يعتقد بتمتعه ببعض خصائص (الألوهية)، ومنها الربوبية والسيادة الذاتية العليا؛ والعبرة في ذلك كله بحقيقة المعتقد، وجوهر المحتوى التصوري، وليس بالتسميات والألفاظ).

 

فخطأ الإمام أبي العباس أحمد بن تيمية، والداعية المفتون بن عبد الوهاب، ومن قلدهما من أتباع الفرقة الوهابية، سقوطهم في خطأ الخوارج الأزارقة والنجدات، ألا وهو في عدم اعتبار الاعتقاد في تعريف (العبادة)، فظنوها مجرد أقوال وأفعال ظاهرة وباطنة، لا علاقة لها بمعتقد قائلها أو فاعلها. هذه زلة جسيمة، وخطأ قاتل، وليس هو ذلك فحسب، بل هو أيضاً بدعة نكراء، لأنهم جعلوا ذلك التعريف المحدث المخترع، هو مقصود صاحب الشريعة، أي أنه هو التعريف المشروع. وهذه (البدعة النكراء) هي في ذاتها بدعة كبرى، أي: بدعة كفر، فإذا تمادى عليها صاحبها بعد فهم البيان، وقيام الحجة: كفر بعينه، وخرج من الإسلام، عياذا بالله.

 

والخطأ الرئيس للخصوم، خصوم الفرقة الوهابية، إنما هو إما في نظرهم إلى «القصد» و«النية»، وهي لا محل لها ها هنا في تعريف العبادة، وإنما محلها استحقاق الثواب والعقاب، وكذلك اعتدادهم بـ(التسميات والألفاظ)، مع أن الواجب هو اعتبار (حقيقة المعتقد، وجوهر المحتوى التصوري)، فقط لا غير. فمثلاً، قد يعترض أحدهم قائلاً:

(1) - إن المشركين جعلوا الأصنام آلهة، والمسلمون ما اعتقدوا إلا إلهاً واحداً، فعندهم أن الأنبياء أنبياء والأولياء أولياء، ليس إلا، فلم يتخذوهم آلهة مثل المشركين.

وجواب هذا هو: هذا اعتداد بـ(التسميات والألفاظ) فقط، من غير بحث في جوهر المعتقد. فتسمية الولي، مثلاً، وليًّا، لا تعني بالضرورة أن بعض المنتسبين إلى الإسلام لا يعتقد فيه اعتقاداً كفرياً، يجعله متخذاً له، في الحقيقة، «إلاها» من دون الله.

نعم، إذا كان الكلام عن المشركين، فحمل أقوالهم وأفعالهم على الشرك والكفر، هكذا ابتداءً وللوهلة الأولى، هو الأصل، حتي يقوم البرهان على خلاف ذلك. وهم عادة يصرّحون بألفاظ العبادة والألوهية، ولكن ليس دوماً. فمثلاً: لا تكاد تجد علمانياً غربياً يسمي الشعب «رباً»، أو «إلاهاً»، مع أنه أقر له بحق التشريع، فجعله من ثم، «إلاهاً»، و«رباً» من دون الله، وهو بهذا مشرك كافر، شركه شرك الكفر، المناقض للإسلام كل المناقضة، المحبط للعمل كله، أوله وآخره، المخرج من الملة لمن كان قبل ذلك مسلماً من أهل الملة.

والواجب كذلك حمل ما يظهر من المنتسبين للإسلام من أفعال قد يُظَنُّ أنها «عبادة»، صرفت لغير الله، على أنها صدرت بدون اعتقاد (الألوهية) فيمن وجهت إليه، هكذا ابتداءً، وللوهلة الأولى، حتى يقوم البرهان على خلاف ذلك.

 

(2) - أن المشركين اعتقدوا أن تلك الآلهة مستحقون للعبادة، بخلاف المسلمين، فإنهم لم يعتقدوا أن أحداً من المُتوسل بهم مستحق لأقل عبادة، وليس عندهم المستحق للعبادة إلا الله وحده سبحانه وتعالى.

وجواب هذا هو: الإله هو المستحق للعبادة، فجملة: (المشركون اعتقدوا أن تلك الآلهة مستحقون للعبادة) تحصيل حاصل، لا جدوى منه، كقولك: (أن الآلهة آلهة)، أو (الماء هو الماء)، كلام صحيح، ولكنه عديم المحصول. فلا بد من ذكر جزئيات المعاني التي تجعل من اتصف بها إلاهاً من دون الله، ثم تكون الأفعال الموجهة إليه من ثمَّ عبادة. ولعل ها هنا ذلك الدور الخفي الخبيث: الإله هو المعبود، والعبادة هي كل ما يوجّه إلى الإله.

