مقدّمة كتابُ التّوحيد

مقدّمة كتابُ التّوحيد

«أَساس الإسْلام، وحَقيقةُ التّوحيد»

 

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَده وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِره، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْده اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْده لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْده وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّه وخَلِيلُه، وخِيرَتُه مِنْ خَلْقِهِ وحَبِيبُه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، (آل عمران؛ 3: 102)؛ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، (النساء؛ 4: 1)؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، (الأحزاب؛ 33: 70 – 71).

 

«إِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ ْهَدْيِ مُحَمَّدٍ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلَى آله وَسَلَّمَ، وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ».

 

والصّلاةُ والسّلامُ والتبريكات التّامة الكاملة على نبيِّنا محمّد، وعلى آلهِ الطيّبينَ الطّاهرين، وصحْبهِ المُخلِصِينَ المجاهِدِين، وهو الأسوةُ الحسنةُ، نِعْمَ الأُسْوة، ونِعْمَ القُدْوة.

 

أَمَّا بَعْدُ: فهذهِ رسالةٌ مختصرةٌ عنْ أساس الإسلامِ وحَقيقةُ التَّوْحِيد، وأدلّتِهِ منَ القُرآن الكَريم، ومِمَّا ثَبَتَ في السُّنةِ النّبويّةِ الشّريفة، سمّيْناها: «كتابُ التّوْحيد: أساس الإسْلام، وحقيقةُ التّوْحيد». وكان الدّافعُ إلى كتابتِها أمُورٌ مِنْها:

أولاً: مشكلة قديمة حول تعْريف «العبادة» وعلاقة مفهومِها بمفهوم «الإله»، ترتّب عليْها الحُكم، بغير وجه حقّ، على الكثير منْ أهلِ القبلةِ بالشّرك ومفارقة الإسلام والخروج من الملة. وهو أمر كبير خطير، من الأصول والمُهمّاتِ التي تحتاجُ إلى البرهان القاطِع، والحجّةِ اليقينيّةِ البالِغة، ولا يجوزُ، مطلقاً، أن يكُونَ مِنَ الاجتهاديّاتِ أو الخِلافيّات!

 

ثانياً: اضطرابِ وعدمَ انضباطِ القسمة الوهابية التقليديّة الثلاثية للتوحيدِ إلى: «توحيد الربوبية»، و«توحيد الألوهية»، و«توحيد الأسماء والصفات»، التي زلَّت بها قدم الشيخ الإمام ابن تيمية تلك الزلة المهلكة الشنعاء، وقلده بها المارق محمد بن عبد الوهاب معتقداً أنها الحق اليقين المبين. وهذا الاضطراب له علاقةً جوهريةً بِالمشكلةِ السابقة: بل الحق اليقيني أنها قسمة سقيمة ساقطة، مضللة خطيرة، لأنها:

(1) - مغلوطة باطلة، لعدم مجانسة مضمونها لمعاني الألفاظ المستخدمة فيها، لا في اللغة العربية الفصحى التي نزل بها القرآن، ولا في العرف الشرعي الذي هو دوماً مقدّم على العرف اللغوي؛ وفيما يخص «الألوهية» فإنها تستلزم أن يكون «الإله» هو «المعبود»، ضرورة ولا بد؛ وهذا من أقوال الكفر، والعياذ بالله، كما سيأتي البرهنة عليه بقواطع الأدلة، التي يكفر منكرها، ويخرج من الإسلام بجحدها؛

            (2) - ومضللة كاذبة لأنها لا تصف واقع شرك العرب على حقيقته، بل تكابر وتزعم أن العرب لم يكن لديهم – في الجملة – شرك في «الربوبية»، أو حتى في «الأسماء والصفات»؛ وهو إنكار لما علم بالضرورة من التاريخ بنقل التواتر، ودراسة الآثار، وهذا هوس وجنون: يوجب معاندة القرآن، وتكذيبه: وهذا كفر أيضاً؛

