كتاب التوحيد - الباب الأول: الـدنيـا والـديـن

الفهرس

 

القسم الأول: أصول الدين وقواعده

الباب الأول: الـدنيـا والـديـن

فصل: الثقافة، والحضارة، والمدنية

فصل: ماهيّة الفرق بين (الدّين) و(الدّنيا)

فصل: الإسلام عقيدة عقلية ينبثق عنها نظام

فصل: تعريف الإسلام

فصل: معنى (لا إله إلاّ الله)

فصل: معنى (محمد رسول الله)

فصل: مــراتـب الـدّيـن (الإسلام، الإيمان، الإحسان)

فصل: أساس الإسلام، وأركانه، وأهم شرائعه، وأسهمه

 

الباب الأول: الـديـن والـدنيـا

 

مفهومُ «الدين» عِندنا ــ معشرَ المسلمينَ ــ يعني منهاجًا كاملاً للحياة، أي طريقةً معينةً للعيش، تقومُ على أساس عقيدةٍ كليةٍ عن الكون والإنسان والحياة، وعلاقتِها بما قبلهَا (وهو اللهُ تبارك وتعالى)، وعلاقتِها بما بعدَها (وهو اليومُ الآخِر بما فيه من حِسابٍ وجزاء)، وليس هو فقط تنظيمٌ لعلاقةِ الإنسان بربّه أو تحديدٌ لبعض القيم الروحية والخُلُقيّة، والآدابِ الفرديةِ فحَسْب (كما هو مفهوم الحضارة الغربية الوثنية الكافرة)، بل هو تنظيمٌ شاملٌ لحياةِ الإنسان وعلاقاتِهِ كلِّها:

(1) ــ علاقةُ الإنسان بربّه: «في العقائدِ والشعائر التَّعبُّدية»؛

(2) ــ علاقةُ الإنسان بنَفسِه: «في المعرفةِ والإيمان والنيةِ وأعمالِ القلب، وفي الأخلاق، والمطعوماتِ والملبوساتِ؛ بل وكذلك في التَّجمُّل والزّينة»؛

(3) ــ علاقةُ الإنسان بغيرهِ منْ بني الإنسان:

            (أ) في العلاقةِ الأسريَّةِ، منْ نِكاح وقَرَاباتٍ ومَوَاريث (أي في النّظام الاجتماعي)؛

            (ب) وفي العلاقاتِ الخاصّةِ بين الناس، أو ما يُسمُّونه «القانون المدني»، أي العلاقات مع الأفراد: في العقودِ والمُعامَلات، والصّناعةِ والزّراعة، وتبادُل المنافِع الماديّةِ بالتّجارةِ والمُقاولاتِ، والمُؤسّساتِ والشركات؛

            (ج) وفي العلاقاتِ (العامّةِ)، أي العلاقةِ بينَ الحاكِم والمَحكُوم، أي العلاقاتِ الدُّستوريّة، والعلاقاتِ مع السّلطةِ العامّة: في نِظام الحُكم، أي دُستُور الدّولة، ونُظُمِ القضاءِ والبيِّنات، وأحْكامِ الجزاءِ والعُقوبات، وتشريعاتِ موارد المال العامِّ منْ زكاة، وخَراج، وفيْءٍ، وأخماس، وضرائِب، ومُكُوس، وإيرادات أموالِ الملكيّةِ العامّةِ، وإيرادات أمْوالِ الدّولة؛

            (د) بلْ كذلكَ فِي العلاقاتِ الدّولية، أي علاقةِ الجماعاتِ والأمم والدّولِ بَعضُها ببَعْض: في أحْكام المُعاهداتِ والجهادِ والرُّسُلِ والسِّفَارَات؛

(4) بَلْ وَعلاقةُ الإنْسان بِغيرهِ مِنَ الكائِنَات:

            (أ) الحيوان

            (ب) النّبات

            (ج) الجَمادَات

            (د) العالمُ المحيطُ بوَصفِه بيئةً، أي بوَصفهِ كلٌّ مُرَكّب.

 

أمّا (الدُّنيا) فهي: العالمُ المادّيُ المُحيطُ بنا، كمَا هُوَ فِي ذَاتِه، وفيمَا هُوَ عَليْه، أي حالُ العَالَم كمَا هُو، في حِين أنَّ (الدِّينُ) هُوَ مَا يَنْبَغِي أنْ يَكونَ حالُ العَالَم عَلَيْه.

ومِنَ المُهمّ جِدًّا أنْ نُلاحِظَ أنّهُ، وإن كانت العُلومُ الطبيعيةُ المَحْضَةُ كالفِيزياءِ والكِيمْياءِ وعِلمُ النباتِ وغيْرها منَ العُلُوم، التي هِيَ دِراسةٌ لخواصِّ العالم المَحْسُوس، بالتَّجْربَةِ والرَّصْدِ، والحِسِّ والعَقْل، وكذلِكَ تَطْبِيقاتِهَا، فِي الهَنْدسةِ والزِّراعَةِ والطِّبّ، منْ أمُور(الدّنْيَا)، وكذلك المهَارَاتِ والحِرفِ والفُنُونِ المُتعلِّقةِ بها، مثلُ المِلاحةِ والحِدادةِ والعِمارةِ ونحْوِها، وكذلك كيفيَّةِ إنْشاءِ الثروةِ وتنْمِيتهَا بالرَّعْي والصَّيْدِ والزّراعَةِ والصِّناعةِ والتِّجارة، والعِلمُ المُتعلِّق بِتداوُلِ المالِ والنُّقودِ وطبيعةِ الأسْواق، أيْ ما يُسمَّى: (عِلمُ الاقْتِصادِ) منْ أُمُورِ «الدُّنيَا»، إلاَّ أنَّ الأسبَابِ الشَّرْعيَّةِ لِكسبِ المال، والحُدُودِ الشَّرْعيَّةِ لِصرْفِه، وكذلك كيْفيَّةَ توْزيع الثَّرْوةِ في المُجْتمع أيْ ما يُسمَّى: (النِّظامُ الاقتِصادي) لا تُعتبرُ منْ أمور (الدُّنيا)، بلْ هيَ من أمُورِ (الدّين)، لأنَّهَا تَرتبطُ حتْماً بوجهةِ النَّظرِ في الحياة، أيْ بِالعقيدةِ الكُلِّيةِ عنْ الكَونِ والإنْسانِ والحياة، وعلاقتها بما قبلها، وبما بعدها. وقد أنزل الله، سبحانهُ وتعالى، فيها أحكامًا شرعيّةً واجبةَ التّطبيق، لازمةَ الاتِّباع، وسوْف يُحاسِبُ عليها يومَ القِيامة، ثم يترتَّبُ على ذلك إِمَّا السعادةُ الأبديَّةُ بِرضوانِ اللهِ والنَّعيمُ المُقيم، أو الشَّقاوةُ الدائِمةُ بِسخطِ اللهِ والعذابُ الألِيم.

 

فصل: الثقافة، والحضارة، والمدنية:

من هذه المقدمات آنفة الذكر نعلم أن «المدنية» (Urbanisation) التي هي مجموع المظاهر المادية للنشاط الإنساني وهي تشمل:

ــ العلوم التجريبية والرصدية: كالفيزياء، وعلم النبات، وعلم طبقات الأرض (الجيولوجيا)، والفلك، ونحوه.

ــ وما بني عليها من علوم تطبيقية: كالهندسة الكهربائية، والزراعة، والتعدين، والطب،

ــ وما ارتبط بها من مهارات وحرف وفنون: كالملاحة، والنجارة والحدادة، والعمارة، وتشغيل ما نشأ منها من آلات ومعدات وطرق ومنشآت ومنتجات زراعية،

من ذلك نعلم، أن «المدنية»، بهذا التعريف المنضبط، من حيث الأصل والمبدأ، عالمية، وعامة، غير متحيزة، لا علاقة لها من حيث المبدأ بوجهة النظر في الحياة، وهي كذلك متماثلة عند جميع الأمم بغض النظر عن معتقداتها وثقافاتها. لذلك يجوز للمسلم أن يأخذها من أي مكان وأن يطبقها كيف يشاء، ما لم تتعارض مع نص شرعي خاص، كل ذلك مع الحذر الدائم والانتباه المستمر لاحتمال تَلَوُّثَاتِها الحضاريّة، وتَحَيُّزَاتِها العَقَديّة.

 

كما أن هناك «مدنيّة خاصة» ترتبط وتتأثر بوجهة النّظر في الحياة، فهذه خاصّة بكل أمة أو شعب ولا يجوز للمسلمين أخذها أو الاقتباس منها من غيرهم، وذلك مثل بعض، بعض وليس كل، فنون الرقص، والتصوير والنحت، والتّمثيل، والمسرح ونحوها، وكذلك بعض الحرف والمهارات مثل البغاء ــ والعياذ بالله ــ وكذلك بعض أنشطة الرياضة البدنية والترفيه والتسلية: كمصارعة الثيران، والتحريش بين الديوك ونحوه، لأنها وإن كانت من باب العلوم التطبيقية والفنون والحرف، إلا أنه لا تمكن ممارستها إلا بالمصادمة لبعض الأحكام الشرعية؛ لذلك لا يجوز تصنيف شيء من «المدنيّة» على أنه «مدنيّة خاصة» إلا بدليل شرعي.

أما «الحضارة»، (Civilisation): فهي طريقة الحياة، أو هي مجموع المعتقدات والمفاهيم والأخلاق والمقاييس عن الحياة وما يرتبط بها من «ثقافة» (Culture).

 

نعم: كثيراً ما نجد هذه الألفاظ تستخدم على نحو يتداخل مع بعضه البعض فتستخدم لفظة «الحضارة» بمعنى لفظة «المدنية»، أو يتم خلط المفهومين، فتكون النّتيجة اختلاط المفاهيم وتداخُلها، وتشويش على صفاء التصور العقدي، وتعسّر اتخاذ موقف فقهي سليم، لذلك يجب الحرص على دقة المفاهيم، وانطباق الألفاظ على معنى المفهوم، وعدم السّماح بتشابكها واضطرابها، وإلا كانت العواقب العقدية والفكرية، ومن ثَمَّ العملية بعد ذلك، وخيمة.

 

نعم: لفظة «الحضارة» قريبة المعنى في الأصل اللغوي من لفظة «المدنية»، إلا أن لفظة «الحضارة» أقرب إلى التعبير عن الطراز المعين للعيش من لفظة «المدنية»، لأن «الحضارة»، التي هي المعيشة المستقرة في الحضر وممارسة الزراعة والصناعة، تستخدم عادة بإزاء «البداوة»، التي هي حياة التنقل وتتبّع المطر والكلأ وممارسة الرعي والصيد، فهما نمطان للحياة مختلفان، وطرازان في العيش متباينان، في حين أن «المدينة» تستخدم عادة بإزاء «القرية»، وكل ذلك عيش مستقر في مكان واحد، إلا أن الأحوال والآلات والوسائل المدنية تختلف فقط في الدرجة.

 

وكذلك فإن لفظة «الحضارة» قد استُعملت، في اللغة العربية، للمعاني المتعلقة بالأفكار، لذلك كانت أقرب في استعمالها في المفاهيم، كما جاء في «القاموس»: [حَضُر (بضم الضاد) كنَدُس: الرجل ذو البيان والفقه]، وقال في «اللسان»: [رجل حَضْر (بتسكين الضاد) ذو بيان]، فلفظة «الحضارة» أقرب وأنسب وأكثر ملائمة في الاستعمال لمجموعة المفاهيم من لفظة «المدنية»، ولفظة «المدنية» أقرب في الاستعمال للأشكال المادية: فالمهم هو مراعاة الفرق الجوهري بين محتوى المفهومين، أما الاصطلاحات فلا ينبغي أن تكون فيها كبير مُشَاحَّة، وإن كانت الدقة، في اختيار الألفاظ ومطابقتها أو مقاربتها للمقصود، مهمة ومطلوبة.

 

و«الثقافة»: هي مجموع العلوم والمعارف والمهارات التي كانت عقيدة تلك الحضارة سببًا في دراستها ونشأتها، أو هي المعارف التي تؤثّر في العقل وحُكمِه «القِيَميّ» على الأشياء، كالتّشريع، والاقتصاد، والتّاريخ، واللّغة، وما شاكلها.

 

هذه «الحضارة»، وتلك «الثقافة»، التي هي جزء منها، هي، بالضرورة، متحيزة وخاصة، ترتبط عند كل أُمّة وشعب بالأساس العقائدي الذي تؤمن به تلك الأمّة، إذا كانت تلك الحضارة مُنبثقةً عن عقيدة كلّية عن الكون والإنسان والحياة، كما هو الحال في الحضارة الإسلامية والحضارة اللّيبرالية الرأسمالية، فتكون من ثم «حضارة دينيّة»، أو «حضارة أيديولوجيّة»، أو «حضارة عقائديّة». و«الحضارة» ترتبط دوماً بخصوصيات ذلك الشعب وتلك الأمة الناشئة عبر التّطور التاريخي والتّفاعل مع أحداث الزّمن، حتى بالنسبة للحضارات التي لا تنبثق عن أساس عقائدي، فتكون حينئذ «حضارة وضعية»، كحضارة اليونان وبابل والأشوريّين والصّين، وأوروبا قبل عدة قرون من الزمن، أي قبل أن تنتصر الحضارة الليبرالية الرأسمالية وتهيمن على الحياة في أوروبا وأمريكا.

 

نعم: لا شك أن اليونان وبابل والآشوريّين قديماً، وأمريكا وأوروبا والصين واليابان حديثاً، كان لهم أديان كالوثنية والنصرانية والبوذية والكونفوشية، إلا أنّها أديان روحيّة أخلاقيّة محضة، ليس فيها مفاهيم وقناعات ومقاييس وتشريعات لكافة شؤون الحياة، فلا تصلح إذاً لأن تنبثق عنها حضارة، ولكن يتواضع الناس على مفاهيم وتشريعات خاصة بهم، لتنظيم شؤون الحياة الدنيا، فهذه المفاهيم والقناعات والمقاييس الوضعية هي التي تشكل حضارتهم، مع كونها ليست منبثقة عن دينهم. فالقوم لهم حضارة، ولكنها ليست (حضارة دينية)، وإن كانوا هم يؤمنون بدين معين، لكن حضارتهم لم تنبثق عن دينهم، بل هي «حضارة وضعية».

 

وفي العصر الحديث تشترك شعوب وأمم كثيرة، كاليابانيين والهندوس والسيخ والأمريكان والفرنسيّون في حضارة واحدة، هي الحضارة الليبرالية الرأسمالية الغربية، مع تعدد واختلاف أديانهم.

 

لذلك كان للإسلام حضارته الخاصّة «الحضارة الإسلامية» المشتملة على ثقافته المتميزة، ألا وهي «الثقافة الإسلامية» الشاملة لعلوم اللغة العربية، وعلوم الدّين الإسلامي بشتّى فروعها، التي ملأت الدنيا نورًا وعلماً وهدىً، وهي أكمل وأكثر ثقافات الدّنيا كتباً وتصنيفاً.

 

أما ما يتشدّق به الغربيون ويسمّونه «الحضارة الإنسانية» فهو اسم مزوّر لحضارتهم هم، وهي حضارة كافرة، تقوم في أساسها وجوهرها على الوثنية الإغريقية الرومانية، مع لمسات ــ لمسات تلطيفية ليس إلا ــ من النصرانية البولصية المحرَّفة الضّالة، التي انحرفت بعد عدة قرون من نشأتها، فأصبحت صليبية مقيتة حاقدة، واليهودية العنصرية الملعونة، يهودية الأحبار والكهان الفاسقين، قتلة الأنبياء. وهي حضارة غربية محلية محضة، لا علاقة لها بعقائد وأفكار ومفاهيم وقناعات وعادات بقية شعوب العالم، مهما شغَّب دعاة «العولمة» وجادلوا.

 

وقد اختار القوم هذا الاسم الذي يوحي بالإنسانية والعالمية، لتغرير شعوب الدنيا، وبالأخص المسلمين، لإخراجهم بهذه الطّريقة الخبيثة الماكرة من دينهم، ذلك لأن اعتِناق هذه الحضارة الغربية، المسماة بـ «الإنسانية»، زوراً وبهتاناً، والعيش وِفْقَها يعني، لا محالة، الردّة عن الإسلام، والخروج إلى الكفر والضلال، المفضي إلى الشقاوة الأبدية، واللعنة السرمدية في نار جهنم، والعياذ بالله تعالى.

 

كما أن هذا الاسم مؤشّر قويّ على عنصريّة الغرب وغطرسته، ونظرته المتعالية إلى بقيّة بني الإنسان: فما جاء من الغرب فهو، بزعمهم، «إنساني» و«عالمي»، وما كان من غيرهم من الأمم والشّعوب فهو محلي أو إقليمي، فهو من ثَمَّ محدود متخلف، همجي بربري، لا يستحق أن يسمَّى إنسانياً، وهو، في أحسن الأحوال، محدود محلي لا يمكن أن يكون عالمياً!

 

من الإيضاح السابق يتبيّن أن أمور (الدّين) – في عرف أهل الإسلام - ليست هي الشّعائر التعبّدية المحضة، أو العقائد الغيبية، أو الأخلاق والآداب الجميلة فحسب، كما هو في المفهوم الغربي، بل كل أفعال الإنسان الاختيارية هي محلّ الحكم والتقييم الشرعي سواء:

(أ)- قصد بها محض التعبّد والتقرّب إلى الله، أي تحقيق قصد أو قيمة «روحية»، أو «تعبّديّة» أو «نسكية»: (الشّعائر التعبّدية المحضة مثل الصّلاة، والذّكر، والدّعاء)؛

(ب)- أو قصد بها تحقيق قيمة «خُلُقيّة»: (الأخلاق، مثل: الصّدق والأمانة والكرم، وحتى الرفق بالحيوان)؛

(ج)- أو قصد بها تحقيق قيمة «إنسانيّة»: (مثل إغاثة الملهوف، وإنقاذ الغريق، بغض النّظر عن عرقه ولونه، ودينه، وقوميّته، وجنسه)؛

(د)- أو أراد بها الإنسان كسبًا «معنويًّا» أو «أدبيًّا»: (كالحصول على المجد، والفِخار، والثناء)؛

(ه)- أو أراد تحصيل منفعة، أو قيمة «ماديّة»: (كالنّقود، بالتّجارة، ونحوها).

 

كل هذه الأنواع من الأفعال الإنسانيّة الاختياريّة هي محلّ الحكم الشّرعي، والالتزام بالحكم الشّرعي هو الجانب الرّوحي التعبّدي فيها، فإذا أدرك الإنسان أنه متعبَّد لله في جميع أحواله، والتزم الحكم الشّرعي في جميع أعماله، أصبح روحانيًّا عابدًا، مستحقًّا على هذا الجانب الرّوحي التعبّدي من الله المثوبة والثناء؛ والتعبّد هنا يعني: القبول، والتّسليم، والرّضا، والطّاعة لأمر الله، الناشئة من تعظيم الله ومحبّته، المُنبنية على اعتقاد راسخ، ويقين جازم، وإيمان مطلق بأنّ الله هو الإله الحق، الواحد الأحد، واجب الوجود، الحي القيُّوم، الأول الأزلي القديم، بغير ابتداء، الآخر الأبدي الباقي، من غير انتهاء: فعَّال لما يريد، يخلق ما يشاء ويختار، لا يسأل عمّا يفعل، ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب.

 

هذه هي «الروحانيّة» الحقّة، فهي أمر يتعلّق بـ«الوعي»، و«الإدراك». ولا علاقة لذلك بالرّوح «المفارِقة»، أو بكون الإنسان مركّب من «مادّة»، و«روح»، بغض النّظر عن صحّة ذلك أو بطلانه، فهذا موضوع مستقلّ عن ذاك تماماً.

وأما ما قاله بعض العلماء: (إن العادات تنقلب إلى عبادات إذا صلحت النيّة). فهذا كلام ليس بدقيق، لأن العادات، أو بلفظ أدقّ: المباحات، لا تنقلب إلى مستحبات أو واجبات، ولكن وجود «وعي» معين أو «نية» معينة، هو الذي قد يستحقّ عليه الإنسان المثوبة، بل وربّما العقوبة، لا على ذات الفعل، من حيث هو فعل مجرّد، الذي هو مباح كما كان، لا ثواب لفاعله أو عقاب عليه، من حيث هو فعل مجرّد، وسنتكلّم عن هذا بالتفصيل، ونشبعه بحثاً في فصل مستقلّ آت، إن شاء الله تعالى.