 

(3) - أن المشركين عبدوا تلك الآلهة بالفعل، كما قال تعـالى حكاية عنهم: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا﴾، والمسلمون ما عبدوا الأنبياء والصالحين في توسلهم بهم إلى الله تعالى.

وجواب هذا هو: هذا هو الدور الخفي مرة أخرى، فما ندري عن تلك الأفعال التي توجه بها بعض المنتسبين إلى الإسلام إلى الأنبياء والصالحين، هل هي (عبادة) أم لا؟! ومجرد تسميتها توسلاً لا يحل الإشكالية، فهذا اعتداد بـ(التسميات والألفاظ) فقط، وهو لا يجوز. فلا محيص لكم عن تعريف صحيح لـ(العبادة)، خال من الدور والتناقض. أما الحلقة المفرغة من جمل هي إما متناقضة، وإما تحصيل حاصل، فلا يجدي ولا ينتج!

 

(4) - أن المشركين قصدوا بعبادة أصنامهم التقريب إلى الله تعالى. أما المسلمون فلم يقصدوا بتوسلهم بالأنبياء وغيرهم التقريب إلى الله تعالى، لأن التقريب إلى الله تعالى لا يكون إلا بالعبادة، ولذلك قال الله تعالى حكاية عن المشركين: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا﴾، بل إن المسلمين قصدوا التبرك والاستشفاع بهم، والتبرك بالشيء غير التقريب به، كما لا يخفى.

وجواب هذا هو: هذا لا يصفو إلا إذا عرفنا أن التوسل ليس عبادة، وهذا يتطلب أن نُعّرِّف العبادة تعريفاً صحيحاً، خالياً من الدور والتناقض. فلو اعتقد المُتوسِل أن المُتوسَّل به، أو المُستشفع به، يشفع بدون استئذان، أو له عند الله شفاعة لا ترد، أو يجير على الله، أو يفلت من قبضة الله، أو أنه يعجز الله هرباً، فقد جعله نداً في مرتبة واحدة مع الله، ولو فقط في هذا الاعتبار المعين، وقد اتخذه من ثم إلاهاً من دون الله، فهو بمجرد هذا الاعتقاد مشرك كافر، وتوسله إذاً (عبادة) لغير الله، فهي إذاً زيادة شرك وكفر.

 

وعلى كل حال فقد استشكل السيد العلامة محمّد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، رحمه الله تعالى، وهو من معاصري بن عبد الوهاب، مؤسس الفرقة الوهابية، حُكْمه على من أسماهم بـ«القبوريين» بالوقوع في الشرك الأكبر، شرك الكفر، والخروج من الإسلام، فجزم بخلاف ذلك، وصنفهم من أهل الإسلام الآثمين لوقوعهم في «الشرك الأصغر» فقط:

* كما جاء في «الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني»، (ج:1 ص:361 وما بعدها): [والذي نحن بصدده هو أنه إذا خفي على بعض أهل العلم ما ذكرناه وقررناه في حكم المعتقدين للأموات لسبب من أسباب الخفاء التي قدمنا ذكرها ولم يتعقل ما سقناه من الحجج البرهانية القرآنية والعقلية فينبغي أن نسأله ما هو الشرك فإن قال: (هو أن تتخذ مع الله إلها آخر كما كانت الجاهلية تتخذ الأصنام آلهة مع الله سبحانه)، قيل له: وماذا كانت الجاهلية تصنعه لهذه الأصنام التي اتخذوها حتى صاروا مشركين؟! فإن قال: كانوا يعظمونها ويقربون لها ويستغيثون بها وينادونها عند الحاجات وينحرون لها النحائر ونحو ذلك من الأفعال الداخلة في مسمى العبادة فقل له: لأي شيء كانوا يفعلون لها ذلك؟ فإن قال: لكونها الخالقة الرازقة أو المحيية أو المميتة، فاقرأ عليه ما قدمنا لك من البراهين القرآنية المصرحة بأنهم مقرون بأن الله الخالق الرازق المحيي المميت وأنهم إنما عبدوها لتقربهم إلى الله زلفى، وقالوا هم شفعاؤهم عند الله ولم يعبدوها لغير ذلك، فإنه سيوافقك ولا محالة إن كان يعتقد أن كلام الله حق، وبعد أن يوافقك أوضح له أن المعتقدين في القبور قد فعلوا هذه الأفعال أو بعضها على الصفة التي قررناها وكررناها في هذه الرسالة، فإنه إن بقى فيه بقية من إنصاف وبارقة من علم وحصة من عقل فهو لا محالة يوافقك وتنجلي عنه الغمرة وتنقشع عن قلبه سحائب الغفلة ويعترف بأنه كان في حجاب عن معنى التوحيد الذي جاءت به السنّة والكتاب]، انتهى بحروفه.