(3) - ومنكوسة حيث يتم تقديم الربوبية على الألوهية لأن الربوبية تستلزم الألوهية بزعمهم، وليس العكس، وهو الحق؛

(4) - وغير منضبطة، لتداخل أقسامها، فهي إذاً: ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾؛

(5) - ولا مانعة حاصرة، لإدخالها في «التوحيد» ما ليس من أصوله: كأكثر مَباحِثِ «الصّفات»، التي هي فَرْعٌ وليستْ أصْلاً، ولا هِيَ قِسْمٌ مُستقِلّ مِن أقْسام التوحيد، مهما شاغب وبالغ الغلاة المارقون، المعروفون بالتفاهة والسطحية وكراهية التفكير والعقل، بل برفض العقل والتفكير، من جهلة المنسوبين إلى «الفرقة الوهابية»، المنتسبين، زورا وبهتانا، إلى «السلفية»؛

(6) - ولا جامعة لخروج أقسام مهمة من «التوحيد» منها: «توحيد الذات ومتعلقاته»، وما يترتب عليه من بطلان الصاحبة والولد، وقد أهمل إهمالاً شبه تام؛ وكذلك توحيدِ «الحاكمية»، الذي هو «ذروة سنام» التوحيد، وساحة الصراع بين الرسل وأممهم، فلا يُمكنُ إدخالُها إلا بِتكلُّفٍ واضِح، وبطريقةٍ مصطنعة؛

(7) - ولِما ترتّب عليها من الإفك العظيم بتكفير أهل الإسلام، والإثم الجسيم بسل السيف عليهم، وسفك دمائهم؛ ولِما ترتّب عليها من إشكالات أخرى، لا تكاد تنحصر.

 

ثالثاً: ظهرتْ إشكالاتٍ عدّةٍ في هذا الزّمانِ - بعد زَوالِ آخِرَ دوْلةَ خِلافة، يُمكِنُ أن تُسمَّى إسلامِيّة، ولوْ عَلَى وجْهِ التّساهُلِ والتَّنزُّل، وتَحوُّلِ الدُّنيا كلها إلى دار كُفْر - حول حقيقة التوحيدِ وأقْسامِهِ، وشُمُولهِ لِقضايا «الحاكمية»، و«الموالاة والمعاداة». هَذهِ الإشكالات تَرتّبتْ عَلَى الخَلَل الجَسِيمِ فِي القِسْمَةِ الوهابية التقليديّةِ المذكورةِ أعْلاه، وساهَمَ فُقهاءُ السّلاطينِ، ورثةِ الأحْبار والكُهَّان مِنْ قتلةِ الأنبياء، قاتلهُم الله، في تضْخِيم الإشكاليّةِ وتضْليلِ العامّة، بَلْ وحتَّى الخاصَّة، خدمةً لأسْيادِهمْ مِنْ أئمّةِ الكُفْرِ والجَوْر، الذّينَ بَدَّلُوا الشَّرائع، وعادَوْا أولياءَ الله، وتولّوْا أعداءَ الله، وانْضَوَوا تحْتَ رايات الكُفّار الحرْبيّين فقاتلوا المُسلمينَ، وذلك لِقاءَ ثمَن بخْس، دراهمَ معْدُودة ودُنيا فانِيَة زائِلة، فخانُوا الأمانةَ ونقضُوا المِيثاق: ﴿وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ، (آل عمران؛ 3: 187).