 

فصل: ماهيّة الفرق بين (الدّين) و(الدّنيا):

وما ذكرناه آنفا له واقع يدرك بالحسّ والعقل، ومن استقراء نصوص الوحي، أي النّصوص الشّرعيّة، أي نصوص القرآن والسنّة، لا غير، إذ هي وحدها النّصوص الشّرعيّة، وهي وحدها الوحي المنزّل، كما سنبرهن عليه قريباً، إن شاء الله. وقد كان ذلك وايم الله كافياً شافياً، ولكن الله، تباركت أسماؤه وتقدّست صفاته، نصّ على بعض ذلك في كتابه العزيز، كما ألهم نبيّه المعصوم سيّدي أبا القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي العدناني العربي، النبي الرسول الأمِّي، خاتم النبيّين، وإمام المرسلين، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، بزيادة بيان مباشر صريح، يغني عن أكثر الاستقراء، وجمع النّصوص، فمن ذلك:

* ما أخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج6/ص123/ح24964) بإسناد غاية في الصّحة عن أنس بن مالك، خادم رسول الله، حيث قال: [حَدَّثَنَا عَفَّانُ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ؛ وَهِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ، صلّى الله عليه وسلّم، سَمِعَ أَصْوَاتاً فَقَالَ: «مَا هَذهِ الأَصْوَاتُ؟!»؛ قَالُوا: (النَّخْلُ يُؤَبِّرُونَهُ يَا رَسُولَ اللَّه)، فَقَالَ: «لَوْ لَمْ يَفْعَلُوا لَصَلُحَ». فَلَمْ يُؤَبِّرُوا عَامَئِذٍ فَصَارَ شِيصاً فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «إِذَا كَانَ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ فَشَأْنَكُمَ بِهِ وَإِذَا كَانَ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ فَإِلَىَّ»]؛ كما أخرجه ابن ماجه في سننه (ج2/ص826/ح2471)، وأبو يعلى في مسنده (ج6/ص199/ح3480)، (ج6/ص238/ح3531)، وقال الشيخ حسين أسد: (إسناده صحيح)، وابن حبّان من طريق أبي يعلى في صحيحه (ج1/ص202/ح22)، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح على شرط مسلم). وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في موضع آخر من مسنده (ج3/ص152/ح12566) بلفظ: [حدثنا عبد الصّمد حدّثنا حمّاد عن ثابت عن أنس قال: سمع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أصواتا فقال: «ما هذا؟» قالوا: (يلقحون النخل)، فقال: «لو تركوه فلم يلقحوه لصلح»، فتركوه فلم يلقحوه فخرج شيصا فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: «ما لكم؟!»، قالوا: (تركوه لما قلت!)، فقال رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم: «إذا كانَ شيْءٌ مِن أَمرِ دُنياكُمْ فَأنتُمْ أعلَمُ بِه، فإِذا كَانَ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ فَإِلَي»

ــ وأخرجه مسلم، (ج4/ص1836/ح2363)، بإسناد صحيح بمعناه، ولكن باختصار سيّئ مخلّ، قال: «أنتم أعلم بأمر دنياكم»، وهو اللّفظ المُشوه المبتور، الذي يتداوله الناس، في أكثر الأحيان، للأسف الشّديد. وأخرجه كذلك الدارقطني مرّة أخرى بنحو لفظ مسلم، وأخرجه كذلك البزّار في مُسنده، وهو عند الإمام أبي محمّد علي بن حزم في «الإحكام في أصول الأحكام» من طريق البزّار، وجاء حديث أنس عند البزّار بلفظ: «أنتم أعلم بما يصلحكم في دنياكم، وأما آخرتكم فإليّ»، وهذا كأنّه رواية بالمعنى، تصرّف أحد الرواة فاستبدل لفظة: (دينكم)، بلفظة: (آخرتكم)؛ وأخرجه غيرهم، فتجده مثلاً في (فوائد تمام) (3/83/1082)؛

ــ وأما قول حماد بن سلمة ( عن هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ) فالأرجح أنه وهم منه، فقد خالفه كل من خالد بن الحارث ومحاضر وحفص بن غياث وغيرهم فرووه مرسلا، وأكد ذلك الإمام الدارقطني في علله (14/187/رقم 3531)، حيث جاء: [وَسُئِلَ عَنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، إِنَّهُ سَمِعَ تَأَبُّرَ النَّخْلِ، فَقَالَ: " لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ ". فَلَمْ يُوبِّرُوا، فَصَارَ شَيْصًا، فَقِيلَ لِلنَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: " إِذَا كَانَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ فَشَأْنَكُمْ بِهِ ". فَقَالَ: رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. وَخَالَفَهُ خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، وَمُحَاضِرٌ، وَغَيْرُهُمَا، رَوَوْهُ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، مُرْسَلا، وَهُوَ الصَّوَابُ].

 

* وأخرج الإمام مسلم في صحيحه (ج4/ص1836/ح2362): [حدّثنا عبد الله بن الرومي اليمامي وعبّاس بن عبد العظيم العنبري وأحمد بن جعفر المعقري قالوا: حدثنا النّضر بن محمّد، حدّثنا عكرمة وهو بن عمّار، حدّثنا أبو النّجاشي، حدثني رافع بن خديج قال: قدم نبيّ الله، صلّى الله عليه وسلّم، المدينة وهم يُؤَبرون النخل (يقولون يلقحون النخل)، فقال: (ما تصنعون؟!)، قالوا: (كنا نصنعه)، قال: (لعلكم لو لم تفعلوا كان خيراً!)، فتركوه فنفضت أو فنقصت، قال فذكروا ذلك له فقال: (إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنّما أنا بشر)، قال عكرمة: أو نحو هذا؛ قال المعقري: (فنفضت) ولم يشك]؛ وأخرجه ابن حبان في صحيحه (ج1/ص202/ح23)، بلفظ: (إنما أنا بشر إذا حدّثتكم بشيء من أمر دينكم فخذوا به وإذا حدّثتكم بشيء من دنياكم فإنّما أنا بشر)؛ ثم عقَّب قائلاً: (أبو النجاشي مولى رافع اسمه عطاء بن صهيب). وهو عند الطّبراني في معجمه الكبير (ج4/ص281/ح4424) بمثل لفظ ابن حبّان. وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده حسن)، وهذا تنطع بارد فالحديث صحيح، قطعاً ولا ريب، تقوم به الحجة القاطعة، وما قد يقال عن اضطراب في حديث عكرمة بن عمار، وهو ثقة مأمون، إنما هو فقط في حديثه عن يحيى بن أبي كثير، وليس هذا منها!

 

* وجاء عن جابر بن عبد الله حديث يصلح للاستئناس في موضوعنا هذا، على ما في صحة روايته من كلام، أخرجه الطبراني في معجمه الأوسط (ج1/ص307/ح1030): [حَدَّثَنَا أَحْمَدُ (هو: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ مُوسَى الْمَكِّيُّ) قَالَ: حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ الرَّقَّامُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَبْصَرَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، النَّاسَ يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ، فَقَالَ: «مَا لِلنَّاسِ؟» قَالَ: يُلَقِّحُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «لَا لِقَاحَ» أَوْ «مَا أَرَى اللِّقَاحَ بِشَيْءٍ» قَالَ: فَتَرَكُوا اللِّقَاحَ، فَجَاءَ تَمْرُ النَّاسِ شِيصًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «مَا أَنَا بِزَرَّاعٍ وَلَا صَاحِبِ نَخْلٍ، لَقِّحُوا!!»]؛ وهو بعينه في معجم الطبراني الكبير (1/6/1034)؛

ــ وهو في شرح مشكل الآثار (4/425/1723): [حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ الرَّقَّامُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ، فساقه بعينه]، ثم قال الإمام الطحاوي معقباً: [وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهُ، صلى الله عليه وسلم، إخْبَارًا عَنْ وَحْيٍ، وَإِنَّمَا كَانَ مِنْهُ عَلَى قَوْلٍ غَيْرِ مَعْقُولٍ ظَاهِرٍ مِمَّا يَتَسَاوَى فِيهِ النَّاسُ فِي الْقَوْلِ، ثُمَّ يَخْتَلِفُونَ فَيَتَبَيَّنُ ذَوُو الْعِلْمِ بِهِ عَمَّنْ سِوَاهُمْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهِ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، مِمَّنْ كَانَ يُعَانِي ذَلِكَ وَلَا مِنْ بَلَدٍ يُعَانِيهِ أَهْلُهُ ; لِأَنَّهُ، صلى الله عليه وسلم، إنَّمَا بَلَدُهُ مَكَّةُ، وَلَمْ تَكُنْ دَارَ نَخْلٍ يَوْمَئِذٍ، وَإِنَّمَا كَانَ النَّخْلُ فِيمَا سِوَاهَا مِنَ الْمَدِينَةِ الَّتِي صَارَ إلَيْهَا، صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ مَعَ أَهْلِهَا مِنْ مُعَانَاةِ النَّخْلِ وَالْعَمَلِ مَا يُصْلِحُهَا مَا لَيْسَ مِثْلُهُ مَعَ أَهْلِ مَكَّةَ، وَكَانَ الْقَوْلُ فِي الْأَمْرِ الَّذِي قَالَ: فِيهِ مَا قَالَ: وَاسِعًا لَهُ أَنْ يَقُولَ فِيهِ وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْقَوْلُ مِنْهُ عَلَى مَا نَفَى مَا يَسْتَحِيلُ عِنْدَهُ وَيَكُونُ مِنْهُ عَلَى الظَّنِّ بِهِ]؛

ــ وهو في كشف الأستار عن زوائد البزار (1/112/202) بلفظ مخالف: [حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ أَبَانَ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ، صلى الله عليه وسلم، مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ، فَقَالَ: «مَا أَرَى هَذَا يُغْنِي شَيْئًا»، فَتَرَكُوهَا ذَلِكَ الْعَامَ، فَشَيَّصَتْ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِمَا يُصْلِحُكُمْ فِي دُنْيَاكُمْ»]، وقَالَ الْبَزَّارُ: (لا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ إِلا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو التَّنُّورِيُّ وَعَيَّاشٌ، وَهُمَا بَصْرِيَّانِ)؛ كذا: (عَيَّاشُ بْنُ أَبَانَ)، وبهذا اللفظ المخالف، القريب من لفظ أحد أحاديث الإمام مسلم، والخلل إنما هو من البزار: كان يملي من حفظه فوقع منه خطأ كثير.

 

* وجاء في الخراج ليحيى بن آدم (ص:111/362): [(أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، حَائِطًا لِلْأَنْصَارِ وَهُمْ يُلَقِّحُونَ نَخْلًا، فَقَالَ: (وَيُغْنِي هَذَا شَيْئًا؟)، فَتَرَكُوهُ، فَلَمْ تَحْمِلِ النَّخْلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ، صلى الله عليه وسلم: (عُودُوا، فَإِنَّمَا قُلْتُ لَكُمْ، وَلَا أَعْلَمُ)]؛

 

* كما أخرج الإمام مسلم في صحيحه (ج4/ص1835/ح2361): [حدثنا قتيبة بن سعيد الثّقفي وأبو كامل الجحدري (وتقاربا في اللفظ، وهذا حديث قتيبة) قالا: حدثنا أبو عوانة عن سماك عن موسى بن طلحة عن أبيه قال: مررت مع رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، بقوم على رؤوس النّخل فقال: (ما يصنع هؤلاء؟!)، فقالوا: (يلقحونه: يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح)، فقال رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم: (ما أظنّ يغني ذلك شيئا!)، قال: (فأخبروا بذلك فتركوه) فأخبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بذلك فقال: (إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه؛ فإني إنما ظننت ظنًّا فلا تؤاخذوني بالظّن، ولكن إذا حدّثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإنّي لن اكذب على الله عزّ وجل)]؛

ــ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج1/ص203/ح1399)، بلفظ: (إنّما هو ظنٌّ ظننتُه: إن كان يُغنى شيئا فاصنعوا، فإنّما أنا بشر مثلكم، والظنّ يخطئ ويصيب، ولكن ما قلت لكم: ﴿قال الله عزّ وجلّ﴾ فلن أكذب على اللهوهو بنحو هذا عند ابن ماجه في سننه (ج2/ص825/ح2470)؛ وهو عند الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج1/ص202/ح1395)؛ والطيالسي في مسنده (ج1/ص31/ح230)؛ وابن أبي عاصم عمرو الشيباني في الآحاد والمثاني (ج1/ص206/ح207)؛ وأبو يعلى في مسنده (ج2/ص13/ح639). كما أخرجه يحيى بن آدم في الخراج (345)؛ وابن ماجه في سننه (2470)؛ وعبد بن حميد في المنتخب (102)؛ والبزار في مسنده (937) و(938)؛ وابن خزيمة في التوكل كما في إتحاف المهرة (1/485) لابن حجر؛ وأبو الشيخ الأصبهاني في التوبيخ والتنبيه (151) و(238)؛ وأبو نعيم في الحلية (4/372 - 373)؛ والحازمي في الاعتبار (1/207)؛ والشاشي في مسنده (7) و(8) و(9)؛ والطحاوي في شرح مشكل الآثار (1720) و(1721)؛ وأيضاً في شرح معاني الآثار (4098) و(4099) و(4100) و(6324)؛ كلهم من طريق سماك بن حرب عن موسى بن طلحة عن أبيه طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه؛ والحديث متصل صحيح، لا تعرف له علة، وسماك بن حرب ثقة صدوق، وإنما وقع اضطراب في بعض حديثه عن عكرمة.

 

وقد زادنا طلحة بن عبيد الله، رضي الله عنه، هنا فائدة جميلة، في غاية الخطورة والأهمّية: ألا وهي أن النّبي، صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، المعصوم بعصمة الله، إنّما استخدم صيغة الظّن في كلامه، وصرح هو نفسه، صلوات الله عليه وعلى آله، بذلك نصاً في قوله: (إنّما هو ظنٌّ ظننتُه: إن كان يُغنى شيئا فاصنعوا، فإنّما أنا بشر مثلكم، والظنّ يخطئ ويصيب، ولكن ما قلت لكم: ﴿قال الله عزّ وجلّ﴾ فلن أكذب على الله). والحق أن جميع الروايات بشتى ألفاظها تفيد ذلك، لا محالة. فقوله: «لَوْ لَمْ يَفْعَلُوا لَصَلُحَ»، إن كان محفوظاً هكذا بأحرفه، وليس من تصرف الرواة، بمعنى: (لو تركوا التلقيح لصلح)، صيغة امتناع لامتناع تشعر باستبعاده، صلوات الله عليه وعلى آله، أن يقوموا بالترك؛ وهو في نفس الوقت نبي معصوم، واجب الطاعة، وهذا لا يكون إلا عن ظن، فلو كان عن يقين لقال: (سيصلح أو ليصلحن إن لم تفعلوا)؛ وما قلناه أوضح في قوله: (لعلكم لو لم تفعلوا كان خيراً!) فصيغة الترجي (لعلكم) أوضح في عدم اليقين؛ وقوله: «مَا أَرَى اللِّقَاحَ بِشَيْءٍ» أكثر وضوحا لأن (الرأي) ظن، يخطئ ويصيب، بل لاشك، وهو غير العلم والبقين؛ وأما قوله، صلوات الله عليه وعلى آله: (عُودُوا، فَإِنَّمَا قُلْتُ لَكُمْ، وَلَا أَعْلَمُ) فهو في الصراحة والوضوح كقوله: (إنّما هو ظنٌّ ظننتُه: إن كان يُغنى شيئا فاصنعوا)، بل لعله أبلغ.

 

على أنه، صلوات الله عليه وعلى آله، ما كان حراثاُ أو صاحب نخل اعتاد التلقيح، ثم تركه، وقال ما قال، فربما ساغ لهم أن يقولوا: (أفعال النبي على الإتساء، فحري بنا أن نفعل كفعله)؛ ولا هو قال: (اتركوا التلقيح) فلهم أن يحتجوا: (أمرنا فامتثلنا!).

 

فلم يكن عند أولئك الذين تركوا ما يعلمون بيقين لظنّ مجرّد من عذر، لأن اليقين لا يزول بالظّن، حتى ولو كان ظنًّا من رسول الله الخاتم، لأن الوحي إنّما يأتي بالعلم اليقيني والحقّ القطعي الثّابت من عند الله، الذي تقوم به الحجة القاطعة على من بلغه. ومن المحال الممتنع أن يبلغه النبي المأمور بالبلاغ إلا وهو – أي النبي – قد علِمَ، قبل ذلك، عِلْم يقين لا يتزعزع أنه وحي من الله؛ وفهم المعنى فهما محكماً صحيحا لا يتطرق إليه اشتباه، وأدرك المقصود إدراكاً يقينياً معصوماً لا يشوبه شك.

 

فإذا تلفّظ النّبي، صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، بما يفيد أنه يظنّ شيئاً، علمنا أن هذا قطعاً من عند نفسه، بموجب الطبّيعة البشريّة، فلا يكون حجّة، لأن الظّن لا يغني من الحقِّ شيئاً، ولأنّه بشر يخطئ ويصيب، بصفته البشرية، بخلاف الحقّ، الذي هو صوابٌ أبداً؛

ــ وكذلك إذا هم بفعل وتردد ولم يفعل لأن (الهم والتردد) في الأفعال كـ(الظن) في الأقوال والآراء، سواء بسواء؛

ــ وهذا، أيضاً، هو الحال تماماً في ما قام الدليل القاطع على أنه ليس من الوحي، وإنما هو من عند نفسه: كقبوله أو رفضه لشهادة المتخاصمين في مجلس القضاء، أو بلاغات المخبرين، وسيأتي مزيد تفصيل لهذا في موضعه في باب يأتي، بإذن الله؛ ولعلنا نكتفي ها هنا بروايتين مؤيدتين لما قلناه:

* فقد جاء في كشف الأستار عن زوائد البزار (1/111/201): [حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَصْبَهَانِيُّ، حدثنا حُسَيْنُ بْنُ حَفْصٍ، حدثنا خَطَّابُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَطُوفُ فِي النَّخْلِ بِالْمَدِينَةِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ فِيهَا وَسْقٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ، صلى الله عليه وسلم: «فِيهَا كَذَا وَكَذَا»، فَقَالوا: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ فَمَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللَّهِ فَهُوَ حَقٌّ، وَمَا قُلْتُ فِيهِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِي فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أُصِيبُ وَأُخْطِئُ»]، ثم قَالَ الْبَزَّارُ: (لا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلا بِهَذَا الإِسْنَادِ)؛

* وجاء في كشف الأستار عن زوائد البزار (1/112/203): [حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حدثنا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ عَجْلانَ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «مَا أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَهُوَ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ»]؛ وقَالَ الْبَزَّارُ: (لا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلا بِهَذَا الإِسْنَادِ).

 

* وجاء في «مسندِ الإمام أحمد بن حنبل»، (ج5/ص298/ح22599)، بإسناد صحيح كذلك: [حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة قال: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: «إِنَّكُمْ إِنْ لاَ تُدْرِكُوا الْمَاءَ غَدًا تَعْطَشُوا»، وَانْطَلَقَ سَرَعَانُ النَّاسِ يُرِيدُونَ الْمَاءَ، وَلَزِمْتُ رَسُولَ اللهِ، صلّى الله عليه وسلّم، فَمَالَتْ بِرَسُولِ اللهِ، صلّى الله عليه وسلّم، رَاحِلَتُهُ، فَنَعَسَ رَسُولُ اللهِ، صلّى الله عليه وسلّم، فَدَعَمْتُهُ فَأَدْعَمَ، ثُمَّ مَالَ فَدَعَمْتُهُ فَأَدْعَمَ، ثُمَّ مَالَ حَتَّى كَادَ أَنْ يَنْجَفِلَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَدَعَمْتُهُ فَانْتَبَهُ، فَقَالَ: «مَنِ الرَّجُلُ؟» قُلْتُ: أَبُو قَتَادَةَ، قَالَ: «مُذْ كَمْ كَانَ مَسِيرُكَ؟» قُلْتُ: مُنْذُ اللَّيْلَةِ، قَالَ: «حَفِظَكَ اللهُ كَمَا حَفِظْتَ رَسُولَهُ»، ثُمَّ قَالَ: «لَوْ عَرَّسْنَا»، فَمَالَ إِلَى شَجَرَةٍ فَنَزَلَ، فَقَالَ: «انْظُرْ هَلْ تَرَى أَحَدًا؟» قُلْتُ: هَذَا رَاكِبٌ، هَذَانِ رَاكِبَانِ، حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةً، فَقَالَ: «احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلاَتَنَا»، فَنِمْنَا، فَمَا أَيْقَظَنَا إِلاَّ حَرُّ الشَّمْسِ، فَانْتَبَهْنَا، فَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، فَسَارَ وَسِرْنَا هُنَيْهَةً، ثُمَّ نَزَلَ، فَقَالَ: «أَمَعَكُمْ مَاءٌ؟» قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ مَعِي مِيضَأَةٌ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ، قَالَ: «ائْتِ بِهَا»، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ: «مَسُّوا مِنْهَا، مَسُّوا مِنْهَا»، فَتَوَضَّأَ الْقَوْمُ وَبَقِيَتْ جَرْعَةٌ، فَقَالَ: «ازْدَهِرْ بِهَا يَا أَبَا قَتَادَةَ، فَإِنَّهُ سَيَكُونُ لَهَا نَبَأٌ»، ثُمَّ أَذَّنَ بِلاَلٌ، وَصَلَّوُا الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ صَلَّوُا الْفَجْرَ، ثُمَّ رَكِبَ وَرَكِبْنَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: فَرَّطْنَا فِي صَلاَتِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم: (مَا تَقُولُونَ؟ إِنْ كَانَ أَمْرَ دُنْيَاكُمْ فَشَأْنُكُمْ، وَإِنْ كَانَ أَمْرَ دِينِكُمْ فَإِلَيَّ)، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَرَّطْنَا فِي صَلاَتِنَا، فَقَالَ: (لاَ تَفْرِيطَ فِي النَّوْمِ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَصَلُّوهَا، وَمِنَ الْغَدِ وَقْتَهَا)، ثُمَّ قَالَ: «ظُنُّوا بِالْقَوْمِ»، قَالُوا: إِنَّكَ قُلْتَ بِالأَمْسِ: إِنْ لاَ تُدْرِكُوا الْمَاءَ غَدًا تَعْطَشُوا، فَالنَّاسُ بِالْمَاءِ، فَقَالَ: «أَصْبَحَ النَّاسُ وَقَدْ فَقَدُوا نَبِيَّهُمْ»، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، بِالْمَاءِ، وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَقَال: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، لَمْ يَكُنْ لِيَسْبِقَكُمْ إِلَى الْمَاءِ وَيُخَلِّفَكُمْ، وَإِنْ يُطِعِ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَرْشُدُوا، قَالَهَا ثَلاَثًا، فَلَمَّا اشْتَدَّتِ الظَّهِيرَةُ رَفَعَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلَكْنَا عَطَشًا، تَقَطَّعَتِ الأَعْنَاقُ، فَقَالَ: «لاَ هُلْكَ عَلَيْكُمْ»، ثُمَّ قَالَ: «يَا أَبَا قَتَادَةَ، ائْتِ بِالْمِيضَأَةِ»، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ: «احْلِلْ لِي غُمَرِي»، يَعْنِي قَدَحَهُ، فَحَلَلْتُهُ، فَأَتَيْتُهُ بِهِ، فَجَعَلَ يَصُبُّ فِيهِ وَيَسْقِى النَّاسَ، فَازْدَحَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَحْسِنُوا الْمَلأَ، فَكُلُّكُمْ سَيَصْدُرُ عَنْ رِيٍّ»، فَشَرِبَ الْقَوْمُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ غَيْرِي وَغَيْرُ رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، فَصَبَّ لِي، فَقَالَ: «اشْرَبْ يَا أَبَا قَتَادَةَ»، قَالَ: قُلْتُ: اشْرَبْ أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «إِنَّ سَاقِي الْقَوْمِ آخِرُهُمْ»، فَشَرِبْتُ وَشَرِبَ بَعْدِي، وَبَقِيَ فِي الْمِيضَأَةِ نَحْوٌ مِمَّا كَانَ فِيهَا، وَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَلاَثُمِئَةٍ.

قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَسَمِعَنِي عِمْرَانُ بْنُ حَصِينٍ وَأَنَا أُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، فَقَالَ: مَنِ الرَّجُلُ؟ قُلْتُ: أَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَبَاحٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: الْقَوْمُ أَعْلَمُ بِحَدِيثِهِمْ، انْظُرْ كَيْفَ تُحَدِّثُ، فَإِنِّي أَحَدُ السَّبْعَةِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمَّا فَرَغْتُ، قَالَ: مَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ أَحَدًا يَحْفَظُ هَذَا الْحَدِيثَ غَيْرِي.

قَالَ حَمَّادٌ: وَحدَّثنا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم،..، بِمِثْلِهِ، وَزَادَ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، إِذَا عَرَّسَ وَعَلَيْهِ لَيْلٌ تَوَسَّدَ يَمِينَهُ، وَإِذَا عَرَّسَ الصُّبْحَ، وَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى كَفِّهِ الْيُمْنَى، وَأَقَامَ سَاعِده)].

ــ وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل، (ج5/ص299/ح22600): [حدثنا إبراهيم بن الحجاج، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة عن النبي، صلى الله عليه وسلم، بمثله].

ــ وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل، (ج5/ص300/ح22601): [حدثنا إبراهيم (هو إبراهيم بن الحجاج السّلمي)، حدثنا حمّاد: حدثنا حميد، عن بكر بن عبد الله، عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة عن النبي، صلّى الله عليه وسلّم، بمثله].

 وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات، رجال الشيخين غير حماد بن سلمة)، قلت: حماد بن سلمة بن دينار ثقة مأمون، من أئمة المسلمين، وهو من أثبت الناس في ثابت البناني، وطريق هذا الحديث الرئيسة من طريق ثابت؛ وقد عابوا على الإمام البخاري – بحقّ - أنه لم يخرّج له، وأخرج لكثيرين ممن هم دونه في المرتبة بمراحل؛ وكذلك لم يخرّج البخاري شيئاً لعبد الله بن رباح، وهو ثقة إجماعاً؛ فهذه كلها أسانيد غاية في الصحّة، تقوم بها الحجّة القاطعة.

 

وإليك معانى بعض الكلمات الغريبة التي وردت في الحديث: - ابْهَارَّ: انتصف؛ يَنْجَفِلُ: ينقلب ويسقط؛ دعم: أسند وأقام ميله من النوم؛ الرّواء: رووا من الماء؛ غُمَرِي: الغُمر: هو الوعاء أو القدح الصغير؛ الملأ: الخُلُق والعِشرة: تَهَوَّرَ الليل: ذهب أكثره؛ عَرَّسنا: من التَّعْريس، وهو نزول المسافر آخر الليل؛ مِيضَأة، بكسر الميم، وبعد الضّاد همزةٌ، يمد ويقصر: هي الإناء الذي يُتوضَّأُ به؛ ازْدَهِرْ بها، أي: احتفظ بها، واجعلها في بالِك، والدال فيه منقلبة عن تاء الافتعال؛ ظُنُّوا القوم: أمر من الظن، أي: خَمِّنُوا في حالهم.

 

* وأخرجه مسلم في صحيحه (ج1/ص472/ح681) بإسناد في غاية الصّحّة، من غير طريق حماد بن سلمة: [وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ - يَعْنِى ابْنَ الْمُغِيرَةِ - حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِى قَتَادَةَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ، صلّى الله عليه وسلّم، فَقَالَ «إِنَّكُمْ تَسِيرُونَ عَشِيَّتَكُمْ وَلَيْلَتَكُمْ وَتَأْتُونَ الْمَاءَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا». فَانْطَلَقَ النَّاسُ لاَ يَلْوِى أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ]؛ فساق الحديث بنحوه، إلا أنه لم يأت بجملة: (إِنْ كَانَ أَمْرَ دُنْيَاكُمْ فَشَأْنُكُمْ، وَإِنْ كَانَ أَمْرَ دِينِكُمْ فَإِلَيَّ)، أو ما يقوم مقامها. وهو بعينه عند ابن الجعد في مسنده (ج1/ص451/ح3075).

وللحديث، مطولاً ومختصراً، متابعات وشواهد كثيرة، من طرق صحاح وحسان. أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه»، (ج1/ص214/ح410)، باختصار يسير؛ وأخرجه أبو داود في سننه (ج1/ص119/ح437)؛ والطّحاوي في شرح معاني الآثار (ج1/ص401/ح0)؛ والدارقطني في سننه، (ج1/ص386/ح13)، باختصار شديد مقتصراً على قوله، صلى الله عليه وسلم: «إن كان أمر دنياكم فشأنكم وإن كان أمر دينكم فإلي»؛ فقلنا: (يا رسول الله فرطنا في صلاتنا!)، فقال: «لا تفريط في النوم، إنما التفريط في اليقظة، فإذا كان ذلك فصلّوها، ومن الغد لوقتها». وقد ذكرنا هذا الحديث الجليل الجميل، وكل حديث رسول الله جليل جميل، بطوله لما فيه من الحِكَم، والأحكام، ودلائل النّبوّة المحمّدية الباهرة.

 

والأحاديث الصحاح أعلاه فيها شهادة خمسة من الصّحابة، رضوان الله وسلامه عليهم، هم: أنس، ورافع بن خديج، وأبي قتادة، وعمران بن حصين، وطلحة بن عبيد الله؛ تؤيدها مرسلة عروة بن الزبير، وهو من قدماء التابعين، ولعله أخذها من عائشة، رضوان الله وسلامه عليها، أو غيرها من كبار الصحابة؛ وتؤيدها مرسلة لأبي مجلز، وهو من صغار التابعين سمع من ابن عاس ومن ابن عمر، وطبقتهما من صغار الصحابة. وقد جاءت هذه جاءت هذه الشهادة من ست طرق صحاح، مستقلّة كل الاستقلال، في واقعتين متباينتين، إن لم تكن وقائع متباينة، يحيل العقل تواطؤ الرواة على اختراعها، أو الكذب، أو الوهم فيها، وتقوم بها الحجّة اليقينيّة القاطعة، على أنه، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، قال: «إذا كان شيئا من أمر دنياكم فشأنكم به، وإذا كان شيئا من أمر دينكم فإلي»، أو «أنتم أعلم بما يصلحكم في دنياكم، وأما آخرتكم فإليّ» أو: «إنّما أنا بشر: إذا حدّثتكم بشيء من أمر دينكم فخذوا به، وإذا حدّثتكم بشيء من دنياكم، فإنّما أنا بشر!».

 

وأما الرواية التي تقول: «إذا كان شيئا من أمر دنياكم فأنتم أعلم به»، فيشبه أن تكون رواية بالمعنى للحديث الأول، لأن أكثر الطّرق وأقواها للحديث الأول جاءت باللّفظ الأوّل، وهو مطابق للفظ الحديث الثاني، وليس الحديث الثالث عنهما ببعيد، لأنّ قوله: «وإذا حدّثتكم بشيء من دنياكم، فإنما أنا بشر!»، هكذا بالشرط: «وإذا حدّثتكم بشيء من دنياكم»، بدون جواب لهذا الشرط، وهو محذوف تقديره ضرورة: «فإنّما أنا بشر مثلكم، لست أكثر علماً به منكم، فلا أتدخّل فيه، ولا أتكلّم عنه: فشأنكم به!»، أو نحو ذلك، أو قريباً من ذلك.

 

وقد بالغ بعض الرواة في رواية الحديث بالمعنى واختصاره، كما وقع في رواية مسلم: «أنتم أعلم بأمر دنياكم»، فذهب كثير من المعاني والأحكام المتضمّنة في اللّفظ الكامل الصّحيح، ولعل في ذلك عبرة وزجراً عن رواية الأحاديث بالمعنى، وتأكيد على ضرورة الالتزام الصارم باللّفظ النّبوي الشّريف المعصوم وأنّ ذلك يقتضي تتبّع الطّرق وتقصّي الرّوايات!

 

قوله، عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام: «إذا كان شيئا من أمر دنياكم فشأنكم به، وإذا كان شيئا من أمر دينكم فإليَّ» أحال كل شؤون «الدّنيا» إلى الناس، وجعلها شأناً من شؤونهم: دراسة، واطلاعاً، وتجريباً، وتطبيقاً؛ أيْ من ناحية العلم النّظري المكتسب، بما فطر الله النّاس عليه من الحسّ والتّجربة والعقل، ومن التّطبيق العملي في المهارات، والحرف والمهن والصّناعات، والإجراءات والوسائل والأساليب: كلّ ذلك مباح للنّاس، حلال لهم، يفعلون ما شاؤوا منه، متى شاءوا، بالكيفية التّي يشاءون. وهو، عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام، لم يبعث زارعاً ولا طبيباً، ولا صانعاَ أو مهندساً، وليس هو من أهل الحرف، إلا أنّه رعى الغنم على قراريط لأهل مكّة في صغره، ثم أعال أهله ببعض التّجارة، لا غير.

 

ولزيادة الإيضاح نتأمّل مثال (تلقيح النّخل): فالبحث هنا في علاقة التّلقيح بصلاح الثّمرة ووفرة المحصول، هذا كلّه، وما هو من نوعه من شؤون «الدّنيا»، وليس البحث في عمليّة التّلقيح من ناحية الحكم «الشّرعي»، هل هي: واجبة أو مستحبّة أو مباحة أو مكروهة أو محرّمة؟ أو الحكم «الأخلاقي»: هل هو حسن أو قبيح، فهذه كلها من «الدّين»، وكذلك كون التّلقيح شرطاً أو مانعاً من وجوب الزّكاة في التّمر، هذا ونحوه من شؤون «الدّين».

والكلام هنا عن «الدّنيا» في مقابلة «الدّين»، وليس عن «الدّنيا» أي هذه الدّار التي فيها الحياة الأولى، في مقابلة «الآخرة»، أيْ دار الحياة الثانية الأخيرة، فهذا موضوع آخر، يختلف عن هذا تماماَ، ولا علاقة له به، لأن الدّين والتّديّن يكون كلّه في هذه الدّار، ثم يترتّب عليه ضرورة حساب وجزاء في الدّارين: الأولى والآخرة!

 

والمقصود بـ«الدّنيا» هنا في مقابلة «الدّين»: العالم المحسوس، كما هو في ذاته وصفاته، من حيث هو موجود له صفات وخواصّ معيّنة، ولمركبّاته وأعيانه علاقات تنظّمها قوانين معيّنة، وما فيه من أعيان وصفات وقوى وخواصّ، أو باختصار بـ(مقادير الكون) التي كتبت وفرغ منها قبل خلق السموات والأرض؛ وما يتعلّق بذلك كلّه من علوم ومعارف، وما يترتّب على ذلك من مهارات إنسانيّة، وحرف ومهن وصناعات، وما ينشأ من ذلك كلّه من مصنوعات أو خدمات. هذا هو تعريف «الدّنيا» الصّحيح المنضبط، كما هو ظاهر من النّظرة المستنيرة الفاحصة المدقّقة لواقع النّخل، وانقسامها إلى ذكر وأنثى، والحاجة إلى تلقيح الأنثى من الذّكر، وقيام النّاس بذلك بطريقة منظّمة لضمان التّلقيح الصّحيح الكامل، وجودة الإنتاج، وارتفاع كميّته، فلا يعتمدون فيها على الرّياح والحشرات التي كانت تنفرد بفعل ذلك في الحالة الفطريّة الأصلية.

 

أما «الدّين» فهو الطريقة المعيّنة للعيش، أي نظام الحياة، أي الشّريعة العامّة المتّبعة، حقاًّ كان ذلك أو باطلاً؛ أي الدّنيا أو العالم، كما ينبغي أن يكون في نظر المتدين، وليس هو فقط مجرّد مجموعة العقائد الغيبيّة، والشّعائر التعبّديّة، والأخلاق والآداب الجميلة، كما هو المفهوم الغربي الكافر للدّين، الذي يسمّونه عندهم، على سبيل المثال، بالإنجليزية: (religion)، بل هو يشمل تنظيم كافّة العلاقات، كما أسلفنا أعلاه.

 

فأمّا لغةً فلفظة (الدّين) مصدر، والفعل هو: دان يَدين دِيناً ودِيَانة. وهو اسم لكل ما يعبد به الله، والملّة، والسيرة، والعادة، والشّأن، والحساب، والمُلك، والسلطان، والحكم، والقضاء، والتدبير؛ و(دان): أي خضع وذلّ وأطاع؛ و(دان بكذا): أي اتّخذه ديناً، وتعبّد به؛ و(دان فلانٌ فلاناً): أي حاسبه وجازاه، أو دبّر أمره وساسه:

* جاء في «النِّهاية في غريب الأثر»، (ج2، ص148/رقم1220): [(دين): في أسماء الله تعالى (الدَّيَّان) قيل هو القهَّارُ، وقيل هو الحاكُم والقاضي، وهو فَعَّالٌ من دانَ النّاسَ أي قَهَرَهم على الطّاعةِ، يقال: دِنْتُهم فدانوا أي قَهَرتُهم فأطاعُوا. ومنه شِعْر الأعشى الحِرْمازي يُخاطبُ النبيَّ، صلّى الله عليه وسلّم: يا سَيِّدَ النّاسِ ودَيَّانَ العَرَبْ. ومنه الحديث: «كان عليٌّ دَيَّان هذه الأمةِ»، ومنه حديث أبي طالب قال له، صلّى الله عليه وسلّم: «أريدُ من قُرَيْشٍ كلمةً تَدينُ لهم بها العربُ»، أي: تُطِيعُهم وتَخْضَع لهم. ومنه الحديث: «الكَيِّسُ من دانَ نفْسَه، وعَمِل لِماَ بعد المَوتِ»، أي: (أذَلَّها واستْعَبَدَها)، وقيل: (حاسَبَها)]، انتهى. قلت: الصحيح أن (الدَّيَّان) هو الحاكُم والقاضي.

 

* وجاء فيه، أي في «النِّهاية في غريب الأثر»، أيضاً: [قال الخَطَّابي: (قد أجْمَعَ عُلماءُ المسلمين على أنّ الخَوارِجَ على ضَلالَتِهم فرقةٌ من فِرق المُسلمين وأجازُوا مُناَكَحَتهم وأكْلَ ذَبَائحهم وقَبولَ شَهادَتهم، وسُئل عَنهُم علي بن أبي طالب فقيل: أكُفَّارُ هُم؟! قال: منَ الكُفْر فَرُّوا؛ قيل: أفَمُنَافِقُونَ هُمْ؟ قال: إنَّ المُنَافِقينَ لا يذكُرُونَ الله إلا قليلاً وهؤُلاء يذكُرون الله بُكْرَةً وأصِيلاً؛ فقيل: ما هُمْ؟ قال: قومٌ اصابَتْهُم فِتنَةٌ فَعُموا وصَمُّوا). قال الخطَّابي: (فمْعنى قوله، صلّى الله عليه وسلّم، يَمرُقُون من الدِّينِ... أرادَ بالدِّين الطَّاعةَ أي أنهم يَخْرجون من طَاعَةِ الإمَام المُفْتَرَضِ الطاَّعَة ويَنْسَلِخُون منها، والله أعلم). وفي حديث سَلمانَ: «إن الله لَيَدينُ للجَمَّاء من ذَاتِ القَرْنِ»، أي يَقْتَصُّ ويَجْزي والدِّينُ الجَزَاءُ]، انتهى.

 

وكون لفظة «الدّين» تعني شرعاً: الطريقة المعيّنة للعيش، أي نظام الحياة، أي الشّريعة العامّة المتّبعة، وليس فقط مجموعة العقائد الغيبيّة، والشّعائر التّعبديّة، والأخلاق والآداب الجميلة، فذلك لما لا يعدّ ولا يحصى من الأدلّة اليقينيّة، المعلومة من الدّين بالضّرورة، ومنها التالية، على سبيل المثال والتقريب من الأذهان فقط، وإلاّ فالحصر متعذّر:

* أن النّبي، عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام، بعد واقعة التّأبير في أول العهد المدني، قد نصّ على اختصاص نفسه الشّريفة بشؤون الدّين، وأحال شؤون الدّنيا كلّها إلى النّاس، وأكّد ذلك مرّة أخرى فيما بعد. وقد ثبت بالتّواتر، وعلم بالضّرورة من التّاريخ، كما هو معترف به من كلّ مسلم وكافر، أنّه أمر ونهى وأخبر وتدخّل فيما لا يحصى من أمور المعاملات، والعقوبات، والأحكام السلطانيّة، والعلاقات الدّوليّة، والحرب والسّلم، والأمن والخوف، وغير ذلك ممّا يخرج، يقيناً، ويزيد كثيراً، عن نطاق العقائد الغيبيّة، والشّعائر التعبّديّة، والأخلاق والآداب الجميلة، فظهر بذلك قطعاً أنها من «الدّين»؛

 

* فرض تعالى عقوبة الجلد للزّناة، وأوجب شهادة طائفة من المؤمنين للتّنفيذ، ثم عقّب قائلاً: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، (النّور؛ 24: 2)، وهو نصّ قاطع على أنّ تحريم الزّنا، والعقوبة الدّنيويّة عليه بحدّ ثابت لا يقبل العفو، ولا يجوز التّساهل فيه من باب الرّأفة والرّحمة، ونصاب الشّهادة عليه، وحضور طائفة للتّنفيذ، كلّ ذلك من «الدّين»، دين الله؛

 

* المكيدة التي دبّرها، سبحانه وتعالى، ليوسف لتمكينه من احتجاز أخيه، وذلك بتطبيق عقوبة السّرقة المنصوص عليها في شريعة يعقوب، ألا وهي استرقاق السّارق، بدلاً من العقوبة المنصوص عليها في شريعة الملك، ثم عقّب، جلّ وعزّ: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاء أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾، (يوسف؛ 12: 76)، ومعلوم ضرورة أنّ الكلام هنا ليس في العقائد الغيبيّة، والشّعائر التعبّدية، ولا هو في الأخلاق والآداب الجميلة، وإنما هو في جريمة السّرقة وعقوبتها، وفق شريعة يعقوب، أم وفق شريعة الملك، التّي هي «دين» الملك، بنصّ القرآن، أي شريعته ونظامه، وليس معتقده الغيبي، ولا شعائره التعبّدية، أو آدابه وأخلاقه التي يرى حسنها أو قبحها، إذ أنّ الكلام ليس في هذا، ولا علاقة له بهذا؛

 

* وجاء في مسند الإمام أحمد بن حنبل بإسناد صحيح (ج5/ص251/ح22214(: [حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ حَبِيبٍ حَدَّثَهُمْ عَنْ أَبِى أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، صلّى الله عليه وسلّم، قَالَ «لَيُنْقَضَنَّ عُرَى الإِسْلاَمِ عُرْوَةً عُرْوَةً، فَكُلَّمَا انْتَقَضَتْ عُرْوَةٌ تَشَبَّثَ النَّاسُ بِالَّتِي تَلِيهَا؛ وَأَوَّلُهُنَّ نَقْضاً الْحُكْمُ وَآخِرُهُنَّ الصَّلاَةُ»]؛ وأخرجه ابن حبّان في صحيحه (ج15/ص111/ح6715)، وقال الشّيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده قويّ)، وهو كما قال، إسناد قويّ صحيح تقوم به الحجّة. وهو بنحوه في «المستدرك على الصّحيحين»، (ج4/ص104/ح7022)، وعقَّب الإمام الحاكم قائلاً: (والإسناد كله صحيح ولم يخرجّاه). وقد أخرجه الإمام الطبراني في كلٍّ من «المعجم الكبير»، (ج8/ص98/ح7486)، و«مسند الشّاميين»، (ج2/ص411/ح2002)؛ وهو في «شعب الإيمان» للبيهقي (11/261/5045)، و(20/72/7265)؛ وفي «معرفة الصّحابة» لأبي نعيم الأصبهاني (11/47/3427)؛ وغيرها؛ فهذا نصّ صريح على أنّ (الحكم) من الإسلام، أي من (الدّين)، كـ(الصّلاة) تماماً، سواءً بسواء؛

 

ومادّة (ح ك م)، كما سيأتي بيانه مفصّلاً عند الكلام عن (الحاكمية)، يستخدمه القرآن في المعاني التّالية:

(1)- وضع الأمور في مواضعها، وهي (الحِكْمة)، وفاعل ذلك (حكيم).

(2)- لفظة (أَحْكَم) بمعنى إتقان الصّنعة، وبلوغ الفعل إلى غايته، وهو (الإحكام)، وفاعل ذلك (مُحْكِم)، بمعنى مُتْقِن.

(3)- الحكم على أفعال النّاس يوم القيامة، وتصفية نزاعاتهم بصفة نهائيّة أبديّة. وهذا إنما هو لله وحده، والآيات في ذلك كثيرة مشهورة.

(4)- الفتيا وإبداء الرأي الذي يعتقد قائله صحّته، أي الحكم على القضايا الدينيّة والحسية والعقلية والجمالية والأخلاقية، وغيرها. فنحن (نحكم) ببطلان التّناسخ، وبطلان التّثليث، وقُبْحُ الكذِب عقلاً، وحرمته شرعاً، إلا في أحوال قليلة منصوص عليها،... إلخ. ومنه قوله، جلّ وعلا: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ؟!(35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ؟!(36)﴾، (القلم؛ 68: 35-36).

(5)- فضّ النّزاع، والفصل في الخصومات، على وجه الإلزام. أي القضاء، وهو إحدى سلطات الدّولة الرّئيسية (السّلطة التّشريعيّة، والسلطة التّنفيذيّة، والسّلطة القضائيّة). ويُسمّى القاضي أيضاً (حاكماً)، وما يتلفظ به: (حُكْماً).