 

* واستمر في «الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني»، (ج:1 ص:566 وما بعدها): [ومن جملة الشبه التي عرضت لبعض أهل العلم ما جزم به السيد العلامة محمّد بن إسماعيل الأمير، رحمه الله تعالى، في شرحه لأبياته التي يقول في أولها:

رجعت عن النظم الذي قلت في النجدي

فإنه قال: إن كفر هؤلاء المعتقدين للأموات هو من الكفر العملي لا الكفر الجحودي، ونقل ما ورد في كفر تارك الصلاة، كما ورد في الأحاديث الصحيحة، وكفر تارك الحج في قوله تعالى: فإن الله غني عن العالمين، .. إلخ]، ثم عقَّب: [وتحقيقه أن الكفر كفر عمل وكفر جحود وعناد، فكفر الجحود أن يكفر بما علم أن الرسول جاء به من عند الله جحودا وعنادا، فهذا الكفر يضاد الإيمان من كل وجه؛ وأما كفر العمل فهو نوعان: نوع يضاد الإيمان ونوع لا يضاده، ثم نقل عن ابن القيم كلاما في هذا المعنى. ثم قال السيد المذكور: قلت، ومن هذا يعني الكفر العملي من يدعو الأولياء ويهتف بهم عند الشدائد ويطوف بقبورهم ويقبل جدرانها وينذر لها بشيء من ماله، فإنه كفر عملي لا اعتقادي فإنه مؤمن بالله وبرسوله، صلى الله عليه وسلم، وباليوم الآخر لكن زين له الشيطان أن هؤلاء عباد الله الصالحين ينفعون ويشفعون ويضرون، فاعتقدوا ذلك كما اعتقد ذلك أهل الجاهلية في الأصنام، لكن هؤلاء مثبتون التوحيد لله لا يجعلون الأولياء آلهة كما قاله الكفار إنكارا على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لما دعاهم إلى كلمة التوحيد: أجعل الآلهة إلها واحدا؟! فهؤلاء جعلوا لله شركاء حقيقة فقالوا في التلبية: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك؛ فأثبتوا للأصنام شركة مع رب الأنام، وإن كانت عباراتهم الضالة قد أفادت أنه لا شريك له، لأنه إذا كان يملكه وما ملك فليس شريك له تعالى بل مملوك. فعبدة الأصنام الذين جعلوا لله أندادا واتخذوا من دونه شركاء، وتارة يقولون شفعاء يقربونهم إلى الله زلفى، بخلاف جهلة المسلمين الذين اعتقدوا في أوليائهم النفع والضر، فإنهم مقرون لله بالوحدانية وإفراده بالإلاهية وصدقوا رسله. فالذي أتوا من تعظيم الأولياء كفر عمل لا اعتقاد، فالواجب وعظهم وتعريفهم جهلهم وزجرهم ولو بالتعزير، كما أمرنا بحد الزاني والشارب والسارق من أهل الكفر العملي ... إلى أن قال: فهذه كلها قبائح محرمة من أعمال الجاهلية، فهو من الكفر العملي، وقد ثبت أن هذه الأمة تفعل أمورا من أمور الجاهلية هي من الكفر العملي، كحديث أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركوهن: الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة، أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي مالك الأشعري. فهذه من الكفر العملي لا تخرج به الأمة عن الملة، بل هم مع إتيانهم بهذه الخصلة الجاهلية أضافهم إلى نفسه فقال: من أمتي.