 

وطواغيتُ الجزيرةِ العربيّةِ منْ آل سعود الذّينَ هُمْ في مُقدّمَةِ مُبَدّلي الشّرائِع؛ ومُتَوَلِّي الكفّارَ الحربيّين، المنضوين تحت رايتهم: بدعمهم للكفّارَ الحربيّين على المُسلمين، وقتالهم وقتلهم للمُسلمين، هؤلاءِ الطّواغيتِ قدْ فاقُوا جميع إخوانِهمْ من الحُكّام الطّواغِيت، الجَبابِرةِ الظّلمةِ المُتسلّطِينَ على رقابِ المُسلمين، في تمْكين الأعداءِ الكفَّار الحربيّينَ مِنْ احتلالِ جزيرةِ العرب، قاعِدةَ الإسْلام، وَحِصَار العِرَاق المُسلِم، ثُمَّ افْتِراسِهِ وغزْوهِ مُؤخّرًا، لإبادَةِ أهلِهِ وإذْلالِهم. آلَ سعُودَ هؤُلاءِ لهُمُ الباعُ الطُّولَى، والسّابِقةُ العُظْمى، مع أذْنابِهمْ مِنَ «المشايخ»، في هذا التّضليل الكبير، والبُهْتان العظِيم!

 

وأذنابُ طواغيتِ الجزيرةِ العربيةِ منْ آل سعود مِنَ «المشايخ» ليسُوا مجموعةً مُبعثرةً مِنَ «المشايخ»، بلْ هُم في الحقيقةِ «مؤسّسةٌ دينيّةٌ» قمعيّةٌ بَغيضة، لها أجهزتِها وميزانيّاتِها، في بنية هرميّة لا تختلفُ كثيرًا عن «الكنيسة الكاثوليكية»، لذلك أسْميْناها: «الكنيسة النّجديّة». هذهِ «الكنيسةِ النّجديّةِ» لها «مجمعُ كرادلةٍ» هُو «هيئة كبار العُلماء»، و«الحبرُ الأقْدسُ» أو «البابا» هُو طبعاً مُفتي الدّيار السُعوديّة، الذي يترأّسُ «هيئةَ كِبار العُلماء»، وهو في نفْس الوقْتِ «الرئيسُ العامُّ لإداراتِ البُحوث العلميّةِ والإفتاء والدَّعْوة والإرْشاد»، بِمَرْتَبَةٍ وراتِبٍ وأَعْطِيَاتِ ومزايا «وزير».

 

ونظامُ حُكم آلِ سعودٍ هؤُلاء، نِظامُ شركٍ وكُفْر، بلْ هُوَ مع ذلِك، نظامٌ «شيطانِيٌّ» مَنْتِنْ، نظامُ عصابةِ «مافيا» إجراميّةٍ قذِرة، لمْ تكتفِ بنهبِ أموالِ المُسْلِمين، و«الغُلُول» منْ بيتِ المال العام، على نَحْو لمْ يعرفْ لهُ التاريخُ مثيلاً، بل زادتْ جشعاً وسُعاراً بِتعاطَي تجارةَ المخدِّراتِ والخُمُور والدَّعَارةِ المُنظًّمة، وتهريبِ السِّلاح، و«غَسِيل» الأمْوال.

 

لِذلِك فهُمْ، أيْ: كبراء آلِ سعود، المنافقون السفلة، حِفاظاً على السلطةِ وتضْليلاً للْجماهير، يتمسّحونَ بـ«توحيدٍ» مزوَّر مشوّهٍ، مبْتور «ميِّتٍ»، لا وجُود لهُ في واقع الحياة، يدُورُ حَوْلَ «المَوْتى» و«القبابِ» والأشْجار والأحْجار والرِّمال و«القُبور»، ويتبجح بتدمير الآثار الإسلامية. فَهُمْ في حقيقةِ الأمْر قدْ قَتلوا «التّوْحيدَ» وأدخلُوهُ «القبرَ»، ثُمَّ جعلوا يطُوفُونَ حولَ هذا القبر يلهجُونَ بالثّناءِ على «الميِّتِ»، ويَهْزجُون لهُ بالتّمجيد!