(6)- رعاية الشؤون والإدارة والتنفيذ، أي السّلطة التّنفيذيّة في الدّولة، ويسمّى القائم بذلك: (حاكماً)، كما قد يُسمّى (والياً)، أو (وليّ أمر)، أو (سلطاناً)، أو حتى (ملكاً). وقد شاع في العصور المتأخرّة استخدام لفظ (حكومة) لِقِمَّةِ السّلطة التّنفيذيّة، أي لمجلس الوزراء، وكذلك بمعنى جهاز الحكم في الدّولة.

(7)- التّشريع، وسنُّ الدّساتير والقوانين والأنظمة واللّوائح، أي ما تقوم به السّلطة التّشريعيّة في الدّولة، بل ويندرج تحت هذا حتّى وضع مبادئ الأخلاق والسلوك والآداب، والأعراف الاجتماعيّة، لأنه في حقيقته تشريع، وتحديد للقيم. وإن كانت السّلطات الدّنيويّة في الدّول والحكومات لا تمارس هذا عادة، وإنما قد يمارسه الناس بمجموعهم بوصفهم مجتمعاً، أي جماعة تقوم بين أفرادها علاقات دائميّة.

والمعاني الأربعة الأخيرة، وهي: الفتيا في الأمور الشرعيّة، والقضاء، والتّنفيذ، والتّشريع، هي التي يجب حمل النّصوص الشّرعية عليها كلها، إلا إذا وردت قرينةٌ مخصِّصة.

 

وقد تستخدم لفظة (الدّين) أضيق من ذلك لتعني فقط الحكم والقضاء:

* كما جاء عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود في مصنف عبد الرزّاق (8/147/14664) بإسناد جيّد: [أخبرنا عبد الرزّاق عن عاصم عن زرّ بن حبيش قال: قال ابن مسعود: السّحت: الرّشوة في (الدّين)؛ قال سفيان: يعني في (الحكم)]؛

* وهو أيضاً في أخبار القضاة (1/38 وما بعدها): [أَخْبَرَنِي إسحاق بْن حسن؛ قال: حَدَّثَنَا أَبُو حذيفة؛ قال: حَدَّثَنَا سُفْيَان، عَن عاصم، عَن زرّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ: (السُّحْت): الرشا في (الدين)].

 

فهذا الذي أسلفناه هو المعنى الشّرعي الأول، والأهمّ، للفظة «الدّين»: الذي هو الطّريقة المعينة للعيش، أي نظام الحياة، أي الشّريعة العامّة المتّبعة، شاملاً الحكم والقضاء بالضّرورة.

 

فالإسلام دين، وهو الدّين الحقّ الذي لا يقبل الله في الآخرة سواه، و«العلمانيّة»، أو «اللآئكية»، ، أو بلفظ أدقّ: «الدنيويّة»، دين، وهي دين باطل، وكذلك الديموقراطيّة الليبراليّة الغربيّة، دين آخر من أديان الباطل والكفر، والاشتراكيّة الماديّة دين ثالث من أديان الكفر والضّلالة.

 

أما المعنى الثّاني الذي استخدمت فيه لفظة «الدّين» شرعاً، وهو كذلك لغةً، فهو: الحساب والجزاء، كما هو في قوله تعالى: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، أي يوم الحساب والجزاء، وقوله تعالى حكاية لكلام الكفار: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ؟!﴾، (الصافات؛ 37: 53)، أي أئنّا لمحاسبون مجزيّون؟!

 

واختصاص الوحي بـ «الدّين»، لا يعني بحال من الأحوال أن الوحي لا يأتي في شيء من شؤون الدّنيا قطّ، بل هو قد يأتي في البعض، أو الكثير منها، فـ﴿اللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ، (الرعد؛ 13: 41)؛ وهو ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ، مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ، (القصص؛ 28 : 68)؛ وهو: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ، (هود؛ 11 : 107)، (البروج؛ 85 : 20)؛ وهو ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، (الأنبياء؛ 21 : 23): فقد علَّمَ نوحاً، بالوحي، صناعة السفينة، وهو أمر «دنيويّ» محض، وعلّم داود صناعة الدّروع وألبسة الحرب، وعلّم سليمان منطق الطّير، ونفراً من الأنبياء بعض الطّب والمعالجات، وكل ذلك من شؤون الدّنيا يقيناً، جاء بعضه على وجه العادة والمنّة والنّعمة، والآخر على وجه المعجزة لأنبيائه، أو الكرامة لأنبيائه ولأوليائه.

 

كما أخبر تعالى عن أشياء كثيرة من واقع هذا الكون المحسوس، فمن ذلك تعليم وإرشاد، ومنه معجزات لأنبيائه، وبراهين على صدقهم وتبليغهم عنه، ومنه غير ذلك؛ غير أن وظيفة «الوحي» الأساسيّة تبقى شؤون «الدّين»، أي الإخبار عن الله بمراده، وأمره ونهيه، وخبره عن نفسه المقدّسة، وغيبه، وعن اليوم الآخر.

 

فصل: الإسلام عقيدة عقلية ينبثق عنها نظام:

فالدّين الإسلامي إذاً: ليس فقط عقيدة روحيّة، يقوم عليها نظام أخلاقيّ فحسب، وترتبط بها شعائر تعبديّة، أي ليس (ديناً) بالمفهوم الغربي (religion)، ولكنه بالإضافة إلى ذلك «مبدأ» أي: عقيدة ينبثق عنها نظام، وهو ما يسمَّى في الإنجليزية: (Ideology) في وضع اللفظ الأصلي، إلا أن هيمنة الرأسمالية السائدة في الغرب في القرن التاسع عشر الميلادي على أجهزة الدول ووسائل الإعلام مكنها في صراعها مع الأحزاب الاشتراكية والثورية الناشئة آنذاك، وهي أحزاب مبدئية إديولوجية تفتخر بذلك، من إلقاء ظلال سلبية على لفظة (Ideology)، التي أصبحت تعني الخيالية وقلة المرونة والعجز السياسي. وهذا شبيه بما أصاب لفظة (Fundamentalism) من تحريف لمعناها الأصلي الجميل، ثم قامت الصحافة العربية بترجمتها بـ(الأصولية)، واستخدمتها، بخبث أو غباء، بالمعنى المحرَّف الممسوخ.

 

والعقيدة الإسلاميّة عقيدة عقليّة، لأنها تقوم على العقل، أي على مبدأ «العلة الكافية» الذي يلزم بإيجاد تفسير لوجود هذا الكون: أهو واجب الوجود، مكتف بذاته، غني بذاته، فإن لم يكن كذلك فمن أوجده، ولِمَ هو موجود أصلاً؟! ولا يقبل أن يتحرّك خطوة إلى الأمام إلاّ بعد حسم هذه القضيّة الأولى، التي هي عنده: أولى القضايا، وقضية القضايا، وسترى في هذا الكتاب، ولو بشكل مجمل صدق مقولتنا: أن العقيدة الإسلاميّة عقيدة عقليّة، وأنها هي وحدها العقيدة الصّحيحة.

 

والعقيدة الإسلاميّة كذلك عقيدة روحيّة لأنها تقوم:

أولاً: على التّصديق الجازم، واليقين الرّاسخ، القائم على البراهين اليقينية القاطعة، أي على (العلم) بوجود الله، تبارك وتعالي، وأنّ له هو فقط «الخلق والأمر»، أي أنه خلق الكون ولم يعتزل أو يتقاعد، تعالى الله عن ذلك عُلوًّا كبيراً، ولكنّه يأمر وينهى، ويرسل الرّسل، وينزّل الكتب، ويسنّ الشّرائع، ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، (القصص؛ 28 : 68)؛ ﴿... إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾، (المائدة؛ 5: 1)؛ ؛ وذلك خلافاً، وبالمناقضة التّامة، للمذاهب الماديّة والإلحاديّة.

وثانياً: على وجوب إدراك الصّلة بالله، ووجوب الإقرار بها ظاهراً وباطناً، وحتميّة التّسليم لموجبها تسليماً تاماً مُطلَقاً بدون قيد أو شرط، وجعلها أساس جميع العلاقات، وكافة النّظم والتّشريعات، وذلك خلافاً، وبالمناقضة التّامة، للمذاهب العلمانية، والدّنيوية، واللّيبرالية، واللاّ-أدرية.

 

والعقيدة الإسلاميّة هي كذلك عقيدة سياسيّة، لأنّ نظامها يشمل كافّة تشريعات الحياة، بما في ذلك علاقات الحاكم بالمحكوم، ورعاية الشّؤون العامّة، وعلاقة الأمّة والجماعة والدّولة بغيرها من الأمم والجماعات والدّول في العالم.

 

وفي مقابل ذلك فإن «الاشتراكيّة الماديّة»، «مبدأ»، أي عقيدة ينبثق عنها نظام، فهي إذاً «دين» بالمعنى الموضح أعلاه. والعقيدة الأساسيّة التي تقوم عليها الاشتراكيّة هي «الماديّة»، وخصوصاً «الماديّة الجدليّة». و«الماديّة»، بشتّى مذاهبها التفصيليّة، ليست عقيدة عقليّة، وإن زعمت ذلك، لأنّها تقوم على «التّسليم» بأزليّة المادّة بخصائصها الأساسيّة، أي أن المادّة «واجبة الوجود»، «أزليّة»، «قديمة»، من غير تقديم برهان على ذلك، إلا الادعاء المحض والزعم المجرد. وغاية ما لدى المادّيين هو محاولة التّشكيك والطّعن في البراهين القاطعة المثبتة لوجود الله. وهذه العقيدة هي بداهة عقيدة ماديّة، ومن المحال أن تكون عقيدة روحيّة، لأنّها تنكر وجود أي شيء وراء المادّة، فهي من ثَمَّ تنكر من باب أولى وجود الله، تعالى وتقدس.

 

والعلمانيّة الليبراليّة الرأسماليّة هي الآن، بعد نضجها وتمام تطوّرها، قد أصبحت أيضاً «مبدأ» أي عقيدة ينبثق عنها نظام، فهي إذاً «دين» بالمعنى الموضّح أعلاه. وعقيدتها الأساسيّة هي «الحلّ الوسط»، الذي كان في الأصل حلاًّ وسطاً عمليًّا لإنهاء الصّراع الرّهيب الذي دار بين رجال الدّين والكنيسة من جانب، والملوك ورجالات الدّولة والمفكّرين من جانب آخر، ثمّ تمّ تطويره على أيدي الفلاسفة والمفكّرين حتى أصبح «فكرة» تزعم أن «وجود الله» ليس قضيّة برهانيّه؛ وأن كافة الأبحاث (الماورائية) فارغة، لا معنى لها. فالإنسان هو إذاً الذي يضع، بالضّرورة، نظامه بنفسه لنفسه، ولا بدّ ضرورة من إطلاق جميع الحريّات حتى يتمكّن الإنسان من ذلك على أحسن صورة.

 

فالعلمانية في أوّل نشأتها مجرّد «حل وسط»، أي مجموعة من الإجراءات والاتّفاقات لا تَرَابُط بينها لحلّ مشكلة الصّراع، وليست هذه هي صفة المبدأ، وإنما أصبحت مبدأً بعد ذلك بزمن طويل. والعقيدة العلمانيّة، حتى بعد تمام تطويرها، ليست عقيدة عقليّة، لأنه من المحال أن يكون الله، جلّ جلاله، موجوداً ومعدوماً في آن واحد، ومن المحال أن تكون هذه المسألة الأساسيّة ليست برهانيّه، والتهرّب من البرهان ليس برهاناً، والتّشكيك في البرهان أيضاً ليس برهاناً. ولمّا كان وجود الله ليس مأخوذاً في الاعتبار ها هنا، فمن المحال أن تكون العقيدة العلمانيّة عقيدة روحيّة.

 

لذلك فنحن نؤكد ها هنا مرة أخرى أهمية التّمييز بين:

(1)- ما هو من «الدّين»: أي من «أمور الدّين»، أي الشّريعة العامّة، ومتعلّقاتها من «الحضارة» و«الثقافة»، و«المدنيّة الخاصة»، فهذه لا يجوز أن يأخذها المسلم من غير المسلمين أصلاً، ولا يجوز أن تنبني إلا على نصوص الوحي.

(2)- وما هو من «الدّنيا»، أي من «أمور الدّنيا»، أي العالم المحسوس، وخواصّه وقوانينه، وما يتعلق به من «مدنيّة عامّة»، من علوم وحِرَف ومِهَن ومهارات، وكذلك وسائل وأساليب لتنظيم المباحات، كالنُّظم الإجرائيّة، واللّوائح الإداريّة التّنظيميّة، فهذه يجوز تبنّيها، والاستفادة منها، من غير خوف أو حرج.

 

غير أن الهجمة الغربية الشّرسة على العالم الإسلامي في هذا العصر، ووقوع أكثر بلاد المسلمين تحت الاستعمار الغربي الكافر المباشر، وبقائها جميعها تحت الاستعمار الخفي، غير المباشر، حتى هذه اللّحظة، أحدث عند بعض المسلمين ردّة فعل متشنّجة منعتهم من الاستفادة من عناصر المدنيّة العامّة، أو تعلّم العلوم والمعارف الهندسيّة، أو اقتباس النّظم والإجراءات الإداريّة. وردود الأفعال المتشنّجة هذه تنبي، في الغالب، عن «روح الهزيمة» التي تفرض على صاحبها مواقع الدّفاع وردود الأفعال السلبيّة، بدلاً من عقليّة الهجوم، وأخذ المبادرة، والإقدام على الفعاليّات البنّاءة الإيجابيّة.

 

هذا الشعور بالهزيمة، وعقليّة الحصار والـ«غيتو»، (Getto)، هو الّذي دفع بالكثير من النّاشطين والقياديّين الإسلاميّين إلى مواقف متشنّجة، وأقوال شنيعة مخبولة، تشبه أحياناً أقوال «المهووسين»، و«المُوَسوسين»، بل و«نزلاء مستشفيات الأمراض العقليّة» في بعض الأحيان؛ ودفع بالبعض الآخر إلى العزلة والتّقوقع واليأس من الدّنيا والنّاس، والدّعاء بسرعة مجيء «المهديّ المنتظر»، (عجَّل الله فرجه!!).

 

ونحن نؤكّد ها هنا للجميع أنّ النّظر إلى أحوال الشّعوب الأخرى، والاستفادة من تجاربها، واقتباس الجيّد الناضج من وسائلها وأساليبها ليس هو فقط مما يقتضيه العقل السّليم: أن يستفيد الإنسان من الثّمرة المتاحة، والنّتائج الجاهزة، فيوجّه جهده إلى الإبداع في الاختراع وفي إنشاء الجديد، بدلاً من إعادة اختراع ما اخترعه الآخرون، واجترار تجاربهم، أي «إعادة اختراع العجلة»، كما يقولون.

بل إنّه أيضاً ما جاءت به هذه الشّريعة المباركة الخاتمة التي نزلت من عند ذي الجلالة الإلاهيّة، على محمّد خاتمة أنبياء البشريّة:

* كما هو في «الموطّأ»، (ج2/ص607/ح1269)، حيث أخرج الإمام مالك: [عن محمّد بن عبد الرّحمن بن نوفل أنّه قال: أخبرني عروة ابن الزّبير عن عائشة أم المؤمنين عن جُدَامَة بنت وهب الأسديّة أنّها أخبرتها أنّها سمعت رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، يقول: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ؛ حَتَّى ذَكَرْتُ أَنَّ الرُّومَ وَفَارِسَ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ فَلاَ يَضُرُّ أَوْلاَدَهُمْ!»، قال مالك: «الْغِيلَةِ» أن يمس الرجل امرأته وهي تُرضع]. هذا إسناد صحيح، بل هو غاية في الصّحة والجلالة. والحديث صحيح ثابت، لا علّة فيه، وقد أخرجه الإمام مسلم، (ج2/ص1067/ح1442)، وأيضاً من طرق صحاح كثيرة أخرى، وكذلك كلّ من الأئمة التّرمذي، والنّسائي، وأبو داود، وأحمد من طرق كثيرة كعادته الحميدة، والدّارمي وغيرهم.

 

ونسارع فنقول: لسنا ها هنا بصدد مناقشة مستفيضة لـ«همّ الأنبياء»، هل هو معصوم موافق للحقّ، أم أنّه يأتي وفق الطبّيعة البشريّة، فقد يكون همًّا بحقّ، وقد يكون همًّا بباطل، وحينئذ يصرِف الله النّبي عن أي فعل أو قول أو إقرار يترتّب على هذا الهمّ الباطل. لسنا بصدد المناقشة التّفصيلية لذلك، ونحيل إلى بحثنا المسمَّى: «همّ الأنبياء»، حيث أقمنا البرهان القاطع على أن: (همّ الأنبياء ليس معصوماً)، ومن ثمّ ليس بحجّة تشريعيّة، أي أنّه يأتي وفق الطبّيعة البشريّة، تماما كـ(الظّن)، فقد يكون همًّا بحقّ، وقد يكون همًّا بباطل، فإذا كان بباطل صرف الله النبيّ عن أي فعل أو قول أو إقرار يترتّب على هذا الهمّ الباطل. هذا الصّرف يكون من الله بالكيفيّة الّتي يريدها الله، جلّ جلاله، وسمى مقامه: ذهاب الهمّ فقط وعدم انعقاد الإرادة والعزيمة، أو وحي مانع من إنفاذ الهمّ، أو بإلهام حكم بديل، أو بما شاء الله العزيز الحكيم.

 

وفي هذه الواقعة المعينة، المذكورة أعلاه: عصم الله، جلّ جلاله، نبيَّه من النّهي عن الغيلة، التي «همَّ» بالنّهي عنها خشية الضّرر للولد، وصرف (همَّه) بإلهامه سنّة جديدة: النظر في أحوال الشعوب الأخرى والاستفادة من تجربتها التي تفيد في هذه الجزئية المخصوصة أنّ ممارسة شعوب بأكملها للغيلة من غير ظهور ضرر لأولادها بالرّغم من تطاول الأزمنة، وتعاقب العصور.

 

ولمَّا كان، عليه وعلى آله الصّلاة والسلام، إنما همّ بالنّهي عن الغيلة حماية لصحّة الولد، ومنعاً للضّرر عن النّشأ، وهو أمر يدرك بالحسّ والعقل مباشرة، جاز النّظر إلى تجارب الشّعوب، لا فرق بين مؤمن وكافر، ووثنيّ وكتابيّ، ومن باب أولى يجوز النّظر إلى نتائج البحث العلميّ والطبّي الموثوقة المؤكّدة لحسم المسألة، وهو ما ألهم الله نبيّه به، فللّه الحمد والمنّة، لا إله إلا هو عليه نتوكّل، وبه نستعين.

 

ولم يكتف هو، عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام، بالنّظر، بل وجَّه غيره إلى نفس الفعل، أي إلى النّظر في تجارب الأمم والشعوب، وإلى نتائج البحث العلمي والطبّي الموثوقة المؤكّدة، كما جاء:

* في «صحيح مسلم»، (ج2/ص1068/ح1443): [حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ - وَاللَّفْظُ لاِبْنِ نُمَيْرٍ – قَالاَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ، حَدَّثَنِي عَيَّاشُ بْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ أَخْبَرَ وَالِده سَعْدَ بْنَ أَبِى وَقَّاصٍ، أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، صلّى الله عليه وسلّم، فَقَالَ: (إِنِّي أَعْزِلُ عَنِ امْرَأَتِي؟!). فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ، صلّى الله عليه وسلّم: «لِمَ تَفْعَلُ ذَلِكَ؟». فَقَالَ الرَّجُلُ: (أُشْفِقُ عَلَى وَلَدِهَا (أَوْ عَلَى أَوْلاَدِهَا)). فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلّى الله عليه وسلّم: «لَوْ كَانَ ذَلِكَ ضَارًّا ضَرَّ فَارِسَ وَالرُّومَ!». وَقَالَ زُهَيْرٌ فِي رِوَايَتِهِ: «إِنْ كَانَ لِذَلِكَ فَلاَ: مَا ضَارَ ذَلِكَ فَارِسَ وَلاَ الرُّومَ!»]؛ وهو أيضاً في «مسند الإمام أحمد»،(ج5/ص203/ح21818)؛ وأخرجه الإمام الطّبراني في «المعجم الأوسط»، (ج1/ص65/ح182)؛ وفي «سنن البيهقي الكبرى»، (ج7/ص465/ح15463)؛ وغيرها بأسانيدهم، وكلّها صحاح، بمثل حديث زهير بن حرب عند مسلم.

 

قلت: تأمَّل قوله، صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم: «إِنْ كَانَ لِذَلِكَ فَلاَ: مَا ضَارَ ذَلِكَ فَارِسَ وَلاَ الرُّومَ!» فهو متضمّن لما قلناه آنفاً، إلاّ أنّه ها هنا في مقام تعليم السّائل، فثبت قولنا بلا شبهة، والحمد لله رب العالمين.

 

* وهذا أيضاً ما كان عليه الخلفاء الراشدون المهديّون بمحضر من الصّحابة وإجماعهم، حيث اقتبسوا كل الفنون العسكريّة التي كانت في عصرهم، وفنون الريّ والصّرف في العراق، وكذلك اللّوائح والتّراتيب الإداريّة المتعلّقة بالوسائل والأساليب. بل إنّهم لم يروا بأساً بإبقاء أكثر الدّواوين بغير اللّغة العربيّة، وإنّما عرِّبت الدّواوين بكاملها في عهد الدّولة الأمويّة.

 

ونحن بهذه المناسبة ننصح أنفسنا وإخواننا الدّعاة إلى الله في هذا العصر الأغبر، أن يتجاوزوا ردود الأفعال هذه لأنّها تدفع الإنسان من باطل إلى باطل آخر، قد يكون شرًّا من الباطل الذي فررنا منه، وهذه هي مصيبة «الخوارج»، الغلاة المارقين: ردّ فعل على تساهل وتقصير، أكثره يسير وقليل منه كبير، انقلب إلى تشدد وغلوٍّ ومروق: كلّه كبير مهلك مدمّر، هو شرّ من التّساهل والتّقصير بمراحل.