فإن قلت: أهل الجاهلية تقول في أصنامها أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، كما يقول القبوريون هؤلاء شفعاؤنا عند الله كما يقوله القبوريون. قلت: لا سواء، فإن القبوريين مثبتون للتوحيد لله قائلون أنه لا إله إلا هو، ولو ضربت عنقه على أن يقول أن الولي لما أطاع الله كان له بطاعته عنده تعالى جاه به تقبل شفاعته ويرجى نفعه، لا أنه إله مع الله؛ بخلاف الوثني، فإنه امتنع عن قول لا إله إلا الله حتى ضربت عنقه زاعما أن وثنه إله مع الله، ويسميه ربا والها. قال يوسف عليه السلام: أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار؟ سماهم أربابا لأنهم كانوا يسمونهم بذلك، كما قال الخليل: هذا ربي، في الثلاث الآيات مستفهما لهم مبكتا متكلما على خطابهم، حيث يسمون الكواكب أربابا، وقالوا: أجعل الآلهة إلها واحدا؛ وقال قوم إبراهيم: من فعل هذا بآلهتنا، أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ وقال إبراهيم: أأفكا آلهة دون الله تريدون؟ ومن هذا يعلم أن الكفار غير مقرين بتوحيد الإلهية والربوبية، كما توهّمه من توهم من قوله: ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله، ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم، قل من يرزقكم من السماء والأرض إلى قوله فسيقولون الله؛ فهذا إقرار بتوحيد الخالقية والرازقية ونحوهما لا أنه إقرار بتوحيد الآلهة، لأنهم يجعلون أوثانهم أربابا كما عرفت، فهذا الكفر الجاهلي كفر اعتقاد ومن لازمه كفر العمل، بخلاف من اعتقد في الأولياء النفع والضر مع توحيد الله والإيمان به وبرسوله وباليوم الآخر، فإنه كفر عمل. فهذا تحقيق بالغ وإيضاح لما هو الحق من غير إفراط ولا تفريط. انتهى كلام السيد المذكور رحمه الله تعالى]؛ انتهى النص المنقول من «الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني».

قلت: كلام السيد العلامة محمّد بن إسماعيل الأمير رحمه الله تعالى، جيد إلا أنه:

أولاً: لم يوفق لإدراك المناط الحقيقي لاختلاف الحكم بين الحالتين، ألا وهو: اختلاف جوهر المعتقد، وتباين المحتوى التصوري تبايناً جوهرياً. فأهل الجاهلية اعتقدوا في آلهتهم أموراً معيّنة جعلتهم آلهة، وأرباباً من دون الله، والقليل من ذلك قد يكون متعلقاً بالخالقية والرازقية، ونحوها، والكثير بأمور أخرى مهمة وجوهرية غير ذلك: من أهمها الكينونة من جنس أو نسب إلاهي؛ وقد أسلفنا تفصيلاً وافياً لأكثر ذلك. هذا هو المهم، وهو مربط الفرس، وليس تسميتهم لتلك المعبودات آلهة، أو أرباباً، أو الاعتراف لهم بشركة الله في مثل قولهم: (لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك)، وإن كانت هذه التسميات والألفاظ، في العادة وأغلب الأحوال، وليس بالضرورة، قرينة قوية على وجود تلك المعتقدات الكفرية.

أما معتقد المنسوبين إلى الإسلام فيمن ينادونهم من الأموات والأولياء، فهو مختلف اختلافاً جوهرياً، أو هكذا ينبغي أن يفترض فيهم للوهلة الأولى. وما يجري على ألسنتهم من تسميات وألفاظ، يرجح أن ما لديهم من معتقدات ليس بالضرورة معتقداً كفرياً، وإن كان يحتمل أن يكون كذلك في بعض الأحوال التي نرجو الله أن تكون نادرة. فالعبرة هي جوهر المعتقد، ومحتوى التصور، وليس بالأسماء والمسميات، ولا بمجرد الانتساب إلى الإسلام، أو التلفظ الصوري بالشهادتين.

 

وثانياً: أخطأ في تصنيف بعض الأعمال التي تصدر عن المنتسبين إلى الإسلام بأنها في جملتها كفر عملي، أو كفر أصغر، من غير نظر لمحتوى التصور والمعتقد، ومن غير نظر في الأحكام الشرعية. لأن بعض ذلك قد لا يكون كفراً عملياً أو اعتقادياً أصلاً، وإنما هي معاصي أو حتى مكروهات فقط، وبعضه، وهو الأقل النادر، قد يكون كفراً مخرجاً من الملة. والكفر الأصغر، وكذلك الشرك الأصغر، إنما هو فقط بتصنيف الشارع الإسلامي لا غير: فقد يطلق على أمور من الصغائر، كما سيأتي البرهان عليه في أبواب القسم الثالث المتعلقة بالآداب والفروع، في حين أن بعض الكبائر الموبقة المهلكة، التي تقارب الشرك الأكبر والكفر الناقل عن الملة في الإثم، كأكل مال اليتيم ظلماً، وشهادة الزور، واليمين الغموس، لم يسمها الشارع كفراً أو شركاً، وإن كان جعلها مقاربة للشرك في الإثم والشر!