 

وإنْ كنتَ في شكٍّ مِنْ ذلك، فاستمِعْ إلى تصْريحاتِ «مشايخهم» الخَوَنة، وتأمّلْ في مُسمَّياتِ الأحزابِ العمِيلة الغالية المارقة، والجماعات المُبْتَدِعَةِ الضّالةِ المُدافعةِ عنْهم: «جمعية أهل السنة والحديث»، «أنصارُ السنّة المُحمّدية»، «جُنُودُ الصّحابة»، وعليْكَ بِكُتبِهم الّتي يُوزّعُونها مجّاناً: «طاعة الرحمن في طاعة السلطان»؛ «القُطبيّة، هي الفتنة فاعْرفُوها!»؛ «الحاكميّة، وفتنةُ التّكفير»؛ «تحذير الشباب، من فتنة الخروج والمظاهرات والإرهاب»: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي؛ أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ، «التوبة؛ 9: 49»!!

 

وتأمل في المذابح المروعة، والكوارث الفظيعة التي أصابت أهل الإسلام على أيدي الجماعات الغالية المارقة، الهمجية الدموية، التي خرجت من تحت عباءتهم: كالعصابة الإجرامية المسلحة في الجزائر البارحة، و«داعش»، أي: ما يسمى بـ«دولة العراق والشام» اليوم، و«طالبان باكستان»، وأكثر التنظيمات المنتسبة زوراً وبهتاناً إلى «القاعدة» أو «الجهاد العالمي»، إلا قلة ممن رحم ربي، التي تركت قتال أهل الأوثان المحاربين المعتدين، وسلت السيف على أهل الإسلام، ومن معهم من المواطنين، المعصومين المسالمين، وشملت بالذبح النساء والأطفال،اهلكت الحرث والنسل.

 

ولا عجب من دموية «داعش» الآخرة هذه، ووحشيتها، فما هي في الحقيقة إلا «نسخة» جديدة من «داعش» الأولى: الدولة السعودية الأولي. «نسخة» محدَّثة بإضافة السكاكين والكواتم، واللواصق والألغام. وإن كنت في شك من ذلك فاقرأ شهادة «داعش» الأولى على نفسها، بقلم مؤرخها وإمامها حسين بن غنام المعنون: «تاريخ نجد: روضة الأفكار والأفهام، لمرتاد حال الإمام، وتعداد غزوات ذوي الإسلام».

 

اقرأ وتدبر لتعلم علم يقين أن الفرقة الوهابية إنما هي فرقة مارقة من فرق الخوارج الأزارقة الهالكين، الذين هم – كما نص أهل العلم – أعظم ضلالاً، وأكثر دموية من أهل النهروان، الذين تواترت بذمهم الأحاديث، وقاتلهم إمام الهدى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، عليه من الله رضوان وسلام. وقد قال الإمام الحجة أبو محمد علي بن حزم، رضي الله عنه، في [الفصل في الملل والأهواء والنحل «4/61»]: [وَلَكِن الْأزَارِقَة كَانُوا أعراباً جُهَّالًا كالأنعام بل هم أضلّ سَبِيلا]، والفرقة الوهابية شعبة من الخوارج «الْأزَارِقَة»، فهي إذاً كذلك: كالأنعام بل هم أضلّ سَبِيلا؛ نعوذ بالله من الخذلان.

 

نسألُ اللهَ العظيم أنْ ينْفعَ بهذهِ الرّسالة، وأنْ يجْعلَ أعْمَالَنا كُلُّها خالِصةً لوجْههِ الكريم، إنّه على كلِ شيءٍ قَدِير. وصلّى اللهُ وسلّمَ وبارَكَ على عَبْدهِ ورَسُولهِ مُحَمّد، وعلى آلهِ الطيّبينَ الطّاهِرين، وصَحْبهِ المُخلِصينَ المُجاهِدين، صلاةً دائمةُ، وتسليمُا وتبريكاً كثيرًا الى يوْم الدّين، والحمدُ للهِ ربّ العالَمِين.

الدكتور محمد ين عبدالله المسعري

حزب التجديد الإسلامي 2016