 

ومن أمثلة هذا التّشنّج المَرَضِيِّ، والغلوّ المقيت، ما قاله الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز في كتابه «الجامع في طلب العلم الشّريف»، (الجزء الثاني، ص 778)، تحت عنوان (بدعة وضع الدّساتير): [فوضع الدّساتير - وكما ذكرنا في العجالة السّابقة - من الثّمار الخبيثة للعلمانيّة التّي هي الجاهليّة المعاصرة، وقد وضع الكفّار هذه الدّساتير لأنّهم ليس لهم دين صحيح أو شريعة مستقيمة يرجعون إليها، وقد ذاقوا الويلات من شريعتهم المحرّفة التّي يبدّل فيها الأحبار والرّهبان كما يشاءون بناء على قرارات المجامع الكنسيّة. فاصطلح الكفّار على وضع كتب تحقّق مصالحهم بحسب ما تدركه عقول البشر القاصرة، وهي الدّساتير، وصاروا يحتكمون إليها كأنّها كتب سماويّة،... إلخ]

فأقول: هذا كلام مؤسف، ويزداد الأسف أن يصدر من طالب علم جيّد، لا يشكّ في إخلاصه، ومنابذته لأئمّة الكفر ورؤوس الضّلالة، المتسلّطين على رقاب المسلمين أو هكذا كان قبل (المراجعات) أو بالأحرى: (التراجعات) المؤسفة مؤخراً.

 

لا سيما وأنّ «صحيفة المدينة»، وقصة كتابتها بمجملها، ثابتة صحيحة، هي في الحقيقة «دستور» بكلّ معنى الدّستور، ولعلّه أوّلُ دستور مكتوب وُضع في العالم، كما أشبعناه تأصيلاً وتفصيلاً في بحثنا المنشور المعنون: «صحيفة المدينة الدستورية». هذه الحقيقة الثابتة، إذا أُخذت مع مجموع الأدلّة والمناقشة أعلاه، خليقة بأن تحدث علماً ضروريًّا بأنّ الوثائق الدّستورية سنّة حميدة، وليست بدعة ذميمة، كما زلت القدم بالشّيخ عبد القادر تلك الزلة القبيحة الشنعاء. ونحسب أن مقولته تلك جاءت ردّ فعل للهجمة العلمانية الشّرسة، فانتقل الشّيخ من غلوٍّ إلى الغلوِّ المقابل: (ودين الله وسط بين الغالي فيه، والجافي عنه).

 

بل لعلي أبالغ فأقول: ليست الوثائق الدّستورية مجرد سنّة حميدة، بل هي ضرورة ملحة في العصور الحديثة التي (تغولت) فيها (الدولة)، وأصبحت تتدخل في معظم شؤون الحياة. نعم: هي ضرورة ملحة لكبح جماح (الدولة) الحديثة ومنعها من التحول إلى (رب) يعبد ويتولَّى من دون الله، أو وحش قمعي كاسر: هذه ليست من النوافل والمستحسنات، كلا والله: إنها قضية حياة أو موت.

 

كما ندعوا الجميع، بهذه المناسبة، إلى مراجعة كافة مشاريع ومسودّات الدّساتير الإسلاميّة التّي صدرت خلال القرن الفائت مراجعة تشريعيّة دقيقة، وتبنّي الأقوى دليلاً والأدقّ صياغة من بنودها، ثمّ استكمال نواقصها، والخروج بمشروع منقّح متين يصلح دستوراً وأساساً للدّولة الإسلامية، دولة الخلافة عند تأسيسها، قريباً بإذن الله.

 

ولا بأس في هذا كلّه من الاستفادة من أساليب الصّياغة الفقهيّة والقانونية الموجودة عند الشّعوب الأخرى، وبالأخصّ في الغرب، لأن ذلك الفنّ بلغ عندهم شأناً عظيماً، في حين أن الفقه الإسلامي جَمُد ثمّ تدهور بعد عصوره الزّاهرة فتوقَّفت الصّياغة الفقهيّة والقانونيّة عند الأحكام الجزئيّة، وبعض القواعد الفقهيّة ودراسة الأشباه والنّظائر، ونحو ذلك، في حين أنّ الفقه الغربي تقدّم إلى مرحلة النّظريّات الفقهيّة: نظريّة الحقّ، نظريّة العقود، نظريّة الالتزام،.. إلخ.

 

هذه الصّياغات كلّها من باب الوسائل والأساليب، ولا علاقة لها بمرجعيّة التّشريع، أي لا علاقة لها بالسّؤال: لمن السيادة النهائية العليا؟ أي: من هو السيد المشرع الحاكم الأعلى؟ وإنما هو متعلق بالسؤال: كيف يصوغ الفقيه ما استنبط من أحكام؟ وما هو الأسلوب الأمثل في التّحليل والتّركيب والتقعيد والتفريع والتبويب والترتيب؟ لذلك لا بأس من اقتباسه، بغضّ النّظر عن مصدره. فليس الأمر كما يوسوس رجالات الفرقة الوهابية، الذين تنتفخ أوداجهم، وتحمر عيونهم، ويصابون بما يشبه (الصدمة التحسسية) إذا سمعوا لفظة (قانون)!!

 

فصل: تعريف الإسلام

الإسلام: (هو الدّين المنزّل من الله، سبحانه وتعالى، الإله الواحد الأحد، على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدّنا محمّد، صلّى الله وبارك عليه وعلى آله وسلّم تسليماً كثيراً). وهو الدّين الأخير الخاتم، الذي نسخ الله به جميع الأديان السّابقة نسخاً نهائيًّا كاملاً، بما فيها من حقّ وباطل، فلم يعد الله يقبل من أحد غيره، ولن ينجوا أحد في الآخرة إلا به. فأساس الإسلام، وقاعدته الصلبة، هي شهادة (أن لا إله إلاّ الله، وأن محمداً رسول الله).

 

ومعنى لفظة «إسلام» لغةً: هو الخضوع والتسليم، فيكون جوهر الإسلام إذاً هو: [طاعة الله، والاستسلام المطلق، والانقياد التّام له، المبنيّة على الإقرار الجازم لله بـ(الحاكمية)، وهي السيادة العليا النهائية، أي: بحقه الذاتي في الأمر والنهي، حقاً مطلقاً من غير قيد أو شرط، (إلا ما أوجبه أو حرمه على نفسه، أو شرطه عليها)؛ لأنه هو (الله) الذي لا إله إلا هو، الواحد الأحد، الحي القيوم، فاطر السموات والأرض، رب العالمين: فعال لما يريد، وهو على كل شيء قدير، يخلق ما يشاء ويختار، وهو بكل شيء عليم؛ والكفر بسائر الأرباب والأنداد والطّواغيت، والبراءة منها، ومن أهلها].

* قال تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، (آل عمران؛ 3: 85).

* وقال جلّ جلاله، وسما مقامه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، (آل عمران؛ 3: 19).

* وقال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، (البقرة؛ 2: 132).

* وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، (آل عمران؛ 3: 102).

* وقال تعالى: ﴿فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾، (آل عمران؛ 3: 20).

* وقال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾، (الزمر؛ 39: 54)

* وقال جل جلاله، وسما مقامه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، (المائدة؛ 5: 3).

 

وقد تُطلق ألفاظ «إسلام»، ولقب «المسلمين» على الأمم والأديان السّابقة، في مثل قوله تعالى عن التوراة: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، (المائدة؛ 5: 44)، وقوله عن يعقوب، وبنيه، صلّى الله عليهم وسلّم: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ: يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، (البقرة؛ 2: 132)، وقوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُون!!﴾، (آل عمران؛ 3: 83)، ونحوها، ويراد بها المعنى الأصلي في اللّغة، وهو الخضوع والتّسليم، أي المعنى المذكور أعلاه، ألا وهو: [طاعة الله، والاستسلام المطلق، والانقياد التّام له، المبنيّة على الإقرار الجازم لله بـ(الحاكمية)، وهي السيادة العليا النهائية، أي: بحقه الذاتي في الأمر والنهي، حقاً مطلقاً من غير قيد أو شرط، (إلا ما أوجبه أو حرمه على نفسه، أو شرطه عليها)؛ لأنه هو (الله) الذي لا إله إلا هو، الواحد الأحد، الحي القيوم، فاطر السموات والأرض، رب العالمين: فعال لما يريد، وهو على كل شيء قدير، يخلق ما يشاء ويختار، وهو بكل شيء عليم؛ والكفر بسائر الأرباب والأنداد والطّواغيت، والبراءة منها، ومن أهلها].

 

فجميع الأنبياء السابقين، ومن أمن بهم وتبعهم، كانوا على خير، وهدى، و«إسلام»، ولكنهم لم يكونوا على «الإسلام»، المعرف بالألف واللام، ومحال أن يكونوا قد كانوا على هذا «الإسلام» المعرَّف، لأنه، بوصفه دينا شاملاً للعقائد والشرائع، لم يكن قد أنزل بعد على خاتم الأنبياء والمرسلين محمّد بن عبد الله، صلّى الله وبارك عليه وعلى آله وسلّم تسليماً كثيراً. وأما بعد بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين محمّد، صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم وبارك، فلم يعد هناك «إسلام»، أصلاً، إلا في «الإسلام».

 

 

 

فصل: معنى (لا إله إلاّ الله)

معنى (لا إله إلاّ الله) هو: لا شيء يتمتّع بصفات «الألوهيّة»، أي بالقدرة الذاتية على الفعل، قدرةً مستقلّةً استقلالاً مطلقاً عن الغير: وبخاصة القدرة على أفعال الخلق من عدم؛ والتّصوير، والتّكوين، والتّدبير؛ والعلو والقهر، والأمر والنّهي؛ فعلاً بالاختيار والإرادة الذاتية المستقلة، الحرة الطليقة، المنزّهة عن كلّ قيد أو شرط، وليس فعلاً بالضرورة والاضطرار؛ لا شيء يتّصف بذلك إلاّ الله؛ وبما تقتضيه ضرورة العقل في حق (الإله الحق) من الاتصاف بـ«القيّوميّة» أي «وجوب الوجود»، أي القيام بالنّفس والغنى عن الغير؛ والعلم الكشفي الضروري الشامل المحيط لما كان، وما يكون، وما يمكن أن يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون؛ لا شيء يتّصف بشيء من ذلك إلاّ الله؛ وإن نسب بعض ذلك إلى غيره، فكذب وإفك، وخيال باطل ووهم، خلاف الواقع والحقيقة.

* قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، (الحج؛ 22: 62)؛

* قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، (لقمان؛ 31: 30).

* وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾، (محمد؛ 47: 19).

 

ــ وإن شئت فقل في معنى (لا إله إلاّ الله): لا شيء يستحق أن يطاع لذاته طاعة مطلقة من غير قيد أو شرط، فيُتلقّى أمره بالقبول والرّضا، والتّسليم والمحبّة، والاحترام والتّعظيم والطّاعة، إلاّ الله، وغيره فإنّما يُطاع بأمر الله، ولا يُعرف أمر الله إلاّ بالبرهان اليقينيّ القاطع!

ــ وإن شئت فقل في معنى (لا إله إلاّ الله): لا أحد يستحقّ أن يُحبّ، ويطلب قربه، ويرجى بره وإحسانه؛ وأن يُعظّم، ويقدّس، ويُتذلّل له؛ وأن يُطاع ويخضع لأمره ونهيه، ويخشى عقوبته ونقمته، محضاً له، ولأجل ذاته، إلاّ الله: لما له من صفات الكمال والجمال والجلال، ولما له من قدرة كلية ذاتيّة مستقلّة على الضّر والنّفع.

ــ وإن شئت فقل في معنى (لا إله إلاّ الله)، كما قال ربُّك: ﴿أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، (الأعراف؛ 7 : 54).

ــ وإن شئت فقل في معنى (لا إله إلاّ الله)، كما قال ربُّك، حاكياً مقولة يوسف، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آبائه وأجداده، الجامعة المانعة: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، (يوسف؛ 12: 40 ).

 

 

فالشّهادة، إذًا، لها رُكنان:

الأوّل: رفض أزلية المادة أو الطبيعة أو الكون؛ وإثبات كافّة خصائص الألوهيّة لله تعالى، وبخاصة أفعال الخلق والتّكوين والتّصرف والتّدبير، والنّفع والضّر؛ والإرادة والاختيار الحر؛ وكذلك العلم والتّقدير؛ وإثبات كل صفات الكمال والجمال والجلال له؛ وقمة ذلك، وذروة سنامه: الإقرار بـ(الحاكمية)، وهي السيادة العليا النهائية، أي: أحقية الأمر والنّهي النهائية العليا له، جل جلاله، ذاتياً على وجه الاستقلال، وحده لا شريك له؛

 

الثاني: نفي أي شيء من (الألوهية) عن غير الله نفياً باتًّا قاطعاً مطلقاً! فلا بُدّ إذاً من رفض كلّ «إله»، أو كل «نِدٍّ» من دون الله، أو كلّ «رب من دون الله»، والبراءة منه، أي: لا بد من الكفر بكل ذلك: لأن «الكفر» هو البراءة والرفض:

* قال تعال: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، (البقرة؛ 2: 256).

* وقال تعالى، حاكيا عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام مثنياً عليه بذلك: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27)﴾، (الزخرف؛ 43: 26-27).

* وفي الصّحيح عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنّه قال: «من قال لا إله إلاّ الله، وكفر بما يُعبد من دون الله، حَرُمَ ماله وَدمُهُ، وحِسابه على الله عزّ وجلّ».

 

فالشّهادة، إذًا، إثبات ونفي: إثبات كل صفات وخصائص الألوهية لله تبارك وتعالى؛ ونفي أي اعتبار من اعتبارات الألوهية عن غيره نفياً باتاً مطلقاً؛ أي الكفر بكل الطّواغيت، وهو: رفض نسبة أي اعتبار من اعتبارات الألوهية إلى غير الله غيره نفياً باتاً مطلقاً، وإلاّ فلا انعقاد للإسلام، ولا نجاة في الآخرة.

 

فصل: معنى (محمد رسول الله)

إنّ محمّداً هو المُبلّغ عن الله تبليغًا معصومًا، لا يتطرّق إليه نقص أو زيادة، ولا خطأ أو كذب أو نسيان. نعم: هو، صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، بشر ينسى، ولكن من المحال الممتنع أن يؤثّر نسيانه على التّبليغ عن الله، لأن الله، جلّ جلاله وسما مقامه، قد تكفّل بحفظ الذّكر، وبتذكيره إذا نسي، حيث قال: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ (الأعلى؛ 87:6 - 7)، وفي غير موضع كما سيأتي؛ وربّما جعله ربُّهُ ينسى، ليَسُنَّ لأمّته الأحكام المتعلّقة بالنّسيان، فهو خير الأُسوة، ونعم القُدوة.

 

وهو، صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، لا ينطق عن الهوى، ولا يتلفّظ إلاّ بحقّ، ولا يتكلّم إلاّ بعلم من الله، ولا يُقدّم بين يدي ربّه، إذا سُئِل في أمر جديد، بل يسكت وينتظر، حتى يأتيه الوحي بحكم الله. فهو مُبلِّغٌ عن الله فحسب، وهو لا يجتهد، ولا يحتاج أن يجتهد، ولا ينبغي له أن يجتهد، وقد نزّهه الله عن الاجتهاد، ولكنّه شرّف أمّته ورحمها بإثابة كل مجتهد، مصيباً كان أم مخطئاً، فمن أصاب فله أجران، أو أكثر، ومن أخطأ فله أجر واحد!!

 

وقولنا عنه، صلى الله عليه وعلى آله وسلّم، أنه (لا يجتهد، ولا يحتاج أن يجتهد، ولا ينبغي له أن يجتهد، وقد نزّهه الله عن الاجتهاد) نقصد به الاجتهاد بمعناه الفني عند علماء أصول الفقه، ألا وهو: (استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية).

 

فمعنى (محمّد رسول الله) إذًا: لا متبوع بحقّ إلاّ رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، وغير رسول الله، صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، لا يُتَّبَعُ ولا يطاعُ، إلاّ بأمرٍ من الله ورسوله، ثابت بالبرهان القاطع عنهما، ومن اتّبع فيما لا برهان عليه فقد اتّبع بباطل.

 

وحتى الإتّباع في «الإباحة» يحتاج إلى دليل، لأنّ الإباحة حكم شرعي تكليفي، والإتّباع في المباح، أي في «الأحكام التّخييريّة»، كالإتّباع في غيره من «الأحكام التّكليفيّة»: من إيجاب أو ندب أو كراهية أو تحريم؛ أو الإتّباع في «الأحكام الوضعيّة»: من وضع لسبب أو شرط، أو مانع، أو رخصة، أو عزيمة، أو صحة، أو بطلان، أو فساد، سواءٌ بسواء. كلّ ذلك من أفعال العباد الاختياريّة الّتي لا يعرف حكمها الشّرعي إلاّ بالدّليل الشّرعي، ولا فرق.

 

أمّا ما يفعله النّاس بمشيئتهم واختيارهم، في زمن الفترة، قبل مجيء الرّسالة، وقيام الحجّة، فهو عدم تكليف، وليس هو «إباحة»، لأنّ الإباحة حكم شرعي «تكليفي»، لا يعرف إلاّ بعد ورود الشّرع عن طريق الوحي، أي بعد مجيء «التّكليف»، كما هو مبرهن عليه في رسالتنا هذه، ومفصّل بما لا مزيد عليه في كتابنا: (الحاكميّة، وسيادة الشّرع):

* وقال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾، (النّساء؛ 4: 65).

* وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً﴾، (الأحزاب؛ 33: 26)

* وقال تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾، (النّساء؛ 4: 81).

* وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً﴾، (النّساء؛ 4: 64)

* وقال تعالى: ﴿إِلَّا بَلَاغاً مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ: وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾، (الجن؛ 72: 23).

* وقال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ: وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ (14)﴾، (النّساء؛ 4: 65).

 

فصل: مــراتـب الـدّيـن (الإسلام، الإيمان، الإحسان):

وهذا التّرتيب مستنبط من حديث جبريل الصّحيح المشهور الذي قال فيه النبيّ صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم: «هذا جبريلُ جاء يعلّمُكم أمورَ دينِكم»؛ كما أخرجه الإمام البخاري والإمام مسلم، وغيرهما، عن أبي هريرة، رضي الله عنه؛ والإمام مسلم، وغيره، عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه؛ والإمام أحمد بإسناد صحيح عن عبد الله بن العباس.

* فقد جاء في صحيح الإمام مسلم (ج1/ص40/ح10) عن أبي هريرة: [حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ - وَهُوَ ابْنُ الْقَعْقَاعِ - عَنْ أَبِى زُرْعَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قال: قال رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «سَلُونِي» فَهَابُوهُ أَنْ يَسْأَلُوهُ. فَجَاءَ رَجُلٌ فَجَلَسَ عِنْدَ رُكْبَتَيْهِ. فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الإِسْلاَمُ قَالَ: «لاَ تُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ وَتُؤْتِى الزَّكَاةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ». قَالَ صَدَقْتَ. قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الإِيمَانُ قَالَ «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكِتَابِهِ وَلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ كُلِّهِ». قَالَ صَدَقْتَ. قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الإِحْسَانُ قَالَ «أَنْ تَخْشَى اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنَّكَ إِنْ لاَ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». قَالَ صَدَقْتَ. قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ قَالَ «مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ وَسَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا إِذَا رَأَيْتَ الْمَرْأَةَ تَلِدُ رَبَّهَا فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا وَإِذَا رَأَيْتَ الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الصُّمَّ الْبُكْمَ مُلُوكَ الأَرْضِ فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا وَإِذَا رَأَيْتَ رِعَاءَ الْبَهْمِ يَتَطَاوَلُونَ في الْبُنْيَانِ فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا في خَمْسٍ مِنَ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ». ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا في الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. قَالَ: ثُمَّ قَامَ الرَّجُلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «رُدُّوهُ عَلَىَّ» فَالْتُمِسَ فَلَمْ يَجِدُوهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «هَذَا جِبْرِيلُ أَرَادَ أَنْ تَعَلَّمُوا إِذْ لَمْ تَسْأَلُوا»]؛ وأخرجه مسلم في صحيحه (ج1/ص39/ح9)، (ج1/ص40/ح9)؛ والبخاري في صحيحه ج1/ص28/ح50، ج4/ص1793/ح4499؛ وابن حبان في صحيحه ج1/ص376/ح159؛ وابن خزيمة في صحيحه ج4/ص6/ح2244؛ وابن ماجه في سننه ج1/ص25/ح64، ج2/ص1343/ح4044؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج1/ص28/ح191، ج2/ص426/ح9497؛ وابن راهويه في مسنده ج1/ص212/ح206، ج1/ص212/ح207؛والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه ج6/ص157/ح30309، ج7/ص502/ح37557؛ وجمهور الأئمة.