 

* ثم حاول صاحب «الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني»، (ج:1 ص:366 وما بعدها)، الرد على السيد العلامة محمّد بن إسماعيل الأمير، رحمه الله تعالى، فقال: [وأقول: هذا الكلام في التحقيق ليس بتحقيق بالغ، بل كلام متناقض متدافع، وبيانه أنه لا شك أن الكفر ينقسم إلى كفر اعتقاد وكفر عمل، ولكن دعوى أنه ما يفعله المعتقدون في الأموات من كفر العمل في غاية الفساد، فإنه قد ذكر هذا البحث أن كفر من اعتقد في الأولياء كفر عمل، وهذا عجيب. كيف يقول كفر من يعتقد في الأولياء ويسمى ذك اعتقادا؟ ثم يقول أنه من الكفر العملي، وهل هذا إلا التناقض البحت والتدافع الخالص؟ انظر كيف ذكر في أول البحث أن كل من يدعو الأولياء ويهتف بهم عند الشدائد ويطوف بقبورهم ويقبل جدرانها وينذر لها بشيء من ماله هو كفر عمل. فليت شعري ما هو الحامل له على الدعاء والاستغاثة وتقبيل الجدران ونذر النذورات؟ هل هو مجرد اللعب والعبث من دون اعتقاد؟ فهذا لا يفعله إلا مجنون، أم الباعث عليه الاعتقاد في الميت؟! فكيف لا يكون هذا من كفر الاعتقاد الذي لولاه لم يصدر فعل من تلك الأفعال، ثم انظر كيف اعترف بعد أن حكم على هذا الكفر بأنه كفر عمل لا كفر اعتقاد بقوله: لكن زين الشيطان أن هؤلاء عباد الله الصالحين ينفعون ويشفعون، فاعتقد ذلك جهلا كما اعتقده أهل الجاهلية في الأصنام؛ فتأمل كيف حكم بأن هذا كفر اعتقاد ككفر أهل الجاهلية، واثبت الاعتقاد واعتذر عنهم بأنه اعتقاد جهل. وليت شعري أي فائدة لكونه اعتقاد جهل؟ فإن طوائف الكفر بأسرها وأهل الشرك قاطبة إنما حملهم على الكفر ودفع الحق والبقاء على الباطل الاعتقاد جهلا، وهل يقول قائل إن بكلمة التوحيد فقط من دون نظر إلى ما ينافي ذلك من أفعال المتكلم بكلمة التوحيد ويخالفه من اعتقاده الذي صدر عنه تلك الأفعال المتعلقة بالأموات، وهذا الاعتبار لا ينبغي التعويل عليه ولا الاشتغال به. فالله سبحانه إنما ينظر إلى القلوب وما صدر من الأفعال عن اعتقاد، لا إلى مجرد الألفاظ؛ وإلا لما كان فرق بين المؤمن والمنافق]، انتهى.

قلت: هذا رد جيد، من الناحية الشكلية، تمكن فيه صاحب «الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني» من «لَيِّ» ذراع العلامة السيد محمّد بن إسماعيل الأمير، رحمه الله تعالى، فأوقعه في شيء من التناقض، وأن هؤلاء المنتسبين إلى الإسلام ما هتفوا بالأولياء إلا وعندهم، ضرورة، اعتقاد معين، كما يظهر بوضوح من قوله: (فليت شعري ما هو الحامل له على الدعاء والاستغاثة وتقبيل الجدران ونذر النذورات؟ هل هو مجرد اللعب والعبث من دون اعتقاد؟ فهذا لا يفعله إلا مجنون، أم الباعث عليه الاعتقاد في الميت). كما أنه أحسن في بيان أن الجهل، وإن كان ربما مسقطاً للمؤاخذة الأخروية، إلا أنه لا يغير حقائق الأشياء في ذاتها: فالمشرك مشرك، حتى لو فرضنا أنه معذور بالجهل، وعدم بلوغ الرسالة. والخرافة خرافة حتى لو ظنها إنسان، بشبهة عرضت له، حق مطابق لواقع.

 

إلا أن حجة مصنف «الفتح الرباني» لا بد أن تنقلب عليه ضرورة، لأنه لم يدرك أن هناك معتقدات شركية مكفرة، وأخرى ليست كذلك، وإن كانت ربما باطلة. فظن أن القضية مجرد اعتقاد مَّا، أي «اعتقاد»، يتعلق بمجرد حصول جلب نفع أو دفع ضر، ونحوه، وليس نوع الاعتقاد وموضوعه ومحتواه. وقد اسلفنا أن مجرد اعتقاد أن «كذا وكذا» يضر وينفع، لا علاقة له بالكفر والإسلام، والشرك والتوحيد، وإلا لكفر وأشرك كل من اعتقد أن حماره أو سيارته مفيدة نافعة!!

 

نعم، سيسارع القوم بالقول: ليس هذا، بداهة، النفع والضر الذي نعني! فنقول لهم: أحسنتم، وأجدتم، وأنصفتم، فبينوا لنا الفرق الصحيح المنضبط بين اعتقاد كل إنسان النفع في «السيارة»، و«الحمار»، و«حزمة الحطب»، واعتقاد مشركي قريش النفع في «اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى»؟!

 

واستمر في «الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني» في مناقشة السيد العلامة محمّد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، رحمه الله تعالى، ذاكراً نقولاً عن الإمام ابن القيم، تفيد أنه يحكم على من أسماهم بـ«القبوريين» بالشرك الأكبر، خلافاً لما قد يكون الإمام الصنعاني قد ظنه من قول ابن القيم. وكل ذلك بحمد الله لا يعنينا؛ فسواء قال ابن القيم بذلك، أو كان فهم الإمام الصنعاني هو الصحيح لنصوص ابن القيم، فمنذ متى أصبحت أقوال الإمام ابن القيم نصوصاً شرعية؟!

 

فالحق المبين، الذي ندين الله به، هو ما أقمنا عليه قواطع الأدلة فيما سلف بالحجج البرهانية اليقينية، مع ابطال أقوال المخالفين، بعد تحريرها بكل دقة أولاً، بل نحن – بتوفيق الله - قد حررنا لهم أقوالهم، وأعدنا صياغتها لهم بأفضل مما جاء منه؛ ثم أنعم الله وفتح بتفنيدها قولاً، قولاً: كل ذلك بمنّة الله وفضله، وببركة القرآن العظيم عند تدبره حق تدبره.

 

فصل: مسخ الفرقة الوهابية لمفهوم (العبادة)

وفي الختام نؤكد أن القول بأن أفعالاً، من حيث هي أفعال مجردة، تستحق أن تسمى «عبادة»، بغض النظر عما يسبقها أو يصاحبها من تصور واعتقاد في «المفعول به»، أو «المفعول لأجله»، خطأ قاتل جسيم، وليس هو كذلك فحسب، بل هو أيضاً: بدعة نكراء، وتشريع من الدين ما لم يأذن به الله، وضلال كبير، ترتَّبت عليه طوام وفواقر منها:

(1)            - ترتب على ذلك: نسبة الشرك والكفر إلى كثير من المسلمين، والحكم بخروجهم من الملة، ومفارقتهم الإسلام، ومن ثم معاداتهم، وسل السيف عليهم، وقتالهم، واستباحة أموالهم ودمائهم. هذا منكر عظيم، وخلل جسيم يجعل صاحبه من المارقين «الخوارج»، بل من شر أنواعهم، وأكثرهم دموية: الأزارقة والنجدات، الذين يقتلون أهل الإسلام، ويذرون أهل الأوثان، أو في أقل تقدير: معاداة أهل الإسلام، ومهادنة أو موالاة أهل الأوثان، كما حدث فعلاً من أكثر الدول والكيانات والقبائل والجماعات التي تبنت هذه العقيدة الوهابية الخبيثة؛

 