 

* وجاء في صحيح الإمام مسلم (ج1/ص36/ح8) عن عبد الله بن عمر: [حدّثني أَبُو خَيْثَمةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدّثَنَا وَكِيعٌ. عَنْ كَهْمَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَىَ بْنِ يَعْمَرَ (ح) وَحَدّثَنَا عُبَيْدُ اللّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيّ. وَهَذَا حَدِيثُهُ: حَدّثَنَا أَبِي. حَدّثَنَا كَهْمَسٌ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ يَحْيَىَ بْنِ يَعْمَرَ قَالَ: كَانَ أَوّلَ مَنْ قَالَ بِالْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيّ. فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ الْحِمْيَرِيّ حَاجّيْنَ أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا أَحَدا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَسَأَلْنَاهُ عَمّا يَقُولُ هَؤُلاَءِ فِي الْقَدَرِ. فَوُفّقَ لَنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ دَاخِلاً الْمَسْجِدَ، فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي. أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ وَالاَخَرُ عَنْ شِمَالِهِ. فَظَنَنْتُ أَنّ صَاحِبِي سيَكِلُ الْكَلاَمَ إِليّ. فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرّحْمَنِ! إِنّهُ قَد ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ وَيَتَقَفّرُونَ الْعِلْمَ. وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ، وَأَنّهُمْ يَزْعَمُونَ أَنْ لاَ قَدَرَ. وأنّ الأَمْرَ أُنُفٌ. قَالَ: فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنّهُمْ بُرَآءُ مِنّي، وَالّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عُمَرَ! لَوْ أَنّ لأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبا فَأَنْفَقَهُ، مَا قَبِلَ الله مِنْهُ حَتّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ. ثُمّ قَالَ: حَدّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ، قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشّعَرِ، لاَ يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السّفَرِ، وَلاَ يَعْرِفُهُ مِنّا أَحَدٌ، حَتّى جَلَسَ إِلَى النّبِيّ، صلى الله عليه وسلم، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمّدُ! أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلاَمِ؟. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم: (الإِسْلاَمُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ الله وَأَنّ مُحَمّدا رَسُولُ اللّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَتُقِيمَ الصّلاَةَ، وَتُؤْتِي الزّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجّ الْبَيْتَ، إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلاً)؛ قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ فَعَجِبْنَا لَهُ، يَسْأَلُهُ وَيُصَدّقُهُ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ!. قَالَ: (أَنْ تُؤْمِنَ بِالله، وَمَلاَئِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الاَخِرِ، وَتُؤْمنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرّهِ)؛ قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ؟. قَالَ: (أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنّكَ تَرَاهُ. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنّهُ يَرَاكَ). قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السّاعَةِ؟. قَالَ: (مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السّائِلِ)؛ قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا. قَالَ: (أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبّتَهَا. وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ، الْعَالَةَ، رِعاءَ الشّاءِ، يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ). قَالَ ثُمّ انْطَلَقَ. فَلَبِثْتُ مَلِيّا. ثُمّ قَالَ لِي: (يَا عُمَرُ! أَتَدْرِي مَنِ السّائِلُ؟)، قُلْتُ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: (فَإِنّهُ جِبْرِيلُ. أَتَاكُمْ يُعَلّمُكُمْ دِينَكُمْ)]؛ وأخرجه مسلم في صحيحه ج1/ص39/ح8؛ والنسائي في سننه ج8/ص101/ح4990؛ وابن خزيمة في صحيحه ج4/ص128/ح2504؛ وابن ماجه في سننه ج1/ص25/ح63؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج1/ص52/ح367؛ والنسائي في سننه الكبرى ج6/ص528/ح11721؛ والبيهقي في سننه الكبرى ج4/ص325/ح8393؛ والإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه ج7/ص502/ح37558؛ وغيرهم من الأئمة؛

ــ ولكن أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج1/ص53/ح374) بزيادة ألفاظ: [حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنِ ابْنِ يَعْمَرَ قَالَ قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِنَّا نُسَافِرُ فِي الْآفَاقِ فَنَلْقَى قَوْمًا يَقُولُونَ لَا قَدَرَ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَأَخْبِرُوهُمْ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ مِنْهُمْ بَرِيءٌ وَأَنَّهُمْ مِنْهُ بُرَآءُ ثَلَاثًا ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُ بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَجَاءَ رَجُلٌ فَذَكَرَ مِنْ هَيْئَتِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، ادْنُهْ فَدَنَا فَقَالَ ادْنُهْ فَدَنَا فَقَالَ ادْنُهْ فَدَنَا حَتَّى كَادَ رُكْبَتَاهُ تَمَسَّانِ رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مَا الْإِيمَانُ أَوْ عَنْ الْإِيمَانِ قَالَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ قَالَ سُفْيَانُ أُرَاهُ قَالَ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ قَالَ فَمَا الْإِسْلَامُ قَالَ إِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَحَجُّ الْبَيْتِ وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ وَغُسْلٌ مِنْ الْجَنَابَةِ كُلُّ ذَلِكَ قَالَ صَدَقْتَ، صَدَقْتَ قَالَ الْقَوْمُ مَا رَأَيْنَا رَجُلًا أَشَدَّ تَوْقِيرًا لِرَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، مِنْ هَذَا كَأَنَّهُ يُعَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ الْإِحْسَانِ قَالَ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ أَوْ تَعْبُدَهُ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ كُلُّ ذَلِكَ نَقُولُ مَا رَأَيْنَا رَجُلًا أَشَدَّ تَوْقِيرًا لِرَسُولِ اللَّهِ مِنْ هَذَا فَيَقُولُ صَدَقْتَ، صَدَقْتَ. قَالَ أَخْبِرْنِي عَنْ السَّاعَةِ قَالَ مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ بِهَا مِنْ السَّائِلِ قَالَ فَقَالَ صَدَقْتَ قَالَ ذَلِكَ مِرَارًا مَا رَأَيْنَا رَجُلًا أَشَدَّ تَوْقِيرًا لِرَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، مِنْ هَذَا ثُمَّ وَلَّى قَالَ سُفْيَانُ فَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ الْتَمِسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ قَالَ هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ مَا أَتَانِي فِي صُورَةٍ إِلَّا عَرَفْتُهُ غَيْرَ هَذِهِ الصُّورَةِ]؛ وأخرجه في مسنده (ج1/ص53/ح375): [حدثنا أبو أحمد حدثنا سفيان بنحوه]؛

ــ وأخرجه الإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج6/ص170/ح30429) بمثل لفظ أحمد، من طريق أخرى: [حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، قَالَ: وَرَدْنَا الْمَدِينَةِ، فَأَتَيْنَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، فَقُلْنَا: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إنَّا نُمْعِنُ فِي الأَرْضِ فَنَلْقَى قَوْمًا يَزْعُمُونَ أَنْ لاَ قَدَرَ، فَقَالَ: مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ يُصَلِّي إِلَى الْقِبْلَةِ، قُلْنَا نَعَمْ مِمَّنْ يُصَلِّي إِلَى الْقِبْلَةِ، قَالَ: فَغَضِبَ حتَّى وَدِدْت أَنِّي لَمْ أَكُنْ سَأَلْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: إذَا لَقِيت أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ مِنْهُمْ بَرِيءٌ وَأَنَّهُمْ مِنْهُ بُرَآءُ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ شِئْتَ حَدَّثْتُك، عَنْ رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، فقلت: أَجَلْ فَقَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، فَأَتَاهُ رَجُلٌ جَيِّدُ الثِّيَابِ طَيِّبُ الرِّيحِ حَسَنُ الْوَجْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الإسْلامُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم: تُقِيمُ الصَّلاةَ وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ وَتَحُجُّ الْبَيْتَ؛ وَتَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ، قَالَ: صَدَقْت، فَمَا الإِيمَانُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم: تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيُّينَ وَبِالْقَدَرِ كُلِّهِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ وَحُلْوِهِ وَمُرِّهِ، قَالَ: صَدَقْت، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم: عَلَيَّ بِالرَّجُلِ، قَالَ: فَقُمْنَا بِأَجْمَعِنَا فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ، صلى الله عليه وسلم: هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرُ دِينَكُمْ]؛ ولا خوف إلا من اختلاط عطاء بن السائب، فإن محمد بن فضيل سمع منه قبل وبعد الاختلاط، ولكن لا خوف هاهنا خاصة فقد جاء أيضاً من طريق شَرِيك بن عبد الله القاضي، وهو قديم السماع من عطاء:

ــ كذا أخرجه الإمام النسائي في سننه الكبرى (ج3/ص447/ح5883) بزيادة ألفاظ: [أنبأ أبو داود قال حدثنا يزيد بن هارون قال أنبأ شريك عن الركين بن الربيع عن يحيى بن يعمر؛ وعن عطاء بن السائب (عن محارب بن دثار) عن بن بريدة قال: حججنا واعتمرنا ثم قدمنا المدينة فأتينا بن عمر فسألناه فقلنا يا أبا عبد الرحمن إنا نغزو في هذه الأرض فنلقى قوما يقولون لا قدر فأعرض بوجهه عنا ثم قال إذا لقيت أولئك فاعلم أن عبد الله بن عمر منهم بريء فإنهم منه براء ثم قال بينا نحن عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إذ جاء رجل حسن الوجه حسن الشارة طيب الريح قال فعجبنا لحسن وجهه وشارته وطيب ريحه فسلم على النبي، صلى الله عليه وسلم، ثم قام فقال أدنو يا رسول الله قال نعم قال فدنا ثم قام قال فعجبنا لتوقيره النبي، صلى الله عليه وسلم، ثم قال أأدنو يا رسول الله قال فدنا حتى وضع فخذه على فخذ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ورجله على رجله ثم قال يا رسول الله ما الإيمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث من بعد الموت والحساب والقدر خيره وشره وحلوه ومره قال صدقت قال فتعجبنا لقوله لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، صدقت ثم قال يا رسول الله ما الإسلام قال تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت؛ وتغتسل من الجنابة؛ قال صدقت قال فتعجبنا لتصديقه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثم قال يا رسول الله ما الإحسان قال تخشى الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك قال صدقت قال فتعجبنا لتصديقه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثم انكفأ راجعا فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، علي بالرجل فطلبناه فلم نجده فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، هذا جبريل جاء ليعلمكم أمر دينكم وما أتاني قط إلا عرفته إلا في صورته هذه]؛

ــ وأخرجه الإمام البيهقي في سننه الكبرى (ج4/ص349/ح8537) بأتم لفظ: [أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله بن بشران العدل ببغداد أنبأ أبو جعفر محمد بن عمرو بن البختري الرزاز حدثنا محمد بن عبيد الله بن يزيد حدثنا يونس بن محمد حدثنا معتمر هو بن سليمان عن أبيه عن يحيى بن يعمر قال قلت لابن عمر يا أبا عبد الرحمن إن قوما يزعمون أن ليس قدر قال فهل عندنا منهم أحد قال قلت لا قال فأبلغهم عني إذا لقيتهم أن بن عمر بريء إلى الله منكم وأنتم برئاء منه سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول بينما نحن جلوس عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إذ جاء رجل عليه سحناء سفر وليس من أهل البلد يتخطى حتى ورك بين يدي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كما يجلس أحدنا في الصلاة ثم وضع يده على ركبتي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال يا محمد ما الإسلام قال أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؛ وأن تقيم الصلاة؛ وتؤتي الزكاة؛ وتحج البيت وتعتمر؛ وتغتسل من الجنابة وتتم الوضوء؛ وتصوم رمضان قال فإن قلت هذا فأنا مسلم قال نعم قال صدقت؛... وذكر الحديث]، ثم قال الإمام البيهقي: (رواه مسلم في الصحيح عن حجاج بن الشاعر عن يونس بن محمد إلا أنه لم يسق متنه)؛ وكذا أخرجه الإمام الدارقطني في سننه (ج2/ص283/ح207)؛ وابن خزيمة في صحيحه (ج1/ص4/ح1): [حدثنا أبو يعقوب يوسف بن واضح الهاشمي حدثنا المعتمر بن سليمان به]؛ وأخرجه ابن حبان في صحيحه (ج1/ص399/ح173 من طريق ابن خزيمة؛

قلت: (الغسل من الجنابة) ثابت من عدة طرق، بدون أدنى شبهة، مع أن هذه لم ترد في طريق الإمام مسلم؛ ونص في اللفظ التام صراحة على ركن (الطهارة)، المتمثلة في حدها الأدنى: (وتغتسل من الجنابة وتتم الوضوء) لأنه شرط ضروري لصحة (الصلاة)، فكأنه ركن قائم بذاته، وأصل ذلك وتصديقه في كتاب الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، (المائدة؛ 5 : 6).

* وجاء في معجم الطبراني [مشكولا (14/7/13405)]: [حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بن بَهَانٍ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بن عُثْمَانَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن الْحُسَيْنِ بن مُكْرَمٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بن حَمَّادٍ سَجَّادَةُ، قَالا: حَدَّثَنَا الْمُطَّلِبُ بن زِيَادٍ الثَّقَفِيُّ، عَنْ مَنْصُورِ بن الْمُعْتَمِرِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَتَى رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّا نُسَافِرُ فَنَلْقَى أَقْوَامًا يَقُولُونُ لا قَدَرَ، قَالَ: فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ مِنْهُمْ بَرِيءٌ، كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ طَيِّبُ الرِّيحِ نَقِيُّ الثَّوْبِ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، أَدْنُو مِنْكَ؟ قَالَ: ادْنُهْ، فَدَنَا دَنْوَةً، قَالَ ذَلِكَ مِرَارًا، حَتَّى اصْطَكَّتَا رُكْبَتَاهُ رُكْبَتَيِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الإِسْلامُ؟ قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَحَجُّ الْبَيْتِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَالْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ، قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَنَا مُسْلِمٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَمَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ، وَالْقِيَامَةِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَحُلْوِهِ وَمُرِّهِ مِنَ اللَّهِ، قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَنَا مُؤْمِنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: صَدَقْتَ، فَمَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: تَعْبُدُ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ كُنْتَ لا تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَنَا مُحْسِنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: صَدَقْتَ، قُلْنَا مَا رَأَيْنَا رَجُلا أَحْسَنَ وَجْهًا، وَلا أَطْيَبَ رِيحًا، وَلا أَشَدَّ تَوْقِيرًا لِلنَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، وَقَوْلُهُ لِلنَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم: صَدَقْتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: عَلَيَّ بِالرَّجُلِ، فَقُمْنَا وَقُمْتُ أَنَا عَلَى طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ فَلَمْ نَرَ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: هَلْ تَدْرُونَ مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُعَلِّمُكُمْ مَنَاسِكَ دِينِكُمْ، مَا أَتَانِي فِي صُورَةٍ قَطُّ إِلا عَرَفْتُهُ إِلا هَذِهِ الصُّورَةَ]؛

ــ وهو في [الأربعون لابن المقرئ (ص: 57/8)]: [حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدُ بْنِ بَدْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَاهِلِيُّ الْبَغْدَادِيُّ بِمِصْرَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ سَجَّادَةُ، حَدَّثَنَا الْمُطَّلِبُ بْنُ زِيَادٍ الثَّقَفِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّا نُسَافِرُ، فَمَرَرْنَا بِأَقْوَامٍ يَقُولُونَ: لَا قَدَرَ،... فساقه كما سبق]؛

 

* وجاء في مسند الإمام أحمد [مخرجا (5/94/2924)] بإسناد صحيح عن عبد الله بن العباس: [حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ، حَدَّثَنَا شَهْرٌ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، قال: جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، مَجْلِسًا لَهُ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنِي مَا الْإِسْلامُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «الْإِسْلامُ أَنْ تُسْلِمَ وَجْهَكَ لِلَّهِ، وَتَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ» قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَقَدْ أَسْلَمْتُ؟ قَالَ: «إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ، فَقَدْ أَسْلَمْتَ». قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَحَدِّثْنِي مَا الْإِيمَانُ؟ قَالَ: «الْإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْمَلائِكَةِ، وَالْكِتَابِ، وَالنَّبِيِّينَ، وَتُؤْمِنَ بِالْمَوْتِ، وَبِالْحَيَاةِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَتُؤْمِنَ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَالْحِسَابِ، وَالْمِيزَانِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ كُلِّهِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»، قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَقَدْ آمَنْتُ؟ قَالَ: «إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ فَقَدْ آمَنْتَ» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنِي مَا الْإِحْسَانُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْمَلَ لِلَّهِ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَرَهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَحَدِّثْنِي مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «سُبْحَانَ اللَّهِ فِي خَمْسٍ مِنَ الغَيْبِ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلا هُوَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾، (لقمان: 34)، وَلَكِنِ إنْ شِئْتَ حَدَّثْتُكَ بِمَعَالِمَ لَهَا دُونَ ذَلِكَ»، قَالَ: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَحَدِّثْنِي. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «إِذَا رَأَيْتَ الْأَمَةَ وَلَدَتْ رَبَّتَهَا أَوْ رَبَّهَا، وَرَأَيْتَ أَصْحَابَ الشَّاءِ تَطَاوَلُوا بِالْبُنْيَانِ، وَرَأَيْتَ الْحُفَاةَ الْجِيَاعَ الْعَالَةَ كَانُوا رُؤوسَ النَّاسِ، فَذَلِكَ مِنْ مَعَالِمِ السَّاعَةِ وَأَشْرَاطِهَا». قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ أصْحَابُ الشَّاءِ وَالْحُفَاةُ الْجِيَاعُ الْعَالَةُ؟ قَالَ: «الْعَرَبُ»]؛

ــ وهو في إتحاف الخيرة المهرة (1/83/34): [وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ فَصِيلٍ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ أَبُو الْحَكَمِ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ الله، صلى الله عليه وسلم، قَاعِدٌ فِي النَّاسِ، إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ يَتَخَطَّى النَّاسَ، حَتَّى وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم،... فساقه بنحو ما سلف؛ ثم قَالَ: فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ حَتَّى تَوَارَى، قَالَ: عَلَيَّ الرَّجُلُ، فَطُلِبَ فَلَمْ يُوجَدْ، فَقَالَ رَسُولُ الله، صلى الله عليه وسلم: «هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ لِيُعَلِّمَكُمْ دِينَكُمْ، وَمَا أَتَانِي فِي صُورَةٍ إِلاَّ عَرَفْتُهُ فِيهَا غَيْرَ مَرَّتِهِ هَذِهِ»]

ــ وهو في أمالي ابن بشران (2/407/851، بترقيم الشاملة آليا): [أخبرنا أبو محمد عبد الخالق بن الحسن المعدل، حدثنا أبو سعيد عبد الله بن الحسن الحراني، حدثنا عاصم بن علي، به]؛

 

وحديث جبريل إنّما هو في الحقيقة شرحٌ لمكوّنات الإسلام ومركّباته، ولمركّبات الإيمان وموضوعاته، والإحسان، أي تبيان لأساسها، وتوضيح لماهيتها، وذكر لبعض أركانها، وليس هو في الحقيقة ترتيب، أو تحديد للمراتب، أو الدّرجات. إلاّ أنّ التّرتيب يستفاد من نصوص شرعيّة أخرى، متواترة من الكتاب والسنّة، تفيد أنّ الإنسان يكون «مسلماً» عنده، لا محالة أصل الإيمان، وأصل الإحسان، ولكنّه لا يستحق أن يسمّى «مؤمناً»، أو «محسناً»، هكذا على الإطلاق بدون قيد مناسب. ثمّ تزداد معرفته، ويزداد إيمانه، وتشتدّ مراقبته لله عزّ وجلّ، فيقوم بجميع الواجبات، ويترك جميع المحرّمات فيستحقّ أن يسمّى «مؤمناً» بإطلاق. ثمّ يضرب بسهم وافر من المستحبّات، والتّباعد عن المكروهات، والاستغناء عن فضول المباحات، لقوة إيمانه وشدّة مراقبته لله عزّ وجلّ، فهو يعبُد الله «كأنّه يراه»، فإذا بلغ تلك المرتبة استحقّ أن يسمّى «محسناً» هكذا بإطلاق. فكل محسن مؤمن، وكل مؤمن مسلم، وليس العكس بإطلاق، ولكنّ العكس صحيح بقيود وضوابط!

 

والموضوع شائك عسير يتعلّق بحقيقة «الإيمان»، وأحوال النّفوس البشريّة المعقّدة، وحدود الكفر وضوابطه. فلعلنا نوفّي الموضوع بعض حقّه في رسالتنا الموسومة بـ «حقيقة الإيمان، وضوابط الكفر»، وهي ما زالت تحت الإعداد.