(2)            وترتب على ذلك: مسخ مفهوم العبادة حتى أصبح مجموعة من «الشعائر» و«الطقوس» الفارغة تقريباً من كل محتوى، ومباحث مضحكة «مهووسة» تدور حول القبور، والأضرحة، والأولياء؛ فلا عجب أن يسمي الألباني، مثلاً، دولة آل سعود «دولة التوحيد»، في نفس شريط «الكاسيت» الذي يوسعها نقداً لاستقدام القوات الأمريكية لقتال العراق إبان أزمة الكويت، فهي ما زالت «دولة التوحيد»، في نظره، حال توليها الكفار وقتالها تحت رايتهم ضد المسلمين قتالاً مدمراً فعالاً، وهو فعل من أفعال الكفر، يصبح به الفاعل كافراً مرتداً إذا انتفت في حقه موانع التكفير؛ مقروناً بالمكفرات الأخرى كتبديلها للشرائع، وإظهارها الكفر البواح في مثل نظام التابعية السعودية، ذلك النظام الخبيث العنصري الكفري الملعون، واستحلال الربا بالترخيص للبنوك الربوية، وعضوية المنظمات الدولية الكفرية المعتدية كالأمم المتحدة. ثم وجدنا تسميته لها بذلك مكتوباً في رسالته: (تحذير الساجد، من اتخاذ القبور مساجد)، كما هي أمامي الآن في طبعتها الرابعة، من اصدار «المكتب الإسلامي» بتاريخ. 1403 هـ، الموافق 1983م، في الصفحة 68، حيث يقول: (فعجبت حينئذ كيف ظلت هذه الظاهرة الوثنية قائمة حتى عهد دولة التوحيد). لماذا سمَّاها «دولة التوحيد»، وكيف استحقت هذا الشرف العظيم؟! لأن الديار السعودية تخلوا من القبور المبنية، والأضرحة المشيدة، هكذا بكل سخف وبلاهة، وتفاهة وسطحية فكر. سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم!

 

(3)            وترتب على ذلك: وهو أشنعها من الناحية العقدية والفكرية، وإن كان لا يظهر بتلك السهولة عملياً، وهو القول بأن الله، جل جلاله، لم يكن إلها في الأزل، وإنما أصبح إلها بعد أن أصبح معبوداً، أي بعد أن وجد من يعبده، وكفى بذلك كفراً وقبحاً. نعم: سوف يسارع القوم بالقول: معاذ الله، بل هو إله أزلاً وأبداً، بمعنى أنه المستحق لعبادة كل من يمكن أن تصدر منه العبادة، لاتصافه ذاتياً بصفات الكمال والجمال والجلال. فنقول: على ما في هذا (التعريف الأعرج) لـ(الإله) من عيوب واعتراضات ومخاطر ذكرناها في باب سابق، سنسلم لكم به، بل نقول: لا بأس، أحسنتم، وهو كذلك: فعرّفوا لنا (العبادات) إذاً؟! أليست هي، ضرورة وعلى البديهة، كل فعل يراد به تعظيم الله، أو التقرب إلى الله، بوصفه المستحق لها ذاتياً، أي بناء علي اعتقاد ذلك الفاعل لاستحقاق الله لها ذاتياً بموجب تلك الصفات والقدرات؟! فكيف جعلتموها قائمة محصورة من الأفعال: سجود، وركوع، وإيقاد شموع، وتقديم قرابين، وذبح ذبائح، والتزام بنُذور، و... إلخ، من حيث هي أفعال مجردة، غير مسبوقة بهذا الاعتقاد المخصوص. وربما سارع القوم بالمشاغبة قائلين: بل لأن الله أمر بها لنفسه، ونهى عنها لغيره، لذلك سميناها عبادة، وصنفنا صارفها لغيره مشركاً كافراً. فنقول: هذا من جهلكم، أو كذبتم صراحة، لأننا أثبتنا في حالة السجود، مثلاً، أن الله لم يصنفها عبادة إذا صرفت لغيره، ولا كَّفر من صرفها لغيره، بل أمر بها ملائكته المسبحة بقُدُسه أمرَ وجوب لا هوادة فيه، ولعن إبليس وطرده لمّا أبى واستكبر ورفض الأمر، فأصبح بذلك الرفض، الذي جاء إباءً واستكباراً، من المشركين الكافرين. وهي في هذه الشريعة الخاتمة حرام (أو مكروه فقط، عند بعض الفقهاء)، وليست شركاً أو كفراً إلا إذا صحبها اعتقاد مكفّر. فأنتم تشرّعون بأهوائكم، وتسمّون الأشياء بأسماء اخترعتموها، ما أنرل الله بها من سلطان. فضلاً عن تناقض قولكم، ووقوعكم في الدور الجلي حيناً، وفي الدور الخفي أحياناً.