 

فصل: أساس الإسلام، وأركانه، وأهم شرائعه، وأسهمه

ومع أن كتابنا هذا إنما هو معني فقط بـ(أساس الإسلام) وحقيقة التوحيد، أي بمعنى شهادة (أن لا إله إلاّ الله، وأن محمداً رسول الله) إلا أنه يحسن الكلام – ولو باختصار – عما اعتاد الناس تسميته (أركان الإسلام) الخمسة، لتصحيح بعض الأخطاء، وبيان بعض الإشكالات. ولفظة (ركن) نفسها لم تأت في نص شرعي، وإنما استعملها الفقهاء انطلاقاً من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله عنهما:

* كما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (ج1/ص12/ح8) عن عبد الله بن عمر بن الخطاب: [حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: قال رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ]؛ وأخرجه مسلم في صحيحه ج1/ص45/ح20، ج1/ص46/ح20؛ والنسائي في سننه ج8/ص108/ح5001؛ وابن حبان في صحيحه (ج4/ص295/ح1446)، و(ج1/ص375/ح158)، وعقب الإمام أبو حاتم بن حبان تعقيباً في غاية الأهمية، فقال: (هذان خبران خرج خطابهما على حسب الحال لأنه، صلى الله عليه وسلم، ذكر الإيمان ثم عده أربع خصال ثم ذكر الإسلام وعده خمس خصال وهذا ما نقول في كتبنا بأن العرب تذكر الشيء في لغتها بعدد معلوم ولا تريد بذكرها ذلك العدد نفيا عما وراءه ولم يرد بقوله، صلى الله عليه وسلم، إن الإيمان لا يكون إلا ما عد في خبر بن عباس لأنه ذكر، صلى الله عليه وسلم، في غير خبر أشياء كثيرة من الإيمان ليست في خبر بن عمر ولا بن عباس اللذين ذكرناهما)؛ وابن خزيمة في صحيحه ج1/ص159/ح308، ج1/ص200/ح309، ج3/ص187/ح1880، ج4/ص128/ح2505؛ والترمذي في سننه ج5/ص6/ح2609؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج2/ص120/ح6015، ج2/ص143/ح6301؛ والحميدي في مسنده ج2/ص308/ح703؛ والطبراني في معجمه الكبير ج12/ص309/ح13203، ج12/ص412/ح13518؛ والنسائي في سننه الكبرى ج6/ص531/ح11732؛ والطبراني في مسند الشاميين ج2/ص283/ح1347؛ والبيهقي في سننه الكبرى ج1/ص358/ح1561، ج4/ص81/ح7013، ج4/ص199/ح7680؛ والإمام أبو يعلى في مسنده ج10/ص206/ح5788؛ وعبد بن حميد في مسنده ج1/ص261/ح823؛ والطبراني في معجمه الأوسط ج6/ص230/ح0، ج6/ص230/ح6264، ج7/ص34/ح6770؛ وغيرهم؛

 

* وأخرجه الإمام البخاري في صحيحه (ج4/ص2041/ح4243) بأتم من ذلك، ولكنه موقوف: [حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَتَاهُ رَجُلَانِ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَا إِنَّ النَّاسَ صَنَعُوا وَأَنْتَ ابْنُ عُمَرَ وَصَاحِبُ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ فَقَالَ يَمْنَعُنِي أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ دَمَ أَخِي فَقَالَا أَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ فَقَالَ قَاتَلْنَا حَتَّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ وَكَانَ الدِّينُ لِلَّهِ وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللَّهِ]؛ [وَزَادَ عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي فُلَانٌ وَحَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو الْمَعَافِرِيِّ أَنَّ بُكَيْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَهُ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَحُجَّ عَامًا وَتَعْتَمِرَ عَامًا وَتَتْرُكَ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقَدْ عَلِمْتَ مَا رَغَّبَ اللَّهُ فِيهِ قَالَ يَا ابْنَ أَخِي بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ إِيمَانٍ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالصَّلَاةِ الْخَمْسِ وَصِيَامِ رَمَضَانَ وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ وَحَجِّ الْبَيْتِ قَالَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَلَا تَسْمَعُ مَا ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾، ﴿قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، قَالَ: فَعَلْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ الْإِسْلَامُ قَلِيلًا فَكَانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ فِي دِينِهِ إِمَّا قَتَلُوهُ وَإِمَّا يُعَذِّبُونَهُ حَتَّى كَثُرَ الْإِسْلَامُ فَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ قَالَ فَمَا قَوْلُكَ فِي عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ قَالَ أَمَّا عُثْمَانُ فَكَأَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ وَأَمَّا أَنْتُمْ فَكَرِهْتُمْ أَنْ تَعْفُوا عَنْهُ وَأَمَّا عَلِيٌّ فَابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَخَتَنُهُ وَأَشَارَ بِيَدِهِ فَقَالَ هَذَا بَيْتُهُ حَيْثُ تَرَوْنَ]؛

ــ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج2/ص26/ح4798) موقوفاً أيضاً: [حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ بِشْرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَحَجِّ الْبَيْتِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ قَالَ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ الْجِهَادُ حَسَنٌ هَكَذَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم]؛

قلت: وللحديث طرق كثيرة جداً، في قصص مختلفة، ومناسبات متعددة. وأكثر الطرق لا تذكر سماعاً صريحاً لابن عمر من النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإنما هي: (قال: قال رسول الله... إلخ)، أو (عن النبي قال... إلخ)، أو (حدثنا رسول الله... إلخ) وهذا مما يقوي القول بأنه استنباط لابن عمر من حديث جبريل الشهير الذي أخذه عبد الله بن عمر بن الخطاب من أبيه عمر لأنه لم يشهد الواقعة. وعلى كل حال فهو كالمتواتر عن بن عمر، رواه جمع من ثقات التابعين.

 

* وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج4/ص363/ح19240) نحوه عن جرير بن عبد الله: [حَدَّثَنَا هَاشِمُ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (بُنِىَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ، شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ]؛ وأخرجه الإمام الطبراني في معجمه الكبير (ج2/ص326/ح2363)؛ والإمام أبو يعلى في مسنده (ج13/ص490/ح7502)؛ وغيرهم؛

ــ وأخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (ج4/ص364/ح19246): [حَدَّثَنَا مَكِّيُّ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ يَزِيدَ الْأَوْدِيُّ عَنْ عَامِرٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَحَجِّ الْبَيْتِ وَصِيَامِ رَمَضَانَ]؛ وأخرجه الإمام الطبراني في معجمه الكبير ج2/ص326/ح2364؛ والإمام أبو يعلى في مسنده ج13/ص497/ح7507؛ وغيرهم؛

ــ وأخرجه الإمام الطبراني في معجمه الكبير (ج2/ص327/ح2368): [حدثنا الحسن بن عليل الغزي حدثنا أبو كريب حدثنا معاوية بن هشام حدثنا شيبان عن جابر عن الشعبي عن جرير قال بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصيام رمضان]؛

ــ وأخرجه الإمام الطبراني في معجمه الصغير (ج2/ص61/ح782): [حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمَّادٍ أَبُو بِشْرٍ الدُّولَابِيُّ، بِمِصْرَ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَشْعَثُ، عَنْ عَطَّافٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَحَجُّ الْبَيْتِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ]؛ وقال الإمام الطبراني: (لَمْ يَرْوِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبٍ إِلَّا أَشْعَثُ وَسَوْرَةُ بْنُ الْحَكَمِ الْقَاضِي).

قلت: وها هنا أيضاً اختلفت الطرق عن جرير بن عبد الله: فمنها الموقوف، ومنها المعنعن، ومنها ما يصرح بالسماع، فلعله، أيضاً، اجتهاد من جرير بن عبد الله البجلي، رضي الله عنه.

 

* وأما ما أخرج الإمام الطبراني في معجمه الكبير (ج12/ص174/ح12800): [حدثنا أبو يزيد القراطيسي حدثنا أسد بن موسى حدثنا مؤمل بن إسماعيل عن حماد بن زيد عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن بن عباس رضي الله عنهما ولا أعلمه إلا رفعه إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، قال بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله والصلاة وصيام رمضان فمن ترك واحدة منهن كان كافرا حلال الدمفإفك باطل، سنداً ومتناً، وهو من أفاعيل مؤمل بن إسماعيل، وهو ليس بثقة.

 

فكل هذه الروايات تمثل الإسلام بالبناء المشيد، ولا تستخدم لفظة (ركن) أصلاً، وهذا أدق وأولى فليست (الشهادة) ركنا من أركان (بناء) الإسلام، بل هي أهم من ذلك وأخطر: فهي قاعدة الإسلام الصلبة، وهي (أساس) الإسلام، الذي يقوم عليه كافة الأركان والأعمدة. بل قد جاءت نصوص تجعل (الإسلام) هو (الشهادة) نفسها، ونصوص أخرى تجعل (الإسلام) هو (الإيمان)، وسنسوق طرفاً منها قريباً.

 

وستبين أيضاً من تلك النصوص، التي سنسوقها قريباً، بلا شك ولا شبهة، أن (أركان الإسلام) أكثر عددا من الخمسة المشهورة. والغريب أن ملاحظة الإمام أبي حاتم محمد بن حبان، التي سلف إيرادها، وهي: (هذان خبران خرج خطابهما على حسب الحال لأنه، صلى الله عليه وسلم، ذكر الإيمان ثم عده أربع خصال ثم ذكر الإسلام وعده خمس خصال وهذا ما نقول في كتبنا بأن العرب تذكر الشيء في لغتها بعدد معلوم ولا تريد بذكرها ذلك العدد نفيا عما وراءه ولم يرد بقوله، صلى الله عليه وسلم، إن الإيمان لا يكون إلا ما عد في خبر بن عباس لأنه ذكر، صلى الله عليه وسلم، في غير خبر أشياء كثيرة من الإيمان ليست في خبر بن عمر ولا بن عباس اللذين ذكرناهما)، لم تلق تطبيقاً على (خصال الإسلام)، لا من الإمام ابن حبان نفسه، ولا من غيره، مع أن الحال ها هنا لا يختلف كثيراً عن (خصال الإيمان):

 

* فقد أخرج الإمام الترمذي في سننه (ج5/ص148/ح2863): [حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَعِيلَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَعِيلَ حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ أَنَّ أَبَا سَلَّامٍ حَدَّثَهُ أَنَّ الْحَارِثَ الْأَشْعَرِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا وَيَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا وَإِنَّهُ كَادَ أَنْ يُبْطِئَ بِهَا فَقَالَ عِيسَى إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ لِتَعْمَلَ بِهَا وَتَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا فَإِمَّا أَنْ تَأْمُرَهُمْ وَإِمَّا أَنْ آمُرَهُمْ فَقَالَ يَحْيَى أَخْشَى إِنْ سَبَقْتَنِي بِهَا أَنْ يُخْسَفَ بِي أَوْ أُعَذَّبَ فَجَمَعَ النَّاسَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَامْتَلَأَ الْمَسْجِدُ وَتَعَدَّوْا عَلَى الشُّرَفِ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ أَعْمَلَ بِهِنَّ وَآمُرَكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِنَّ أَوَّلُهُنَّ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَإِنَّ مَثَلَ مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ فَقَالَ هَذِهِ دَارِي وَهَذَا عَمَلِي فَاعْمَلْ وَأَدِّ إِلَيَّ فَكَانَ يَعْمَلُ وَيُؤَدِّي إِلَى غَيْرِ سَيِّدِهِ فَأَيُّكُمْ يَرْضَى أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ كَذَلِكَ؛ وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ؛ وَآمُرُكُمْ بِالصِّيَامِ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ فِي عِصَابَةٍ مَعَهُ صُرَّةٌ فِيهَا مِسْكٌ فَكُلُّهُمْ يَعْجَبُ أَوْ يُعْجِبُهُ رِيحُهَا وَإِنَّ رِيحَ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ؛ وَآمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَسَرَهُ الْعَدُوُّ فَأَوْثَقُوا يَدَهُ إِلَى عُنُقِهِ وَقَدَّمُوهُ لِيَضْرِبُوا عُنُقَهُ فَقَالَ أَنَا أَفْدِيهِ مِنْكُمْ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَفَدَى نَفْسَهُ مِنْهُمْ؛ وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ الْعَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ كَذَلِكَ الْعَبْدُ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنْ الشَّيْطَانِ إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ)؛ قَالَ النَّبِيُّ، صلى الله عليه وسلم: (وَأَنَا آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ، اللَّهُ أَمَرَنِي بِهِنَّ: السَّمْعُ؛ وَالطَّاعَةُ؛ وَالْجِهَادُ؛ وَالْهِجْرَةُ؛ وَالْجَمَاعَةُ: فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ، إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ؛ وَمَنْ ادَّعَى دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّهُ مِنْ جُثَا جَهَنَّمَ!)؛ فَقَالَ رَجُلٌ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ؟ّ!)؛ قَالَ: (وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ: فَادْعُوا بِدَعْوَى اللَّهِ الَّذِي سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ عِبَادَ اللَّهِ)]؛ وقال الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، رضي الله عنه: [هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَعِيلَ: (الْحَارِثُ الْأَشْعَرِيُّ لَهُ صُحْبَةٌ وَلَهُ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ)؛ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ عَنْ أَبِي سَلَّامٍ عَنْ الْحَارِثِ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، نَحْوَهُ بِمَعْنَاهُ قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ وَأَبُو سَلَّامٍ الْحَبَشِيُّ اسْمُهُ مَمْطُورٌ وَقَدْ رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ]؛ محمد بن إسماعيل، هو أبو عبد الله البخاري، إمام الدنيا، صاحب الصحيح؛ وأخرجه ابن حبان في صحيحه ج14/ص128/ح6233؛ وابن خزيمة في صحيحه ج1/ص244/ح483، ج2/ص65/ح930، ج3/ص196/ح1895؛ والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج4/ص130/ح17209، ج4/ص202/ح17833؛ والحاكم في مستدركه ج1/ص204/ح405، ج1/ص205/ح406، ج1/ص362/ح863، ج1/ص583/ح1534؛والطيالسي في مسنده ج1/ص159/ح1201؛ والطبراني في معجمه الكبير ج3/ص287/ح3427، ج3/ص287/ح3428، ج3/ص289/ح3430؛ والطبراني في مسند الشاميين ج4/ص112/ح2870؛ والبيهقي في سننه الكبرى ج2/ص282/ح3348؛ والإمام أبو يعلى في مسنده ج3/ص143/ح1571؛ وغيرهم؛

ــ وأخرج الإمام النسائي في سننه الكبرى (ج 5/ص272/ح8866)، (ج6/ص412/ح11349) الفقرة الأخيرة فقط: [أخبرنا هشام بن عمار قال حدثنا محمد بن شعيب قال أخبرني معاوية بن سلام أن أخاه زيد بن سلام أخبره عن جده أبي سلام أنه أخبره قال أخبرني الحارث الأشعري عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (من دعا بدعوى جاهلية فإنه من جثى جهنم!)، فقال رجل: (يا رسول الله وإن صام وصلى؟!)، قال: (نعم وإن صام وصلى - فادعوا بدعوة الله التي سماكم الله بها: المسلمين، المؤمنين، عباد الله)]؛

 

قلت: وليس في هذه ذكر للحج، وجاء بدلاً منه (ذكر الله)؛ وفيه زيادة خمس أخر: (السَّمْعُ؛ وَالطَّاعَةُ؛ وَالْجِهَادُ؛ وَالْهِجْرَةُ؛ وَالْجَمَاعَةُ)؛

 

* وجاء في مصنف ابن أبي شيبة (235) (11/6/30946) بإسناد في غاية الصحة: [حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ أَتَوْا النَّبِيُّ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم: مَنِ الْوَفْدُ، أَوْ مَنِ الْقَوْمُ، قَالُوا: رَبِيعَةُ، قَالَ: مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ، أَوْ بِالْوَفْدِ غَيْرَ خَزَايَا، وَلا نَدَامَى، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّا نَأْتِيك مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ، وَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيَّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، وَإِنَّا لاَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَك إلاَّ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ نُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ، قَالَ: فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ، وَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللهِ، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ وَإِقَامُ الصَّلاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا الْخُمُسَ مِنَ الْمَغْنَمِ، فَقَالَ: احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوا بِهِ مَنْ وَرَاءَكُمْ]؛

قلت: وهذا لا ذكر للحج فيه، والأرجح أنه كان قبل فرضيته لأن عبد القيس قديمة الإسلام؛ وفيه زيادة (إعطاء الخمس من المغنم

 

* وجاء في مصنف ابن أبي شيبة (235) (11/8/30953): [حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيُّ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْك يَا غُلامَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: وَعَلَيْك، فَقَالَ: إنِّي رَجُلٌ مِنْ أَخْوَالِكَ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ وَأَنَا رَسُولُ قَوْمِي إلَيْك وَوَافِدُهُمْ وَأَنَا سَائِلُك فَمُشْتَدَّةٌ مَسْأَلَتِي إياك، وَمُنَاشِدُك فَمُشْتَدَّةٌ مُنَاشَدَتِي إيَّاكَ، قَالَ: خُذْ يَا أَخَا بَنِي سَعْدٍ، قَالَ: مَنْ خَلَقَك وَهُوَ خَالِقُ مَنْ قَبْلَك وَهُوَ خَالِقُ مَنْ بَعْدَكَ؟ قَالَ: اللَّهُ، قَالَ: نَشَدْتُك بِذَلِكَ أَهُوَ أَرْسَلَك؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالأَرْضِينَ السَّبْعَ وَأَجْرَى بَيْنَهُنَّ الرِّزْقَ؟ قَالَ: اللَّهُ، قَالَ: نَشَدْتُك بِذَلِكَ أَهُوَ أَرْسَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّا وَجَدْنَا فِي كِتَابِكَ وَأَمَرَتْنَا رُسُلُك أَنْ نُصَلِّيَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ لِمَوَاقِيتِهَا فَنَشَدْتُك بِذَلِكَ أَهُوَ أَمَرَك بِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّا وَجَدْنَا فِي كِتَابِكَ وَأَمَرَتْنَا رُسُلُك أَنْ نَأْخُذَ مِنْ حَوَاشِي أَمْوَالِنَا فَنَرُدَّهَا عَلَى فُقَرَائِنَا فَنَشَدْتُك بِذَلِكَ أَهُوَ أَمَرَك بِذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا الْخَامِسَةُ فَلَسْت سَائلك عنها، وَلا أَرَبَ لِي فِيهَا، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَالَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لأَعْمَلَنَّ بِهَا وَمَنْ أَطَاعَنِي مِنْ قَوْمِي، ثُمَّ رَجَعَ فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ]؛

قلت: وهذا وافد بني سعد بن بكر، أخوال النبي من الرضاعة، قدم المدينة متأخراً جداً، في السنة التاسعة أو العاشرة، وقد فرض الحج والصيام. ومع ذلك فلا ذكر لهما فيه؛

* وقد جاء في مصنف ابن أبي شيبة (235) (11/7/30950): [حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ النَّزَّالِ يُحَدِّثُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمَّا رَأَيْته خَالِيًا قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، فقَالَ: بَخٍ، لَقَدْ سَأَلْت عَنْ عَظِيمٍ، وَهُوَ يَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ: تُقِيمُ الصَّلاةَ الْمَكْتُوبَةَ وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَلْقَى اللَّهَ لاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، أَوَلا أَدُلُّك عَلَى رَأْسِ الأَمْرِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ؟ أَمَّا رَأْسُ الأَمْرِ فَالإِسْلام مَنْ أَسْلَمَ سَلِمَ، وَأَمَّا عَمُوده فَالصَّلاة، وَأَمَّا ذِرْوَته وَسَنَامه فَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ]؛

ــ وهو في مصنف ابن أبي شيبة (235) (11/8/30951): [حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شبيب، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ، صلى الله عليه وسلم، غَزْوَةَ تَبُوكَ... ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ]؛

قلت: وهذا في أواخر السنة التاسعة، وقد فرض الحج والصيام. ومع ذلك فلا ذكر لهما فيه. وفيه النص على أن (الْجِهَادَ ذِرْوَةُ سَنَامِ الدِّين) ؛

 

* وأخرج الإمام الطيالسي في مسنده (ج1/ص55/ح413) من كلام حذيفة، بإسناد في غاية الصحة، على شرط الشيخين: [حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال سمعت صلة بن زفر يحدث عن حذيفة قال: (الإِسْلاَمُ ثَمَانِيةُ أَسْهُمٍ: الإِسْلاَمُ سَهْمٌ، وَالصَّلاَةُ سَهْمٌ، وَالزَّكَاةُ سَهْمٌ، وَالْحَجُّ سَهْمٌ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ سَهْمٌ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ سَهْمٌ، وَالأَمَرُ بِالْمَعْرُوفِ سَهْمٌ، وَالنَّهِيُ عَنِ الْمُنْكَرِ سَهْمٌ، وَقَد خَابَ مَنْ لاَ سَهْمَ لَهُ)]؛ ثم قال الإمام الطيالسي: (وذكروا أن غير شعبة يرفعه)؛

قلت: قوله: (الإسلام سهم) يعني: (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله سهم) كما بينته رواية الإمام عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه (ج3/ص125/ح5011): [عن معمر والثوري عن أبي إسحاق عن صلة بن زفر عن حذيفة قال: (بني الاسلام على ثمانية أسهم شهادة أن لا إله الا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم شهر رمضان والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقد خاب من لا سهم له)]؛ وهو في موضع آخر من مصنف عبد الرزاق (ج5/ص173/ح9280) وإن كان قد سقط (سهم الجهاد) منه هناك؛ وكذلك أخرجه الإمام أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (ج4/ص230/ح19561)، و(ج6/ص158/ح30313).

 ــ وأخرجه الإمام أبو يعلى في مسنده (ج1/ص400/ح523): [حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ حَبِيبٍ - أَخُو حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ - عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ الله عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: الإِسْلاَمُ ثَمَانِيةُ أَسْهُمٍ: الإِسْلاَمُ سَهْمٌ، وَالصَّلاَةُ سَهْمٌ، وَالزَّكَاةُ سَهْمٌ، وَالْحَجُّ سَهْمٌ، وَالْجِهَادُ سَهْمٌ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ سَهْمٌ، وَالأَمَرُ بِالْمَعْرُوفِ سَهْمٌ، وَالنَّهِيُ عَنِ الْمُنْكَرِ سَهْمٌ، وَخَابَ مَنْ لاَ سَهْمَ لَهُ]؛ وهو الحديث السابق إلا أن حبيب بن حبيب الزيات، وهو ضعيف الحديث، وهم في إسناده فجعله عن الحارث عن علي مرفوعاً؛ وربما كان الخلل من سويد بن سعيد فإنه كبر فقارب المائة عام، وعمي، فصار يتلقن.