 

فلا عجب إذاً: أن تتركز حملات عملاء آل سعود المسعورة على «طالبان»، عندما أمرتهم «سيدتهم» أمريكا بذلك، على قضية «الأضرحة» و«القبور»، فيكون دفاع المدافع من شباب الجهاد السذَّج الطيبين مقصوراً على إيراد الأدلة على أنهم بسبيل هدمها، قدر الاستطاعة (؟!). أما الأعراف القبلية الكفرية التي سكتت عنها طالبان، جهلاً أو عجزاً، إذا أحسنا الظن؛ وأما التقليد الأعمى والجمود الفقهي على تأويلات وأقيسة وأقوال فقهاء عصور الانحطاط، البالغ درجة «الظلامية»؛ وأما الغلو والممارسات الخاطئة التي تورطت فيها طالبان، والتي شوهت صورة الإسلام الناصعة؛ وأما القمع ومصادرة حقوق الناس المشروعة؛ أما هذا كله فليس موضوع البحث والنقاش، أو توجيه النقد والإنكار والنصيحة إلى طالبان لتصحيحه. ولم لا؟! أليس «شرك القبور» هو الطامة الكبرى، والمصيبة العظمى التي ينبغي التركيز عليها، وعلاجها قبل غيرها، بل لعله هو الخلل الوحيد، كما هو في الخيال الجامح المريض عند هؤلاء المساكين المفتونين من أدعياء «السلفية»، أهل (العقيدة الصحيحة) بزعمهم؟!

ولا عجب أيضاً: أن نسمع أحد أئمة الفرقة الوهابية في هذا العصر، ألا وهو الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، رحمه الله، يقول: (وتحكيم شرع الله وحده دون كل ما سواه شقيق عبادة الله وحده دون ما سواه، إذ مضمون الشهادتين أن الله هو المعبود وحده لا شريك له وأن يكون رسوله هو المتبع المحكّم ما جاء به فقط. ولا جُردت سيوف الجهاد إلا من أجل ذلك والقيام به فعلاً وتركاً وتحكيماً عند النزاع)، (عن فتاوى الشيخ:12/251).

نعم: لا عجب أن يصدر من الشيخ، رحمه الله، هذا الكلام المرسل، الذي تنقصه الدقة، مع ما فيه من جوانب جيدة لا تنكر، لأنه ينطلق من مفهوم «العبادة» الباطل المتناقض عند الفرقة الوهابية: أنها مجموعة من الشعائر الشكلية والأفعال المجردة، ظاهرة أو باطنة، من قيام وقعود، وركوع وسجود، وصيام وحج، وإطلاق مجامر، وإيقاد شموع، وتقديم ذبائح وقرابين، وما شابه ذلك.

 

والحق أن تحكيم شرع الله هو «عين» عبادة الله، وليس هو شيء غيرها حتى يصح أن يقال أنه (شقيقها)، لأن الشعائر التعبدية، أي: «العبادات»، ليست بذاتها هي «العبادة»، المعرفة بالألف واللام، أو المعرفة بالإضافة، في مثل قولك: «عبادة الله»، التي خلق الجن والإنس لها: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، (الذاريات؛ 51: 56)؛ بل «العبادة» هي «الطاعة للآمر بها»، المنبنية على الاعتقاد الجازم والإيمان الراسخ بأن الآمر بها هو صاحب الربوبية الذاتية والسيادة النهائية العليا، الإله الحق، الآمر بحق.

 

وهذا هو عين نص نبي الله الخاتم، عليه وعلى آله الصلاة والسلام، عندما قال: «فتلك عبادتهم»، ولم يقل: (تلك مثل، أو شقيقة، أو صنو عبادتهم)، تعليماً لعدي بن حاتم عندما استشكل عليه قوله تعالى: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله﴾، فقال: (إنا ليس نعبدهم)، فسأله نبي الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات من الله: «أليس يحرّمون ما أحلّ الله فتحرّمونه؟ ويحلّون ما حرّم الله فتحلّونه؟»، فأسقط في يد عدي بن حاتم وقال: (بلى)!

 

هذا هو الحق اليقيني الذي قامت عليه البراهين القطعية، فلا يجوز اعتقاد غيره لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر: ومن كفر فإن الله غني عن العالمين.

حزب التجديد الإسلامي 2016