ــ وهو في السنة لأبي بكر بن الخلال (4/138/1575، بترقيم الشاملة آليا): [حدثنا أبو عبد الله، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا أبي، وإسرائيل، وعلي بن صالح، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر العبسي، عن حذيفة، قال: «الإسلام ثمانية أسهم: الإسلام سهم، والصلاة سهم، والزكاة سهم، والحج سهم، ورمضان سهم، والجهاد سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، وقد خاب من لا سهم له»]

ــ وفي مسند البزار [كاملا من 1 - 14 مفهرسا (1/446/2927)]: [حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ عَطَاءٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ صِلَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: الإِسْلامُ ثَمَانِيَةُ أَسْهُمٍ الإِسْلامُ سَهْمٌ، وَالصَّلاةُ سَهْمٌ، وَالزَّكَاةُ سَهْمٌ، وَحَجُّ الْبَيْتِ سَهْمٌ، وَالصِّيَامُ سَهْمٌ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ سَهْمٌ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ سَهْمٌ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ سَهْمٌ، وَقَدْ خَابَ مَنْ لاَ سَهْمَ لَهُ؛ (2928) - وَأَخْبَرَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: الإِسْلامُ ثَمَانِيَةُ أَسْهُمٍ ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ وَلَمْ يُسْنِدْهُ]، ثم قال البزار: (وَهَذَا الْحَدِيثُ لاَ نَعْلَمُ أَسْنَدَهُ (يعني: رفعه) إِلاَّ يَزِيدُ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ)

 

* وأخرج الإمام الطبراني في معجمه الكبير (ج11/ص344/ح11958)، وفي معجمه الأوسط (ج8/ص39/ح7893) بإسناد حسن عن عبد الله بن عباس، رضي الله عنه: [حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ، حدثنا حَامِدُ بْنُ آدَمَ، حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، حدثنا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: قال رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: (الْإِسْلَامُ عَشْرَةُ أَسْهُمٍ، وَقَدْ خَابَ مَنْ لَا سَهْمَ لَهُ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَهِيَ الْمِلَّةُ، وَالثَّانِيَةُ الصَّلَاةُ وَهِيَ الْفِطْرَةُ، وَالثَّالِثَةُ الزَّكَاةُ وَهِيَ الطَّهُورُ، وَالرَّابِعَةُ الصَّوْمُ وَهِيَ الْجُنَّةُ، وَالْخَامِسَةُ الْحَجُّ وَهِيَ الشَّرِيعَةُ، وَالسَّادِسَةُ الْجِهَادُ وَهِيَ الْعُرْوَةُ، وَالسَّابِعَةُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَهُوَ الْوَفَاءُ، وَالثَّامِنَةُ النَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَهِيَ الْحُجَّةُ، وَالتَّاسِعَةُ الْجَمَاعَةُ وَهِيَ الْأُلْفَةُ، وَالْعَاشِرَةُ الطَّاعَةُ وَهِيَ الْعِصْمَةُ)]؛ ثم قال في الأوسط: (لَمْ يَرْوِ هَذَا الْحَدَيثَ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ إِلَّا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، تَفَرَّدَ بِهِ: حَامِدُ بْنُ آدَمَ)؛

قلت: حامد بن آدم بن مسلم الأزدي التِلِيَاني المروزي مختلف فيه، قال ابن عدي: (ولم أر في حديثه إذا روى عن ثقة شيئا منكرا وإنما يؤتى ذلك إذا حدث عن ضعيف)؛ وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: (رُبمَا أَخطَأ)؛ وقال الخليلي في الإرشاد: (حَامِدُ بْنُ آدَمَ الْمَرْوَزِيُّ ثِقَةٌ، رَوَى عَنْهُ شُيُوخُ مَرْوَ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدَوَيْهِ أَبُو رَجَا، وَغَيْرُهُ، سَمِعَ أَبَا غَانِمٍ يُونُسَ بْنَ نَافِعٍ، وَغَيْرَهُ)؛ ولكن اتهمه بعضهم بالكذب. والذي ترجح لدينا أنها تهمة ظالمة، كما هو مفصل في موضع آخر؛ وفي الجمل الشارحة، مثل قوله عن الشهادتين: (وهي الملة) إلى قوله عن الطاعة: (وهي العصمة) شيء من الغرابة، ولعلها مندرجة من كلام ابن عباس أو ممن دونه من الرواة. وأما المتن فهو مصدق لكلام حذيفة، مع زيادة اثنتين: (الجماعة، والطاعة)، وهذه موافقة لحديث الحارث الأشعري، وكلها في القرآن، وتصدقها الأحاديث المتواترة؛

 

* وأخرج الإمام الطبراني في مسند الشاميين (ج1/ص243/ح429) بإسناد رجاله رجال الصحيح عن أبي هريرة، رضي الله عنه: [حدثنا محمد بن عمرو بن خالد الحراني حدثنا أبي عن عيسى بن يونس عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أبي هريرة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (إن للإسلام صوى ومنارا كمنار الطريق من ذلك: أن يعبد الله لا يشرك به شيئا، وتقام الصلاة، وتؤتى الزكاة، ويحج البيت، ويصام رمضان، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتسليمك على أهل بيتك إذا دخلت عليهم، وتسليمك على بني آدم إذا لقيتهم فإن ردوا عليك ردت عليهم الملائكة وإن لم يردوا عليك ردت عليك الملائكة ولعنتهم أو سكتت عنهم؛ ومن انتقص منهن شيئا فهو سهم من الإسلام تركه؛ ومن نبذهن فقد ولى الإسلام ظهره)]

ــ وهو في تعظيم قدرة الصلاة لمحمد بن نصر المروزي (1/411/405) بإسناد رجاله رجال الصحيح: [حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حدثنا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حدثنا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ لِلْإِسْلَامِ صُوًى وَمَنَارًا كَمَنَارِ الطَّرِيقِ، مِنْ ذَلِكَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتَسْلِيمُكَ عَلَى بَنِي آدَمَ إِذَا لَقِيتَهُمْ، فَإِنْ رَدُّوا عَلَيْكَ رَدَّتْ عَلَيْكَ وَعَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ، وَإِنْ لَمْ يَرُدُّوا عَلَيْكَ رَدَّتْ عَلَيْكَ الْمَلَائِكَةُ، وَلَعَنَتْهُمْ أَوْ سَكَتَتْ عَنْهُمْ، وَتَسْلِيمُكَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ إِذَا دَخَلْتَ عَلَيْهِمْ، فَمَنِ انْتَقَصَ مِنْهُنَّ شَيْئًا فَهُوَ سَهْمٌ مِنَ الْإِسْلَامِ تَرَكَهُ، وَمَنْ تَرَكَهُنَّ فَقَدْ نَبَذَ الْإِسْلَامَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ»]؛

ــ وأخرجه الإمام الحاكم في مستدركه (ج1/ص70/ح53): [حدثنا أبو بكر بن إسحاق حدثنا عبيد بن عبد الواحد حدثنا محمد بن أبي السري حدثنا الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: (الإسلام أن تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتسليمك على أهلك؛ فمن انتقص شيئا منهن فهو سهم من الإسلام يدعه ومن تركهن كلهن فقد ولى الإسلام ظهره)]؛ ثم قال الإمام الحاكم: (هذا الحديث مثل الأول في الاستقامة)؛ قلت: لا خوف من تدليس الوليد بن مسلم، بشهادة طريق مسند الشاميين (ج1/ص243/ح429)؛ وقد سقطت الجملة الخطيرة: (وتسليمك على بني آدم إذا لقيتهم فإن ردوا عليك ردت عليهم الملائكة وإن لم يردوا عليك ردت عليك الملائكة ولعنتهم أو سكتت عنهم)، أو اختصرها أحد الرواة جهلاً منه بعظم فضلها، وجزيل أجرها؛

 ــ وهو في الأمر بالمعروف لعبد الغني المقدسي (ص: 11/9): [أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم السلفي الأصبهاني بالإسكندرية وأبو الفتح محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سلمان ببغداد قالا: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن الحسين بن زكريا الطريثيثي أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الحافظ أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن العباس إجازة أخبرنا سعيد بن محمد بن الراحبان حدثنا نصر بن داود بن طوق قال: قال أبو عبيد حدثنيه يحيى بن سعيد القطان عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن رجل عن أبي هريرة، عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (إن للإسلام صوى ومنارا كمنار الطريق منها أن تؤمنوا بالله ولا تشرك به شيئا وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت وأن تسلم على أهلك إذا دخلت عليهم وأن تسلم على القوم إذا مررت بهم فمن ترك شيئا من ذلك فقد ترك سهما من الإسلام ومن نبذ ذلك فقد ولى الإسلام ظهره)]؛ ثم قال عبد الغني: (رواه الطبري الحافظ في كتاب السنة كذلك)؛

ــ وهو في الإيمان للقاسم بن سلام (ص: 5/3، بترقيم الشاملة آليا): [وَمِنَ التِّسْعِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ لِلْإِسْلَامِ صُوًى وَمَنَارًا كَمَنَارِ الطَّرِيقِ» - قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: صُوًى: هِيَ مَا غَلُظَ وَارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ، وَاحِدَتُهَا صُوَّةٌ - «مِنْهَا: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَإِقَامَةُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَحَجُّ الْبَيْتِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَنْ تُسَلِّمَ عَلَى أَهْلِكَ إِذَا دَخَلْتَ عَلَيْهِمْ، وَأَنْ تُسَلِّمَ عَلَى الْقَوْمِ إِذَا مَرَرْتَ بِهِمْ، فَمَنْ تَرَكَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَقَدْ تَرَكَ سَهْمًا مِنَ الْإِسْلَامِ، وَمَنْ تَرَكَهُنَّ فَقَدْ وَلَّى الْإِسْلَامَ ظَهْرَهُ»]؛ ثم قال أبو عبيد: (حَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْعَطَّارُ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم)، كذا (الْعَطَّارُ) في الأصل، وإنما هو (القَطًّان): يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ القَطًّان، الإمام القدوة، والحافظ الثبت المتقن الحجة، رضي الله عنه؛ وعقب قائلاً: (فَظَنَّ الْجَاهِلُونَ بِوُجُوهِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهَا مُتَنَاقِضَةٌ لِاخْتِلَافِ الْعَدَدِ مِنْهَا، وَهِيَ بِحَمْدِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ بَعِيدَةٌ عَلَى التَّنَاقُضِ، وَإِنَّمَا وُجُوهُهَا مَا أَعْلَمْتُكَ مِنْ نُزُولِ الْفَرَائِضِ بِالْإِيمَانِ مُتَفَرِّقًا، فَكُلَّمَا نَزَلَتْ وَاحِدَةٌ أَلْحَقَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، عَدَدَهَا بِالْإِيمَانِ، ثُمَّ كُلَّمَا جَدَّدَ اللَّهُ لَهُ مِنْهَا أُخْرَى زَادَهَا فِي الْعَدَدِ، حَتَّى جَاوَزَ ذَلِكَ السَّبْعِينَ كَلِمَةً)؛

ــ وهو من كلام خالد بن معدان في أمالي ابن بشران (2/57/525، بترقيم الشاملة آليا): [وَأَخْبَرَنَا جَعْفَرٌ، أنبا جَعْفَرٌ، حدثنا أَبُو عُبَيْدٍ، حدثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ نُورِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، قَالَ: «إِنَّ لِلْإِسْلَامِ صُوًى وَمَنَارًا كَمَنَارِ الطَّرِيقِ، فَمِنْهَا أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَإِقَامَ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَحَجُّ الْبَيْتِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَنْ تُسَلِّمَ عَلَى أَهْلِكَ إِذَا دَخَلْتَ عَلَيْهِمْ، وَأَنْ تُسَلِّمَ عَلَى قَوْمٍ إِذَا مَرَرْتَ بِهِمْ، فَمَنْ تَرَكَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَقَدْ تَرَكَ سَهْمًا مِنَ الْإِسْلَامِ، وَمَنْ تَرَكَهُنَّ فَقَدْ وَلَّى لِلْإِسْلَامِ ظَهْرَهُ»]؛

قلت:

أولاً: ظهر من رواية أبي عبيد وعبد الغني المقدسي أن خالد بن معدان إنما أخذه من رجل مجهول عن أبي هريرة، فإن كان ذلك الرجل صادقاً، وحفظ كما ينبغي فالإسناد صحيح؛ أما المتن فهو غاية في الاستقامة، لأنه إنما ذكر هذه الخصال فقط باعتبارها مناراً، كالمنارة التي يتميز بها المسجد، أو التي يراها البحارة فيعرفون موقعهم من صخور الساحل، و(صُوَىً)، وهي الأعلام المنصوبة من الحجارة في المفازة المجهولة، وهي علامات يستدل بها على الطريق، واحدتها (صُوَّةٌ) كقُوَّة؛ وتسمَّى أيضاً: (الرجوم) أو (الرجام)، وواحدتها (رِجْم): أراد أنَّ للإسلام مظاهر وأعلاماً يعرف وجوده بها: منها ما هو أركان، وربما كان بعضها ليس، بالضرورة، كذلك؛

وثانياً: أن تعقيب الإمام ابن حبان أكثر وجاهة من مقولة الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام: فتنوع الأعداد عند الكلام عن أركان وأسهم وإمارات الإسلام؛ وعن أركان وشعب الأيمان؛ وما فضل به النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، على غيره من الأنبياء؛ وذكر الكبائر؛ وما شابه ذلك: إنما هو لمناسبة المقام، ومراعاة حال السامعين في كل حالة بعينها، وعدم الإكثار من العدد لتسهيل الحفظ والاستيعاب بصفة عامة.

 

* وأخرج الإمام الطبراني في مسند الشاميين للطبراني (3/140/1954): [حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «إِنَّ لِلْإِسْلَامِ صُوًى وَعَلَامَاتٍ كَمَنَارِ الطَّرِيقِ، فَرَأْسُهَا وَجَمَالُهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَتَمَامُ الْوضُوءِ، وَالْحُكْمُ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَطَاعَةُ ولَاةِ الْأَمْرِ، وَتَسْلِيمُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَتَسْلِيمُكُمْ إِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتَكُمْ، وَتَسْلِيمُكُمْ عَلَى بَنِي آدَمَ إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ»]؛ وعقَّب حمدي بن عبد المجيد السلفي في تحقيقه (نشر مؤسسة الرسالة - بيروت) قائلاً: [ورواه ابن دوست في الأمالي (118/2) من طريق عبد الله بن صالح عن معاوية به وهو متابع لما هنا فهو بهذين الطريقين حسن]؛ وجاء هنا (وَجَمَالُهَا)، ولعله تصحيف لأن أكثر المصادر تقول: (وَجِمَاعُهَا)؛

قلت: تحسين حمدي بن عبد المجيد السلفي بمجموع الطريقين ليس بحسن، لأن معضلة الانقطاع بين أبي الزاهرية حدير بن كريب وأبي الدرداء ما زالت قائمة، ولكن يجوز تحسين هذا بشهادة حديث أبي هريرة فكل منهما يشهد للآخر، والاختلاف في بعض (الصوى والعلامات) بين الإثنين يقوي الترجيح بأن الرجل المجهول بين أبي الزاهرية وأبي الدرداء راوية آخر، وليس هو الرجل المجهول في حديث أبي هريرة؛

 

* وجاء في مصنف ابن أبي شيبة (235) (11/7/30948): [حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، قَالَ عُمَرُ: عُرَى الإِيمَانِ أَرْبَعٌ: الصَّلاةُ وَالزَّكَاةُ وَالْجِهَادُ وَالأَمَانَةُ]؛

 

* وجاء في معجم الطبراني مشكولا (15/35/13603): [حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بن مُحَمَّدِ بن عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بن مَالِكٍ الْخَوَارِزْمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بن أَبِي الْمُسَاوِرِ، حَدَّثَنِي عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ، قَالَ: قَدِمَ عَدِيُّ بن حَاتِمٍ الطَّائِيُّ الْكُوفَةَ، فَأَتَيْتُهُ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَقُلْنَا لَهُ حَدِّثْنَا بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، بِالنُّبُوَّةِ، وَلا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْعَرَبِ كَانَ أَشَدَّ لَهُ بُغْضًا، وَلا أَشَدَّ لَهُ كَرَاهِيَةً مِنِّي، حَتَّى لَحِقْتُ بِالرُّومِ، فَتَنَصَّرْتُ فِيهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَنِي مَا يَدْعُو إِلَيْهِ مِنَ الأَخْلاقِ الْحَسَنَةِ، وَمَا قَدِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ مِنَ النَّاسِ ارْتَحَلْتُ حَتَّى أَتَيْتُهُ، فَوَقَفْتُ عَلَيْهِ، وَعِنْدَهُ صُهَيْبٌ وَبِلالٌ وَسَلْمَانُ، فَقَالَ: (يَا عَدِيُّ بن حَاتِمٍ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ)، فَقُلْتُ: أَخْ أَخْ، فَأَنَخْتُ، وَجَلَسْتُ، وَأَلْزَقْتُ رُكْبَتِي بِرُكْبَتِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الإِسْلامُ؟ قَالَ: (تُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَحُلْوِهِ وَمُرِّهِ؛ يَا عَدِيُّ بن حَاتِمٍ: لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُفْتَحَ خَزَائِنُ كِسْرَى وَقَيْصَرَ؛ يَا عَدِيُّ بن حَاتِمٍ: لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَأْتِيَ الظَّعِينَةُ مِنَ الْحِيَرةِ، وَلَمْ يَكُنْ يَوْمِئِذٍ كُوفَةُ، حَتَّى تَطُوفَ بِهَذِهِ الْكَعْبَةِ بِغَيْرِ خَفِيرٍ، يَا عَدِيُّ بن حَاتِمٍ، لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطُوفَ جِرَابُ الْمَالِ، فَتَطُوفَ بِهِ وَلا تَجِدُ لَهُ أَحَدًا يَقْبَلُهُ، فَتَضْرِبَ بِهِ الأَرْضَ، فَتَقُولَ: لَيْتَكَ لَمْ تَكُنْ، لَيْتَكَ كُنْتَ تُرَابًا)]؛

 

وهناك غير هذا كثير جداً. وعامة الطرق تقول: (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله)؛ وبعضها قد يختصر فيقول فقط: (شهادة أن لا إله إلا الله)؛ وربما قالها البعض بالمعنى: (أن يوحد الله)، أو (أن يعبد الله ويكفر بما دونه؛ )؛ أو عبر عنها بالإيمان: (إيمان بالله ورسوله) هكذا مجملاً، أو مفصلاً: (تُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَحُلْوِهِ وَمُرِّهِ):

* كما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (ج1/ص45/ح20): [حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير الهمداني حدثنا أبو خالد يعني سليمان بن حيان الأحمر عن أبي مالك الأشجعي عن سعد بن عبيدة عن بن عمر عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال بني الإسلام على خمسة على أن يوحد الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان والحج فقال رجل الحج وصيام رمضان قال لا صيام رمضان والحج هكذا سمعته من رسول الله، صلى الله عليه وسلم]؛

ــ وكما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (ج1/ص45/ح20): [وحدثنا سهل بن عثمان العسكري حدثنا يحيى بن زكريا حدثنا سعد بن طارق قال حدثني سعد بن عبيدة السلمي عن بن عمر عن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال بني الإسلام على خمس على أن يعبد الله ويكفر بما دونه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان].

 

وكان الأولى في هذا المبحث – مبحث أركان الإسلام – أن يتخذ القرآن منطلقاً، ثم تساق السنن الصحاح التي هي حينئذ – ضرورة ولا بد – مفسرة لمجمل القرآن، وربما كان هناك مزيد بيان بتقييد مطلقه، وتخصيص عامه، ولكن ذلك – للأسف الشديد - هُجِر بعد عهد الخلفاء الراشدين، عنما بدأ عصر (التأويل) والمراوغة باغتصاب معاوية بن أبي سفيان للخلافة، واستفحل ذلك على أيدي المنافقين من فقهاء السلاطين: يشب عليه الصغير، ويموت عليه الكبير. ثم تراكم التأويل وتحجر حتى دفن تحته الإسلام المنَزَّل: فلا غرابة أن تأتي بعد ذلك عصور (التبديل)، على استحياء أول الأمر، ثم في زماننا هذا بالأساليب الوقحة الصريحة. ولكن هذا مبحث آخر يتطلب الكتب والمجلدات، فلعلنا نكتفي ها هنا بمسألة واحدة:

* يقول الحق، جل جلاله، وسما مقامه: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)﴾، (الشورى؛ 42 : 36-43)؛ وهذا من القرآن المكي.

ــ وهذا مؤيد بأمره، جل جلاله، وسما مقامه، لنبيه بعد كارثة أحد في المدينة: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾، (آل عمران؛ 3 ؛ 159).

فذكر (الشورى) بعد إقامة الصلاة، وقبل النفقة الواجبة (وهي تشمل الزكاة، وإعطاء الخمس من المغنم، وجميع النفقات الواجبة) يوجب أن تكون (الشورى) من أركان الإسلام كالصلاة والزكاة ولا فرق: فما لنا لا نجدها معدودة في الأركان؟! بل ولا حتى في الواجبات؛ بل لعلك تجد الصولات والجولات، وتسويد الصفحات في مناقشة (الشورى): أهي معلمة فقط أو ملزمة – سبحان الله!

 

فالخلاصة إذاً: أن أساس الإسلام هو: (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله)؛ أو باختصار فيقال فقط: (شهادة أن لا إله إلا الله)؛ وربما بالمعنى: (أن يوحد الله)، أو (أن يعبد الله ويكفر بما دونه)؛ وقد يعبر عنه بالإيمان: (إيمان بالله ورسوله) هكذا مجملاً، أو مفصلاً: (إِيمَانٌ بِاللَّهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَإِيمَانٌ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَحُلْوِهِ وَمُرِّهِ). هذه هي (القاعدة الصلبة)، و(الأساس المتين) الذي يقوم عليه كل شيء، ولا يستقيم بدونه أي شيء.

 

وأما أركانه فهي أكثر من الخمسة المشهورة، بل هي فوق العشرة: الصلاة بشروطها ومن أهمها الطهارة؛ والزكاة؛ وإعطاء الخمس من المغنم؛ والحج (ودخلت فيه العمرة)؛ وصيام رمضان؛ والجهاد في سبيل الله (وهو ذروة سنام الإسلام)؛ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (وأهمه: أمر الحكام الظلمة ونهيهم، وهو أفضل أنواع الجهاد: فهو إذاً: ذروة الذروة من سنام الإسلام)؛ والهجرة؛ والشورى؛ والجماعة؛ والسمع والطاعة لولاة الأمر الشرعيين؛ والسلام على أهلك إذا دخلت عليهم؛ والسلام على بني آدم إذا مررت بهم (والسلام ليس مجرد تلفظ بكلمات، بل هو أمان وتأمين؛ وطمأنة وتمهيد للتعارف والتقارب؛ ونشر الألفة والمودة والوئام).

 

ولا يستقيم بنيان، أو يدوم، إلا باجتناب هوادمه:

فأشد الهوادم: نواقض الإسلام لأنها تنسفه من أساسه، فلا يبقى منه شيئاً أصلاً: وكلها من أصناف الشرك والكفر، وسنفصل الكلام عنها في هذا الكتاب تفصيلاً؛

 

وبعدها الموبقات: ترك ركن من الأركان: ترك الصلاة، ومنع الزكاة، وأكل خمس المغنم، ... إلخ؛ وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق؛ وأكل مال اليتيم؛ وأكل الربا؛ وأكل المال العام وهو الغلول؛ والتولي يوم الزحف؛ وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات؛ و(الارتداد أعرابياً بعد الهجرة)، وهو الانخلاع من الولاية والتابعية الإسلامية؛ وعقوق الوالدين؛ واليمين الغموس الفاجرة ومنها شهادة الزور؛ واليأس من روح الله؛ والقنوط من رحمة الله؛ ونكث البيعة؛ والخروج بالسيف على الجماعة؛ والزنا بحليلة الجار أو بالمحارم.

 

وهناك بعد هذا ذنوب كبائر أخرى، دون هذه، وخطرها عظيم، نسأل الله العافية، ونعوذ به من أفعال أهل النار، دار البوار.

حزب التجديد الإسلامي 2016